لقد عَنْوَنْتُ هَذِه الرِّسالة: "هَل المُؤمِنونَ ثُوَّارٌ اجتِماعِيُّون؟" هَل المُؤمِنونَ ثُوَّارٌ اجتِماعِيُّون؟ فقد قِيلَ الكثيرُ في الماضي عن الطَّبيعةِ الثَّورِيَّةِ للمَسيحيَّة. وقد صَدَرت مَطبوعات كثيرة عنِ الثَّورة المَسيحيَّة. وهُناكَ نِقاشٌ كثيرٌ حولَ التَّأثيراتِ الاجتماعيَّةِ للمسيحيَّة. وهلْ للمَسيحيَّة أيُّ ثِقَلٍ أمامَ الوضعِ الاجتماعيِّ والمؤسَّساتِ الاجتماعيَّة؟ وما نَوعُ الثِّقَلِ الَّذي لها إنْ كانَ لَها أيُّ ثِقَل؟ وما النَّشاطُ الاجتماعيُّ المُبَرّر كِتابيًّا؟ إلخ، إلخ! فهذا المَقطَعُ البَسيط (الَّذي لَن يَكونَ صَعبَ الفَهمِ حَالَ رُؤيَتِكُم لَهُ في الأعداد مِن 17 إلى 24) سَيُساعِدُنا في التَّركيزِ على أولويَّاتِ الحياةِ المَسيحيَّة، ولا سِيَّما تلكَ المُختصَّة بالجَوانِبِ الاجتماعيَّة. فكلمةُ اللهِ تَتكلَّمُ بَسُلطانٍ عن كُلِّ مَوضوعٍ يُمكِنُنا أن نَتخيَّلَهُ تَقريبًا؛ إمَّا بصورة مُحَدَّدة، أو على الأقَلِّ بِصورة عَامَّة. وعندَما نَظرنا إلى رِسالة كورِنثوسَ الأولى، أَدرَكنا حَقيقةَ أنَّ الأصحاحاتِ السَّبعةَ الأولى وَحدَها تَحوي العديدَ والعَديدَ مِنَ الجوانبِ الحَياتِيَّةِ العَمليَّةِ الَّتي تَتطرَّقُ إليها هذهِ الرِّسالة.
وفي الأصحاحِ السَّابعِ، لاحَظنا أنَّ بولسَ يَكتُبُ عن قَضيَّةِ الزَّواج. والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ الكَثيرَ عن ذلكَ المَوضوعِ تَحديدًا. فهو يَتحدَّثُ عنِ الأشخاصِ العَازِبينَ وسُلوكِهم. وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ المُتزوِّجينَ وسُلوكِهم. وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ المُطَلَّقين. وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ الأرامِل. وَهُوَ يَقولُ الكثيرَ عنِ الأمورِ المَطلوبَةِ في إطارِ الزَّواج، وعن المَعاييرِ الإلهيَّةِ لحياةِ الزَّوجِ والزَّوجةِ والأولاد. وكلمةُ اللهِ تَحوي الكَثيرَ عن فِكرةِ الزَّواجِ بأسرِها. وَجُزءٌ مِمَّا تَقولُهُ كلمةُ اللهِ عن هذا الموضوع مَوجودٌ هُنا في الأصحاحِ السَّابِعِ مِن رسالةِ كورنثوسَ الأولى. فقد كانَتْ لأهلِ كورِنثوس مَشاكِلُهم (كَما رأينا في العِظَتينِ السَّابقتَيْنِ) فيما يَختصُّ بموضوعِ الزَّواجِ بِرُمَّتِه. وقد نَشأت تلكَ المَشاكِلُ بصورة رَئيسيَّة بسببِ حَقيقةِ أنَّهُ عندما كانَ أهلُ كورِنثوس يَهْتَدونَ إلى المَسيحيَّة، كانت هُناكَ ضُغوطٌ مُعيَّنَة تُمارَسُ عَليهم كي يَتَبَنَّوْا رأيًا مُعَيَّنًا بخصوصِ الزَّواج. فعلى سَبيلِ المِثال، إذا كُنتَ شَخصًا عَازِبًا وَنِلْتَ الخَلاصَ في مَدينةِ كورِنثوس، وكُنتَ تَذهبُ إلى كنيسةِ كورِنثوس، كانَ هُناكَ يَهودٌ مِنْ أصحابِ النَّوايا الطَّيِّبة يُؤمِنونَ ... وَهُوَ أمرٌ كانتِ اليَهوديَّةُ القَويمةُ تُؤمِنُ بِهِ دومًا ... كانوا يُؤمِنونَ بأنَّكَ إذا كُنتَ عَازِبًا فإنَّكَ تُدَنِّسُ نَاموسَ الله. فاللهُ أَوصَانا بأنْ نَتناسَلَ ونَملأَ الأرض. وإنْ لم تَفعل ذلك فإنَّكَ تَقتُلُ ذُرِّيَّةَ الله. لِذا، كانَ اليهودُ يَقولون: "يجب عليكَ أن تَتزوَّج، ولا سِيَّما الآنَ بعدَ أن صِرتَ مَسيحيًّا". لِذا فقد كانَ هُناكَ ضَغطٌ هائِلٌ على الأشخاصِ العَازِبينَ الَّذينَ حَصَلَ بَعضٌ مِنهُم مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ على مَوهبةِ العُزوبَةِ أو هِبَة العُزوبَة. فقد شَاءَ اللهُ أن يَبْقَوْا عَازِبينَ. ولكِنَّ اليَهودَ كانوا يَضغَطونَ بِشِدَّة عليهم كي يَتزوَّجوا.
مِن جانبٍ آخر، كانَ هُناكَ مَوقِفٌ تَنَسُّكِيٌّ نَابِعٌ مِنَ الفَلسفةِ الوثنيّة إذْ كانَ هُناكَ أُمَمِيُّونَ يأتونَ إلى الكنيسةِ ويَقولون: "الزَّواجُ ليسَ الشَّيءَ الأفضَل، بل إنَّ العُزوبةَ هي الشَّيءُ الأفضل لأنَّكَ تَستطيعُ حينئذٍ أن تَصيرَ نَاسِكًا، وأن تُكَرِّسَ نَفسَكَ تَمامًا للهِ مِن دُونِ أن تَشْغَلَ نَفسَكَ بأيٍّ مِنَ الالتزاماتِ الزَّوجيَّة. وما يَنبغي لَكَ أن تَفعلَهُ إن كُنتَ مُتزوِّجًا هو أن تَتطَلَّق وتَفسَخَ زَواجَكَ". وقد تَمادَوْا أكثرَ مِن ذلكَ فقالوا: "ولا سِيَّما إذا كُنتَ مُتزوِّجًا مِن شخصٍ غير مُؤمِن، اترُكْهُ بِكُلِّ تأكيد لأنَّهُ يُنَجِّسُكَ. وإنْ كانَ لَديكَ أولاد، سَيَكونونَ نَسلاً هَجينًا وأولادًا نَجِسين". لِذا، كانت هذه هي العَناصِرُ المُربِكَةُ في كورِنثوس بخصوصِ الزَّواج. لِذا، كانَ هُناكَ مَن يَقولُ إنَّهُ يَجب على الجَميعِ أن يَتزوَّجوا، وكانَ هُناكَ مَن يَقولُ إنَّهُ يَجِب على الجَميعِ أن يَصيروا عَازِبينَ مَرَّةً أخرى لكي يُكَرِّسُوا أنفُسَهُم تَمامًا لله. لِذا، كانَ المُستوى العالي مِنَ الرُّوحيَّةِ مُرتبطا في عَقليَّةِ اليهوديِّ بالزَّواج. وكانَ المُستوى العالي مِنَ الرُّوحيَّةِ مُرتبطا في عَقليَّةِ الفَيلَسوفِ الأُمَمِيِّ بالعُزوبَة. لِذلك، كانَ لا بُدَّ أن يَتحدَّثَ بولسُ عن هذهِ القَضايا. وهو يَكتُبُ الأصحاحَ السَّابعِ رَدًّا على ذلكَ الصِّراعِ عَينِه. فقد كانَ هُناكَ مَن يُحَرِّضونَ على الزَّواجِ، وكانَ هُناكَ مَن يُحَرِّضونَ على الحَقِّ في أن يَكونوا عَازِبين.
وقد رَأينا في وقتٍ سَابِقٍ ما قالَهُ بولسُ للعَازِبينَ، والمُتزوِّجينَ، ولأولئكَ الَّذين كانُوا مُتزوِّجينَ مِن غيرِ مُؤمِنين. والآن، إذْ نَنظُرُ إلى العَدد 17، فإنَّ بولسَ يأخُذُ تلكَ الأشياءَ المُحَدَّدَةَ الَّتي قالَها ويَستخلِصُ مِنها قَاعِدَةً عَامَّةً. وهذا مُدهشٌ جدًّا. وهي قاعدة بسيطة جدًّا وتَتكرَّرُ كَثيرًا. لِذا، أنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّكم ستُغادِرونَ وأنتُم فَاهِمونَ القاعِدة العَامَّة. وسوفَ تَكْمُنُ الصُّعوبَةُ في تَطبيقِها. وهذا أمرٌ يَنبغي للرُّوحِ القُدُسِ أنْ يَعمَلَ فيكُم مِن أجلِه. ولكِنَّ بولسَ يأخُذُ الأمورَ المُحَدَّدَةَ الَّتي ذَكَرَها ويَستخلِصُ قاعدةً عامَّةً مِنها في الأعداد مِن 17 إلى 24. والآن، إليكُم القاعِدَة العَامَّة. وسوفَ أذكُرُها لَكُم أوَّلاً، ثُمَّ سَنرى كيفَ تَتَكَشَّف: لا يَنبغي للمُؤمِنينَ أن يَنَشِغلوا بتَغييرِ ظُروفِهم الخَارجيَّة. لا يَنبغي للمُؤمِنينَ أن يَنَشِغلوا بتَغييرِ ظُروفِهم الخَارجيَّة. فهذا هو المبدأُ الجَوهريُّ. فالحياةُ المَسيحيَّةُ ليست قَضيَّةً اجتماعيَّةً، وليست ثَورةً اجتماعيَّةً، بل هي وِلادَةٌ رُوحيَّة. فلا يُوجَد سَبَبٌ يَدعو للقول: "بعدَ أن صِرْتَ مَسيحيًّا، يجب عليكَ أن تَتَوَقَّفَ عَنْ كَوْنِكَ عَازِبًا"، أو: "بعدَ أن صِرْتَ مَسيحيًّا، يجب عليكَ أن تَفسَخَ زَواجَكَ وأن تَصيرَ عَازِبًا"، أو: "بعدَ أن صِرْتِ مَسيحيَّةً، يجب عليكِ أن تَهجُري ذلكَ الزَّوجَ غيرَ المُخَلَّصَ وَإلَّا فإنَّكِ سَتُنَجِّسينَ نَفسَكِ"، أو: "بعدَ أن صِرْتَ مَسيحيًّا ومَا تَزالُ عَبْدًا، يجب عليكَ أن تَتخَلَّصَ مِن تلكَ العُبوديَّة. فالمَسيحيَّةُ لا تَنْسَجِمُ مَعَ العُبوديَّة. فأنتَ حُرٌّ. قُل لِسَيِّدِك أنْ يَفعَلَ مَا بَدا لَهُ لأنَّكَ صِرْتَ حُرًّا".
وكما تَرَوْن، لم يَكُن القَصدُ مِنَ المَسيحيَّة يَومًا أن تَكون مُمَزِّقَةً للعَلاقاتِ الاجتماعيَّة. وهذه هي رِسالةُ بولس. وما كانَ يَحدُثُ في كنيسةِ كورِنثوس هوَ التَّالي: لقد كانوا يَأتونَ ويَستخدمونَ مَسيحيَّتَهُم كمُسَوِّغٍ لكُلِّ أنواعِ التَّغييراتِ الاجتماعيَّة. فقد كانوا يَهجرونَ أزواجَهُم وزوجاتِهم. وكانَ الأشخاصُ العازِبونَ يُرغَمونَ على الزَّواجِ في حين أنَّهم كانوا يَملِكونَ مَوهبةَ العُزوبة الَّتي وَهَبَها اللهُ لَهُم لغاياتٍ فَريدة في الخِدمة. وكانَ العَبيدُ يَرْزَحونَ تَحتَ وَطأةِ العُبوديَّةِ ويَقولون: "أنا أُطالِبُ بأن أكونَ حُرًّا. ففي نِهايةِ المَطاف، نَحنُ مُتساوونَ. ونحنُ واحِدٌ في المَسيح". فنحنُ نَقرأُ في رسالة غَلاطيَّة 3: 28: "لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ". وكانَ يُمكِنُ لِكُلِّ هذهِ المواقِفِ ورُدودِ الفِعلِ الاجتماعيَّةِ أن تَهْدِمَ شَهادَةَ كنيسة كورِنثوس؛ أن تَهْدِمَها وَحَسْب لأنَّهُ إنْ رأى أيُّ شخصٍ المَسيحيَّةَ كَثورة اجتماعيَّة، سَيُخمِدونَ الثَّورة. وحينئذٍ، سيَخسرونَ فُرصةَ أن يَرَوْا المسيحيَّةَ على حَقيقَتِها؛ أي أنَّها مُغَيِّرَة للحياة وليست إصلاحًا اجتماعيًّا.
لِذا فإنَّ ما يَقولَهُ بولسُ هو: "لا تَجعلوا المَسيحيَّةَ حَرَكَةً اجتماعيَّةً، بل احرِصُوا على أن يَفهمَ الجَميعُ أنَّها وِلادة رُوحيَّة، وأنَّها يُمكِنُ أن تُوجَدَ في أيِّ مَوقِفٍ اجتماعيّ". والآن، هذا هو المُحتَوى الرَّئيسيّ لهذهِ الآيات. ولا يُوجَدُ شَكٌّ في عَقلي وفي عَقلِ أيِّ شخصٍ يَدرُسُ الكتابَ المقدَّسَ في أنَّ المَسيحيَّة تَرَكَتْ تأثيرًا عَميقًا في المُجتمَع. فحقيقةُ المُعجِزاتِ والآياتِ والعَجائِبِ، وحَقيقةُ التَّعليمِ عنِ المُساواةِ بينَ الجِنسَيْنِ والعَبدِ والحُرّ، والانشغالُ الكبيرُ بالمجيءِ الثَّاني ليسوعَ المسيح، وفِكرةُ الدَّينونة الحَتميَّة، وفِكرةُ النَّعيمِ الأبديِّ في السَّماءِ وَعدمِ الاكتِراثِ بأيِّ ثَروةٍ على الأرض...لقد كانت هذهِ الأمورُ عَوامِلَ يَصعُبُ على العالَمِ جدًّا جدًّا أن يَفهمَها. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّها تَركَتْ أَثَرًا عَميقًا.
وفي وَسْطِ هذا التَّأثيرِ، الَّذي أعتقدُ أنَّهُ جاءَ في وَقتٍ كانت فيهِ المَسيحيَّةُ مَشروعَةً، كان يُمكِنُ أن تَترُكَ تأثيرًا أكبرَ مِمَّا لو لم تَكُن مَشروعة. فقد كانَ يَكفي أنَّ العالَمَ مُضطَرِبٌ وليسَ بِحاجة إلى جَعلِهِ يَضطَرِبُ أكثر مِن خلالِ جَعْلِ المسيحيَّة لا لاهُوتيَّةً فقط، بل اجتماعيَّةً أيضًا. لِذا فقد أرادَ رُوحُ اللهِ أن يَتحقَّقَ مِن أنَّ العَالَمَ يُحافِظ دائمًا على نَظرَتِهِ لها. صَحيحٌ أنَّ هُناكَ آياتٍ وعَجائِب. وصَحيحٌ أنَّ هُناكَ انشغالاً بالسَّماءِ والأمورِ الأبديَّةِ وَعَدَمَ اكتراثٍ بالأمورِ الأرضيَّة. وصَحيحٌ أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ سيأتي ثانيةً، وأنَّ هذا سيكونُ جَيِّدًا للمُؤمِنِ وسَيِّءٌ لغيرِ المُؤمِن. وصَحيحٌ أنَّ كُلَّ هذهِ الأمور مَشروعَة، ولكِنْ يجب علينا أنْ نَحتَفِظَ بها على المُستوى الرُّوحِيِّ مِن دونِ أن نَجعلَ المسيحيَّةَ مُسَوِّغًا للإطَاحَةِ بالحُكومَة. فعندما نَفعلُ ذلك فإنَّنا نَصيرُ مِثلَ أيِّ ثَورة أخرى فَلا تَعودُ مُتَفَرِّدَةً عن غَيرِها.
والآن، يُريدُ بولسُ أن يُبَيِّنَ في هذا المَقطعِ أنَّكَ إذا صِرتَ مَسيحيًّا فإنَّ هذا لا يَعني أن تُثيرَ الفَوْضَى مِن خلالِ إثارةِ الاضطرابِ في المُؤسَّساتِ الَّتي تَعيشُ فيها. والنُّقطةُ هي كالتَّالي: العَلاقةُ بالمَسيحِ تَنْسَجِمُ مَعَ أيِّ حَالةٍ اجتماعيَّة. فيُمكِنُكَ أن تَكونَ عَازِبًا، أو مُتزوِّجًا، أو أرمَلاً، أو مُطَلَّقًا. ويُمكِنُكَ أن تَكونَ عَبدًا أو حُرًّا. وقد تَكونُ يَهوديًّا أو أُمَمِيًّا. وقد تَكونُ رَجُلاً أوِ امرأةً. وقد تَعيشُ في أيِّ نَوعٍ مِنَ المُجتمعاتِ سَواءٌ أكانَ ديمقراطِيًّا أَم فَوضويًّا تَمامًا. وقد تَعيشُ في مُجتمعٍ ديكتاتوريّ. وقد تَعيشُ في أمريكا أو كوبا أو الصِّين الشُّيوعيَّة أو في أيِّ مَكانٍ آخر في العالم لأنَّ المَسيحيَّةَ تَنْسَجِمُ معَ أيِّ حَالةٍ اجتماعيَّة. لماذا؟ لأنَّها شيءٌ داخِلِيٌّ وليست شيئًا خارجيًّا. لِذا فإنَّ بولُسَ يَقول: "أيُّها الكُورِنثيُّون! مِن فَضلِكُم، دَعُوا العَالَمَ يَحتفظونَ بنظرتهم بأَلَّا تَستخدموا المَسيحيَّةَ كَمُسَوِّغٍ لسوءٍ تَمثيلِ الحَقّ". فلا أهميَّة لِوَضعِكَ، ولا أهميَّةَ لِنَوعِ المُجتمعِ مِن جِهَة الهُويَّة الرَّئيسيَّة للمَسيحيَّة. فالإنجيلُ ليسَ ثَورةً تَحْدُثُ حَالاً وتُشيعُ الفَوضَى في المُجتمع.
فَمَثلاً، إنْ صَارتِ الزَّوجةُ مَسيحيَّةً، ماذا ينبغي أن تَصير؟ زَوجةً أفضل. أليسَ كذلك؟ وإن صَارَ الزَّوجُ مَسيحيًّا، ماذا يَنبغي أن يَصير؟ زَوجًا أفضل. والأصحاحُ السَّابعُ مِن رسالةِ كورِنثوسَ الأولى يَتحدَّثُ عن هَذَيْنِ الأمْرَيْن. وإنْ صَارَ صَديقُكَ مَسيحيًّا، ماذا يَنبغي أن يَصيرَ حَالاً مِنْ جِهَتِكَ؟ صَديقًا أفضل. وإنْ كانَ هُناكَ عَبْدٌ وَصارَ مَسيحيًّا، ماذا يَنبغي أن يَصير؟ عَبْدًا أفضل. وإنْ صارَ أحدُ السَّادةِ مَسيحيًّا؟ سَيّدًا أفضل. وإن صَارَ مُواطِنٌ مَسيحيًّا، ماذا يَنبغي أن يَصير؟ مُواطِنًا أفضل. لا ثَائِرًا اجتماعيًّا. وهذا أمرٌ يَتَكَرَّرُ قَولُهُ كثيرًا في العهدِ الجديد. وكَيلا يُساءَ فَهمي، اسمَحوا لي أن أُضيفَ مُلاحظةً. أنا لا أقولُ إنَّ المَسيحيَّة لا صِلَةَ لَها بالنَّشاطِ الاجتماعيّ. فأنا أشعُرُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضِحٌ جدًّا بخصوصِ حَقيقةِ أنَّهُ ينبغي لنا أن نَسُدَّ حَاجاتِ النَّاس، وأنَّهُ ينبغي لنا أن نَعْصِبَ المَجروحينَ، ونُطعِمَ الجائِعينَ، ونَكسُو العُريانين، ونُوَفِّرَ مَسْكِنًا للمَساكينِ والتَّائِهين. فالكِتابُ المُقدَّسُ واضحٌ جدًّا في أنَّهُ يَنبغي لنا أن نَعْمَلَ الخَيرَ لِلجَمِيع، وَلاَ سِيَّمَا لأَهْلِ الإِيمَان. فهُناكَ مَسؤوليَّة اجتماعيَّة مُلقاة على عَاتِقِ المَسيحيَّةِ تُوْجِبُ على المُؤمِنينَ أن يَسْعَوْا إلى تَحقيقِ العَدالةِ في المُجتمَع مِن خلالِ الوسائلِ الَّتي يُوَفِّرُها ذلكَ المُجتمَع، وأنَّهُ يَجبُ على المسيحيَّةِ أن تَسعَى إلى الصِّدقِ والنَّزاهة، وأنَّهُ يجب على المسيحيَّةِ أن تَقولَ الحَقَّ الإلهيَّ وأن تَتَصَدَّى للمُجتمعِ الظَّالِمِ والشِّرِّير.
ولكِنَّ جَوهرَ المسيحيَّةِ، بالرَّغمِ مِنْ كُلِّ مَا تَتْرُكُهُ مِن آثارٍ اجتماعيَّةٍ عَميقةٍ، يَتَرَكَّزُ في ما يَلي: أنَّها وِلادَة رُوحيَّة. والأشخاصُ الَّذينَ يُولَدونَ رُوحيًّا سَيُغيِّرونَ المُجتمعَ لا كالمُتفَجِّرات، بل كالخَميرَة. ولا بأنْ يُزيلوا الغِطاءَ بِقوَّة عنِ المُجتمع، بل بأنْ يَنشُروا تأثيرَ المَسيحيَّةِ مِن خلالِ تَغييرِ حَياةِ النَّاسِ في المُجتمَع. لِذا، أوَدُّ أن أُعَبِّرَ عن ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية: المَسيحيَّةُ تَتَداخَلُ بطريقةٍ غير مُباشِرة، لا بِطريقةٍ مُباشِرَة، في المُؤسَّساتِ الاجتماعيَّة. وقد كانتِ المسيحيَّةُ ولا تَزالُ حَقًّا سَبَبَ تَغييرٍ اجتماعيٍّ عَظيمٍ على مَرِّ التَّاريخ، ولكِنَّها لم تَفعل ذلك مِنْ خِلالِ تَفجيرِ المُجتمع، بل مِنْ خِلالِ تَخميرِ المُجتمع؛ أيْ مِنْ خِلالِ اختِراقِهِ مِن جُذورِه. وبولُسُ يَكشِفُ الحَقَّ الإلهيَّ القائلَ إنَّ المسيحيَّةَ لا يَجوزُ أن تَصيرَ مَوقِفًا اجتماعيًّا سَطحيًّا. فهي تَنْسَجِمُ دائمًا مَعَ أيَّ ظَرفٍ أرضِيٍّ في أيِّ مُجتمع. وفي نِهايةِ المَطاف، في أثناءِ نُمُوِّها، سَتبدأُ بُذورُ الصَّلاحِ والعَدالةِ والبِرِّ وغَيرِها في التَّأثيرِ في المُجتمَعِ الَّذي تَنمو فيه. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ في أيِّ مُجتمعٍ يَجِدُ الإنسانُ نَفسَهُ فيه، يُمكِنُهُ أن يَكونَ مَسيحيًّا، بل يُمكِنُهُ أن يكونَ مُؤمِنًا صَالِحًا.
وأنا أُفَكِّرُ في رُوسيا. فهُناكَ أشخاصٌ يَعتقدونَ أنَّهُ مِنَ المُستحيلِ أن تَكونَ مَسيحيًّا في رُوسيا. ولكِن هل تَعلمونَ أنَّ الكنيسةَ المسيحيَّةَ في رُوسيا تَنمو نُمُوًّا هَائِلاً؟ وقد أخبرتُكُم أنَّهُ في غُضونِ بِضعة أسابيع أو أشهُر على الأكثر، سنَبُثُّ عِظاتِنا في رُوسيا. فالعِظاتُ الَّتي نُقَدِّمُها لكم الآنَ تُتَرْجَمُ الآنَ إلى اللُّغة الرُّوسِيَّة. وسوفَ نَبُثُّ رِسَالَتَيْ بُطرس الأولى والثَّانية في رُوسيا. ويُقَدَّر عددُ الأشخاصِ الَّذينَ يَستمِعونَ إلى الكلمة هُناكَ ما بين 14 إلى 20 مَليون شخص. وَهُم يَستمعونَ إلى مَحَطَّة إذاعِيَّة مَسيحيَّة بِمُجمَلِها بِقُدرة كَهرُبائيَّة ضَخمة جدًّا لا أدري كَمْ هي، ولكِنَّها رُبَّما تَصِلُ إلى نِصفِ مِليون وَاط؛ وهي قُدرة هائلة جدًّا حَتَّى إنَّ الحُكومةَ الرُّوسيَّةَ لا تَستطيعُ أن تُوقِفَها أو تَمنَعَها. فهي تُبَثُّ مِن خارج البَلد. وَهُم لا يَملكونَ المَعَدَّات اللَّازمة للتَّشويشِ عَليها كَما يَبدو. ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّ اللهَ هُوَ السَّببُ في ذلك. وعلى أيِّ حال، هُناكَ أشخاصٌ يَسمعونَ الكلمة. وَهُم يَقولون: "يجب علينا أن نَحصُلَ على العِظاتِ المُسَجَّلة. وسوفَ نُترجِمُها إلى الرُّوسيَّة". وقد قُلتُ: "وكيفَ ستَفعلونَ ذلك؟" "كُلُّ ما يَنبغي لنا أن نَفعَلَهُ هُوَ أن نُدْخِلَ شَريطًا واحدًا فقط. فالمُؤمِنونَ لَديهِم أماكِن لِنَسْخِ الأشرطةِ، وإعدادِها، وتَوزيعِها في كُلِّ مَكان". صَحيحٌ أنَّ الحُكومَةَ قد تَفْرِضُ أُمورًا مُعَيَّنَةً على الكَنيسةِ المُنَظَّمة، ولكِنَّها لا تَستطيعُ أن تَفعلَ أيَّ شَيءٍ لإيقافِ حَياةِ اللهِ الَّتي يَغرِسُها في قُلوبِ النَّاس. وقد أخبرني أُناسٌ أنَّهُ في كُلِّ مَرَّة يُكْرَزُ بها بكلمةِ اللهِ فإنَّ هُناكَ نَحوَ 14 مَليون شخص يَستمعونَ إلى كلمةِ اللهِ في رُوسيا.
فيُمكنُنا أن نَكونَ مَسيحيِّينَ في أيِّ مُجتمَع لأنَّ المَسيحيَّة هي عَلاقة رُوحيَّة باللهِ الحَيِّ، وهي لا صِلَةَ لها بالحالةِ الاجتماعيَّة. وهذا هو المَبدأُ الَّذي يَوَدُّ بولسُ أن يُبَيِّنَهُ هُنا لأنَّهُ يُريدُ مِن أهلِ كورِنثوس أن يَعلموا أنَّ كَونَهُم مَسيحيِّينَ ليسَ سَبَبًا يَدعوهُم إلى تَغييرِ كُلِّ أنواعِ العلاقاتِ الاجتماعيَّة. وَهُوَ يَذكُرُ ذلكَ المبدأَ في العدد 17، وفي العَدد 20، وفي العَدد 24. فَهُوَ يُكَرِّرُه ثَلاثَ مَرَّات...نَفسَ المبدأ. وفي الآياتِ الفَاصِلَةِ بينَ هذهِ المَرَّاتِ الثَّلاث، يَذكُرُ مَثَلاً تَوضيحيًّا. لِذا فإنَّ النُّقطةَ الأولى هي المبدأ. ثُمَّ إنَّهُ يُقَدِّمُ مَثَلًا تَوضيحيًّا. ثُمَّ إنَّهُ يَذكُرُ المَبدأَ مَرَّةً أُخرى ويُقَدِّمُ مَثَلًا تَوضيحيًّا. ثُمَّ إنَّهُ يَذكُرُ المَبدأَ في النِّهاية. والآن، لاحِظوا ذلكَ في أثناءِ دراسَتِنا. ولنبتدئ بالمبدأ أوَّلاً في العدد 17. وفيما يَختَصُّ بالكَلِمَتَيْن "الله" وَ "الرَّبّ" المَذكورتَيْن في المَخطوطاتِ القديمة، يَجِب أنْ تُعْكَسَا وأنْ تُتَرْجما كالتَّالي: "غيرَ أنَّهُ" ... ورُبَّما كانت هذه هي أفضلُ طَريقةٍ لِبَدْءِ الآية: "غَيْرَ أَنَّهُ كَمَا قَسَمَ الرَّبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ، كَمَا دَعَا اللهُ كُلَّ وَاحِدٍ، هكَذَا لِيَسْلُكْ. وَهكَذَا أَنَا آمُرُ فِي جَمِيعِ الْكَنَائِسِ". فأيًّا كانتْ دَعوةُ اللهِ لَكَ، اسلُك فيها. لا تُثِرْ ثَورةً اجتماعيَّة. فكَما قَسَمَ اللهُ لَكَ، اسلُك هكذا. فيجب على كُلِّ شخصٍ أن يَسلُكَ في الدَّربِ الَّذي اختارَهُ اللهُ لَهُ وَقَسَمَهُ لَهُ.
فالاهتِداءُ لا يَعني أنَّهُ ينبغي للأشخاصِ العَازِبينَ الَّذينَ يَملِكونَ مَوهبةَ العُزوبةِ أن يَتزوَّجوا. وَهُوَ لا يَعني أنَّهُ ينبغي للأشخاصِ المُتزوِّجينَ أن يَفسَخوا زِيجاتِهم. فهو لا يَعني ذلكَ أبدًا. وَهُوَ لا يَعني أنَّكَ إذا كُنتَ مُتزوِّجًا مِن زوجةٍ غير مُؤمِنة، يجب عليكَ أن تُفارِقَها. لا، البَتَّة. ابقَ حيثُ أنت. فإن كُنتَ عَبدًا، ابْقَ عَبْدًا. وإنْ كُنتَ يَهوديًّا، ابْقَ يَهوديًّا. وإنْ كُنتَ أُممِيًّا، ابْقَ أُمميًّا. ابْقَ حيثُ أنت. فهذا هو المبدأُ العَامّ. فالشَّيءُ الطَّبيعيُّ هو أن تُحافِظَ على حَالَتِكَ الاجتماعيَّة. والآن، أوَدُّ أن أُضيفَ أنَّ هذا لا يَعني أنَّكَ إنْ نِلْتَ الخَلاصَ في سِنِّ الثَّالثة عَشرة وكُنتَ عازِبًا، يجب عليكَ أن تَبقى عَازِبًا بَقيَّةَ حَياتِك. فهذا ليسَ المَعنى المَقصود، بل إنَّهُ مَبدأٌ عَامٌّ وليسَ قَانونًا مُطلَقًا. وفيما بعد سَتَرَوْنَ كيفَ يُطَبَّق. وما أعنيه هو أنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ السَّابعِ [إنْ كُنتُم تَذكرونَ ذلك] إنَّكَ إذا كُنتَ مُتزوِّجًا، ابْقَ مُتزوِّجًا. ولكنَّهُ يَذكُرُ استثناءً: إنْ أرادَ الشَّريكُ غيرُ المُؤمِنِ أن يُفارِق، فَليُفارِق. لِذا، هُناكَ مَبدأٌ عَامٌّ لَهُ استثناء. وإليكُم هذا المبدأ أيضًا. فاللهُ يَقول: "ابْقَ على الحَالِ الَّتي أنتَ عليها". فهذهِ هي القاعدة العامَّة. فإنْ كُنتَ عَبْدًا، ابْقَ عَبْدًا. ولكِنْ إن أُتيحَتْ لكَ فُرصةُ التَّحَرُّرِ، اغْتَنِمْها. ولكِنْ لا تَنْشَغِل وَحَسْب في تلكَ المُشكلة. فَلا يَجوزُ لَنا أن نُحْدِثَ اضطِرابًا اجتِماعِيًّا.
لماذا؟ نَقرأُ في العدد 15...ارجِعوا وتَذَكَّروا هذا المبدأ. فقد رأيناهُ في المَرَّة السَّابقة. فنحنُ نَقرأُ في نِهايةِ العدد 15: "وَلكِنَّ اللهَ قَدْ دَعَانَا" [إلى ماذا؟] فَما الَّذي دَعانا إليه؟ "السَّلاَم". فأيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي نَفعَلُهُ في العالم، يجب أن يَترُكَ أيَّ تأثير؟ السَّلام. والآن، قد تَقول: "يجب على المُؤمِنينَ المَسيحيِّينَ في رُوسيا أن يُطيحُوا بالمُجتمعِ الرُّوسِيِّ". لماذا؟ فما هُوَ المُسَوِّغُ الكِتابِيُّ لحدوثِ ثَورة مَسيحيَّة أخرى مِثل الثَّورةِ البَلْشَفِيَّةِ الَّتي جَلَبَتِ الشُّيوعيَّة؟ فيُمكِنُهم أن يَكونوا مَسيحيِّينَ في مُجتمعٍ شُيوعِيٍّ. وعندما يَشاءُ اللهُ أن يُغَيِّرَ ذلكَ المُجتمَع، قد تُؤدِّي جُذورُ المَسيحيَّةِ المُنتَشِرة في كُلِّ المُجتمَع إلى سُقوطِه. ولكِنْ إنْ صارتِ المَسيحيَّةُ قَضيَّةً اجتماعيَّةً، هل تَعلمونَ ما الَّذي ستَحصُلونَ عليه؟ ستَحصُلونَ على شَيءٍ شَبيهٍ بذاكَ الموجود في إيرلندا. ولا أحَدَ يَفهمُ ذلك. فقد تَحَطَّمَتِ الشَّهادةُ المَسيحيَّةُ بِرُمَّتِها. أَتَرَوْن؟ لأنَّ المسيحيَّةَ هُناكَ لم تُرَكِّز على أيِّ شَيءٍ سِوى أنْ تَكونَ قَضيَّةً اجتماعيَّة. ولكِنْ مِنَ الأفضَلِ أن تَعمَلَ الكَنيسةُ على تَخميرِ المُجتمعِ عِوَضًا عن أن تَحمِلَ السِّلاحَ لأنَّ ذلكَ لن يُفْضِي إلى أيِّ شَيءٍ سِوى تَشويشِ المَسألة بِرُمَّتِها. فاللهُ دَعانا إلى ماذا؟ إلى السَّلام. لِذا، ابْقَ حيثُ أنت. فأيًّا كانَتِ الحالُ الَّتي أنتَ فيها، ابْقَ فيها. "طُوبَـى لِصَانِعِي السَّلاَم". فهذا هو ما قالَهُ يَسوع.
ونَقرأُ في رِسالة رُومية 12: 18: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاس". ونَقرأ في رِسالة رُومية 14: 19: "فَلْنَعْكُفْ إِذًا عَلَى مَا هُوَ لِلسَّلاَم". ونَقرأُ في رِسالة كورِنثوس الثَّانية 13: 11: "عِيشُوا بِالسَّلاَمِ، وَإِلهُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلاَمِ سَيَكُونُ مَعَكُمْ". ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 12: 14: "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيع". ونَقرأُ في رِسالة يَعقوب: "وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاء". فإنْ أَظهرتُم وَعِشْتُم بِحَسَبِ الحِكمةِ الَّتي مِن فَوق، أيْ بِحَسَبِ الحِكمةِ الإلهيَّةِ، فإنَّها في المَقامِ الأوَّلِ طَاهِرَة، ثُمَّ مُسالِمَة. "وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلاَم". فإنْ كُنتَ سَتَجلِبُ حَقًّا ثَمَرَ البِرِّ في العَالَم، سَوفَ يُزرَعُ في ماذا؟ في السَّلام. "في السَّلامِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلاَم".
وفي رِسالة تيموثاوُس الثَّانية والأصحاحِ الثَّاني، يَقولُ بُولُس لتيموثاوُس: "والآن يا تيموثاوُس، كُنْ رَجُلاً مُسالِمًا وَحافِظ على مَوقِفِكَ المُسالِم". وهُناكَ سَبَبٌ لذلك. فَهُوَ يَقولُ ما يَلي: "مُؤَدِّبًا بِالْوَدَاعَةِ الْمُقَاوِمِينَ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، فَيَسْتَفِيقُوا مِنْ فَخِّ إِبْلِيس". بعبارة أخرى: "يا تيموثاوُس، إنْ كُنتَ مُسالِمًا، وصَبورًا، ووَديعًا، وطَويلَ الأناة، فإنَّ اللهَ سيَستخدِمُ ذلكَ كي يَجعَلَ النَّاسَ يُقبِلونَ إلى مَعرفةِ الحَقِّ وكي يُحَرِّرَهُم مِنَ الشَّيطان". فالطَّريقةُ الصَّحيحةُ لتبشيرِ العَالَم هي ليسَت مِن خلالِ الثَّورةِ الاجتماعيَّة، بل مِن خلالِ التَّجديدِ الرُّوحِيِّ. لِذا فإنَّهُ يَقول: "إذا هَدَمْتُمْ كُلَّ المُؤسَّساتِ الاجتماعيَّةِ تَمامًا وَأحدَثتُم فَوضَى، لن تُساعِدوا في انتشارِ الإنجيلِ ولو قَليلاً".
والآن، لاحظِوا العَدَدَ السَّابِعَ عَشَر وما فيهِ مِن تَفاصيل دَقيقة: "غَيْرَ أَنَّهُ كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ". والفِعلُ اليونانيُّ المُتَرجَم "قَسَمَ" يَعني: "يُعطي شخصًا حُصَّتَهُ مِن شَيءٍ مَا". فإنْ كُنتَ عَبْدًا، مَنِ الَّذي يَقْسِمُ لكَ تلكَ الحُصَّة؟ مَن؟ إنَّهُ الرَّبُّ. وإنْ كُنتِ زَوجَةً، مَنِ الَّذي يَقسِمُ لكِ تلكَ الحُصَّة؟ إنَّهُ الرَّبُّ. لِذا، سَواءٌ أَكُنتَ زَوجًا أَم شخصًا عَازِبًا، تَذَكَّر ما يَلي: أيًّا كانَتْ قِسْمَةُ اللهِ لَكَ، وأيًّا كانتِ الطَّريقَةُ الَّتي دَعاكَ فيها الرَّبُّ، استَمِرّ في السُّلوكِ فيها. فإنْ كُنتَ عَبدًا، هل تَعلمُ أنَّ اللهَ وَضَعَكَ في ذلكَ المَوقِفِ قبلَ أن يُخَلِّصَكَ، وأنَّهُ خَلَّصَكَ في ذلكَ الوَضْعِ كي يَستخدِمَكَ في ذلكَ الوَضع؟ وإنْ كُنتَ عَازِبًا، فإنَّ اللهَ جَعَلَكَ عَازِبًا قبلَ أن يُخَلِّصَك. وإنْ كُنتَ مُتزوِّجًا، فإنَّ اللهَ قَسَمَ لَكَ مَوقِفَ زَواجٍ وَخَلَّصَكَ فيهِ كي يَستخدِمَكَ فيه. فاللهُ كانَ يَعلمُ ذلك. واللهُ خَلَّصَكَ في مَوقِفٍ مُعَيَّن. لِذا، في الوقتِ الحاضِر، ابْقَ في ذلكَ الموقِف. فَسَواءٌ كُنتَ مَتزوِّجًا أَمْ غيرَ مُتزوِّجٍ، أَم كُنتَ مُتزوِّجًا مِن شخصٍ غير مُؤمِن، أم كُنتَ مَختُونًا أَمْ عَبْدًا أمْ حُرًّا، أيًّا كانَ الأمرُ، وأيًّا كانت حَالَتُكَ الاجتماعيَّة فإنَّها قِسْمَة مِنَ الرَّبّ. وهذا شَيءٌ مُدهِشٌ ينبغي أن تُدرِكُوه يا أحبَّائي. فَنوعُ العَملِ الَّذي أنتَ فيه، ونَوعُ الحالةِ الاجتماعيَّةِ الَّتي أنتَ فيها مُرتبطة بخُطَّةِ اللهِ حَتَّى قَبلَ أن تَخلُص. وعندما فَداكَ الرَّبُّ في ذلكَ الموقِف فإنَّهُ فَداكَ فيه كي يَستخدِمَكَ فيه؛ على الأقَلِّ في هذا الوقت. لِذا، لا تَكُن مُتَبَرِّمًا. ولا تَقُل: "لأنِّي مُؤمِنٌ الآنَ، لا يُمكِنُني أن أفعلَ ذلك!"
والآن، أنا لا أتحدَّثُ عنكَ إنْ كُنتَ تُديرُ بَيتَ دَعارَة، أو إن كُنتَ تَبيعُ المشروباتِ الكُحوليَّة عندَ حُدودِ الوِلاية أو شَيئًا مِن هذا القَبيل. فهذا أمرٌ مُختَلِف لأنَّهُ شيءٌ غيرُ قانونِيٍّ وغَيرُ أخلاقِيٍّ. ولكِنْ عندما نَتحدَّثُ عنِ الأمورِ المُختصَّةِ بالعلاقاتِ الاجتماعيَّةِ الَّتي لا قيمةَ أخلاقيَّةَ لها فإنَّ اللهَ لا يَتوقَّعُ مِنكَ أن تَصيرَ مَسيحيًّا وأن تُغَيِّرَ فجأةً كُلَّ حَياتِك. فقد يُبقيكَ اللهُ في مَكانِكَ لِسَبَب. فقد وَضَعَكَ هُناكَ قبلَ حَتَّى أن يُخَلِّصَك، وَخَلَّصَكَ وأنتَ هُناكَ. لِذا فإنَّ الأمرَ سَهلٌ: ابْقَ حيثُ أنت. فأيًّا كانتِ الحالةُ الاجتماعيَّةُ الَّتي أنتَ فيها فإنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يَعملَ. والمَسيحيَّةُ قادرةٌ على التَّعايُشِ معَ ذلكَ الوضع. لِذا، ابْقَ حيثُ أنت. فلا يَجوزُ أن نَجعلَ المَسيحيَّةَ سَبَبَ اضطرابٍ في كُلِّ المُجتَمَع. فبولُس يَقول: "لِنَجعلِ النَّاسَ في العالَمِ يَرَوْنَ أنَّ المَسيحيَّةَ تُوَفِّرُ التَّكافُلَ في المُجتَمَع، وتُوفِّرُ التَّكافُلَ في الحَياة، وأنَّها ليست فَوضويَّة. فنحنُ لا نُريدُ مِنَ النِّساءِ أن يُفارِقْنَ أزواجَهُنَّ غيرَ المُؤمِنين كي يَتزوَّجْنَ مِنْ أزواجٍ لُطفاء لِمُجَرَّدِ أنَّهُم مَسيحيُّونَ ظَنًّا مِنْهُنَّ أنَّهُنَّ لا يَسْتَطِعْنَ أنْ يَعِشْنَ مَع رَجُلٍ غير مُخَلَّص. لا، بل ابْقَيْنَ هُناك". أمَّا إنْ أرادَ أن يُفارِق فَليُفارِق. والآن، بعدَ أن يَذكُرَ المَبدأ فإنَّهُ يُقَدِّمُ مَثَلاً تَوضيحيًّا عليه. والآن، لاحِظوا العَدَدَيْن 18 و 19. وهذا مَثَلٌ تَوضيحيٌّ رائع...صَدِّقوني. وعندما قَرأتُهُ أوَّلَ مَرَّة، لم أَفهمهُ حَقًّا: "دُعِيَ أَحَدٌ وَهُوَ مَخْتُونٌ؟" فهل دُعِيَ أحدٌ مِنكُم...والكلمة "دُعِيَ" تَعني: "نَالَ الخَلاصَ". فهل نالَ أَحَدٌ مِنكُم الخَلاصَ وَهُوَ مَخْتون؟" والشَّخصُ المَختونُ هُوَ شَخصٌ مَاذا؟ يَهوديٌّ. إذًا، هل نَالَ أحدٌ مِنكُم الخَلاصَ وَهُوَ يَهودِيٌّ؟ بِكُلِّ تأكيد. العَديدُ مِنهُم. إذًا، افعَلوا ماذا؟ "فَلاَ يَصِرْ أَغْلَفَ". وقد تَقول: "هُناكَ احتمالٌ كبيرٌ في أَلَّا يَفعلَ ذلك". وهذا هو ما قُلتُهُ حينَ قَرأتُ هذهِ الكلمات. وهذا غَريبٌ حَقًّا: "لا تَجرؤ على إبطالِ خِتانِك". "لا تَقلَق، لن أفعل، لن أفعل". وقد يبدو أنَّ هذهِ الكلماتِ غير مَنطقيَّة!
وقد بَحَثْتُ قَليلاً عن ذلك لأنِّي حَسِبْتُ أنَّهُ إنْ كانَ الكتابُ المقدَّسُ يَقولُ ذلك، لا بُدَّ أنَّهُ يَعني شَيئًا مَا. ومعَ أنَّ هذهِ الكلماتِ تَبدو صَعبة قليلاً، هل تَعلمونَ أنَّهُ كانَت هُناكَ فَترة في تاريخِ بَني إسرائيل، مَا بينَ نِهايةِ العهدِ القديم [عَزْرا ونَحَمْيا] وبدايةِ العهدِ الجديد وَمَجيءِ يُوحَنَّا المَعمدان، كانت هُناكَ فَترة امتَدَّتْ 400 سنة. وخِلالَ تلكَ الفَترة، كانَ اليُونانيُّونَ يَحْكُمونَ في إسرائيل. وكانَ هُناكَ رَجُلٌ اسمُهُ "أنطيوخُس" (Antiochus) حَكَمَ البَلَد. وكانَ هُناكَ تَجاوُبٌ عَجيبٌ مَعَ حُكمِهِ. فقد ثَارَ أُناسٌ عليه. فقد كانَ المَكابِيُّونَ (يَهوذا المَكابِيُّ وأولادُهُ) يَهودًا غَيورينَ ومُتَحَمِّسينَ وَطَنِيِّينَ جِدًّا. وقد ابتدأوا الثَّورةَ المَكابِيَّة وثَاروا على أنطيوخُس. مِن جِهة أخرى، كانَ هُناكَ يَهودٌ آخَرونَ يَرغبونَ في كَسْبِ وُدِّ النِّظامِ اليُونانِيِّ لأنَّهُم أرادوا أنْ يَنالُوا حَظْوَةً، ومَكانَةً اجتماعيَّةً، ووَضعًا اجتماعيًّا مَرموقًا. وتاريخُ يَهوذا المَكابِيّ وثَورَتُهُ مُدَوَّنانِ في ثَلاثَةِ أسفارٍ هي مَكابِيِّين الأوَّل والثَّاني والثَّالِث. وهذهِ الأسفارُ الثَّلاثَةُ هي أسفارٌ مَنْحُولة؛ أيْ أنَّها جُزءٌ غيرُ كِتابِيٍّ مِنَ الكِتابِ المُقدَّسِ الكاثوليكيِّ مَثلاً. ورُبَّما يَعلَمُ أُناسٌ مِنكُم ذلكَ الجُزءَ المُتوسِّطَ الَّذي يَحوي عَزرا، والبَعْل والتِّنِّين، وغيرَهُما.
فأسفارُ المَكابِيِّين الأوَّل والثَّاني والثَّالِث تُخبرُنا قِصَّةَ تلكَ الثَّورةِ المَكابيَّة خِلالَ فَتْرَةِ ما بينَ العَهْدَيْنِ تلك. وهي ليست أسفارًا كِتابيَّةً، ولكنَّها تَحوي تَاريخًا مُدهشًا فيها. وهي تُخبرُنا في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ المَكابِيِّينَ الأوَّل (في الأعداد مِن 11 إلى 16 تَقريبًا) أنَّهُ كانَ هُناكَ يَهودٌ مُرْتَدُّونَ أرادوا أن يَتَقَرَّبوا مِنَ اليونانِيِّين. لِذا فقد خَضَعُوا حَرفيًّا لِعَمليَّة جِراحِيَّة في مُحاولةٍ لإزالةِ آثارِ الخِتان كي يَتمكَّنوا مِنَ الذَّهابِ إلى سَاحَةِ الألعابِ الرياضيَّةِ [كما يَقولُ المُؤرِّخُ "يوسيفوس" (Josephus)] ويَظهَروا بِمَظهَرِ الأشخاصِ غيرِ المَختونِين". وقد تَقول: "ولماذا يَفعلونَ ذلك؟" مِنَ الواضِحِ لماذا كانوا يَفعلونَ ذلك. فقد كانوا يَفعلونَ ذلكَ كي يَلْتَصِقوا باليُونانِيِّينَ وَيَحْظَوْا بِمَكانةٍ اجتماعيَّةٍ مَرموقَة. لِذا، هل تَعلمونَ ماذا قالَ بولُس؟ "انُظروا، إنْ كُنتُم يَهودًا مُخَلَّصينَ لا تَفعلوا ذلك". وقد تَقول: "وَلِمَ لا؟" اسمَحوا لي أن أُجيبَكُم: عندما يأتي أحدُ اليهودِ إلى المَسيح ويَنالُ الخَلاصَ، مَنِ الشَّخصُ التَّالي الَّذي يُرَجَّحُ أنْ يَقودَهُ آنَذاكَ إلى المَسيح؟ يَهوديٌّ آخر. أليسَ كذلك؟ وشخصٌ مِن عائلَتِه.
لِذا، إنْ جاءَ شخصٌ يَهوديٌّ إلى المَسيح وأنكَرَ حَالاً يَهوديَّتَهُ، وأرادَ أنْ يُبْطِلَ خِتانَهُ ويَقْرِنَ نَفسَهُ بثقافةٍ أُمَمِيَّة، ما الَّذي سَيَقولُهُ رِفاقُهُ اليَهود؟ سوفَ يَقولونَ إنَّهُ ماذا؟ مُراءٍ، ومُرْتَدٌّ، ولا يَسْتَحِقُّ الذَّهابَ إلى السَّماء. فقد كانت إزالَةُ عَلامَةِ العَهْدِ أمرًا مَرفوضًا تَمامًا. وقد كانَ ذلكَ كَفيلاً بإزالَتِهِ مِن حَقْلِ الحَصادِ الَّذي كانَ يُمْكِنُ أنْ يَنالَ فيهِ حَصادًا وَفيرًا. أَتَرَوْن؟ لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "لا تَفعلوا ذلك". وكانَ هُناكَ أُمَمِيُّونَ في الكَنيسةِ يَقولون: "بعدَ أنْ صِرتُم مَسيحيِّين، إنْ أردتُم حَقًّا أنْ تَكرِزوا للمُجتَمَعِ الأُمَمِيِّ، يجب عليكم أن تَتَخَلَّوْا عنْ ذلكَ الخِتانِ اليَهوديِّ؛ وَإلَّا لن تَتَمَكَّنوا مِنَ الذَّهابِ إلى المُنْتَجَعِ المَحَلِّيِّ هُنا لأنَّ الجميعَ سَيَعرِفُ حَقيقَتَكُم. لِذا، يجب أن تَفعلوا شَيئًا بهذا الشَّأن؛ وإلَّا لن تَتمكَّنوا مِنَ الكِرازةِ لهؤلاءِ النَّاس". وهو يَقول: "انظُروا، ابْقَوْا كَما أنتُم لأنَّكُم في أثناءِ مُحاولةِ الكِرازةِ لهؤلاءِ النَّاسِ رُبَّما لن تَنْجَحوا بأيِّ حَال، بل سَتُنَفِّرونَ الأشخاصَ الَّذينَ يُريدُ اللهُ مِنكُم أن تَكرِزوا إليهم لأنَّهُم شَعبُكُم". فَلِكُلٍّ مِنَّا حَقْلُ الحَصادِ الخَاصِّ به. ولا يُوجَد سَبَب يَدعوكُم إلى تَنْفيرِ كُلِّ اليهودِ الَّذينَ يَفتَخِرونَ بِيَهوديَّتِهم.
وأعتقد أنَّ واحدًا مِنَ الأشياءِ المُدهشةِ اليوم هو أن تَرَوْا يَهودًا مُخَلَّصينَ ولا يَتَنَكَّرونَ لأصْلِهِم اليَهوديّ. فَهُمْ يَفْتَخِرونَ بِيَهودِيَّتِهم. وهذا يُعطيهم فُرصةً لزيارةِ المُجتمعِ اليهوديِّ. أليسَ كذلك؟ فَالبابُ أمامهُم مَفتوحٌ؛ رُبَّما أمامَ الأصدقاءِ وأفرادِ العائلةِ عندما يُحافِظونَ على جُزءٍ مِن إيمانِهم ومَحبَّتِهم للتُّراثِ اليهوديِّ. فَمَعَ أنَّهُم رَأوْا ذلكَ يَتحقَّقُ في شخصِ المَسِيَّا، لا يوجد سَبَب يَدعوهُم إلى إنكارِ كُلِّ ذلكَ التُّراث. فإنْ أَنكَروهُ وصَاروا أُمَمِيِّينَ فإنَّ ذلكَ سَيَعزِلُهم عن حَقْلِ الحَصادِ الَّذي يُريدُ اللهُ أن يُعطيهم فيهِ أكثرَ ثَمر.
والآن، يَعْكِسُ بولُسُ الجُملةَ في الجُزءِ اللَّاحِقِ مِنَ العدد 18 فَيقول: "دُعِيَ أَحَدٌ فِي الْغُرْلَة". فهل نَالَ أيٌّ مِنكُم الخَلاصَ وَهُوَ أُمَمِيّ؟ "فَلاَ يَخْتَتِنْ". والآن، أنتُم تَعرِفونَ سَبَبَ هَذا الكَلام. أليسَ كذلك؟ فإنْ جاءَ أُمَمِيُّونَ إلى المَسيح ماذا سَيقولُ لَهُم اليهود؟ "آه، مِنَ الرَّائعِ أنَّكُم اهْتَدَيْتُم إلى المَسيح، ولكِن اسمَعوا! إنْ أردتُم أن تَدخُلوا الإيمانَ حَقًّا وأنْ تَحصُلوا على نَصيبٍ حَقيقيٍّ في المَلكوت، يجب عليكم أن تُخْتَنوا". ولا أعتقدُ أنَّ الأمرَ يُشبِهُ ما حَدَثَ في غَلاطِيَّة. ففي غَلاطِيَّة، كانوا يُخبرونَ المَسيحيِّينَ أنَّهُ يجب عليهم أنْ يُختَنوا كي يَنالوا الخَلاص. ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُم كانوا يُحاولونَ هُنا أن يَقولوا لَهُم إنَّهُ يجب عليهم أنْ يُختَنوا كي يَحصُلوا على البَرَكَةِ الكامِلَة. والسَّببُ في أنِّي أعتقدُ ذلك هو أنَّ بولسَ كانَ سَيَكونُ صَارِمًا أكثر هُنا لو أنَّ الأمرَ كانَ شَبيهًا بما حَدَثَ في غَلاطيَّة؛ أيْ لو كانَ مُرتبطًا بالخَلاص. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ اليهودَ كانوا يَقولونَ هُنا: "يجب عليكم أن تَتَّحِدوا بشعبِ الله. ويجب عليهم أن تَتَّحِدوا بشعبِ العَهْد. وسوفَ نُجْري لَكُمْ هذهِ العَمليَّة الجِراحِيَّة الصَّغيرة وَحَسْب". وهل تَعلمونَ شَيئًا؟ لقد كانَ الأُمَمِيُّونَ يَنظرونَ نَظرةً مُتَدَنِّيَةً إلى الخِتان. وكانُوا يَحتَقِرونَ اليَهود. فقد كانوا يَعتقدونَ حَقًّا أنَّ اليَهودَ شَعبٌ مُتَدَنٍّ ومُحتَقَر. ولكي يَجعَلوا الأُمَمِيَّ يَقتَرِنُ باليهود، كانَ يَنبغي لَهُم أن يَفصِلوهُ عَنْ مَن؟ عن شَعبِهِ كُلِّه. وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ يَعزِلُ نَفسَهُ آنذاكَ عن حَقلِ الحَصادِ الَّذي يُريدُ اللهُ مِنهُ أن يَعمَلَ فيه. هل تَرَوْنَ القَصْدَ؟ فاللهُ يَقول: "ابْقَوْا حيثُ أنتُم. فقد وَضَعتُكَ في هذا المَكانِ لِسَبَبٍ مُحَدَّد وَهُوَ أنْ تَكرِزَ إلى شَعبِك. لِذا، لا تَقلَق على حَالَتِكَ الاجتماعيَّة. فهذا ليسَ مُهِمًّا".
انظُروا إلى العدد 19. فهذه النُّقطة واضحة جدًّا: "لَيْسَ الْخِتَانُ شَيْئًا، وَلَيْسَتِ الْغُرْلَةُ شَيْئًا". فَكِلا الأمرينِ ليسَ مُهِمًّا. "بَلْ حِفْظُ وَصَايَا اللهِ". فالأمرُ الوَحيدُ المُهِمُّ هو القضيَّةُ الأخلاقيَّةُ، أوِ القضيَّةُ الرُّوحيَّةُ؛ لا الأمور الخارجيَّة. فلا أَهميَّة للعمليَّة الجِراحِيَّة الَّتي خَضَعْتَ لها أو لم تَخضَع لها. وَلا مَعنى لأيِّ شَيءٍ لا قيمَةَ لَهُ. ولا مَعنى لِعَزْلِ نَفسِكَ عن كُلِّ أصدقائِكَ وأفرادِ عائلتِك. فلا مَعنى لذلك. ويُمكنُني أن أقولَ الكثيرَ عنِ الكلمة "طَاعَة". فهي جَوهَرُ كُلِّ شيء. أليسَ كذلك؟ فالشَّيءُ المُهِمُّ في العدد 19 هو حِفْظُ وَصايا اللهِ. فَلنُرَكِّز على الأمورِ المُهِمَّة. ولنَترُك الأمورَ الثانويَّة. فلا حَاجَةً إلى الالتِفاتِ إلى الأمورِ الخارجيَّةِ والسَّطحيَّة، بل لنتذكَّر أنَّ القضيَّةَ الجوهريَّةَ هي الطَّاعة. حسنًا! بعدَ أنْ يَذكُرَ المبدأَ ويُوَضِّحَهُ فإنَّهُ يُعيدُ الكَرَّةَ مِنْ جَديد. وإنْ ظَنَنْتُم أنَّ ذلكَ تَكرارٌ فإنَّكُم مُحِقُّون. ولكِن في كُلِّ مَرَّة يَقولُ اللهُ فيها شَيئًا ما، اعلَموا أنَّهُ مُهمٌّ. وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَجعَلُ اللهُ فيها واحِدًا مِن أنبيائِهِ أو رُسُلِهِ يَقولُ شَيئًا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، اعلَموا أنَّهُ مُهِمٌّ جدًّا جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 20: "اَلدَّعْوَةُ الَّتِي دُعِيَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ فَلْيَلْبَثْ فِيهَا". إذًا، لِيَبْقَ كُلُّ شخصٍ في نَفسِ المَوقفِ الَّذي كانَ فيهِ عندما نَالَ الخَلاص. فهذا هو تَمامًا ما يَقولُه. رَكِّزوا على الأمورِ الروحيَّة، ورَكِّزوا على المَسيحيَّة؛ لا على الأحوالِ الاجتماعيَّة. فيجب على المُؤمِنينَ أن يَنشَغِلوا بالأمورِ الروحيَّة.
وكما تَعلمون، نحنُ نَعيشُ في بَلدٍ ديمُقراطِيٍّ وهذا أمرٌ رائع. ولكِنِّي لا أشَكُّ البَتَّة في أنَّ هُناكَ مُؤمِنينَ نَاضِجينَ مِثلَنا، ومُكَرَّسينَ مِثلنا ليسوعَ المسيح، ورُبَّما سيَحصُلونَ على مُكافآتٍ سَماويَّةٍ أكثرَ مِنَّا، يَعيشونَ في بِلادٍ نِظامُها قَمْعِيٌّ جدًّا لأنَّ المَسيحيَّة قادرة على العَيْشِ في أيِّ موقفٍ اجتماعيّ. واهتِمامُ بولسَ يَنْصَبُّ هُنا على أن يُدركَ المُؤمِنونَ أنَّ شُغلَهُم الشَّاغِل ينبغي أن يَنْصَبَّ على كَونِهم مُؤمِنينَ، لا على الأحوالِ الخارجيَّةِ الَّتي هي غير مُهِمَّة قليلاً أو بالمَرَّة. لِذا، لا تُعْطُوا الأمورَ الخارجيَّةَ أهميَّةً كبيرة. وهل هذا يعني أنَّهُ لا يُمكِنُكَ أن تُحْرِزَ أيَّ تَقَدُّم؟ لا، إنَّهُ لا يَقولُ ذلك. فهو لا يَقولُ إنَّهُ لا يَجوزُ لكَ أن تَحصُلَ على تَرقِيَة، ولا أنَّهُ لا يَجوزُ لكَ أن تَتقدَّمَ في عَمَلِكَ أو تَعليمِك، أو أن تَسعى إلى حَياةٍ أفضل، أو أن تَطلُبَ زِيادَةً على مُرَتَّبِك، أو أن تَحصُلَ على عَمَلٍ أفضل، أو أن تُغَيِّرَ عَمَلَك. لا! ولكنَّهُ يَقولُ: لا تُزَعزِعوا التَّوازُنَ الاجتماعيَّ باسمِ المَسيح. بِعبارَة أخرى، لا يَنبغي لأيِّ شخصٍ أن يَرغبَ في تَغييرِ حَالَتِهِ في الحياةِ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ مَسيحيّ؛ أيْ كما لو أنَّ المسيحيَّةَ لا تَنْسَجِمَ معَ مَواقِفَ اجتماعيَّةٍ مُعَيَّنة. فهذا غير صحيح. فهي تَنْسَجِمَ معَ أيِّ شَيء. وهي تُلائِمُ تَمامًا أيَّ رَجُلٍ أوِ امرأةٍ في أيِّ مَوقِفٍ في الحَياة طَالَما أنَّ ذلكَ الشَّخصَ يُدركُ أنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ هي الحِفاظُ على وَصَايا الرَّبِّ. فالطَّاعَةُ مُمكِنَةٌ في أيِّ مَوقِف. والآن، رُبَّما تَدفَعُ ثَمَنًا أعلى مِنَ الآخرينَ في سبيلِ إيمانِك، ولكِنَّها تَبقى مُمْكِنَةً. وكما تَرَوْنَ، عندما خَلَّصَكَ الرَّبُّ لم يُخَلِّصْكَ كي يُغَيِّرَ حَالَتَكَ الأرضيَّة، بل خَلَّصَكَ كي يُغَيِّرَكَ مِنَ الدَّاخِلِ ويُغَيِّرَ مَصيرَكَ الأبديّ.
والآن، يُقَدِّمُ بولسُ مَثلاً تَوضيحيًّا على ذلكَ مَرَّةً أخرى. انظروا إلى العَدَدَيْن 21 و 23. وهذا هو المَثَلُ التَّوضيحيُّ الثَّاني، وَهُوَ مَثَلٌ تَوضيحيٌّ جَيِّد لأنَّهُ مَثَلٌ تَوضيحيٌّ عنِ العُبوديَّة: "دُعِيتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ" ("دولوس" – “doulos”؛ أيْ عَبْدٌ مُقْتَنى)؛ أيْ إنْ نِلْتَ الخَلاصَ وأنتَ عَبْدٌ، لا تَقلق بهذا الخُصوص. "فَلاَ يَهُمَّكَ". وهذه عِبارة يُونانيَّة تَعني: "لا عَليك". لا تُبالي بذلك. فإنْ دُعيتَ وأنتَ عَبدٌ، هذا ليسَ مُهِمًّا. وقد تَقول: "جون! هل يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ العُبوديَّةَ غير مُهِمَّة؟" كَلَّا، كَلَّا! فالكِتابُ المُقدَّسُ لا يَقولُ إنَّ العُبوديَّةَ ليست مُهِمَّة، ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّكَ إذا نِلْتَ الخَلاصَ وأنتَ عَبْدٌ، لا تَقلَق بهذا الشَّأن. فيُمكِنُكَ أن تَكونَ مَسيحيًّا وَعَبْدًا في آنٍ واحِد. أليسَ كذلك؟ فيُمكِنُكَ أن تَكونَ مَسيحيًّا وأنتَ في أيِّ حَالٍ...مِنَ النَّاحيةِ الاجتماعيَّة. فأنا لا أتحدَّثُ هُنا عنِ الأمورِ الأخلاقيَّةِ، بلِ الاجتماعيَّة. وبولسُ لا يُشَجِّعُ على العُبوديَّة، بل يَقولُ وَحَسْب إنَّ العُبوديَّةَ ليست عَائِقًا أمامَ الحياةِ المسيحيَّة. فكما تَعلمونَ، في رِسالة أفسُس والأصحاحِ السَّادِس، يُخاطِبُ بُولسُ العَبيدَ. وَهُوَ لا يَقولُ لَهُم: "والآن، بعدَ أن صِرتُم مَسيحيِّينَ، اذهَبوا وقولوا لِسَادَتِكم: ’اسمَع يا هَذا! أنا وأنتَ مُتساويان. سوفَ أُطيعُكَ اليوم، وسوفَ تُطيعُني يَوْمَ غَدٍ. وسوفَ نَجِدُ حَلاًّ لهذا الأمر". لا! بل يَقول: "أيُّها العَبيدُ [في رِسالَة أفسُس 6: 5] أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيح". ابْقَوْا عَبيدًا صَالِحين. وأَعْطُوا ذلكَ السَّيِّد كُلَّ ما يُريد. واخدِموهُ بكُلِّ قُلوبِكُم كما لو كُنتُم تَخدِمونَ المَسيحَ في الجَسد. أعطوهُم كُلَّ ما يَطلبونَهُ مِنكُم. "لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ". وهل تَعلمونَ ما هي خِدمةُ العَين؟ أيْ أنْ تَعمَلَ عندما يُراقِبُكَ السَّيِّد. ونحنُ جَميعًا نَعلمُ كَيفَ يَحدُثُ ذلك. "لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ". فأنتُم تَعملونَ مَشيئةَ الله. فإنْ كُنتَ عَبدًا، أتَدري لماذا أنتَ عَبْدٌ؟ لأنَّ مَشيئةَ اللهِ هي أن تَكونَ عَبدًا. وقد خَلَّصَكَ وأنتَ عَبْدٌ. فهذا هو المَكانُ الَّذي وَضَعَكَ فيه. ولا بأسَ في ذلك. فأيًّا كانَ ما تَفعَلُه فإنَّ الرَّبَّ سيُكافِئُك. لِذا، اخْدِم الرَّبَّ في ذلكَ المَوقِع. ونَقرأُ في رسالة كولوسي 3: 22-24 الكَلامَ نَفسَهُ تَقريبًا. وقد تَقول: "إذًا، هل يُوافِقُ الكتابُ المقدَّسُ على العُبوديَّة؟" كَلَّا. ولكنَّهُ لا يُوافِقُ أيضًا على أن يَقومَ المَسيحيُّونَ بِثورةٍ اجتماعيَّةٍ للإطاحَةِ بِها لأنَّ ذلكَ يُسيءُ تَمامًا إلى هَدَفِ المَسيحيَّةِ بِرُمَّتِه.
وقد تَقول: "إذًا، كيفَ نُغَيِّرُ العُبوديَّة؟" هل تَعلمونَ أنَّ الصَّلاحَ العَظيمَ الَّذي كانَ مُنتشرًا في الأوساطِ المَسيحيَّةِ صَارَ حَقًّا الحِافِزَ الَّذي أزالَ العُبوديَّةَ في نِهايةِ المَطافِ مِنَ العالَم؟ فالمسيحيَّةُ فَعَلَت ذلك. فالنُّقطةُ الرئيسيَّةُ، كَما تَرَوْنَ، هي أن تَخدِموا اللهَ. ولا يَنبغي للعَبْدِ أن يَقلَق بخصوصِ كَونِهِ عَبْدًا، بل يجب عليهِ أن يَخدِمَ اللهَ وَحَسْب. وعندما تَبتدئُ هذهِ الحَياةُ البَارَّةُ في التَّغَلْغُلِ والانتِشار، سَيَنهارُ نِظامُ العُبوديَّةِ في النِّهاية. والآن، إنْ تَأنَّى الرَّبُّ...إنْ تَأنَّى الرَّبُّ، أعتقد أنَّ بُذورَ المَسيحيَّةِ حَتَّى في بَلَدٍ مِثلَ رُوسيا سَتُؤدِّي إلى سُقوطِ تلكَ الأُمَّة. وأنا أعتقدُ ذلك. بل إنِّي أعتقدُ أنَّ ذلكَ سيَحدُثُ أسرعَ مِمَّا يَظُنُّ كَثيرونَ مِنَّا. إذًا، الشَّيءُ المُهِمُّ هو أن تَخدِمَ اللهَ. واللهُ سيَعملُ مِن خلالِ الحَياةِ البَارَّةِ الَّتي يَحياها كَثيرونَ على تَحقيقِ مَقاصِدِهِ اجتماعيًّا في العالَم.
لِذا، إنْ كُنتَ عَبْدًا، كُنْ عَبدًا صَالحًا. وإنْ كُنتَ سَيِّدًا، كُن سَيِّدًا صَالحًا. وإنْ كُنتِ زَوجةً، كُوني زَوجةً صَالحةً. أَيْ: أيًّا كانت حَالَتُكَ. لِذا فإنَّهُ يَقول: "إذا كُنتَ عَبْدًا، لا تَهتمّ لذلك". فالشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي لم يَكُن بولسُ يَرغبُ في حُدوثِه هو أنْ تَقومَ مَجموعةٌ كبيرةٌ مِنَ العَبيدِ المَسيحيِّينَ بِثورة. فهل تَتخيَّلونَ ثَورةً مَسيحيَّة؟ إنَّها لن تَنْجَح. وهذا هو ما كانوا يَتوقَّعونَ أن يَفعلَهُ يَسوعُ عندما جاءَ إلى العالَم. أتَذكرون؟ فقد تَوقَّعوا أن يأتي يَسوعُ بِصِفَتِهِ المَسِيَّا وأنْ يَدْحَرَ رُوما. ولو حَدَثَ ذلك لَعُرِفَتِ المَسيحيَّةُ طَوالَ التَّاريخِ بأنَّها حَرَكة سِياسيَّة. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّ يَسوعَ قالَ: "لا، إنَّها ليست كذلك، بل هي تَغييرٌ مِنَ الدَّاخل". لِذا، لا بأسَ في العُبوديَّةِ إنْ كانَ اللهُ قد دَعاكَ وأنتَ في تلكَ الحَالة. فالسُّلوكُ البارُّ المَسيحيُّ يَنْطَوي على مَا يُشبِهُ الخَميرةَ الَّتي تَنتَشِرُ في المُجتمعِ وتَقضي على الشَّرِّ المَوجودِ في ذلكَ المُجتمع في أثناءِ تَغَلْغُلِ المَسيحيَّة.
لاحِظوا ما يَقول في العدد 21...في نِهايةِ ذلكَ العَدد: "بَلْ وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصِيرَ حُرًّا فَاسْتَعْمِلْهَا بِالْحَرِيِّ". فأنا لا أقولُ إنَّهُ يَجبُ عليكَ أن تَبقى عَبْدًا. فهُناكَ أشخاصٌ يَستخدِمونَ هذهِ الآية، ويَقولونَ إنَّ ذلكَ الجُزءَ الأخيرَ مِنَ الآيةِ يَعني: "بل وإنِ أُتيحت الحُريَّةُ لَكَ، ارْفُضْها". أيْ: "إذا نِلْتَ الخَلاصَ وأنتَ عَبْدٌ، ينبغي أن تَبقَى عَبْدًا". لا، لا! فأنا أعتقدُ أنَّ مَا يَقولهُ هُنا هُوَ: إذا نِلْتَ الخَلاصَ وأنتَ عَبْدٌ، لا تَهتمّ لذلك، ولكِنْ إنْ لاحَتْ فُرْصَةُ الحُريَّة، اغْتَنِمْها. وكما تَعلمونَ، كانَ يُوجَدُ في رُوما قانون. والحقيقةُ هي أنَّ العَديدَ مِنَ السَّادَة كانوا يَحتفظونَ بصُندوقٍ خَاصٍّ للعبيد. وكانَ ينبغي للعبيدِ أن يَضَعوا ما يَتوفَّر لديهم مِنَ المالِ إلى أن يَتمكَّنَ العَبْدُ في النِّهايةِ مِن شِراءِ حُرِّيَّتِه. لِذا فإنَّ الكلمة في ذَاتِها لم تَكُن بالضَّرورة قَمعِيَّة. ففي بعضِ حالاتٍ، كانَ السَّادَةُ مُتَجَبِّرين. ولكِنْ قد تَكونُ عَبدًا وتَعيشُ حَياةً مُحتَمَلة. لِذا، لا تَهتمَّ بذلك. ولكِنْ إنْ أُتيحت فُرصةٌ للحُريَّة، اغْتَنِمْها. وهذا يعني وَحَسْب أنَّ اللهَ يُتيحُ لكَ ذلك ويَنقِلُكَ خُطوةً أخرى.
وهُناكَ مَثَلٌ تَوضيحيٌّ جَيِّدٌ على ذلك في سِفْرِ فِليمون الصَّغير. فرسالة فِليمون هي رِسالة صَغيرة مُدهشة. وهي تأتي بعدَ رِسالة تِيطُس مُباشَرةً وقبلَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين. وقد كانَ فِليمون رَجُلاً مَسيحيًّا يَعيشُ في كُولوسي. وكانَ لَهُ عَبْدٌ مِن ضِمْنِ عَبيدٍ آخرين. ومِنَ المُرجَّحِ أنَّهُ كانَ رَجُلاً غَنيًّا جدًّا. وكانَ وَاحِدٌ مِن عَبيدِهِ يُدعى "أُنسيمُس". وقد قَرَّرَ أُنسميُس أنَّهُ يُريدُ حُرِّيَّتَهُ. لِذا فقد سَرَقَ أُنسيمُس أشياءً مِن بيتِ فِليمون، وَحَزَمَ حَقيبَتَهُ الصَّغيرة، وَفَرَّ إلى رُوما ظِنًّا مِنهُ أنَّهُ سيتمكَّنُ مِنَ الاختفاءِ في وَسْطِ النَّاسِ في رُوما. وبينما كانَ يُحاولُ الاندماجَ بينَ النَّاسِ في رُوما، التَقى رَجُلاً مُمَيَّزًا جدًّا يُدعى "بُولُس". وقد أدَّى لِقائُهُما إلى تَغييرٍ جَذرِيٍّ جدًّا في حَياةِ أُنسيمُس. وفي العددِ العاشِر، يَقولُ بولُس: "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي". والآن، لا نَدري كيفَ حَدَثَ ذلك. فقد كانَ بولسُ، دُونَ أَدنَى شَكٍّ، سَجينًا هُناك. وقد التَقى بطريقةٍ مَا أُنسيمُس واقتَادَهُ إلى المَسيح. وقد صَارَ أُنسيمُسُ مَسيحيًّا. وقد أحَبَّهُ بولسُ كَثيرًا. وفي العدد 11، يَقولُ بولُس: "لقد كانَ هذا الشَّخصُ نَافِعًا، وأنا أهتَمُّ جدًّا لأمرِه. وَهُوَ مُهِمٌّ جِدًّا بالنِّسبةِ إليَّ". ولكِنْ ذاتَ يَومٍ، جَلَسَ بولسُ وأُنسيمُس معًا وتَحَدَّثا بصراحة. فقد جَلَسا فقالَ أُنسيمُس: "اسمَع يا بُولُس، يجب أن أُخبِرَكَ شَيئًا. لا أدري كيفَ سَيَؤولُ الأمر، ولكنِّي أنا عَبْدٌ هَارِب".
ولا بُدَّ أنَّ ذلكَ الخَبَرَ سَحَقَ قَلبَ بولس. فماذا عَساهُ أن يَفعل؟ "وَمن هُوَ سَيِّدُك؟" إنَّهُ فِليمون. وَهُوَ مَسيحيٌّ يَعيشُ في كولوسي". وقد زَادَ هَذا الأمرُ الطِّينَ بِلَّةً. "حَقًّا!" وماذا عَسَى بولس أن يَفعل؟ "حسنًا، اسمَع. إنَّ العُبوديَّةَ شَيءٌ فَاسِدٌ بأيِّ حَال. هَوِّنْ عَليكَ. سوفَ أُبقيكَ هُنا مِن دونِ أن يَعلمَ أحد". أو: "سوفَ نُخفيك". أو: "سوفَ أُرسِلُكَ وأرسِلُ مَعَكَ رِسالة إلى فِليمون أُخبِرُهُ فيها عن رأيي فيهِ بِصِفَتِهِ سَيِّدَ عَبيد". فَرُبَّما يَكتُب لَهُ ما يَلي: "عَزيزي فِليمون، أَعْتِقِ جَميعَ عَبيدِك. فالعُبوديَّةُ مُؤسَّسة فَاسِدَة". أو كانَ بإمكانِ بولُس أن يَقول: "لا! فبحسب هذا المُجتمع، هُناكَ حَالة اجتماعيَّة للسَّادة والعَبيد. وأنتَ عَبْد. وقد عَصَيْتَ قَوانينَ المُجتمع. لِذا، يجب عليكَ أن تَعودَ وتُصَحِّحَ خَطأك". وهذا هو ما فَعَلَهُ. فقد أرسَلَ أُنسيمُس وَحَمَّلَهُ رِسالةً. وهل تَعلمونَ ماذا تَقولُ الرِّسالة: "مَرحبًا يا فِليمون. هَا هُوَ عَبْدُكَ يَعودُ إليك. وَقد كانَ ذَا فائدةٍ عَظيمةٍ لي. وقد قُدْتُهُ إلى يَسوعَ المسيح. أرجو أن تَقبَلَهُ كأخٍ. أَلا قَبِلتَهُ بِنِعْمَةٍ كَعَبْدٍ نَافِعٍ لَك؟ ففي رأيي، سوفَ يَخدِمَكُ الآنَ أفضلَ مِمَّا خَدَمَكَ في أيِّ وقتٍ مَضَى". وهكذا فقد انطلقَ أُنسيمُس وَهُوَ يَحمِلُ الرِّسالة. وكما تَعلمون، لقد كانت تلكَ مُخاطَرة كبيرة لأنَّ العَبيدَ الَّذينَ كانوا يَهرُبونَ في تلكَ الأيَّامِ كانُوا يُعْدَمون، أو كانُوا في أفضلِ الأحوالِ يُدْمَغونَ على جِباهِهم. فقد كانوا يَضعونَ الحَرفَ "هَاء" على جِباهِهِم بِخَطٍّ كبير إشارَةً إلى أنَّهُم هَرَبوا ذاتَ يوم وَفَرُّوا. لِذا فقد كانَ يُمكِنُ أن يَدفعَ ثَمنًا باهِظًا. ولكِنَّ أُنسيمُس الَّذي صَارَ الآنَ عَبْدًا للمَسيحِ رَجَعَ وسَلَّمَ الرِّسالة. ويُخبِرُنا التَّقليدُ الكَنَسِيُّ أنَّ فليمون استَقبَلَهُ بِذراعَيْنِ مَفتوحَتَيْن وأنَّ الكَنيسةَ استَقبَلَتْهُ كأخٍ، مَعَ أنَّهُ بَقِيَ خَادِمًا وَعَبْدًا.
والآن، في كُلِّ رِسالةِ فِليمون، لا يَقولَ بولسُ شَيئًا عنِ العُبوديَّة. فهو لا يَدينُها. وَهُوَ لا يَقُل لفليمون أن يُعْتِقَ أُنسيمُس، بل إنَّهُ يَقبَلُ وَحَسْب الحالةَ الاجتماعيَّةَ الَّتي كانَ أُنسيمُس فيها. وقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ قد يَعودُ ويكونُ عَبْدًا مِن دونِ أن يَكونَ لذلكَ الأمر أيُّ تأثيرٍ سَلبيٍّ في حَياتِهِ المسيحيَّة. والآن، هُناكَ أُناسٌ يَنتقِدونَ بولسَ لأنَّهُ لم يُهاجِم نِظامَ العُبوديَّة. ولكِنَّ النُّقطةَ الجوهريَّة هي التَّالية، يا أحبَّائي: لو أنَّ بولسَ شَجَّعَ على إلغاءِ العُبوديَّة لَصارَ النَّاسُ يَنظرونَ إلى المَسيحيَّةِ كما لو كانت ثَورةً سِياسيَّة. وَلَكانَ المَسيحيُّونَ مَاتوا في الثَّورة. وأودُّ أن أُضيفَ شَيئًا: لو ابتدأَ العَبيدُ المَسيحيُّونَ في إثارةِ الشَّغَبِ في المُجتمَع، لَضاعَتِ القَضيَّة الرَّئيسيَّة؛ أيْ قَضيَّةَ الإيمانِ بيسوعَ المَسيح. والآن، هل تَعلمونَ ما الَّذي حَدثَ في أمريكا؟ في كُلِّ مَرَّة قَرَنَتِ المَسيحيَّةُ نَفسَها بحركةٍ اجتماعيَّةٍ، ضَاعَتِ الرِّسالةُ المسيحيَّةُ تَمامًا. ففي ضَوْءِ الإيمانِ المَسيحيِّ، كانَ تَحريرُ العَبيدِ أمرًا مَحْتومًا. ولكِنَّ الوقتَ لم يَكُنْ قد حَانَ بَعد. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "لا تَهتَمُّوا بحالَتِكُم الأرضيَّة. ولا تَهتمُّوا بحالَتِكُم السَّطحيَّة. فالقضيَّةُ الجوهريَّة دَاخليَّة".
والآن، لِننظُر إلى العدد 22. وهُنا، يَذكُرُ بولسُ مُفارقةً مُدهشةً يَصْعُبُ فَهْمُها إنِ استمرَّيتُم في التَّوَسُّعِ فيها. ولكِنْ إنْ نَظرتُم إليها ببساطة فإنَّها واضحة جدًّا: "لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ، فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ". "لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ [أوْ مَنْ نَالَ الخَلاصَ] وَهُوَ...عَبْدٌ، فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ". هل تَفهَمونَ ذلك؟ بعبارة أخرى، مَا أهميَّةُ أن تَكونَ عَبْدًا مِنَ النَّاحيةِ الإنسانيَّةِ أو عَبدًا مِنَ النَّاحيةِ الجسديَّةِ إنْ كُنتَ مُتَحَرِّرًا مِنَ الخَطيَّة، ومُتَحَرِّرًا مِنَ الشَّيطان، ومُتَحَرِّرًا مِنْ جَهَنَّم، ومُتَحَرِّرًا مِنَ لَعنةِ النَّاموس؟ وما أعنيه هو: ماذا يَهُمُّكَ إنْ كُنتَ تَخدِمُ شَخصًا آخَر؟ أيْ: أنتَ حَقًّا عَتيقُ الرَّبِّ. مِن جِهة أخرى فإنَّهُ يَقول: "كَذلِكَ أَيْضًا الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ [أيِ الشَّخصُ الَّذي نَالَ الخَلاصَ وَهُوَ حُرٌّ] هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيح". وكُلُّ ما يَعنيه ببساطَة هو: "قد تَكونُ عَبدًا جَسديًّا، ولكِنَّكَ حُرٌّ رُوحيًّا. وقد تَكونُ حُرًّا جَسديًّا، ولكِنَّكَ عَبْدٌ رُوحيًّا". بعبارة أخرى، فإنَّهُ يُظْهِرُ حَقيقةَ أنَّهُ لا أهميَّة لهذا الأمرِ خَارجيًّا. فلا يَهُمُّ إنْ كُنتَ عَبدًا أَمْ حُرًّا جَسديًّا، بَلِ المُهِمُّ هو أنْ تَكونَ عَبْدًا أو حُرًّا رُوحِيًّا في المُفارَقَةِ المَسيحيَّة. هل تَفهَمونَ تلكَ المُفارَقة؟ فَبِصِفَتِكَ مَسيحيًّا، أنتَ عَبْدٌ ليسوعَ المَسيح. وبالرَّغمِ مِن ذلك، بِصِفَتِكَ مَسيحيًّا، أنتَ مُعْتَقٌ مِنَ النَّاموسِ، ومِنَ الخطيَّةِ، ومِنَ الشَّيطانِ، ومِنَ الجَحيمِ، ومِنَ اللَّعنة. هل تَفهَمونَ هذهِ المُفارَقَة؟ فهذا هو ما يَقولُه. فالمَسيحُ حَرَّرَكَ تَمامًا لتكونَ عَبْدًا لَهُ. لِذا، لا تَهتَمَّ بالحَالةِ السَّطحيَّةِ الَّتي أنتَ عليها.
والآن، يَتَقَدَّمُ بولسُ خُطوةً أخرى في العدد 23 فيَقول: "قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ، فَلاَ تَصِيرُوا عَبِيدًا لِلنَّاس". لا تَحْسَب نَفسَكَ يَومًا عَبْدًا. صَحيحٌ أنَّكَ قد تَكونُ عَبدًا جَسديًّا، ولكِنْ لا تَقُل: "يجب عليَّ أن أتخلَّصَ مِن قُيودِ عُبوديَّتي". اسمَعوني: أنتُم لَستُم عَبيدًا حَقًّا للنَّاس. فإنْ كُنتَ عَبدًا مَسيحيًّا، فإنَّكَ عَبدٌ مَسيحيٌّ لأنَّ اللهَ وَضَعَكَ هُناكَ. وقد اشتَراكَ بِثمنٍ. وأنتَ عَبدٌ لَهُ وَخَادِمٌ لَهُ. وهذا هو ما قَرأتُهُ لكم سابقًا مِن رسالةِ أفسُس والأصحاحِ السَّادس بخصوصِ أنَّكَ إنْ كُنتَ تَخدِمُ سَيِّدَكَ، افعَل ذلكَ مِنَ القلبِ كَما لو كُنتَ تَخْدِمُ مَن؟ الرَّبَّ. فأنتُم تَخدِمونَ الرَّبَّ في الحَقيقة. ويجب عليكم أن تُطيعوا صَاحِبَ العملِ كما لو كانَ يَسوعَ المَسيحَ المُتَجَسِّد. فهذا هو ما يَعنيه. فإنْ كُنتُ عَبْدًا، فإنَّني أخدِمُ اللهَ. وإنْ كُنتُ حُرًّا، فإنَّني أخدِمُ اللهَ. فالأمرُ ليسَ مُهِمًّا. فقد اشتَراني بِثَمن. وما هو الثَّمن؟ نَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 1: 18 و 19 أنَّ الثَّمنَ هُوَ دَمُ يَسوعَ المَسيح الكَريم، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ. فأنتَ حَقًّا عَبْدٌ للهِ. لِذا، لا تَهتَمَّ بالأمورِ الخارجيَّة.
وَهُوَ يُكَرِّرُ المَبدأَ في العدد 24: "مَا دُعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلْيَلْبَثْ فِي ذلِكَ مَعَ اللهِ". فأيًّا كانتِ الحالَةُ الَّتي دُعيتَ فيها، وأيًّا كانت حَالَتُكَ عندَ فَرْزِكَ، وأيًّا كانت حَالَتُكَ في الحياةِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ الَّتي قَسَمَها اللهُ لَكَ بِمُقتَضى سِيادَتِهِ الإلهيَّة، ابْقَ فيها، واثبُت فيها. فاللهُ وَضَعَكَ هُناكَ لِسبب. والاهتِداءُ ليسَ عَلامةً للإنسانِ بأن يَترُكَ مِهنَتَهُ، أو أن يُفارِقَ زَوجَتَهُ، أو أن يَشعُرَ بالذُّعرِ ويَرغَب في الزَّواج. لا! فالحَياةُ كُلُّها لله. ونحنُ عَبيدٌ لَهُ. وقد وَضَعَنا في أحوالٍ مُختلفَة. ويجب علينا أن نَخدِمَهُ في تلكَ الأحوال. لِذا، لِنُرَكِّز على الخِدمةِ الروحيَّةِ، ونُرَكِّز على الطَّاعة. ولنَترُك الجوانبَ الاجتماعيَّةَ تَهتمُّ بنفسِها حينَ تَتَغَلغَلُ خَميرةُ البِرِّ في المُجتمعِ وتُحدِثُ تَغييرًا.
لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ لأهلِ كورِنثوس: "لا تَجعلوا مُسيحيَّتَكُم سَبَبًا لكَراهِيَّةِ العالَم لَكُم". فإنْ كانَ العالَمُ سَيَرفُضُكم، احرِصُوا على أن يَرفُضوكُم بسببِ يَسوعَ المَسيحِ، لا بسببِ الخَوفِ مِنَ الثَّوراتِ السياسيَّةِ الَّتي قد تُثيرونَها في مُجتمَعِهم. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، كَما شَارَكنا في هذهِ اللَّحظاتِ القليلة، وانتَهى وَقتُنا، فإنَّنا نُدركُ أنَّكَ كَرَّرتَ المَرَّةَ بعدَ المَرَّة هذا المَبدأ. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّنا جَميعًا نُصَارِعُ في قُلوبِنا مِن أجلِ تَطبيقِهِ في حَياتِنا. فبالنِّسبةِ إلى البعض، قد يَكونُ التَّطبيقُ واضحًا جدًّا. فقد يكونُ هُناكَ شخصٌ عَازِبٌ هُنا ويَشعُرُ حَتَّى أنَّ هذهِ العُزوبَةَ هِيَ مَوهبة مِنَ الله، ولكنَّ الآخَرينَ يَضغطونَ عليهِ كي يَتزوَّج. ولكِنْ لَيتَهُم لا يَفعلونَ ذلكَ، يا أبانا، ظَنًّا مِنهُم أنَّ هُناكَ بَرَكَةً أعظم في الزَّواج. ورُبَّما يُوجدُ أشخاصٌ مُتزوِّجونَ، يا أبانا. ولأنَّهُم مُتزوِّجونَ مِن شخصٍ غير مُخَلَّص، قد يكونُ هُناكَ ضَغطٌ عليهم كي يُفارِقوا ذلكَ الشَّخص ولا يَثْبُتوا. ولكِن لَيتَهُم يُدركونَ، يا أبانا، أنَّ مَسيحيَّتَهُم ليسَت سَبَبًا للمُفارَقة. ورُبَّما يوجد مُوَظَّفونَ يَشعرونَ أنَّهُ لِمُجَرِّدِ أنَّهُم صَاروا مَسيحيِّينَ، فإنَّهُ لا يَجوزُ لَهُم أن يَعمَلوا تَحْتِ إِمْرَةِ أيِّ شخصٍ، أو أنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَحتَمِلوا أنْ يَخدِموا الآخَرينَ. ولكِن لَيتَهُم يُدركونَ أنَّهُمْ حَتَّى لو كانُوا عَبيدًا، يجب عليهم أن يَكونوا مَسيحيِّينَ صَالِحينَ كأيِّ شَخصٍ آخرَ في مَوقِعِ المَسؤوليَّة.
وَيا أبانا، رُبَّما يُوجَدُ أشخاصٌ يُريدونَ أن يَتَخَلَّوْا عن يَهودِيَّتِهم، أو حَتَّى أنْ يَفعلوا العَكسَ. ونحنُ نُصَلِّي، يا رَبُّ أنْ لا يَفعلوا ذلك، بل أن يَشكُروكَ على أيِّ حَالٍ هُمْ فيها مِن نَاحيةٍ عِرْقِيَّةٍ أو قَوميَّةٍ كانوا عليها في الماضي لأنَّها قد تُمَكِّنُهم مِنَ الكِرازةِ إلى النَّاسِ الَّذينَ هُمْ جُزءٌ مِن حَياتِهم وتُراثِهم. ويا أبانا، سَاعِدنا على أن نُدركَ أنَّ ما قالَهُ بولُس "فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيه" هُوَ المَبدأُ الَّذي يَنبغي أنْ يَسودَ في حَياتِنا. وعندما يَحْدُثُ تَغييرٌ، أو عندما تأتي الحُريَّة، يُمكِنُنا أن نَستخدِمَ ذلكَ المَبدأ أيضًا. فعندما يَحينُ الوقتُ للعُزَّابِ أن يَتزوَّجوا فإنَّ ذلكَ التَّرتيبَ هو شَيءٌ مَوجودٌ في فِكْرِ الرَّبِّ. ويُمكِنُنا أنْ نَستخدِمَ هذا المَبدأَ أيضًا. ولكِنْ يا أبانا، لَيتنا نُرَكِّزُ دائمًا على الأمورِ المُهِمَّة. لا على الأمورِ الخارجيَّة، بل على الأشياءِ المُختصَّةِ بإطاعَةِ وَصاياكَ وحِفْظِ الحَقِّ كي يَأتي العالَمُ إلى التَّوبةِ وإلى مَعرفةِ الحَقِّ كَما يَرَوْهُ فينا. نُصَلِّي باسمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
