Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كما تَعلمونَ، فإنَّنا نَدرسُ الأصحاحَ الثَّامنَ عشرَ الرَّائع مِن إنجيلِ مَتَّى. وقد رأينا ما يَقولُهُ عن ضَرورةِ أن يَصيرَ المُؤمِنونَ مِثلَ الأولاد. وفي الأسابيعِ والأشهُرِ القليلةِ الماضية، رَكَّزنا على أهميَّةِ الاهتمامِ الدَّائمِ والمُستمرِّ في شركةِ المَفدِيِّينَ [أيِ الكنيسة] بمُعالجةِ الخطيَّة. وقد رأينا كيفَ أنَّ الرَّبَّ يُوصي تلاميذَهُ بتأديبِ المؤمنينَ الَّذينَ يُخطِئون. وقد رأينا أيضًا كيفَ أنَّ الرَّبَّ يُوصينا بخصوصِ مُسامحةِ الأشخاصِ الَّذينَ يُخطِئونَ ويَرجعونَ عن تلك الخطيَّة. لِذا فقد تحدَّثنا عن كُلِّ مَوضوعِ التَّأديب: الانتِهارِ، وتَوبيخِ الخطيَّة، والحَضِّ على القَداسة، والسَّعيِ وَراءَ المؤمنينَ الَّذينَ يُخطِئونَ مِن أجلِ رَدِّهِم إلى الطَّاعة. وفيما كنتُ أُفكِّرُ في ذلكَ في الأسبوعِ الماضي أو نَحوِهِ، فَكَّرتُ كثيرًا في موضوعِ التَّأديب. وقد ناقَشنا ذلك ووَضَّحناه. وقد تَحدَّثنا أيضًا عن موضوعِ الغُفرانِ؛ وهو موضوعٌ مُقدَّمٌ تَقديمًا رائعًا في هذا الأصحاحِ الثَّامن عشر. ولكنِّي تَذكَّرتُ موضوعًا لم نُناقشه حَقًّا بالتَّفصيل. وهذا الأصحاحُ [أيِ الأصحاحُ الثَّامن عشر مِن إنجيلِ مَتَّى] لا يُناقشهُ بالتَّفصيل أيضًا وهو: خِدمَةُ رَدِّ المُؤمِنِ الَّذي يُخطِئ.

فما الَّذي تَفعَلُونَهُ حينَ يُخطئُ المُؤمِنون؟ أنتُم تُوَبِّخونَهُم. وما الَّذي تَفعلُونَهُ حينَ يَتوبُونَ ويَرجِعُونَ عن تلكَ الخطيَّة؟ أنتُم تُسامِحونَهُم بِكُلِّ ما في الكلمةِ مِن مَعنى. ثُمَّ ما الَّذي تَفعلونَهُ بعدَ مُسامحتِهم؟ أنتم تَرُدُّونَهُم إلى الشَّرِكَة؟ فأنتم تَقبَلُونَهُم وتُعيدوهُمُ إلى المكانَةِ الَّتي كانت لهُم قبلَ أن يَسقُطوا. ويبدو أنَّ خِدمةَ الرَدِّ هي جُزءٌ مُهمٌّ وأخيرٌ في عمليَّةِ تَفكيرِنا.

في ضَوْءِ ذلك، أَوَدُّ أن أَلفِتَ أنظارَكُم إلى الرِّسالة إلى أهلِ غَلاطيَّة والأصحاحَيْن الخامِس والسَّادِس، وأن أُخرِجَكُم مِن أجواءِ إنجيلِ مَتَّى في هذا الصَّباح؛ مع أنِّي سأُبقيكم في نفسِ الموضوعِ الَّذي ناقشناهُ في إنجيل مَتَّى. وأعتقد أنَّه يَكفي أن أقولَ مَرَّةً أخرى كمُراجعةٍ لموضوعِنا إنَّ مُعالجةَ الخطيَّةِ في الكنيسة يَترُكُ أثرًا عظيمًا. وقد أَسَّسَ الرَّبُّ كنيستَهُ بحيث تكون طَهارةُ الكنيسةِ أهميَّةً قُصوى. وقد قالَ الرَّسولُ بولُس إنَّه يُريدُ أن يُقدِّمَ للمسيح عَذراءَ عَفيفة. وهو يَكتُبُ إلى أهلِ أفسُس عن أهميَّةِ عدم الشَّركة مع أولئكَ الَّذينَ يَعملونَ أعمالَ الظُّلمة. وهو يقولُ لأهلِ كورنثوس: "إن وَجدتُم أيَّ شخصٍ في الكنيسةِ يُخطئ، امنَعوهُم مِن الشَّرِكَةِ معَكُم". فالأولويَّةُ القُصوى هي مُعالجة الخطيَّةِ عندَ حُدوثِها في عائلةِ الله. فكما قالَ بولس في الأصحاحِ الخامسِ مِن رسالتهِ الأولى إلى أهل كورنثوس، فإنَّ "خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ". لِذا، فإنَّ الكنيسةَ الطَّاهرة هي أولويَّة قُصوى لدى الله. وقد رأينا كيفَ أنَّهُ بسببِ ذلك، مِن الضَّروريِّ أن نَتصدَّى للخطيَّة مِن خلالِ التَّأديبِ، ثُمَّ مِن خلالِ الغُفرانِ، والآن مِن خلالِ رَدِّ الخاطِئ.

والآن، بعدَ أن عَرَفنا ذلك، اسمَحوا لي أن أَجذِبَ انتباهَكُم إلى ما جاءَ في الرِّسالة إلى أهلِ غَلاطيَّة. وأريدُ أن أقرأَ مِن بدايةِ العدد 26؛ وهو العدد الأخير في الأصحاحِ الخامِس. والحقيقةُ هي أنَّه ينبغي أن يكونَ العددُ الأوَّل في الأصحاحِ السَّادس في اعتقادي. وسوفَ أقرأُ إلى نِهايةِ العددِ السَّادسِ مِنَ الأصحاحِ السَّادس: "لاَ نَكُنْ مُعْجِبِينَ نُغَاضِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَنَحْسِدُ بَعْضُنَا بَعْضًا. أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا. اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ. لأَنَّهُ إِنْ ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ شَيْءٌ وَهُوَ لَيْسَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَغُشُّ نَفْسَهُ. وَلكِنْ لِيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ فَقَطْ، لاَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ. لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَ نَفْسِهِ. وَلكِنْ لِيُشَارِكِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْكَلِمَةَ الْمُعَلِّمَ فِي جَمِيعِ الْخَيْرَات". والآن، تَجِدونَ هُنا نَصًّا يَتحدَّثُ عن رَدِّ الخاطِئ. والكَلامُ يَتضمَّن حَديثًا عن التَّأديب، ويَتضمَّن حَديثًا عن الغُفران؛ ولكنَّ التَّركيزَ يَنْصَبُّ على الرَّدّ. وهذا أمرٌ جَوهريٌّ. فيجب أن يكونَ هناكَ تأديب، ويجب أن يكونَ هناكَ غُفران، ويجب أن يكونَ هناكَ رَدٌّ كاملٌ. وأعتقد أنَّ هذا هو ما قَصَدَهُ بولسُ في قلبِه في رسالته الثَّانية إلى أهل كورنثوس والأصحاح الثَّاني عندما قال: "إن لم تَفعلوا ذلكَ فإنَّكم تُعطونَ إبليسَ مَكانًا". فهذه دعوة مَفتوحة للشَّيطان لكي يأتي ويُمَزِّق الكنيسة.

لِذا فإنَّنا نَطرحُ السُّؤالَ التَّالي بخصوصِ ما قرأناه في الرِّسالة إلى أهل غَلاطيَّة: ماذا ينبغي أن تَفعل مع مُؤمِنٍ أخطأَ وتَجاوبَ مع التَّأديب، وتابَ عن الخطيَّة، ونالَ الغُفرانَ وعادَ إلى الشَّركة؟ ماذا تَفعلُ لِرَدِّه إلى القوَّةِ الرُّوحيَّة الَّتي كانَ يَتمتَّع بها قبل أن يَسقُط؟ والجوابُ مَذكورٌ في هذا النَّصّ. فهذه خِدمةُ رَدّ.

والآن، لكي نَفهمَ ذلكَ في سِياقِه، أريدُ أن أُقَدِّمُ لكم خَلفيَّةً صغيرة. فقد كانت لغَلاطيَّة مَكانة مُميَّزة جدًّا في حياةِ الرَّسول بولس. ففي رِحلاتِه التَّبشيريَّة الثَّلاث، زارَ ذلك المكان. فقد زارها أوَّل مَرَّةً لتأسيسِ كنائسَ هناك، وزارها في المَرَّتينِ التَّاليتَيْن لتأكيدِ قيادَتِهم وتَقويتهم وبِنائهم. لِذا فقد كانت مكانًا مُميَّزًا في خدمة بولس. وغلاطيَّة ليست بلدة، بل هي مَنطقة أو مُقاطعة توجد فيها بَلدات عديدة مِثل لِسْتِرَة، ودَرْبَة، وإيقونِيَة، وأنطاكِيَة التَّابعة لمُقاطَعةِ بِيسِيدِيَّة. وفي جميعِ تلك الأماكن، نَادي بولسُ بإنجيل يسوعَ المسيح وابتدأت الكنيسة. وقد عادَ وأكَّدَ إنجيلَ النِّعمة، وعَلَّمَهُم كيف يعيشونَ في النِّعمة، وعَلَّمَهُم كيفَ يَتمتَّعونَ بقوَّةِ روحِ الله ففَعلوا حَسَنًا. فقد ابتدأوا حَسَنًا، بل ابتدأوا بدايةً رائعة.

ثُمَّ جاءَ أُناسٌ يُعرَفونَ بالمُهَوِّدين. وقد كانوا يَهودًا. وَهُم لم يُنكروا المسيحيَّة، ولم يُنكروا يسوعَ المسيح، ولم يُنكروا الإنجيل؛ ولكنَّهم قالوا إنَّ الإنجيلَ غير كامِل، وإنَّهُ توجد أشياءٌ ينبغي أن تُضافَ إليهِ ولا سِيَّما الخِتانُ وحِفْظُ ناموسِ مُوسَى. وقد قالوا لهؤلاءِ المَسيحيِّينَ في غَلاطيَّة: "أنتُم لستُم مَسيحيِّينَ حَقًّا، ولستُم في المَلكوتِ حَقًّا لأنَّكم أُمَمٌ ولم تُخْتَنوا، ولأنَّكم لا تَسلُكونَ بحسبِ ناموسِ مُوسَى". لِذا فقد فَرضوا عليهم النَّاموسيَّة اليَهوديَّة. لِذا فقد صارَ هؤلاءِ يُعرَفونَ بالمُهَوِّدين. وقد كانوا بصورة أساسيَّة يُعلِّمونَ ثلاثةَ أمورٍ مَذكورة في هذه الرِّسالة: أوَّلاً، لقد عَلَّموا أنَّ بولسَ لم يكن رَسولاً حَقيقيًّا أو مَشروعًا. وقد عَلَّموا ذلكَ لأنَّ أفضلَ طريقةٍ كانوا يَعرفونها لِدَحْضِ تَعليمِه هي أن يَطعنوا فيهِ شخصيًّا. فإن استطاعوا أن يُشَكِّكوا في أنَّهُ رَسول، يمكنهم أن يَنطلقوا مِن تلك النُّقطة وأن يَدحَضوا تَعليمَه. لِذا فقد هاجَموا رَسوليَّتَه. وهذا هو سَببُ كِتابة الأصحاحَيْن الأوَّل والثَّاني مِن رسالة غَلاطيَّة: للدِّفاعِ عن رَسوليَّة بولُس.

ثانيًا، لقد قالوا إنَّ الخلاصَ يَتوقَّف على الخِتان، ثُمَّ على الإيمان؛ أي أنَّ الإيمانَ وَحدَهُ لا يَكفي، بل يجب على المرءِ أن يَخضعَ لتلكَ العمليَّة الجِراحيَّة أيضًا. وهذا هو سَببُ كتابة الأصحاحَيْن الثَّالث والرَّابع مِن رسالة غَلاطيَّة: للرَّدِّ على تلك الحُجَّة وإثباتِ أنَّ الخلاصَ هو بالنِّعمة مِن خلالِ الإيمان بمعزِلٍ عنِ الخِتان. ثالثًا، لقد عَلَّمَ المُهَوِّدونَ أنَّ الحياةَ المسيحيَّةَ تَتطلَّب مُراعاةً دائمةً وكاملةً لناموسِ مُوسى. وهذا هو سببُ كِتابةِ الأصحاحَيْن الخامسِ والسَّادس مِن رسالة غَلاطيَّة: للرَّدِّ عن ذلك الخطأ.

والآن، مِن الواضحِ أنَّ المُهوِّدينَ تَركوا تأثيرًا. فلا شَكَّ في ذلك. ويمكنكم أن تُدركوا ذلك مِن خلال النَّارِ الَّتي تَقْدَحُ في عَينيِّ بولس وهو يَكتُب. فنحنُ لا نَجِد هنا تلك الكلمات اللَّطيفة والرَّقيقة، بل هي الرِّسالة الوحيدة الَّتي كَتَبَها ولم يَمدَح فيها أيَّ شخصٍ على أيِّ شيءٍ ولم يَذكُر فيها أيَّة مُلاحظات شخصيَّة. فهو يُركِّز فقط على الرَّدّ. وهو يَعلم أنَّهم تَركوا تأثيرًا. وهذا واضحٌ بصورة خاصَّة في العددِ الأوَّل مِنَ الأصحاحِ الثَّالث: "أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لاَ تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟" وفي العددِ الثَّالث: "أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَد؟" لِذا فإنَّه يَصِفُهُم بأنَّهم أغبياء مَرَّتين. فقد خَدَعَهُم أُناسٌ مَا وتَركوا تأثيرًا بالغًا فيهم.

والآن، حينَ نَأتي إلى الأصحاحِ السَّادس، نَرى أنَّ هؤلاءِ الغلاطيِّينَ الأغبياءَ الَّذينَ تَورَّطوا في هذه المعركة بين الحُريَّة والنَّاموسيَّة، وهذه المعركة بين النَّاموسِ والنِّعمة... نَرى بوصولِنا إلى الأصحاحِ السَّادس أنَّهم سَمِعوا بولسَ جيِّدًا. فقد أخبرهم مَرَّةً أخرى وبعبارات قويَّة جدًّا في الأصحاحَيْن الأوَّل والثاني أنَّه رَسولٌ مِن عندِ اللهِ، وقد أخبرهم أيضًا في الأصحاحَيْن الثَّالثِ والرَّابعِ أنَّ الخلاصَ هو بالنِّعمة (ولا شيءَ غَيرَها) مِن خلالِ الإيمان. وقد أخبرهم أيضًا بعباراتٍ جازمة في الأصحاح الخامسِ أنَّ الحياةَ المسيحيَّةَ هي حياة حُريَّة، لا نَاموسيَّة. لِذا، في هذا المَوضِعِ مِن الرِّسالة، قد نَجِدُ أنَّ هناكَ بَصيصًا مِن النُّور، وأنَّ الضَّبابَ يَنقَشِعُ قليلاً.

ولكنَّ بولسَ هو أداة فعَّالة جدًّا جدًّا بيدِ الله. وهو يُدركُ تمامًا حقيقةَ أنَّه سيكونُ هناكَ في تلك الرَّعيَّة في غَلاطيَّة (نَتيجةَ الخِدمةِ الَّتي كانَ يقومُ بها والخِدمةِ الَّتي كانَ يقومُ بها المُهَوِّدون) سيكونُ هناكَ انقسام. فسوفَ يكونُ هناكَ أُناسٌ رُوحانيُّونَ ناضِجون يَسلكونَ في الرُّوح، وسوفَ يكونُ هناكَ أُناسٌ ناموسيُّونَ يحاولونَ بقوَّةِ الجسد أن يَفعلوا كلَّ الأشياء الَّتي ينبغي لهم أن يَفعلوها بحسبِ تَدبيرِ مُوسَى. وهو يَرى أنَّ ذلك الوَضْعَ قد يؤدِّي إلى شِقاقٍ في صُفوفِ المؤمنينَ في غَلاطيَّة. فهو يَرى حَربًا قادمةً، وشِقاقًا، ونِزاعًا، وانفصالاً. وهو يَعرفُ أنَّه ينبغي له أن يُعالجَ ذلك الأمر. لِذا فإنَّه يَفعلُ ذلك.

والحقيقةُ هي أنَّ ما يَقولُهُ هو التَّالي: "إنَّ مَسؤوليَّتَكُم [بِصِفَتِكُم أشخاصًا رُوحانِيِّينَ تَسيرونَ نحوَ الهَدف، وتَفعلونَ الصَّوابَ، وتَفهمونَ الحقَّ، وتَسلُكونَ بقوَّةِ الرُّوح] تُحَتِّمُ عليكم أن تُعينوا الأشخاصَ الَّذينَ لا يَملكونَ هذهِ القوَّة الرُّوحيَّة". وهو يُعلِّمُنا مبدأً يَختصُّ بحياةِ كنيسةِ اللهِ إلى أن يأتي المسيح، وهو المبدأُ التَّالي: يجب على الأقوياءِ أن يَهتمُّوا بالضُّعفاء، ويجب على الرُّوحانيِّينَ أن يَهتمُّوا بالجسديِّينَ، ويجب على القائِمينَ أن يَهتمُّوا بالسَّاقِطين. فالكنيسةُ ليست مكانًا تذهبُ إليه لأجْلِ الفُرْجَة. وهي ليست مكانًا تذهبُ إليه للتَّحديقِ في رأسِ الشَّخصِ الَّذي يَجلسُ أمامَك ثُمَّ تُغادر وتقول: "يا رَبّ، ألستَ مَسرورًا لأنِّي أتيتُ إلى الكنيسة؟ وقُمْتُ بواجبي الدِّينيّ؟" إنَّ الكنيسةَ مكانٌ للخِدمةِ المُشتركة. وقد كانَ مِن السَّهل جدًّا على الغلاطيِّين الروحيِّين الَّذينَ اقتنعوا بما عَلَّمَهُ بولسُ عن عقيدةِ النِّعمة، والَّذين تأكَّدَت تلك العقيدة لهم الآنَ بعدَ قراءتهم لهذه الرِّسالة الرائعة أن يَفهموا حَقًّا أنَّهم أحرار في النِّعمة. وهذا لا يعني أنَّهم أحرارٌ لكي يُخطئوا، بل إنَّهم أحرارٌ أوَّلَ مَرَّةً في حياتهم كي يَفعلوا الصَّوابَ بقوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. وبعدَ أن فَهِموا الحُريَّةَ الَّتي لَهُم في المسيح صاروا رُوحانيِّينَ، وصاروا [بحسب ما جاءَ في العدد السَّادس عشر مِن الأصحاحِ الخامس] "يَسلكونَ بالرُّوح"، وأَظهروا [بحسبِ العددِ الثَّاني والعشرين] "ثَمَرَ الرُّوح". وقد يَنظُرُ الأشخاصُ الروحانيُّونَ إلى الأشخاصِ غيرِ الرُّوحانيِّينَ نَظرةَ إدانَة. فقد يَحدُثُ ذلكَ أحيانًا، كما تَعلمون.

فالأشخاصُ الرُّوحانيُّونَ، أوِ الأكثر نُضجًا، أوِ الأشخاصُ الَّذينَ رُبَّما حَصلوا على تَعليمٍ رُوحيٍّ جيِّد، أو رُبَّما حصلوا على قُدوةٍ رُوحيَّةٍ حَسَنة، أو نَماذجَ رُوحيَّة حَسنة، أو مِيراثٍ حَسَنٍ على الصَّعيدِ الرُّوحيِّ، والَّذين كانوا مُطيعينَ للهِ في الماضي ويَسلُكونَ معَ الرَّبِّ، قد يَبلُغونَ أحيانًا نُقطةً يَنظرونَ فيها بازدراءٍ إلى جميعِ الأشخاصِ الَّذينَ لم يَعيشوا في مُستواهم الرُّوحيّ. وعِوَضًا عن أن يَرَوْا ذلكَ كفُرصة للخدمة، قد تصيرُ تلكَ فُرصةً للكِبرياءِ الرُّوحيَّة، وفُرصةً للغُرور إذ إنَّكَ تُهَنِّئُ نَفسكَ على رُوحانيَّتِك. لِذا فقد شَعَرَ بولسُ أنَّ هناكَ أُناسًا وَقعوا في هذا الفَخّ. كذلك، قد يَنظرُ الأشخاصُ الضُّعفاءُ والمُتعثِّرونَ والسَّاقطونَ إلى الأشخاصِ الرُّوحيِّين بِعينِ الحَسَد. وقد يَصيرُ الحَسَدُ مَرارةً وغَيْرَةً. وكانَ هذا الأمرُ كَفيلاً بِإحداثٍ صَدْعٍ في الكنيسة. لِذا فقد كانَ بولسُ يَعلمُ أنَّهُ يجب على هَذين الفَريقَيْنِ أن يَتَّحِدا. فهو لا يُريدُ أن يَتَعالى الرُّوحانيُّونَ على الجسديِّين. وهو لا يُريدُ أن يَستغلَّ الأقوياءُ الضُّعفاءَ، ولا أن يَحتقروهُم. وهو لا يُريدُ أن يَشعُرُ الضُّعفاءُ بالامتِعاضِ مِن الأقوياء. وهو لا يُريدُ أن يَرى انقسامًا بين الرُّوحانيِّين والجَسديِّين.

لِذا فإنَّه يَتوقَّعُ حُدوثَ ذلكَ في هذا الجُزءِ مِن الرِّسالة إلى أهلِ غلاطيَّة. انظروا إلى العدد 26 مِن الأصحاح الخامس. فقد خَتَمَ للتَّوِّ الجُملةَ الَّتي قالَ فيها إنَّه إن كُنَّا نَعيشُ بالرُّوحِ [وهو أمرٌ نَفعُلُهُ إن كُنَّا مُؤمنينَ]، يجب علينا أن نَسلُكَ بالرُّوح. بعبارة أخرى، إن كانت حياتُنا، في الحقيقة، هي في الرُّوحِ مِن جِهةِ المَقام، يجب علينا أن نَسلُكَ بالرُّوحِ عَمليًّا وأن نُظهِرَ ذلك. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ ما يلي: "لاَ نَكُنْ طَامِحينَ إلى المَجدِ الباطِل" ("كينودوكسوس" – kenodoxos"). ومَعناها: أن تَشعُرَ بأنَّكَ تَملِكُ الحَقَّ في المُطالبةِ بالمجد، وأن تَشعُرَ بأنَّكَ تَملِكُ الحقَّ في الحُصولِ على الإكرام، وأن تَظُنَّ أنَّهُ يوجدُ مُبَرِّرٌ لِغُرورِك. وما يَقولُهُ في الحقيقة هو: "لا تَغْتَرُّوا بأنفسكم. لاَ نَكُنْ طَامِحينَ إلى المَجدِ الباطِل. لا نَطلُبِ الكَرامةَ لأنفسِنا". وهذه هي دائمًا المُشكلة الَّتي يُحاولُ العَدُوُّ دائمًا أن يُوقِعَنا فيها. فعندما تُحَقِّق نُضجًا روحيًّا مُعيَّنًا، ونُمُوًّا رُوحيًّا مُعيَّنًا، قد تَنظُرُ إلى نفسِكَ كما لو أنَّكَ شخصٌ يَستَحِقُّ كَرامةً خاصَّةً. وقد تَنظُرُ بازدراءٍ إلى الأشخاصِ الَّذينَ لم يُحَقِّقوا مُستواكَ في النُّضج. وقد تَنظُرُ إليهم باحتقار. وهُنا يَحدُثُ انقسامٌ بينَ الرُّوحيِّين وغير الرُّوحيِّين، أو بين الأقوياء والضُّعفاء. وعَوِضًا عن أن يُساعِدَ الواحِدُ الآخرَ، فإنَّ الواحِدَ يَحتَقِرُ الآخر. وأعتقدُ أنَّ هذا هو ما كانَ يَدورُ في ذِهنِ بولس عندما قال: "نُغاضِبُ بَعضُنا بَعضًا". نُغاضِبُهم، أو نُثيرُ غَضَبَهُم. وبالمُقابل، نَقرأُ في نهايةِ العدد 26 أنَّ الشَّخصَ الآخرَ سيَحسِد الشَّخصَ الَّذي يبدو أكثرَ رُوحانِيَّةً مِنه.

ولكنَّ بولسَ لم يَشَأ أن يَرى في أيَّة كنيسة هذا النَّوعَ مِن الشِّقاقِ بين الأقوياء والضُّعفاء. فلا يوجد مكانٌ لذلك. وقد كانَ يَفتَكِرُ بهذا الأمرُ في قَلبِه؛ لا هُنا فقط في الرِّسالة إلى أهلِ غلاطيَّة، بلِ اسمحوا لي أن أَلفِتَ أنظاركم إلى الرِّسالة إلى أهل رومية والأصحاح الخامس عشر لأنِّي أريدُ منكم أن تَرَوْا أنَّ هذا ليسَ شيئًا كانَت تَنفرِدُ بهِ الكنائسُ في غلاطيَّة، بل كانَ أمرًا شائعًا يُقلِقُ بولس. ففي الرِّسالة إلى أهل رُومية والأصحاح 14، تَجِدونَ مَقطعًا رائعًا يَتحدَّثُ عن كيف أنَّه لا يَجوزُ للمؤمنِ القويِّ أن يُؤذي المؤمنَ الضَّعيف، وإنَّه لا يجوزُ لنا أن نُعثِرَهُ، ولا يجوزُ لنا أن نُحَطِّمَهُ بأيَّة طَريقة؛ بل ينبغي لنا أن نَبني ذلك الشَّخصَ الضَّعيف. وهو يُلَخِّصُ كلَّ ذلك في الأصحاحِ الخامس عشر والأعداد 1-3 إذْ يَقول: "فَيَجِبُ عَلَيْنَا..." [استِنادًا إلى كُلِّ ما قالَهُ في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر] "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا. فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ، لأَجْلِ الْبُنْيَانِ [أيِ البِناء]. لأَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ". ويمكنكم أن تتوقَّفوا هنا. فهو يُرَسِّخُ ذلك النَّموذجَ الَّذي لا مَثيلَ لَهُ. والنَّموذَجُ هو يسوعُ المسيحُ نَفسُهُ الَّذي لم يَتَسَلَّط علينا بالرَّغمِ مِن أنَّه كانَ يَملِكُ كلَّ الحقِّ في القيامِ بذلك. أليسَ كذلك؟ بل إنَّهُ احتَمَلَ أضعافَ الضُّعفاء. وصَدِّقوني أنَّه إن كانَ يوجدُ فَرْقٌ شاسِعٌ بينَ الضَّعيفِ والقويِّ، فإنَّ ذلك الفَرْقَ هو بينَ يسوعَ المَسيحِ وبينَنا. أليسَ كذلك؟

لِذا فإنَّ المسيحَ هو النَّموذَج [كما يقولُ بولس]. ويجب علينا أن نَحتملَ أضعافَ الضُّعفاء. فيجب علينا أن نَعثُرَ على هؤلاءِ المؤمنينَ الضُّعفاءَ، وأن نَعثُرَ على المؤمنينَ الَّذينَ يُصارعونَ كثيرًا مع الجسد، وألاَّ نَنظر إليهم باستعلاء، وألاَّ نَسعى إلى المجدِ الباطِل، وألاَّ نَستفزَّهُم؛ بل أن نَخدِمَهُم، ونَحتَمِلَ أضعافَهُم، ونَتجنَّب أن يَنظروا إلينا نَظرةَ حَسَدٍ وأن يَشعروا بالغَيْرَةِ والمَرارة.

ثُمَّ أَودُّ أن أَلفِتَ أنظارَكُم إلى مَقطعٍ آخرَ وَرَدَ في الرِّسالة الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 5: 14. فبولس يُعطي التَّعليماتِ التَّالية لكنيسةِ تسالونيكي: "وَنَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْذِرُوا الَّذِينَ بِلاَ تَرْتِيبٍ. شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيع". فسواء كنتَ تَتعامَل مع الَّذينَ بلا تَرتيب، أو معَ صِغارِ النُّفوس، أو مع الضُّعَفاء، يجب عليك أن تَتأنَّى. ولكن يجب عليكَ أن تَبحث عنهم وأن تَسنِدَهُم. وهذا هو يا أصدقائي مِفتاحُ وَحدةِ الكنيسة. فعِوَضًا عن أن يَفتَخِرَ المؤمنُ النَّاضِجُ رُوحيًّا على المؤمنينَ الَّذينَ يُخطِئون ويَسقُطون، يجب علينا أن نُساعِدَهُم.

لقد تَسَلَّمتُ رسالةً مِن ثماني عشرةَ أو عِشرينَ صفحة في هذا الأسبوع. ويُمكنني أن أقولَ بِصِدقٍ إنَّني لم أتَسلَّم طَوالَ خِدمتي رسالةً طويلةً كهذه. فقد استَرسَلَتْ سَيِّدةٌ في تلك الرِّسالة في سَرْدِ رِحلتَها الرُّوحيَّة. وقد قالت إنَّها ذهبت ذاتَ صباحٍ إلى الحَمَّام. وقد كانت أُمًّا لعددٍ مِن الأبناء. وكانت نَشِطَة جدًّا في كنيسةٍ في الغربِ الأوسط. وقد أَخرجت شَفرةً وأَوْشَكَتْ على تَشويهِ وَجهِها. وقد قالت: "أنا لستُ جَديرةً بأيِّ شيء. أنا عَديمةُ النَّفع. وحياتي عَديمةُ المَعنى". وهي امرأة مسيحيَّة صَرَفت كُلَّ سنواتِ حَياتِها في الكنيسة. وقد شَرَحَتْ لي في الرِّسالة لماذا وَصَلَت إلى تلك النُّقطة. فقد قالت: "لأنَّ النَّاسَ في الكنيسة كانوا يَشعرونَ أنَّني لم أكن أعيشُ وَفقًا للمِعيارِ الَّذي وَضعوه. لِذا فقد قالَ راعي الكنيسة لجميعِ مَن في الكنيسة أن يَتَخَلَّوْا عَنِّي. لذا فقد تَخَلَّوْا عَنِّي. وفي كلِّ مَرَّةً كنتُ أرى فيها واحدًا منهم، كانَ يُديرُ ظَهرَهُ لي. ولم يكن أحدٌ مِنهم يُكَلِّمني. لِذا فقد تَركوني. وقد قَرَّرتُ أنَّه طالما أنَّني لم أكن جَديرةً حتَّى بالاهتمامِ مِن قِبَلِ شعبِ الله فإنِّي لستُ جَديرةً بأيِّ شيء. وقد أردتُ أن أُشَوِّهَ وَجهي وأن أُنهي حياتي".

ثُمَّ إنَّها قالت: "ولكنِّي لم أتمكَّن مِن القيام بذلك لأنَّ عقلي استمرَّ في التَّفكير في أولادي، وفي كيف أنَّهم سيُجيبونَ عن أسئلة كثيرة بخصوصِ ما فَعَلَتْهُ أُمُّهم. وقد امتنعتُ عنِ القيامِ بذلك بسبب قلقي على أولادي". ثُمَّ إنَّها قالت إنَّها فَتَحت المِذياعَ فاستمعت إلى بَرنامَجِنا. وفي وَسْطِ الرُّعبِ النَّاجِمِ عن مُحاولةِ العيشِ وَفقًا للمِعيارِ النَّاموسِيِّ لهذه الكنيسة، كُنَّا نُعَلِّمُ سِلسلةً عنِ النَّاموسِ والنِّعمة. وقد قالت: "أشكُرُ اللهَ لأنِّي حُرَّة". وقد شارَكت ما ابتدأَ اللهُ يَفعلُهُ في حياتِها. وقد كانتِ الرِّسالة مؤثِّرة جدًّا حتَّى إنَّنا اتَّصلنا بها هاتِفيًّا وعَرَضنا عليها المساعدة الشخصيَّة بأيَّة طريقة يُمكِنُنا أن نُساعِدَها بها.

يا لهُ مِن أمرٌ مُريع! فقد كانت تلك الكنيسة تَظُنُّ أنَّها تَفعل مشيئة الله، وتَزدري بامرأة لم تَبلُغ مِعيارَهُم. وبالمناسبة، كان واحدًا مِن اعتراضاتِهم عليها هو أنَّها كانت تَرتدي بِنطالاً. وقد ازدروا بها حتَّى إنَّها أرادت أو تُشَوِّهَ وَجهَها. وقد كانَ ما فَعَلَتْهُ الكنيسةُ مُناقضًا تمامًا لخدمتِها لِرَعيَّتِها. أليس كذلك؟ فيجب على الكنيسة أن تَسنِدَ الضُّعفاء، وأن تُعينَ الضُّعفاء، وأن تَحمِلَ أحمالَهُم. لِذا، صَحيحٌ أنَّنا مَدعُوُّونَ إلى التَّأديب، وصَحيحٌ أنَّنا مَدعُوُّونَ إلى الغُفران؛ ولكنَّنا مَدعوُّونَ أيضًا إلى رَدِّ مَن يُخطِئ.

والآن، ما الَّذي ينبغي أن نَفعلَهُ لِرَدِّ المُؤمنينَ الَّذينَ يُخطِئون؟ لنرجِع إلى الرِّسالة إلى أهلِ غلاطيَّة. هناك ثلاثة أمور يَذكُرُها بولس في هذا النَّصّ... ثلاثة أمور: أوَّلاً [وهي أمور بسيطة جدًّا]: أن نَرفَعَهُم. أن نَرفَعَهُم. فنحنُ نقرأُ في العددِ الأوَّل: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا". والكلمة "إخوة" هُنا تُشيرُ إلى أنَّنا نَتحدَّثُ عن عائلة هُنا يا أحبَّائي. فهكذا ينبغي للكنيسة أن تَهتمَّ بنفسِها. "إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا...". والكلمة "زَلَّة" هي الكلمة "بارابتوما" (paraptoma)، وهي تَعني: تَعَثَّرَ، أو: زَلَّ، أو: سَقَطَ. وهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّها تَعني شيئًا أقلّ مِن الخطيَّة؛ ولكنِّي لا أعتقدُ ذلك البتَّة. فأنا لا أعتقدُ أنَّها تَعني شيئًا أقلّ مِن الخطيَّة، بل أعتقد أنَّها تُشيرُ إلى الخطيَّة. وهناك أشخاصٌ يَقولون: "إذًا، لماذا لم يَستخدِم الكلمة "هامارتيا" (hamartia) والَّتي تَعني خَطيَّة؟ أو لماذا لم يَستخدِم الكلمة "أنوميا" (anomia) والَّتي تَعني "إثم"؟" لماذا يَستخدِمُ الكلمة "زَلَّة" هُنا؟ لا أعتقدُ أنَّه أمرٌ مُرتبطٌ بأيِّ شكلٍ مِن الأشكالِ باللاَّهوت، بل أعتقدُ أنَّه مُرتبطٌ بالأسلوبِ الأدبيِّ. فهو يَتحدَّثُ عنِ السُّلوكِ بالرُّوح. فهو يقول في العدد 16 مِن الأصحاحِ الخامِس: "اسلُكوا بالرُّوح". وهو يقولُ في العدد 25 مِن الأصحاحِ الخامِس: "فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوح". وفي أثناءِ سُلوكِكَ، إن حَدَثَ أنْ ماذا؟ زَلَّتْ قَدَمُكَ. فهو لا يُقدِّمُ لنا تَعريفًا لاهوتيًّا للخطيَّة كما لو كانتِ الزَّلَّةُ أَقَلُّ خَطَرًا، بل إنَّه يَستخدِمُ وَحَسْب كلمةً تُوافِقُ الاستعارةَ الَّتي يَستخدِمُها.

لِذا فإنَّه يقول: "إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ...". والآن، اسمحوا لي أن أتحدَّثَ عن الكلمة "أُخِذَ" قليلاً لأنِّي أعتقد أنَّ كثيرينَ يُسيئونَ فَهمَها أيضًا. فلا أعتقدُ أنَّهُ يَتحدَّثُ عن شخصٍ يَمشي فتَسبِقُهُ خَطيَّةٌ ما فيقول: "لقد سَبَقَتْني هذه الخطيَّة". لا أعتقدُ أنَّ هذه هي الفكرة هنا، بل أعتقدُ أنَّهُ يَتحدَّثُ هنا عن مُؤمِنٍ يَسيرُ ويَمُرُّ بشخصٍ سَقَطَ في خطيَّة. أتَرَوْنَ الفَرق؟ فهو لا يَقولُ إنَّ الخَطيَّةَ سَبَقَتْهُ، بل أن تَمُرَّ بشخصٍ سَقطَ في خطيَّة. "إنِ انسَبَقَ إنسانٌ". والكلمة "انسبقَ" هي كلمة مُدهشة جدًّا: "برولامبانو" (prolambano) ومَعناها: "يُؤخَذُ بَغْتَةً". ولا أعتقدُ أنَّ الخطيَّة قد تُباغِتُنا، بل أعتقدُ أنَّنا إن كُنَّا نَسلك في الرُّوحِ فإنَّنا نَملِكُ القُدُرات المَطلوبة لتمييزِ الخطيَّة. وما أعنيه هو أنَّه لا يوجد شيء اسمُهُ خَطيَّة غير طَوعيَّة، بل أعتقد أنَّ أفضلَ تَفسيرٍ لهذا النَّصِّ... ولا يُمكنني أن أَجزِمَ بذلك، ولكنِّي أُفَضِّلُ هذا التَّفسير... هو أنَّ الكلامَ هُنا يُشيرُ إلى رُؤيةِ شخصٍ يَفعل الخطيَّة؛ أي أن تَمُرَّ بشخصٍ مَا يُخطئ. وهو يَصيرُ النُّقطة الرئيسيَّة في هذه الآية. فيجب عليكَ أن تَرُدَّ هذا الشَّخص.

فلا يُمكنكَ أن تَرُدَّهُ إن لم تَمُرَّ به وهو يُخطي. أليسَ كذلك؟ فيجب أن تَرى ذلك، وأن تُدرك أنَّ هناكَ خطيَّة في حياتِه، وأن تَراها. لِذا، إن رأيتَ شخصًا يَفعل خَطيَّةً ما، يكونُ لديكَ سَبَبٌ قَويٌّ لِرَدِّه. فأنتَ تَعلمُ أنَّه قد سقطَ في خطيَّةٍ مَا، أو قد تَمُرَّ بشخصٍ قد أخطأ. ولا أعتقدُ أنَّه يَعني هنا أنَّكَ تَعيشُ حَياتَكَ باحِثًا عن أشخاصٍ يُخطئون، بل في أثناءِ سُلوكِكَ بالرُّوح، قد تُصادِفُ شخصًا كهذا. فأنتَ لستَ ضَابطًا في الشُّرطة الرُّوحيَّة السِّريَّة، ولا يَجوزُ لكَ أن تَتَدَخَّلُ في شُؤونِ النَّاسِ في جميعِ أنحاءِ العالَم، بل في أثناءِ سُلوكِكَ في الرُّوح، وفي أثناءِ حياتِكَ الرُّوحيَّة، قد تُصادِفُ شخصًا سَقَطَ في خَطيَّةٍ مَا. وفي نَظري، هذا هو التَّفسيرُ المُفَضَّل.

ولا يوجد خطأ بالضَّرورة في القول إنَّه يَتحدَّث هنا عن شخصٍ يَسقُطُ في خَطيَّةٍ ما، ولكنِّي أُفضِّلُ هذا التَّفسيرَ الَّذي ذَكرتُهُ للتَّوّ. والآن، لاحظوا ما جاءَ أيضًا في هذهِ الآية. فإن صَادفتُم ذلكَ "أنتُم الرُّوحانِيِّين". وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا. وَمَن هُمُ الأشخاصُ الرُّوحانِيُّون؟ فما المقصودُ بالرُّوحانيِّين؟ فنحنُ نَتحدَّث عن ذلك. ونحنُ نقولُ إنَّ فُلانًا شخصٌ رُوحِيٌّ وأنَّ فُلانًا شخصٌ جَسديٌّ. واسمحوا لي أن أُريكم مَعنى أن يكونَ المرءُ رُوحانِيًّا. ارجعوا إلى الرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 2: 15. وهذا تَعريفٌ مُوجَزٌ جدًّا هنا: "وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ [أو يُمَيِّز كلَّ شيءٍ]، وَهُوَ لاَ يُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. «لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟» وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا [ماذا؟] فِكْرُ الْمَسِيح". إذًا، ما مَعنى أن تكونَ شخصًا رُوحيًّا؟ أن تكونَ شخصًا رُوحِيًّا [بحسب العدد 15] هو أن يكونَ لكَ ماذا [بحسبِ العدد 16]؟ فِكْر المسيح. فالشَّخصُ الرُّوحيُّ هو شخصٌ لَهُ فِكرُ المسيح.

وإن أردنا أن نَنظُرَ إلى ذلك مِن زاوية أخرى فإنَّنا نَقرأُ في رسالةِ أفسُس والأصحاحِ الخامس: "امتَلِئوا" بماذا؟ بالرُّوحِ فتحدُثُ كُلُّ تلك الأشياء. ونَقرأُ في رسالة كولوسي والأصحاحِ الثَّالث: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً" فَتَحدُثُ تلك الأشياءُ نَفسُها. لِذا، نَستنتِجُ أنَّ الامتلاءَ بالرُّوحِ هو مُرادِفٌ لِجَعْلِ كلمةِ المسيحِ تَسكُن فيكم بِغِنى. لِذا فإنَّ كَونَكُم رُوحيِّينَ [وَهُوَ شيءٌ مُرادِفٌ للامتلاءِ بالرُّوح] يعني أن يكونَ لكم فِكْرُ المسيح. لِذا فإنَّ الشَّخصَ الرُّوحيَّ هو شخصٌ لَهُ فِكْر المسيح. والشَّخصُ الَّذي لهُ فِكرُ المسيحِ هو شخصٌ يَخضعُ للرُّوحِ القُدُس. وأن يكونَ لكَ فِكرُ المسيح يَعني أنَّكَ تَعرِفُ أنَّ فِكرَ المَسيحِ مُعلَنٌ في هذا الكِتاب. أليس كذلك؟ فهو يَعني أنَّكَ تَعرِفُ كلمةَ اللهِ، وتَسلُكُ في طَاعةِ كلمَتِه. وكما تَرَوْن، عندما تَتعلَّمونَ كلمةَ اللهِ فإنَّ رُوحَ اللهِ يَدفَعُكَ إلى الطَّاعة. لِذا فإنَّ الشَّخصَ الرُّوحيَّ يَسلُكُ في الرُّوح. وما مَعنى أن تَسلُكَ في الرُّوح؟ إنَّه يَعني أن يكونَ لكَ فِكرُ المسيح. وما مَعنى أن يكونَ لكَ فِكرُ المسيح؟ أن تَعرفَ كلمةَ اللهِ وتُطيعَها. لِذا، هذا هو الإنسانُ الرُّوحيُّ: إنَّهُ إنسانٌ يَسلُكُ في طاعةِ مشيئةِ اللهِ المُعلَنَة لهُ مِن خلالِ كلمةِ اللهِ، ويَستمدُّ الطَّاقةَ مِن رُوحِ الله. هذا هو الإنسانُ الرُّوحيُّ.

لِذا فإنَّ لدينا شخصًا واحدًا، أو شَخصانِ هُنا يَسلُكانِ في الرُّوح: الأوَّلُ يَسقُطُ في خَطيَّة. ويجب على الشَّخص الَّذي ما زالَ يَسلُكُ في الرُّوحِ أن يَرفعَ الشَّخصَ الآخر. فالأمرُ ليسَ صَعبَ الفَهْمِ يا أحبَّائي، بل هو واضحٌ. فالمؤمنُ القويُّ يَحتمِل أضْعَافَ الضُّعَفاء. فهذه هي الفكرة الرئيسيَّة. ويُوضِّحُ بولُس ذلك في رسالته الأولى إلى أهلِ كورنثوس والأصحاحِ الثَّالث إذ إنَّه يُخاطبُ أهلَ كورنثوس ويدعوهُم جَسديِّينَ، ويَفعلُ كلَّ ما في وُسعِهِ في كلِّ تلك الرِّسالة لِرَفعِهِم مَرَّةً أخرى مِن خلالِ إعطائهم وَصايا. والوَصايا هي فِكرُ المسيح. وهو يُحاولُ أن يُرَسِّخُ فيهم حقيقةَ فِكْرِ المسيح وأن يَدعوهم إلى السُّلوكِ في الرُّوح.

لِذا، لِنَعُد إلى رسالة غلاطيَّة والأصحاح السَّادس. فنحنُ نَرى أنَّ ذلكَ يَتَمَثَّلُ في إسنادِ الشَّخصِ الضَّعيف. فالمؤمنُ القويُّ الَّذي يَسلُكُ في الطَّاعةِ بقوَّةِ الرُّوح القُدُس، ويَعرفُ فِكرَ المسيح، ويَتجاوب معهُ هو شخصٌ مَدعوٌّ إلى رَدِّ المؤمنِ الَّذي يَسقُطُ في خَطيَّةٍ مَا. والكلمة "أَصلِحوا" هي كلمة شائعة جدًّا جدًّا في العهد القديم: "كاترتيتزو" (katartizo). وهي تُستخدَمُ كثيرًا جدًّا. وهي تعني ببساطة أن تُصلِحَ شيئًا بِمَعنى إعادَتِهِ إلى حالتِه السَّابقة... أن تُعيدَهُ إلى حالتِه السَّابقة. فهي تُستخدَمُ في مُصالحةِ فَريقَيْنِ مُخْتَصِمَيْن. وهي تُستخدَمُ في جَبْرِ عِظامٍ مَكسورة. وهي تُستخدَمُ في إعادَةِ طَرَفٍ مَخلوعٍ إلى مَكانِهِ. وهي تُستخدَمُ في إصلاحِ الشِّباكِ المُخَرَّقة. فتلك الكلمة هي كلمة شائعة جدًّا في إصلاحِ أيِّ شيء، وفي رَدِّ أيِّ شيءٍ إلى حالتِه السَّابقة. وهذا هو تَمامًا ما تَدعونا هذه الآية إليه.

اسمعوني: نحنُ لَسنا مَدعوِّينَ فقط إلى انتِهارِ وتَوبيخِ وتأديبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَسقُطونَ في خَطيَّةٍ مَا، بل يجب علينا أن نُسامِحَهُم في قُلوبِنا وأن نَرُدَّهُم حينَ يَتوبونَ. ثُمَّ يجب علينا أن نَبتدئَ في عَمليَّةِ بِنائِهم ورَدِّهم مِن أجلِ إعادتِهم إلى السُّلوكِ بالرُّوح كما كانوا قبلَ أن يُخطِئوا. لِذا، هناكَ عَمليَّةُ رَدٍّ رُوحيٍّ هُنا. وأنا مُقتَنِعٌ جدًّا بحقيقةِ أنَّه يجب على الكنيسةِ أن تَهتمَّ بالقيامِ بذلك، وأنَّ هذا الأمرَ جُزءٌ مِن صَهْرِ حَياتِنا معًا، وأنَّهُ لا يَكفي أن نَذهبَ ونَنصرِف فقط، وأنَّه لا يَكفي أن نُراقِبَ ما يَجري فقط. فهناكَ عَمليَّةُ إعادةِ بناءٍ رُوحيٍّ نَشترِكُ فيها جميعًا: أي أن يُساعِدَ القَويُّ الضَّعيفَ. واسمَحوا لي أن أَقولَ لكم فِكرةً أخرى هُنا. فهذه ليست مَسألةً مُطلقةً. فنحنُ جميعُنا ضُعفاء في جوانبَ مُعيَّنة. أليسَ كذلك؟ لِذا، نحنُ، بِمَعنى مِن المَعاني، على نفسِ ذلك الخَطِّ الطَّويلِ مِن النُّموِّ الرُّوحيِّ. ونحنُ جميعًا بحاجةٍ إلى شخصٍ أقوى مِنَّا في جوانبَ مُعيَّنة كي يُقوِّينا. لِذا، يجب علينا جميعًا أن نَشتركَ في هذه العلاقات الشخصيَّة المُتبادَلة الَّتي تُقوِّي الأشخاصَ الضُّعفاء.

لِذا، عندما تَرَوْنَ شخصًا يَسقُطُ في خَطيَّةٍ مَا، فإنَّ العددَ الأوَّلَ يَعني ضِمنيًّا أنَّه ينبغي لكَ أن تَرفعهُ. وهذا يعني أنَّه لا بُدَّ مِن مُمارسةِ التَّأديب. فيجب عليكَ أن تُواجِهَهُ بخصوصِ الخطيَّة. ويجب عليكَ أن تُجري تلكَ العمليَّة. وإن لم يَستمِع إليكَ، يجب عليكَ أن تَأخذَ شَاهِدًا أو شَاهِدَيْنِ لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِهما. وإن لم يَستمع مِنهُما، يجب عليكَ أن تُخبِرَ كُلَّ الكنيسة وأن تَسعى كلُّ الكنيسةِ إلى إصلاحِهِ بمحبَّة. وإن لم يَسمع الشَّخصُ للكنيسة، يجب أن يُطرَدَ مِن شَرِكةِ الكنيسة وأن يُعامَلَ كالعَشَّارِ (أي كشخصٍ غَريبٍ) إلى أن يأتي الوقتُ الَّذي يَتوبُ فيه. وعندما يَتوبُ، هناكَ غُفرانٌ وَرَدٌّ كاملٌ لَهُ. ولكنَّ الأمرَ لا يَنتهي هُنا. فهناكَ عمليَّةُ إعادةِ بناءٍ كاملة لِرَدِّهِ إلى حيثُ كانَ في السَّابق.

والآن، لاحِظوا مَوقفَ هذا الشَّخص الَّذي يُصلِح الآخر بحسب ما جاءَ في العدد الأوَّل: "بِرُوحِ الوَداعَة"... بِروحِ الوَداعَة؛ أي: بِتواضُع. ومَرَّةً أخرى، أعتقدُ بِكُلِّ قلبي أنَّ يسوعَ المسيحَ هو القُدوةُ في هذا الخُصوص. ففي الرسالةِ الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس 10: 1، يقولُ بولس: "ثُمَّ أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ [أَنَا نَفْسِي بُولُسُ] بِوَدَاعَةِ الْمَسِيحِ وَحِلْمِهِ". المَسيح الَّذي جاءَ إلى هذا العَالَمَ ونَظرَ إلى الآثِمينَ، والبائسينَ، والأشرار، وغيرِ المُطيعينَ، والخُطاةِ الجَهَلة، وصَبَرَ علينا بهدوءٍ وطُولِ أناةٍ إلى أن نَعودَ إلى المكانِ الَّذي أرادَهُ لنا، وأن يَرُدَّنا إلى المكانِ الَّذي كانَ لنا قبلَ أن نَسقُط. فهو القُدوة. لِذا، يجب علينا أن نَفعلَ ذلك بروحِ الوَداعة. ولكنَّ وَداعَتَنا تَختلفُ عن وداعةِ المسيح لأنَّ الآيةَ تقول: "نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا". وفي هذا الخُصوصِ نَوَدُّ أن نُضيفَ ما يَلي: أنَّهُ يجب علينا أن نفعلَ ذلك عَالِمينَ أنَّنا قد نَسقُطَ في نفسِ الفَخّ. أليسَ كذلك؟ فمعَ أنَّ المسيحَ لم يَكُن ليَسقُطَ في ذلك الفَخِّ بسببِ كَمالِهِ، فإنَّنا قد نَسقُطُ فيه. لِذا، قبلَ أن تَقِفَ وتَنظُرَ إلى نَفسِكَ بافتخارٍ بسببِ رُوحانيَّتِك وطُولِ رِحلتكَ الروحيَّة في طَريقِ الكَمال، لا يَجوزُ لكَ أن تَصِلَ إلى النُّقطةِ الَّتي تَنظُرُ فيها نَظرةَ ازدراءٍ إلى الآخرينَ، بل يجب عليكَ أن تَنحَني لمساعدةِ الآخرينَ باتِّضاع. فهذا هو مَعنى الوَداعة. ويجب أن تَفعلَ ذلكَ مِن مُنطلقِ إدراكِكَ بأنَّكَ قد تَتعرَّضُ للموقفِ نفسِه لأنَّكَ لستَ مُحَصَّنًا ضِدَّ السُّقوط. والحقيقةُ هي أنَّكَ ستَسقُط إن عاجِلاً أَم آجِلاً لأنَّ الخطيَّةَ تَسكُنُ فيك.

فلا مَكانَ للكِبرياءِ الرُّوحيَّة والمَجدِ الباطِل. ولا مكانَ للأشخاصِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهم أفضل مِن الآخرين؛ بل يجب أن تكونَ هناكَ وَداعة، ولا سِيَّما عندما نُفكِّرُ في أنَّنا قد نَسقُطُ نحنُ أيضًا. وفي الرِّسالة الأولى إلى أهلِ كورنثوس والأصحاحِ العاشِر، يُقدِّمُ بولسُ مَثلاً إيضاحيًّا مُدهشًا على شَعبِ اللهِ (إسرائيل) وكيفَ أنَّهُ أَخرجَهُم مِن مِصر. فالعددُ الأوَّلُ يَتحدَّث عن سَيرِهم تحتَ السَّحابة واجتيازِهم للبَحر. وقد تَاهوا في البَريَّة وقادَتْهُم سَحابةُ مَجدِ اللهِ. وقد دَخلوا [بكلِّ تأكيد] أرضَ الموعد. وهو يَتحدَّثُ عن كيفَ أنَّ اللهَ حَمَلَهُم في البَريَّةِ قبلَ ذلك. ولكنَّهُ يقول إنَّه بالرَّغمِ مِن بَرَكةِ اللهِ فإنَّ كثيرينَ مِنهم سَقطوا بسببِ الزِّنى إذْ سَقَطَ ثلاثةٌ وعشرونَ ألفًا مِنهم [كما جاءَ في العدد الثَّامن] وماتوا.

والآن، لقد كانَ هؤلاءِ الأشخاصُ أُناسًا أعطاهُمُ اللهُ امتيازاتٍ عظيمة، ولكنَّ هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ مُنِحوا امتيازاتٍ عظيمة أخطأوا. والآن، انظروا إلى العددِ الحادي عَشر: "فَهذِهِ الأُمُورُ جَمِيعُهَا أَصَابَتْهُمْ مِثَالاً، وَكُتِبَتْ لإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ. إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ [ماذا؟] لاَ يَسْقُطَ. لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ". وهو يُتابِعُ حَديثَهُ ويَتحدَّثُ عنِ المَنفَذ. ولكن لا يَجوزُ لكَ أن تَصِلَ إلى نُقطةٍ تَظُنُّ فيها أنَّكَ مُحَصَّنٌ. فيجب أن نَكونَ مُتواضعينَ جدًّا جدًّا في شخصيَّتِنا وموقفِنا القَلبيِّ لكي نقولَ حينَ نَرى شخصًا آخرَ يُخطي: "لن أتَباهي بنفسي وأفتَخِرَ على ذلك الشَّخص، بل يجب عليَّ أن أشكُرَ اللهَ لأنَّ حياتي ليست مُلَطَّخة بالخطيَّة".

لِذا، يجب عليكَ أن تَرفعَ ذلكَ الشَّخصَ وأن تكونَ مُستعدًّا للانحناءِ وَرَفعِهِ مِن مُنطلَقِ عِلمِكَ بأنَّكَ قد تَكونُ ذاتَ يومٍ الشَّخصَ الَّذي يَحتاجُ إلى مَن يَرفَعُهُ. فعاجِلاً أَم آجِلاً، سوفَ تَحتاجُ إلى ذلك. ومعَ أنَّ خطيَّتَكَ قد لا تكونُ نَفسَ خَطيَّةِ ذلك الشَّخص، فإنَّكَ ستُخطئ أيضًا وتَحتاجُ إلى مَن يَرُدَّك.

النُّقطةُ الثَّانية... فالنُّقطةُ الأولى هي أن تَرفعوهم. والنُّقطةُ الثَّانيةُ هي أن تَحمِلوهم... أن تَحمِلوهم. وهذا مَذكورٌ في الأعداد مِن 2 إلى 5. وهذا مَقطعٌ جَميلٌ: "اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيح". والكلمة "احمِلوا" تَعني: "أَزيحوا" أوِ "ارفَعوا". فَإن كانَ يوجدُ شيءٌ يُشَكِّلُ حَقًّا عِبئًا عليهم، ارفعوهُ عنهم. والآن، قد تقول: "ما مَعنى ذلك؟ أي أن يَحمِلَ بَعضُنا أَثقالَ بعض؟" الفِكرةُ هُنا [مَرَّةً أخرى] هي المَشي. فهذا الشَّخصُ يَمشي في الطَّريق ويَسقُط. وما الَّذي جَعلَهُ يَسقُط؟ هناكَ شيءٌ ثَقيلٌ جدًّا فَعَلَ هذا به. فقد سَحَقَهُ فسقَط. ويمكنكم أن تَتخيَّلوا ذلك. فهو طَريقٌ طَويلٌ، وهو يَحْمِلُ حِمْلاً. وفجأةً يَصيرُ الحِملُ ثَقيلاً جدًّا فيَسقُطُ الشَّخص. وقد تقول: "بعدَ أن تَرفعَهُ، يجب عليكَ أن تَنزِلَ إلى أسفل وأن تُساعِدَهُ على حَملِ ذلك الحِمْل". والآن، ما هو ذلك الحِمل؟" أعتقد أنَّهُ أيُّ ضُعفٍ في ذلك الشَّخص [رُوحيًّا] قد يُهَدِّدُ بإسقاطِهِ في الخطيَّة. فهو أيُّ ضُعفٍ في حياتِه قد يَستغلُّهُ الشَّيطانُ، أو أيُّ ضُعفٍ في الشخصيَّة أو الكِيان، أو أيُّ شيءٍ قد يُحسَبُ نُقطةَ ضُعفٍ لديه حيثُ يجب عليكَ أن تَنزِل إلى أسفل وتَحمِلَ ذلك الحِمل لأنَّه لا يَستطيعُ أن يَحمِلَهُ بنفسه. ففي مَرَّاتٍ كثيرة، قد يُخطئُ الإنسانُ، ويَتوبُ، ويَنالُ الغُفرانَ، ويَعودُ إلى الشَّرِكَة، ثُمَّ لا يُبالي أحدٌ بالنُّزولِ إلى أسفل وَرَفْعِ الحِمْلِ. لِذا فإنَّهُ يَعودُ إلى حَمْلِ نفسِ حِمْلِ التَّجربةِ في ظَرفٍ مُختلفٍ عن السَّابق فيَسقُطُ مَرَّةً أخرى.

جاءَ شخصٌ لرؤيتي، وهو شَابٌّ. وقد كانَ بائسًا جدًّا، ويَبكي. وقد قال: "لقد سَلَّمتُ حياتي للمسيح". وقد قالَ أيضًا: "لقد كنتُ شَاذًّا جِنسيًّا قبلَ أن أَخلُص. ولكنِّي أُواجِه مشاكلَ عويصة. فأنا أستمرُّ دائمًا في التَّعثُّرِ في علاقاتي. لقد تُبْتُ. وقد رَجعتُ عن تلك الخطايا وطَلبتُ مِنَ اللهِ أن يَغفرَ لي". وقد قال: "ولكنِّي أرجِعُ وأُخطئُ مَرَّةً أخرى. وقد كانَ ذلكَ الأمرُ مُريعًا ومُدمِّرًا. والحقيقةُ هي أنَّني لم أَعلم كيفَ يُمكنني أن أُساعِدَهُ، ولكنِّي قلتُ لهُ فجأةً: حسنًا! إليكَ ما أريدُ منكَ أن تَفعلَهُ. في كلِّ مَرَّة تُمارِس فيها عَلاقةً جِنسيَّةً مِثليَّةً في الأسبوعَيْنِ القادِمَيْن..." (لأنَّ المِثليِّينَ الجِنسيِّين قد يُمارسونَ ذلكَ كثيرًا) "...وفي كلِّ مَرَّة تَفتَكِرُ فيها بأفكارٍ شِرِّيرة بهذا الخُصوص، أريدُ منكَ أن تَكتُبَ ذلكَ في فِقْرة كاملة وتَشرح ذلكَ لي. في كلِّ مَرَّة تُفكِّر فيها في ذلك، وفي كلِّ مَرَّة تفعلُ فيها ذلك، اكتُب ذلك. وفي الأسبوعَيْنِ القادِمَيْن عندما نَلتقي، يمكنكَ أن تَقرأَ كلَّ ما كَتَبْتَ لي".

وقد صُدِمَ لأنِّي قلتُ ذلك. وقد تَعاهَدتُ مَعَهُ على القيامِ بذلك. لِذا فقد جاءَ بعدَ أُسبوعين وهو يَبتسِمُ ابتسامةً عَريضةً. وقد دَخَلَ مِن البابِ. وحالما قالَ مَرحبًا قال: "ليسَ لديَّ ما أكتُبُه. أنا لم أفعل أيَّ شيء". قلتُ: "حَقًّا؟" قال: "أجل. وهذه هي المرَّة الأولى. هذه هي المرَّة الأولى. أُسبوعانِ كامِلان". قلتُ: "حسنًا، وما الاختلافُ الَّذي حَدَث؟" قال: "لأنِّي لا أريدُ أن أُخبركَ بذلك".

كانت هذه طريقة لِحَمْلِ ثِقْلِه. أليسَ كذلك؟ فأنتَ تَحمِلُ ثِقْلَهُ مِن خلالِ إرغامِهِ على المُساءَلة. وهناكَ طَرائق كثيرة لِحَمْلِ ثِقْلِ شخصٍ آخر. وهناكَ طَرائق كثيرة لِحَمْلِ حِمْلِ شخصٍ آخر. ويمكنني أن أُخبركم عن عددِ الأشخاصِ الَّذين قلتُ لهم: "إذا كنتَ تَشعُرُ بأنَّ لديكَ مُشكلة في هذا الأمر، وأنَّكَ تُجَرَّبُ في هذا الأمر، إليكَ ما أقترِحهُ عليكَ. ارفع سَمَّاعةَ الهاتِف، واتَّصِل بشخصٍ ما، واسمَح لهُ أن يَحْمِلَ الثِّقْلَ معكَ". ولا أدري كيفَ ستفعلُ ذلك! رُبَّما عن طريقِ البقاءِ قريبًا مِن شخصٍ ما ومُساءلتِه. فهكذا أنظرُ أنا إلى الأمر. وأنا لا أعرفُ أيَّة طريقةٍ أخرى لِحَمْلِ أثقالِ الآخرينَ سِوى أن نكونَ قَريبينَ مِنهم وأن تكونَ هُناكَ مُساءَلة. ولكنَّ الأمرَ يَنطوي على ما هو أكثر مِن ذلك. فالرَّدُّ يَنطوي على ما هو أكثر مِنَ القولِ لشخصٍ ما: "أتمنَّى لكَ كُلَّ الخيرِ والتَّوفيق". أليسَ كذلك؟ أو: "سوفَ نَقِفُ معكَ. أنتَ على ما يُرام الآن". فقد يَستمرُّ الشَّخصُ في الشُّعورِ بأنَّه تحتَ ثِقْلٍ مَا لأنَّه لا يوجد شخصٌ آخر يُساعده في حَمْلِ ذلك الثِّقْل إلى أن يَخِفَّ مِن خلالِ عَمليَّةِ الطَّاعةِ الروحيَّة.

وبالمُناسبة، لا تَقُل لذلك الشَّخص (كما يَفعل كثيرونَ) المَزمور 55: 22، أو شيئًا مِن هذا القَبيل: "أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ"، أو ما جاءَ في رسالة بُطرس الأولى 5: 7: "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْه". فاللهُ يُريدُ أن يَفعلَ ذلك مِن خِلالكم ومِن خِلالي. فيجب عليكم أن تَحمِلوا أثقالَ الآخرين. وسوفَ تُلاحظونَ في نهايةِ العددِ الثَّاني أنَّ في هذا تَتْميمٌ لناموسِ المسيح. هل تَعرفونَ شيئًا عن ناموسِ المسيح؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّكم تَعرفونَ عن ناموسِ العهد القديم. أليسَ كذلك. ولكن ما هو ناموسُ المَسيح؟ إنَّه واضحٌ جدًّا إذْ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 13: 34 و35: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ..." [كما قالَ المسيح]: "أَنْ [تَفعلوا ماذا؟] "تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". لِذا، ما هو ناموسُ المسيح؟ إنَّهُ ناموسُ المحبَّة. إنَّه ناموسُ المحبَّة. فالمحبَّةُ تَرفَعُ، والمحبَّةُ تَحمِل. ويعقوبُ يُسَمِّي ذلك النَّاموس المُلوكِيّ. وهو يُسَمَّى ناموس الحُريَّة الكامِل. وهذه مسؤوليَّتُنا. فأن نَرفعَ الأثقالَ عنِ الآخرينَ هي خِدمَتُنا بعضُنا لبعض. وبصراحة، إنَّ أغلبيَّةَ المؤمنينَ لا يَفعلونَ ذلك. وأنا أسألُ نفسي وأسألُكم: مَن يُساعِدكُم الآنَ في حَمْلِ ثِقْلِ التَّجربة والضُّعف؟ هل يوجد أحد؟ وهل هناكَ شخصٌ تَهتمُّ به؟ وهل يوجد شخصٌ تَحمِلُ ثِقْلَهُ؟ وهل يوجد شخصٌ يَمُرُّ بعمليَّةِ الرَّدّ؟ فمِنَ السَّهل جدًّا علينا ألاَّ نَنخَرِطَ في هذه الخِدمة. وقد تقول: "أنا لا أُحبُّ أن أُقْحِمَ نَفسي في أمرٍ كهذا. فقد أُوَرِّط نفسي في ذلك. فأنا رُوحانِيٌّ جدًّا ولا أريدُ أن أُنَجِّسَ مَا هو طَاهِر".

إذًا، العددُ الثَّالثُ يُخاطِبُكَ: "إِنْ ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ شَيْءٌ وَهُوَ [ماذا؟] لَيْسَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَغُشُّ نَفْسَهُ". والحقيقةُ هي أنَّ هذه الآية هي آية رائعة عن عِلْمِ الإنسان. فهي تَقولُ ببساطة إنَّ الإنسانَ ماذا؟ لا شيء. فهذا هو ما تقولُه. احذِفوا كلَّ الكلماتِ الأخرى فلا يَتَبَقَّ سوى أنَّنا لا شَيء. فما الَّذي تُحاولُ أن تَحافظَ عليه في الأصل؟ فأنتَ لا شيء. فإن كانَ أحسنُ شخصٍ فينا هو أوَّلُ الخُطاة، ماذا نكونُ نحنُ؟ نحنُ لا شيء. هذا هو ما يَقولُه. وأنا لا أقولُ ذلكَ مُنْكِرًا صورة اللهِ فينا، بل أقولُ ذلك مِن جهةِ تَمجيدِ أنفسِنا، أوِ الإعلاءِ مِن شأنِ أنفسِنا. فهذا مُناقض تمامًا للحقيقة. فنحنُ لا شيء. فكلُّ ما نحنُ عليهِ هو بماذا؟ بنعمةِ الله. لِذا، مَن نحنُ حَتَّى نَخدعَ أنفسَنا ونَرفُضَ أن نَرفعَ أثقالَ الضُّعفاء؟ لِذا، لا يَجوزُ لنا أن نَتخلَّى عنِ الآخرين. فعندما يَرغبونَ حَقًّا في فِعْلِ الصَّواب، وعندما يَرغبونَ حَقًّا في التَّوبة، ويكونونَ بحاجة إلى المساعدة، لا يجوزُ لنا أن نَتخلَّى عنهم، بل يجب علينا [كما أرجو] أن نَرُدَّهُم. فيجب علينا أن نَرُدَّهُم، وأن نَنزِلَ ونَحمِلَ الأثقالَ معهم. وإن كنتَ تَظُنُّ أنَّكَ لا تَستطيعُ القيامَ بذلك بسببِ رُوحانيَّتِكَ العالية فإنَّكَ مُخطئٌ جدًّا، ومَخدوعٌ جدًّا.

وهل تَعلمُ لماذا تُفَكِّرُ هكذا؟ لأنَّ مِعيارَ المُقارنةِ لديكَ خطأ. فعندما أَظُنُّ أنِّي أفضلُ مِن الآخرين فإنَّ السَّبب في ذلك يَرجِعُ إلى أنِّي أُقارنُ نفسي بشخصٍ آخر. ويُمكنني دائمًا أن أجدَ أُناسًا آخرينَ أسوأ مِنِّي. وما أعنيه هو: إن أردتُ وَحَسْب أن أشعرَ بأنِّي أفضلُ مِنَ الآخرين، كُلُّ ما ينبغي لي أن أفعلَهُ هو أن أنظرَ إلى شخصٍ سِكِّيرٍ في حالةٍ مُزرية. فحينئذٍ سأشعُرُ أنِّي رائعٌ. ولكنِّي لا أفعلُ ذلك. فيمكنكَ دائمًا أن تَعثُرَ على شخصٍ أسوأ منكَ. ولكنَّ المِعيارَ الحقيقيَّ هو ذاكَ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ بولسُ في رسالتِه الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس والأصحاح 11 إذ يَقول إنَّهُ لا يجوزُ لنا أن نُقارنَ أنفسَنا بأنفسِنا، بل يجب علينا أن نُقارنَ أنفسَنا بِمَنْ؟ فَمَنْ هو المِعيار؟ المَسيح. ونَقرأُ في رسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 6: "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا". إذًا، المسيحُ هو المِعيار. ويجب علينا أن نُقارنَ أنفسَنا بالمسيح. خَمِّنوا أينَ سنجدُ أنفسَنا؟ سنجدُ أنفسَنا بعيدينَ جدًّا عنه. لِذا فإنَّ هذا ليسَ خِداعًا للنَّفس. إذًا، يجب أن تُقارنوا أنفسَكُم بالمسيح. لِذا فإنَّه يقول: "ارفَعوهُم، واحمِلوهُم. وإن كنتُم تَظُنُّونَ أنَّكم أَسمَى مِن ذلك، فإنَّكم تَخدعونَ أنفسَكُم".

ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ في العددِ الرابعِ شيئًا آخر، بل إنَّهُ يُضيفُ في العَدَدَيْن 4 و5 شيئًا آخرَ لهُ أهميَّتُه: "وَلكِنْ لِيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ". وهل تَعلمونَ شيئًا؟ يُمكنكَ أن تَدَّعي أنَّكَ تَعملُ لأجلِ الرَّبّ، ويُمكنكَ أن تَدَّعي أنَّكَ رُوحِيٌّ؛ ولكن يجب عليكَ أن تُثبِتَ ذلك. يجب عليكَ أن تُثبِتَ ذلك. "وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ فَقَطْ" [كما يقول]. بعبارة أخرى، سوفَ تَقفُ ذاتَ يومٍ هناكَ بنفسِك وتُقدِّم حسابًا عن حياتِكَ الرُّوحيَّة. وأعتقدُ أنَّ العَددَيْن 4 و5 يُشيران إلى عَرش الدَّينونة؛ أي إلى الوقتِ الَّذي سيُكافأُ فيهِ المؤمنون. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 22: 12: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ". فأنا أعتقدُ أنَّ هذا هو المَعنى المقصود هنا. فسوفَ نَقِفُ جميعًا ونُقَدِّمُ حِسابًا. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاحِ الخامس: "لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا". ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الثَّالث أنَّ أعمالَنا سَتُقَيَّمُ لِيُعرَفَ ما إذا كانت خَشَبًا أو عُشبًا أو قَشًّا، أو ذَهَبًا أو فِضَّةً أو حِجَارَةً كَرِيمَة. وسوفَ يكونُ مَصيرُ الخشبِ والعُشبِ والقَشِّ هو ماذا؟ الاحتراق. وأعتقد أنَّ هذا هو المَعنى المقصودُ في العَددَيْن 4 و5: "وَلكِنْ لِيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ فَقَطْ، لاَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ". بعبارة أخرى، سوفَ يكونُ هناكَ يومُ امتحان. وفي ذلك اليوم [وَفقًا لما جاءَ في العدد 5] سوفَ يَحمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ حِمْلَ نَفْسِه. لِذا، مِن الأفضلِ أن تُساعِدَ شخصًا آخرَ على حَمْلِ أثقالِهِ؛ وإلاَّ فإنَّكَ ستُحاسَبُ ذاتَ يومٍ لأنَّكَ لم تَفعل ذلك وتَخسر المُكافأة.

وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمتَيْن "ثِقْل" وَ "حِمْل" هُما كلمتان مُختلفتان. فالكلمة "ثِقْل" في العددِ الثَّاني هي كلمة قوية جدًّا جدًّا "باروس" (baros) ومعناها: "ثِقْلٌ ثَقيلٌ جدًّا". وأمَّا الكلمة "حِمْل" في العدد الخامس فهي "فورتيون" (phortion) ومعناها: "حِمْلٌ خَفيف". وهذا رائع. فالخطيَّة هي ثِقْلٌ ثَقيلٌ جدًّا. وفُقدانُ المُكافأة هو حِمْلٌ خَفيف.

لِذا، لا أريدُ أن تَظُنُّوا أنَّنا سنُواجِهُ يومًا يسوعَ المسيحَ وأنَّنا سنَرزَحُ تحتَ حِمْلٍ ثَقيلٍ سَاحِق. فهو حِمْلٌ خَفيف؛ ولكنَّهُ يَبقى حِمْلاً. ففي يومٍ مَا، ستُضطرُّ إلى حَمْلِ حِمْلٍ خَفيف بسببِ إخفاقِكَ في القيامِ بمسؤوليَّتِكَ الرُّوحيَّة إن لم تُساعِد شخصًا آخرَ في حَمْلِ حِمْلِهِ الثَّقيلِ جدًّا ورَفْعِه.

ثُمَّ نأتي إلى النُّقطة الأخيرة. فقد تَحَدَّثنا عَنْ حَمْلِ الآخرينَ، وعَنْ رَفْعِ الآخرينَ. ثُمَّ نأتي إلى بِناءِ الآخرين إذ نقرأ في العدد 6: "وَلكِنْ لِيُشَارِكِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْكَلِمَةَ الْمُعَلِّمَ فِي جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ". فالآن، أنتَ تَصيرُ المُعَلِّم، والشَّخصُ الَّذي تَرُدُّهُ يَصيرُ التِّلميذ. وهناكَ أشخاصٌ يَستخدمونَ هذه الآية للإشارةِ إلى أنَّ الواعظَ الَّذي يَعِظُ أو يُعَلِّمُ ينبغي أن يَحصُلَ على أَجْر. وَهُم يَأخذونَ الكلمة "خَيرات" ("أغاثوس" – "agathos") ويقولونَ إنَّها تَعني المال، وإنَّهُ إن قامَ أيُّ شخصٍ بتعليمِكَ الكتابَ المقدَّسَ، يجبُ عليكَ أن تَدفعَ لهُ المال. وأنا لن أُجادِلَ في ذلك. فالحقيقةُ هي أنَّ هذه حقيقة. وأنا أُفَضِّلُ أن أنظرَ إلى ما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح التَّاسعِ لِتأكيدِ ذلك؛ لا إلى هذا النَّصِّ لأنِّي لا أظُنُّ أنَّ هذا هو المَعنى المقصود هنا. فما الَّذي يَدعو إلى إقحامِ آيةٍ كهذهِ هنا عن الدَّفعِ للمُعَلِّم؟ فالكلمة "خَيْرات" (أغاثوس)... اسمعوني جيِّدًا: لم تُستخدَم قَطّ في الكتاب المقدَّس للإشارة إلى المال. لم تُستخدَم قَطّ. لِذا فإنَّ استخدامَها بهذه الطَّريقة في هذه الآية هو شيءٌ غيرُ مَنطقيّ. فهناكَ كلمتان تُشيرانِ إلى الخير أوِ الخَيرات: "كالوس" (kalos)، وهي تُشيرُ إلى الخيرِ مِن جهةِ الشَّكل... الخيرِ مِن جهةِ الشَّكل؛ و "أغاثوس" (agathos)، وهي تُشيرُ إلى الخيرِ مِن جِهةِ المَضمون. والكلمة المُستخدمة هُنا هي: "أغاثوس"، وهي تَعني: الخيرات الرُّوحيَّة أوِ البَرَكات الرُّوحيَّة.

فمثلاً، تَتحدَّثُ الآية رومية 10: 15 عن التَّبشيرِ بالخَيرات، أو عنِ المُناداةِ بالخَيرات. فهي نفسُ الكلمة. وهي تُستخدَمُ مَرَّتين في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين: مَرَّة في الأصحاحِ التَّاسعِ والعددِ الحادي عَشر، ومَرَّة في الأصحاحِ العاشِر والعدد الأوَّل. وهي تُشيرُ أيضًا إلى بَركاتِ مَلكوتِ الله وإلى الخيراتِ الروحيَّة. وإن أردتُم أن تَعرفوا أفضلَ طريقةٍ لترجمتِها فإنَّها كَما يَلي: "وَلكِنْ لِيُشَارِكِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ الْكَلِمَةَ الْمُعَلِّمَ فِي جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ الرُّوحيَّة". فهذا هو المعنى المقصود حَرفيًّا. وما الَّذي يَعنيه هُنا؟ إنَّها فِكرة رائعة: في أثناءِ عمليَّةِ رَدِّ هذا الشَّخص، يجب عليكَ أنتَ [أيِ المُعَلِّم]، وأنتَ [الَّذي تَمَّ رَدُّكَ إلى الشَّرِكَة] أن تَشتركا معًا في كلِّ الخيراتِ الرُّوحيَّة. بعبارة أخرى، إنَّها عَمليَّةُ بُنيان مُستمرَّة، ومُتبادلَة، وتَفاعُليَّة. أليس كذلك؟ فأنتُم تَبنونَ، وَتَبنونَ، وَتَبنونَ، وتَحرِصونَ على أن يَخضعَ الأخُ الَّذي أخطأَ للأخِ المُعَلِّم، وأن يَشتركا معًا في كُلِّ الخيراتِ الرُّوحيَّة.

لِذا، إنَّها عمليَّةُ إعادةِ بِناءِ حَياة. وإعادةُ البِناءِ هي شيءٌ مُهمٌّ جدًّا بعد اقترافِ الخطيَّة. إذًا، ما الَّذي نَتعلَّمُه؟ أن نَرفعَهُم، ونَحمِلَهُم، ونُقوِّيهم في ضَعفهم، ثُمَّ أن نَبنيهم لأنَّكَ لا تُريدُ أن تَبقى تحتَ ذلك الحِمْل طَوالَ حياتِك، ولا تُريدُ أن يَبقى ذلك الشَّخص تَحتَهُ أيضًا. لِذا، يجب عليكم أن تَشتركوا جميعًا في كلِّ الخيراتِ الرُّوحيَّة الَّتي تُسهِمُ في تَقويةِ الجميع. فهذه هي العمليَّة. لِذا فإنَّ بولسَ يَدعونا إلى خِدمةِ الرَّدّ: "اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيح" الَّذي هو ناموسُ ماذا؟ المحبَّة.

يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّكَ تُعلِّمُنا في هذه الأيَّام عن تَمَثُّلِنا بالأولاد، وعن حاجتِنا بعضُنا لبعض. فنحنُ بحاجة إلى العِنايةِ مِثلَ الأولاد، وإلى الحِمايةِ مِثلَ الأولاد، وإلى التَّأديبِ مِثلَ الأولاد، وإلى الحصولِ على الغُفرانِ مِثلَ الأولاد، وإلى الرَّفْعِ والحَمْلِ والبُنيان. يا أبانا، نحنُ لا نُريدُ أن نكونَ سامِعينَ فقط للكلمة وخادِعينَ نُفوسَنا، بل نريدُ أن نكونَ عامِليَن بها. أعطِنا خِدمةَ الرَّدِّ، وعَلِّمنا كيفَ نَفعلُ ذلك. أَرِنا كيفَ نَعثُر على الضُّعفِ في الأشخاصِ مِن حَولِنا، وكيفَ نَبنيهُم. وساعِدنا عندما نَلتقي شخصًا قد سقطَ لكي نَرُدَّهُ تَمامًا. وساعِدنا يا رَبُّ حينَ نَسقُط على أن نَبحثَ عن شخصٍ يستطيعُ أن يَرُدَّنا أيضًا. وعِوَضًا عن أن نَنظرَ بكبرياءٍ رُوحيَّة إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَسقُطون، وعِوَضًا عن أن نَنظُرَ بحسدٍ إلى الأشخاصِ الرُّوحيِّين ونَصنَعَ انشقاقًا، ساعِدنا على أن نَسيرَ جميعًا يدًا بِيَدٍ أقوياءَ وضُعفاء. لأجلِ مَجدِكَ أنتَ. نُصَلِّي هذا باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize