فيما كنتُ أُفكِّر في ما يريدُ الرَّبُّ أن يَقولَهُ لنا في بداية هذه السَّنة الجديدة (أي في سنة 1976)، تَذكَّرتُ مَقطعًا كِتابيًّا مُحبَّبًا جدًّا إلى قلبي؛ وهو مَقطعٌ أعودُ وأقرأُهُ كثيرًا. والحقيقة هي أنَّه مَقطعٌ مَطبوعٌ على المُغَلَّف الَّذي تَسَلَّمَهُ الضُّيوف في هذا المساء، وهي نفس المبادئ المذكورة في تلك الأوراق. وأعتقد أنَّه قد مَضَت خمسُ سنوات على كِتابتي تلك الأشياء الصَّغيرة. ولا أدري إن كانَ أحدٌ ما يَزلُ يَذكُر ما جاءَ فيها. ولكنِّي كنتُ أُفَكِّر في هذه الأفكار والحقائق، وابتدأتُ أَدرسُ الرِّسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي فانكشفت أمورٌ جديدة لقلبي وعقلي خلالَ تأمُّلي في مَعاني النُّصوص العديدة في رسالة تسالونيكي الأولى. وقد استَخلصتُ منها بِضعة استنتاجات عن النَّموذجِ الَّذي يُريدُهُ اللهُ للكنيسة. وقد خَطَرَ ببالي أنَّنا قد نتمكَّن في هذا المساء مِن التَّأمُّل في الأصحاح الأوَّل على وَجه التَّحديد، ثُمَّ في الأصحاحَيْن الثَّالث والرَّابع، واستخلاص بضعة مبادئ أساسيَّة لحياة كنيسة النعمة (Grace Community Church)، أو أيَّة كنيسة أخرى.
إذا كنتَ زائرًا لنا في هذا المساء، يمكنك أن تُطَبِّق هذه الأشياء في كنيستِك أو في الشَّركة الَّتي تَتمتَّعونَ بها في المسيح. ويُمكنك أيضًا أن تُطبِّقها في حياتك الشخصيَّة لأنَّها مبادئ شاملة تَختصُّ بالكنيسة النَّموذجيَّة أو الكنيسة الَّتي يُباركُها اللهُ بَرَكةً خاصَّة، أو الكنيسة الَّتي تَسلُك وَفقًا لخُطَّتِه المقصودة. وأعتقد أنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ في بداية هذه السَّنة الجديدة بسبب حقيقة أنَّ كلَّ سَنة جَديدة تَترُك في أذهاننا انطباعًا بأنَّها بداية جديدة. فهناك شيءٌ خاصٌّ بخصوص كلِّ سَنة جديدة. فهناك شيءٌ بخصوص الأشياء القديمة الَّتي ابتدأت صُورَتُها تَختفي تدريجيًّا بعد الأوَّل مِن شهر كانون الثَّاني/يَناير إذ يُمكنُنا أن ننظر إلى الأيَّام القادمة نَظرةً قد تكونُ جديدةً، وبفكرٍ جديد، وبتكريسٍ جديد. وربَّما كان هذا الوقتُ وقتًا مُناسبًا للنَّظر إلى حالِ كنيستنا، والنَّظر إلى ما يريد الله منها أن تكون – لا فقط نَظريًّا، بل أن نحاول أن نَجعل ذلك شيئًا شخصيًّا، وأن نَجعلَهُ بعد ذلك شيئًا عمليًّا جدًّا مِن جهة ما يريدُ مِنَّا اللهُ أن نَفعله.
وقد كان بمقدورِنا أن نَدرُسَ رسالة أفسُس لأنَّكم تَجِدونَ في رسالة أفسُس العقيدةَ المُختصَّة بالكنيسة. وكانَ بمقدورِنا أن نَدرُسَ سِفْرَ أعمالِ الرُّسُل لأنَّكم تَجِدونَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل تاريخ الكنيسة. ولكنَّكم تجدون في رسالة تسالونيكي الأولى نَموذجًا لكنيسةٍ حَقَّقَتْ تقريبًا الصُّورة الَّتي قَصَدَ اللهُ أن تكون الكنيسة عليها. فكلُّ العناصر الرئيسيَّة الَّتي أرادَ رَبُّنا أن تكون موجودة في الكنيسة وُجِدَت في كنيسة تسالونيكي. وقد سُرِرْتُ جدًّا بِصَرْفِ ما يَقرُب مِن نِصفِ أسبوع في دراسة رسالة تسالونيكي الأولى بعد أن صَرفتُ بقيَّةَ الأسبوع في دراسة رسالتيّ كورنثوس لأنَّ كلَّ شيءٍ خَطأ مِنَ المُرَجَّح أن يَحدُث، أو مِن المُحتمَل أن يَحدُث في الكنيسة قد حَدَثَ حَقًّا في كنيسة كورنثوس؛ خِلافًا لما حدثَ في كنيسة تسالونيكي. لِذا فإنَّ رسالةَ تسالونيكي الأولى تَعرِض لنا نَموذجَ الكنيسةِ الَّتي بَناها المسيحُ حَقًّا.
والآن، بادِئَ بَدْء، اسمحوا لي أن أُسارِعَ إلى القول إنَّه لا يوجد ما يُشيرُ إلى عدد الرَّعيَّة في هذه الرِّسالة تحديدًا. فهي لا تُخبرنا كم كانَ حَجمُ الكنيسة أو كم كانت غاياتُهم أو مَقاصِدُهم الرَّقْمِيَّة. فلا ذِكْرَ لذلك. وهي لا تُخبرنا البتَّة أيَّ شيءٍ عن برامِجها. وهي لا تُخبرنا أيَّ شيءٍ عن نوعيَّة العِظات الَّتي كانت تُقَدَّمُ فيها أو عن نوعيَّة التَّرانيم الَّتي كانوا يُرَنِّموها. وهي لا تُخبرنا أيَّ شيءٍ عن مِساحةِ مواقِفِ السَّيَّارات لديهم. وهي لا تُخبرنا أيَّ شيءٍ عن مدارسِ الأحد، أو عن خدماتِ العبادة. وهي لا تُخبرنا أيَّ شيءٍ عن مُخيَّم المدرسة الثَّانويَّة. فهي لا تُخبرنا أيَّ شيءٍ عن أيٍّ مِن هذه الأمور. ولكنَّها تُخبرنا عن الأمور الداخليَّة. فكما تَعلمون، عندما يَقيسُ الرَّبُّ حَرارة الكنيسة فإنَّه يُريدُ أن يَعرفَ حَرارتها الداخليَّة. أليس كذلك؟ ففي أثناء خدمتها، يَضَعُ الرَّبُّ ميزانَ الحرارة في داخِلها. وقد كانت حرارةُ كنيسة تسالونيكي 37 دَرجة مِئويَّة. فهي حَرارة طبيعيَّة. وبسبب ذلك فإنَّها نَموذجٌ رائعٌ لنا.
ولا شَكَّ في أنَّ بولس كان قد كَرَزَ بالإنجيل لأهل تسالونيكي، وأنَّه أَرسلَ تيموثاوس إلى هناك لمعرفة ما يجري فيها. فكما تَعلمون، كان بولس مُتشوِّقًا جدًّا لمعرفة ما كان يجري في الرَّعيَّة الَّتي تَرَكَها. لذا فقد عادَ تيموثاوس وقَدَّمَ تَقريرًا رائعًا. فنحنُ نقرأُ في الأصحاح الثَّالث والعدد السَّادس: "وَأَمَّا الآنَ فَإِذْ جَاءَ إِلَيْنَا تِيمُوثَاوُسُ مِنْ عِنْدِكُمْ، وَبَشَّرَنَا بِإِيمَانِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ، وَبِأَنَّ عِنْدَكُمْ ذِكْرًا لَنَا حَسَنًا كُلَّ حِينٍ، وَأَنْتُمْ مُشْتَاقُونَ أَنْ تَرَوْنَا، كَمَا نَحْنُ أَيْضًا أَنْ نَرَاكُمْ، فَمِنْ أَجْلِ هذَا تَعَزَّيْنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ...". فبولس يقول: عندما سَمِعتُ أنباءَكُم مِن تيموثاوس، تَعَزَّيْتُ. هل سَمِعتُ يومًا خَبرًا مُفرِحًا؟ والشَّيءُ الَّذي قالَهُ لهُ تيموثاوس هو الَّذي حَفَزَهُ على كتابة هذه الرِّسالة الأولى إلى مُؤمِني تسالونيكي.
والشَّيءُ الَّذي يَجعل الأمر مُدهشًا أكثر هو المُفارَقة الموجودة هنا إذْ إنَّ هذه الرِّسالة كُتِبَت مِن مدينة كورِنثوس. ولا شَكَّ في أنَّ هذا الأمر كان سَبَبَ فَرَحٍ إضافيٍّ لبولس حين عَلِمَ أنَّ كلَّ ما فَشِلَت كنيسةُ كورِنثوس في تحقيقه قد تَحَقَّقَ في كنيسة تسالونيكي. وأرجو أنَّه عندما نَنظُرُ إلى العديدِ مِن هذه المبادئ الرئيسيَّة البسيطة جدًّا، أرجو أن يُساعدنا الرَّبُّ على رؤية ما يُريدُهُ مِنَّا، وكيفَ يُمكننا أن نَختبرَ هذه الأشياء. فكيفَ يُمكن لكنيسة النعمة أو أيِّ كنيسة أخرى أو أيِّ مُؤمنٍ أن يكونَ ما يُريدُ اللهُ مِنهُ أن يكون؟
حسنًا! لننظر إلى بِضعة أمور. أوَّلاً... وسوفَ نُرَكِّز على الأصحاح الأوَّل، أو على الآياتِ العشرِ الأولى الَّتي تُؤلِّف كلَّ ذلك الأصحاح. وسوفَ نَرى العديدَ مِن الأشياء المُختصَّة بالكنيسة النَّموذجيَّة. أوَّلاً، كانت كنيسة تسالونيكي كنيسةً مُخَلَّصَةً... كنيسةً مُخَلَّصَة. وقد تقول: "ولكنَّ هذا الأمرَ لا يبدو خارجًا عن المألوف". الحقيقة هي أنَّه كذلك في وقتنا الحاضر. فهناك كنائس كثيرة اليوم لا تَعرف بَديهيَّات الخلاص. فقد كُنَّا نَدرُس في الشَّهر السَّابق أو الفترة السَّابقة رسالة يهوذا. والحقيقة هي أنَّنا خَتَمْنا سِلسلتنا الدِّراسيَّة لرسالة يهوذا. ونحنُ الآنَ في الوقتِ الفاصِلِ بينَ سِلسِلَتَيْنِ دِراسيَّتَيْن. والرَّعيَّة تَسألُني ما هي السَّلسلة القادمة. وأنا أَكتفي بإخبارهم أنَّني ما زِلتُ أُصَلِّي بهذا الخصوص، وأنَّ الربَّ لم يُرشدني بوضوح حتَّى الآن. ولكنَّنا سنَبقى ننتظر إلى أن يُرشِدَني. ولكنَّنا دَرَسنا رسالة يهوذا. وعندما نَظرنا إلى رسالة يهوذا رأينا أنَّه سيكونُ هناكَ في الأيَّام الأخيرة ارتدادٌ هائل، وأنَّ الكنيسة ستترُك الإيمانَ الحقيقيَّ. ونحنُ نَرى ذلكَ في كلِّ مكانٍ مِن حَولِنا. ولكنَّنا نَجِد نَموذجًا فريدًا في كنيسة تسالونيكي إذْ إنَّها كنيسة مُخَلَّصَة. فهي كنيسة مَولودة ثانيةً بِحَقّ.
وهذا مُبَيَّن لنا في الأعداد الأربعة الأولى مِن خلال الكلماتِ الَّتي يَستخدِمُها بولس. لننظر إلى العدد الأوَّل. ونحنُ لن نَتمكَّن مِن التَّعَمُّقِ في كلِّ شيء، بل سنَكتفي فقط بالإشارة إلى السِّمَة الَّتي نَتحدَّثُ عنها. "بُولُسُ وَسِلْوَانُسُ..." [وَهُوَ اسمٌ آخر لِسيلا الَّذي كانَ صَديقَهُ الحَميم الَّذي رافَقَهُ في رِحلتِه الثَّانية]. "بُولُسُ وَسِلْوَانُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ، إِلَى كَنِيسَةِ التَّسَالُونِيكِيِّينَ، فِي اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. نَشْكُرُ اللهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا". إنَّ السَّببَ الَّذي دَفَعَهُ إلى التَّعبيرِ عن شُكرِهِ لله مِن جِهتهم جميعًا هو أنَّهم كانوا جميعًا في المسيح. فقد كانت هذه الرَّعيَّة كُلُّها مَولودة ثانيةً. "مُتَذَكِّرِينَ بِلاَ انْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ، رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ، أَمَامَ اللهِ وَأَبِينَا. عَالِمِينَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ [بسببِ كلِّ هذه البَراهين] مِنَ اللهِ اخْتِيَارَكُمْ". في هذه الأعداد الأربعة، يقولُ بولس: "مِن الواضح أنَّكم رَعيَّة مَولودة ثانيةً. ومِن الواضح أنَّ الزَّوانَ لم يُوجَد بَعد في الحِنطة. ومِن الواضح مِن خلال نوعيَّة الحياة الَّتي تَعيشونها أنَّكم تَعرفونَ حقًّا الرَّبَّ يسوعَ المسيح". وهُنا تَكْمُنُ بدايةُ الكنيسة الفَعَّالة.
فالسَّببُ الَّذي يَجعل كنائس كثيرة غير فعَّالة هو اختلاط الحِنطة بالزَّوان – وغالبًا حتَّى على مستويات القيادة. فعندما يُوجد أشخاصٌ غيرُ مَولودين ثانيةً في مَوقعِ المسؤوليَّة فإنَّهم يَزيدونَ الطِّينَ بِلَّةً لأنَّهم يَضعونَ اللهَ إلى جانب الشَّيطان. وهذا يَجعلُ عملَ اللهِ أكثر صعوبةً، ويَزيدُ مِن تَشويش النَّاس.
لِنَرجِع إلى سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 17 ونَرى كيفَ أنَّ الأمرَ كُلَّهُ ابتدأ في تسالونيكي لأنَّ هذا سيساعدنا. فنحنُ نَقرأ في العدد الأوَّل: "فَاجْتَازَا فِي أَمْفِيبُولِيسَ وَأَبُولُونِيَّةَ، وَأَتَيَا إِلَى تَسَالُونِيكِي، حَيْثُ كَانَ مَجْمَعُ الْيَهُود". وكما تَعلمون، كما دَرسنا في سِفْر أعمالِ الرُّسُل وتَعلَّمنا، فإنَّ بولس كانَ يَذهب دائمًا إلى المَجمعِ أوَّلاً لأنَّه كان يجد هناك الباب مَفتوحًا على مِصراعَيْه لأنَّه هو نفسُه كان يَهوديًّا. لِذا فقد كان بمقدوره أن يُكَلِّمَ هؤلاء النَّاس. وكانَ يُدرك أيضًا أنَّه إذا ذهب إلى الأُمم أوَّلاً، لن يَقبلَهُ اليهودُ بعد ذلك. لِذا، كان لا بُدَّ أن يَذهب إلى هناك أوَّلاً على رَجاءِ أن يَتمكَّن مِن رِبْحِ نُفوسِ عددٍ مِن اليهودِ للمسيح قبل أن يَكرِزَ في المدينة – لا بمُفرده، بل بمساعدةٍ مِن أشخاصٍ مُعيَّنين. "فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ [أي إلى المَجمَعِ] حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاَثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ". فقد بَقِيَ هناكَ فقط ثلاثة سُبوت؛ أي رُبَّما مَكَثَ هُناكَ مُدَّة أسبوعَيْن مُبتدئًا بيوم سَبت ومُنتهيًا بيومِ سَبت. لِذا فقد "كَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاَثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ مُوَضِّحًا وَمُبَيِّنًا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ". ولا شَكَّ في أنَّ السَّببَ الَّذي كانَ يَمنَعُ اليهودَ مِن قَبولِ أنَّ يَسوعَ هو المَسيَّا هو أنَّه مَات. فَهُم لم يكونوا يُدركونَ حقًّا مَعنى إشعياء 53 أو المَزمور 22 فيما يَختصُّ بآلام المَسيَّا. وَهُم لم يكونوا يَفهمونَ أنَّه ينبغي للمَسيَّا أن يموت. لِذا، كانوا يُلاقونَ صُعوبةً بالغةً في قَبول أنَّ يَسوعَ هو المَسيَّا. لِذا فقد مَكَثَ بولسُ هُناكَ بعضَ الوقت مُبَيِّنًا لهم أنَّهُ كانَ ينبغي أنَّ المسيحَ يَتألَّمَ [لكي يُتَمِّمَ دَوْرَهُ في خُطَّة الله] "وَيَقُوم مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَنَّ: هذَا هُوَ الْمَسِيحُ يَسُوعُ الَّذِي أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ. فَاقْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْهُمْ وَانْحَازُوا إِلَى [أوِ الْتَفُّوا حَوْلَ] بُولُسَ وَسِيلاَ، وَمِنَ الْيُونَانِيِّينَ الْمُتَعَبِّدِينَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ، وَمِنَ النِّسَاءِ الْمُتَقَدِّمَاتِ عَدَدٌ لَيْسَ بِقَلِيل".
فمنذُ البداية، كان هناك تَجاوُبٌ هائل. فقد جَادَلَهُم ثلاثَ مَرَّاتٍ فقط مِنَ الكتاب المقدَّس. وهذه بداية قصيرة. أليست كذلك؟ فقد مَكَثَ ثَلاثَة سُبوت فقط ثُمَّ مَضى. وقد تقول: "لا أدري شيئًا عن تلك الكنيسة. ولا أدري إن كانوا سَيُفْلِحون! وما أعنيه هو: ما الَّذي يَعرفونَهُ عن التَّنظيم؟ فهل ذَهبوا إلى أيِّ كُليَّة لاهوت؟ لقد كانوا غير مُؤهَّلين البتَّة. فقد تَلَقَّوْا تَعليمًا لثلاثة أسابيع فقط. إنَّهم في حَالة مُزْرِيَة. فقد كانوا مِن دونِ الرُّوحِ القُدُس. أليس كذلك؟" لِذا، كَتَبَ بولسُ إليهم. وإن كانَ إنسانًا مِثلي، لا بُدَّ أنَّه افتَكَرَ في نفسِه قائلاً: "والآن يا تيموثاوس، اذهب وانظر كيف هي الأحوال. فأنا قَلِقٌ قليلاً". وقد عادَ تيموثاوس وقال: "إنَّ ذلك المكان عَظيمٌ حقًّا. إنَّ ما يحدث في تسالونيكي رائع حقًّا". لِذا فإنَّ بولسَ يَكتُب هذه الرِّسالة ويقول: "الشُّكرُ للرَّبّ! هذا رائع!"
وقد حَدثَ كُلُّ ما حدث لأنَّها كانت كنيسة مولودة ثانيةً. فيُمكنكم أن تُلاحظوا أنَّ العددَ الأوَّل يقول إنَّهم كانوا "في اللهِ الآب". والمَعنى المقصودُ هو أنَّهم كانوا في يسوعَ المسيح. ونقرأ في العدد الثَّالث: "رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ". ونَقرأ في العدد الخامس: "وَبِالرُّوحِ الْقُدُس". فالأمرُ لا يَقتصِر فقط على أنَّنا نَتبَع فِكْرَ يسوع، والأمرُ لا يَقتصر فقط على أنَّنا نَتبَع تعليمَ المسيح، بل إنَّنا في المسيح. وهذه فكرة رائعة.
وفي الرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 6: 17، قالَ بولس: "وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ [ماذا؟] رُوحٌ وَاحِدٌ". وفي الرِّسالة إلى أهل رومية والأصحاح السَّادس، يَكتُب الرَّسول بولس ذلك المقطع الرائع عن هُويَّة المؤمن في اتِّحادِه بالمسيح. انظروا معي قليلاً إلى رومية 6. وأريدُ فقط أن أَلفِتَ أنظاركم إلى بِضعِ نِقاط هنا. رومية 6: 3: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيح..." – أي: انضمَّ إلى المسيحِ واتَّحَدَ معَ المسيح. فالمعموديَّة هنا لا تُشيرُ إلى مَعموديَّة الماء، بل إلى الاتِّحادِ بالمسيح. "أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ". العدد 8: "فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ".
والآن، ما الَّذي يَقصِدُهُ بولس؟ إنَّه لا يقولُ شيئًا عن الماء. فالماءُ يَرِمزُ إلى الموت، والماءُ يُشيرُ إلى الموت، ولكنَّ المعموديَّة في ذاتِها لا تُخَلِّص. ولكنَّ ما يقولُهُ بولس هو: عندما تصيرُ مُؤمِنًا مَسيحيًّا فإنَّكَ تَتَّحِدُ [بمُعجزةٍ إلهيَّة] بيسوعَ المسيح. فَمِن خلالِ مُعجزةٍ إلهيَّةٍ تتَخَطَّى حُدودَ الزَّمن، أنتَ مُتَّ مع المسيح، ودُفِنْتَ (أي أنَّ حياتَكَ القديمة قد ماتت)، وقُمتَ لِتَسلُكَ في جِدَّة الحياة بقيامَتِه. فأنتَ مُتَّحِدٌ (بطريقة مُعَقَّدة) بيسوعَ المسيح. وحتَّى إنَّ بولسَ قال: "فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا [أين؟] فِيَّ". فالاختبارُ المَسيحيُّ لا يعني فقط أن تَتْبَعَ مَفاهيمَ أخلاقيَّة جاءَ بها إنسان، ولا يَعني أن تُؤمِنَ بشخصيَّة تاريخيَّة، بل يعني أن تَتَّحِدَ باللهِ الحيِّ مِن خلالِ يسوعَ المسيح. فالمؤمنونَ الحقيقيُّونَ هُم في المسيح.
وما هي نتائج كَونِكَ في المسيح؟ استمعوا إلى هذا: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ..." [ماذا؟] "...فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ". فهذا هو ما يَحدث. فعندما تَتَّحِدُ بالمسيح، أَتدري لماذا تَصيرُ خليقةً جديدة؟ لأنَّ الإنسانَ العَتيقَ قد مَاتَ، وأنتَ خُلِقْتَ مِن جديد. وبولس يقول في رومية 6 إنَّكَ تَسلُك في أيِّ نَوعٍ مِن الحياة؟ "في جِدَّةِ الحياة". لماذا؟ لأنَّك خليقة جديدة. وهذه حقيقة مُدهشة. إذًا، ما الَّذي يقولُه بولس هنا حين يَكتب إلى مؤمني تسالونيكي؟ "هل تَعلمونَ لماذا أَشكُرُ اللهَ مِن جِهتكُم جميعًا؟ لأنَّك جميعًا في المسيح، ولأنَّكم جميعًا في الله، ولأنَّكم جميعًا في الرُّوح القُدُس". وَهُوَ يَعني بهذه الكلماتِ أنَّهم مُتَّحِدونَ معًا بالحياة المُشتركة في الثَّالوث. والآن، يجب عليكم أن تَفهموا هذا يا أحبَّائي لأنَّ كونَكَ مَسيحيًّا هو حقيقة رائعة. أليس كذلك؟ فكما تَعلمونَ فإنَّ كلَّ ما ينبغي أن تَفعلَه حقًّا هو أن تُفكِّرَ في ذلك لِتَصرُخَ بأعلى صَوتِك: "هَلِّلويا". لِذا اعلَموا أنَّ حياةَ اللهِ هي مِن نَصيبِكُم. وقد عَبَّرَ بُطرس عن ذلك بالكلماتِ التَّالية إذ قال: "لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ [ماذا؟] الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّة". وهذا رائع!
إذًا، يقولُ بولس: "أنا أشكُرُ اللهَ مِن أجلِكُم يا مُؤمِني تسالونيكي لأنَّكم صِرتم شُركاء الطَّبيعة الإلهيَّة". "نِعْمَةٌ لَكُمْ [كما يقولُ في العدد الأوَّل] وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيح". وهل تَعلمونَ لماذا يَرفَعُ هذه الصَّلاة إلى اللهِ لأجلهم؟ لأنَّهم يستطيعونَ الحصول على ذلك. ولكن كما تَعلمون، لا يُمكنكَ الحصول على نِعمة الله، ولا يُمكنكَ الحصول على سلام الله ما لم تَكُن وَلدًا مِن أولادِ الله. لِذا فإنَّ بولس يُقِرُّ في كلِّ تلك المُقدِّمة بالخلاصِ الحقيقيِّ لهؤلاء الأشخاص.
انظروا إلى العدد الثَّالث. وهذه حقيقة رائعة. فهو يقول: "هل تَعلمونَ كيفَ أَعلمُ أنَّ إيمانَكُم جميعًا حَقيقيٌّ؟" - "مُتَذَكِّرِينَ بِلاَ انْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ". ويُمكنكم أن تَجدوا هُنا مُثَلَّثَ الفضائلِ المسيحيَّة: الإيمان، والرَّجاء، والمحبَّة. فهذه الفضائلُ تَخُصُّ فقط المَفديِّينَ يا أحبَّائي. فَهُوَ يقول: "مِن خلال ما أراه في حياتِكم، أَعلمُ أنَّكم مَفديُّون. وما أَروعَ أن نَشكُرَ اللهَ كلَّ حين ذاكِرينَ أمامَ اللهِ عَملَ إيمانِكُم، وتَعَبَ مَحبَّتِكُم، وصَبْرَ رَجائِكُم. فأنتُم تُبرهنونَ على تَجديدِكُم. وبسببِ هذا كُلِّه، أنا أَعلمُ أيُّها الإخوة [في العدد 4] أنَّ اللهَ اختارَكُم. فأنا أَعلمُ أنَّ اللهَ فَداكُم حَقًّا. أنا أَعلمُ أنَّ اللهَ اختارَكُم حقًّا. فلا يوجد رِياء في تسالونيكي. فهي رَعيَّة نَقيَّة.
وهذهِ هي حَقًّا، يا أحبَّائي، النُّقطة الَّتي يَبتدئ مِنها كُلُّ شيءٍ يَختصُّ بخدمة الله الحقيقيَّة. فالكنيسة ينبغي أن تكون كنيسة طاهرة. والكنيسة ينبغي أن تكونَ كنيسة مُخَلَّصة. فإن كان هذا صحيحًا، أي إن كانت الحقيقة هي أنَّ الله يُبارِك الكنيسة المولودة ثانيةً، ما الَّذي نَعلمُ أنَّ الشَّيطان يريد أن يَفعلَه؟ أن يَتيقَّنَ مِن تَسَلُّل غيرِ المؤمنينَ إلى الكنيسة. أليس كذلك؟ أن يَبتدئ الأشخاصُ الَّذينَ لم يَختبروا التَّجديد بالتَّغلغُلِ في الكنيسة، وأن يَصِلوا إلى أعلى الدَّرجات المُمكنة لأنَّ هذا يُفسِد وحَسْب طَهارة الكنيسة. لذا، كيف تُبقونَهم خارجًا؟ كيف تُبقونَ غير المؤمنين خارج الكنيسة؟ لا أدري إن كان باستطاعتكم حَقًّا أن تفعلوا ذلك دائمًا لأنَّنا لا نَعرفُ الحِنطة مِن الزَّوان. وفي إنجيل مَتَّى والأصحاح 13، قال يسوع: "لا تُحاولوا أن تَفصلوا بين الحِنطة والزَّوان لِئلاَّ تُفسِدوا الأمر، بل انتظروا إلى أن يَفعلَ الرَّبُّ ذلك في نِهاية الدَّهر". ولكنِّي أعرفُ طريقةً جَيِّدَةً واحدةً يَذكُرُها الكتابُ المقدَّسُ لإبقاءِ غير المؤمنين خارجًا. هل تَعلمون كيف؟ بأن تُؤدِّبوا الخطيَّة في الكنيسة. هل تَذكرون ما حدثَ مع حَنانِيا وسَفِّيرة؟ فقد نَظرَ حَنانِيا وسَفِّيرة إلى الكنيسة فرأوا أنَّ المؤمنينَ يَنالونَ ثناءً كَثيرًا لأنَّهم يَسُدُّونَ حاجاتِ الآخرين. وقد جاءَ برنابا وقَدَّمَ مساعدةً ماليَّةً كبيرة. لِذا فقد عادَ حَنانِيا وسَفِّيرة إلى البيت وقالَ أحدُهُما للآخر: "أعتقد أنَّه يجب علينا أن نَفعل ذلك. أعتقد أنَّه إن فَعلنا ذلك فإنَّ الجميعَ سيَظُنُّونَ أنَّنا رُوحِيُّون". لِذا فقد قالا: "أليست لدينا قطعةُ الأرضِ تلك؟ سوفَ نُعطي تلك الأرض للرَّبِّ".
لِذا فقد قالا: "عندما نَبيعُ تلك الأرض، سنُعطي كلَّ ثَمَنِها للرَّبّ". وقد قالَ الجميع: "هذا رائع! يا لَهُما مِن زَوجينِ رائِعَيْن... حَنانِيا وسَفِّيرة!" أتَرَون؟ لِذا فقد باعا الأرضَ. وهل تَعلمون ماذا حدث؟ لقد قالا: "لنَحتفظ بجزءٍ مِن المال لأنفسنا. لن يَعلَمَ أحدٌ بذلك". لِذا فقد احتفظا بمبلغٍ وتَظاهرا بأنَّهما تَبَرَّعا بكلِّ ثَمَنِها. وهل تَعلمون ماذا فَعَلَ الرَّبُّ؟ لقد أَماتَهُما الرَّبُّ أمامَ الرَّعيَّة. فقد سَقَطا مَيِّتَيْن. وقد كان تأثيرُ ذلك هائلاً. ويمكنكم أن تتخيَّلوا كيفَ أنَّ جميعَ أعضاءِ الرَّعيَّة صَحَّحوا فورًا أيَّ شيءٍ غير سَليم.
ولكن هل تَعلمون ما الَّذي يقولُهُ الأصحاحُ الخامس مِن سِفْر أعمال الرُّسُل؟ إنَّهُ حَقٌّ عظيمٌ حَقًّا. فنحنُ نقرأ في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح الخامس: "وَأَمَّا الآخَرُونَ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَجْسُرُ أَنْ يَلْتَصِقَ بِهِمْ". فهل تَعلمونَ ما الكلامُ الَّذي كانَ يُقالُ في المدينة؟ "لا تَنْضَمُّوا إلى تلك المجموعة. فغَلطةٌ واحدة مِنكم تَكفي لإنهاءِ حَياتِكُم!" وكما تَرَون، فإنَّ حقيقةَ تَصَدِّيكُم للخطيَّة وحِرصِكُم الشَّديد على طَهارة الكنيسة يَمنَع زَوانًا كثيرًا مِن الوجودِ في الكنيسة. إذًا، يجب على الكنيسة [بادئَ بَدْءٍ] أن تكونَ كنيسةً مَولودةً ثانيةً. وقد كانت هذه الكنيسة كذلك.
انظروا إلى الأصحاح الثَّاني والعدد 13. فبوصولِنا إلى الأصحاح الثَّاني، نَجِدُ أنَّ بولسَ ما يزالُ يَشكُر الله مِن أجلهم إذ نقرأ في العدد 13: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ". فهو يَستمرُّ وَحَسْب في تَقديمِ الشُّكرِ لله فيقول: نحنُ نَشكُرُ اللهَ "لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ...". فأنتُم لم تَقبلوها كما لو كانت واحدة مِن الفَلسفات، ولا كما لو كانت عِلمَ لاهوتٍ جديد، "...بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ، الَّتِي تَعْمَلُ أَيْضًا فِيكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِين".
فهو يقول: "الأمرُ الَّذي يُفرِحُني هو أنَّه عندما سَمعتُم الكلمة، لم تَكُن مُجرَّدَ شيءٍ رَاقَ لَكُم، ولم تَكُن مُجرَّدَ شيءٍ نَظرتُم إليهِ كما لو كانَ ديانة جديدة، أو كما لو كانَ ثَورةً دينيَّة؛ بل إنَّكم وُلدتُم ثانيةً، واختبرتُم ذلك العملَ الدَّاخليَّ لأنَّكم آمنتُم بها وقَبِلتموها". وَهُوَ يُقِرُّ هُنا مَرَّةً أخرى بأنَّ هذه كنيسة مَولودة ثانيةً. وأيُّ كنيسة تريدُ أن تكونَ فَعَّالة ينبغي أن تكونَ مَفديَّة.
والآن، بسبب مَعرفتي الكافية باستراتيجيَّة الشَّيطان، أعتقد أنَّ كنيسة غريس تَحوي أعضاءَ لم يُولَدوا ثانيةً. وواحدٌ مِن أهدافي في هذه السَّنة هي أن أعثُرَ على هؤلاءِ الأشخاص وآتي بهم إلى المسيح. وقد يكونُ بعضٌ مِن هؤلاء حاضرينَ اليوم ويقولون: "رُبَّما يَعرِفُ أنِّي واحدٌ مِن هؤلاء". رُبَّما أعرف، ولكنَّ المُرَجَّحَ هو أنَّني لا أعرف. ولكنَّنا سنحاول أن نَعثُرَ عليكم. لماذا؟ لأنَّنا نريد أن تَعرفوا المسيح. فنحنُ لا نريدُ أن تَتظاهروا بذلك، بل أريدُ في هذه السَّنة أن تكونَ كنيسة غريس شَرِكَة نَقِيَّة. هل تريدونَ ذلك؟ فأنا أريدُ مِن جميع الأشخاصِ في هذه الكنيسة أن يكونوا حِنطةً، وأن يَنتموا إلى يسوعَ المسيح. وأريدُ أن تَعلموا شيئًا، وسوفَ أكونُ صادقًا معكم. أنا لم أَلْتَقِ بكم جميعًا حتَّى الآن. فقد يأتي شخصٌ أحيانًا ويقولُ لي: "مرحبًا"، فأقول: "مَرحبًا. هل أعرفُكَ؟" فيقول: "أنا في كنيستِك منذُ أربع سنوات". هل فَهمتُم قَصدي؟ ولكنِّي لا أعرفه! ولكنَّنا نريدُ أن نَعرف الأشخاص الَّذينَ يَعرفون المسيح، ونريدُ أن نَعرفَ أنَّ جميعَ الأشخاصِ الموجودين هنا يَعرفون المسيح.
وهذا يُذكِّرُني بما جاء في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح الثَّاني إذ يَتحدَّث يوحنَّا بصرامة شديدة عن الاختلاطِ بالعالم، وعن الرَّعيَّة المُختَلَطة. فهو يَكتُب إلى بَرغامُس ويقول: "وَلكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ [بالتَّعليمِ الزَّائف]" أيُّ تَعليم؟ "تَعْلِيم بَلْعَام". وقد كانَ تَعليمُ بَلعام يُنادي بالاختلاطِ بالعالَم، وبالمساومة، وبإغواءِ بَني إسرائيل كي يَتزوَّجوا مِن وَثنيِّين. وَهُوَ يقول: "إن استَمَرَّيتَ في القيام بذلك، سآتيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُكَ بِسَيْفِ فَمِي". فيسوعُ يقول: "سوفَ أُحاربُ كَنيستي إن ابتدأت كنيستي في المُساومة مع العالَم وابتدأت تَسمَحُ باختلاطها بالنِّظام". فاللهُ يُريدُ كنيسةً طاهرة.
ومِفتاحُ نَجاحِ مُؤمِني تسالونيكي يَرجِعُ في المقام الأوَّل إلى أنَّهم كانوا أنقياء. فإن قرأتُم سِفْر أعمالِ الرُّسُل ستجدونَ أنَّ هذا هو ما جَرى في الكنيسة الباكرة. وقد ابتدأ الأمر في يوم الخمسين (كما جاء في أعمال الرُّسُل 2: 41) إذ إنَّ ثلاثةَ آلافِ شخصٍ آمنوا واعتَمَدوا. وتقولُ الآيةُ الَّتي تَلي هذه: "وَكَانُوا يُواظِبُونَ...". كم كانَ عَدَدُهم؟ ثلاثة آلاف. فهي كنيسة مَولودة ثانيةً. وهل تَعلمونَ ماذا فَعَلوا؟ لقد قَلبوا مدينةَ أورُشَليم رأسًا على عَقِب. أليس كذلك؟ فقد كانَ القادة الدِّينيُّون يَشُدُّونَ شَعرَهُم لِشِدَّة غَضبهم. وسُرعانَ ما قالوا (حَسْبَما جاء في سِفْر أعمال الرُّسُل): "...قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ". وما أريدُ أن أقولَه لكم هو أنَّه عندما تكون لديكَ رَعِيَّة كاملة مَولودة ثانيةً وتَكرِز في المدينة وتَصنعُ المُعجزات بقوَّة الرُّوح القُدُس الَّتي تُرافقهم، مِن المؤكَّد أنَّها ستَقلب المدينة رأسًا على عَقِب. أليس كذلك؟ وهذا هو ما حَدث.
وبولس يقول في العدد 5 ... لاحظوا: "أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ، كَمَا تَعْرِفُونَ أَيَّ رِجَال كُنَّا بَيْنَكُمْ مِنْ أَجْلِكُمْ". أنتُم تَذكرونَ كيفَ جِئنا، وتَعلمونَ أنَّنا كُنَّا رجالاً جاءوا مِن عند الله. وقد قَبِلتُم ما قُلناه، وآمنتُم به. فقد جاءَ إنجيلُنا بقوَّة الرُّوح القُدُس. وقد قَبِلتموه بثقة ويقين. وقد غَيَّرَ حياتَكُم". فقد سمعوا، وآمنوا، وصاروا في المسيح. وكانت تلك هي بداية تأثير تلك الكنيسة. فاللهُ يُريد كنيسة مُخَلَّصَة.
أمَّا الأمر الثَّاني فيبتدئ بالحرف "ميم" حَتَّى تتذكَّروه بسهولة. فاللهُ يريد كنيسةً "مُتَمَثِّلة به". وقد كانت كنيسة تسالونيكي كذلك. وأنا أُحبُّ هذه الجُملة، ولا أريدُ أن أُطيلَ الحديثَ عنها مع أنَّني أستطيعُ أن أفعل ذلك. فنحنُ نَجِد في العدد 6 جُملةً غَنيَّة: "وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ". توقَّفوا هنا. فالسِّمَة الحقيقيَّة لِخلاص أهل تسالونيكي تَتَّضِح مِن خلال هذه الجُملة. فقد صاروا "مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ". والكلمة "مُتَمَثِّلين" هي كلمة رائعة في اللُّغة اليونانيَّة. فهي الكلمة "ميميتاي" (mimetai) الَّتي جاءت منها الكلمة "يَحْتَذي". فأنتُم صِرتُم تَحْتَذونَ بنا. وأنا أُحِبُّ ذلك. فلم يَكُن مؤمنو تسالونيكي أشخاصًا بارعينَ في الكلامِ وحسب، بل بَرَعوا أيضًا في مُحاكاةِ المؤمنينَ الآخرين. فَهُم لم يَكتفوا فقط بالتحدُّثِ عن اختبارهم المسيحيِّ، بل كَرَّسوا حياتَهم حَقًّا للاقتداءِ بمؤمنينَ آخرين. وهذه واحدة مِن الأفكار الَّتي يُرَكِّز عليها بولس. وهو يُكَرِّر هذه الفكرة في العديد مِن الآيات الكِتابيَّة. ولكنَّه يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 4: 16: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ [مُخاطِبًا أهلَ كورنثوس] أَنْ تَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي"؛ أي: أرجوكم. ولكنَّه لم يُضطرّ إلى قول ذلك لأهل تسالونيكي. فقد فعلوا ذلك مِن تِلقاءِ أنفسهِم. ولكنَّه يقولُ لأهل كورِنثوس: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي". وقد تقول: "مِن غير اللاَّئق أن تقول: ’تَمَثَّلوا بي‘". إنَ الأمر ليس كذلك لأنَّه يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 11: 1: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيح". وفي رسالة أفسُس 5: 1، قالَ بولس: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ". ويا لها مِن فكرة غَنيَّة. "فبولس يقول: "تَمَثَّلوا بي". وبولس يقول: "تَمَثَّلوا بالمسيح"، ويقول: "تَمَثَّلوا بالله".
والآن، إن كُنَّا أنا (بصفتي راعيًا)، وشُيوخُكم وقادَتُكم نَتَمَثَّلُ بالمسيح، يُمكنكم أن تَتَمَثَّلوا بنا. أليس كذلك؟ وبذلك فإنَّكم تَتمثَّلونَ بالله. وهذا هو بالضَّبط ما كان يَحدث في كنيسة تسالونيكي. فقد كانت هذه الكنيسة مُكَرَّسة لشيءٍ واحد وهو التَّمَثُّل بالمسيح. فقد كَرَّست نفسها للتَّمَثُّلِ بيسوع. ويا لهُ مِن أمرٍ رائع. والآن، صحيحٌ أنَّنا جميعًا جسد المسيح. وأنا أُحِبُّ أن أُسَمِّيه الجسدَ الثَّاني. فنحنُ جميعًا (بصفتِنا جَسَدَهُ في جميع أنحاء العالم) نُمَثِّلُه. ولكن على النِّطاقِ الفَرديِّ، يا أحبَّائي، يجب علينا أن نَتمثَّلَ به. هل تَذكرون المقطعَ الَّذي دَرسناه عندما دَرسنا رسالة يوحنَّا الأولى قبل بضعة أشهر؟ استمعوا إليه مَرَّةً أخرى: "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ [أي: ثابتٌ في المسيح] يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ [يَفعل ماذا؟] هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا". فإن قلتُ لكم إنَّني في المسيح، يجب عليَّ أن أَتمثَّلَ بالمسيح. فما هي غايةُ المَسيحيّ؟ أن يكونَ مِثل المسيح.
وكما تَرَون، هذا هو مِفتاحُ حياة الكنيسة. فكما تَعلمون، إن كُنَّا نَتمثَّلُ جميعًا بالمسيح، لن نواجِهَ أيَّ مُشكلة في التَّعامُل بعضُنا مع بعض. فهل تَعلمونَ سبب كلِّ المشاكل الَّتي تحدث بينَنا؟ لأنَّنا نَفتَقِرُ إلى التَّناغُم. فقد قال "تُوزَر" (Tozer): "إن كان لديك مِئة بيانو وأردتَ أن تَضبُطَ نَغمات مِئة بيانو، وابتدأتَ في ضَبْطِ الواحِدِ وَفقًا للآخر، يا لها مِن فَوضى! أمَّا إذا كان لديكَ جِهازُ ضَبْط، وَضَبَطْتَ كلَّ الآلات على جهازِ الضَّبط ذاك، ستكونُ جميعُها مُتآلفة بعضُها مع بعض". أليس كذلك؟ وهل تَعلمونَ مَدى سهولة القيام بذلك في الكنيسة؟ فلا يَجوزُ أن نُحاولَ أن نَضبُطَ كلَّ شخصٍ هنا، بل ينبغي أن يَتمثَّلَ كلُّ شخصٍ بيسوعَ المسيح. وحينئذٍ، لن تكونَ لدينا مُشكلة مع الآخرين. التَّمَثُّل بالمسيح.
لقد كانت كنيسة تسالونيكي مُكَرَّسة للتَّمَثُّل بالمسيح. وأرجو أن يكونَ هذا التَّكريسُ موجودًا في قلبك في هذه السَّنة حتَّى تَرغب في أن تكون مُشابهًا للمسيح، وأن تَسلُكَ كما سَلَك. ولا شَكَّ في أنَّه يَتحدَّثُ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثَّاني عن الطَّاعة. فقد سَلَكَ المَسيحُ بطاعة. وهذه هي الطَّريقة الَّتي يَنبغي أن تَسلُكَ بها: بطاعة لله. فقد جاء إلى العالَم وقال: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ...لأَعْمَلَ [ماذا؟] مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي". فقد كان مُطيعًا. ونقرأ في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني أنَّه أَطاعَ حَتَّى ماذا؟ حَتَّى الموت. ثُمَّ إنَّ الأصحاح الثَّاني مِن رسالة فيلبِّي يُضيفُ بُعْدًا آخر للتَّمَثُّل بالمسيح وَهُوَ: "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ". فهناك شيئان مُمَيَّزان حقًّا بخصوص المسيح: أنَّه كان مُطيعًا، وأنَّه كانَ مُتواضعًا.
وقد تَمَثَّلت كنيسة تسالونيكي ببولس وسيلا وتيموثاوس، وتَمَثَّلت بيسوع. والآن، أرجو أن تُدركوا أنَّه بالرَّغمِ مِن فَهمي لهذا الأمر، فإنَّه يَضَعُ مسؤوليَّةً جَسيمةً على كَاهِلي. فأنتُم تَملِكونَ كلَّ الحقِّ، يا أحبَّائي... تَملِكونَ كلَّ الحقِّ [وَفقًا للكتاب المقدَّس وأمامَ اللهِ] أن تَتَمَثَّلوا بحياتي وبحياة قادة هذه الكنيسة. فأنتُم تَملِكونَ كلَّ الحقِّ في القيام بذلك. ونحنُ مُلزَمونَ ونَتحمَّلُ المسؤوليَّة بأنَّكم عندما تَفعلونَ ذلك فإنَّكم تَتَمَثَّلونَ بالمسيح لأنَّنا نَتمثَّلُ به. وصلاتي هي أن أعيشَ أنا شخصيًّا، وأن يَعيشَ القادةُ الآخرون في الكنيسة، وجميعُ الأشخاص الَّذينَ يَقودونَ في كنيسة النعمة، أن نَعيشَ حياةً مُتَمَثِّلَةً بالمسيح حتَّى تَتمكَّنوا [بوصفكم رَعيَّةً] مِن التَّمَثُّل به أيضًا. وحَتَّى عندما تَتمثَّلونَ في حياتِكم [مِن وُجهة النَّظر البشريَّة] بنا، أن تَتمثَّلوا بيسوعَ المسيح لأنَّكم ستكونونَ حينئذٍ كنيسةً... ولأنَّنا سنكونَ حينئذٍ كنيسةً كَما يُريدُ لها الرَّبُّ أن تكون. وقد نالت تلك الكنيسة الخلاصَ وكَرَّسَت نفسَها للتَّمَثُّلِ بالمسيح.
وهناك شيء ثالث أراهُ هنا في الرِّسالة الأولى إلى تسالونيكي والأصحاح الأوَّل وَهُوَ أنَّ هذه كانت كنيسة مُتألِّمَة. وقد تَحدَّثنا عن ذلك في مُناسبات عديدة، ولن أتحدَّث عن هذه النُّقطة بالتَّفصيل، بل سأكتفي بِذِكرِها لكم لأنَّكم تَعرفونَ تفاصيلَها. ولكن لاحظوا العدد 6: "وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ [أو: مُقْتَدينَ] بِنَا وَبِالرَّبِّ، إِذْ قَبِلْتُمُ الْكَلِمَةَ فِي ضِيق كَثِير". وما هو موقفهم بالرَّغم مِن ذلك الضِّيق؟ لقد قَبِلوهُ كيف؟ "بفرح في وَسْطِ ظُروفهم". هل هذا هو ما يَقولُهُ النَّصُّ؟ بفرحِ ماذا؟ الرُّوحِ القُدُس. وكما تَرَون، لم تكن الأمورُ سَهلةً بالنِّسبة إلى كنيسة تسالونيكي. ولا أعتقد أنَّ أيَّ كنيسة مُخَلَّصة ومُكرَّسة حقًّا للمسيح وللتَّمَثُّل بالمسيح ستجد الأمرَ سهلاً جدًّا.
ولمُجرَّد تذكيركم بما حدث في كنيسة تسالونيكي: حالَما نالوا الخلاصَ، وحتَّى قَبلَ أن يَنطلقوا بقوَّة... فقد كانوا قد ابتدئوا وَحَسْب. ولكنَّنا نقرأ حالاً في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 17: 5 تفاصيلَ ما حدثَ. فحالما آمنَ هؤلاء: "غَارَ الْيَهُودُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَاتَّخَذُوا رِجَالاً أَشْرَارًا مِنْ أَهْلِ السُّوق..." وأنا أُحِبُّ هذا الوَصف. فَهُم مَجموعة بَغيضة مِن المُجرمينَ الأشرار المَعروفين. "...وَتَجَمَّعُوا وَسَجَّسُوا الْمَدِينَةَ، وَقَامُوا عَلَى بَيْتِ يَاسُونَ...". وكانَ يَاسُون شَخصًا حديثَ الإيمان. "...طَالِبِينَ أَنْ يُحْضِرُوهُمَا إِلَى الشَّعْبِ. وَلَمَّا لَمْ يَجِدُوهُمَا [أي بولُس وَسِيلا]، جَرُّوا يَاسُونَ وَأُنَاسًا مِنَ الإِخْوَةِ إِلَى حُكَّامِ الْمَدِينَةِ صَارِخِينَ: «إِنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمَسْكُونَةَ حَضَرُوا إِلَى ههُنَا أَيْضًا»". ويا لَها مِن سُمعَة رائعة! إنَّ هؤلاءِ يَقلبونَ العالَمَ رأسًا على عقب. وها قد حَضروا إلى هُنا. وقد ابتدأ الاضطهادُ حالاً. فقد قالوا إنَّهم أثاروا اضطرابًا في المدينة، وَهَيَّجوا النَّاسَ، وهَلُمَّ جَرَّا. وقد ابتدأَ الاضطهاد.
وإذا نَظرتم إلى الأصحاح الثَّاني مِن الرِّسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي والعدد 14، ستجدون كلامًا بهذا الخصوص: "فَإِنِّكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِكَنَائِسِ اللهِ الَّتِي هِيَ فِي الْيَهُودِيَّةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لأَنَّكُمْ تَأَلَّمْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ عَشِيرَتِكُمْ تِلْكَ الآلاَمَ عَيْنَهَا، كَمَا هُمْ أَيْضًا مِنَ الْيَهُودِ، الَّذِينَ قَتَلُوا الرَّبَّ يَسُوعَ وَأَنْبِيَاءَهُمْ، وَاضْطَهَدُونَا نَحْنُ. وَهُمْ غَيْرُ مُرْضِينَ للهِ وَأَضْدَادٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ. يَمْنَعُونَنَا عَنْ أَنْ نُكَلِّمَ الأُمَمَ لِكَيْ يَخْلُصُوا، حَتَّى يُتَمِّمُوا خَطَايَاهُمْ كُلَّ حِينٍ. وَلكِنْ قَدْ أَدْرَكَهُمُ الْغَضَبُ إِلَى النِّهَايَة". والآن، اسمحوا لي أن أُشير إلى بِضعِ نقاط هنا. فهو يقول: "لقد تَعرَّضتُم لِشَتَّى أشكالِ الاضطهادِ في اليهوديَّة". فقد استُشهِدَ بعضٌ منكم، واضطُهِدوا، ومُنِعُوا مِن التَّكلُّم. وكما تَرَون فإنَّ الكنيسة المُخَلَّصة والمُكرَّسة للتَّمَثُّل بيسوعَ المسيح لن تَحصَلَ إلاَّ على عَداوة العالَم. ولا بُدَّ أن يُؤدِّي ذلك إلى الألم.
وقد عَبَّرَ يسوعُ عن ذلك قائلاً: "إن كان العالَمُ يُبغضُني، يُمكنكم أن تتوقَّعوا مِنهم [أن يَفعلوا ماذا؟] أن يُبغضوكم؛ ولا سيَّما إن كُنتم تَتَمثَّلونَ بي". وأنا أُحِبُّ ما قالَهُ بولس. فهو يقول في رسالته إلى أهل كولوسي 1: 24 شيئًا أُسيءَ فَهمُه، وأعتقد أنَّه أُسيءَ تَفسيرُه لأنَّه صَعب. ولكنَّه يقول: "الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ". وقد تقول: "ولكن يا بولس، كيف يُمكنك أن تَفعل ذلك؟" "الحقيقة هي أنَّني قد أتألَّم قليلاً، وأنَّني قد أتعرَّضُ للضَّرب؛ ولكنَّكُم تَخلُصون. وأنا أَقبَلُ بذلك. "الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي". ما الَّذي تقوله يا بولس؟ وما الَّذي تَعنيه بأنَّك تُكَمِّل نَقائِصَ شَدائدِ المسيح في جسدِك؟ ما يعنيه هو التَّالي: أنَّ العالمَ لا يَستطيعُ أن يَضربَ يسوعَ الآن، لِذا فإنَّهم يَضربون الأشخاص الَّذينَ يَتمثَّلونَ به. أليس كذلك؟ فالعالَمُ لم يَنْتَهِ مِن اضطهادِ المسيح. ولكن حيث إنَّهم لا يستطيعونَ أن يَضطهدوه فإنَّهم يَضطهدونني أنا. وأنا فَرِحٌ بذلك ومُستعدٌّ للتَّألُّم مِن أجلِ ذاك الَّذي تألَّمَ لأجلي. وإن كانَ المسيحُ قد تَلَقَّى على الصَّليب ضَرَباتٍ كانَ يَنبغي أن أَتلقَّاها أنا، أعتقد أنَّني أستطيعُ أن أتلقَّى بِضع ضَرَباتٍ يَقصِدُ العالَمُ أن يُوَجِّهَها إليه.
وأليسَ مِن الرَّائع أن تُضطَهدَ لأنَّكَ تَتمثَّلُ بالمسيح؟ وما أعنيه هو أنَّكَ ستحصُل على الأقلِّ على ذلك الإقرار. ولا أدري إن كانَ هناكَ شخصٌ ظَنَّ بأنِّي يسوع المسيح. وإن كان ذلك قد حَدَثَ فإنَّ أحدًا لم يُخبرني. ولكن أليس مِن الرَّائع أن يَضطهِدَكَ شخصٌ لأنَّكَ قَلَبتَ العالَمَ رأسًا على عقب؟ فهذا أمرٌ رائع. وأنا أُحبُّ أن يَغضبَ الجميعُ مِن كنيسة النعمة، لا لأنَّنا نُسيءُ إلى الآخرين، بل لأنَّنا نَكرِزُ بالإنجيل. وهذا كَفيلٌ بِكَشْفِ الخطيَّة. فالكنيسةُ الَّتي تَتَصَدَّى للعالَم لا بُدَّ أن تَتألَّم. فأحدَ عَشَرَ رَسولاً مِن الرُّسُل الاثني عشر [وَفقًا لمعرفتنا] مَاتوا شُهداء. فيجب على الكنيسة أن تكونَ ضَميرَ العالَم. وأنا لا أَعني أنَّنا نريدُ مِن كنيستنا أن تكونَ بَغيضة، ولا أقولُ إنَّنا نريدُ أن تكونَ سُمعتُنا سَيِّئة، ولا أَعني أنَّنا يجب أن نكونَ غير لُطفاء مع الآخرين الَّذينَ لا يَعرفونَ المسيح. فأنا لا أقولُ هذا البتَّة، بل أقولُ العكسَ تمامًا. ولكنِّي أقولُ ما يلي: حيثُ إنَّ العالَمَ خاطئ، يجب علينا أن نَكشِفَ تلك الخطيَّة. وحيثُ إنَّ العالَمَ بحاجة إلى رؤية الصُّورة الصَّحيحة للمسيح، يجب علينا أن نُريهم تلك الصُّورة. وإن كانَ الشَّيطان ونِظامُه سيَنتقمان لذلك، يجب علينا أن نكونَ مُستعدِّين لذلك أيضًا.
ولكن لِنَكُن شيئًا في العالم لا يُشبِه العالَم. أليس كذلك؟ لِنَكُن مُمَيَّزين. ولنَحرص في هذه السَّنة وفي كلِّ سنة على أن نكونَ مُختَلِفين. ولنَكُن ضَميرَ النِّظام. ولنَجعل النَّاسَ يُواجهونَ حقيقة الله، والمسيح، والخطيَّة، والموت، والخُلود.
لقد كانت كنيسة تسالونيكي مُخَلَّصة، ومُكَرَّسة، ومُتألِّمة. وهناك شيء آخر، وَهُوَ شيء أَوَدُّ مِن قلبي أن أتحدَّثَ عنه. فقد كانوا كنيسةً رابحةً للنُّفوس. فقد كانت كنيسة تسالونيكي كنيسةً رابحةً للنُّفوس. وهل تَعلمون شيئًا؟ لقد كانت شَهادتُهم مُزدوَجة. أريدُ منكم أن تَنظروا إلى العدد 7. فهذه هي الطَّريقة الأولى الَّتي نَشهَدُ بها: "حَتَّى صِرْتُمْ قُدْوَةً لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَفِي أَخَائِيَة". فقد عاشوا حياةً نَموذجيَّة. فقد كان بمقدور النَّاس المُحيطين بهم أن ينظروا إلى كنيسة تسالونيكي تلك ويقولوا: "هكذا ينبغي أن تكون الكنيسة". وهل تَعلمون كم مِنَ الوقت استَغرقهم الأمر؟ نحوَ أُسبوعَيْن. فقد خَضعوا وكَرَّسوا أنفسهم للتمثُّل بالمسيح. وحالما فَعلوا ذلك، حَدثَ كلُّ شيء. فالأمرُ لا صِلَةَ له بالبرامج الموجودة لدينا، ولا بقدرتنا على الابتكار، بل على تَمَثُّلِنا بالمسيح. وقد كانَ مؤمنو تسالونيكي يَتمثَّلونَ بيسوعَ المسيح. لِذا فقد كانوا قُدوةً للجميع.
وهل تَعلمونَ كيفَ أريدُ لكنيسة النعمة أن تكون؟ أُريدُ مِن كنيسة النعمة أن تكون قُدوةً للحياة مع يسوعَ المسيح أمامَ العالَمِ بأسرِه. ألا تَوَدُّونَ ذلك؟ وأنا أودُّ أيضًا أن نكونَ قُدوةً للمؤمنينَ الآخرين. وأريدُ أن نُشَجِّعَ المؤمنينَ مِن حولِنا والكنائسَ الأخرى في مُجتمعنا، والكنائسَ الأخرى في بَلَدِنا. فقد كانَ مؤمنو تسالونيكي قُدوةً حتَّى لغير المؤمنين. ولكن انظروا إلى العدد 9. وسوفَ نَتَخَطَّى العدد 8 قليلاً: "لأَنَّهُمْ هُمْ يُخْبِرُونَ عَنَّا، أَيُّ دُخُول كَانَ لَنَا إِلَيْكُمْ، وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ، لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ". والعبارة "هُم يُخبرونَ عَنَّا" تُشير إلى النَّاسِ "في كلِّ مكان" (كما جاء في العدد 8).
فيجب أن تَعلموا أنَّ بولسَ لم يُضطرَّ إلى التَّجوُّلِ وإخبارِ الجميعِ عن اهتِداءِ أهل تسالونيكي. هل تَعلمون لماذا؟ لأنَّهم أَخبروا بذلك. كيف؟ مِن خلال حياتِهم. وهل تَعلمونَ ما الخَبر الَّذي انتشرَ في كلِّ مكان؟ هل سَمِعتُم بما حدث في تسالونيكي؟ هل تَعلمونَ ما الَّذي حدثَ هناك؟ لقد رَجَعوا إِلَى اللهِ مِنْ ماذا؟ مِنَ الأَوْثَان. وهل تَعلمون أنَّ تسالونيكي كانت تَبعُد ثمانينَ كيلومترًا فقط عن جبل أوليمبوس؟ وكان جبل أوليمبوس هو مَقَرُّ جميعِ الآلهة. وكانَ هؤلاء النَّاس قد نشأوا منذ سَنواتِ طُفولتهم الباكرة على الإيمانِ بِكُلِّ أنواعِ الآلهة. فقد كانوا يُؤمنونَ بتعدُّد الآلهة. وكانوا يَعبدونَ آلهةً كثيرةً ومُتعدِّدة في نِظامِهم الوثنيِّ. وهل تَعلمونَ أنَّه بعد كلِّ تلك السَّنوات، وخلالَ ثلاثِ سُبوتٍ مُتعاقبة فقط، هل تَعلمونَ أنَّ كلَّ هؤلاءِ المؤمنين تَركوا كلَّ النِّظامِ الوثنيِّ وصاروا يَعبُدونَ اللهَ الحَيَّ؟ وهل تَعلمونَ ما الَّذي حدث؟ لقد صارَ ذلك هو الخَبر الرَّئيسيّ. "هل سمعتُم بما حدثَ لهم؟"
وَهُوَ يقول: "إنَّ النَّاسَ يَتحدَّثونَ عنكم في كلِّ مكانٍ أذهبُ إليه. فأنا لستُ بحاجة إلى إذاعَةِ أيِّ خَبَرٍ لأنَّ النَّاسَ أنفسَهُم يُخبرونَنا". فقد انتشرَ الخبر. "وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ، لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ". فيجب أن تَعلموا أنَّكم تَشهدونَ للعالَمِ [في المَقامِ الأوَّل] مِن خلال التَّغيير الَّذي يَحدُث في حياتِكم. أليس كذلك؟ فالمِنصَّة الَّتي نتحدَّث منها هي مِنصَّة الحياة الَّتي اختبرت التَّغيير. وما أعنيه هو أنَّكَ إذا كنتَ سِكِّيرًا، لا يُمكنكَ أن تُقدِّم المساعدة لشخصٍ سِكِّير بأن تقولَ له: "يجب عليكَ أن تَتغيَّرَ وتَكونَ صَاحيًا". فهذا الكلامُ لن يكونَ فَعَّالاً. وإذا كنتَ تَغِشُّ في عَملِك، لا يُمكنكَ أن تقولَ لتاجرٍ مُتحايلٍ آخر: "دَعني أُخبرك كيف تكونُ رَجُلاً أمينًا". فهذه مُزحة سَخيفة. وإن كنتَ تَعيشُ حياةً مِن الواضح أنَّها لم تَتغيَّر، لن يكونَ لديكَ شيء تُقدِّمُه لأيِّ شخص.
وقد قال "هاين" (Heine)، وهو فَيلسوفٌ ألمانيٌّ: "إن أَرَيتَني حياتَكَ المَفديَّة، قد أُوْمِنُ بفاديك". وهذا مُنصِف. أليس كذلك؟ لِذا، لِتَكُن صلاتُنا في هذه السَّنة لأجل كنيسة النعمة هي أن يَظهر التَّغييرُ الجَذريُّ في حياتِنا، وأن يَنتشرَ الخبر في كلِّ أنحاء العالَم، وأن يقولَ النَّاس: "هل سَمِعتُم ما حدثَ في مدينة بانوراما؟ إنَّه أمرٌ مُدهش! إنَّ النَّاسَ يَتركونَ عبادةَ الأصنامِ ويَعبدونَ اللهَ الحيَّ!" ألن يكون من الرائع أن يُخبِرَ العالَمُ المؤمنينَ عن ذلك؟ ما رأيُكُم في هذا التَّغيير؟ أن يقولَ لنا العالَمُ ذلك! فالشُّهودُ الأحياءُ، يا أحبَّائي، هُم أساسُ كلِّ شيء.
والآن، انظروا إلى العدد 8. وإليكم شَهادة كلمة الله بِناءً على تلك الحياة: "لأَنَّهُ مِنْ قِبَلِكُمْ قَدْ أُذِيعَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ". والكلمة "أُذيعَت" – "إكزيكيتاي" (exechetai) هي الكلمة الَّتي جاءت منها الكلمة "صَدَى". "لأَنَّهُ مِنْ قِبَلِكُمْ قَدْ تَرَدَّدَ صَدَى كَلِمَة الرَّبِّ". فهل تَعلمونَ أنَّ أحدَ الأشياء الرَّائعة بخصوص الشَّهادة المسيحيَّة هو أنَّه لا يجوزُ البتَّة أن تكونَ مُستقلَّة عن كلمة الله، بل يجب أن تكونَ صَدىً لها. أليس كذلك؟ فعندما تُعلن شيئًا، يجب أَلاَّ يكونَ مِن بَناتِ أفكارِك الشخصيَّة، بل يجب أن يكون [ببساطة] صَدىً للحقِّ الإلهيّ. والصَّدى يقولُ دائمًا نفس الشَّيء. أليس كذلك؟ فإن وقفتَ على جَبل وقُلت: "مَرحبًا"، ما الصَّدى الَّذي ينبغي أن تَسمعَه؟ "مَرحبًا". فلا يجوزُ أن تَسمعَ "مع السَّلامة"، بل "مَرحبًا". فإن قُلتَ شيئًا وأنتَ تَقِفُ على جبل، يجب أن يكونَ الصَّدى مُماثلاً لكلامِك. هذا هو الصَّدى. فالصَّدى هو نفسُ الكلام لأنَّه ارتدادٌ لنفس الكلام. واللهُ وَضَعَ صَوتَهُ فيكَ. إنَّه الرُّوح القُدُس. وهو لا يريدُ منك أن تقولَ كلامًا مِن عندك، بل يريدُ منكَ أن تُرَدِّدَ حَقَّهُ.
وهل تَعلمون ما الَّذي حدث في كنيسة تسالونيكي؟ لم يَقتصر الأمر على أنَّ حياتَهم كانت قُدوة، ولا على أنَّ تَغييرًا جذريًّا قد حدث في شخصيَّاتِهم حتَّى إنَّ النَّاسَ ذُهلوا مِن ذلك وصُعِقوا بسببه. ولكن فوق هذا كُلِّه، أدَّى ذلك إلى إيجادِ مِنَصَّة. ومِن تلك المِنَصَّة، تَرَدَّدَ صَدى كلمة الرَّبّ. وقد رَدَّدوها حتَّى إنَّه: "لَيْسَ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ فَقَطْ، بَلْ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَيْضًا قَدْ ذَاعَ إِيمَانُكُمْ بِاللهِ، حَتَّى لَيْسَ لَنَا حَاجَةٌ أَنْ نَتَكَلَّمَ شَيْئًا". فبولس يقول: "لسنا بحاجة إلى إخبارِ أيِّ شخصٍ عن ذلك. فالجميعُ يَعلَم".
"لأَنَّهُ مِنْ قِبَلِكُمْ قَدْ أُذِيعَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ". وقد تقول: "ولكن كيف انتشرت بتلك السُّرعة؟" هل تَعلمونَ أنَّ الرِّسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي كُتِبَت في غُضونِ أسابيع أو أشهُر مِن تأسيس الكنيسة؟ وقد تقول: "وكيفَ يُعقَلُ أنَّها نَمَت بتلك السُّرعة؟ وكيف انتشرَ الخبرُ في كلِّ مكان؟" هناك أسباب عديدة لذلك. فمدينة تسالونيكي كانت قائمة على الطَّريقِ الأغناطِيِّ (Agnatian Highway) الَّذي كان الطَّريق الرَّئيسيّ المُمتدّ مِن الغرب إلى الشَّرق. وكانت كلُّ الطُرُق التِّجاريَّة تَمُرُّ مِن هناك. وكانت أخبارُ ما يَجري هناك تَنتشر في كلِّ مكان. كذلك، كانت تسالونيكي واقعة على خَليج ثِرما (Thermaic Gulf). وكانت كلُّ أنواع التِّجارة تُمارَس في ذلك الخَليج. وكانت الأنباءُ تَنتشر مِن ذلك الميناء الَّذي كانَ القلبَ النَّابض للتِّجارة. وسُرعانَ ما كانَ الجميعُ يَتكلَّمون عَن تلك الكنيسة الصَّغيرة في تسالونيكي. فقد كانوا يَعيشونَ الإنجيلَ ويَكرزونَ به. وليتَ اللهَ يُساعدنا، يا أحبَّائي، على أن نعيشَ هكذا في هذه السَّنة؛ أي أَلاَّ نَكتفي فقط بالتَّكلُّم عن الإنجيل، بل أن نُعلِنَهُ مِن مِنصَّة التَّغيير الحقيقيّ.
وأنا أشعُرُ بشوقٍ حقيقيٌّ في هذه السَّنة في قلبي... وهذا تَطبيقٌ عَمليٌّ لما قُلتُهُ... سوفَ أتَّكِل على الرَّبِّ في تحقيق ذلك. وسوفَ نَتكلَّم أكثر عن هذا الموضوع، ولكنِّي أودُّ أن أرى أنَّنا نَكرِز لكلِّ شخصٍ في هذه المنطقة بالحقِّ المُختصِّ بالمسيح. ألا تَرغبونَ في رؤية ذلك يتحقَّق؟ وحتَّى لو اقتصرَ الأمرُ على القيام بذلك مَرَّةً واحدة فقط، قَدِّموا لهم الإنجيل. ونحنُ نُصلِّي حَقًّا لكي يُتيحَ لنا الرَّبُّ فُرصةَ القيام بذلك. ولديَّ أفكار رائعة عن الكِرازة بكلمة الله حتَّى لو اضطُررنا إلى... حتَّى لو اضطُررنا إلى أن نُرسِلَ رسائلَ بالبريد لكلِّ شخصٍ في هذه المنطقة بأسرِها، وأن نَطلُبَ منهم فيها أن يَتَّصلوا برَقْمِ هاتفُ مُحدَّد. وإن كانوا مُهتمِّين، سنُرسل تلك البطاقة إلى شخصٍ يعيشُ بالقرب منهم مِن أعضاء كنيستنا. ويمكننا حينئذٍ أن نَكرِزَ بالإنجيل في مُجتمعنا، وأن نُتابِعَ الأشخاص الَّذينَ يُظهرونَ اهتمامًا. ولكنِّي أشعر حَقًّا أنَّ هذه الطَّريقة لن تَنجَح، وأنَّ هذه الطَّريقة لن تكونَ ذات مَغزى إلاَّ إن صَدَّقوا أنَّ هناكَ تَغييرًا حَدَثَ في حياتِنا.
إذًا فقد كانوا مُخَلَّصينَ، وكَرَّسوا حياتَهُم، وتألَّموا، ورَبِحوا النُّفوسَ. وهناك نُقطة أخرى في الأصحاح الأوَّل. فهناك آية أخرى. فهل تَعلمونَ ما الصِّفة الأخرى الَّتي كانت تَتَّصِف بها هذه الكنيسة؟ لقد كانت كنيسة تُؤمِن بالمجيء الثَّاني... كنيسة تُؤمِن بالمجيء الثَّاني. فقد كانوا مُنْهَمِكين. وأريد منكم أن تتذكَّروا العددَ الثَّالث. فقد كانوا يَعملونَ [في العدد 3]، أي يَتعبونَ، ويَرجونَ أيضًا. فلا يُمكنكَ أن تَرجو دونَ أن تَعمل. أليس كذلك؟ انظروا إلى العدد 10: "وَتَنْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، يَسُوعَ، الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي". فعندما ماتَ يسوعُ، خَلَّصَنا من الدَّينونة. وقد قال: "سوفَ آتي ثانيةً". وهل تَعلمونَ شيئًا؟ إنَّ الكنيسة النَّموذجيَّة تَنتظرُ عودَتَهُ.
ولكن هل تَعلمونَ أنَّه توجد كنائس كثيرة لا تَنتظر عودَتَهُ؟ "أَنَّهُ سَيَأتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ... وَقَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟" (كما جاءَ في رسالة بطرس الثَّانية). وهناك أشخاص اليوم يَزعُمونَ أنَّهم مَسيحيُّون، ولكنَّهم لا يتحدَّثونَ عن عودة المسيح. وقد سَمعتُ واعظًا مؤخَّرًا يقول: "أنا لا أتحدَّث البتَّة عن عودة المسيح. فهناك تشويشٌ كبيرٌ جدًّا بخصوص هذا الموضوع". وأعتقد أنَّه مِن الجَيِّدِ أنَّ أعضاءَ كنيستِه لا يَسمعونَهُ يَتحدَّث عن هذا الموضوع. ولكنَّ هذا لا يُعفيه مِن قول الحقّ. وأعتقد أنَّه يجب على كُلِّ كنيسة مُتحمِّسة حقًّا ومُكرَّسة حقًّا لأن تكون كما يريد منها الله أن تكون... يجب عليها أن تُدركَ أنَّ يسوعَ آتٍ. ونحنُ نَنتظر مجيئَهُ. وقد تقول "وما فائدةُ ذلك بالنِّسبة إليك؟" لا أدري ما هي فائدةُ ذلك بالنِّسبة إليك، ولكنَّني أتشجَّعُ عندما أعلمُ أنَّ يسوعَ آتٍ. فهو يقول: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا [وماذا؟] وَأُجْرَتِي مَعِي [لأفعلَ ماذا؟] لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ".
فذاتَ يوم، سوفَ أرى يسوع. وسوفَ يقولُ لي: "ماك آرثر، لديَّ شيءٌ لك". ولا أدري ما هو تَحديدًا، أو ما هي قيمتُه أو ما إلى ذلك". وقد تقول: "وماذا ستفعل به؟ هل ستَجمَعُ الأكاليلَ والمكافآت وحسب؟" لا، بل أريدُ فقط أن يَعلمَ أنِّي أُحبُّه حقًّا. والطَّريقة الوحيدة الَّتي يمكنني مِن خلالها أن أُبرهنَ على محبَّتي له هي بأن أخدِمَهُ بكلِّ قلبي. وأريدُ منه أن يَقولَ لي أنَّه كانَ يَعلمُ أنِّي أُحبُّه. لِذا فإنَّه سيأتي لمُكافأة قِدِّيسيه. ولا أدري ما رَدُّ فعلك على ذلك، ولكنِّي أُفَضِّلُ أن أحصلَ على الذَّهب والفضَّة والحجارة الكريمة في ذلك اليوم عِوَضًا عن الحصول على الخشب والقشِّ والتِّبْن. أليس كذلك؟ فإن كنتُ أَفهمُ الكتابَ المقدَّسَ فَهمًا صحيحًا، فإنَّه يقول في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح الرَّابع إنَّني سآخُذُ أكاليلي وأطرحُها عند قدميه. وأنا أريدُ أن أفعلَ ذلك. وكُلَّما زادَ عددُ الأكاليلِ الَّتي أحصُل عليها، زادَ عددُ الأكاليل الَّتي يُمكنني أن أَطرحَها عندَ قَدميه. وعندما أَعلمُ أنَّهُ آتٍ، فإنَّ هذا يُؤجِّج لَهفتي أكثرَ فأكثر إلى القيام بذلك. فكما تَعلمون، لقد قال يسوع في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح الأوَّل: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا". وبعدَ قليل، ارْتَفَعَ إلى السَّماء. وقد جاءَ مَلاكانِ وَقَالا: "إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ..." [سيَفعل ماذا؟] "...سَيَأتِي [مَرَّةً أخرى]". لا تَنسوا ذلك. سوفَ آتي ثانيةً. ولن يَطولَ الأمر.
ويجب أن تَعلموا أنَّ كلَّ واحدٍ مِن مؤمني العهد الجديد عاشَ حقًّا على رَجاءِ عودةِ المسيح. ويا لَهُ مِن حَافِز! فهذا يَحْفِزُنا على الكِرازة. فالكنيسة الَّتي لا تؤمن بعودة يسوعَ المسيح لا تَفهم مَعنى المُجازاة، ولا تَفهم مَعنى الحاجة المُلِحَّة، ولا تَفهم مَعنى إدانة الأشرار. ولكنَّ الربَّ يريد مِنَّا أن نتذكَّر عودَتَه. والكنيسة النَّموذجيَّة هي كنيسة تُؤمِنُ بالمجيءِ الثَّاني. فنحنُ نؤمنُ بأنَّ يسوعَ آتٍ. هل تؤمنون بذلك؟ أنا أنتظر ذلك بِشَوق. فلا يَسَعُني إلاَّ أن أُفكِّر في أنَّه سيأتي قريبًا. وحيثُ إنَّهُ آتٍ، أريدُ أن أُقدِّمَ كلَّ شيء لديَّ إلى أن يأتي.
واسمحوا لي أن أخرجَ مِن نِطاقِ الأصحاح الأوَّل وأن أَذكُرَ لكم صِفَتينِ إضافيَّتَيْنِ مُدهشتَيْن. فنحن نَجِد في الأصحاح الثَّالث والعدد 8 شيئًا آخر بخصوص هذه الكنيسة وهو أنَّها كانت كنيسة ثابتة إذ نَقرأُ في العدد 8: "لأَنَّنَا الآنَ نَعِيشُ..."، أو يُمكنكم أن تقرأوها هكذا: "نحنُ نَعيشُ حقًّا" أو: "نحنُ نَعيشُ الحياةَ الحقيقيَّةَ" [كما يقول] "...إِنْ ثَبَتُّمْ أَنْتُمْ فِي الرَّبِّ". فعندما سَمِعنا الأنباءَ عنكم، وعَلِمنا أنَّكم ثابتونَ في الرَّبِّ، شَعرنا أنَّنا أحياء. فقد أَسهمتُم في شعورنا بالحياة. لقد جَعلتُم أُسبوعَنا سعيدًا، وجَعلتُم الشَّهرَ سعيدًا، وجَعلتُم كلَّ أوقاتنا سعيدةً. ماذا تعني "إنْ ثَبَتُّم في الرَّبِّ"؟ أي غير مُتزعزِعين.
ما مَعنى الثَّبات في الرَّبّ؟ أعتقد أنَّ ذلك يعني شَيئَيْن، ولكنِّي لا أملكُ الوقتَ لشَرحِ ذلك بالتَّفصيل، ولكنِّي أريدُ أن أَذكُرَ لكم نُقطتَيْن: أوَّلاً، أعتقد أنَّها تعني أنَّكم لستُم مُتقلقِلينَ مِن جهة عقيدتكم، وأنَّكم لا تُساومونَ على أيِّ شيء. فالثَّباتُ في الرَّبِّ يَعني أن تَبقوا راسخينَ وأقوياء مِن جهة العقيدة.
ولكنِّي أعتقد أنَّ هذه العِبارة تعني ما هو أكثر مِن ذلك أيضًا لأنَّك لا تستطيع أن تَثبُت في العقيدة وتَتَجَمَّدَ في مكانك. فهناك شيء آخر ينبغي لك أن تفعله وهو أن تَثبُت في المحبَّة. وقد كانت هذه هي حالُ كنيسة أفسُس. أليس كذلك؟ فعندما تَحدَّثَ رَبُّنا إلى كنيسة أفسُس في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح الثَّاني، قال: "لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ أَنَّكَ تَرَكْتَ [ماذا؟] مَحَبَّتَكَ الأُولَى".
فمِن جهة العقيدة، أنتُم ثابتون. وما الَّذي نقولُه دائمًا؟ إنَّه يوجد شَيئان يَبنيان كنيسةً عظيمة. ما هُما؟ المحبَّة وماذا؟ العقيدة القويمة. وعندما تَثبُتونَ في كلمة الله مِن دونِ زَعزعة، وعندما تَثبُتونَ في المحبَّة، ويَهتمُّ بعضُكم ببعض، ستَكونونَ ثابتين. فسوفَ تكونونَ أقوياء.
وقد كانت تلك الكنيسة، أي كنيسة تسالونيكي، ثابتة في الكلمة. فقد كانوا راسِخينَ في الكلمة. وقد تقول: "كيف تَعلم ذلك؟" انظروا إلى العدد الخامِس مِن الأصحاح الأوَّل: "أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُس. [وقد آمنتُم به، وتَبِعتموه، وقَبلتم أنَّه كلمة الله". وفي الأصحاح الثَّاني والعدد 13: "قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ [وما تزالونَ ثابتين فيها". وَهُوَ يقول في العدد السَّابع مِن الأصحاح الثَّالث: "فَمِنْ أَجْلِ هذَا تَعَزَّيْنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَتِكُمْ فِي ضِيقَتِنَا وَضَرُورَتِنَا، بِإِيمَانِكُمْ". وما أروعَ أن تكونَ الكنيسة غير مُتزعزعة عن عقيدتها، وغير مُتزعزعة عن تَعَهُّدِها بأن يُحبَّ المؤمنونَ بعضُهم بعضًا. فهذا مُهمّ – الثَّبات.
وأنا أُصَلِّي كثيرًا لأجل هذه الكنيسة وأسألُ اللهَ أن يساعدنا على أن نَكونَ ثابتينَ في كلمتِه. هل تؤمنون أنَّ الشَّيطان يريد أن يُرسل ذئابًا خاطفة تُعلِّم تعليمًا كاذبًا؟ هل تؤمنون بذلك؟ حتَّى يَفترسوا المؤمنين؟ بكلِّ تأكيد. أعمال الرُّسُل والأصحاح العِشرون. وهل تؤمنون بأنَّ الله يريد مِنَّا أن نُدرك أنَّ مُعَلِّمينَ كَذَبة قد يَظهرونَ في وَسطنا؟ أجل. لذا، لا بُدَّ مِن وجود تَكريس. وقد كانت هذه كنيسة ثابتة. وبولس يقول: "نحنُ نَشعُر بأنَّنا أحياء حقًّا. ونحن نَشعر هكذا لأنَّكم ثابتون". وقد تحدَّثتُ إلى رُعاةِ كنائس مَرَّات كثيرةٍ ... وَهُمْ أشخاصٌ كانوا يَرعونَ كنائس في السَّابق. وقد تَرَكوا تلك الكنيسة فسقطت تلك الكنيسة في التَّعليم الخاطئ. وهذا أمرٌ يَكسِرُ القلب. لماذا؟ لأنَّ هؤلاء الرُّعاة يَنظرون إلى الوراء ويَتذكَّرون أنَّ بعضًا مِن هؤلاء كانوا خِرافَهُم. فعَلى أقلِّ تقدير، لقد جاءوا إلى المسيحِ مِن خلالهم.
إن دَعاني اللهُ يومًا إلى تَرْكِ هذه الكنيسة، ونَظرتُ يومًا إلى هذه الكنيسة، هناك شَيءٌ واحدٌ فقط، أو في الحقيقة شَيئان يُمكن أن يَكسِرا قلبي وهُما: أن تَفقِد كنيسة النعمة ثباتها في العقيدة، أو أن تَفقد ثباتَ محبَّة المؤمنين بعضُهم لبعض. فهذان هُما المِفتاحان. وقد كانت كنيسة تسالونيكي كنيسةً ثابتة. لِذا، لِنُكَرِّس أنفسنا في هذه السَّنة، يا أحبَّائي، للثَّباتِ في الكلمة. وإحدى الطَّرائقِ الَّتي يُمكنكم مِن خلالها أن تفعلوا ذلك هي أن تَدرُسوا الكتابَ المقدَّسَ معنا، وأن تَشتركوا في تَعَلُّم الكلمة.
ولنَتعهَّد بأن يُحبَّ بعضُنا بعضًا. فقد كانَ أهلُ تسالونيكي ثابتينَ في المحبَّة. وقد تقول: "كيف تَعلم ذلك؟ انظروا إلى الأصحاح الرَّابع والعدد 9: "وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا". فلا حاجةَ إلى أن أقولَ شيئًا عنها. فأنتم ثابتونَ في الكلمة. وقد قَبلتموها لا ككلمة إنسان، بل ككلمة الله. وأنتُم تُحبُّون بعضُكم بعضًا. إذًا فقد كانوا مُخلَّصينَ، ومُكرَّسينَ للتمثُّل بالمسيح، وكانوا كنيسة مُتألِّمة، ورابحة للنُّفوس، وتُؤمن بالمجيء الثَّاني، وثابتة.
والآن، هذا أساسٌ مَتينٌ جدًّا، ولكن هناك نُقطة أخرى؛ وهي مُدهشة حقًّا. لقد كنتُ مُنهمكًا في الدِّراسة فلاحظتُ هذا الشَّيء. فقد كنتُ أقرأُ النَّصَّ وحسب لكي أَستخلِصَ منهُ هذه المبادئ، فلاحظتُ شيئًا مُدهشًا جدًّا. فأنا لم أَجِد في أيِّ رِسالة أخرى في العهد الجديد أنَّ بولس يَذكر كلَّ هذا العدد مِن الوصايا مِن دون الحاجة إلى تَوضيحِها أو الدِّفاعِ عنها أو شَرحِها كما يَفعل هنا. فمثلاً، عندما يَكتُب بولس إلى أهل كورِنثوس فإنَّه يقولُ شيئًا ثُمَّ يُخَصِّصُ أَصحاحَيْن في الدِّفاع عنه. أليس كذلك؟ فَهُم لم يكونوا يَملِكونَ نفسَ العَقليَّة الَّتي يَملِكُها مؤمنو تسالونيكي. وبولس يَكتُب في رسالة رومية والأصحاح 12 العديدَ مِن الوصايا الَّتي كان قد خَصَّصَ أَحَدَ عَشَرَ أصحاحًا مِن أجلِ التَّمهيدِ لها. فهل تَعلمون أنَّه يوجد في رسالة رومية أحدَ عشرَ أصحاحًا تَزخُرُ بالتَّعليم قبلَ أن يَذكُرَ وَصيَّةً واحدة؟ ولكنَّ هذه الرِّسالة (أي رسالة تسالونيكي الأولى) تَحوي وصايا تَخلو مِن المُقدِّماتِ أو الدِّفاعِ أو الشَّرح أكثرَ مِن أيِّ رسالة أخرى كَتَبها بولس. ففي كلِّ مَرَّة كَتَبَ فيها إلى أهل كورِنثوس، كان لا بُدَّ أن يقول: "افعلوا كذا. وإليكم الأسباب"، ثُمَّ يُقدِّم لائحة طويلة مِن الأسباب. أتَعلمونَ لماذا؟ لقد كان أهل كورِنثوس يَسمعونَ أصواتًا كثيرة، ولم يكونوا يَعلمونَ أيَّ صوتٍ يُصَدِّقون.
ولكن هل تَعلمونَ ماذا يقول لأهل تسالونيكي؟ إنَّ هذا يُدهشُني جدًّا. إنَّه مُذهِل! فهو يَذكُرُ الوصايا وحسب. فهو يَكتفي بِذِكرها وحَسْب. فهو يقولُ [على سبيل المثال] في الأصحاح الرَّابع والعدد الثَّالث: "أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الزِّنَا". هذا هو كلُّ ما في الأمر. امتنعوا عنِ الخطيَّة الجنسيَّة. هذا هو كلُّ شيء. وَهُوَ يقول في العدد 11: "وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ الْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ". وفي الأصحاح الخامس مثلاً... هناك العديدُ مِن الوصايا الأخرى... ولكن في الأصحاح الخامس، انظروا إلى هذه الوصيَّة في العدد 12: "ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَعْرِفُوا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ وَيُدَبِّرُونَكُمْ فِي الرَّبِّ وَيُنْذِرُونَكُمْ". قَدِّروا قادَتَكُم. "وَأَنْ تَعْتَبِرُوهُمْ كَثِيرًا جِدًّا فِي الْمَحَبَّةِ مِنْ أَجْلِ عَمَلِهِمْ. سَالِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلاَ تَرْتِيبٍ. شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيع". إنَّها وصايا كثيرة. ويمكننا أن نَعِظَ عن ذلك طَوالَ أُسبوع. "انْظُرُوا أَنْ لاَ يُجَازِيَ أَحَدٌ أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ، بَلْ كُلَّ حِينٍ اتَّبِعُوا الْخَيْرَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ. افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ. لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ. لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ. امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ".
وقد تقول: "ما السَّببُ في ذلك؟ فهو يَكتفي بِذِكْرِ تلك الوصايا وَحَسْب. لماذا؟" أنتَ لستَ بحاجة إلى تَرديدِ الكلمة "لماذا؟" لأهل تسالونيكي. أتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّهم كانوا كنيسة خاضعة. وهذه حقيقة رائعة. فأنتَ لستَ بحاجة إلى الدِّفاع عن أيِّ شيء. هل تتخيَّلون أن آتي يوم الأحد صباحًا وأقول: "آيَتُنا هي الرِّسالة الأولى إلى تسالونيكي 5: 16: "افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. دَعونا نُصَلِّي! وفي الأسبوع القادم، سوف نَقرأ الآية 17". سوفَ يكونُ المكانُ مُزدحمًا إن قَدَّمنا عِظاتٍ كهذه... قصيرة! وفي كنيسة كورِنثوس، لو أنَّه قال "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ"، يجب عليه أن يُخَصِّص ثلاثة أصحاحات لإثباتِ ذلك. هل تَعلمونَ لماذا لم يكن بحاجة إلى القيام بذلك مع كنيسة تسالونيكي؟ لأنَّهم كانوا يَملكونَ روحًا خاضعًا لكلمة الله. وهذا هو ما جَعلَهُم غير عاديِّين. هذه هي الصِّفات السَّبع المُهمَّة جدًّا لهذه الكنيسة الصَّغيرة. فقد كان هؤلاء الأشخاص يَخضعونَ لكلمة الله منذ البداية. فنحن نقرأ في الأصحاح الأوَّل والعدد 6: "وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ، إِذْ قَبِلْتُمُ الْكَلِمَةَ...". وكيفَ قَبِلوها؟ "فِي ضِيقٍ كَثِيرٍ [بماذا؟]، بِفَرَح". ونقرأ في الأصحاح الثَّاني والعدد 13: "قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ". وفي الأصحاح الرَّابع والعدد الأوَّل: "فَمِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ نَسْأَلُكُمْ وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ فِي الرَّبِّ يَسُوعَ، أَنَّكُمْ كَمَا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَسْلُكُوا وَتُرْضُوا اللهَ". فهو يقول: "لقد قَبلتموها. وقد فَتحتم قَلبَكُم وقَبلتموها. والآن، استمرُّوا وحسب في القيام بذلك".
إنَّ ما جَعَلَ هذه الكنيسة فَريدة هو أنَّهم كانوا مُكرَّسينَ تَكريسًا غيرَ مشروط للخضوعِ لكلمة الله. وهل تَعلمون ما الَّذي أُوْمِنُ به؟ أنا أُوْمِنُ بأنَّ الدَّورَ الرئيسيَّ للرَّاعي في الكنيسة هو أن يُحْدِثَ مِثلَ هذا الخُضوع التَّامَّ في رَعيَّتِه لكلمة الله. فإن عَلَّمتُكم كلمةَ الله، وشاركتُ معكم كلمةَ الله، وتَعلَّمتُم كلمةَ الله، ورأيتُم كلمةَ الله تَعمل في حياتِكم، وصِرتُم مُثمِرينَ أكثر فأكثر، وأطعَمتُكُم كلمةَ الله إلى أن صارَ دَمُكم [كما قال سبيرجن Spurgeon]: "مُشَبَّعًا بكلمة الله"، وصِرتُم مُمتلئين بها ومَغمورين في كلمة الله، هل تَعلمونَ ما الَّذي سيحدث؟ سوفَ تَخلِق كلمة الله بيئَتَها الخاصَّة بها. وسيصيرُ كلُّ شيءٍ يَجري مِن خلالِ شَبكة كلمة الله. وإن كنتُ أَرجو أن أُحقِّقَ أيَّ شيءٍ في هذه الخدمة فهو التَّالي: أن أَجعلَكُم خاضعينَ لكلمة الله. فحينئذٍ، عندما نُقدِّمُ كلمة الله ستقولون: "هل هذا هو ما تقولُه كلمةُ الله. هذا رائع!"
هل تَعلمونَ ما يحدث في الكنيسة الَّتي لا تُشَكِّل فيها كلمةُ الله الصُّورة الكاملة، والَّتي لا يوجد فيها ذلك النَّوع مِن الخضوع؟ غالبًا ما يَطرَحُ الرَّاعي العديدَ مِن المواضيع، ويَعرِضُ أفكارَهُ الشخصيَّةَ، ولكنَّ كلَّ كلامَهُ يَذهَبُ أَدراجَ الرِّياح. وبين الحين والآخر، تَحدث مُشكلة في الكنيسة فيَنزعِج حَقًّا من المشكلة. ثُمَّ إنَّه يَبحث في الكتاب المقدَّس ويُقدِّم عظة كاملة مِن الكتاب المقدَّس، ويَتطرَّق إلى المشكلة فلا يَجِدُ تَجاوبًا مِن الجميع. لماذا؟ لأنَّهم لم يَتعلَّموا يومًا أن يَخضعوا للكلمة، ولأنَّ الكلمة تأتي مِثلَ أيِّ كلمة أخرى نابعة مِن آرائه، ولأنَّهم لا يَملِكونَ عقليَّةَ الخُضوع، بل هُم مِثل أهل كورنثوس.
ولكن إنْ وُجِدَ روحُ الاستعدادِ للطَّاعة ذاك، والقلبُ الخاضعُ ذاك فإنَّ كلَّ ما ينبغي لكم أن تَفعلوه هو أن تَفتحوا الكلمة وتَقبلوها. وسوفَ أُعَلِّمُكم الكلمة في سنة 1976. أتَعلمونَ ذلك؟ وماذا أيضًا؟ وسوفَ أُصلِّي إلى اللهِ كما لم أفعل مِن قبل لكي يُعطينا روحَ ماذا؟ الخُضوع. والآن، ما مَعنى ذلك؟ هذا يعني أنَّكَ إن قُلتَ: "لا أدري ماذا أفعل"، ما الَّذي يقولُه الكتاب المقدَّس؟ إنَّهُ يقولُ: يجب أن تَفعلوا ذلك. "حَقًّا؟ لا أدري إن كنتُ أريدُ أن أفعلَ ذلك!" إذًا، أنتَ خَارِجَ مَشيئة الله. ولكنِّي أريدُ أن يُعطينا الله روحَ خُضوعٍ لكلمته لكي نَمْتَحِنَ كلَّ شيء في حياتِنا في ضَوْءِ صفحات الكتاب المقدَّس. أليس كذلك؟ لأنَّنا عندما نَفعل ذلك فإنَّ اللهَ يُبارك. أليس كذلك؟ وأنا أريدُ أن تكونَ كنيسة النعمة كلَّ ما يريدُ منها يسوعُ أن تكون. ألا تَرغبونَ في ذلك أيضًا؟ أنا أرغبُ في ذلك حَقًّا. وهذه هي صلاتي. وأنا أعلَمُ شيئًا سأقولُهُ لكم... لكلِّ شخصٍ منكم يَجلس في مِقعدِه هنا. أنا أتحَّدثُ إليكم.
هل تَعلمون شيئًا؟ أنتُم كنيسة غريس. واسمحوا لي أن أسألكم سؤالاً: هل أنتُم مُخَلَّصون؟ هل أنتم كذلك؟ هل تَعرفونَ حَقًّا يسوعَ المسيح مُخَلِّصًا؟ اسمحوا لي أن أسألكُم سؤالاً: هل تَتَمَثَّلون بالمسيح؟ هل أكبرُ شوقٍ لديكم وأسمَى هدفٍ في حياتكم هو أن تَتمثَّلوا بالمسيح؟ هل تتألَّمونَ قليلاً مِن أجل التَّمثُّل بالمسيح؟ هل تَربَحونَ نُفوسًا للرَّبِّ؟ هل تَقودُونَ النَّاسَ إلى يسوعَ المسيح؟ هل تَنتظرونَ المجيءَ الثَّاني؟ هل تَخدِمُونَه بكلِّ قلبكم وتَستطيعونَ أن تقولوا مع يوحنَّا: "آمين تَعال أيُّها الرَّبّ يسوع؟" وماذا عن السُّؤال التَّالي: هل أنتم ثابتونَ في العقيدة القويمة والمحبَّة؟ وهل أنتم خاضعونَ للكلمة؟ لأنَّكم إن لم تكونوا كذلك، هل تَعلمونَ ما الَّذي سيحدث؟ لن تكونَ كنيسة النعمة كذلك؟ دَعونا نُصَلِّي:
يا رَبّ يسوع، نحنُ نَعلم أنَّكَ صَلَّيتَ لأجل كنيستِك، وأنَّك ما زِلتَ تَتشفَّعُ فينا. ونحنُ نَعلم أنَّك قلتَ إنَّك ستَبني كنيستَك، ولكنَّنا نُسَبِّب لكَ الكثير مِن المَتاعِب في أثناء قيامِك بذلك. ساعِدنا على أن نَبنيها معك. وساعِدنا على أن نَجعل كنيستَك كما أردتَ لها دائمًا أن تكون. ويا رَبّ، ساعدنا على أن نَعرفَ ما يَلي: أنَّ أيَّ تَنظيم لا يستطيعُ أن يَفعل شيئًا إن لم تَتَّصِف الرَّعيَّة بالصِّفات المَطلوبة، وأنَّ جسدَ المسيح كُلَّهُ لا يستطيع أن يَفعلَ أيَّ شيء يَختلِف عن صِفاتِ الأفراد، وأنَّ كلَّ المسيحيَّة لا تَستطيعُ أن تُمَثِّلَ المسيح في العالَم ما لم أَتمثَّل أنا شخصيًّا به. ساعِدني على أن أعرفَ يا رَبّ، وساعِد كلَّ واحدٍ مِن إخوتي وأخواتي في هذا المساء على أن يَعرفوا أنَّ الكنيسة في العالم ستكونُ صُورةً طِبْقَ الأصْلِ عنهم في العالَم. ويا أبانا، أنتَ تَسمع كلَّ صَلاة نابعة مِن كلِّ قلب. وصلاتي هي أن تكونَ هذه الصَّلوات هي ما تُريدُ حَقًّا أن تَسمعَه. وصلاتي هي أن تساعدنا على أن نكونَ أُمناء ومُنفتِحين، وأن نُكرِّس أنفسَنا لك في بداية السَّنة الجديدة في هذا المساء. فقد فَعلتَ الكثيرَ لأجلنا يا رَبّ. ونحن نريد فقط أن نُعطيكَ المجد. فنحنُ نَعلم أنَّك تَتمجَّد عندما تكون كنيستُك ما تريدُ منها أن تكون. وهي تكونُ ما ينبغي لها أن تكون عندما نكونُ نحنُ كما ينبغي أن نكون. لذا فإنَّنا نُكرِّس أنفسنا لك. باسم المسيح.
This article is also available and sold as a booklet.
