نَبتدئُ في هذا الصَّباح دِراسَتَنا للأصحاحِ السَّابعِ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس. وَهُوَ أصحاحٌ مُهِمٌّ جدًّا ومُثيرٌ جدًّا للجَدل. وسوفَ نَدرُسُهُ بِضعةَ أسابيع لأنَّ هُناكَ أُمورًا كَثيرةً نُنُاقِشُها، وأمورًا كثيرةً نَتعلَّمُها. وإذْ نَبتدئُ في هذا الصَّباح، نَجِدُ مَعلوماتٍ عَمليَّةً جدًّا. فرسالةُ كورِنثوسَ الأولى، كَما تَعلمونَ الآن، هي رِسالة عَمليَّة جدًّا. فهي لا تَتَعَمَّقُ كَثيرًا في الأمورِ اللَّاهوتيَّةِ، بل تَتحدَّثُ عنها قَليلاً فقط ثُمَّ تَغوصُ عَميقًا في التَّطبيقِ العَمليِّ. وهذا الأصحاحُ ليسَ استِثناءً.
وَهُوَ يَتحدَّثُ بِصورةٍ رئيسيَّةٍ عن مَوضوعِ الزَّواج. والزَّواجُ، بِكُلِّ تأكيدٍ، هُوَ مَوضوعٌ مُهِمٌّ جدًّا اليوم. فالكُتُبُ الَّتي أُلِّفَتْ عَنِ هذا المَوضوعِ تَفوقُ في عَدَدِها الكُتُبَ الَّتي أُلِّفَتْ عن أيِّ مَوضوعٍ آخر. وَهُوَ مَوضوعٌ يُناقَشُ باستمرار. والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ الكثيرَ عنِ الزَّواج. فهُناكَ آيات كثيرة في العهدِ الجديدِ عنِ الزَّواج.
وقد عَلَّمَ رُبُّنا يَسوعُ الكَثيرَ عنِ الزَّواج. وقد أَشارَ إلى الزَّواجِ مَرَّاتٍ كثيرة في الأناجيل. فقد قالَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 19 إنَّ الرَّجُلَ والمَرأةَ خُلِقا كُلٌّ لأجلِ الآخر. فاللهُ خَلَقَ كُلًّا مِنهُما لأجلِ الآخر. وَهُوَ يَقولُ إنَّهُ يجبُ عليهما أن يَتَّحِدا معًا ويَصيرا جَسدًا واحدًا. فهذا هو الزَّواجُ. فَهُوَ اتِّحادٌ حَقيقيٌّ مَعًا صَمَّمَهُ اللهُ نَفسُهُ.
وقد أَكَّدَ يَسوعُ أيضًا على أنَّ الزَّواجَ يَنبغي أن يَكونَ أُحادِيًّا؛ وأنَّ الزَّوجانِ يَصيرانِ جَسَدًا وَاحِدًا. وَهذا شَيءٌ ذَكَرَهُ اللهُ أوَّلاً في سِفْرِ التَّكوين والأصحاحِ الثَّاني. وقد عَلَّمَ يَسوعُ أيضًا في إنجيل مَتَّى والأصحاح 19 أنَّ الزَّواجَ عَهْدٌ لا يَجوزُ فَسْخُه. واللهُ لم يُغَيِّر مَوقِفَهُ أبدًا بشأنِ الطَّلاق. وقد عَلَّمَ يَسوعُ أيضًا لا أنَّ الزَّواجَ مُصَمَّمٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ ليكونَ زَواجًا أُحَادِيًّا وَحَسْب، وليكونَ عَهْدًا لا يَجوزُ فَسْخُهُ وَحَسْب، بل إنَّهُ اتِّحادٌ يَقتَصِرُ على هَذهِ الحَياةِ فَقط. فالآيات مَتَّى 22: 30 ومَرقُس 12: 25 ولوقا 20: 35 تُشيرُ جَميعُها إلى أنَّ الزَّواجَ يَقتَصِرُ على الحياةِ على الأرضِ فقط، وأنَّهُ لا صِلَةَ لَهُ بالسَّماء.
وقد قالَ الرَّبُّ الكثيرَ عنِ الزَّواج، ولكِنَّ كُلَّ ما قالَهُ عنهُ كانَ لاهُوتًا، وتَعريفًا رَئيسيًّا للزَّواج. فهو لم يَدخُل حَقًّا في التَّطبيقاتِ العَمليَّة للزَّواج. فقد تَرَكَ ذلكَ لِيُناقَش لاحِقًا في كِلِمَتِهِ مِن خلالِ رَسولِهِ حَتَّى إنَّنا عندما نَقرأُ الرَّسائلَ نَجِدُ الكثيرَ مِنَ المَعلوماتٍ عنِ الزَّواجِ، ولا سِيَّما مِنَ الرَّسولِ بولس الَّذي قالَ الكثيرَ عن مَوضوعِ الزَّواج، وكَرَّرَ ذلكَ في رَسائِلِهِ مِنْ زَوايا عَديدة ومُختلِفَة.
وواحِدٌ مِنَ الأصحاحاتِ الَّتي يُوَضِّحُ بولسُ فيها الحقائقَ الرئيسيَّةَ المُختصَّةَ بالزَّواجِ هو رسالة كورِنثوسَ الأولى والأصحاح السَّابع. فَهُنا، يأخُذُ بولسُ الأمورَ الرئيسيَّةَ الَّتي قالَها الرَّبُّ. وَحَتَّى إنَّهُ يُشيرُ إلى بعضِ عِباراتِ الرَّبِّ ثُمَّ يَنطَلِقُ مِن هُناكَ في تَطبيقِ تلكَ العِبارات. وهُناكَ أمور كَثيرة يَتطرَّقُ إليها الأصحاحُ السَّابعُ. وسوفَ نَتحدَّثُ عنها بِحَسَبِ تَسَلسُلِها في النَّصّ. وأنا على يَقينٍ بأنَّنا حينَ نُنْهي دراسَتَنا، ستكونُ لدينا مَعلومات هائلة تُساعِدُنا جدًّا. ولكِنْ لا شَكَّ في أنَّ أهَمَّ شَيءٍ هو ليس أن نَتعلَّمَ هذهِ المعلوماتِ، بل أن نَفعلَ ما تُوصينا بِهِ وأنْ نُطَبِّقَها في حَياتِنا. وهذِهِ هي، بِلا أَدنى شَكٍّ، صَلاتُنا.
وهُناكَ مُلاحَظة قبلَ أن أبدأ. فهُناكَ أشخاصٌ كثيرونَ، ويا للأسَف، قَرَّروا أنَّ أوَّلَ شَيءٍ سيَفعلونَهُ بخصوصِ الأصحاحِ السَّابعِ مِن رسالةِ كورِنثوسَ الأولى هو أن يَنبُذوهُ ويَتخلَّصوا مِنهُ لأنَّ هُناكَ عِباراتٍ تَنَصُّلِيَّة في هذا الأصحاح. فبولسُ يُحاولُ أن يَقولُ لنا إنَّ هذا الأصحاحَ يُعَبِّرُ وَحَسْب عَن رأيِهِ الشَّخصيِّ. لِذا فإنَّهُمْ يَقولونَ: "أتَرى ذلك؟ فإنْ نَظرتَ، على سَبيلِ المِثالِ، إلى العدد 12 فإنَّهُ يَقول: "وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا، لاَ الرَّبُّ". لِذا فإنَّهُ يُريدُ أن يُوَضِّحَ تمامًا مُنذُ البِداية أنَّ هَذا الرَّأيَ هُوَ رأيُهُ الشَّخصيُّ، لا رأيُ الرَّبِّ.
ثُمَّ إنَّ هَؤلاءِ يَقولونَ لنا إنَّ العَدد 25 أيضًا يُؤيِّدُ هذا الكَلامَ إذْ نَقرأ: "وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرَّبِّ فِيهِنَّ". بعبارة أخرى: "ليسَ لَديَّ ما أقولُهُ مِنْ عندِ اللهِ. فأنا أُعَبِّرُ وَحَسْب عن رأيي الشَّخصيَّ وأقولُ ما لَديَّ". ثُمَّ في العدد 40: "وَلكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هكَذَا، بِحَسَبِ رَأيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ". وَهُمْ يَقولونَ إنَّهُ لم يَكُن يَعلَمُ ما إذا كانَ قد حَصَلَ على هذا الكَلامِ مِنَ اللهِ أَمْ لا. لِذا فإنَّهُم يَقولونَ لنا إنَّ هذه مُحاولة يَائسة لخَلْطِ الرَّأيِ الشَّخصيِّ بالوَحْيِ. وأفضلُ حَلٍّ لذلك هو أن نُهمِلَ هذا الأصحاح.
ولكِنَّ هذا الرَّأيَ سَخيفٌ لأنَّ عِباراتِ بولُس هذهِ سَهلةُ التَّفسير إنْ نَظرنا إليها مِن زاويةٍ أخرى. فما يَقولُهُ بولسُ هُنا...وأنا أُقِرُّ أنَّ هذهِ العِباراتِ لم تَرِد في أيِّ أصحاحٍ آخَر كَتَبَهُ بولُس. ولكِنَّ مَا يَقولَهُ هُنا مُدهِشٌ جدًّا. فالسَّببُ في أنَّهُ يَقولُ في العدد 12: "وَأَمَّا الْبَاقُونَ، فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا، لاَ الرَّبُّ" لا يَرجِعُ إلى أنَّهُ يُريدُ أن يَقولَ إنَّ كَلامَهُ ليسَ مُهِمًّا، بل أنْ يَقولَ إنَّ كَلامَهُ هُوَ حَقٌّ جَديد. فهو لا يَقْتَبِسُ شَيئًا مِنَ الأناجيلِ قالَهُ رَبُّنا.
فإنْ رَجَعْتُم إلى العَددِ العاشِر ستَعرِفونَ قَصْدي: "وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُونَ، فَأُوصِيهِمْ، لاَ أَنَا بَلِ الرَّبُّ، أَنْ لاَ تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا". فَكَما تَرَوْنَ، إنَّهُ يَقتَبِسُ كَلماتِ الرَّبِّ المَذكورة في إنجيل مَرقُس والأصحاح العَاشِر. لِذا، عندما يَقول: "فَأَقُولُ لَهُمْ أَنَا، لاَ الرَّبُّ" فإنَّهُ يَقولُ: "أنا لا أَقتَبِسُ هُنا تَعليمَ يَسوع". فهو لا يَقول: "إنَّ كَلامي ليسَ مُهِمًّا. فَهُوَ مُجَرَّدُ رَأيٍ بَشَرِيٍّ". لا، بل إنَّهُ يَقولُ ببساطَة: "أحيانًا أَقتَبِسُ أقوالَ المَسيح، وأحيانًا لا أقتَبِسُها". وكأنَّهُ يَقول: "بِدايةُ الاقتباس"..."نِهايةُ الاقتباس". وما يَفعَلُهُ حَقًّا هو أنَّهُ يُساوي نَفسَهُ بالمَسيحِ مِن جِهَةِ الإعلان.
وقد قُلتُ لكم سابقًا إنِّي لا أُحِبُّ تَرجماتِ الكِتابَ المُقَدَّسَ الَّتي تُمَيِّزُ كلماتِ يَسوعَ بالخَطِّ الأحمر لأنَّ ذلكَ يَجعلُ القارئَ يَظُنُّ أنَّ ما قالَهُ يَسوعُ أهَمُّ مِمَّا قالَهُ أيُّ شخصٍ آخَر. ولكِنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ كُلَّهُ مُوْحَى بِهِ مِنْ رُوحِ الله. وعندما يَقولُ بولُس: "الرَّبُّ قالَ كَذا ولكنِّي أقولُ كَذا" فإنَّهُ لا يَعني: "ما أقولُهُ ليسَ مُهِمًّا"، بل يَعني: "نَحنُ على نَفسِ المُستوى مِنْ حيثُ الوَحْي. فَروحُ اللهِ أَعطاني هذهِ الحَقائق". لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ ببساطَة: "إنْ كُنتُ سأقتَبِسُ كَلامَ الرَّبِّ سأُبَيِّنُ ذلك. وإنْ كُنتُ لا أقتبسُ كَلامَهُ سأُبَيِّنُ أنَّ ما أَقولهُ ليسَ اقتباسًا عنِ الرَّبِّ، بل هو مَعلومات جَديدة".
والآن، اسمَحوا لي أن أتوسَّعَ في ذلكَ قَليلاً. عندما كانَ رَبُّنا يُكَلِّمُ تَلاميذَهُ بعدَ أن أعطاهُم الأمثالَ المُختصَّةَ بالمَلكوت قالَ عَنهُم إنَّهُم كَتَبَة. فقد كانَ التَّلاميذُ كَتَبَةً بِمَعنى أنَّهُمْ سَيَكتُبونَ الوَحْي. أليسَ كذلك. فَهُمْ سيكونونَ كَتَبَةَ العهدِ الجديد. وقد قالَ لَهُم مَا يَلي: "كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاء".
لِذا فإنَّهُ يَقول: "سوفَ تَكونونَ كَتَبَة. وسيكونُ جُزءٌ مِمَّا ستَكتُبونَهُ عَتيقًا، وجُزءٌ مِنهُ سيكونُ جَديدًا". وفي رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاحِ السَّابع، نَرى مَثَلاً تَوضيحيًّا على ذلك. فبولسُ يَقول: "هذا الأمرُ عَتيقٌ، وهَذا الأمرُ جَديد. فهذا هُوَ ما قالَهُ الرَّبُّ، وأنا أَقتَبِسُ كَلامَهُ. وهذا هُوَ ما أقولُهُ أنا، وَهُوَ إعلانٌ جَديد". فهو لا يَنفي أنَّهُ إعلان. وسوفَ نَقولُ المَزيدَ عن ذلك في أثناءِ دِراسَتِنا للنَّصّ.
لِذا فإنَّهُ يَبتدئُ الأصحاحَ بالتَّحَدُّثِ عنِ الجانبِ العَمليِّ للزَّواج، ويَقتَبِسُ تَارَةً مَا قالَهُ الرَّبُّ لأنَّهُ المبدأُ اللَّاهوتِيُّ الجَوهريُّ، وَتارَةً يَذكُرُ حَقًّا جَديدًا يَختصُّ بالجانبِ العَمليّ. ولكي نَفهمَ سِياقَ مَا يَكْتُبُهُ هُنا، يجب علينا أن نَعرِفَ شَيئًا عنْ مَشاكِلِ أهلِ كورِنثوس. ولكي نَعرِفَ مَشاكِلَ أهلِ كورِنثوس، يجب علينا أن نَعرِفَ شيئًا عنِ الزَّمَنِ الَّذي كانوا يَعيشونَ فيه. وإليكُم مَجموعة مِنَ الأمورِ المُدهشةِ جدًّا الَّتي ينبغي أن تَعرِفوها: فقد كانَ الزَّواجُ مُشكلةً كبيرةً في كورِنثوس. فقد كانوا يُواجِهونَ كُلَّ أنواعِ المَشاكِلِ فيما يَختصُّ بالزَّواج.
العَددُ الأوَّل...انظُروا إليه: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا". فقد كَتَبَ الكورِنثيُّونَ رِسالةً إلى بولُس. ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّها سُلِّمَتْ بِيَدِ الأشخاصِ المَذكورينَ في الأصحاح 16 والعَدد 17؛ أيْ: "اسْتِفَانَاس" وَ "فُرْتُونَاتُوس" وَ "أَخَائِيكُوس" الذينَ كانوا قد جَاءوا مِن كورِنثوس. وقد طَرحَ أهلُ كورِنثوس أربعةَ أسئلة رَئيسيَّة على بولُس. وفي الأصحاحات 7-11 يُجيبُ بولسُ عنِ الأسئلةِ الَّتي طَرَحوها في الرِّسالَة.
وقبلَ ذلك، يَقولُ بولسُ ما يُريدُ أن يَقولَهُ. ثُمَّ بعدَ ذلك، في الأصحاحِ 12، يَقول: "والآن، سوفَ أعودُ إلى الأمورِ الرُّوحِيَّةِ وأرجِعُ إلى الأشياءِ الَّتي تَهُمُّني". ولكِنَّ هذا المَقطَعَ الصَّغيرَ في المُنتَصَف يَحوي أمورًا كانُوا يَسألونَهُ عَنها. فقد كانت لديهم أسئلة مُحَدَّدة. وقد أرادوا الحُصولَ على بعضِ المَعلوماتِ عنِ الزَّواج. والأصحاحُ السَّابِعُ يَتحدَّثُ عن ذلك.
وقد كانت لديهم أسئلة عنِ الأشياءِ المُقَدَّمَةِ للأصنام. والأصحاحاتُ 8 و 9 و 10 تَتحدَّثُ عن ذلك. وقد كانت لديهم أسئلة عنِ النِّساءِ في الكَنيسة. والأصحاحُ الحادي عَشَر يَتحدَّثُ عن ذلك. وَهُوَ يَتحدَّثُ عَن مائدةِ الرَّبِّ أيضًا في الأصحاحِ الحادي عَشَر. فهذه المواضيعُ الأربعةُ كانت مَصْدَرَ قَلَقٍ لَهُم لأنَّهم كانوا يُواجِهونَ مَشاكِلَ تَختصُّ بتأقلُمِهِم معَ الحياةِ في الكنيسة والمُجتمعِ في هذهِ الأمور. وكانَ الزَّواجُ مُشكلةً مِنَ المَشاكِلِ الَّتي يُواجِهونَها. وَهذهِ هي المُشكلةُ الَّتي يبتدئُ في مُعالَجَتِها في الأصحاحِ السَّابِع.
والآن، اسمَحوا لي أن أُحَدِّثَكُم قَليلاً عنِ أحوالِ الزَّواجِ في رُوما. ففي المَقامِ الأوَّل، لم تَكُن تُوْجَدُ في رُوما قوانين مُوَحَّدة تَختَصُّ بالزَّواج. فقد كانَ بمقدورِكَ أن تَتزوَّجَ بما لا يَقِلُّ عن أربعِ طُرُقٍ مُختلفة تُعَدُّ جَميعُها زَواجًا بِمَعْنى أو بآخَر. وأوَّلُ شَيءٍ يَنبغي أن تَعرِفوهُ هو أنَّهُ كانَ يُوجدُ عَبيدٌ كَثيرون. فقد كانَ هُناكَ عَشراتُ، بَلْ مِئاتُ الآلافِ مِنَ العَبيد. وَهُمْ لم يَكونوا يُحْسَبونَ بَشَرًا. لِذا، لم يَكونوا، في الحَقيقةِ، يَتمتَّعونَ بأيٍّ مِنَ الحُقوقِ الَّتي يَتمتَّعُ بها المُواطِنون.
فعندما كانوا يَرغبونَ في الزَّواجِ أو في الاضْطِجاعِ مَعًا، أيْ في أنْ يَعيشوا مَعًا عِوَضًا عنِ الارتِباطِ رَسميًّا، كانَ سَيِّدُ العَبيدِ يُوافِقُ على ما يُطْلَقُ عليهِ اسم "كونتوبيرنيوم" (contubernium). وهذا يَعني ببساطَة: "المُساكَنَة [في خَيمة واحِدَة]". فقد كانَ السَّيِّدُ يَقولُ لواحِدٍ مِن عَبيدِهِ وواحِدَةٍ مِن إِمائِهِ: "حَسنًا، يُمكِنُكُما أن تَسْكُنا في خَيْمَةٍ مَعًا". وكانَتْ هَذِهِ المُساكَنَة نَوعًا مِن أنواعِ زَواجِ العَبيد. ولكِنْ إنْ لم يَشعُرِ السَّيِّدُ بالارتياحِ لما يَجري بينَ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ، ولم يَكُن يُبالي بِما يُريدان، كانَ باستطاعَتِهِ أنْ يَتَدَخَّلَ بينَهُما ويَفصِلَ بَينَهُما، أو كانَ باستطاعَتِهِ أن يَبيعَ الزَّوجَ أو يَبيعَ الزَّوجَة. لِذا فقد كانت هُناكَ مَشاكِل حَقيقيَّة في الكَنيسةِ البَاكِرَة لأنَّ عَدَدًا كبيرًا جدًّا مِنَ المَسيحيِّينَ الأوائِل كانُوا عَبيدًا، وكانُوا يَعيشونَ في حَالاتٍ زَوجيَّةٍ مُخْتَلَطَة كَهذهِ.
والآن، ماذا سَتَفعلُ الكنيسةُ البَاكِرَة؟ فهل سَيقولُ الرَّسولُ: "حسنًا! يَنبغي لجميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ مَعًا بالمُساكَنَة أنْ يَنفَصِلوا. اخرُجوا مِن هُنا. فهذا غيرُ لائِقٍ. وهَذا ليسَ صَائِبًا"؟ إنَّ الكِتابَ المُقدَّسَ لا يَقولُ ذلك. فهو لا يَقولُ إنَّ الرُّسُلَ قالوا ذلك.
فما فَعَلَهُ بولسُ هو أنَّهُ لم يُحاوِل أنْ يَفْسَخَ كُلَّ العَلاقاتِ، بل حاوَلَ أن يُعَلِّمَهُم عن قَداسَةِ الزَّواج لكي يَفهَموا الأساسَ الشَّرعيَّ لذلك. فإنْ كانَ هُناكَ شَخصانِ يَعيشانَ مَعًا بالمُساكَنة، فإنّهُ يَقولُ لَهُما [ببساطَة]: "ابْقَيا مَعًا. وَليُبَرْهِنْ كُلٌّ مِنكُما على تَمَسُّكِهِ بالآخر. وليُحِبَّ كُلٌّ مِنكُما الآخَر. واحرِصَا على القِيامِ بِكُلِّ مَا يَلزَم لِجَعْلِ ذلكَ الزَّواج كَما يُريدُ لَهُ اللهُ أن يَكون". فالحقيقةُ هي أنَّ هذا هو الخِيارُ الوَحيدُ الَّذي كانَ مُتاحًا لَهُمْ بِصِفَتِهِم عَبيدًا.
وكانَتْ هُناكَ طَريقة أخرى يُمكِنُكَ أن تَتَزَوَّجَ بها، أو نَوعٌ آخَر مِنَ العَلاقات، وهي تُسَمَّى "يُوسَس" (usus). وكانت تلكَ العادَة المُحَدَّدة تَعني أنَّهُ بمقدورِ امرأةٍ ورَجُلٍ أن يَسكُنا مَعًا مُدَّةَ سَنة. وفي نِهايةِ السَّنة، كانَ بإمكانِهِما أن يَصيرا زَوجًا وزَوجَة. واليومُ، نَحنُ نُسَمِّي ذلكَ ماذا؟ "زَواجًا عُرْفِيًّا". وقد كانت تلكَ الطَريقةُ مُستخدَمَة في الزَّواج. لِذا، كانتِ الكنيسةُ تَجِدُ نَفسَها أمامَ أشخاصٍ تَزَوَّجوا زَواجًا عُرْفِيًّا، مِن دُونِ عَقْدٍ شَرعِيٍّ أو أيِّ شَيءٍ يُثْبِتُ زَواجَهُما. ومَرَّةً أخرى، فإنَّ العهدَ الجديدَ لا يَقولُ شَيئًا عَمَّا يَنبغي لهؤلاءِ أن يَفعلوا سِوى أنْ يُرَكِّزوا على قُدْسِيَّةِ الزَّواجِ أيًّا كانَ شَكلُه. أيْ أنْ يُحافِظوا عليهِ وَحَسْب.
وكانَت هُناكَ طَريقة أخرى تُعرَفُ باسم "كويمبتيو إن مانوم" (coemptio en manum)، وَهُوَ زَواجُ بَيْعٍ يَقومُ فيهِ الأبُ بِبَيْعِ ابْنَتِهِ إلى الزَّوج. فإنْ جاءَ رَجُلٌ وَعَرَضَ مَبلَغًا جَيِّدًا مِنَ المال، يُمكِنُهُ الحُصولَ على الابنَة. ومعَ أنَّ الفِكرةَ سَخيفة، فإنَّ هذا هو ما كَانَ يَحدُث. وقد قُلتُ مَرَّاتٍ عَديدة إنَّ ثَمَنَ الفَتاةِ كانَ يَتوقَّفُ على صِفاتِها. وأعتقد أنَّ ثَمَنَها كانَ يُمْكِنُ أن يَكونَ دَزِّينَةً مِنَ الخِرافِ أو دَجاجَةً عَرْجاء. ولكِنَّ ذلكَ كانَ يَتوقَّفُ على صِفاتِ الفَتاةِ الَّتي يَرغَبُ الرَّجُلِ في الزَّواجِ مِنها. ورُبَّما يُضْطَرُّ الأبُ أحيانًا إلى تَقديمِ تَنازُلات. لِذا فقد كانَ يوجدُ هذا النَّوعُ مِنَ الزَّواجِ الَّذي هُوَ زَواجٌ لأسبابٍ مَاديَّةٍ بَحْتَة.
ولكِنَّ الأشخاصَ الأرفَعَ مَكانَةً، والأكثَرَ نُبْلاً وَمَكانَةً كانوا يَتزوَّجونَ زَواجًا يُسَمَّى "كونفارياتيو" (confarreation)، وَهُوَ زَواجٌ مَرمُوق. وقد كانَ هَذا النَّوعُ مِنَ الزَّواجِ هُوَ الزَّواجُ الرَّاقي. وهل تُريدونَ أن تَعرِفوا شَيئًا مُدهشًا جدًّا؟ إنَّ كُلَّ حَفْلِ الزِّفافِ الَّذي نَراهُ اليومَ في الكنيسةِ المَسيحيَّةِ هُوَ نُسْخَةٌ طِبْقُ الأصلِ عنْ هذا الزَّواجِ الوَثنيِّ الرُّومانيّ. فهو لم يأتِ مِنَ العاداتِ اليَهوديَّةِ في العهدِ القديم، وَلم يأتِ مِن عاداتِ العهدِ الجديد، بل هُوَ تَقليدٌ حَرْفِيٌّ لِحَفْلِ الزِّفافِ الرُّومانِيِّ الوَثنيّ. فما حَدَثَ [ببساطَة] هو أنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيَّةَ قَلَّدَتْ حَفْلَ الزِّفافِ الرُّومانِيِّ المألوف. وعندما حَدَثَ الإصلاحُ، لم يُغَيِّر أحدٌ شَيئًا فيه. وقد صَارَ شَيئًا تَقليديًّا وصُورةً طِبْقَ الأصلِ تَمامًا اليوم. والحقيقةُ هي أنَّ حَفْلَ الزِّفافِ اليَهودِيِّ كانَ يَدومُ كَمْ يَوم؟ عَادَةً: سَبعَة أيَّامٍ. لِذا فإنَّكُم تَعلمونَ أنَّنا لا نَفعلُ ذلكَ اليوم. فنحنُ بَعيدونَ كُلَّ البُعدِ عنِ الزَّواجِ اليهوديِّ التَّقليديّ. ولكِنَّ هذا النَّوعَ كانَ يَتِمُّ بَعدَ ظُهرِ أحدِ الأيَّامِ، أو في مَساءِ أحدِ الأيَّام.
فقد كانتِ العائلتانِ تَجتمعان. وكانوا يَخْتارونَ وَصيفًا وَوَصيفَةً؛ أيْ إشْبينًا وإشبينَةً. وكانَ كُلٌّ مِنَ العَريسِ والعَروسِ يُمسكُ يَدَ الآخَر. وهذا هو السَّببُ في أنَّنا ما زِلنا نَفعلُ ذلك في حَفْلِ الزِّفاف. وكانَ كُلٌّ مِنهُما يَتَعَهَّدُ أمامَ الآخَر. وبعدَ قَوْلِ العُهودِ، كانت هُناكَ صَلواتٌ تُرفَع. فهذا هو الإجراءُ المَعهود، ولكنَّهُم كانوا يَرفعونَ الصَّلواتِ إلى الإلَهِ "جوبيتر" (Jupiter) وزَوجَتِهِ "جونو" (Juno).
وكانت هُناكَ زُهورٌ. فقد كانتِ الزُّهورُ أمرًا مألوفًا. وكانَتْ جَدِيْلَةُ العَروسِ بِحَقّ بِدايةَ ما يُعْرَفُ اليومَ بإكليلِ العَروس. وكانتِ العَروسُ تَرتدي دائمًا بُرْقُعًا يُرْفَع. وكانَ هُناكَ خَاتَمٌ. فقد كانت فِكرةُ خَاتَمِ الزَّواجِ مَوجودةً دائمًا، وكانَ يُوضَعُ دائمًا في نَفسِ الإصبَع (هذا الإصبَعِ الَّذي أَضَعُ فيهِ خَاتَمي، ونَفسُ الإصبَعِ الَّذي تَضَعونَ فيهِ خَاتَمَكُم) لأنَّهُمْ اكتَشَفوا بِقُدراتِهِم الرَّائعةِ في العُلومِ الطِّبيَّةِ، ومِن خلالِ تَشريحِهِم للجسدِ البشريِّ أنَّ هُناكَ عَصَبًا يَمُرُّ مِنْ مُنْتَصَفِ هذا الإصبَعِ إلى القَلب. وحيثُ إنَّ هذا العَصَبَ مُرتبطٌ بالقلب، هذا هو الإصبَعُ الَّذي يَنبغي وَضْعُ الخَاتَمِ فيه. وقد كانَتْ هذهِ العاداتُ كُلُّها هي النِّظامُ الرُّومانِيُّ في الزَّواج. وعندَ انتِهاءِ مَراسِمِ الزَّواجِ، كانَ العَريسُ والعَروسُ يَذهبان إلى مَكانٍ آخَر. وصَدِّقوا أو لا تُصَدِّقوا أنَّهُمْ كانُوا يُعِدُّونَ كَعْكَةً للعُرْس. أجل. والآن، أنتُم تَعلمونَ مَصْدَرَ كُلِّ هذهِ العَادات.
إذًا، كانت تُوْجَدُ أربعةُ أنواعٍ مُختلفةِ مِنَ الزَّواج. وقد انتقلت هذهِ الأنواعُ إلى الكنيسة. فقد كانتِ الكنيسةُ قائمةً، وكانَ النَّاسُ المُتزوِّجونَ بهذهِ الطَّريقةِ أو تِلكَ، أوِ الَّذينَ يَعيشونَ مَعًا، يأتونَ إليها. وقد تَسَبَّبَ ذلكَ في كُلِّ أنواعِ المَشاكِل. فماذا ستَفعل؟ ماذا ستَفعل؟ هل سَتَسُنُّ قَوانينَ جَديدة للإمبراطوريَّة الرُّومانِيَّة؟ لا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلك. فلم يَكُن بمقدورِ الكنيسةِ أن تَفرِضَ قَوانينَها على الإمبراطوريَّةِ الرُّومانِيَّة. وما فَعَلَهُ بولسُ، وما فَعَلَهُ كُلُّ كُتَّابِ ومُعَلِّمي العهدِ الجديدِ هو أنَّهُمْ سيَقومونَ [ببساطَة] بالتَّعليمِ عن قُدسِيَّةِ الزَّواجِ أيًّا كَانَ شَكْلُه. فيجب على المُؤمِنينَ أن يَجتَهِدُوا في الحِفاظِ عليه. فهذه هي الفِكرة.
كانت هذهِ هي بعضُ المَشاكِلِ الَّتي يُواجِهونَها. ولكِنْ يُمكِنُكم أن تُضيفوا إلى ذلكَ أنَّ مَشاكِلَهُم الحَقيقيَّةَ الكُبرى كانت تَتَلَخَّصُ في أنَّ الطَّبيعةَ الأخلاقيَّةَ للزَّواجِ كانت فَاسِدَةً جدًّا حَتَّى إنَّ الطَّلاقَ كانَ شائعًا جدًّا جدًّا. فهُناكَ سِجِلَّاتٌ لأُناسٍ تَزَوَّجوا 27 أو 28 أو 29 مَرَّة. فقد كانوا يَعُدُّونَ سَنواتِ عُمْرِهم بعددِ زَوجاتِهم. وكانت مُعَدَّلاتُ الطَّلاقِ مُرتفعة.
فقد كانَ هُناكَ فُجورٌ أخلاقِيٌّ. وكانَتْ هُناكَ خَطايا جِنسيَّة مُستَفحِلَة، وسَراري، ورِجالٌ يَتزوَّجونَ فقط كي تَقومَ الزَّوجَةُ بِتَنظيفِ المَنزِلِ، وَطَهْوِ الطَّعامِ، والقِيامِ بِكُلِّ الأعمالِ الأخرى. ثُمَّ إنَّهُم يُصَاحِبونَ نِساءً أُخريات لِمُتْعَتِهم. وقد كانَتِ الحالُ مَأسَاويَّة.
عَدا عَن هذا كُلِّه، هل تَعلمونَ أنَّهُ في زَمَنِ الرَّسولِ بولس، أيْ في تلكَ الأيَّامِ في الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّةِ، كانَ هُناكَ تَمَرُّدٌ تَقودُهُ النِّساء؟ فلم يَحْدُث أيُّ شَيءٍ جَديد، يا أحبَّائي. وأريدُ مِنكُم أن تَعلموا ذلك. فليسَ هُناكَ شَيءٌ جَديد. وقد كانَ سُليمانُ مُحِقًّا حينَ قالَ: "لَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَدِيدٌ".
وإليكُم هذا الاقتباسَ مِن "جيروم كاركوپينو" (Jerome Carcopino) الَّذي كَتَبَ كِتابًا مُدهِشًا بعُنوان: "الحياةُ اليوميَّةُ في رُوما" (Daily Life In Rome). فهو يَقول: "إلى جانبِ بَطَلاتِ الطَّبَقَةِ الأرستُقراطيَّة، والزَّوجاتِ اللَّاتي لا عَيْبَ فيهِنَّ، والأُمَّهاتِ الفَاضِلاتِ اللَّاتي كُنَّ ما زِلْنَ مَوجوداتٍ في صُفوفِها، مِنَ السَّهلِ أنْ تَجِدُوا زَوجاتٍ مُتَحَرِّراتٍ، أو بالأحرى مُنْحَلاَّتٍ، يَتَهَرَّبْنَ مِن واجِباتِهِنَّ أو أُمومَتِهِنَّ خَوفًا مِنْ فُقدانِ مَظهَرِهِنَّ الجَميل. وكانت هُناكَ نِساءٌ يَفْتَخِرْنَ بأنَّهُنْ يَقِفْنَ وَراءَ أزواجِهِنَّ في كُلِّ نِطاقٍ ومَجالٍ، ويُنافِسوهُم في اختباراتِ القُوَّةِ بالرَّغمِ مِن أنَّ الأُنوثَةَ تَمْنَعُهُنَّ مِنَ القيامِ بذلك. ولم يَكُنْ بَعضُهُنَّ رَاضِياتٍ بأنْ يَعِشْنَ حَياتَهُنَّ بجانِبِ أزواجِهِنَّ، بل فَضَّلْنَ مُتابَعَةَ حَياتِهِنَّ مِنْ دونِهم. وإمَّا بسببِ وَسائِلِ مَنْعِ الحَمْلِ الطَّوعيَّةِ أو بسببِ الفَقرِ، كانتِ العَديدُ مِنَ الزِّيجاتِ الرُّومانِيَّةِ في نِهايةِ القرنِ الأوَّلِ وبدايةِ القَرنِ الثَّاني عَقيمَة".
وقد صَارت تلكَ الحَرَكة أوسَعَ انتشارًا أكثرَ فأكثر إذْ يَقولُ "جوفينال" (Juvenal)، وأنا أَقتَبِسُ كَلامَهُ: "لقد كُنَّ يَحْمِلْنَ الرِّماحَ في أيديهِنَّ، ويَركُضْنَ بِصُدورٍ عَارِيَةٍ، ويَخْرُجْنَ للصَّيْد. وكانت هُناكَ نِساءٌ يَشترِكْنَ في سِباقِ مَرْكَباتِ الخَيْلِ وَهُنْ يَرتدينَ مَلابِسَ الرِّجال. وكُنَّ يَشتركنَ في المُصارَعة". ولا بُدَّ أنَّكُم تَتساءلونَ دائمًا مِن أينَ جاءتِ المُصارِعاتُ بالفِكرة. مِنْ رُوما القَديمة. ويَقول "جوفينال"، وَهُوَ يَكتُبُ مَرَّةً أخرى مِنْ وُجهَةِ النَّظَرِ الرُّومانِيَّة: "ما التَّواضُعُ الَّذي تَتَوَقَّعونَهُ مِنِ امرأةٍ تَرتدي خُوْذَةً، وتَكرَهُ جِنسَها، وتَبْتَهِجُ بمُسابقاتِ القُوَّة؟" [نِهايةُ الاقتباس]. إنَّهُ ليسَ صِنْف النِّساءِ الَّذي يَروقُ لي. فيجب أن أُقِرَّ بذلك!
وسُرعانَ ما ابتدأَ الزَّواجُ يُواجِهُ المَتاعِب. فقد نُكِثَتِ العُهودُ. وَراحتِ النِّساءُ يُطالِبْنَ بأنْ يَعِشْنَ حَياتَهُنَّ. وحَالَما عَبَّرَتِ النِّساءُ عَنْ رَغْبَتِهِنَّ في التَّخَلُّصِ مِن أزواجِهِنَّ، لم يَحْتَمِلِ الرِّجالُ ذلك. لِذا، فقد كَانُوا سُعَداءَ بِتَطليقِهِنَّ. وقدِ ابتدأَ الرِّجالُ بالتخلُّصِ مِن زَوجاتِهِم في أسرَعِ وقتٍ بعدِ إفْصَاحِهِنَّ عن رَغْبَتِهِنَّ في الطَّلاق.
وكَانوا يُطَلِّقونَ زَوجاتِهِم لأنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ بِدونِ بُرقُع، أو لأنَّهُن يَتَحَدَّثْنَ إلى الرِّجالِ في الشَّارِع، أو لأنَّهُن يَذهبنَ إلى مَكانٍ مَا أو يَفعلنَ شَيئًا مَا بِدونِ إذْنٍ مِنهُم. وكانُوا يُطَلِّقونَ زَوجاتِهِم كي يَتزوَّجونَ مِنْ نِساءٍ أَغنى مِنْهُنَّ. وقد فَعَل "شيشرون" (Cicero) ذلك. وقد ابتدأتِ النِّساءُ بِخَلْعِ أزواجِهِنَّ. ويَكتُبُ "جوفينال": "لقد رَاحَتْ تَتَسَلَّطُ على زَوجِها. ولكِنْ سُرعانَ مَا أَخْلَتْ مَمْلَكَتَها وَراحَتْ تَنْتَقِلُ مِنْ بيتِ إلى بيتٍ مُرْتَدِيَةً بُرقُعَ زِفَافِها".
لِذا يُمكِنُكم أن تَرَوْا كيفَ كانَ الزَّواجُ. فقد كانَ شَيئًا مُشَوَّشًا جدًّا. وكانوا يَتزوَّجونَ بِسُرعة ويُنْهونَ الزَّواجَ بِسُرعة. فقد كانَ الطَّلاقُ شَائِعًا جِدًّا. وكانت هُناكَ مَشاكِلُ تَختصُّ بالزَّواجِ المُعتَرَفِ بِهِ والزَّواجِ غيرِ المُعتَرَفِ بِه. فماذا عنِ الشَّخصِ الَّذي اعتادَ أن يَعيشَ حَياةَ مُساكَنَةٍ أو عنِ الشَّخصِ الَّذي اشتَرى زوجَتَهُ بِمالِه؟ فهل يُمْكِنُهُ أن يَتزوَّجَ مَرَّةً أخرى؟ فقد كانت هُناكَ مَشاكِل كثيرة بِحاجَة إلى حَلّ.
واسمَحوا لي أن أُضيفَ مُشكلةً أخرى كانت لَديهم. ففي وَسْطِ كُلِّ ذلك، اقتَرَحَ أُناسٌ أنَّ أفضلَ حَلٍّ هُوَ عَدَمُ الزَّواجِ نِهائيًّا؛ أيْ أنْ يَنْسَى المُؤمنونَ ذلكَ الأمرَ تَمامًا. وقدِ ابتدأوا يَنْشُرونَ تلكَ الفِكرةَ إلى أنْ صَارتِ العُزوبَةُ مُرادِفَةً للنُّخبةِ الرُّوحيَّة. فإنْ لم تَتزوَّج، بل بَقيتَ عَازِبًا، أو بَقيتَ دُوْنَ زَواجٍ فإنَّكَ شَخصٌ مُمَيَّزٌ رُوحيًّا. فقد أَنْكَرْتَ على نَفسِكَ شَهَواتِ الجَسد. وقد وَضَعْتَ كُلَّ تلكَ الأمورِ جَانِبًا وكَرَّسْتَ نَفسَكَ تَمامًا ليسوعَ المسيح.
فقد كانت هُناكَ فِكرة شائعة في كنيسةِ كورِنثوس تَقولُ إنَّ العُزوبَةَ هي أعلى شَكلٍ مِن أشكالِ الحَياةِ المَسيحيَّة؛ أيْ أَلَّا تَتَزَوَّجَ البَتَّة، وألَّا تَكونَ لَكَ أيُّ عَلاقة جِنسيَّة على الإطلاق. وقد سَاءَتِ الحَالُ كَثيرًا حَتَّى إنَّ الأمرَ لم يَقتَصِر على أنَّ النَّاسَ لم يَعودوا يَتزوَّجونَ، بل إنَّهُم رَاحُوا يَدينونَ الأشخاصَ المُتزوِّجينَ. وقد ابتدأَ الأشخاصُ المُتزوِّجونَ يَتركونَ شَريكَ الحَياةِ ويَختارونَ حَياةَ العُزوبَةِ كي يَكونوا رُوحِيِّينَ أكثر. وابتدأَ المُؤمِنونَ المُتزوِّجونَ مِن أشخاصٍ غير مُؤمِنين يَتركونَ شَريكَ الحياةِ بأسرَعِ ما يُمكِن ظَنًّا مِنْهُم أنَّهُ مِنَ النَّجاسَةِ أنْ تَكونَ مُتزوِّجًا مِن شخصٍ غيرِ مُؤمِن وأنْ تُمارِسَ العَلاقَةَ الجِنسيَّةَ مَعَ شخصٍ غيرِ مُؤمِن. لِذا فقد كانت كنيسةُ كورِنثوس تَعِجُّ بالمَشاكِل المُختصَّةِ بالزَّواج. وكانَ هُناكَ أشخاصٌ يُنادونَ بالعُزوبَة. ولا شَكَّ في أنَّ اليَهودَ كَانوا يُنادونَ بالزَّواجِ لأنَّهُم كانوا يَظُنُّونَ أنَّ عَدَمَ الزَّواجِ خَطيَّة.
وما تَزالُ تلكَ الفِكرةُ القائلةُ إنَّ العُزوبَةَ تَدُلُّ على مُستوىً عَالٍ مِنَ التَّكريسِ الرُّوحِيِّ سائِدَةً حَتَّى الآن. فقد تَسَلَّلَتْ إلى الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ، وهي مَا تَزالُ سَائدةً. فالفِكرةُ القائلةُ إنَّ الشَّخصَ التَّقِيَّ والمُقَدَّسَ حَقًّا لا يُمكِنُ أن يَكونَ شَخصًا مُتزوِّجًا هي فِكرة ما تَزالُ مَوجودةً في الكنيسةِ الكاثوليكيَّة. والكَهَنَةُ والرَّاهِباتُ لا يَتزوَّجونَ لذلكَ السَّبب. فَهُمْ يَلْبَسونَ خَاتَمَ زَواجٍ غَالِبًا كَرَمْزٍ لِزَواجِهم مِن يَسوعَ المسيح. فهذا مُستوىً عَالٍ مِنَ التَّكريس. وَهُمْ يَقولونَ إنَّ هذا يَجعَلُهُم مُتَفَوَّقينَ رُوحِيًّا عَلى الأشخاصِ المُتزوِّجين.
لِذا، هذا ليسَ مَوضوعًا لا نَعلَمُ شَيئًا عنه، بل هُوَ مَوضوعٌ مَضَى على وُجودِهِ وَقتٌ طَويل. والحقيقةُ هي أنَّهُ في الأزمنةِ الأخيرةِ (كَما جَاءَ في رسالة تيموثاوس الأولى والأصحاحِ الرَّابِع)، سيأتي أُناسٌ يَمنَعونَ عنِ الزَّواج. أليسَ كذلك؟
لِذا فقد كانَتْ هُناكَ أسئلةٌ كثيرة تَدورُ في أذهانِ أهلِ كورِنثوس. وقد كَتَبوا رِسالَةً وَقالوا لِبولُس: "سَاعِدنا في مُشكلةِ الزَّواج". لِذا، في هذا الجُزءِ المُتَوَسِّطِ، يَتوقَّفُ بولسُ كي يُساعِدَهُم على فَهْمِ هذا المَوضوع كي يَعلموا ما يَنبغي أن يَفعلوهُ بخصوصِ الزَّواجِ، والعُزوبَةِ، وَما إلى ذلك. والآن، أريدُ مِنكُم أن تَنظروا إلى الأصحاحِ السَّابِع. وأودُّ أن تَنظروا إلى أربعِ أفكارٍ رَئيسيَّة تَرِدُ في الآياتِ السَّبعِ الأولى. وهي تَتحدَّثُ عن مُشكلةِ مَا إذا كانَ يَنبغي لكَ أن تَبقى عازِبًا أَمْ أن تَتزوَّج، أو مَا إذا كانَ يَنبغي لكِ أن تَبْقَيْ بَتولاً أَمْ تَتزوَّجين. فَهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم يُفَكِّرونَ كَثيرًا في هذا الأمرِ الآن. فأنتُم لا تَعلمونَ ما إذا كانَ يَنبغي لَكُم أن تَتزوَّجوا أَمْ أنْ لا تَتَزَوَّجوا.
وهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم لا يَملِكونَ أيَّ خيارٍ الآن. فقد تَكونُ عَازِبًا ولم تَعثُر حَتَّى الآن على أيِّ شَخصٍ يَرغَبُ في الزَّواجِ مِنك، أو قد تَكونُ مُتزوِّجًا وَعَالِقًا. ولكِنَّ بَعضًا مِنكُم ما يَزالونَ يَملِكونَ الخِيارَ، ولكنَّكُم لا تَعلمونَ مَا إذا كانَ يَنبغي لكم أن تَبحثوا عن شَخصٍ تَتزوَّجونَهُ أَمْ لا. وأنتُم لا تَعلمونَ مَا إذا كانَ مِنَ الصَّوابِ أَنْ تَتَزَوَّجوا أَمْ لا. لِذا، نَرجو أنْ يُقَدِّمَ رُوحُ اللهِ لَكُم بِضْعَ نِقاطٍ تُساعِدُكُم. وَهُناكَ أربَعُ أفكارٍ تَتطرَّقُ إلى هذهِ المُشكلةِ المُختصَّةِ بالعُزوبَةِ أوِ التَّبَتُّل. ويُمكِنُكم أن تُتابِعوا هذهِ الأفكارَ في أثناءِ دِراسَتِنا.
أوَّلاً، العُزوبَةُ شَيءٌ حَسَنٌ. فنحنُ نَقرأُ في العددِ الأوَّل: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا: فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً". والآن، سَنتوقَّفُ هُنا. فإنْ فَهِمْتُمْ هذا الكَلامَ حَرفيًّا، قد يَبدو أمرًا صَعْبَ التَّطبيق. أليسَ كذلك؟ فأنا أَذكُرُ عندما كُنتُ في المدرسةِ الثانويَّةِ أنِّي رَأيتُ إعلانًا يَقولُ إنَّ هُناكَ كَنيسة مُعَيَّنة تَعْتَزِمُ القِيامَ بِجولة في عَرَبَة مُحَمَّلَة بالقَشّ، وإنَّ هُناكَ سَيِّدة سَتُرافِقُ الأشخاصَ الَّذينَ سيَذهبونَ في تلكَ الرِّحلة. وقد كانت تلكَ المرأةُ مُحتشِمَةً جدًّا جدًّا. لِذا فقد رَكِبْنا في عَرَبَتَيْنِ مُحَمَّلَتَيْنِ بالقَشّ: الأولى للشَّبابِ، والثَّانية للفتيات. ولن أَنْسَ ذلكَ مَا حَييت. فإنْ كُنتُم تَتحدَّثونَ عنِ المَلَل، كانَ هذا هُوَ المَلَلُ بِعَينِه!
وهُناكَ تلكَ المُشكلة الَّتي حَدَثَتْ في إحدى المَدارِس، وقد سَمِعْتُ عنها. وقد حَدَثَتْ لأنَّ فَريقَ كُرَةِ السَّلَّة كانَ يَرتدي سَراويلَ طَويلة. فَقد يَتمادى النَّاسُ في الأمور. ولكِنَّ هذا هو ما جَرى. وقد حَاوَلَتْ إحدى الفَتيات أن تُبَرِّرَ المَوقِف. ولن أَنْسَ يَومًا أنَّنا تَحَدَّثنا قليلاً عن رسالة كورِنثوس الأولى 7: 1. فإنْ كُنْتَ مَوجودًا هُناكَ، قد يَحْدُثُ تَصادُمٌ أوْ تَلامُس. "فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَمَسَّ امْرَأَةً". ولكِنْ إنْ فَسَّرْتُمْ، يا أحبَّائي، تلكَ الآيَةَ تَفسيرًا حَرفيًّا فإنَّ هذا يَعني أنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ كانا آخِرَ شَخصينِ عَاشَا على وَجْهِ الأرض. ولكِنَّ هذا ليسَ المَعنى المَقصود. فالآيَةُ لا تَتحدَّثُ عن ذلك. فَفِكْرَةُ لَمْسِ امرأةٍ هي عِبارَة مُلَطَّفة تُشيرُ إلى العَلاقةِ الجِنسيَّة. فهذا هو مَعناها. وهذا هُوَ المَغزَى مِنها.
ويُمكِنُني أن أُريكُم ذلكَ ببساطَة مُتَناهِيَة مِن خلالِ العَديدِ مِنَ الآياتِ في العهدِ القديم. وأوَّلُ آيَة هي تَكوين 20: 6. فَهُنا نَجِدُ مَوقِفًا كانَ يُمْكِنُ أنْ يُؤدِّي إلى حُدوثِ زِنَى في عَائلةِ إبراهيم. ولكِنْ في العَددِ السَّادِس، قالَ اللهُ لأبيمالِك في الحُلْمِ: "أَنَا أَيْضًا عَلِمْتُ أَنَّكَ بِسَلاَمَةِ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هذَا. وَأَنَا أَيْضًا أَمْسَكْتُكَ عَنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ، لِذلِكَ لَمْ أَدَعْكَ تَمَسُّهَا". لِذا فإنَّ المَسَّ يُشيرُ إلى العَلاقةِ الجَسَدِيَّة.
وفي سِفْرِ رَاعوث والأصحاحِ الثَّاني، نَقرأُ عن رَاعوث وبُوعَز. فقد كانَ بُوعَز يَرغَبُ في الحِفاظِ على عِفَّةِ رَاعوث. "عَيْنَاكِ عَلَى الْحَقْلِ" [في سِفْرِ رَاعوث 2: 9] الَّذِي يَحْصُدُونَ وَاذْهَبِي وَرَاءَهُمْ. أَلَمْ أُوصِ الْغِلْمَانَ أَنْ لاَ يَمَسُّوكِ؟". وفي سِفْرِ الأمثال...فسوفَ أَذكُرُ لَكُم آيةً أُخرى...في الأصحاحِ السَّادِسِ والعَدد 29: "هكَذَا مَنْ يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَةِ صَاحِبِهِ. كُلُّ مَنْ يَمَسُّهَا لاَ يَكُونُ بَرِيئًا". وكَما تَعلمونَ، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ الآيةَ لا تَتحدَّثُ عنِ التَّربيتِ على الكَتِف، بل تَتحدَّثُ عن عَلاقةٍ جَسديَّةٍ أو جِنسيَّة. فهذه هي الفِكرة.
لِذا فإنَّ العَدَدَ الأوَّلَ يَقولُ: "فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يُقيمَ عَلاقَةً جِنسيَّةً". فَهُوَ يَقولُ ببساطَة إنَّهُ مِنَ الحَسَنِ أن تَكونَ عَازِبًا. فَمِنَ الحَسَنِ أنْ لا يَتزوَّجَ الرَّجُل. فهذا حَسَن. وقد تَقول: "عَجَبًا يا جون! كيفَ تَقولُ ذلك؟" هذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. والآن، لاحِظوا شَيئًا، يا أحبَّائي، قبلَ أن تُصابوا جَميعًا بالهَلَع. إنَّهُ لا يَقولُ إنَّهُ الأمرُ الوَحيدُ الحَسَن. فَحَسَنٌ أيضًا أن يَتزوَّجَ الرَّجُل.
ولكِنَّهُ يَقولُ وَحَسْب إنَّهُ لا يُوجَد شَرٌّ في العُزوبَة. وهذه مُشكلة اليوم لأنَّ هُناكَ أناسًا كثيرينَ يَظُنُّونَ أنَّكَ إن لم تَتزوَّج فإنَّ بِكَ عَيْبًا مَا. "إنَّها لم تَتزوَّج! لا أدري ما السَّبَبُ في ذلك! ولا أدري ما الخَطْب! لا بُدَّ أنَّ هُناكَ أسرارًا تُخفيها". فنحنُ نَلْجَأُ إلى هذا الغَمْزِ واللَّمْز. فنحنُ نَقول: "يا لَهُ مِن مِسكين! لا بُدَّ أنَّهُ يُعاني عَجْزًا. فهو لا يَجِدُ فَتاةً في العالَمِ كُلِّه تَقبَلُ بِه. إنَّهُ في حَالَةٍ يُرْثَى لَها. في حَالَةٍ يُرْثَى لَها".
ولكِنَّهُ يَقول: "انظُروا! حَسَنٌ لِلرَّجُلِ أَنْ لاَ يَتزوَّج". وكانَ قد تَحَدَّثَ للتَّوّ عنِ الفُجورِ الجِنسيِّ في الأصحاحِ السَّادِس. ولكِنَّهُ لا يَتحدَّثُ عن ذلكَ هُنا. فهو يَتحدَّثُ هُنا عنِ الزَّواج. وَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُ أمرٌ سَيِّئٌ أن تَتزوَّج. وَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُ مِنَ الأفضَلِ أن تَبقى عَازِبًا، بل إنَّهُ يَقولُ وَحَسْب إنَّهُ "كالوس" (kalos)؛ أيْ إنَّهُ مِنَ النَّافِعِ والمُفيدِ والحَسَنِ أَلاَّ تَتزوَّج. فلا تُوجَدُ عِلَّة في ذلكَ البَتَّة. فهذا حَسَنٌ. وَهُوَ لا يَستخدِمُ أُسلوبَ المُقارَنَة، بل يُبَيِّنُ حَقيقةً.
والسَّببُ في أنَّهُ يُسارِعُ إلى قَولِ هذا هو أنَّهُ كانَ يُوجَدُ يَهود في الكنيسة. وكانَ اليَهودُ، كما تَعلمونَ، يُعَلِّمونَ أنَّهُ إنْ لم تَكُن لَكَ زَوجة فإنَّكَ خَاطِئ. فقد كانُوا يَقولونَ ما يَلي: "الرَّجُلُ الَّذي ليسَ لَهُ زَوجَة ووَلَد هُوَ رَجُلٌ قَضَى على ذُرِّيَتِهِ وشَوَّهَ صُورةَ اللهِ في العَالَم". وهُناكَ سَبعةُ أنواعٍ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ لا يُمكِن أن يَذهبوا إلى السَّماء. فقد كانت لَديهم لائِحَة. والفئةُ الأولى في تلكَ اللَّائحة هي: اليَهوديُّ الَّذي لا زَوجَةَ لَهُ. ثانيًا: الزَّوجةُ الَّتي لم تُنْجِب. وقد كانَ اليهودُ يَقولون: "لقد قالَ اللهُ ’أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا‘. وإنْ لم تَفعل ذلك، تَكونُ شَخصًا عَاصِيًا لِوَصَايا الله".
والآن، لا شَكَّ في أنَّ هذا الضَّغطَ كانَ نَاجِمًا في كَنيسةِ كورِنثوس عنِ الأعضاءِ اليَهود. فقد كانوا يَقولون: "يجب عليكُم أن تَتزوَّجوا". وكانَ غيرُ اليَهودِ الَّذينَ لا يَرغبونَ في إقْحامِ أنفُسِهم في كُلِّ شُؤونِ الزَّواجِ، والَّذينَ يَرغبونَ في التَّركيزِ على عِبادَتِهم للهِ، كانوا يَقولون: "دَعُوكُم مِن ذلك. نحنُ نُريدُ أن نَبقى عَازِبينَ. ونحنُ نُريدُ أن نَبقى بَعيدينَ عنِ الزَّواجِ وَأنْ نَعيشَ حَياةً مُكَرَّسَةً تَمامًا لله". وبولسُ يَبتدئُ بالقول: "حَسَنٌ أنْ تَبقى عَازِبًا. فهذا أمرٌ لا بأسَ بِهِ. ولا خَطَأَ في ذلكَ على الإطلاق".
وقد تَقول: "وماذا عنِ العهدِ القديم؟ فهو يَقولُ إنَّهُ "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ الإنسانُ وَحْدَهُ". ولكِنْ يُمكِنُكَ أن تَكونَ عَازِبًا مِنْ دُونِ أن تَشعُرَ بالوَحْدَة. فيُمكِنُكَ أنْ تَتمتَّعَ بِرفقةِ أصدقائِك. والمَزمور 68: 6 يَقول: "اَللهُ مُسْكِنُ الْمُتَوَحِّدِينَ فِي بَيْتٍ". وَرُبَّما تَكونُ عائِلَتُكَ هي كَنيسة "النعمة" (Grace Church). ورُبَّما تَكونُ عائِلَتُكَ هي عائلةُ شخصٍ آخر. ورُبَّما تَكونُ عائِلَتُكَ هي أصدقاؤك. ففي كُلِّ الأحوالِ، سوفَ يُعطيكَ اللهُ شَخصًا يَسُدُّ حَاجَتِكَ إلى الأصدقاء. ولكِنَّهُ أمرٌ حَسَنٌ أن تَكونَ عَازِبًا. فإنْ كُنتَ عَازِبًا، هذا حَسَنٌ. فهو ليسَ أمرًا سَيِّئًا. وَهُوَ ليسَ أمرًا شِرِّيرًا. وَهُوَ ليسَ أمرًا خاطئًا. فهو حَسَنٌ.
ولكِنَّ النُّقطةَ الثَّانيةَ هي: مَعَ أنَّ العُزوبَةَ حَسَنة، فإنَّها قد تُجَرِّبُ الإنسان". وهذه هي عَادَةً شَكْوى الأشخاصِ العَازِبين: "أجل، أنا أَفهَمُ أنَّها أمرٌ حَسَنٌ، ولكِنْ مِنَ الصَّعبِ حَقًّا أن أكونَ عَازِبًا. بل إنَّهُ أمرٌ صَعبٌ جدًّا". العَدَدُ الثَّاني: "وَلكِنْ [بالرَّغمِ مِن كَونِ العُزوبةِ حَسَنة] لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا".
والآن، لاحِظوا الوَصيَّة: "لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا". فَهاتانِ وَصِيَّتان. فهو يَقولُ: "يجب على كُلِّ شخصٍ أن يَتزوَّج. صَحيحٌ أنَّهُ حَسَنٌ أن تَبقى عَازِبًا، ولكِنْ يجب على كُلِّ شخصٍ أن يَتزوَّج". لماذا؟ بسببِ خَطَرِ الزِّنَى. اسمَعوني: إنَّ العُزوبَةَ أمرٌ حَسَنٌ، ولكنَّها قد تَجعلُ الإنسانَ مُعَرَّضًا أكثر للتَّجربة...قد تَجعلُ الإنسانَ مُعَرَّضًا أكثر للتَّجربة. وقد كانَ نَمَطُ الحَياةِ الخاطِئ لأهلِ كورِنثوس يَزيدُ مِن صُعوبةِ بَقاءِ غيرِ المُتزوِّجينَ طَاهِرين؛ تَمامًا كَما هي الحالُ في يَومِنا هذا.
لِذا فإنَّ أشخاصًا كثيرينَ مِن غيرِ المُتزوِّجينَ لَديهم مَشاكِل اليوم بسببِ الهَجَماتِ المُستمرَّةِ الَّتي تَشُنُّها التَّجربةُ الجنسيَّةُ عليهم. وبولسُ لا يَقولُ إنَّ الزَّواجَ فَرْضٌ واجِبٌ على كُلِّ شخص، بل يَقولُ إنَّ الأمرَ المُعتادَ هُوَ أن يَتزوَّجَ الجَميعُ لأنَّهُ مِنَ الطَّبيعيِّ أن تَكونَ لديهم رَغباتٌ جَسَدِيَّة. وسوفَ أُبَيِّنُ لكم ذلك بعدَ قليل.
وقد تَقول: "مِنَ المؤكَّدِ أنَّ بُولُسَ كانَ يَنظُرُ نَظرةً خاطئةً إلى الزَّواج. فالقَصْدُ مِنَ الزَّواجِ هو أنْ لا تَقَعَ في المَتاعِب. فإنْ كانت لديكَ رَغْباتٌ قويَّة، تَزَوَّج أيَّ شخصٍ وَحَسْب كي لا تَقَعَ في المَتاعِب. تَزَوَّج أيَّ شخصٍ وَحَسْب". هل هذا هو ما يَقولُهُ؟ لا، بل إنَّهُ يُجيبُ وَحَسْب عن مُشكلة واحدة. فهو يُجيبُ وَحَسْب عنِ الحُجَّةِ القائلةِ إنَّهُ ينبغي لكُلِّ شخصٍ أن يَبقى عَازِبًا بأنْ يَقولَ إنَّهُ لا يُمكِنُ للجميعِ أن يَبقوا عازِبينَ لأنَّكم ستَسقُطونَ في فَخِّ الزِّنَى لأنَّ الرَّغبةَ الجنسيَّةَ قويَّة جدًّا. والأمرُ المألوفُ هو أن يَكونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ. ولاحِظوا أنَّ الكلمة "امرأتُهُ" تَنْهى عن تَعَدُّدِ الزَّوجات. "وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا". فهذه هي خُطَّةُ الله.
والآن، قد تَقول: "ولكِنْ هل هذا هو السَّببُ الوَحيدُ للزَّواج؟" لا. فهناكَ سِتَّةُ أسبابٍ للزَّواجِ يَذكُرُها الكتابُ المقدَّسُ. فهُناكَ سِتَّةُ أسبابٍ كِتابيَّة للزَّواج. هل أنتُم مُستعِدُّونَ لِسَماعِها: أوَّلاً، التَّناسُل. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ التَّكوين 1: 28 أنَّهُ ينبغي للنَّاسِ أنْ يُثْمِروا ويَكثُروا، وأنَّهُ يَنبغي لَهُم أن يُنْجِبوا الأولاد. فهذا أحدُ أسبابِ الزَّواج: أن تُنْجِبوا أولادًا. وهذا سَبَبٌ جَيِّدٌ للزَّواج. فاللهُ يُريدُ مِنَّا أن نَتناسَلَ، ولا سِيَّما أنْ نُرَبِّي أشخاصًا صَالِحين.
ثانيًا، المُتعَة. فالسَّببُ الثَّاني للزَّواجِ هُوَ المُتعَة. فهل تَعلمونَ أنَّ اللهَ صَمَّمَ الزَّواجَ لأجلِ المُتعةِ الجسديَّة...لأجلِ المُتعَة؟ فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 13: 4: "وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ". بعبارة أخرى، إنَّهُ شَيءٌ مُمتِع. فالزَّواجُ شيءٌ مُكَرَّمٌ. وَهُوَ شَيءٌ مُمتِعٌ.
ونَقرأُ في سِفْرِ الأمثالِ والأصحاحِ الخامِسِ عنِ الشِّبَعِ الَّذي يَجِدُهُ الزَّوجُ في جَسَدِ زَوجَتِهِ. والعَكسُ صَحيحٌ أيضًا. وسِفْرُ نَشيدِ الأنشادِ يَتحدَّثُ مِن أَوَّلِهِ إلى آخِرِهِ عنِ الشِّبَعِ الجنسيِّ. أليسَ كذلك؟ عنِ المُتعَة. وتَقرأونَ في الكتابِ المقدَّسِ، في العهدِ القديمِ، أنَّ واحِدًا مِنَ الآباءِ الأوائِلِ كانَ يُلاعِبُ زَوجَتَهُ. ولطالَما أَحببتُ تلكَ العِبارة. فهذا جُزءٌ مِنَ الزَّواج. فَجُزءٌ مِنَ الزَّواجِ هُوَ المُتعَة. إذًا، هُناكَ التَّناسُلُ والمُتعَة.
السَّببُ الثَّالثُ للزَّواجِ هُوَ سَدُّ الحَاجات. فمِنَ الأسبابِ الأخرى للزَّواج هو سَدُّ الحَاجات. فاللهُ يُريدُ مِنَ الرَّجُلِ أن يَسُدَّ حاجاتِ المرأة. فالمرأةُ [بِحَسَبِ ما قالَ بُطرُسُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى والأصحاحِ الثَّالِثِ] هي الإناءُ الأضعَف. واللهُ يَعلمُ أنَّ الرَّجُلَ يَستطيعُ أن يَسْنِدَ ضَعْفَ المرأة. واللهُ يُريدُ مِنَ الرَّجُلِ أن يَسُدَّ حَاجاتِ المرأة، وأن يَقوتَها (كما جاءَ في أفسُس 5)، وأن يَرعاها، ويُقويِّها، ويُعطيها شَيئًا تَسْتَنِدُ إليه، وأن يَقِفَ إلى جانِبِها. لِذا، هُناكَ التَّناسُلُ، والمُتعَةُ، وسَدُّ الحاجات.
رابِعًا، الشَّرِكَة. فالزَّواجُ هُوَ لأجلِ الشَّرِكَة. ففي العهدِ القديم، يَقولُ اللهُ: "أنتَ بِحاجَة إلى مُعين". أليسَ كذلك؟ أنتَ بِحاجة إلى مُعين. فَلا حَاجَةَ إلى القيامِ بِكُلِّ شَيءٍ بِمُفرَدِك. أنتَ بحاجة إلى مُعين. لِذا فإنَّ الزَّواجَ هُوَ لأجلِ الشَّرِكَة. فاللهُ يُعطينا رَفيقًا. وأعتقدُ حَقًّا أنَّ العُنصُرُ الرَّئيسيَّ في الزَّواجِ هُوَ الصَّداقَة؛ أيْ وُجودُ شَريكٍ لَكَ.
خامِسًا، الزَّواجُ هُوَ رَمْز. فالزَّواجُ مُعْطَى كَرَمْز. فنحنُ نَقرأُ في رِسالة أفسُس والأصحاحِ الخامِسِ أنَّهُ رَمْزٌ للعالَمِ عن عَلاقَةِ اللهِ بكنيسَتِه.
سَادِسًا وأخيرًا، الزَّواجُ هُوَ لأجلِ العِفَّة؛ أيْ كي يَحفَظَنا مِنَ الوُقوعِ في الزِّنَى. إذًا الزَّواجُ هو لأجلِ التَّناسُل، والمُتعَة، وسَدِّ الحاجات، والشَّرِكَة. وَهُوَ رَمْزٌ. وَهُوَ لأجلِ العِفَّة. فهذهِ هي الأسبابُ الَّتي يُقَدِّمُها الكتابُ المقدَّسُ. فبولُسُ لا يَخْتَصِرُ أيَّ شَيء، بل إنَّهُ يَتعامَلُ وَحَسْب مع جانبٍ واحِد.
لِذا، يجب علينا أن نَتزوَّجَ لأنَّنا إن لم نَفعل ذلك سَنُعَرِّضُ أنفُسَنا لِتَجربة مُريعَة. ولكِنَّ هذا لا يَعني أنْ تَتَسَرَّعَ، وتَتَّخِذَ قَرارًا مُتَهَوِّرًا، وتَتَزَوَّجَ أوَّلَ شَخصٍ مُتاح كيلا تَقَعَ في المَتاعِب. فسوفَ تَقَعُ في مَتاعِبَ أكثر مِمَّا تَتخيَّل. ولكِنَّهُ يَذكُرُ هُنا سَبَبًا واحدًا وَحَسْب. ولكِنْ لا تَتَزوَّج لأجلِ العِفَّةِ إنْ لم تَكُن ستتزوَّجُ أيضًا لأجلِ المُتعَةِ، وإن لم تَكُن ستتزوَّجُ أيضًا لأجلِ رَمْزِ المَسيحِ وكَنيسَتِه، وإن لم تَكُنْ تَعتَزِمُ أنْ تَقوتَها وتَعتني بها، إلخ، إلخ. لِذا فإنَّ الزَّواجَ هُوَ الشَّيءُ الاعتياديّ. والعُزوبَةُ أمرٌ حَسَنٌ. ولكِنْ لِنَعْتَرف بالحقيقة: فَالعُزوبَةُ تَضَعُ المَرءَ في تَجربة قويَّة.
النُّقطةُ الثَّالثة: العُزوبَةُ لا تَجوزُ للأشخاصِ المُتزوِّجين. فقد تَقول: "هذا أمرٌ بَديهيٌّ". الحَقيقةُ هي أنِّي لا أدري كَمْ كانَ أمرًا بَديهيًّا لأهلِ كورِنثوس. فقد اضْطُرَّ بولسُ إلى كِتابَةِ ثلاثِ آياتٍ لتوضيحِ ذلك. ففي العَددِ الثَّالِث...اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لَكُم الخَلفيَّة. فما حَدَثَ هُنا هو أنَّ أهلَ كورِنثوس نَالوا الخَلاصَ وَقالوا حَالاً: "لكي نَكونَ مُفْرَزينَ تَمامًا للرَّبِّ، سَنُوقِفُ كُلَّ عَلاقاتِنا الجِنسيَّة".
وقد قَرَّرَ بعضُ الأزواجِ المُتَحَمِّسين أن يُكَرِّسُوا أنفُسَهُم تَمامًا للرَّبِّ فَقالوا لزوجاتِهم: "لن أُمارِسَ الجِنسَ مَعَكِ يا عَزيزَتي". أو إنَّ بعضَ الزَّوجاتِ المُتَحَمِّساتِ قُلْنَ لأزواجِهِنَّ: "أنا مُكَرَّسةٌ الآنَ تَمامًا لِيَسوعَ المسيحِ ولا يُمكِنُني أن أُمارِسَ الجِنسَ مَعَكَ، ولا سِيَّما أنَّكَ لستَ مُؤمِنًا. لِذا، لا أريدُ أنْ تَكونَ بَينَنا أيُّ عَلاقةٍ جِنسيَّة". فهذا هو ما كانَ يَحدُثُ في كُورِنثوس. لِذا، كيفَ سَتَتعامَلُ معَ هذا المَوقِف؟ نَقرأُ في العددِ الثَّالث: "لِيُوفِ الرَّجُلُ..." والكَلِمَة "يُوْفي" تُشيرُ إلى الوَفاءِ بالدَّيْن. "لِيُوفِ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ، وَكَذلِكَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا الرَّجُلَ".
انظُروا: أنتَ مُلْزَمٌ في زَواجِكَ بأنْ يُوْفي كُلٌّ مِنكُما الآخَرَ حَقَّهُ الوَاجِب. فهذا دَيْن. فأنتَ مَدينٌ لِزَوجَتِك. وأنتِ، أيَّتُها المرأة، مَدينة لِزوجِك. وَحَتَّى لو لم يَكُن مُؤمِنًا فإنَّكِ مَدينَة لَهُ بِدَيْن. فالزَّواجُ مُلْزِمٌ يا أحبَّائي. ويجب على كُلٍّ مِنكُما أن يَفي دَينَهُ للآخر، وأن يَقومَ بِواجِبِهِ تُجاهَ الآخَر، وأنْ يَدفَعَ ما يَدينُ بِه. وفِعْلُ الأمرِ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ يَأتي بِمَعنى أنْ يَفي الزَّوجُ باستمرار حَقَّ الزَّوجةِ الواجِب، وأنْ تَفي الزَّوجةُ باستمرار حَقَّ الزَّوجِ الواجِب. وما هو الدَّين. أعتقد أنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ العلاقاتِ الجسديَّةِ الجِنسيَّة.
وما يَقولُهُ هو: "انظُروا! إنَّ حَقيقَةَ إيمانِكُم المَسيحيّ لا تُغَيِّرُ ذلك. فيجب عليكم أن تَستمرُّوا في الزَّواجِ وأن يُلَبِّي كُلٌّ مِنكُم الرَّغَباتِ الجِنسيَّةِ للشَّريكِ الآخر". ففي اعتقادي، هذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ هُنا لأنَّهُ [بِبَساطَة] الموضوعُ الَّذي يَأتي بعدَ ذلكَ مُباشَرةً. وسوفَ أُريكُم ذلكَ بعدَ قَليل.
وكما تَرَوْن، فإنَّ اللهَ جَعَلَ الجَانِبَ الجَسَدِيَّ جُزءًا رائِعًا مِنَ الزَّواج. وأنا أَعلمُ أنَّ هُناكَ مُؤمِنينَ يَحرِصونَ في زَواجِهِم على الحِشمَةِ الشَّديدة. ولا أريدُ أن أَصْدُمَكُم. ولكنِّي أريدُ أن أُبَيِّنَ لَكُم ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ. ففي الزَّواج، يُمكِنُكم أن تُعَبِّروا عنِ اتِّحادِكُم الجَسديِّ بأيِّ طَريقَةٍ تَشاؤون. فهذهِ هي خُطَّةُ اللهِ مِن أجلِ الشِّبَعِ والمُتعَة.
والكِتابُ المُقَدَّسُ يُقَدِّسُ ذلك. والحقيقةُ هي أنَّ سِفْرَ نَشيدِ الأنشادِ هُوَ سِفْرٌ كَامِلٌ كُتِبَ مِن أجلِ التحدُّثِ عنِ الجانِبِ الجسديِّ مِنَ الزَّواج. وما يَقولُهُ هُنا هُوَ إنَّ المَحبَّةَ [كَما يَقولُ سُليمان] شَديدة مِثلَ اللَّهيب، وإنَّها جَارِفَة كالبَحر. ويُقدِّمُ لنا سِفْرُ نَشيدِ الأنشاد كَلِماتٍ رائعة في الإشادَةِ بالعلاقةِ الجسديَّةِ في الزَّواج.
استَمِعوا. فهذا هو ما يَقولُهُ الرَّجُل: "عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ مِنْ تَحْتِ نَقَابِكِ. شَفَتَاكِ كَسِلْكَةٍ مِنَ الْقِرْمِزِ، وَفَمُكِ حُلْوٌ. كُلُّكِ جَمِيلٌ يَا حَبِيبَتِي لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ". أَلا تَرْغَبْنَ في سَماعِ كَلامٍ كَهذا أيَّتُها السيِّدات؟ هل يُمْكِنُكَ أن تَقولَ ذلكَ مَرَّةً أخرى كي أُسَجِّلَهُ؟ ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي". فهذا الشَّخصُ مُتَيمٌ حُبًّا. أَتَرَوْن؟ "قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي". وَهِيَ مُتَيَّمَة بِهِ أيضًا: "حَبِيبِي أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ. مُعْلَمٌ بَيْنَ رَبْوَةٍ". وَهِيَ تَقولُ: "أَنَا لِحَبِيبِي، وَإِلَيَّ اشْتِيَاقُهُ". ثُمَّ نَقرأُ هذهِ الكَلماتِ القويَّة: "فَإِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا". وهذهِ كَلِماتٌ تُعَبِّرُ عنِ الأشواقِ الجسديَّة. فهي مُتَيَّمة بهذا الرَّجُل، وَهُوَ مُتَيَّمٌ بها. وهكذا ينبغي أن تَكونَ العَلاقَة. فاللهُ صَمَّمَ الزَّواجَ ليكونَ تَعبيرًا جَسديًّا عنِ المَحبَّة. وَهُوَ يُقَدِّسُ الرَّغَباتِ الجِنسيَّةِ لدى الأشخاصِ المُتزوِّجين.
لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "انظُروا. هُناكَ واجِبٌ يَنبغي أنْ تُتَمِّموهُ الواحِدُ تُجاهَ الآخَر وَهُوَ أنْ يُشْبِعَ كُلٌّ مِنكُما الرَّغَباتِ الجسديَّةَ والمَحبَّةَ الجَسديَّةَ والحَاجَةَ الجسديَّةَ للآخر". فالجِنسُ المُتبادَلُ القائِمُ على المَحبَّةِ والزَّواجِ هُوَ تَصميمُ اللهِ. وَهُوَ واجِب كُلٍّ مِنكُما تُجاهَ الآخَر. وَهُوَ وَسيلَةٌ للتَّعبيرِ عن تلكَ المحبَّة. والجِنسُ نَفسُهُ يُعَزِّزُ تلكَ المحبَّة.
ويَقول "بابيج" (Babbage) في كِتابٍ مُدهِشٍ لَهُ بِعُنوان: "الجِنْسُ وسَلامَةُ العَقل" (Sex and Sanity): "مِنْ زاوية مُعيَّنة، يُمْكِنُ القولُ إنَّ الزَّواجَ هُوَ صَمَّامُ الأمانِ للرَّغَباتِ الجِنسيَّةِ الَّتي تَصعُبُ مُقاوَمَتُها. ولكِنْ بالنِّسبةِ إلى المُؤمِن، الحَياةُ الجِنسيَّةُ هي أكثر بكثير مِن ذلك. فهي شَيءٌ مُذهِلٌ". وكما يَقولُ "بارت" (Bart): "إنَّها نَشْوَةٌ مُبارَكَةٌ". والعَلاقةُ الجِنسيَّةُ ليست مُجَرَّدَ وَسيلة مُناسِبَة للتَّعبيرِ عنِ المَحبَّة، بل إنَّها أيضًا وسيلة لتعزيزِ المحبَّةِ والحِفاظِ عليها. فالعلاقةُ الجِنسيَّةُ هي أَسْمَى مِنْ مُجَرَّدِ عَلاقة جَسديَّة. وهو مُحِقٌّ. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ: "لِيَقُمْ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُما بواجِبِهِ تُجاهَ الآخَر".
وفي العَددِ الرَّابعِ، يُقَدِّمُ بولسُ مَزيدً مِنَ التَّوضيح: "لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ". فبعدَ استخدامِ فِعْلَيْ أَمْرٍ في الآياتِ السَّابقةِ فإنَّهُ يتْبَعْهُما بفِعْلَيْنِ مُضارِعَيْنِ هُنا لِتَبيانِ حَقائق: "لِيُوْفِ كُلٌّ مِنْكُما بواجِبِهِ تُجاهَ الآخَر". لماذا؟ لأنَّكَ تَنازَلْتَ عَنْ حَقِّ التَّمتُّعِ بجسدِكَ لِشَريكِ حَياتِك.
انظُروا إلى العددِ الرَّابع: "لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ ["إكزوسيا" – “exousiazei”] تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. لِذا أيُّها السَّيِّدات، إنَّ جَسَدَكِ هُوَ لِزوجِكِ. وأيُّها الرِّجالُ، إنَّ جَسَدَكَ هُوَ لِزَوجَتِك. أجل. فهذا يَسْمَحُ لَها بالتَّعبيرِ عن أيِّ رَغْباتٍ لديها، أو أيِّ رَغْباتٍ لديكَ. فهذهِ المُشارَكة هي الشَّيءُ الَّذي صَمَّمَهُ الله. والكَلامُ هُنا يَرِدُ بصيغَةِ المُضارِعِ مُشيرًا إلى أنَّ ذلكَ ينبغي أن يَستمرَّ مَدى الحَياة.
فالزَّوجَةُ لا تَمْلِكُ أيَّ سُلطانٍ مَدى الحَياةِ على جَسَدِها. لِذا، عندما تَقولُ لزوجَتِك: "حَبيبَتي، أنتِ لي"، وتَقولُ لَكَ: "حَبيبي، أنتَ لي"، فإنَّ هذا هو أصدَقُ شَيءٍ وأَطهَرُ شَيءٍ يُمكِنُ أن تَقولاهُ أحَدُكما للآخَر مِنْ كلمةِ الله. فيُمكِنُكما أن تَقتَبِسا هذه الآية وأن يَقولَها كُلٌّ مِنكُما للآخَر بكِلِّ مَعنى الكلمة وأنْ تَعلَما أنَّ اللهَ يُؤيِّدُ تلكَ الرَّغبة الَّتي يَشعُرُ بِها كُلٌّ مِنكُما تُجاهَ الآخَر.
وبالمَعنى البَسيطِ للكلمة، فإنَّ جَسَدَ الزَّوجةِ هُوَ لَها لأنَّ اللهَ أعطاها إيَّاه. ولكِنْ بالمَعنى الرُّوحِيِّ فإنَّ جَسَدَها للرَّبِّ بحسب ما جاءَ في رِسالة رُومية 12: 1: "قَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ". ولكِنْ بالمَعنى الزَّوْجِيِّ فإنَّ جَسَدَها هُوَ لِزوجِها. والمَبدأُ نَفسُهُ يَصِحُّ على الزَّوج. وهي طَريقة رائعة للتَّعبيرِ عنِ الشَّراكَةِ في الزَّواج.
ارجِعوا إلى سِفْرِ هُوْشَع. وقد تَحَدَّثنا عن هُوشَع سابقًا. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ تَزَوَّجَ تلكَ المرأة. فقد أَمَرَهُ اللهُ أن يَتزوَّجَها. وهي تُدْعَى "جُوْمَر". وأنا أُفَكِّرُ دائمًا في حَقيقَةِ أنَّها كانت زانية. وفي ضَوْءِ اسْمِها، لا عَجَبَ في ذلك! ولكِنَّهُ أرادَ أن يَقولَ لَها كيفَ يَشعُر.
لِذا، في البِدايةِ، في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْرِ هُوشَع، يَتحدَّثُ هُوشَعُ إلى زَوجَتِه. وَهُوَ يَقولُ في العددِ الثَّالِث: "وَقُلْتُ لَهَا: [جُومَر] «تَقْعُدِينَ أَيَّامًا كَثِيرَةً..." [سِفْر هُوشَع 3: 3] "تَقْعُدِينَ أَيَّامًا كَثِيرَةً". "يَجِبْ أنْ تَبقي أَيَّامًا كَثِيرَةً [يا حَبيبَتي] لاَ تَزْنِي". فَلا يَجوزُ أنْ تَستمريِّ في العَيشِ في الخَطيَّة. "وَلاَ تَكُونِي لِرَجُل". اسمَعوا: "وَأَنَا كَذلِكَ لَكِ»". فأنتِ تَكونينَ لي، وأنا أكونُ لَكِ. وقد فَهِمَ الأمرَ كَما يَجِب. أليسَ كذلك؟ فهذا هو الزَّواج.
فَمِنَ النَّاحيةِ الجسديَّة: "أنا لَكِ وأنتِ لي. فإنْ كُنتِ بِحاجةٍ إليَّ، أنا لَكِ. وإنِ احتجتُ أنا إليكِ، أنتِ لي". فهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. لا تَفسَخ زَواجَكَ لأنَّكَ صِرْتَ مَسيحيًّا. فلا تُوْجَدُ قَداسَةٌ أعظَم في العُزوبَة. صَحيحٌ أنَّهُ حَسَنٌ أنْ يَكونَ المَرءُ عَازِبًا، ولكنِ اسمَعوني: إنَّهُ أمرٌ عَظيمٌ أن تَتزوَّجَ إنْ كانَ هذا هو ما أَعطاكَ اللهُ إيَّاه. لا تَنْتَهِك ذلك. فقد بَارَكَكَ اللهُ بَرَكَةً عَظيمةً إنْ كُنتَ مُتزوِّجًا.
وبُطرُسُ يُسَّمِّي تلكَ "نِعمَة الحَياة". وما يَعنيه هو أنَّ الزَّواجَ أفضَلُ مَا في الحَياة، وأنَّهُ نِعْمَةٌ كَبيرة. فهو نِعمَةُ الحَياة. فالحياةُ رائعة، والحياةُ فَيَّاضَة، والحَياةُ تَزْخُرُ بالخَيراتِ للمُؤمِن. ولكِنَّ أفضَلَ مَا فيها هو أن تَتزوَّج. وهذا مُدهِش. إذًا، الزَّواجُ يَعني أن أُسَلِّمَ دائمًا كُلَّ ما هُوَ لي لشَريكِ حَياتي. فأنا لَها تَمامًا وبِكُلِّ مَعنى الكَلمة.
وَهُوَ يَتَقَدَّمُ خُطوةً أخرى ويُطَبِّقُ ذلك قائلاً في العددِ الخامِس: "لاَ يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ". فقد كانَ هُناكَ أشخاصٌ يَحْرِمونَ بعضُهم بعضًا مِنَ العَلاقةِ الجَسديَّة قائِلين: "أنا آسِفٌ يا حَبيبتي. حيثُ إنَّنا نَنتَمي الآنَ إلى الرَّبّ، لا يَجوزُ أن نَفعلَ ذلكَ أيضًا". لا، لا. تَوَقَّفوا عَنِ القِيامِ بذلك. "إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ، إِلَى حِينٍ، لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ...ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ".
فَهُوَ يَقولُ الآن: "انظُروا! قد تَكونُ هُناكَ أوقاتٌ تَتَّفِقانِ فيها على عَدَمِ مُمارسةِ العَلاقةِ الجِنسيَّة لكي تَتفرَّغَا للصَّلاة. فقد تُقَرِّرا أنَّكُما ستَتفرَّغانِ للصَّلاة". وهذا هُوَ الاستثناءُ كَما يَقول. والآن، أريدُ أن أُعطيكُم بعضَ التَّوجيهات. هل أنتُم مُستعِدُّون؟ ها هي: إنْ عَقَدْتُم العَزمَ على عَدَمِ مُمارسةِ الجنسِ أوِ العَلاقةِ الجسديَّةِ، إليكُم بعضُ التَّوجيهات:
أوَّلاً، "إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَة". فيجب أن تَتَّفِقا كِلاكُما على ذلك. والكلمة المُتَرجمة هُنا "مُوافَقة" هي الكلمة اليونانيَّة الَّتي تُتَرْجَم "سيمفونيَّة"؛ أيْ إلَّا أنْ يَكونَ قَلباكُما في وِفاق. فَإنْ كانَ الامتِناعُ مِن طَرَفٍ واحِدٍ فإنَّ هَذا غَيْرُ جَائِزٍ لأنَّكَ إنِ انْسَحَبْتَ بالقُوَّة، أو إنْ فَرَضْتَ على شَريكِ الحَياةِ أن يَمتَنِعَ عنِ العَلاقةِ الجسديَّة فإنَّ ذلكَ يَحْرِمُ الشَّريك. "إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ".
وَلاحِظوا ما يَلي: "إِلَى حِينٍ". فلا يَجوزُ أن تَفعلا ذلكَ وَقتًا طويلاً، بل إلى حين. ولا يَجوزُ أن تَفعلا ذلكَ إلى مَا لا نِهاية، بل إلى وَقْتٍ مُحَدَّد. "سوفَ نَتَفَرَّغُ للصَّلاةِ في الأيَّامِ الخَمْسَةِ القادِمَة يا عَزيزتي. وسوفَ نَتَّفِقُ على ذلكَ لأنَّ اللهَ ثَقَّلَ قُلوبَنا بذلك. لِذا، سَوفَ نَتَفَرَّغُ لذلك". فهذا وقتٌ مُحَدَّد. ولاحِظوا أنَّ التَّفَرُّغَ يَكونُ للصَّلاة. أمَّا الصَّوْمُ فَلا يَرِدُ في أفضلِ المَخطوطات. صَحيحٌ أنَّهُ قد يَكونُ جُزءًا مِن وقتِ الصَّلاة، ولكنَّهُ لا يُذكَرُ في المَخطوطاتِ الباكِرَة. وعلى أيِّ حَال، يُمْكِنُكُما أنْ تَفعَلا ذلكَ إنْ أردتُما أن تَتَفَرَّغا للصَّلاة.
والآن، يجب أن يَكونَ هُناكَ اتِّفاقٌ مُتَبادَل. فلا يَجوزُ أن تَتَّخِذَ قَرارًا فَرديًّا بذلكَ ثُمَّ تَهمِسُ زَوجَتُكَ في أُذُنِكَ فتَقولُ لَها: "لا تُضايِقيني. أنا أُصَلِّي". فهذه ليسَتِ الفِكرة هُنا. فالفِكرةُ هي أنْ تَتَّفِقا على أمرٍ مُحَدَّد. وهُناكَ أداةُ تَعريف في النَّصِّ اليُونانِيِّ "الصَّلاة"؛ وهذا يُشيرُ إلى وُجودِ تَثَقُّلٍ مُعَيَّن ومُحَدَّد مُستمرّ.
فَما قد يَحدُثُ في حَياتِكَ...ورُبَّما اختَبرتُم ذلك...أو رُبَّما اختَبَرْنا جَميعًا ذلك إذْ قد تُواجِهُ في حَياتِكَ تَحَدِّيًا رُوحِيًّا عظيمًا، أو صِراعًا رُوحيًّا كَبيرًا، أو شَيئًا مُهِمًّا يَجْعَلُكَ تُدركُ وُجودَ حَاجَةٍ مَاسَّةٍ فَتَفقِدُ الرَّغبةَ والتَّوقَ إلى الأمورِ الجسديَّة، وتَنْهَمِكُ في التَّفكيرِ في ذلكَ الصِّراعِ الرُّوحِيِّ وفي طَلَبِ وَجْهِ اللهِ ومَعرفةِ خُطَّتِه. وقد يَصيرُ ذلكَ الشَّيءُ طَاغِيًا. فقد يَحدُثُ ذلك.
وقد تأتي أوقاتٌ في حَياتِكَ تَسقُطُ فيها في خَطِيَّةٍ مُعَيَّنة وتَمُرُّ فيها في مَرحلةِ تَطهير فَيَحتاجُ فيها قَلبُكَ إلى الاستسلامِ تَمامًا للرَّبّ. فإنْ كانت هذه هي الحالة، قد يَتوجَّبُ عليكَ أن تَنْسَحِبَ مِنَ العلاقةِ الجسديَّة إلى حين. وقد حَدَثَ ذلكَ في التَّاريخ. ونَجِدُ في الآيةِ خُروج 19: 15 واحدًا مِنَ الأمثلةِ على ذلك. فقد كانَ العَهْدُ المُوسَوِيُّ قد أُعْطِيَ. وقد أرادَ اللهُ مِن بَني إسرائيلَ أن يُشَدِّدوا قُلوبَهُم وأنْ يُقَوِّمُوا طَريقَهُم مَعَهُ. لِذا فقد قال: "لاَ تَقْرُبُوا امْرَأَةً" في سِفْرِ الخُروج 19: 15. أيِ: أَفْرِزوا أنفُسَكُم جَسديًّا إلى حِين. وقد أَمَرَهُمْ أن لا يَقربوا امرأةً ثلاثَ أيَّامٍ كي يُكَرِّسوا أنفُسَهُم ويُقَدِّسوها للرَّب.
ونَقرأُ في سِفْرِ يُوئيل والأصحاحِ الثَّاني أنَّ الأشورِيِّينَ كانُوا يُهَدِّدونَ بِتَدميرِ إسرائيل، فقالَ اللهُ: "يَجدُرُ بِكُم أن تَرجِعوا إليَّ يا بَني إسرائيلَ، وإلَّا سَتَقعونَ حَتْمًا في المَتاعِب. يَجدُرُ بِكُم أن تُرَكِّزوا على الأمورِ الروحيَّة". سِفْر يُوئيل 2: 12. "يَقُولُ الرَّبُّ: ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ. وَمَزِّقُوا قُلُوبَكُمْ لاَ ثِيَابَكُمْ". أيْ: لِتَكُن تَوبَتُكُم حَقيقيَّة.
وَهُوَ يَقولُ في العَدد 16: "اِجْمَعُوا الشَّعْبَ. قَدِّسُوا الْجَمَاعَةَ. احْشُدُوا الشُّيُوخَ. اجْمَعُوا الأَطْفَالَ وَرَاضِعِي الثُّدِيِّ. لِيَخْرُجِ الْعَرِيسُ مِنْ مِخْدَعِهِ وَالْعَرُوسُ مِنْ حَجَلَتِهَا". أيْ أَخرِجوا حَتَّى العَريسَ والعَروسَ مِن حُجْرَةِ الزِّفافِ خِلالَ فَترةِ الصِّراعِ الرُّوحِيِّ ورَكِّزوا. لِذا، قد تأتي أوقاتٌ كهذه.
ونَقرأُ في سِفْرِ زَكريَّا عنِ المُستقبَل، عندما يأتي رَبُّنا في ذلكَ اليومِ العَظيم إلى العَالَم، ويُدركُ اليَهودُ ذاكَ الَّذي ذَبَحوهُ في الماضي، نَقرأُ في سِفْر زَكريَّا 12: 10: "وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، إلخ، إلخ". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 12: "وَتَنُوحُ الأَرْضُ عَشَائِرَ عَشَائِرَ عَلَى حِدَتِهَا: عَشِيرَةُ بَيْتِ دَاوُدَ عَلَى حِدَتِهَا، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَتِهِنَّ. عَشِيرَةُ بَيْتِ نَاثَانَ عَلَى حِدَتِهَا...، عَشِيرَةُ بَيْتِ لاَوِي عَلَى حِدَتِهَا...، عَشِيرَةُ شَمْعِي عَلَى حِدَتِهَا، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَتِهِنَّ". فَهُوَ وَقتٌ عَظيمٌ للنَّوحِ، والتَّكريسِ الرُّوحِيِّ، والفَرْز.
لِذا، قد تَكونُ هُناكَ أوقاتٌ تَتطلَّبُ اتِّفاقًا مُتبادلاً على التَّفَرُّغِ للصَّلاةِ، وأوقاتٌ يَشعُرُ فيها الزَّوجان برغبة قَويَّة في التَّركيزِ على الأمورِ الروحيَّةِ والابتعادِ عنِ الأمورِ الجسديَّة. ولكِنْ لاحِظوا في نِهايةِ العددِ الخامِس: "ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا". فيجب أن تَتَفَرَّغوا فقط لتلكَ المُدَّة للصَّلاة؛ أيْ: مُؤقَّتًا. لماذا؟ ببساطة: لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِعَدَمِ ضَبْطِ النَّفس.
اسمَعوني: هُناكَ أشخاصٌ يَستخدِمونَ الجانِبَ الجِنسيَّ مِنَ الزَّواج، وأنا أعني بذلكَ أنَّ كَثيرينَ يَفعلونَ ذلكَ لتحقيقِ أهدافِهم الشخصيَّة. فأنتُم تَعلمونَ أنَّهُ إن لم يَفعلِ الزَّوجُ كُلَّ ما تُريدُهُ الزَّوجَةُ فإنَّهُ في وَرطة. وَقد يَنامُ على الأريكة. أو إن لم تَفعلِ الزَّوجَةُ كُلَّ ما يُريدُهُ الزَّوجُ فإنَّهُ يُهْمِلُها. فهو لا يُكَلِّفُ نَفسَهُ عَناءَ النَّظَرِ إليها. والزَّوجُ يَعلمُ تَمامًا ما يَنبغي لَهُ أن يَفعلَ لكي يَحصُلَ على التَّجاوُبِ المُناسِب. لِذا فإنَّهُ يَتصرَّفُ مِثلَ الطِّفلِ الصَّغيرِ الَّذي لا يَتردَّدُ في فِعلِ أيِّ شَيءٍ يُريد في سَبيلِ الحُصولِ على ما يُريد.
اسمَعوني: عندما تَمْنَعُ نَفسَكَ عن شَريكِ حَياتِك لأيِّ سَبب، فإنَّكَ تَضَعُ ذلكَ الشَّريك في مَوقِفٍ قد يُجَرِّبُهُ فيهِ الشَّيطانُ لِعَدَمِ ضَبْطِ النَّفس. وأوَّلُ شَيءٍ يَحدُثُ هو ليسَ فقط المَرارة والكَرْبُ والقَلق الَّذي يَنْشَأُ بينَ الشَّريكَيْنِ، بل قد تَتَسَلَّلُ فِكرةٌ شِرِّيرَةٌ إلى الذِّهن. وقد يَرعى المَرءُ تلكَ الفِكرة. وَغالِبًا ما يُؤدِّي ذلكَ إلى الزِّنَى. ففي أيِّ وقتٍ تَحْرِمُ فيهِ شَريكَ حَياتِكَ مِنْ أحدِ حُقوقِهِ عليكَ فإنَّكَ تَصيرُ أحدَ أعوانِ الشَّيطان. فَهل تَقولُ إنَّكَ تُحِبُّ زَوجَتَكَ؟ وهل تَقولينَ إنَّكِ تُحِبِّينَ زَوجَكِ؟ إذًا، لا تَضَعي زَوجَكِ، ولا تَضَع زَوجَتَكَ في مَوقِفٍ يُعَرِّضُهُ لِتَجرِبَةِ الشَّيطانِ لِمُجَرَّدِ أنَّكَ أنانِيّ. فهذا لا يَجوز.
وهذهِ أُمورٌ عَمليَّة جدًّا. وَهِيَ تَمَسُّ حَياتَنا الشخصيَّة وتَفاصيلَنا الشخصيَّة؛ ولكِنَّ هذهِ هي الطَّريقة الَّتي تَتعامَلُ بها كلمةُ اللهِ مَعَنا. فإنْ قُلتُ إنِّي أُحِبُّ زَوجَتي، وإنْ قُلتِ إنَّكِ تُحِبِّينَ زَوجَكِ، وإنْ كانَ هذا صَحيحًا حَقًّا، لا يَجوزُ أبدًا أن تَضَعَ ذلكَ الشَّخصَ طَوعًا وَعَمْدًا في مَوقِفٍ يَبتدئُ فيهِ الشَّيطانُ في تَجريبِهِ في الأمورِ الجَسديَّة. فأحيانًا، نَتعامَلُ معَ أشخاصٍ في الكنيسةِ والأصدقاءِ ونَتَعَجَّبُ لماذا يُواجِهونَ كُلَّ هذهِ الصُّعوبَةِ في السُّلوكِ في الرُّوح.
وَرُبَّما كانَ السَّببُ في ذلكَ هو أنَّهُمْ يَشعرونَ بإحباطٍ شَديدٍ جَسديًّا في زَواجِهم بسببِ تَفكيرِهم المُستمرِّ في هذا الأمر. وهذا ليسَ عَدْلاً. فأنتَ لا تَسْلِبُ فقط ذلكَ الشَّخص، بل تَضَعُهُ في تَجربةٍ وتَصيرُ أَحَدَ أعوانِ الشَّيطان. صَحيحٌ أنَّ العُزوبَةَ أمرٌ حَسَن، وصَحيحٌ أنَّهُ مِنَ الجَيِّدِ أن تَكونَ عَازِبًا، ولكِنَّ العُزوبَةَ تَضَعُ الإنسانَ في تَجربة قويَّة. ثالثًا، إنَّها لا تُلائِمُ الأشخاصَ الَّذينَ قد تَزَوَّجوا أصلاً.
رابعًا، وهذهِ النُّقطَةُ تُلَخِّصُ الأمر: العُزوبَةُ مَوهِبَة. فهي مَوهِبَة بلا أدنى شَكٍّ. فهُناكَ أشخاصٌ يَملِكونَ هذهِ المَوهبة، وهُناكَ أشخاصٌ لا يَملِكونَها. والأشخاصُ الَّذينَ لا يَملكونَها يَجدونَ أنَّها أمرٌ مُحْبِطٌ جدًّا. لاحِظوا العَددَ السَّادِس: "وَلكِنْ أَقُولُ هذَا عَلَى سَبِيلِ الإِذْنِ لاَ عَلَى سَبِيلِ الأَمْر". وقد تَقول: "وَما مَعنى ذلك؟" مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ الكلمة "إذْن" ليست تَرجمة مُوَفَّقة. فالكلمة اليونانيَّة المُستخدَمة هُنا تَعني (في صيغَةِ الفِعل): "يُوافِقُ شَخصًا الرَّأيَ"... "يُوافِقُ شَخصًا الرَّأيَ".
وفي المُؤلَّفاتِ غيرِ الكِتابيَّة (كَما هي الحَالُ في سِفْرِ المَكابِيِّين الثَّاني 14: 31)، تُتَرجَمُ هذهِ الكلمةُ نَفسُها: "أَدرَكَ". فهي تُشيرُ إلى الإدراك. فبولسُ يَقولُ: "أنا أقولُ ما أقول مِنْ مُنْطَلَقِ إدراكي لِحَاجاتِكُم البشريَّة، لا على سَبيلِ الأمر". بِعبارة أخرى، عندما قُلتُ: "لِيَتزوَّج الجَميع" لم أقصِد بذلكَ أنِّي أُوْصي الجَميعَ بأن يَتزوَّجوا، بل أنا أقولُ ببساطَة أنَّ هَذا هُوَ ما يَفْعَلُهُ النَّاسُ عَادَةً لأنِّي أُدرِكُ حَاجاتِكُم البَشريَّة". فَهُوَ يَقول: "انظُروا! لا تَبْقَوْا عَازِبين. صَحيحٌ أنَّ العُزوبَةَ شَيءٌ حَسَنٌ، ولكِنْ تَزَوَّجوا. وعندما تَتَزَوَّجون، تَمِّموا واجِباتِكُم الزوجيَّة. وأنا لا أُوصيكُم بأنَّهُ يَجِب عليكم أن تَتزوَّجوا، ولكِنْ لأنِّي أُدركُ حَاجاتِكُم فإنِّي أَقتَرِحُ أنَّ هذا التَّرتيبَ هو أفضلُ شَيء".
والسَّببُ الوحيدُ الَّذي قد يَدفَعُكُم إلى عَدَمِ الزَّواجِ، وإلى القيامِ بذلكَ مُبَيَّن في العَددِ السَّابِع: "لأَنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ كَمَا أَنَا. لكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ مَوْهِبَتُهُ الْخَاصَّةُ مِنَ اللهِ. الْوَاحِدُ هكَذَا وَالآخَرُ هكَذَا". فَهُوَ يَقولُ: "لِنَتَحَدَّث بِصَراحة. فأنا أَتَمَنَّى أن تَكونوا جَميعًا مِثلي، أيْ أنْ لا تَتَزَوَّجوا. ولكِنَّ هذهِ مَوهِبَة. وقد كُنتُ أمتَلِكُها. ولكِنَّكُم قد لا تَمتَلِكونَها".
ونَجِدُ هُنا فِكرةً رائعةً يا أحبِّائي. ففي حينِ أنَّ الزَّواجِ ليسَ وَصِيَّةً، فإنَّهُ يَذكُرُهُ كَشيءٍ مُعْتادٍ بسببِ مُشكلةِ الحِفاظِ على الطَّهارة. وفي إطارِ الزَّواج، يجبُ مُراعاةُ الأمورِ الجسديَّةِ باستمرار وإشباعُها مِن أجلِ الحِفاظِ على الطَّهارة. فَمِنَ الأفضَل أن تَتزوَّجوا. "ولكِن يُوجَدُ أشخاصٌ... [كَما يَقولُ] ...مِثلي. وكَمْ كُنتُ أَتمنَّى أنْ يكونَ هُناكَ أُناسٌ أكثر لا يُضْطَرُّونَ إلى الزَّواجِ لأنَّهُم يَمْلِكونَ مَوهبةً خَاصَّةً مِنَ الله".
ففي المَرَّةِ التَّاليةِ الَّتي تَرَوْنَ فيها شَخصًا عَازِبًا، لا تَفتَرِضوا في أذهانِكُم أنَّ هُناكَ خَطْبًا مَا فيهم. ولا تَفتَرِضوا أنَّ ذلكَ الشَّخصَ المِسكين ذُو رَائِحَةِ فَمٍ كَريهَة، أو أنَّهُ يَمْلِكُ صِفاتٍ غير مَقبولَة اجتماعيًّا. لا تَفتَرِضوا ذلك. فيجب أن تَفتَرِضوا، قَبلَ أيِّ شَيءٍ آخر، أنَّهُم يَملِكونَ مَوهبةً مِنَ الله، وأنَّهُمْ أَشخاصٌ مُؤهَّلونَ ومُعَدُّونَ إعدادًا فَريدًا، وأنَّهُمْ وُهِبُوا الرُّوحَ القُدُسَ، وأنَّهُمْ أُعْطُوا مَوهِبَةً مِنِ الرُّوحِ القُدُسِ كي يَظَلُّوا عَازِبين.
فأنا أَمْلِكُ مَوهِبَةً أوِ العَديدَ مِنَ المَواهِبِ الرُّوحيَّة. وكذلكَ أنتُم. وهذهِ مَوهبة رُوحيَّة أخرى رُبَّما يُمكِنُ أن تُضافَ إلى اللَّائِحَةِ بِمَعْنىً مُختَلَفٍ قَليلاً، وهي مَوهبةُ العُزوبَة. وبولسُ يَقول: "مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ العُرْفَ السَّائِدَ هُوَ أن تَتزوَّجوا. وكَمْ كُنتُ أتمنَّى لو أنَّكُمْ جَميعًا مِثلي". وقد تَقول: "حسنًا يا بولُس، ولكِنْ لماذا تُريدُ مِنَّا أن نَكونَ مِثلَكَ؟ هَوِّنْ عَليكَ يا رَجُل! فَلا يُمكِنُني أن أبقى عَازِبًا". إنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّكَ لا تَمْلِكُ المَوهِبَة.
"وما هي المَوهبة يا بولُس؟" إنَّها مَوهبةُ أن تَكونَ عَازِبًا مِنْ دُوْنِ أن تَنشَغِلَ بالشَّهوة". أَتَرَوْن؟ فالموهبةُ ليست فقط أن تَكونَ عَازِبًا. فهذه ليست مَوهبةً لدى بعضِ الأشخاص، بل هُوَ عَذاب. أمَّا المَوهبةُ فهي أن تَكونَ عَازِبًا وأن تُحِبَّ ذلك. فالموهبةُ هي أن تَكونَ عَازِبًا ولا تَقَع في التَّجربة. والموهبةُ هي أن تَكونَ عَازِبًا مِن دونِ أن تَنشَغِلَ في التَّفكيرِ في رَوعةِ أَلَّا تَكونَ عَازِبًا. فهذه هي المَوهبة.
وبولسُ يَقول: "أنا لستُ مُتزوِّجًا، ولا حاجَةَ بي إلى الزَّواج". فرُبَّما كانَ مُتزوِّجًا مِن قَبل، ولكنَّهُ ليسَ مُتزوِّجًا الآن. فقد أعطاهُ اللهُ مُنذَ لَحظةِ خَلاصِه مَوهبةَ العُزوبَة، أيْ مَوهبةَ أن يَبقى عَازِبًا مِن دُونِ أن يَحتاجَ إلى امرأة. وقد تَقول: "لا يُمكنُني أن أتخيَّلَ ذلك". لا! لأنَّكَ إنْ لم تَكُن تَمتَلِكُ الموهبة، لن تَتمكَّنَ مِن تَخَيُّلِ ذلك. وأنا لا أستطيعُ أن أتخيَّلَ ذلك.
ولكنِّي فَكَّرْتُ كثيرًا في نَفسي قائلاً: "أنا أُحِبُّ زَوجتي جِدًّا وكُليًّا، وأُحِبُّ أولادي. ولا يُمكِنُني أن أتخيَّلَ حَياتي بأيِّ صُورةٍ أخرى. ولكنِّي أستطيعُ أن أَفهمَ ما يَقولُهُ بولسُ حينَ يَقول: "أتمنَّى لو أنَّهُ كانَ بِمَقدورِكُم أن تَكونوا عَازِبين". فهُناكَ أُمورٌ في الخِدمة يَستطيعُ الشَّخصُ العازِبُ أن يَقومَ بها حَقًّا في حين أنَّ الشَّخصَ المُتزوِّجَ لا يَستطيعُ القيامَ بها. انظُروا إلى العدد 32 مِنَ الأصحاحِ السَّابِع: "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ". ألن يَكونَ مِنَ الرَّائِعِ أن تَكونُوا بِلا هَمٍّ؟ "غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ يَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ كَيْفَ يُرْضِي الرَّبَّ". ولكِنَّهُ يَقولُ في العَدد 33: "وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ". في ماذا تَحديدًا؟ "كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ". وَهَذا يُعَبِّرُ تَعبيرًا صَحيحًا عنِ الواقِع.
فإنْ كُنتَ مَتزوِّجًا، لِنُقِرَّ بالحَقيقة: هُناكَ أُمورٌ مُعَيَّنة ينبغي أن تَهتمَّ بها. فيجب عليكَ أن تَستعدَّ وأن تَهتمَّ بها، ويجب أن تُخَصِّصَ وَقتًا لأولادِكَ ووقتًا لزوجَتِك. أمَّا إنْ كُنتَ عازِبًا...وأنا أُفَكِّرُ أحيانًا في ذلكَ وأقول: "أَلَنْ يَكونَ الأمرُ رائعًا؟ فيُمكِنُكَ حينئذٍ أن تَتحرَّكَ وأن تَكونَ حُرًّا". وقد أعطَى اللهُ أشخاصًا مُعَيَّنينَ هذهِ الموهبة الرَّائعة والمُدهِشَة.
ولن أَنْسَ مَا حَييت لِقائي بِمُرْسَلينَ مُعَيَّنين. فأنا أُفَكِّرُ دائمًا في "ريتشيل سينت" (Rachel Saint) الَّتي عَاشَتْ حَياتَها في الانتقالِ في الأدغالِ مِن قَبيلة هِنديَّة إلى الأخرى بِمُفرَدِها مِن دونِ أيِّ حَاجَةٍ إلى الزَّواج. إنَّها مَوهبةُ العُزوبَة. فقد كانت تَشعُرُ في حَياتِها بالشِّبَعِ التَّامِّ مِنْ خِلالِ بَذْلِ حَياتِها مِن أجلِ هؤلاءِ النَّاس. وهُناكَ أُناسٌ على غِرارِها في جَميعِ أنحاءِ العالَم. ويا لَها مِن مَوهبة فَريدَة ومُبارَكة! وهي مَوهبة مِن عندِ الله. ولكِنَّها ليست مُتاحةً للجميع. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ لأهلِ كورِنثوس: "انظُروا! مِنَ الأفضلِ أن يَبقى بَعْضٌ مِنكُم عازِبين إنْ كُنتَ تَملِكُ مَوهبةً مِنَ اللهِ بأن تَبقى عازِبًا، وإنْ كانَ بمقدورِكَ أن تَبقى عازِبًا مِن دونِ أن تَنشَغِلَ بالجنس. ولكِنَّ الأمرَ المَألوفَ هُوَ أن تَتزوَّجَ وتَبقى مُتزوِّجًا".
وَحَتَّى إنَّ يَسوعَ قالَ الشَّيءَ نَفسَهُ. فقد تَحدَّثَ يَسوعُ عن حَقيقةِ أنَّ العُزوبَةَ شَيءٌ حَسَنٌ. فهو لم يَسْتَهِنْ بِها. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 19...استَمِعوا إلى هذهِ الكلماتِ إذْ قال: "لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ". أيْ أنَّهُ يُوجَدُ أشخاصٌ عَقَدوا العَزْمَ على عَدَمِ الزَّواجِ لكي يَتَمَكَّنوا مِن خِدمةِ الرَّبِّ. "مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ". أيْ: إنْ كُنتَ قادِرًا على ذلك. فهذا هو ما قالَهُ يَسوعُ وما عَرَّفَهُ بولسُ أكثر بالقولِ إنَّهُ مَوهِبَة مِنَ الرُّوحِ القُدُس.
فكما تَعلمونَ، إنْ تَكونَ عَازِبًا يَعني أن تَكونَ قادرًا على القيامِ بأمورٍ مُعَيَّنة لا يُمكِنُكَ القيامُ بها بِخلافِ ذلك. واللهُ يَعْمَلُ مِن خلالِ الأشخاصِ العَازِبين. لِذا، اشْكُر اللهَ إنْ كُنتَ عازِبًا ولا تَرغَبُ في الزَّواج. فهذه هِبَة مِنَ الله. استَخدِمها. وإنْ كُنتَ مُتزوِّجًا، فقد حَصَلْتَ على زُبْدَةِ الحَياة. تَلَذَّذ بِها. وَتَمَتَّع بِها. فهُناكَ مَن يَتمتَّعونَ بالعُزوبَة، وهُناكَ مَن يَتمتَّعونَ بالزَّواج.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ لكنيسةِ كورِنثوس: "اسمَعوني! كُلُّ إنسانٍ يَملِكُ مَوهبةً. والأغلبيَّةُ مِنكُم مُتَزَوِّجون. لِذا، ابقوا مُتزوِّجينَ وقُوموا بواجِبِكُم الجَسديِّ المُختصِّ بالزَّواج. ولا يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ إِلاَّ إِلَى حِينٍ لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّلاة. أمَّا العَازِبونَ مِنكُم، إنْ كُنتُم عازِبينَ ولا تَرغَبونَ في الزَّواج، وإنْ كُنتُم عازِبينَ ومُكَرَّسينَ تَمامًا للرَّبِّ، وتُحِبُّونَ ذلكَ، حينئذٍ اشكُروا اللهَ على هذهِ الموهبةِ الرَّائعةِ الَّتي وَهَبَها لَكُم". لِذا فإنَّهُ يُرَسِّخُ المَبدأ. فالعُزوبةُ أمرُ حَسَن. والزَّواجُ أمرٌ حَسَن. والأمرُ يَتوقَّف وَحَسْب على مَشيةِ اللهِ لِحياتِك. والآن، سوفَ نَرى كيفَ يُطَبِّقُ ذلكَ ابتداءً مِنَ العددِ الثَّامِنِ في الأسبوعِ القادِم. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّكَ قَدَّمْتَ لنا هذهِ المُساعَدةَ العَمليَّة. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ أخذتَ هذا المَوضوعَ الحَسَّاسَ الَّذي قد لا تَرغبُ فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ في التَّحَدُّثِ عنهُ أو مُواجَهَتِه، ولكنَّكَ وَضَعتَهُ في كلمةِ اللهِ كي نُضْطَرَّ جَميعًا إلى مُواجَهَتِه. وأنا أَشكُرُكَ، يا أبانا، لأنَّكَ بَارَكْتَ كَنيسَتَنا بأُمَّهاتٍ وآباء، وبأشخاصٍ مُتزوِّجينَ نافِعينَ جدًّا لَكَ ويُعَدُّونَ قُدوةً حَسَنَةً لكُلِّ عائلةِ الكنيسة. وأشكُرُكَ على شَبابِنا، وعلى أولادِهم لأنَّهُم يُرَبُّونَ أولادَهُم على الأشياءِ الَّتي بِحَسَبِ مَشيئَتِك، والذين يُرَبُّونَ نَسلاً رُوحيًّا جديدًا. فأنا أَشكُرُكَ لأجلِهم. وأشكُرُكَ، يا رَبُّ أيضًا على الأشخاصِ العَازِبينَ الَّذينَ وَهَبْتَهُم مَوهبةَ العُزوبةِ؛ أيْ مَوهبةَ أن يَكونوا عَازِبينَ مِن دونِ أن يَنشَغِلوا برَغبَتِهم في أَلَّا يَكونوا عازِبينَ، بل أنْ يُحِبُّوا عُزوبَتَهُم وقُدرَتَهُم على أن يَكونوا أحرارًا وأن يَخدِموكَ.
بارِكهُم يا أبانا، وأَشبِعهُم، وأعطِهِم تلكَ العائلةَ الَّتي وَعَدْتَ أنْ تُعطيها للمُتَوَحِّدين. ويا أبانا، أُصَلِّي أيضًا لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ ما زالوا عَازِبينَ ولكنَّهُم لا يَملكونَ مَوهبةَ العُزوبةِ، والَّذينَ يَبحثونَ عنِ الشَّخصِ الَّذي يُمكِنُ أن يُشْبِعَ حَياتَهُم. يا رَبُّ، سَاعِدهُم وأعطِهِم الحِكمَة. وَسَاعِدهُم على الاختيارِ بِحَسَبِ إرشادِ الرُّوحِ، وأشبِع حَياتَهُم مِن خلالِ ذلكَ الشَّريكِ الكامِل الَّذي اختَرتَهُ لَهُم لكي نَشبَعَ بتلكَ العَلاقةِ المُهِمَّةِ جدًّا لَنا لنكونَ نافِعينَ في مَلكوتِك. باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
