افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مِن فَضلِكَم الآن، ولنَنظُر معًا إلى الأصحاحِ السَّابعِ مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى. لقد تَلَقَّيْتُ رُدودَ فِعْلٍ كثيرة على عِظَةِ صَباحِ يَومِ الأحَد. وكانَ بَعْضٌ مِنها جَيِّدًا، وبَعضٌ مِنها غَريبًا ومُختلِفًا. وقد كانَ الأمرُ مُدهشًا. فهذا المَقطعُ ليسَ مَقطعًا سَهلاً. وإنْ كُنتُم مَعَنا أوَّلَ مَرَّة يَومَ الأحدِ المَاضي، سَتَكونُ نَظرَتُكُم لهذا الموضوعِ غير مُتَّزِنَة. وَحَتَّى إنِّي خُضْتُ نِقاشاتٍ عَديدة معَ زَوجتي لأنَّها كانت مُتَعَجِّبَةً مِنْ رأيي في الزَّواج، ومعَ أُختي الَّتي جَادَلَتْني بقوَّة بخصوصِ ذلك. ولكِنْ يجب عليكم أن تُدركوا أنَّ ما أُحاولُ القِيامَ بِهِ هو أن أُفَسِّرَ لَكُم ما جَاءَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ السَّابع. وهذا لا يَعني أنَّ هذا التَّعليمَ هُوَ كُلُّ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عنِ الزَّواج. ولكِنَّ هَذا التَّعليمَ هُوَ عُنْصُرُ تَوازُن. وقد تَحدَّثنا في الأسبوعِ الماضي، وسَنتحدَّثُ اليومَ عنِ الأسبابِ الَّتي تَدعوكَ إلى البَقاءِ عَازِبًا. وقد أدَّى ذلكَ إلى تَشويشِ أُناسٍ مِنكُم. لِذا، أرجو في هذا الصَّباح أنْ تَفهموا أنَّنا لا نُنَادي بِوُجوبِ عُزوبَةِ الجميع. ونحنُ لا نَقولُ إنَّ الزَّواجَ خَطأ، وإنَّهُ لا يَجوزُ لكَ أن تُفَكِّرَ في الزَّواج. وقد قالت لي بَعْضُ الزَّوجاتِ: "أنا مَسرورة لأنَّ زَوجي لم يَكُنْ حَاضِرًا في الأسبوعِ الماضي لأنَّ ذلكَ كانَ يُمكِنُ أنْ يُدَمِّرَ حَياتَنا". ولكنِّي أرجو أَلَّا يَكونَ هذا صَحيحًا. فأنا أعتقد أنَّهُنَّ كُنَّ يَمْزَحْنَ حينَ قُلْنَ ذلك. ولكنِّي أُحاولُ أن أُبَيِّنَ لَكُم ما يَقولُهُ بولسُ هُنا عن أسبابِ البَقاءِ عَازِبًا. والآن، اسمَحوا لي أن أَعودَ إلى النَّصِّ وأنْ نَنظُرَ معًا فيما نُتابِعُ دِراسَتَنا لِرسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاح السَّابِع.
إنَّ العَلاقَةَ الَّتي صَمَّمَها اللهُ لأغلبيَّةِ النَّاسِ هي الزَّواج. فلا يُوجَد شَكٌّ في ذلك. فالعَلاقَةُ الَّتي صَمَّمَها اللهُ لأغلبيَّةِ النَّاسِ هي الزَّواج. والزَّواجُ حَسَنٌ. الزَّواجُ أمرٌ حَسَنٌ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 7: 2: "لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا". فهذا مَقبولٌ. وهَذا هُوَ مِعيارُ الله. ونَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 18: 22: "مَنْ يَجِدُ زَوْجَةً يَجِدُ خَيْرًا". وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "وَيَنَالُ رِضًى مِنَ الرَّبِّ". فالزَّواجُ شَيءٌ حَسَنٌ. وفي سِفْرِ إرْميا 29: 6، هُناكَ وَصيَّة تَقول: "خُذُوا نِسَاءً وَلِدُوا بَنِينَ وَبَنَاتٍ وَخُذُوا لِبَنِيكُمْ نِسَاءً وَأَعْطُوا بَنَاتِكُمْ لِرِجَال فَيَلِدْنَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ". فقد وَضَعَ اللهُ مِعيارًا لأغلبيَّةِ العَلاقاتِ في الحَياة وَهُوَ أنْ يَتزوَّجَ النَّاسُ. وفي الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوُسَ والأصحاحِ الرَّابع، يَقولُ بولسُ إنَّهُ سَيأتي في الأيَّامِ الأخيرةِ أُناسٌ مُرْتَدُّونَ عنِ الإيمانِ يُنكِرونَ الرَّبَّ ويَمنَعونَ عنِ الزَّواج. ولكِنَّ هَذِهِ هَرْطَقَة. فالزَّواجُ مَقبولٌ لَدى الله. ونحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 13: 4: "لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّمًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ". لِذا فإنَّ اللهَ يَنظُرُ نَظرةَ استِحسانٍ شَديدٍ إلى الزَّواج.
ولكِنَّ الزَّواجَ لا يُلائِمُ الجَميع. فاللهُ أَعطى أُناسًا مُعَيَّنينَ مَوهبةَ البَقاءِ عَازِبين. فَهُمْ لَيْسُوا بِحاجة إلى الزَّواجِ كي يُتَمِّمُوا مَشيئةَ الله. والحَقيقةُ هي أنَّهُ لكي يُتَمِّمُوا مَشيئةَ اللهِ بِمِلئِها، مِنَ الأفضلِ أنْ يَبْقَوْا عَازِبين. والسَّببُ في أنِّي أعتقدُ أنَّ هذهِ الدِّراسةَ مُهمَّةٌ هو أنَّ الكنيسةَ تَميلُ إلى وَصْفِ الأشخاصِ العَازِبينَ بأنَّهُم غير طَبيعيِّين. ولكِنَّ هذا غير صَحيح لأنَّ اللهَ أعطى أُناسًا مُعَيَّنينَ أن يَبْقَوْا عَازِبين. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّابعِ مِن هذا الأصحاح: "لأَنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ كَمَا أَنَا". فَهُوَ يَقولُ: "أتَمَنَّى أنْ يَكونَ الجَميعُ عَازِبين". "لكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ مَوْهِبَتُهُ الْخَاصَّةُ مِنَ اللهِ. الْوَاحِدُ هكَذَا" [أيْ الواحِدُ عَازِبٌ مِثلي] "وَالآخَرُ هكَذَا" [أيْ مُتزَوِّجًا]. فهُناكَ أشخاصٌ أُعْطوا هِبَةَ الزَّواجِ، وآخرونَ أُعْطوا مَوهبةَ البَقاءِ عَازِبين.
فالعُزوبةُ هي مَوهِبَةٌ خَاصَّةٌ مِنَ الله. ولا حَاجَةَ إلى النَّظَرِ إلى الأشخاصِ العَازِبينَ كما لو كانوا أشخاصًا مُختَلِفينَ، وغَريبي الأطوارِ، وغيرَ طَبيعيِّين، وغيرَ مُشْبَعين، وغيرَ مُؤهَّلينَ لخِدمة مُعيَّنة. مُطلَقًا! بل في الحَقيقة هل تَعلمونَ شَيئًا؟ أنَّ الأشخاصَ العَازِبينَ ليسوا عَازِبينَ حَقًّا لأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَسْكُنُ فيهم. فَهُمْ أُعْطُوا مَوهبةً خاصَّةً مِنَ اللهِ كي يَعمَلوا في جَسَدِ المَسيح.
والآن، في رِسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح السَّابع، يُعالِجُ بولسُ قَضايا في كورِنثوس تَختصُّ بالزَّواجِ أوِ العُزوبة. فقد كانَ اليهودُ في كورِنثوس يَقولونَ إنَّهُ يجب عليكَ أن تَتزوَّج. وكانَ بعضُ الفَلاسِفةِ اليُونانِيِّينَ يَقولونَ إنَّكَ تَستطيعُ أن تَكونَ مُكَرَّسًا أكثرَ للهِ وأنْ تَكونَ رُوحِيًّا أكثرَ إنْ كُنتَ عَازِبًا. وبولسُ يَقولُ إنَّ هَذا ليسَ مُهِمًّا. فهي ليست قَضيَّة مُهِمَّة. فهو يَقولُ في العدد 20: "اَلدَّعْوَةُ الَّتِي دُعِيَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ فَلْيَلْبَثْ فِيهَا". وفي العَدد 24: "مَا دُعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلْيَلْبَثْ فِي ذلِكَ مَعَ اللهِ". وفي العَدد 27: "أَنْتَ مُرْتَبِطٌ بِامْرَأَةٍ، فَلاَ تَطْلُبِ الانْفِصَالَ. أَنْتَ مُنْفَصِلٌ عَنِ امْرَأَةٍ، فَلاَ تَطْلُبِ امْرَأَةً". بِعبارة أخرى: ابْقَ مُتزوِّجًا أوِ ابْقَ عَازِبًا. فكِلاهُما حَسَنٌ. وَلا صِلَةَ لأيٍّ مِنهُما بالمُستوى الرُّوحِيِّ. فاللهُ أَعطَى أُناسًا مَوهبةَ العُزوبةَ، وَشَاءَ أنْ يَتزوَّجَ آخَرون. وبالرَّغمِ مِن وُجودِ اختِلافٍ بينَ الأمرَيْن، لا يُمكِنُ القولَ إنَّ هذا الخِيارَ حَسَنٌ وإنَّ الخِيارَ الآخَرَ سَيِّئ، بل إنَّ اللهَ هُوَ مَنْ وَضَعَ هذا التَّرتيب.
والآن، لقد قالَ بوضوح إنَّهُ بالنِّسبةِ إلى فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ، العُزوبةُ قَرارٌ سَليم؛ ولكِن ليسَ للجَميع. فبالنِّسبة إلى أُناسٍ، العُزوبةُ هي القَرارُ السَّليم. ولكنَّهُ لا يُريدُ أن يَأتي ويقول إنَّ الزَّواجَ رائعٌ، وإنَّ الزَّواجَ هُوَ كُلُّ شيء، وإنَّهُ يجب على كُلِّ شخصٍ أن يَتزوَّجَ لأنَّ ذلكَ يَعني تَجاهُلَ حَقيقةِ أنَّ اللهَ يُريدُ مِن أُناسٍ مُعَيَّنينَ أن يَبْقَوْا عَازِبين. لِذا، بعدَ أن قالَ إنَّ الزَّواجَ رَائعٌ، وإنَّهُ يجب عليكم أن تَقوموا بواجِبِكُم على أكملِ وَجهٍ في الزَّواج، وإنَّهُ لا يَجوزُ لكَ أن تَترُكَ زَوجَتَكَ كي تَكونَ مَسيحيًّا صَالِحًا، وإنَّكَ لستَ مُضطرًّا إلى القيامِ بذلك، بعدَ أن يَقولَ كُلَّ ذلك، يَقولُ مِنْ جِهَةٍ أخرى: "على النَّقيضِ مِن ذلك، يُمكِنُكَ أن تَكونَ عَازِبًا وأن تَشعُرَ بالاكتِفاءِ التَّامِّ إنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبة".
وأعتقدُ أنَّ بولسَ يَعلمُ أنَّ الأشخاصَ العازِبينَ الَّذينَ يَملِكونَ المَوهبةَ سيَتعرَّضونَ للضَّغطِ لأنَّ المُجتمعَ يَظُنُّ أنَّ الزَّواجَ هُوَ المِعيار. لِذا، سوفَ يَتعرَّضُ العَازِبونَ للضَّغطِ كي يَتزوَّجوا. فهُناكَ ضَغْطٌ كَهذا. وأعتقِد أنَّهُ يأتي في المَقامِ الأوَّلِ مِنَ الأُمِّ والأبِ اللَّذانِ يُريدانِ أن يَضغَطا على أولادِهم كي يَتزوَّجوا. ثُمَّ إنَّهُ يأتي مِنْ ضَغْطِ الرِّفاقِ إذْ إنَّ الجَميعَ يَجِدونَ شَريكًا في حين أنَّكَ بِدونِ شَريك. وحينئذٍ، يَبتدئُ هذا الضَّغطُ بالازدياد. ثُمَّ إنَّكَ تَذهبُ إلى كَنيسةٍ فتَجِدُ أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَدورُ حَولَ العائلةِ، وأنَّ كُلَّ الأنشطةِ تَدورُ حَولَ العائلةِ وتَتَمَحوَرُ حَولَ العائلة، وأنَّ الأشخاصَ العَازِبينَ خَارِجَ المُعادَلَة، وأنَّ النَّاسَ يَنظرونَ إليهم كَما لو أنَّهُم يَنتمونَ إلى بُعْدٍ آخَر. وَهكذا فإنَّ الضَّغطَ يَستمِرّ. وأعتقد أنَّ ما يَقولَهُ بولس هُنا مُهِمٌّ جدًّا جدًّا لأنَّهُ يَنبغي للكنيسةِ أن تُدركَ أنَّ اللهَ قد وَهَبَ أُناسًا مُعَيَّنينَ مَوهبةَ البَقاءِ عَازِبينَ، وأنَّ العُزوبةَ ليست أقَلَّ شَأنًا مِنَ الزَّواج. فهي شَيءٌ مُختلِف. وهي خُطَّتُه.
وَهُوَ يُريدُ أن يُشَجِّعَ الأشخاصَ الَّذينَ يَملِكونَ تلكَ المَوهبة. وهذهِ هي النُّقطة الجَوهريَّة الَّتي يَنبغي أن تَفهموها جَيِّدًا: أنَّ العُزوبةَ مَوهبة. وإنْ لم تَكُن تَملِكُ تلكَ المَوهبة، تَزَوَّج لأنَّكَ لن تَجْني أيَّ فائدة مِن مُحاولةِ البَقاءِ عَازِبًا وخِدمةِ الرَّبِّ إنْ كانَ كُلُّ ما تُفَكِّرُ فيهِ هُوَ الزَّواج. فالزَّواجُ أفضَلُ مِنَ التَّحَرُّق (كَما يَقولُ هُناكَ...في العددِ التَّاسِع). لِذا، فإنَّ الحَديثَ هُنا مُوَجَّهٌ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَملكونَ تلكَ المَوهبة. فإن كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة فإنَّ بولسَ يَقول: "مَارِسْها". وفي الأعداد 25-40 يَذكُرُ بولسُ خَمسةَ أسبابٍ لِمُمارَسَةِ تلكَ المَوهبة أو خَمسةَ أسبابٍ للبَقاءِ عَازِبًا إنْ كُنتَ تَملِكُ تلكَ المَوهبة. وتَذَكَّروا، يا أحبَّائي، أنَّ الشَّرطَ هُو: إنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبة. فأنا لا أَملِكُ تلكَ الموهبة، والأغلبيَّةُ مِنكُم لا يَملكونَ تلكَ المَوهبة. ولكِنْ إنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبةَ، هذهِ هي الأسبابُ الخَمسةُ الَّتي تُشَجِّعُكَ على البَقاءِ عَازِبًا:
السَّببُ الأوَّلُ (وَسوفَ نُراجِعُ الأسبابَ الثَّلاثةَ الأولى): ضَغْطُ النِّظام... ضَغْطُ النِّظام. فَهُوَ يَقولُ في العَدد 26: "فَأَظُنُّ أَنَّ هذَا حَسَنٌ لِسَبَبِ الضِّيقِ الْحَاضِرِ". فَمِنَ الحَسَنِ أن تَبقى عَازِبًا بسببِ العُنفِ الحَاضِر. فقد كانَ هُناكَ اضْطِهادٌ وَشيكٌ. وقد كانَ بمقدورِ بولسَ أنْ يَرى ذلك. فقد كانَ حُدوثُ ذلكَ الأمر مَسألةَ وَقْتٍ فقط. وقد كانَ يُدركُ أنَّ الأشخاصَ المُتزوِّجينَ سيُعانونَ أكثرَ بكثير تحتَ الاضطهاد. لماذا؟ لأنَّ الزَّوجاتِ سيتألَّمْنَ بسببِ مَوتِ أزواجِهِنَّ، ولأنَّ الأزواجَ سيتألَّمونَ بسببِ مَوتِ زَوجاتِهم، ولأنَّ الأولادَ سيتألَّمونَ بسببِ مَوتِ آبائِهم وأُمَّهاتِهم. وسوفَ تُؤدِّي الرَّوابِطُ العائليَّةُ إلى جَعلِ الألمِ والكَرْبِ والقَلقِ والضَّغطِ أعظَمَ عندَ حُدوثِ اضطِهاد. وسوفَ يُؤدِّي الصِّراعُ المَريرُ بينَ الشُّعورِ بالواجِبِ مِنْ نَحْوِ خِدمةِ اللهِ والعاطفةِ تُجاهَ العائلةِ إلى تَمزيقِ النَّاس. لِذا، في المُجتمعاتِ الصَّعبة، وفي بيئاتِ الاضطهادِ، مِنَ الأفضلِ أن تَبقى عَازِبًا (كَما يَقولُ) إنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبةَ لأنَّكَ لن تُعاني بسببِ ذلكَ الضَّغطِ الرَّهيبِ الَّذي سَيُمارِسُهُ العَالَمُ المُضْطَهِدُ عليكَ.
النُّقطةُ الثَّانية (وقد تَحَدَّثنا عن هذهِ النِّقاطِ بالتَّفصيل في المَرَّةِ السَّابقة، ولكنِّي أُذَكِّرُكُم بها وَحَسْب): مَشاكِلُ الجَسَد. فالسَّببُ الثَّاني إنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبةَ للبَقاءِ عَازِبًا هي مَشاكِلُ الجَسد. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 28، في مُنتصفِ العَدد: "وَلكِنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ يَكُونُ لَهُمْ ضِيقٌ فِي الْجَسَدِ. وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُشْفِقُ عَلَيْكُمْ". فإنْ كُنتَ مُتزوِّجًا، لا بأسَ في ذلك، وَلا مُشكلة في ذلك. فأنتَ لا تُخطئ إنْ تَزوَّجْتَ (كَما يَقولُ في العَدد 28)، ولكِنْ سيكونُ لَكَ ضِيقٌ. والكلمة "جَسَد" تَعني: طَبيعَتُنا البَشريَّة. فسوفَ يَكونُ هُناكَ ضِيقٌ بَشَرِيٌّ. وسوفَ يَكونُ هُناكَ كَرْبٌ بَشَرِيٌّ. وسوفَ نَتألَّمُ بسببِ المَشاكِلِ القَديمةِ النَّاجِمَةِ عَن طَبيعَتِنا البشريَّة. والزَّواجُ، في أغلبِ الأحيانِ، أو عَادَةً، يُفاقِمُ الضَّعفَ البَشريَّ. فإنْ كُنتُما مُتزوِّجان، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُما سَتُواجِهانِ المَتاعِب. فلا بُدَّ أنْ تُواجِها المَتاعِبَ في بَيتِكُما مَعَ زَوجَتِكَ، وَمَعَ زَوْجِكِ، ومعَ أولادِكُما. فالزَّواجُ يَزيدُ مِن حِدَّةِ مَشاكِلِ الحَياة. صَحيحٌ أنَّ الزَّواجَ ليسَ مُشكلةً في ذاتِهِ، وَهُوَ ليسَ سَيّئًا البَتَّة، بل هُوَ شَيءٌ رائعٌ ونِعمةٌ عندما يَكونُ بِحَسَبِ النَّموذَجِ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ، ولكِنْ لا بُدَّ أنْ تَأتي أوقاتٌ عَصيبةٌ فيه.
أمَّا السَّببُ الثَّالثُ الَّذي يَذكُرُهُ بخصوصِ البَقاءِ عَازِبًا إنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبةَ فهو: زَوالُ العَالَم. ففي نِهايةِ المَطاف، الزَّواجُ جُزءٌ فقط مِن صُورةِ أو هَيئةِ هذا العَالَم. وَهي هَيئةٌ زَائِلَةٌ في جَميعِ الأحوال. فهو يَقول: "لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ لَهُمْ نِسَاءٌ كَأَنْ لَيْسَ لَهُمْ، وَالَّذِينَ يَبْكُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَبْكُونَ، وَالَّذِينَ يَفْرَحُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَفْرَحُونَ، وَالَّذِينَ يَشْتَرُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ، وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ".
بِعبارة أخرى، إنَّ كُلَّ هَذهِ الأشياء هي جُزءٌ مِنَ العَالَم: أيِ المُتَعُ الَّتي في العَالَمِ، والأشياءُ الَّتي في العَالَم، والعَواطِفُ الَّتي في العَالَم، والعَلاقاتُ الَّتي في العَالَم. فإنْ كَانَ بِمَقدورِكَ أن تَتحرَّرَ مِن هذهِ الأشياء، ستَكونُ أقَلَّ تَعَلُّقًا بالعَالَم. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ في الأسبوعِ المَاضي أيضًا. لِذا، "اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ". فإنْ كُنتَ عَازِبًا فَكِّرْ وَحَسْب في أنَّكَ لستَ مُضطَرًّا إلى الانهِماكِ تَمامًا بالعالَم، وَلا إلى الانشغالِ تَمامًا بالعَواطِفِ النَّاجمةِ عنِ العَلاقاتِ الحَميمَةِ الَّتي تَنشَأُ في الزَّواج، ولا إلى الانهِماكِ بالحاجةِ إلى شِراءِ الأشياءِ والانغماسِ في الأنشطةِ الدُّنيويَّة. وأنا لا أعني بذلكَ أنَّهُ مِنَ الخطأ أن تَستمتِعَ بحياتِكَ، أو أنَّهُ مِنَ الخطأ أن تَشتري الأشياءَ، أو أنَّهُ مِنَ الخطأ أن تَكونَ عَاطِفيًّا، أو أنَّهُ مِنَ الخَطأ أن تَتزوَّج. كَلَّا. ولكِنَّ كُلَّ ما في الأمر هو أنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ نَوعًا مِنَ الاقتِران. وَهُوَ اقتِرانٌ بِعالَمٍ زَائِل. فَلا يُوجَدُ زَواجٌ في السَّماء. فَهُوَ شَيءٌ زَائِلٌ وَحَسْب.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ ببساطَة: إنْ كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، هذا يَعني وَحَسْب إنَّكَ لستَ مُضطرًّا إلى التَّشَبُّثِ بالعَالَمِ كَما يَفعلُ الشَّخصُ المُتزوِّج. وهذا لا يَعني التَّشَبُّثُ بطريقة سَيِّئة، وَلا يَعني أنَّ العَالَمَ شِرِّير، بل يَعني فقط أنَّهُ يَجِبُ عليكَ أن تَشتري بُوليصَةَ تَأمين وَأنْ تُنفِقَ مَالَكَ على ذلكَ الشَّيء لكي يَتَمَكَّنَ شَريكُ حَياتِكَ في حَالِ مَوتِكَ مِنَ الاعتِناءِ بأولادِك. ويجب عليكَ أن تُنفِقَ مَالَكَ على تَعليمِهم. ويجب عليكَ أن تَشتَرِك في التَّأمينِ الصِّحِّيِّ أو أن تُخَصِّصَ مَبلَغًا مِنَ المَالِ لكُلِّ الحاجاتِ الماديَّةِ العائليَّة. ويجب عليكَ أن تَشتري بَيتًا أكبر، وسَيَّارةً أكبر، وأنْ تُوَفِّرَ المَزيدَ مِن هذا، والمَزيدَ مِن ذاكَ لأنَّكَ تُعيلُ عَدَدًا أكبرَ مِنَ الأشخاصِ مِنْ حَولِك. ويجب عليكَ أن تَكونَ مُرهَفَ الحِسِّ للحَاجاتِ النَّفسيَّةِ، والحَاجاتِ العَاطِفيَّةِ، والحَاجاتِ الرُّوحِيَّة. فَهُناكَ كَثافة في تلكَ الحالَة. وهُناكَ انهِماكٌ في كُلِّ مَا يَتَطَلَّبُهُ الزَّواج. فهذا هو كُلُّ ما يَقولُه. فإنْ كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبَةِ ولستَ مُضطرًّا إلى الزَّواج، مِنَ الأفضلِ أن تَبقى عَازِبًا.
حسنًا إذًا. إذا كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، فإنَّهُ يَقولُ: "ابْقَ عَازِبًا بسببِ ضَغطِ العَالَم، وبسببِ مَشاكِلِ الجَسَد، وبسببِ زَوالِ العَالَم". واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم سَبَبًا رابِعًا. وسوفَ نَبتَدِئُ مِنَ العَدد 32 حيثُ تَوقَّفنا. وهذه النُّقطة الرَّابعة تُدَعِّمُ فِكرةَ البَقاءِ عَازِبًا بسببِ الأُمورِ الَّتي تَشغَلُ بَالَ الأشخاصِ المُتزوِّجين. فإنْ بَقِيَ الشَّخصُ عَازِبًا فإنَّهُ لن يَنهَمِكَ في التَّفكيرِ في الأمورِ الَّتي تَشغَلُ بَالَ المُتزوِّجين. وقد تَقول: "حَسَنًا! وَما هي الأُمورُ الَّتي تَشغَلُ بَالَ المُتزوِّجين؟ فَما الأمورُ الَّتي تَشغَلُ بَالَهُم؟" والجَوابُ هُوَ أنَّ كُلَّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَنْشَغِلُ بالآخَر. انظُروا إلى العَدد 32: "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ". وَما يَعنيهِ بذلك هُوَ أنْ تَكونوا مُتَحَرِّرينَ مِنَ القَلَق. "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ. غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ يَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ كَيْفَ يُرْضِي الرَّبَّ، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ يُرْضِي [مَنْ؟] امْرَأَتَهُ. فاهتِمامُهُ مُنْقَسِمٌ". وإنْ نَظرتُم إلى كِتابِكُم المُقَدَّسِ، إلى نِهايةِ العَدد 33، ولم تَجِدوا هذهِ العِبارة، اكتُبوا: "فاهتِمامُهُ مُنْقَسِمٌ". فهذه العِبارة مَوجودة في أَدَقِّ المَخطوطات. فأدَقُّ المَخطوطاتِ تَقول: "كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ. فاهتِمامُهُ مُنْقَسِمٌ". والآن، ما الَّذي يَعنيه هُنا؟ إنَّهُ يَقول: "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ"؛ أيْ: "أُريدُ أن تَكونوا مُتَحَرِّرينَ مِنَ القَلَق". ويَقولُ "لايتفوت" (Lightfoot): "الرَّجُلُ الَّذي يَكونُ بَطَلاً يَصيرُ شَخصًا جَبانًا حينَ يُفَكِّرُ في أنَّ زَوجَتَهُ قد تَصيرُ أَرمَلَةً وأنَّ أولادَهُ قد يَصيرونَ يَتَامَى".
فَهُناكَ هُمومٌ مُعَيَّنة تَشغَلُ ذِهنَكَ عندما تَتزوَّج. فلا بُدَّ أنْ يَهْتَمَّ الرَّجُلُ المُتزوِّجُ بالأمورِ الَّتي تَخُصُّ زَوجَتَه. أمَّا الشَّخصُ الأعزَبُ أو غير المُتزوِّج (بحسب العدد 32) فيَهتمُّ بالأشياءِ الَّتي تَخُصُّ الرَّبَّ؛ أيْ كيفَ يُرضِي الرَّبَّ. وهذا شَيءٌ مُحتَمَلُ الحُدوثِ يا أحبَّائي. فهو لا يَعني أنَّ كُلَّ شخصٍ أعزَب مُكَرَّسٌ تَمامًا ليسوع، بل يَعني أنَّهُ يَملِكُ القُدرةَ على تَكريسِ نَفسِهِ تَمامًا. فهُناكَ عَدَمُ التِهاءٍ تَنْطَوي عليهِ حَياةُ الشَّخصِ غير المُتزوِّج. فهُناكَ شَيءٌ واحدٌ فقط يَشغَلُ ذِهنَهُ وهو عَلاقَتُهُ بالرَّبِّ. أمَّا الشَّخصُ المُتزوِّج فلديهِ أمورٌ عَديدَة تَشغَلُ ذِهنَهُ، ولا سِيَّما: الرَّبّ والعائلة. وهذا لا يَعني أنَّ الزَّواجَ سَيِّئ، بل إنَّ كُلًّا مِنَ العُزوبةِ والزَّواجِ حَسَنٌ، وَكِلاهُما رَائِعٌ، وكِلاهُما مِنْ عِنْدِ الله. ولكِنَّهُما أمرانِ مُختَلِفَان. وهُناكَ عَدَمُ القُدرةِ على تَركيزِ الذِّهنِ على أمرٍ واحدٍ في الزَّواج. فاهتماماتُ الرَّجُلِ المُتزوِّجِ مُنقَسِمَة.
وهَذا يُذَكِّرُني بِما جاءَ في إنجيل لُوقا 14: 20 حينَ دَعا يَسوعُ النَّاسَ إلى اتِّباعِه. وَهُوَ يَقولُ لهذا الشَّخص: "تَعالَ واتْبَعْني". فَقَالَ ذلكَ الشَّخص: "إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ". وأنا أتساءَلُ كَم عَدَدُ المَرَّاتِ الَّتي حَدَثَ فيها ذلك حَولَ العَالَمِ في تَاريخِ الكنيسة إذْ إنَّهُ كانت تُوجَدُ خِدماتٌ وفُرَصٌ مَفتوحَة، ولكِنَّ أشخاصًا كانوا قد تَزَوَّجوا ولم يَتمكَّنوا مِنَ الذَّهاب. وقد تَقول: "وهل كانَ مِنَ الخَطأِ أن يَتزوَّجوا؟" لا، لم يَكُن ذلكَ خَطأً، ولكِنْ رُبَّما كانَ مِنَ الأفضلِ (إن كانوا يَملِكونِ مَوهبةَ العُزوبةِ) أنْ يَبْقَوْا عَازِبينَ لأنَّ ذلكَ كانَ سَيَمنَعُ حُدوثَ تلكَ المُشكلة.
وسوفَ أُقَدِّمُ لَكُم مُلاحظةً مُدهشةً. فهذه هي المَوهبةُ الروحيَّةُ الوحيدةُ المَوجودةُ في الكتابِ المقدَّسِ ولَديكَ الخِيارُ في استخدامِها. أليسَ هذا الأمرُ مُدهِشًا؟ فهي المَوهبةُ الوحيدةُ الَّتي يُوجَدُ خِيارٌ فيها لأنَّهُ يَقولُ: "لكِنَّكَ وَإِنْ تَزَوَّجْتَ [في العَدد 28] لَمْ تُخْطِئ". ولكنِّي أُشَجِّعُكُم بِكُلِّ تأكيد على أنَّكَ إذا كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، استَخدِمها. ولكِنَّ اللهَ لن يَجعَلَ الزَّواجَ يَومًا خَطِيَّةً.
فقد تَسَلَّمْتُ رِسالةً مِن أحدِ الأشخاصِ في الأسبوعِ الماضي يَقولُ فيها إنَّ هُناكَ خَطِيَّة في الزَّواج. ولكِنَّ المَرءَ لا يَقتَرِف أيَّ خَطيَّة حينَ يَتزوَّج. فلا تُوجَد أيُّ خَطيَّة في أن تَتزوَّج؛ إلَّا إنْ تَزَوَّجْتَ أو تَزَوَّجْتِ مِن شَريكٍ غير مُؤمِن. ولكِنَّ الزَّواجَ في ذاتِهِ شَيءٌ حَسَنٌ. وَلا تُوجَدُ خِطِيَّة في ذلك. ولكِنَّ العُزوبةَ هي المَوهبةُ الوَحيدةُ الَّتي أعلَمُ أنَّكَ تَمْلِكُ الخِيارَ في استخدامِها. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّ هُناكَ أشخاصًا لو كانوا حَقًّا مُرهَفي الحِسِّ للرَّبِّ لَبَقَوْا عَازِبينَ ونَافِعينَ جدًّا، ولكِنَّهُم (كَما جَاءَ في إنجيل لُوقا 14: 20) تَزَوَّجوا زَوجةً. ولا خَطأَ في ذلك. ولكِنْ رُبَّما كانَ اللهُ سيَستخدِمَهُم استخدامًا مُختلِفًا. ورُبَّما سيَستخدِمُهم في زَواجِهم بطريقة مُماثِلة، ولكِنَّ ذلكَ الاحتِمالَ قَائِمٌ.
حسنًا! إن لم تَكُن مُتزوِّجًا، مِنَ المُحتملِ أن تَهتمَّ فقط بالأشياءِ المُختصَّةِ بالرَّبِّ، وكيفَ تُرضيه لأنَّكَ ستَكونُ مُكَرَّسًا لَهُ فَقَط وبالكامِل. ولكِنْ (بحسب العَدد 33) إن كُنتَ مُتزوِّجًا، فإنَّكَ تَهتمُّ بالأمورِ المُختصَّةِ بالعالَم، وكيفَ تُرضي زَوجَتَكَ. واهتِماماتُكَ مُنقَسِمَة. وَهذا يَصِحُّ أيضًا على المَرأة. ونحنُ نَقرأُ في العدد 34 كَلِماتٍ يَنبغي أنْ تُحذَف. فالكلمات: "إِنَّ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْعَذْرَاءِ فَرْقًا" يَنبغي أنْ تُحذَفَ وأنْ يُوضَعَ مَكانهُا "فاهتِمامُهُ مُنقَسِم". وأحدُ الأسبابِ الَّتي تَدفَعُني إلى قَولِ ذلكَ هُوَ أنَّ لدينا مَخطوطاتٌ تَمَّ اكتشافُها بعدَ انتِهاءِ تَرجمةِ الملك جيمس تُبَرهِنُ لنا على أنَّ القِراءةَ الصَّحيحةَ هُنا هي (كما قُلتُ قبلَ قَليل): "كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ، فاهتِمامُهُ مُنقَسِم". ثُمَّ إنَّ النَّصَّ يُتابِعُ في العدد 34 بالكلمة "كذلكَ". لِذا فإنَّها جُملة جَديدة تُقرأُ هَكذا: "كذلكَ العَذراءُ وغيرُ المُتزوِّجةِ تَهتمَّانِ بأمورِ الرَّبِّ وَهَدَفُهُما أن تَكونا مُقَدَّسَتَيْنِ جَسَدًا ورُوحًا. أمَّا المُتزوِّجَةُ فتَهتمُّ بأمورِ العَالَمِ وَهَدَفُها أن تُرْضِي زَوجَها". ومَرَّةً أخرى، إنَّهُ يَقولُ وَحَسْب إنَّ هُناكَ انقسامًا هُنا. وهذا لا يَعني أنَّ الزَّواجَ خَطأ، ولكِنْ هُناكَ اهتماماتٍ مُنقَسِمَة.
فالشَّخصُ العَازِبُ (ذَكَرًا كَان أَمْ أُنثى) يَملِكُ القُدرةَ الكاملةَ على تَركيزِ ذِهنِهِ وتَكريسِ نَفسِهِ للرَّبِّ وخِدمَتِه. أمَّا الشَّخصُ المُتزوِّجُ فينبغي لَهُ أن يَهتمَّ بعائلَتِهِ لأنَّ اللهَ يُوصيهِ بذلك. وفي الوقتِ نَفسِه، يجبُ عليهِ أن يَهتمَّ بأمورِ الرَّبِّ. والآن، ستُلاحِظونَ شَيئًا مُدهشًا. فالنَّصُّ يَقولُ في نِهايةِ العَدد 35 إنَّ هذا الشَّخصَ هُوَ "مِنْ دُوْنِ ارْتِباكٍ". فالشَّخصُ العَازِبُ لا يَنْشَغِلُ عن خِدمةِ الرَّبِّ. فَكَم مَرَّةً، على سَبيلِ المِثالِ، خِلالَ حَياتِكَ (وَلا سِيَّما إذا كُنْتَ مُتزوِّجًا مِن زَوجةٍ غيرِ مُؤمِنةٍ) عَانيتَ فيها بسببِ مُحاولةِ إرضاءِ الشَّريكِ غيرِ المُؤمِن ومُحاولةِ خِدمةِ الرَّبِّ؟ أو رُبَّما تَكونُ مُتزوِّجًا مِن زَوجةٍ رائعةٍ، وخارِقَة، ومُميَّزة، وتَسلُكُ في الرُّوح، ولكنَّكَ تُدركُ بالرَّغمِ مِن هذا كُلِّه أنَّ واجِباتِكَ العائليَّةَ تَمنَعُكَ أحيانًا مِنَ القيامِ بأمورٍ أخرى كانَ بمقدورِكَ القيام بها لَو لم تَكُن مُتزوِّجًا؟ ولا شَكَّ في أنَّكَ تَستطيعُ القيامَ بأمورٍ أخرى لا يُمكِنُكَ أن تَقومَ بها لو كُنتَ عَازِبًا أيضًا. فلِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ إيجابيَّاتٌ وسَلبيَّات.
ولكِنَّ هذا هو ما يَقولُهُ بولُس. فالشَّخصُ المُتزوِّج لَديهِ اهتِماماتٌ مُنقَسِمَة. ولكن انظُروا إلى العَدد 34: "غَيْرُ الْمُتَزَوِّجَةِ تَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ" سَواءٌ أَكانَت عَزْباءَ أو غير مُتزوِّجة. فَهِيَ "تَهْتَمُّ فِي مَا لِلرَّبِّ لِتَكُونَ مُقَدَّسَةً جَسَدًا وَرُوحًا" مِنْ جِهَةِ القُدرة. وما مَعنى ذلك؟ إنَّ الكلمة "مُقَدَّس" تَعني بأبسَطِ مَعانيها: "مُفْرَز". وأعتقد أنَّ هذا هُوَ ما يَقولُه. فَهُوَ لا يَقولُ إنَّ الأشخاصَ العَازِبينَ مُقَدَّسينَ أكثرَ مِنَ الأشخاصِ المُتزوِّجين. فهل هذا صَحيح؟ وما شَأنُ القَداسَةِ في ذلك؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا شَأنَ لَها بالحَالةِ الاجتماعيَّة، بل بِبِرِّ اللهِ الَّذي يُحْسَبُ لَك. أليسَ كذلك؟ وهُناكَ عَازِبونَ كثيرونَ لَيْسُوا مُقَدَّسينَ. وهُناكَ مُتزوِّجونَ كثيرونَ مُقَدَّسون. لِذا فإنَّ ذلكَ ليسَ المِعيار. ولكِنَّ ما يَقولَهُ هو إنَّ الشَّخصَ غير المُتزوِّج يَستطيعُ أنْ يَكونَ مُفْرَزًا للرَّبِّ جَسديًّا ورُوحيًّا. فلا يُوجَدُ التِصاقٌ جَسديٍّ بالمَعنى الجَسديِّ، ولا حَاجَةَ إلى إشباعِ الجَسد، ولا تُوجَد مُعَوِّقاتٌ رُوحيَّة. فهُناكَ حُريَّة مُعيَّنة وتَكريسٌ مُعَيَّن. فهذا هو ما يَتحدَّثُ عنه.
والآن تَذَكَّروا أنَّ هذا الكَلامَ مُوَجَّهٌ فقط إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَملكونَ المَوهبة. فإنْ لم تَكُن تَملِكُ المَوهبة (كَما جاءَ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوسَ والأصحاحِ 5): "فَأُرِيدُ أَنَّ الْحَدَثَاتِ يَتَزَوَّجْنَ". دَعْهُنَّ يَتزوَّجْنَ لأنَّكَ إنْ لم تَسْمَح لَهُنَّ بذلك سَيَبْطُرْنَ لاحِقًا ويُحْدِثْنَ المَشاكِل. لِذا، دَعْهُنَّ يَتزوَّجْنَ. ولكِنْ إنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبةَ، ابْقَ عَازِبًا. فهُناكَ فُرصةٌ وإمكانيَّةٌ لتكريسِ الجسدِ والرُّوحِ؛ وهُما فُرصةٌ وإمكانيَّةٌ فَريدتان. "وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجَةُ فَتَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ تُرْضِي رَجُلَهَا". وهذا حَسَنٌ. فينبغي لها أن تَفعلَ ذلك. ولكِنْ يُوجَدُ خِياران.
والآن، اسمَحوا لي أن أُضيفَ العَدد 35 لأنَّ بولسَ فَعَلَ ذلك؛ وهذا مُهِمٌّ: "هذَا أَقُولُهُ لِخَيْرِكُمْ". فقد يَشعُرُ أُناسٌ بالتَّشويش لو لم يَقُل ذلك. لِذا فإنَّهُ يَقول: "أنا أقولُ لَكُمْ هَذا الأمرَ وَحَسْب لِخَيرِكُم. "لَيْسَ لِكَيْ أُلْقِيَ عَلَيْكُمْ وَهَقًا" أو أُنْشُوطَة. فأنا لا أَضَعُ أُنْشُوطَةً نَامُوسِيَّةً عَليكُم، بل أُريدُ مِنكُم أن تَعلَموا ما هُوَ الأمرُ الحَسَن: "بَلْ لأَجْلِ اللِّيَاقَةِ وَالْمُثَابَرَةِ لِلرَّبِّ مِنْ دُونِ ارْتِبَاكٍ". فأنا لا أقولُ ذلكَ كي تَبْقَوْا عَازِبين. فحتَّى لو كُنتَ تَملِكُ المَوهبةَ للقيامِ بذلك، فإنَّها ليسَت وَصِيَّةً، وهي لا تَعني أنَّهُ يجبُ عليكَ أنْ تَبقى عَازِبًا وَإلَّا فإنَّكَ سَتَنْدَم؛ بل إنَّكَ تَمْلِكُ حَقَّ الاختِيار، وتَملِكُ الحُريَّةَ، وتَملِكُ حُريَّةَ الإرادَة. وأنا أقولُ لَكُم ذلكَ وَحَسْب لِخَيرِكُم. فإنْ كُنتَ تَملِكُ المَوهبةَ، مِنَ الخيرِ لَكَ أنْ تَستخدِمَها. ومَرَّةً أخرى، أوَدُّ أن أُشيرَ إلى حَقيقةِ أنَّ هذه هي المَوهبة الوَحيدة الَّتي أعلَمُ أنَّها تُتيحُ هذا الخِيار.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّكَ تَملِكُ في نِهايةِ المَطافِ القُدرةَ على تَكريسِ نَفسِكَ دُونَ مُعَوِّقاتٍ للرَّبِّ إنْ أردتَ أنْ تَستفيدَ مِن ذلك. وأنا لا أقولُ ذلكَ كي أَفرِضَ عَليكُم قُيودًا نَاموسيَّة. وأنا لا أقولُ ذلكَ على سَبيلِ الأمرِ ولا أَضَعُ أُنشُوطَةً حَولَ أعناقِكُم وأُعَلِّقُكم مِنها. بل أنا أقولُ ذلكَ لَكُم وَحَسْب. فأنا لا أُحاوِلُ أنْ أَضَعَ قُيودًا عَليكُم، بل أريدُ مِنكُم وَحَسْب أنْ تَعلموا أنَّ العُزوبةَ تُتيحُ لَكُم أنْ تَخدِموا الرَّبَّ مِنْ دُونِ الانهِماكِ بأمورٍ أخرى. واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً تَوضيحيًّا على ذلك. افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على إنجيل لُوقا والأصحاح 10. فرُبَّما يُحاولُ بَعضٌ مِنكُم أن يُمْعِنَ فِكْرَهُ بَحْثًا عن مَثَلٍ تَوضيحيٍّ. لِذا، إليكُم هذا المَثَل التَّوضيحيّ في لوقا 10. وهذه قِصَّة رائعة هُنا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل لوقا 10: 38: "وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ دَخَلَ قَرْيَةً، فَقَبِلَتْهُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا مَرْثَا فِي بَيْتِهَا". فنحنُ نَقرأُ هُنا عن يَسوعَ. وَهُوَ في بَيتِ هذهِ المَرأةِ الرَّائعةِ الَّتي تُدعَى "مَرْثا". "وَكَانَتْ لِهذِهِ أُخْتٌ تُدْعَى مَرْيَمَ، الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَكَانَتْ تَسْمَعُ كَلاَمَهُ". فعندما كانَ يَسوعُ يأتي إلى بيتِهم ويجَلَسُ، كانت مَريمُ تَجلِسُ عندَ قَدميهِ وتَسمَعُ كُلَّ كلمةٍ وتَتأمَّلُ فيها. "وَأَمَّا مَرْثَا [في العَدد 40] فَكَانَتْ مُرْتَبِكَةً فِي خِدْمَةٍ كَثِيرَةٍ". فقد كانت مَرثا مَشغولةً في الأعمالِ المَنزليَّةِ وتَحضيرِ كُلِّ شَيء. وهل هُناكَ أيُّ خَطأ في إعدادِ وَجْبَةِ طَعامٍ؟ كَلَّا! فهذا حُسْنُ ضِيافَةٍ يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. وهل ذلكَ حَسَن؟ إنَّهُ حَسَن. فإنْ جاءَكَ ضَيفٌ وأَطعَمتَهُ فإنَّ ذلكَ رائع. وقد كانت مَرثا مُنهَمِكَةً في ذلك. "فَكَانَتْ مُرْتَبِكَةً فِي خِدْمَةٍ كَثِيرَةٍ. فَوَقَفَتْ". وإليكُم ما قَالَتْهُ للمَسيح؛ وَهُوَ أمرٌ مُدهشٌ جدًّا: "يَا رَبُّ، أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدُمُ وَحْدِي؟" أيْ: يا رَبُّ، هل يَهُمُّكَ أنِّي أُعِدُّ المائدةَ بنفسي في حين أنَّ أُختي تَجلِسُ هُنا؟ أَلا يُضايِقُكَ ذلك؟ "فَقُلْ لَهَا، يا رَبُّ، أَنْ تُعِينَنِــي!"
وهذا يُعطيكُم فِكرةً عنِ السُّلطَةِ الَّتي كانت مَرثَا تَشعُرُ أنَّها تَمْلِكُها على مَريم. وقد كانَ يَنبغي لها أن تَطلُبَ مِن يَسوعَ أنْ يَقولَ لها ذلك. "أَلا أَخْبَرْتَها مِن فَضلِك أنْ تُساعِدَني في تَحضيرِ المائِدة؟" فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَها: "مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ". وَهُوَ يَعني ضِمْنِيًّا أنَّ تلكَ الأمورَ الكثيرةَ ليست مُهِمَّة. لِمَ تَقولُ ذلكَ يا ماك آرثر؟ العَدد 42: "وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى [ماذا؟] وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا". فأنا لن أقولَ لها شَيئًا. فهي تَفعلُ ما يَنبغي لها أن تَفعل؟ فما الشَّيءُ الَّذي تُفَضِّلُه: أنْ تَحصُلَ على كلمةِ اللهِ أَمْ على عَشاءٍ بَارِد؟ أم عَشاءٍ سَاخِن؟ أنا أُفَضِّلُ الحُصولَ على كلمةِ اللهِ وعَشاءٍ بَارِد (أو حَتَّى عَدَم الحُصولِ على عَشاء) عِوَضًا عنِ الحُصولِ على عَشاءٍ سَاخِنٍ مِن دونِ الحُصولِ على كلمةِ الله. فهذا هو المَعنى الضِّمنيّ. فقد كانت تَفعلُ الصَّواب.
وكَما تَرَوْن، فقد كانت مَريمُ تُرَكِّزُ على الهَدف. أليسَ كذلك؟ فهي لم تَكُن تُبالي بالمائدة والأمورِ المُحيطة بها، ولا بأيِّ شَيءٍ يَجري في المَطبخ. فكُلُّ ما كانت تُريدُهُ هو أن تُكَرِّسَ نَفسَها تَمامًا ليسوعَ المَسيح. ولكِنَّ الأمرَ لم يَكُن كذلكَ بالنِّسبةِ إلى مَرثا. فقد كانت تُفَكِّرُ في يَسوعَ الَّذي يَجلِسُ هُناكَ، وفي كُلِّ الأمورِ الأخرى مِن حَولِها. وهذا مَثَلٌ جَيِّدٌ وَحَسْب على حَقيقةِ أنَّهُ لا يُوجَد أيُّ خَطأ في أن تَكونَ مِضْيافًا؛ ولكِنَّ ذلكَ قد يُؤدِّي (كَما حَدَثَ في هذهِ الحالة) إلى انقِسامِ التَّكريس. أليسَ كذلك؟ وهذا هو ما يَعنيهِ بولُس. ونحنُ نَشكُرُ اللهَ على الأشخاصِ الَّذينَ لَديهم ذلكَ الاهتِمام الواحِد.
فعندما زُرْتُ "كِيْتُو" في الإكوادور (وحَظَيْتُ بذلكَ الامتيازِ العَظيمِ في الالتقاءِ والتَّواصُلِ مَعَ "ريتشيل سينت" (Rachel Saint)، تلكَ المرأة الرَّائعة الَّتي كَرَّسَتْ حَياتَها كُلَّها لِهُنودِ الأوكا (Auca Indians) هَؤلاء. فهي امرأة فَذَّة. وأنا أُفَكِّرُ كثيرًا في نَفسي قَائِلًا إنَّ الأشخاصَ غير المُتزوِّجين رُبَّما كانوا أكثرَ الأشخاصِ اكتِفاءً لأنَّهُم ليسوا بحاجة إلى شخصٍ آخرَ يُكَمِّلُهم. وهي شَخصٌ كَامِلٌ بِذاتِها بِقوَّةِ الرُّوح. وهي تَعيشُ هُناكَ مَع أولئكَ الهُنود. وهي تَخدِمُ هُناكَ وتُغَيِّرُ مُجتَمَعًا بأسرِه للمَسيح. وَطَوالَ تَاريخِ الكَنيسة، هُناكَ دائمًا أشخاصٌ كَثيرونَ يَملِكونَ تلكَ الموهبة وذلكَ التَّكريسَ للمَسيح. وأنا أَشكُرُ اللهَ لأجلِهم. فَهُناكَ سَبَبٌ (كَما تَرَوْنَ) لامتِلاكِ مَوهبةِ العُزوبةِ والتَّرحيبِ بها. فَهُناكَ ضَغْطُ النِّظامِ، ومَشاكِلُ الجَسَد، وزَوالُ العَالَم، وانشِغالُ المُتزوِّجين. فعندما تَتزوَّج، هُناكَ انقِسامٌ في حَياتِك. وهذا لا يَعني أنَّ الزَّواجَ سَيِّءٌ، ولكنَّها الحَقيقة وَحَسْب.
والآن خَامِسًا؛ وهذا هو السَّببُ الأخيرُ الَّذي يَذكُرُهُ للأشخاصِ العَازِبينَ في لائحةِ الأسبابِ الَّتي تَدعوهُم إلى البَقاءِ عَازِبينَ إنْ كانوا يَملِكونَ تلكَ المَوهبة. فالسَّبَبُ الخَامِسُ هُو دَوام الاتِّحاد. فعندما تَتزوَّج، تَبقى مُتزوِّجًا ويَنتهي الأمر. فلا تُوجَد عَودة إلى الوَراء. العَدد 39. لِننظُر إلى العَدد 39. وسوفَ نَعودُ لاحقًا إلى الأعدادِ الأخرى: "الْمَرْأَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ مَا دَامَ رَجُلُهَا حَيًّا". وهذا وَقتٌ طَويل. فَهُوَ شَيءٌ يَدومُ مَدى الحَياة. وقد تَساءَلَ أُناسٌ عن سَببِ وُجودِ هذا المَقطَعِ هُنا (أيِ العَدَدَيْن 39 و 40). وهُناكَ آراءٌ كَثيرة في هذا الشَّأن. ولا أعتقِد أنَّني أستطيعُ أن أُقَدِّمَ لَكُم تَفسيرًا جَازِمًا لسببِ وُجودِ هذا المَقطعِ هُنا، ولكنِّي سأقولُ لكم ما أُوْمِنُ به. فأنا لا أعتقدُ أنَّهُ مَقطَعٌ مُنعَزِل. فهُناكَ مَن يَقولُ إنَّهُ يُقْحِمُهُ رَدًّا على سُؤالٍ يَختصُّ بالأرامِل. ولكنِّي لا أعتقدُ ذلك. ولكنِّي أعتقدُ بصورة رئيسيَّة أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ يُجيبُ عن تلكَ المسألة فإنَّهُ مَوجودٌ هُنا كَسَبَبٍ آخرَ للبَقاءِ عَازِبًا. لِماذا؟ بسببِ دَيمومَةِ الزَّواج. فَمِنَ الأفضلِ أنْ تَبقى عَازِبًا إنْ كُنتَ تَملِكُ تلكَ المَوهبة. فَمِنَ الأفضلِ أن تَبقى عَازِبًا لأنَّكَ مَا إنْ تَتزوَّج حَتَّى يُحْسَمَ الأمرُ ولا تَعودُ قادِرًا على استِغلالِ تلكَ الفُرصة مَرَّةً أخرى. لِذا، فَكِّرْ مَلِيًّا قبلَ أن تَتزوَّج. فالزَّواجُ شَيءٌ دَائِمٌ. وحَالَما تُقْحِمُ نَفسَكَ فيه فإنَّكَ تَبقى عَالِقًا فيه.
والآن، أنا لا أقولُ إنَّ كُلَّ شخصٍ مُتزوِّجٍ هُوَ شَخصٌ عَالِقٌ، ولكِن يوجدُ أشخاصٌ مُتزوِّجونَ وَعالِقونَ. وأنتُم تَعلمونَ ذلك. وهذا لا يَعني أنَّ الزَّواجَ أمرٌ سَيِّءٌ، ولكنَّهُ أمرٌ دَائِمٌ. وهُناكَ زِيْجاتٌ سَيِّئة. فَكما تَعلمونَ، قد تَتزوَّج مِنِ امرأةٍ تَتَشَبَّثُ بِكَ كَثيرًا فَتَعْجَزُ عَنِ القِيامِ بأيِّ شَيء. وأنا أَعرِفُ رِجالاً يُمْكِنُهُم أن يَخدِموا الرَّبَّ لو أَعْتَقَتْهُمْ زَواجاتُهم وَقتًا كَافِيًا. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 21: 9 إنَّ اَلسُّكْنَى فِي زَاوِيَةِ السَّطْحِ خَيْرٌ مِنَ السُّكنى معَ امْرَأَةٍ مُخاصِمَةٍ في بيتٍ كَبير. وصَدِّقوني أنَّهُ يُوجدُ أشخاصٌ يَبحثونَ عن تلكَ الزَّوايا. فكما تَعلمونَ، مِنَ الأفضلِ أن تَجلِسَ وَحيدًا في زَاويةٍ على أن تَتزوَّجَ مِنِ الشَّخصِ غير المُناسِب. أليسَ كذلك؟ استَمِعوا إلى العَدد 19: "اَلسُّكْنَى فِي أَرْضٍ بَرِّيَّةٍ خَيْرٌ مِنِ امْرَأَةٍ مُخَاصِمَةٍ حَرِدَةٍ". لِذا فإنَّكُم تَسمعونَ في أحيان كثيرة رَجُلاً يَقول: "يجب أن أخرُج. يجب أن أخرُج. يجب أن أبقى وَحيدًا". فَالسُّكْنَى فِي أَرْضٍ بَرِّيَّةٍ خَيْرٌ مِنِ امْرَأَةٍ مُخَاصِمَةٍ حَرِدَةٍ.
وما الَّذي أعنيه بذلك؟ أنا أَعني أنَّهُ في أغلبِ الأحيان، قد يَصيرُ الزَّواجُ قَيْدًا...قَيْدًا سَلبيًّا. صَحيحٌ أنَّهُ قَيْدٌ بالمَعنى الإيجابِيِّ، وأنَّهُ قَيْدٌ مُفْعَمٌ بالمَحبَّة، وأنَّهُ قَيْدٌ يَمنَحُنا شُعورًا بالاكتِفاءِ والمَغزى والسَّعادة، ولكنَّهُ قَيْدٌ دَائِم. وعندما كانَ يَسوعُ يَتحدَّثُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 19 إلى التَّلاميذ وقالَ لَهُم كيفَ أنَّ الزَّواجَ دَائمٌ. وقد قالَ أيضًا: "إنَّ مَنْ تَزَوَّجَ..." أو بالأحرى: "إنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي"، وَعندما رَاحَ يُشَدِّدُ على ذلك؛ أيْ على أنَّ الزَّواجَ رِباطٌ مَتينٌ، وإنَّهُ لا يُمكِنُ أنْ يُفسَخَ لأيِّ سَبَبٍ غير الزِّنَى، كانَ رَدُّ فِعْلِ التَّلاميذ على ذلكَ هُوَ كَالتَّالي: "إِنْ كَانَ هكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ [أيْ أنَّ الزَّواجَ دَائِمٌ]، فَلاَ يُوافِقُ أَنْ يَتَزَوَّجَ". فَقال: "[هَذا صَحيح، ولكِن] لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هذَا الْكَلاَم". لِذا فقد وَصَلوا إلى نَفسِ النَّتيجةِ بأنَّ دَيمومَةَ الزَّواج هي سَبَبٌ وَجيهٌ للبَقاءِ عَازِبًا إنْ كُنتَ تَملِكُ تلكَ المَوهبة لأنَّهُ حَالَما تَتزوَّج فإنَّ المَسؤوليَّاتِ والوَاجِبات الَّتي تُرافِقُ زَواجَكَ تَصيرُ مُلْزِمَةً وينبغي لكَ أن تَقومَ بها.
والآن، أوَدُّ أن أُضيفَ إلى ذلك، يا أحبَّائي، أنَّني أنظُرُ إلى زَواجي كَصَداقَة ورِفْقَة. وهَذا يُرَجِّحُ كَفَّةَ كُلَّ العَوامِلِ السَّلبيَّةِ المَوجودةِ مِنْ زَاويةِ الخِدمةِ لأنِّي لا أستطيعُ أن أعيشَ مِن دونِ زَوجَتي لأنِّي أُحِبُّها، وأُحِبُّ أولادي، ولا يُمكِنُني أن أعيشَ بأيِّ طَريقةٍ أخرى. ولكِنَّ كُلَّ ما نُشيرُ إليهِ هُنا هو العَوامِل الرَّئيسيَّة للاتِّحاد؛ لا إلى مَوقِفِنا مِنه. فيُمكنُنا أن نَرى أنَّ الزَّواجَ شَيءٌ دائِمٌ، وأنَّكَ إذا كُنْتَ مُتزوِّجًا يَنبغي أن تَبقى مُتزوِّجًا، ولكِنَّ ذلكَ لا يَعني أنَّهُ شَيءٌ سَيِّء. فقد يَكونُ شَيئًا حَسَنًا، ولكِنَّ المَبدأَ يَبقى قائمًا. أليسَ كذلك؟ فهو شَيءٌ دائِمٌ. وَهُوَ يَقولُ وَحَسْب ما يَلي: "إذا كُنتَ تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، فَكِّر في ذلك لأنَّكَ إذا اخترتَ يَومًا أن تَتزوَّج فإنَّهُ سيَكونُ قَرارًا نِهائيًّا ولا يُمكِنُكَ أن تَتَحَرَّرَ مِنْهُ إلَّا في حَالِ حُدوثِ مَوت".
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 39: "وَلكِنْ إِنْ مَاتَ رَجُلُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ، فِي [مَاذا؟] في الرَّبِّ فَقَطْ". "في الرَّبِّ فقط". ونَقرأُ في رُومية 7 الشَّيءَ نَفسَهُ. فالشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يَفسَخُ الزَّواجَ هُوَ الموت. وقد تَحَدَّثَ يَسوعُ بِكُلِّ تأكيد عَنِ الطَّلاق. وقد أَضافَ بولسُ مُفارَقَةَ الشَّريكِ غيرِ المُؤمِن. ولكِنْ بِمَعزِلٍ عنِ الزِّنى...بِمَعزِلٍ عن ذلك في الزَّواجِ المَسيحيِّ، لا يُوجَد فِكاكٌ مِنَ الزَّواج. فهو رِباطٌ دَائم. لِذا، حَالَما تَتَّخِذُ القَرارَ (كَما يَقولُ) فإنَّهُ قَرارٌ نِهائِيٌّ. وعندما نُزَوِّجُ النَّاسَ فإنَّهُم يَقولونَ: "إلى أنْ يُفَرِّقَنا المَوتُ". وهذا هو مَا قَصَدَهُ اللهُ. ففي النِّهاية، يُمكِنُكَ أن تَتزوَّج، ولكِن يُمكِنُكَ فقط أن تَتزوَّجَ شَريكًا مُؤمِنًا. فهُناكَ مَبدأٌ جَوهريٌّ هُنا يا أحبَّائي وَهُوَ: "في الرَّبِّ فقط". وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ يُسْمَحُ للمُؤمِنينَ أن يَتزوَّجوا مُؤمِنين. فقد قالَ أحدُ الأشخاصِ، وقد قَرأتُ ذلكَ في مَكانٍ مَا في هَذا الأسبوع، فقد قالَ أحدُ الأشخاصِ: "هَذا هُوَ أفضلُ قَرارٍ، ولكِنْ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ اللهَ يَسمَحُ لَنا في حَالاتٍ كثيرة أن نَتزوَّجَ غيرَ مُؤمِنينَ كي نُبَشِّرَهُم". ولكنِّي لا أُوْمِنُ بذلك. فأنا لا أُوْمِنُ بأنَّ الزَّواجَ هُوَ أرضٌ مُناسبة للكِرازَة. فإنْ قَرَّرْتَ أن تَتزوَّجَ شخصًا غيرَ مُؤمِن فإنَّكَ تَقولُ لِذلكَ الشَّخص غير المُؤمِن في الحَقيقة: "المَسيحيَّة مُهِمَّة لي، ولكنَّها ليست مُهِمَّة جدًّا". أليسَ كذلك؟ لأنَّها لو كانت مُهِمَّة حَقًّا لَتَزَوَّجْتَ شخصًا مُؤمِنًا لو كانتِ الشَّركةُ المَسيحيَّةُ تَعني لكَ الكَثير.
استَمِعوا إلى ما جاءَ في سِفْرِ التَّثنية والأصحاحِ السَّابع. فهذا هو مِعيارُ اللهِ مُنذُ وقتٍ طَويلٍ جدًّا: "مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ [كي يُهَيِّئَ الأرضَ لَكَ]: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ... [وأنا أَتوقَّعُ مِنكُم أن تَعرِفوا تَهجِئَةِ كُلِّ هذهِ الكَلماتِ لأنَّها ستأتي في الامتِحان] "...وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا". فحينَ تَذهبونَ إلى هُناك، يجب عليكم أن تَتَخَلَّصُوا مِن الشُّعوبِ الوَثنيَّة.
والآن، اسمَعوا: "وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ. بْنَتَكَ لاَ تُعْطِ لابْنِهِ، وَبِنتْهُ لاَ تَأخُذْ لابْنِكَ. لأَنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى". وأحيانًا في الزَّواجِ المُختَلَط، قد يَنالُ أحدُ الشَّريكَيْنِ الخَلاص. ولكِن في أغلبِ الأحيانِ لا يَحدُث ذلك، بل إنَّ الشَّريكَ المُؤمِنَ يَنجَرِفُ وراءَ الشَّريكِ غيرِ المُؤمِن. ومُنذُ وَقتِ كِتابَةِ الأصحاحِ السَّابِعِ مِن سِفْرِ التَّثنية، لم يَتغيَّر ذلك. وإذا فَتَحتُم على رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية والأصحاحِ السَّادسِ فإنَّ بولسَ يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ تَمامًا: "لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ...أيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟" فَهذا غيرُ مَنطِقِيٍّ.
لِذا فإنَّ الزَّواجَ دَائمٌ. والطَّريقَةُ الوَحيدَةُ للفِكَاكِ مِنهُ هي المَوت. ثُمَّ إنَّهُ في حَالِ المَوتِ، فإنَّهُ يَقولُ للأرامِلِ هُنا إنَّهُ يُمكِنُهُنَّ أنْ يَتزوَّجْنَ "في الرَّبِّ فقط". ولكِنَّنا نَقرأُ في العَدد 40: "وَلكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هكَذَا، بِحَسَبِ رَأيِي" إنْ كانَت تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبةِ أصلاً. "وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ". وَما يَقولُهُ هُنا بِبَساطَة هُوَ أنَّهُ كانَ يُوجَدُ أُناسٌ كَثيرينَ مِنَ اليَهودِ يَقولون: "إنَّ اللهَ يُريدُ مِنكُم أن تَتزوَّجوا". وكانَ هُناكَ مَن يَقول: "إنَّ رُوحَ اللهِ يُوصيكُم بأنْ تَبْقَوْا عَازِبين". وبولسُ يَقول: "أنا أقولُ لكم أُمورًا عَديدةً. وأنا أيضًا عِندي رُوحُ اللهِ على غِرارِهُم". وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا بأسلوبٍ تَهَكُّمِيٍّ. والكلمة "وأَظُنُّ" هي تَرجمة للكلمة "دوكيئو" (dokeo). وهي "لَعَلِّي" في تَرجمةِ الملك جيمس. وهي تَرجمة غير مُوَفَّقة. فكأنَّ بولسَ يَقول: "حسنًا، لَعَلِّي أنِّي أنا أيضًا عِندي رُوحُ اللهِ". ولكِنَّ بولسَ لا يَقولُ ذلك، بل يَقول: "أنا أيضًا عِندي رُوحُ اللهِ حَتَّى إنِّي أُقَدِّمُ لَكُم الإعلانَ الإلهيَّ". وهي كلمة شَائعة تُستخدَمُ للإشارة إلى شَيءٍ مُؤكَّدٍ تَمامًا.
حسنًا إذًا، هل ينبغي للمرءِ أن يَبقى عَازِبًا؟ أجل! فإنْ كانَ يَملِكُ تلكَ المَوهبة، أجل. لماذا؟ بسببِ كُلِّ هذهِ الأسباب. لِذا كانَ مِنَ المُهِمِّ أن يَقولَ ذلكَ لأهلِ كورِنثوس. وقد يَقولُ أغلبيَّةُ العَازِبينَ: "حسنًا، هذا جَيِّدٌ جدًّا". ولكِنْ يُوجَدُ عَامِلٌ آخَر. فهُناكَ عَامِلٌ آخَر في هذا الأمرِ بِمُجمَلِه وَهُوَ مَذكورٌ في الأعداد مِن 36 إلى 38، وَهُوَ يَختصُّ بالآباء. فكما تَعلمونَ، لقد كانَتِ الزِّيجاتُ تُرَتَّبُ مِنْ قِبَلِ الآباء. ولا يُمكِنُكَ أن تَكتُبَ مَقطَعًا كامِلاً إلى العَازِبينَ مِن دونِ أن تَقولَ أيَّ شَيءٍ للآباء. وأيُّها الآباءُ، أرجو أن تَجدوا أنَّ هذا المَقطَعَ يُخاطِبُكم. فهو يُخاطِبُني حَقًّا.
ففي مُجتمعِ العهدِ القديم، كانَ الزَّواجُ المُرَتَّبُ سَلَفًا هُوَ العُرْفُ السَّائِد. لِذا، لا بُدَّ أن يُخاطِبَ بولسُ الآباء. وقد كانَ ذلكَ شائعًا في المُجتمعِ الرُّومانِيِّ. فهل تَعلمونَ أنَّهُ في المُجتمعِ الرُّومانِيِّ، كانَ الآباءُ يَختارونَ شَريكَ الحَياة لأولادِهم؟ والحَقيقةُ هي أنَّهُ في تَاريخِ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّة، يُقالُ إنَّ واحدًا مِن الأسبابِ الأولى لانهيارِ السُّلطةِ الرُّومانيَّةِ هو أنَّ الآباءَ الرُّومانَ فَقَدوا حَقَّ التَّصَدِّي لرَغَباتِ أولادِهم في الزَّواج. فقد أدَّى ذلكَ إلى انهيارِ البيتِ. وقد كانت تلكَ هي البِذرةُ الَّتي أدَّتْ إلى انهيارِ كُلِّ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانِيَّة. لِذا، حَتَّى في المُجتمعِ الرُّومانِيِّ في هذا الوقتِ، فإنَّ الآباءَ هُمُ الَّذينَ يَختارون. وفي العهدِ القديمِ، كانَ الآباءُ اليهودُ هُمُ الَّذينَ يَختارون. فمثلاً، كانت هَاجَرُ هي الَّتي اختارَتْ زَوجَةً لإسماعيل. وكانَ إبراهيمُ هو الَّذي اختارَ زَوجَةً لإسحاق. وكانَ يَهوذا هو الَّذي اختارَ ثَامار لتكونَ زَوجَةً لابنِهِ عِيْر. فهذهِ كُلُّها أُمورٌ شائعةٌ في العهدِ القديم. وقد قِيلَ ليعقوبَ إلى أيِّ عَائلةٍ يَنبغي أن يَذهب. أليسَ كذلك؟ كي يَجِدَ زَوجَةً. وقد كانت هُناكَ بِضْعَةُ خِياراتٍ لأنَّهُ كانت تُوجَدُ بِضْعُ بَناتٍ يُمكِنُه أنْ يَختارَ واحِدَةً مِنْهُنَّ. وقد عَمِلَ سَبْعَ سِنين فزَوَّجوهُ مِنَ الفتاةِ الَّتي لا يُريدُها بعدَ أنْ أَلبَسوها بُرقُعًا. وأريدُ أن أقولَ لكم، أيُّها الشَّباب: إن أردتُم أن تَتزَوَّجوا فَتاةً تَحَقَّقوا مِنْ هُويَّةِ الفَتاةِ المُختَبِئَةِ تحتَ البُرقُعِ قبلَ أنْ تَتَزَوَّجوا. ارفَعوا ذلكَ البُرقُع.
ولكِنَّ اختِيارَ شَريكِ حَياةٍ للأولادِ كانَ أمرًا مَتروكًا للعائلة. وحَتَّى إنَّهُ تُوجَدُ حَالاتٌ كانَ فيها المَلِكُ أوِ الكَاهِنُ يَختارُ زَوجَةً لشخصٍ مَا. فقد أَعطى فِرْعَوْنُ زَوجَةً ليوسُف في سِفْرِ التَّكوين والأصحاح 41. وقد أعطى فِرعونٌ آخر زَوجَةً لِهَدَد الأَدُومِيّ في سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 11: 19. وقد اتَّخَذَ يَهُويَادَاعُ الكَاهِنُ زَوْجَتَيْنِ للمَلِكِ الشَّابِّ يُوآش في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني 24: 3. وَهُوَ لم يَصْنَعْ مَعَهُ مَعروفًا بقيامِهِ بذلك مَعَ أنَّهُ كانَ رَئيس الكَهَنَةِ على كُلِّ الشَّعب؛ ولكِنَّ هذا هو ما حَدث. فقد كانَ الزَّواجُ شَيئًا يَقومُ بِهِ الأبَوَيْن. ويُخبرُنا التَّاريخُ أنَّهُ في نَحوِ سنة 500 قبلَ الميلاد، ابتدأتْ وَسيطاتُ الزَّواجِ بالظُّهور، وقد كُنَّ يُدْعَيْنَ "شَادخان" (shadchan) أي: "الخَطَّابَات". فقد كانت هَؤلاءِ الخَطَّاباتِ مُتاحاتٍ وَحَسْب. هل تَذكرونَ فيلم "فيدلر على السَّطْح" (Fiddler in the Roof)؟ "أيَّتُها الخَطَّابَة، أيَّتُها الخَطَّابة، اعثُري لي على زَوْج". فقد كانَ هذا هو تَمامًا ما تَفعَلُهُ الخَطَّاباتُ اليهوديَّات. فعندما تَبلُغُ ابنَتُكَ سِنَّ الزَّواجِ، تَذهبُ إلى الخَطَّابة وتقول: "أريدُ زَوجًا لابنَتي بالمُواصَفاتِ كَذا وَكَذا وكَذا". وفجأةً، تَنظُرُ الخَطَّابَةُ إلى لائِحَةِ الأشخاصِ المُتاحين. ولا أدري إنْ كانَ الأمرُ شَبيهًا بِصَفِّ المَشْبوهين حيثُ يَقِفُ الأزواجُ المُحتَمَلونَ في صَفٍّ واحدٍ كي تَختاري مِنهُم زَوجًا! ولكِنَّ الأمرَ كانَ يَحدُثُ هكذا تَقريبًا. وهذا أمرٌ تَاريخيّ. فقد كانتِ العائلةُ تَعْمَلُ على إتمامِ الزَّواجِ مِن خِلالِ خَطَّابَة. هل أعجَبَتْكُنَّ الفِكرةُ أيَّتُها الفَتيات؟ هل هو أمرٌ مُدهش؟
وهُناكَ مَنْ يَرَوْنَ أنَّهُ في تاريخِ بَني إسرائيلَ القَديم، لم يَكُن للعَروسِ أوِ العَريسِ أيُّ رأيٍ بهذا الخُصوص إذْ يُقالُ إنَّ رأيَ الفتاةِ والشَّابِّ لم يَكُن يُؤخَذُ نِهائيًّا بعينِ الاعتبار. ولكنِّي لا أعتقدُ ذلك. فأنا أعتقدُ مِن خلالِ ما نَراهُ في الكتابِ المقدَّسِ أنَّ الرَّجُلَ كانَ لَهُ رأيٌ بهذا الخُصوص. فلم يَكُنِ الأمرُ يَقتصِر على أنَّ أباهُ يأتي في يومِ الزَّواجِ وَيَقولُ لَهُ: "ها هي عَروسُك". "آه، مَرحبًا. لقد سُرِرْتُ بِلِقائِك". فالأمرُ لم يَكُن يَحدُثُ هَكذا. كذلك، لم يَكُن الأبُ يَقولُ لابْنِه: "سَوفَ تَتزوَّجُ الفَتاةُ الفُلانِيَّة". "كَما تَشاء". أو: "أنا لا أُبالي بِما تُريد. يجب عليكَ أن تتزوَّجَها". لم يَكُنِ الأمرُ يَحدُثُ هكذا. فَمِنَ الواضحِ أنَّ الشَّابَّ كانَ يَمْلِكُ حَقَّ الاختيارِ نَوعًا مَا. وهُناكَ بِضْعُ شَواهِد على ذلك، ولكِن أعتقد أنَّهُ يَكفي أن نَنظُرَ إلى ما جاءَ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل 18: 20: "وَمِيكَالُ ابْنَةُ شَاوُلَ أَحَبَّتْ دَاوُدَ، فَأَخْبَرُوا شَاوُلَ، فَحَسُنَ الأَمْرُ فِي عَيْنَيْهِ. وَقَالَ شَاوُلُ: «أُعْطِيهِ إِيَّاهَا...". فنحنُ هُنا أمامَ مَثَلٍ على فَتاةٍ أحَبَّتْ شَابًّا، وعلى شَابٍّ أحَبَّ فَتاةً فوافَقَ أبوها على زَواجِهما. لِذا، لم يَكُن مِنَ المُستَغْرَبِ أنْ يَحدُثَ أمرٌ كَهذا.
لِذا، أعتقد أنَّهُ معَ أنَّ الزَّواجَ المُرَتَّبَ مِن قِبَلِ العائلةِ كانَ هُوَ الأمرُ الشَّائعِ في المُجتمَع، كانَتْ هُناكَ عَادَةً عَلاقَةُ حُبٍّ، أو غَالبًا عَلاقَةُ حُبٍّ ومُوافَقَة مِنَ الشَّابِّ والفَتاة. ويُعَبِّرُ سِفْرُ نَشيدِ الأنشادِ عن عَلاقَةِ حُبٍّ رائعة بينَ شَخصَيْن. ولم يَكُنِ الأمرُ مُجَرَّدَ مَصَالِحَ سِياسيَّة. ولم يَكُن مُجَرَّدَ اتِّفاقٍ بينَ الآباءِ والأُمَّهات. فقد كانت مُوافَقَةُ الشَّابِّ تُؤخَذُ بعينِ الاعتبار. وأنا على يَقينٍ أيضًا بأنَّ مُوافقةَ الفَتاةِ كانت تُؤخَذُ بعينِ الاعتبارِ أيضًا.
فقد كانَ الزَّواجُ يَحدُثُ بالطَّريقةِ التَّالية: فقد كانَ الأبُ يُقَرِّرُ ذلك. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ الأُمَّ كانت تُوافِقُ، وأنَّ الأولادَ كانوا يُوافِقونَ إلى حَدٍّ مَا. ورُبَّما كانت هُناكَ أوقاتٌ لم يَكُنِ الآباءُ يأخُذونَ رأيَ الأبناء، ولكِنْ في أوقاتٍ أخرى، كانَ رَأيُهُم يُؤخَذُ بعينِ الاعتبار. وقد كانَ هذا هو النَّمَطُ العامّ.
لِذا، عندما تَأتونَ إلى رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى تَجِدونَ أنَّ بولسَ يَكتُبُ إلى هؤلاءِ المَسيحيِّينَ الَّذينَ كانوا يَعيشونَ وَفْقًا لذلكَ النَّمَطِ إنْ كانوا يَهودًا. وقد كانَ هذا هو أيضًا النَّمَطُ الرُّومانِيُّ الدَّارِجُ الَّذي يَختارُهُ الآباء. لِذا فإنَّهُ يُريدُ أن يَقولَ شَيئًا إلى الآباءِ يُساعِدُهم في دَورِهم في ذلكَ المَوقِف. العَدد 36...فكُلُّ هذهِ المُقدِّمَةُ تَرْمي إلى الوُصولِ إلى هذِهِ النُّقطة. والآن، عندما نَأتي إلى العَدد 36 فإنَّهُ يَقول (وسوفَ أقرأُهُ لَكُم الآيَةَ وأُفَسِّرُها في أثناءِ قِراءَتي): "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ" (أيْ: أَبٌ). فهذا هُوَ مَعنى الكَلِمَة "أَحَد" هُنا. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِدُونِ لِيَاقَةٍ نَحْوَ عَذْرَائِهِ...". أيْ: "إنْ كانَ أيُّ أَبٍ يَظُنُّ أنَّهُ يَتصرَّفُ بطريقة غير مُنْصِفَة مَعَ ابنَتِهِ العَذراء". والآن، ما مَعنى ذلك؟
اسمَعوني: فنحنُ هُنا أمامَ أبٍ. وَهُوَ يَنظُرُ إلى العَالَمِ مِن حَولِه، ويَسمَعُ كُلَّ شَيءٍ يَقولُهُ بولسُ عن أنَّهُ مِنَ الأفضلِ أن تَبقى عَازِبًا...مِنَ الأفضلِ أن تَبقى عَازِبًا...مِنَ الأفضلِ أن تَبقى عَازِبًا. وهل تَعلمونَ ماذا يَعْقِدُ العَزْمَ في ذِهنِه؟ مِنَ الأفضلِ أن يَبقى المَرءُ عَازِبًا. "سوفَ أُكَرِّسُ ابنَتي الصَّغيرةَ للرَّبِّ. سوفَ أُخَصِّصُ ابنَتي الصَّغيرةَ للرَّبِّ". وهذا جَميل. أيُّها الآباءُ، هل فَكَّرتُم يَومًا هَكذا؟ فهل تَنْمو ابنَتُكَ الصَّغيرة وَهِيَ تَسْمَعُكَ تَقولُ لها: "عندما تَرغَبينَ في الزَّواجِ، مَنْ سَتَتزوَّجين؟" وأنتَ تَبتدئُ بالتحدُّثِ مُنذُ البِدايةِ قائلاً: "هل لَديكِ صَديق؟" فنحنُ نَفعلُ ذلكَ معَ أبنائِنا. وما أعنيه هو أنَّ كَثيرينَ يَفعلونَ ذلك. وسُرعانَ ما يَنْشَغِلُ تَفكيرُ بَناتِنا في الزَّواج. ولكِنَّنا هُنا أمامَ أبٍ يَقول لابنَتِهِ: "أريدُ أن أُكَرِّسَ حَياتَكِ كُلَّها للمَسيح. وأريدُ أن أُكَرِّسَ حَياتَكِ كُلَّها لبِناءِ مَلكوتِ الله. فالزَّواجُ شَيءٌ مُؤقَّتٌ ثُمَّ إنَّنا سنَذهبُ إلى السَّماء. ولن يَكونَ أيٌّ مِنَّا مُتزوِّجًا بأيِّ حَال. لِذا، أريدُ مِنكِ أن تَبقَيْ عَازِبَةً وحُرَّةً. فسوفَ أُكَرِّسُكِ ليسوعَ المسيح وخِدمَتِه".
ويا لَهُ مِن أمرٍ رائعٍ يَفعَلُهُ الأبُ. فهذا رائع. وما أعنيه هو أنِّي أُفَكِّرُ حَقًّا في فِعْلِ ذلك. فكما تَعلمونَ، ما يَزالُ أولادي صِغارًا. وَهُمْ سَيُوافِقون. فإنْ قُلتُ لابنَتي "مارسي" (Marcy): "مَارسي! سوفَ تَبْقَيْنَ عَازِبَةً طَوالَ حَياتِكِ، وتَعيشينَ مَعَنا، وتَخدِمينَ الرَّبَّ وَحَسْب"، ستَقول: "هَذا رائع!" فهي لا تُريدُ أن تَتزوَّجَ بأيِّ حَال. وهذا يُشبِهُ ما قَالَتْهُ لي إحدى العَائلات. فقد كُنَّا نَتحدَّثُ عن هذا المَوضوعِ وأحدِ أبنائِهم الصِّغار. فقد عادُوا إلى البيت وكانوا يَجلسونَ حَولَ المَائدةِ. فقالَ واحِدٌ مِن أطفالِهم: "أتَعلمونَ أنِّي بعدَ أنِ استمعتُ إلى تلكَ العِظَة أشعُرُ أنِّي أُحِبُّ عائلتَنا كثيرًا وَلا أريدُ أن أتزوَّج. فقد قَرَّرْتُ أنْ أبقى عَازِبًا طَوالَ حَياتي". لِذا، قد تُقَرِّرُ أنْ يَبقى أولادُكَ عَازِبينَ طَوالَ حَياتِهم عندما يَكونونَ في سِنٍّ صَغيرة لأنَّهُم لن يُجادِلوا في ذلك. أليسَ كذلك؟ فَهُمْ لن يُجادِلوا في هذا الأمر.
وَنحنُ هُنا أمامَ أبٍ فَعَلَ ذلك. "سوفَ أُكَرِّسُ هَذِهِ الحَياة الصَّغيرةَ للرَّبّ. وسوفَ أُكَرِّسُ ابنَتي الصَّغيرَةَ هذهِ للرَّبّ. وَحَتَّى إنِّي لا أريدُ أن أُغامِرَ في أمرِ الزَّواج". ولكِنْ هل تَعلمونَ ما الَّذي يَحدُث؟ قد يَشعُرُ الأبُ أنَّهُ يَتصرَّفُ تَصَرُّفًا غيرَ مُنْصِفٍ تُجاهَ ابنَتِهِ العَذراء. هل تَعلمونَ لِماذا؟ صَحيحٌ أنَّهُ اتَّخَذَ قَرارًا رائعًا، ولكِنْ هُناكَ مُشكلة. فنحنُ نَقرأُ في العدد 36: "إِذَا تَجَاوَزَتِ الْوَقْتَ" وما يَعنيه ذلكَ هُوَ: "إنْ بَلَغَتْ سِنَّ النُّضْجِ الجِنسيِّ"، أوْ إنْ بَلَغَت رَبيعَ عُمرِها، أو إنْ بَلَغتِ الوقتَ الَّذي صَارَتْ تُدرِكُ فيهِ الأمورَ الجِنسيَّةَ، ما الَّذي يَحدُث؟ "وَهكَذَا لَزِمَ أَنْ يَصِيرَ". وما الَّذي يَلْزَمُ أنْ يَصير؟ أيْ أنَّها تُريدُ ماذا؟ أن تَتزوَّج. أيْ أنْ يَصيرَ ذلكَ أمرًا مُلِحًّا. فهذا هو المَعنى.
فإنْ كَرَّسْتُ ابنَتي للرَّبِّ ثُمَّ أَدركتُ أنِّي لم أُنْصِفْها لأنَّها بَلَغَتِ الآنَ مَرحلةَ النُّضجِ الجِنسيَّ وتَرغبُ في الزَّواج، ماذا يَنبغي أن أفعل؟ يَقولُ بولس: "فَلْيَفْعَلْ مَا يُرِيدُ. إِنَّهُ لاَ يُخْطِئُ". فَلْيَفْعَلا ماذا؟ "فَلْيَتَزَوَّجَا". اسْمَحْ لَهُما أنْ يَتزوَّجَا. فقد كانت فِكرةُ التَّكريسِ رائعة، ولكنَّها لم تَحصُل على مَوهبةِ العُزوبة. فَروحُ اللهِ لم يُعطِها تلكَ المَوهبة. فتلكَ مَوهبةٌ يُعطيها رُوحُ الله. فإنْ لم تَكُن تَملِكُ المَوهبةَ، يجب على الأبِ أن يَقول: "مِنَ الواضِحِ أنَّها لا تَملِكُ المَوهبةَ. فكُلُّ ما تَتحدَّثُ عنهُ هو هذا الشَّابّ". ومِنَ الواضحِ أنَّهُ يُوجَدُ شَابٌّ في حَياتِها، وإلَّا لما كانتِ الآيةُ تَقول: "فَلْيَتَزَوَّجَا". فَالكَلامُ هُنا يأتي بِصيغةِ المُثَنَّى. فهُناكَ شَابٌّ يَشغَلُ فِكرَها. وكما تَرَوْنَ، إنَّهُ يَتصرَّفُ تَصَرُّفًا غيرَ مُنْصِفٍ نَحْوَ ابنَتِهِ إنْ لم يَسْمَحْ لها أن تَتزوَّج. وَهُوَ يَضَعُها في مَوقِفٍ قد تُجَرَّبُ فيهِ بالشَّهوةِ الجنسيَّة، أوْ بالأفكارِ الجنسيَّة، أو تَكونُ ضَعيفةً أمامَ الإغراءات. لِذا فإنَّهُ يُدركُ ذلكَ ويَقول: "لا يُمكنُني أن أفعلَ ذلكَ بابنَتي الصَّغيرة الحَبيبة مَعَ أنِّي أرغبُ كثيرًا في تَكريسِها للرَّب. فهُناكَ شَابٌّ في حَياتِها، وهي تَقولُ: ’أجل، أجل، أجل‘. وأنا أقولُ: ’لا، لا، لا‘. وهذا لا يَجوز".
لِذا أيُّها الآباءُ: قد تَكونُ فِكرَتُكَ رائعةً إنْ أردتَ أن تُكَرِّسَ ابنَتَكَ للبَقاءِ عَزباء (أوِ ابنِكَ)، ولكِنْ إنْ بَلَغوا سِنَّ النُّضْجِ الجِنسيِّ ويَرغبونَ في الزَّواج، اسمَح لَهُم أن يَتزوَّجوا. فهي ليست خَطيَّة. فلا حاجةَ إلى أنْ تُنْذِرَ نَذْرًا. ونحنُ لا نَعيشُ في عَصْرِ النُّذورِ الآن.
ثُمَّ إنَّ العَددَ 37 يَتحدَّثُ عنِ الجانبِ الآخر: "وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ رَاسِخًا فِي قَلْبِهِ...". وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عنِ القَرارِ الأبَوِيٍّ، أيْ عَن القَرارِ الرَّاسِخِ للأب: "لقد عَقَدْتُ العَزْمَ في قَلبي أنْ تَبقى ابنَتي عَزباء"، أو: "أن يَبقى ابني أعزَب". فهلِ اتَّخذتَ قَرارًا راسِخًا؟ هذا جَيِّد. فاللهُ يَقودُ الآباءَ إلى اتِّخاذِ القَراراتِ الَّتي تُلائِمُ مَشيئَتَه. أَلا تُؤمِنونَ بذلك؟ فاللهُ يَقودُ العائلةَ مِن خِلالِ الأب. "وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ رَاسِخًا فِي قَلْبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ". وما مَعنى ذلك؟ أنَّ الابنةَ ليست مُضْطَرَّة إلى الزَّواج. فهي لا تَضَعُ على أبيها أيَّ ضَغْط. وهي لا تَشعُرُ بإلحاحٍ جِنسيٍّ يَدفَعُها إلى الزَّواج. لِذا فإنَّ أباها ليسَ مُضطَرًّا. فهو رَاسِخٌ في قَلبِهِ، وهي ليست مُضطرَّة. "بَلْ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى هذَا فِي قَلْبِهِ أَنْ يَحْفَظَ عَذْرَاءَهُ..." فإنَّهُ يَفعلُ مَاذا؟ "فَحَسَنًا يَفْعَلُ". أيُّها الأبُ، لقدِ اتَّخذتَ قَرارًا صَائبًا.
وهل تَعلمونَ كيفَ يَحدُثُ ذلكَ اليوم؟ إنَّهُم يَقولون لَلفَتاة: "لِمَ لَمْ تَتزوَّجي؟" "لأنَّ أبي قَرَّرَ أنْ أبقى عَزْباء". "يا لَهُ مِنْ رَجُلٍ قَاسٍ". ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ يَفعلُ ماذا؟ يَفعلُ ماذا؟ يَفْعَلُ حَسَنًا. فإنْ قَرَّرتَ ذلكَ لابنَتِكَ، ولم تَكُن لدى ابنَتكَ رَغبة جِنسيَّة قَويَّة، تَفعَلُ حَسنًا أيُّها الأبُ أوِ الأُمُّ. فأنتَ تَفعلُ حَسَنًا. فهو أمرٌ حَسَن.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "انظُر أيُّها الأبُ، إنْ كُنتَ رَاسِخًا في قَلبِكَ وتَشعُرُ أنَّ ذلكَ صَواب، ولم تَكُن ابنَتُكَ مُضْطَرَّةً إلى الزَّواج، وكانَ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى إِرَادَتِكَ، وَقَدْ عَزَمْتَ فِي قَلْبِكَ أَنْ تَحْفَظَها عَذْرَاء، فَحَسَنًا تَفْعَل". وما مَعنى ذلكَ بالنِّسبةِ إليكم؟ سوفَ أقولُ لكم ما يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبةِ إليَّ. أنَّ اللهَ يُريدُ مِن بعضِ النَّاسِ أن يكونوا ماذا؟ عَازِبين. ونحنُ نَفعلُ حَسَنًا إنِ افتَكرنا بذلكَ بخصوصِ أولادِنا.
ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ في العدد 38: "إِذًا، مَنْ زَوَّجَ فَحَسَنًا يَفْعَلُ، وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ [مَاذا؟] أَحْسَنَ"؟ لا بُدَّ أنَّكَ تَمْزَح! هل هذا ما يَقولُهُ النَّصُّ؟ هذا هو ما يَقولُهُ النَّصُّ. وقد تَقول: "وَمَنْ قَالَ ذلك؟" الله. "وما الَّذي تَعنيه؟" إنَّ الآية 38 تُشيرُ ضِمنيًّا إلى المَوهبة. فأنتَ لا تَصنَعُ مَعروفًا معَ ابنَتِكَ إنْ لم تَكُن تَملِكُ المَوهبة. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ إنْ كانت تَملِكُ مَوهبةَ العُزوبة، ولم يَكُنِ الزَّواجُ ضَروريًّا لابنِكَ أوِ ابنَتِكَ، لا بأسَ إنْ زَوَّجتَها. فالمَوهبةُ اختياريَّة. وهي المَوهبةُ الوحيدةُ الاختياريَّة. ولكِنْ إن لم تَفعل فإنَّكَ تَفعلُ أحسَنَ إنْ تَرَكْتَ أولادَكَ يَستخدمونَ تلكَ الموهبة. فالمسألةُ مَسألة أَفضليَّة يا أحبَّائي.
والحَقيقةُ هي أنَّ هذا الأصحاحَ مُدهِشٌ. أليسَ كذلك؟ وما الَّذي يَقولُهُ لنا؟ الزَّواجُ شَيءٌ حَسَنٌ. وبالنِّسبةِ إلى الأغلبيَّة مِنَّا، إنَّهُ الطَّريقُ الوَحيدُ أمامَنا للحياة. وأنا أُحِبُّ ذلك. وأنا لا أَتنازَلُ عنه. وأنا أَعلمُ أنَّكُم لن تَفعلوا ذلكَ أيضًا لأنَّهُ يُشْبِعُنا بالطَّريقةِ الَّتي صَمَّمَها اللهُ. ولكِن اسمَعوني: الزَّواجُ حَسَنٌ. لِذا، تَمِّموهُ، وتَمَتَّعوا بِهِ، وَحافِظوا عليهِ مَدى الحَياة. ولكِنَّ العُزوبةَ شَيءٌ حَسَنٌ أيضًا. تَمِّموها، وتَمَتَّعوا بها، واستخدِموها لِمَجدِ الله. فهذه هي المَوعِظَةُ مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى. فَمسيحيَّتُكَ سَتُوجَد، وَتَنمو وتَنضُج وتَزدَهِر سَواءٌ أَكُنتَ مُتزوِّجًا أَمْ أعزَبًا. فلا تُوجَد مُشكلة في هذا الخِيارِ أو ذاك. وقد حَسَمَ بولسُ الأمرَ مَرَّةً وإلى الأبد بِخُصوصِ ما كانَ أهلُ كورِنثوسَ يَقولونَهُ عن تأثيرِ الزَّواجِ فيكَ رُوحيًّا. فهو لا تأثيرَ لَهُ. فَسَواءٌ أكُنتَ مُتزوِّجًا أَمْ عَازِبًا فإنَّ ذلكَ لا يُؤثِّرُ في حَياتِكَ الرُّوحِيَّة. فاللهُ يُريدُ مِن أُناسٍ أن يَتزوَّجوا لأسبابِ خاصَّة، ويُريدُ مِن أُناسٍ آخرينَ أن يَبْقَوْا عَازِبين. وأعتقدُ، يا أحبَّائي، أنَّنا بِحاجة في الكنيسة إلى أن نُدركَ ذلك، وأنْ نَعِي ذلك، وأنْ نَقبلَ ونُحِبَّ الأشخاصَ العَازِبين. وإذا كُنتَ عَازِبًا، ينبغي أن نَقبَلَ ونُحِبَّ الأشخاصَ المُتزوِّجينَ إذْ يَنبغي لنا جَميعًا أن نَفهمَ أنَّنا جَميعًا جُزءٌ مِن جَسَدِ المَسيح. دَعونا نُصَلِّي:
فيما يَخُصُّ وَقتَنا في هذا الصَّباح، نَسألُ يا رَبُّ رُوحَكَ القُدُّوسَ أنْ يَختِمَ علينا ما تَعَلَّمناه وشارَكناه وعَبَّرنا عنهُ، وأن يُعَلِّمَنا ويُساعِدَنا على تَعليمِ آخرينَ هذهِ الحَقائقَ العَظيمَةَ نَفسَها. نَشكُرُكَ على جَميعِ أجزاءِ جَسَدِ المَسيح، المُتزوِّجينَ مِنهُم والعَازِبينَ. فنحنُ نَشكُرُكَ على الأشخاصِ الَّذينَ اختاروا مِن خلالِ الزَّواجِ أن يَكونوا قُدوةً، وأنْ يُرَبُّوا أولادَهُم في تأديبِ الرَّبِّ وإنذارِه، وأن يُعَلِّموهُم طُرُقَك. ونَشكُرُكَ أيضًا على الأشخاصِ الَّذينَ اختاروا حَياةَ العُزوبةِ كي يَتَفَرَّغوا لخِدمَتِك، ويَتمكَّنوا مِنَ التَّحَرُّكِ بسهولة، ويكونوا مُتاحينَ، ويُفَكِّروا بِذهنٍ غير مُشَتَّت. فَمِنْ أجلِ ذلكَ التَّكامُلِ في الجَسد، نَشكُرُك. ويا أبانا، ساعِدنا على أن نَفحَصَ قُلوبَنا ونُفَكِّرَ مَلِيًّا في خِياراتِ دَعوَتِكَ لَنا، وأنْ نَختارَ بِحكمة ما يُوافِقُ مَشيئَتَكَ لَنا ولأولادِنا. نُسَبِّحُكَ باسمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
