Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، إذْ نَستعدُّ للوقت الَّذي سنَصرفُه في الاشتراكِ في مائدةِ الرَّبّ، سنتأمَّل في الأصحاح الحادي عشر من رسالة كورنثوس الأولى حيث إنَّنا ابتدأنا في فَهْمِ الحقِّ الَّذي يُعَلِّمُهُ اللهُ في هذا الأصحاح واستَفدنا مِنهُ فائدةً عظيمة. وكما ذَكرتُ سابقًا، نحن نَشترك عادةً في مائدة الرَّبِّ يوم الأربعاء. ولكن بسبب الموضوع الَّذي نَدرسُه في هذا الصَّباح، لم نَتردَّد في الاشتراك فيها أيضًا في هذه السَّاعة بترقُّبٍ وفرحٍ عَظيمَيْن. وقد ابتدأنا دراستنا في يوم الرَّبِّ الماضي بالأعداد 17-34. وهذا المَقطع الرَّائع الَّذي يَعرِفُهُ جميعُ الأشخاص الَّذينَ مَضَى على وجودهم في الكنيسة بعض الوقت (بسبب حقيقة أنَّه يَتحدَّث عن مائدة الرَّبِّ) هو مَقطع يَجذب أنظارنا بسبب سِياقِهِ في هذا الصَّباح. وأعتقد أنَّنا جميعًا قد نَظرنا إلى هذا النَّصِّ ما بين 23-26 مَرَّة في السَّنوات الماضية، ولكنَّنا لم ننظر إليه في سِياقه، ولا في إطار ما كان يحدث في كورنثوس، ولا في إطار ما يحدث اليوم لكي نَستخلِصَ أفكارًا عمليَّةً جدًّا من هذا السِّياق؛ دون أن نَكتفي وحسب باستخلاص بضعة توجيهات إيجابيَّة مِن تلك الآيات نفسِها.

لذا فإنَّنا نأتي إلى الجزء الثَّاني مِن دراستنا المُختصَّة بالاحتفال بعشاءِ الرَّبّ. وقد تأمَّلنا في المرَّة السابقة في الأعداد مِن 17 إلى 22، ونَوَدُّ في هذا الصَّباح أن نتأمَّل في الأعداد المُتبقِّية حتَّى نهاية العدد 34. ولكن على سَبيل التَّمهيد، أَوَدُّ أن ألفت أنظاركم إلى الأصحاح السَّادس من إنجيل يوحنَّا [إن أَمكنني ذلك] كي نُلقي نَظرة أوَّليَّة على مقطعٍ مُهمٍّ جدًّا سيساعدنا في فَهمِنا لعشاءِ الرَّبّ كما تَحدَّث عنه بولس في الأصحاح الحادي عشر مِن رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس.

إنجيل يوحنَّا 6: 51. في هذا الأصحاح السَّادس، مِن بين أمورٍ أخرى يُرَكِّزُ عليها هذا الأصحاح، نَرى أنَّ التَّركيزَ الأساسيَّ يَنْصَبُّ على الرَّبِّ يسوعَ المسيح الَّذي يُعلن ذاتَهُ للشعبِ اليهوديِّ بصفتِه خُبزَ الحياة. وبعد أن صَرف وقتًا في مناقشة ذلك معهم فإنَّه يُلَخِّص كلَّ ذلك الحديث في بداية العدد 51 بالكلمات التَّالية: "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَم".

يقولُ يسوعُ هنا إنَّه الخُبْز، وإنَّه الخُبزُ الحيُّ، وإنَّه نَزَلَ مِن السَّماء - إشارة إلى لاهوتِه. وإن أَكَلَ شخصٌ هذا الخُبز فإنَّه يَنال الحياة الأبديَّة. ثُمَّ إنَّه يُشير إلى الخُبز بأنَّه جسدُه. وهذا كُلُّه يعني أنَّ اللهَ صارَ جسدًا إذ تَجَسَّدَ في جسمٍ بشريٍّ وجاء إلى العالم. وعندما يَقبَلُ النَّاسُ... فهذا هو مَعنى الكلمة "أَكَلَ"... عندما يَقبَلون المسيح فإنَّهم ينالون الحياة الأبديَّة. فهو يتحدَّث بمُفردات ماديَّة، ولكنَّه يُوَجِّهُ رسالةً روحيَّة. كُلوني، واقبلوني، وآمنوا بي لكي تُشبعوا أرواحَكُم كما أنَّ الإنسان يأكُل الخُبزَ ليُشبِع مَعِدَتَه.

"فَخَاصَمَ الْيَهُودُ..." [في العدد 52] "... بَعْضُهُمْ بَعْضًا [أو تَجادلُوا ] قَائِلِين: «كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأكُلَ؟»" فقد تَرجموا كَلامَهُ هذا حَرفيًّا. "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ»". فهناكَ نُقطتان: ما لم تَقبلوا التَّجَسُّد وتَقبلوا الموت الكَفَّاريَّ الَّذي يَتطلَّبُ سَفْكَ دَمٍ، لن تَنالوا يومًا الحياةَ الأبديَّة. فالحياة الأبديَّة تتوقَّف على الإيمان بأنَّ اللهَ جاء في جسدٍ بشريٍّ، وبأنَّه مات موتًا بَدليًّا وكَفَّاريًّا لدفعُ أُجرة الخطيَّة. لِذا فإنَّ أَكْلَ جَسَدِه يعني الإقرار والتَّسليم بأنَّ المسيح هو الله الَّذي جاء في جسدٍ بشريٍّ. وشُرْبُ دَمِه يعني الإقرار والتَّسليم والإيمان والقَبول بموتِه الكَفَّاريّ.

ونَقرأ في العدد 54: "مَنْ يَأكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقّ. مَنْ يَأكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ". وهُنا، يأخذ يسوعُ استعارةً أو تشبيهًا ماديًّا جدًّا وَهُوَ الخُبز ويَستخدمه للإشارة إليه هو شخصيًّا. وَهُوَ يقول لأولئك اليهود: ما لم تَقبلوا حقيقة أنِّي الله في جسدٍ بشريٍّ، وما لم تَقبلوا حقيقة موتي، لن تَنالوا يومًا الحياةَ الأبديَّة. لِذا فإنَّ أَكْلَ جسدِه وشُربَ دَمِه ليسَ شيئًا حَرفيًّا، بل هو استعارة للتَّعبير عن كلِّ شيءٍ يَختصُّ به في الماضي، والحاضر، وبما فعله على الصَّليب.

والآن اسمعوني: عندما نِلتَ الخلاصَ فإنَّكَ فعلتَ ذلك. فبالمعنى الروحيِّ، لقد قلتَ: أنا أُوْمِنُ بأنَّ يسوعَ هو اللهُ الَّذي جاءَ إلى العالم بجسدٍ بشريّ. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ يسوعَ سَفَكَ دمَه كَفَّارةً عن الخطيَّة لدفعِ أُجرة خطيَّة العالَم. وقد قَبلتَ ذلك. وعندما تَشترك في المائدة وتأكُلُ الخُبزَ وتشربُ الكأسَ فإنَّكَ تَرمِزُ خارجيًّا إلى ذلك القَبول الرُّوحيّ. فعندما قَبلتَ لاهوتَ المسيح وموتَهُ الكَفَّاريَّ البَدليَّ عنكَ روحيًّا عند خلاصك فإنَّكَ تُعلنُ ذلك مِن خلال تَناوُل الخُبزِ والكأس. لذا فإنَّ مائدةَ الربِّ تَرمز إلى خَلاصنا. وهي تُعيدُ تأكيدَ ذلك، وتُعيدُ تَرسيخَ ذلك. وإن جاز القول، فإنَّها تصيرُ إعادة تَكريس لخلاصنا القائم على إيماننا بالمسيح وقَبولنا له. لذا فإنَّها شيء مُهمٌّ نَشترك فيه.

وكما رأينا في المرَّة السَّابقة، فإنَّ الكنيسة الباكرة جَعلت مائدةَ الربِّ عادةً دائمةً إذ إنَّهم كانوا يَشتركون في عشاءِ الرَّبِّ كعلامة (كما ذَكرتُ للتَّوّ)، وكرَمزٍ خارجيٍّ على ذلك القَبول الدَّاخليّ، وأيضًا كَتَذكارٍ ... كتَذكارٍ لذاكَ الَّذي عاشَ وماتَ لأجلهم. ثالثًا، كشركة... كشركة حَيَّة وحَيويَّة معهم. وقد رأينا في رسالة كورِنثوس الأولى 10: 16-18 أنَّه عندما نَشترك في مائدة الرَّبِّ فإنَّنا نَشترك حَرفيًّا معه. فهو حاضر. وَهُوَ هنا. ونحن في شركة معه.

كذلك، فإنَّ مائدةَ الرَّبِّ إعلان. فنحنُ نُخبِرُ بموتِ الرَّبِّ. لذا، إنَّها إعلانٌ للعالَم بأنَّنا نؤمن بأنَّ يسوعَ هو الله الَّذي جاء في الجسد، والَّذي ماتَ موتًا كَفَّاريًّا بَدليًّا عَنَّا. خامسًا، إنَّ الاحتفال بمائدةِ الربِّ هو شيءٌ وَثيقُ الصِّلة بالأمور الأُخرويَّة. فهو يَمنَحُنا رجاءً عَظيمًا. فقد قال يسوع: "اصنَعوا هذا إلى أن نَصنَعَهُ معًا في الملكوت". ونحنُ نَشترك في هذه المائدة تَرَقُّبًا لمجيئه الثَّاني الوشيك. لذا فإنَّ هذه المائدة هي في اعتقادي عبادة مُقدَّسة وخاصَّة ومُهمَّة في حياة المؤمن. ويجب علينا أن نتعامل معها بتوقير وإجلال، وأن نَحتفل بها بطريقة تَليقُ بها. وهذا هو ما لم يُفعله الكورنثيُّون. فقد جَعل الكورنثيُّون عشاءَ الرَّبِّ مَهزلةً.

وكما رأينا في درسنا السَّابق عندما تأمَّلنا في الأعداد 17-22، لقد شَوَّهوا عشاءَ الرَّبِّ. وقد كانت هذه هي النُّقطة الأولى في المُخَطَّط الَّذي بين أيديكم. وسوف نَتحدَّث عن النُّقطتَيْن الثَّانية والثَّالثة إن أردتم أن تنظروا إلى ذلك المُخَطَّط الموجود في النَّشرة الَّتي بين أيديكم. فقد رأينا تَشويهَ صورة عشاءِ الرَّبِّ إذ إنَّهم كانوا يأتون إلى عشاء الرَّبِّ وَهُم سَكارى، ومُتْخَمونَ لأنَّ الأغنياء كانوا يأكلونَ حتَّى التُّخَمَة، ويَشربونَ، ويَحرمونَ الفقراء مِن الأكل لأنَّهم لم يكونوا يجدون شيئًا يأكلونه في ولائم المحبَّة الَّتي كانت تُقام قبل العشاء الرَّبَّانيِّ في ذلك الوقت. وقد كانوا يأتون إلى عشاء الرَّبِّ بمشاعر الكراهية بعضُهم لبعض، وبانقساماتٍ وانشقاقاتٍ ومَرارةٍ وخطايا غير مُعتَرف بها. ونتيجةُ كلِّ ذلك مَذكورة في العدد 20 إذْ إنَّ بولسَ يقول: "فَحِينَ تَجْتَمِعُونَ مَعًا..." وإليكُم التَّرجمة الحرفيَّة للنَّصِّ اليونانيِّ: "مِنَ المُستحيلِ أن تَجتمعوا لأَكْلِ عَشَاءِ الرَّبِّ". فربَّما تَظُنُّون أنَّكم تَجتمعون معًا للاشتراك في عشاء الرَّبِّ، ولكنَّ هذا مُستحيل بسبب موقفكم. فهناكَ أشخاصٌ منكم ثَمِلون. وهناكَ أشخاصٌ لم يأكلوا شيئًا، وأشخاصٌ يأكلونَ حتَّى التُّخَمَة. وهناك أشخاصٌ منكم يَكرهون بعضُهم بعضًا. وهناك مَرارة، وانقسام، وانشقاق. وهناك انقسامات بسبب الطَّبقات الاجتماعيَّة. وهناك انقسامات بسبب الآراء اللاَّهوتيَّة. وهناك انقسامات بسبب كلِّ رأيٍ يُمكن تَخَيُّلُه في الكنيسة. ولا توجد شركة حَقيقيَّة بين المؤمنين. ولا توجد شركة حقيقَّة مع المسيح بسبب كلِّ هذه الخطايا. فقد أَفسدتُم وشَوَّهتُم عشاءَ الرَّبِّ. وما تفعلونه هو ليس عشاءَ الرَّبِّ. فأيًّا كان الاسمُ الَّذي تُطلقونه على هذا الشَّيء فإنَّه ليسَ عشاء الرَّبّ.

والآن، بعد تلك الجُملة المُختصَّة بتشويه عشاء الرَّبّ، يَنتقل بولس إلى النُّقطة الثَّانية وهي الغاية مِن عشاء الرَّبِّ ابتداءً مِن العدد 23... الغاية مِن عشاء الرَّبّ ابتداءً مِن العدد 23. لننظر إلى هذا العَدد. وهذا تَوضيحٌ جميل لمعنى عشاء الرَّبّ. وإن كان قد مَضى على إيمانك بالمسيح بعض الوقت، أَعلمُ أنَّك سمعتَ هذا المقطع كثيرًا، وأنَّ بعضًا منكم رُبَّما يحفظونه عن ظَهْرِ قَلب بسبب تَكراره. ولكنَّ الشَّيء الجميل جدًّا بخصوص هذا النَّصِّ هو أنَّها آية جميلة وبديعة جدًّا في الكتاب المقدَّس تَرِدُ في مَوقفٍ سَيِّءٍ جدًّا. لذا فإنَّها تُشبه الجوهرةَ المَدفونة في التُّراب. فقد كان الموقف السَّائد في كورِنثوس فاسدًا جدًّا وسيِّئًا جدًّا. وفي وسط ذلك، يَطْرَحُ بولسُ هذه الجوهرة الجميلة والبديعة المُختصَّة بالغاية من عشاء الرَّبِّ في وسط مُشكلتهم. وَهُوَ يقول في بداية هذا المقطع: "هذا هو ما تَفعلونه"، ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في نهايته: هذا هو سببُ تأديبِكُم". وَهُوَ يَتعامل مع السَّلبيَّاتِ في كلِّ جانب. ولكن في الوسط (في الأعداد 23-26) نَراهُ يتحدَّث عن روعةِ المَغزى مِن عشاء الرَّبّ. وقد كان بولس بارعًا جدًّا في إسْقاطِ هذه الأشياء في وسط المواقف البشعة. وَهُوَ يَفعل ذلك هنا.

لنبتدئ بالعدد 23: "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا". توقَّفوا هنا قليلاً. "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا". فما سأقوله لكم ليس رأيًا بشريًّا. وما سأقوله لكم ليس رأيي الشَّخصيّ. وما سأقوله لكم ليس تَقليدًا تَمَّ تَناقُلُه مِن إنسانٍ إلى إنسان، بل إنَّ ما سأقولُه لكم هو شيءٌ تَسَلَّمتُه مِن الرَّبِّ وأُسَلِّمُهُ لكم.

بعبارة أخرى، إليكُم حقيقة إلهيَّة. والآن، قد تقول: "حسنًا، ولكن أليسَت جميع أقوال بولس مُوحى بها مِن الله؟" أجل، ولكنَّ هذا الكلام مُقتبسٌ مُباشرةً عن كلامٍ قالَهُ يسوعُ المسيح. والحقيقة هي أنَّهُ مِن المؤكَّد... وأعتقد أنَّكم تجدون قِلَّةً قليلةً مِن اللاَّهوتيِّين المُحافظين الَّذينَ يَختلفون حول هذا الأمر، ولكن مِن المؤكَّد أنَّ الرِّسالة الأولى إلى أهل كورِنثوس كُتبَت قبل كتابة أيٍّ من الأناجيل الأربعة. فمعَ أنَّ الأناجيل الأربعة تُوجد في بداية العهد القديم في تَرتيبها، فإنَّها لم تُكتَب مِن حيث تاريخ كتابتها بذلك التَّرتيب. فهي لم تُكتَب إلاَّ في وقتٍ لاحقٍ بعد كِتابة هذه الرِّسالة. لذا، هذه هي في الحقيقة أوَّل جُملة خَطَّها اللهُ بخصوص مائدة الرَّبّ. ولكي تَفهموا معناها الكامل، يجب عليكم أن تقرأوا القصَّة في إنجيل مَتَّى ومَرقس ولوقا ويوحنَّا. ولكنَّنا نجد هنا أوَّل حديث عن تأسيس عشاء الرَّبّ. وبولس يقول إنَّ ذلك حدث بوصيَّة مُباشرة مِن يسوع. فهو نَفسُهُ الَّذي أَسَّسَهُ.

وهناك فَريضَتان في الكنيسة: عشاءُ الرَّبِّ والمَعموديَّة. وكلاهُما تَأسَّسَ مِن خلال قيام يسوع بهما، ومِن خلال وَصيَّة وأمرٍ منه هو أيضًا. ولا فَرقَ هُنا. لذا فإنَّه يقول إنَّ هذه وصيَّة مُباشرة مِن الرَّبِّ. فهي عَشاؤه. وهو الَّذي أَسَّسَهُ. وكما تُلاحظون في العدد 20 فإنَّهُ "عَشاء الرَّبّ". فهو عَشاؤُه. والآن، لننظُر بتَمَعُّن أكبر إلى العدد 23: "لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ..." – أي مِن خلال الكلمات المُباشرة الَّتي نَطَق بها يسوع في تلك اللَّيلة " لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلاً: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي». فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ".

والآن، يَقتبسُ بولسُ هُنا كلامَ يسوع. لِذا فإنَّه يقول: "هذه هي كلماتُ الرَّبِّ الَّتي أُسَلِّمُها لكم. فهو يَقتبس كلامَ يسوع في اللَّيلة الَّتي تَمَّت خِيانَتُه بها، وفي اللَّيلة الَّتي سَبَقت موتَه". وأعتقد أنَّ هذا مُدهش. فإن نَظرتم إلى العدد 23 ستجدون أنَّه يُقْحِمُ تلك العِبارة الَّتي تقول: "إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا". ولكن لماذا يقولُ ذلك؟ لأنَّه يريد أن يُرَسِّخَ تلك الحقيقة التَّاريخيَّة. فهو يريد أن يَضَع ذلك الأمر في سِياقِه التَّاريخيِّ لأنَّ ذلك مُهِمٌّ جدًّا. وقد تقول: "ولكن كان بمقدوره أن يقول: ’في أُمسية الفِصح‘ أو أن يقول: ’في مساء يوم الخميس قبل الصَّلب‘. ولكن لماذا يقول ’فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا‘؟" لأنَّ العهدَ الجديدَ يَفعل شيئًا مُدهشًا جدًّا بين الحين والآخر وَهُوَ أنَّه يَذكُر الحقائق الأكثر روعةً وجمالاً وبهاءً عندما يَتحدَّث عن أقبحِ الأشياء لكي يُظْهِرَ مِن خلال المُفارقة جَمالَ المَشهَد. فعلى سبيل المِثال، في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13، وَهُوَ في اعتقادي أجملَ مَقطع عن المحبَّة في الكتاب المقدَّس، إلى جانب قِصَّة الصَّلب، يَغسِل يسوعُ أرجُلَ التَّلاميذ. وفي كلِّ المقطعِ الَّذي يَتحدَّث عن غَسلِهِ لأرجُل التَّلاميذ، هناكَ ذلك المَقطع المُتداخِل الَّذي يتحدَّث عن خُروج يهوذا وخيانته له. وهناك ذلك المَقطع الَّذي يتحدَّث عن دخول الشَّيطان قلب يهوذا في وسط هذا المشهد بأسرِه. لذا فإنَّ التَّبايُن بين كراهِيَة يهوذا وخُبْث الشَّيطان (مِن جهة)، وجَمالِ يسوعَ ومحبَّتِه (مِن جهة أخرى) يَجعل المشهدَ أكثر روعةً!

وعلى الصَّليب، عندما كان اللهُ الابنُ يَموتُ عن خطايا العالَم، كان كُلُّ ما يُحيطُ به هو الكراهِيَة والسُّخرية والرَّفض. وهذا هو ما يَجعلُ المَشهدَ أكثر جمالاً بكثير. وهُنا، في أجملِ فَريضةٍ أَوصى الربُّ أن تَحتفل بها كنيستُه، هُناكَ على النَّقيضِ منها الكراهية المُريعة وقَسوة الخِيانة. ولكنَّ ذلك يُضفي على المشهد كُلِّه مَزيدًا مِن الجَمال مُقابِل تلك الخَلفيَّة القاتِمَة.

والآن، أريدُ منكم أن تُلاحظوا أنَّ هذه لم تكن ليلة عاديَّة وحسب. فهي لم تكن وحسب اللَّيلة الَّتي تَعَرَّضَ فيها للخيانة. وهي لم تكن وحسب اللَّيلة الَّتي سَبَقت صَلبَهُ، بل إنَّهُم كانوا يأكلونَ عشاءَ الفِصْحِ في تلك اللَّيلة. فقد كان اليهودُ يَحتفلونَ مَرَّةً كلَّ سنة بعيد الفِصح. وكان عيدُ الفِصحِ عيدًا تَذكاريًّا يَتذكَّرون فيه كلَّ ما صَنَعَهُ اللهُ مِن أجل تَحريرهم مِن مِصر في الماضي. فقد عاشوا في عُبوديَّة في مِصر أكثر مِن 400 سنة قبل أن يُخَلِّصَهُم اللهُ (كما تَذكرون) مِن خلال مَجموعة مِن الضَّرَبات الَّتي كانَت آخِرُ ضَربة فيها هي موتُ الأبكار. وكانت الطَّريقة الوحيدة للنَّجاة مِن مَوتِ الأبكارِ في بيوتهم تَتَلَخَّصُ في أن يَذبحوا حَمَلاً، وَتحديدًا: حَملاً بلا عيب ابنَ سَنة، ويَأخذونَ مِنْ دَمِهِ ويَجعَلونَهُ على القَائِمَتَيْنِ والعَتَبَة العُليَا. وعندما يَعبُرُ ملاكُ الموتِ فإنَّهُ سيَعبُر عن البيوت الَّتي عليها دَم. لِذا فإنَّهُ يُسَمَّى عيد الفِصْح. وقد قال اللهُ: أريدُ منكم أن تُعَيِّدوا في تلك اللَّيلة. أريدُ منكم أن تأكلوا ذلك الحَمَل. أريدُ منكم أن تأكلوا أعشابًا مُرَّةً. وأريد منكم أن تأكلوا خُبْزًا فَطيرًا. وقد أَسَّسَ عيدًا ظَلُّوا يَحتفلون به مُنذ ذلك الوقت إلى اليوم؛ ولا سِيَّما اليهودُ الأرثوذكس وحتَّى بعض الطَّوائف اليهوديَّة المُحافظة. لذا، كانت تلك نُقطة ذُروة حقيقيَّة في تاريخ بني إسرائيل؛ أي: الفِصْح.

وكما تَرَون، فإنَّ اليهود يَحتفلون بعيد الفِصْح لأنَّه يَرمِز إلى قوَّة الله المُخَلِّصة. فاللهُ المُخَلِّص هو الَّذي أَخرجهم مِن مِصر إلى أرض الموعد. وهذا يُوازي الصَّليب لدينا لأنَّه حَرَّرنا مِن عبوديَّة الخطيَّة ونَقَلنا إلى مَلكوت ابن مَحبَّته. فهو نفس المِثال. فهو الله المُخَلِّص المُحَرِّر. لذا، كانت هذه هي ليلة الاحتفال بذلك. ويجب عليكم أن تَتذكَّروا دائمًا أنَّ يسوعَ صُلِبَ في عيد الفصح. أتَعلمون لماذا؟ لأنَّه كان حَمَل الفِصْح الدَّائم. فقد كان ذبيحة الخلاص الدَّائمة. لذا، كانت تلك هي اللَّيلة الَّتي سَبَقَت تَناوُلَهُم تلك الوجبة، أو كما جاءَ في إنجيل لوقا 22: 7، كانت تلك هي [في الحقيقة] وجبة الفِصح. ولا حاجة إلى أن تَفتحوا على تلك الآية، ولكن يمكنكم أن تقرأوها بأنفسكم في وقتٍ لاحق. واسمَحوا لي أن أقول لكم كيفَ كانَ الأمرُ يَجري:

كان الفِصْحُ يَبتدئ بأن يقومَ شَخصٌ ذو مَكانة (مِثلَ أبٍ أو رَبِّ أُسرة أو أيًّا كان) بإعلان بَرَكَة تُعرف باسم "كِدِش" (Kiddush). وأنا لستُ بارعًا جدًّا في نُطْقِ الكلماتِ العِبريَّة، ولكنَّها تُسَمَّى كذلك تقريبًا. ورُبَّما كانَ بَعضٌ منكم يَنطِقونها نُطقًا أفضل. "كِدِش"، وهي مُباركة الكأس الأولى. وكانت هناك أربع كؤوس تُشرَب في الفِصح. الأولى هي الكِدِش، وهي الكأسُ المُبارَكة. وكانت دائمًا خَمْرًا حَمراء. وكان ذلك يَرمِز بكلِّ تأكيد إلى دَمِ الحَمَل الَّذي ذُبِحَ في عيد الفِصح في مِصر. وكان ذلك الشَّخصُ المُوَقَّر يَشربُ الكأسَ ثُمَّ يُمَرِّرُها إلى الآخرين فيَشترك فيها الجميع. وكانَ يَعقُبُ تلك الكأسُ ما يُعرَفُ اليومَ بفَواتِح الشَّهيَّة أو المُقَبِّلات؛ وهي أعشابٌ مُرَّة تُغْمَسُ في "الخَاروسيث". ويجب عليكم أن تَنطِقوها "خاروسيث" (أي بِنَبرة يهوديَّة). فقد كانوا يأخذون أعشابًا مُرَّة ويَغمسونَها في الخاروسيث الَّتي هي صَلْصَة مَصنوعة مِن الفَاكهة. وكانوا يأكلونَها.

بعد ذلك، أي بعد تلك البداية التَّمهيديَّة الَّتي تَفتح الشَّهيَّة قليلاً أو تُهَيِّء الحاضِرين [إن جاز القول]، كانوا يَسمعون مُحاضرةً عن مَعنى الفِصح. وما يزالُ هذا تَقليدًا سائدًا. فقد كان هناكَ مَن يَشرَح معنى عيد الفِصح. ثُمَّ كان لا بُدَّ أن يأكلوا شَاةَ الفِصح لأنَّ اللهَ أَمَرَهُم أن يَذبحوا خروفًا وأن يَرُشُّوا دَمَهُ على الباب. ثُمَّ كانَ الخَروفُ يُؤكَل رَمزًا لعُبور الله عن بني إسرائيل في مِصر. وكانوا يأكلونَ أعشابًا مُرَّةً لأنَّها تَرمِزُ إلى مَرارةِ عُبوديَّتهم. وكانوا يأكلونَ خُبزًا فَطيرًا لأنَّه تَمَّ فِداءُ بني إسرائيل مِن مِصر، ولأنَّه كان ينبغي لهم أن يُسرعوا ويُعَجِّلوا كثيرًا في الخُروج؛ الأمر الَّذي كان يَستدعي صُنْعَ خُبْزٍ لا يَفسد لأنَّهم لن يتمكَّنوا مِن صُنع خُبْزٍ آخر حالَما يَنطلقون. فقد كانوا بحاجة إلى ذلك النَّوع مِن الخُبز الفَطير الَّذي يَبدو مِثل قطعة بَسكويت كبيرة وضَخمة مُمَلَّحة تَدومُ وقتًا طويلاً.

لِذا فقد كانَ كلُّ هذا الشَّرْحِ يُقَدَّم في الفِصْح بعد تَناول الأعشاب الأوليَّة والخمر. ثُمَّ إنَّهم كانوا يُسَبِّحون. وماذا كانوا يُسَبِّحون؟ لقد كانوا يُرَتِّلون مَزامير "الهَلِّيل" (Hallel) الَّتي أخذنا عنها الهَلِّلويا. ومزامير الهَلِّيل هي المزامير مِن 113 إلى 118. فقد كانوا يَبتدئون إمَّا بترتيل المزمور 113 أو المَزمور 113 والمَزمور 114. وكانت تلك هي بداية التَّراتيل الَّتي يُرَتِّلونها بعد أن يَسمعوا شَرحًا لمعنى عيد الفِصح.

والآن، بعد أن يُرَتِّلوا عَددًا مِن المَزامير، كانوا يشربون الكأس الثَّانية... الكأس الثَّانية. وبعد أن يَشربوا الكأس الثَّانية، كان القائد يأخذ خُبزًا فَطيرًا، أي قطعة البسكويت الكبيرة الضَّخمة (الَّتي كانت تُسَمَّى خُبْزًا فَطيرًا) ويُبارك الله، ويَكسِرُه، ويُعطي الجميعَ مِنهُ، ثُمَّ تَبتدئُ الوليمة. وقد قلتُ لكم في الأسبوع الماضي إنَّ الولائمَ كانت تَبتدئ دائمًا عندما يَكسر المُضيفُ الخُبز. فحينئذٍ، كانوا يأكلونَ وَجبةَ الفِصح.

وعندما كانوا يَنتهونَ مِن تَناوُل وجبة الفِصح، كان المُضيفُ يُصَلِّي ثُمَّ يَشرَبُ الكأس الثَّالثة (وهي أيضًا كأسُ خَمر). فقد كانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَشربونَها. بعد ذلك، كانوا يُرَتِّلون بقيَّة مزامير الهَلِّيل (أي المَزامير مِن 115 إلى 118). لِذا فإنَّنا نَقرأ أنَّ التَّلاميذ في تلك اللَّيلة (إن كُنتُم تَذكرونَ ذلك)؛ أي في اللَّيلة الَّتي تَمَّ فيها تأسيس عشاء الرَّبّ: "ثُمَّ [فَعلوا ماذا] سَبَّحوا وخَرجوا". فقد كانوا يُرَتِّلون بقيَّة مزامير الهَلِّيل حَسَبَ التَّقليد. وبعد أن يُرَتِّلوا كلَّ تلك المزامير، قبل أن يَنصرفوا، كانوا يَشربون الكأسَ الرَّابعة الَّتي كانت تَرمِزُ إلى الاحتفال بالملكوت الآتي.

لذا، هذا هو ما كانوا يَفعلونه. وإن درستُم الأناجيل وأنتُم تَتخيَّلون هذه الصُّورة، يمكنكم أن تَفهموا بالتَّفصيل الدَّقيق ما كانوا يَفعلونه في كلِّ لحظة في عشاء الرَّبّ أو الفِصح. ففي لحظةٍ ما في تلك اللَّيلة، وهي اللَّحظة الَّتي تَمَّ فيها كَسْرُ الخُبْز الفَطير قبل الوجبة، أخذ يسوعُ ذلك الخُبز الَّذي يَرمز إلى الخروج وكَسَّرَهُ وقال: "هذا الخُبزُ هو..." [ماذا؟] "...جسدي". وبعد الوجبة، أخذ تلكَ الكأس الثَّالثة. ونحن نَعلم أنَّهم شَربوها بعد الوجبة لأنَّ النَّصَّ يقول: "بعدَ العَشاء" أو "بعد أن تَعَشَّى". وهذا لا يعني أنَّهُ بعد أن شَرِبَها أوَّلاً، بل يَعني "بعد العشاء". فقد شربَ تلك الكأس الثَّالثة وقال: "إنَّ هذه الكأس الَّتي كانت تَرمِز بالنِّسبة إليكم إلى دَمِ خروفِ الفِصح لم تَعُد تَرمز إلى ذلك، بل إنَّ هذه الكأس هي دَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنكُم". وبذلك، حَوَّلَ يَسوعُ الفِصْحَ إلى عشاءِ الرَّبّ. وقد قال: "والآن، عندما تريدون أن تَتذكَّروا، لا حاجة إلى أن تَتذكَّروا الخروج، ولا حاجة إلى أن تَتذكَّروا مِصْرَ بعد الآن، ولا حاجة إلى أن تَتذكَّروا الفِصح عندما تُفَكِّرون في الله المُخَلِّص أو عندما تُفَكِّرون في الله المُنقِذ، بل ينبغي لكم أن تَتذكَّروا موتي. فالفِصحُ كان شيئًا رائعًا أَخرجَكُم مِن مِصر وأَدخلَكُم في النِّهاية كَنعان. ولكنَّ مَوتي سيُخرجكم مِن عبوديَّة الشَّيطان ويُدخلكم في النِّهاية السَّماء. فالفِصحُ وَفَّرَ لكم فقط راحةً جسديَّة. وأمَّا مَوتي فإنَّه سيوفِّر لكم راحة أبديَّةً وروحيَّة. وعندما تَريدون شيئًا يُذَكِّرُكم بالله المُخلِّص أو باللهِ المُنقِذ، لن يكون ذلك الشَّيء هو عيد الفِصح، بل سيكونُ عشاءَ الرَّبّ".

لذا، فقد أخذَ يسوعُ عيد الفصح الجميل هذا في اللَّيلة الَّتي سَبَقت موتَه وجَعلَهُ عشاءً له. والآن، عندما نَجتمع معًا فإنَّنا لا نَجتمع للاحتفال بالله بصفته المُخَلِّص العظيم أو بسبب ما فعله في مِصر، بل للاحتفال بالله العظيم المُخَلِّص والمُنقِذ بسبب ما فعله على الصَّليب. أتَرَوْن؟ فقد حدث تَغيير.

والآن، أريد منكم أن تُلاحظوا شيئًا: أنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، وأعتقد أيضًا أنَّ عقيدة الاستحالة عند الكنيسة اللُّوثريَّة وغيرها تُسيءُ فَهْمَ الكلمات "هَذا هُوَ جَسَدي" في العدد 24 والكلمات المذكورة في العدد 25: "[هذا هو] الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي". وبسبب سُوءِ فَهمهم لمعنى الفعل "إيستين" (estin) (وهو فِعل الكَينونة في اللُّغة اليونانيَّة)، فقد قَرَّروا أنَّ هذه إشارة حَرفيَّة إلى جسد المسيح ودمه – إمَّا بالمعنى الجسديِّ تمامًا، وإمَّا بمعنىً روحيٍّ غريب. ولكنَّ هذا الفِعلَ لا يعني ذلك. فالفِعل "إيستين" في أيِّ حالةٍ مِن حالاته (سواء في صيغة المُفرد أو الجَمع) يُستخدَم عادةً بمعنى: "يُمَثِّل". فهذا الخُبز ليس هو جسدُه، بل يُمَثِّل جسدَه. وهذه الكأس ليست هي دَمُه، بل تُمَثِّل دَمَه. وعندما يقول يسوع في إنجيل يوحنَّا والأصحاح العاشر: "أنا هو الباب" فإنَه يعني: "بصفتي المُخلِّص ورَاعي الخِراف، فإنَّني أُمَثِّلُ البابَ المؤدِّي إلى الحَظيرة". فهو لم يَكُن حَرفيًّا بابًا. وفي إنجيل مَتَّى والأصحاح 13، عندما ذَكَرَ مَثَل الحِنطَة والزَّوان وقال: "الحَقلُ هو العالَم" فإنَّه لم يَقصد أن يقول إنَّ الحقل هو العالَم، بل قَصَدَ في هذا المَثَل أن يقول إنَّ الحقلَ يُمَثِّل العالَم. وقد قال إنَّ الزَّرعَ الجيِّد هو بَنو الله، وإنَّ الزَّوانَ هو بَنو الشِّرِّير. ولا شَكَّ في أنَّ فِعْلَ الكَينونَة بصيغة المُفرد والجَمع في هذه الحالات يَعني: "يُمَثِّل". فهو يُستخدم بالمعنى المَجازيِّ أو الرَّمزيّ.

لذا فإنَّ هذا يُمَثِّل جسدي؛ أي هذا الخُبز (كما قال). وهذه الكأس تُمَثِّل دَمي. فهي لم تكن دمه. فقد كان دَمُه ما يزال يَسري في عُروقه عندما قال ذلك. والخبزُ لم يكن جسده. فقد كان جسدُه ما يزال جالسًا هناك عندما قال ذلك. لذا، نحنُ لا نتحدَّث عن أشياء حَرفيَّة. ويجب عليكم أن تَتذكَّروا تمامًا ما عَلَّمَهُ يسوع في إنجيل يوحنَّا والأصحاح السَّادس. "كيفَ سنأكُل جسدَه؟ فلا يوجد منهُ ما يَكفي الجميع!" هذا هو ما خَطَر ببالهم.

لذا فإنَّه يقول في العدد 23 (أي: بولُس) إنَّ الربَّ يسوع أخذَ خُبزًا" ... وأنَّهُ "شَكَر". وهذه تَرجمة للكلمة "يوكاريستيئو" (eucharisteo) في اللُّغة اليونانيَّة؛ وهي الكلمة الَّتي جاءت مِنها الكلمة "إفخارستيَّا". "وَشَكَرَ فَكَسَّر" لكي يَتمكَّن الجميع مِن الاشتراك في رغيفِ الخُبز الواحد. وقال: "خُذُوا كُلُوا هذَا [يُمَثِّلُ] جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ". هذا يُمَثِّلُ جسدي. "ما الَّذي تَعنيه بهذا يا رَبّ؟" لقد كان الجسد في الفِكر اليهوديّ يُمَثِّل الإنسانَ كُلَّه، أو المرءَ كُلَّه، أو حياة المسيح المُتَجَسِّدة بأسرِها. فهذا الخُبز يُمَثِّلُني كُلِّي بصفتي الله المُتَجَسِّد. فَسِرُّ التَّجسُّد كامِنٌ هناكَ مُنذ اليوم الَّذي وُلِد فيه إلى اليوم الَّذي ماتَ فيه، وحتَّى عندما قامَ ثانيةً. فكُلُّ التَّجسُّد يَتَلَخَّص في الكلمة "جَسَد". فهو اللهُ في جسدٍ بشريّ، تَذَكَّروا أنِّي صِرتُ إنسانًا، وتألَّمتُ، ورُفضتُ، واحتُقرتُ، ومُتُّ في النِهاية لأجلكم. ولكنَّ الأمرَ كُلَّهَ لا يَتوقَّف على موته فقط. فالخُبزُ لا يُمَثِّل مَوتَهُ فقط، بل يُمَثِّل تَجَسُّدَه كُلَّه. هذا هو جسدي. هذا الخُبزُ يُمَثِّل جسدي المَكسور لأجلكم.

والكلمة "المَكسور" لا تَرِد في أَدَقِّ المخطوطات. والحقيقة هي أنَّكم إذا قرأتُم بتدقيقٍ ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 19 ستجدون أنَّ الجنودَ جاءوا بعد صَلْبِ يسوع فلاحظوا أنَّه كانَ قد مات. لِذا فإنَّهم لم يَكسروا سَاقَيْه "لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «عَظْمٌ [ماذا؟] لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ»". فنحن نقول "دَمُهُ المَسفوك وجَسَدُهُ المَكسور". ولكنَّ هذا غير صحيح. فجسدُهُ لم يُكسَر. فلم تُكسَر عظمةٌ واحدة في جسده. "هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ". وأجملُ كلمة في هذه الآية هي الكلمة "لأجلكم" ... "لأجلكم". فهو يقول: "انظروا! تَذَكَّروا هذا: أنَّ هذا يُمَثِّل حقيقة أنَّ الله صارَ إنسانًا لأجلكم".

فلماذا تَجَسَّدَ الله؟ لأجله هو؟ لا، بل لأجلكم. ولماذا جاء يسوع إلى هذا العالَم وعَانى ما عَاناه؟ لأجلكم. ولماذا احتملَ الكراهِيَة، والهُزءَ، والسُّخرية، والاحتقار، ومُؤامرات كُلِّ الأشخاص الَّذينَ لم يَحتملوه؟ لماذا احتملَ كلَّ ذلك؟ ولماذا ذَهَبَ إلى البُستان ليلةً تِلو الأخرى تلو الأخرى وكانَ يَسكُبُ قَلبَهُ هناكَ في كَرْب؟ ولماذا تَعَرَّقَ بشدَّة حتَّى نَزَلَ عَرَقُه كقطراتِ دَمٍ؟ ولماذا ماتَ على الصَّليب؟ لأجلكم. هذا هو السَّبب: لأجلكم. هذا هو جسدي - لأجلكم. فهو لأجلكم.

ويا لهُ مِن إلهٍ مُنعمٍ جدًّا، وغَفور، ومُحبّ، ورَحوم لأجلكم. وقد تقول: "ولكنِّي لا أستحقُّ ذلك". هذا صحيح، ولكنَّهُ ما يزال يَفعل ذلك مِن أجلك. "ولكنِّي لا أريد ذلك". إنَّهُ ما يزال يفعل ذلك مِن أجلك. وإن اخترتَ أَلاَّ تَقبل ذلك فهذه مُشكلتُك. ولكنَّهُ فَعَلَ ذلك لأجلك. وكما تَرون، فإنَّ يسوعَ قال: "انظروا! إنَّهُ لأجلكم. أَلاَ تَذكَّرتُم ذلك؟ فكلُّ ما فَعلتُه إنَّما فَعلتُه لأجلكم. فكلُّ حياة المُعاناة والكَرب تَجعلُني رئيسَ كهنةٍ مُتعاطفا ومُتَفَهِّما لكم لكي تأتوا إليَّ وتَستَنِدوا إليَّ، وتَسمعوني أقول: ’أجل، أنا أفهم ذلك. فقد اختبرتُ ذلك. فقد فعلتُ ذلك لأجلكم. فأنا لم أكن بحاجة إلى القيام بذلك، ولكنِّي فعلتُه لأجلكم. فقد بَذلتُ جسدي لأجلكم". فالتَّجَسُّدُ بِمُجمله، يا أحبَّائي، هو لأجلكم. والسَّببُ الَّذي مات لأجله هو لأجلكم. فقد ماتَ بَدلاً عنكم. وقد عاشَ لكي يَتعاطَف معكم. أجل!

لِذا فإنَّه يقول رَدًّا على ذلك: "أَلاَ صَنَعتُم ذلك لِذكري؟" بعبارة أخرى: "حيثُ إنِّي صَنعتُ كُلَّ هذا لأجلكم، أَلاَ صَنعتُم شيئًا لأجلي؟" وقد تقول: "لا بُدَّ لنا أن نقولَ ’أجل يا رَبّ! ماذا؟‘" "أَلاَ صَنعتُم هذا لِذِكري؟" ويجب أن تَعلموا أنَّني أتَعَجَّب أحيانًا مِن أبسطِ أشكال الطَّاعة بين المؤمنين! فقد كنتُ أتحدَّثُ إلى عددٍ مِن المؤمنين مؤخَّرًا فقلتُ ... والحقيقة هي أنِّي قلتُ لواحدٍ منهم تَحديدًا: "مَتى كانت آخرَ مَرَّة اشتركتَ فيها في عشاءِ الرَّبِّ أو في مائدةِ الرَّبّ؟ "أعتقد أنَّ آخر مَرَّة كانت قبل سنة ونِصف". فقلتُ لهُ: "إنَّ هذه خَطيَّة!" فهذه خَطيَّة. وهذا عِصيان. انظروا إلى العدد 24 إذْ يقولُ يسوع: "اصنَعوا هذا". هل فَهمتم ذلك؟ "اصنَعوا هذا". والآن، إمَّا أنَّكَ تَصنع هذا وإمَّا أنَّكَ لا تَصنعُه. وإن كنتَ تَصنعُ ذلك فإنَّها طَاعَة. وإن لم تَصنع ذلك فإنَّهُ ماذا؟ عِصيان. اصنعوا هذا. وقد تقول: "ولكنَّكم لا تُقدِّمونَ المائدة هنا كثيرًا". إذًا، اشترِك فيها في مكانٍ آخر. اصنع ذلك في بيتِك. اصنَع ذلك في درس الكِتاب. اصنَع ذلك في مجموعة الصَّلاة. اصنعوا هذا. فهو يقول: "اصنعوا هذا". فالأمرُ بهذه البساطة. هل قال: "اصنعوا هذا في الكنيسة؟" هل قالَ: "اصنَعوا هذا صَباحَ يوم الأحد؟" لا، بل قال: "اصنعوا هذا" ... "اصنعوا هذا". لماذا؟ "لِذِكري".

ولا أدري إن كان بمقدورنا أن نَفهم الكلمة "لِذِكري" فَهمًا صحيحًا لأنَّنا نُفَكِّر في الذِّكرى كما لو كُنَّا نقول: "آهَ أجل! أنا أتذكَّر. فقد حدثَ ذلك في الماضي". ولكنَّ العِبرانيِّين لم يكونوا يُفكِّرون في الكلمة "ذِكرى" بتلك الطَّريقة، بل إنَّ الذِّكرى كانت عند العِبرانيَّ تَعني... والآن لاحظوا هذا: لقد كانت تعني أن تَستحضِرَ بِكُلِّ ذِهنكَ الواعي حُضور الشَّخص الَّذي تَتَذكَّرُه. فهي لا تعني فقط أن تقول: "آه، نعم، إنَّني أتذكَّر ذلك. أجل، فقد حدث ذلك قبل ألفي سنة إذ إنَّه مات على الصَّليب. أنا أَذكُرُ ذلك. أنا أَتَذَكَّرُ يا رَبّ". لا، بل إنَّ الذِّكرى تَعني أن أَتَخَيَّلَ نفسي هناك، وأن أَستحضِرَ ذلك المَشهد في الحاضر كما لو كنتُ أعيشُ حَقًّا في حَضرةِ يسوعَ المسيح. فعندما كانَ العِبرانيُّ يَتذكَّر ذلك، كان ذلك يعني بالنِّسبة إليه أن يَمتلئَ كلُّ ذهنِه ونفسِه وقلبِه بالحضور الواعي للشَّخص الَّذي يَتذكَّرُه.

ويسوعُ يقول: "اصنَعوا هذا. وعندما تَصنعوه، أَلاَ استحضرتُموني في ذِهنِكُم الواعي؟ لا فقط موتي لأجلكم، بل حياتي لأجلكم، وتَجَسُّدي بأسرِه. أَلاَ اشتركتُم في المائدة وأنتُم تَستحضِرون ذلك في ذِهنِكم...ذِهنِكم الواعي؟" وكما تَرون، يمكنكَ أن تأتي، وتَشربَ الكأس، وتأكُلَ الخُبز، ولكن إن كان ذِهنُكَ بعيدًا ملايين الأميال فإنَّكَ لن تَتذكَّرَ الرَّبَّ مَهما فَعلتَ إلاَّ عندما تَضَعُ كُلَّ الأشياء الأخرى في ذِهنكَ جانبًا وتَدعوه إلى ذِهنِكَ الواعي. وهو يقول: "أَلاَ أخذتُم هذا الخُبزَ وأكلتُموه وأنتُم تَستحضروني بذِهنِكم الواعي؟ أي أن تَستحضِروا كُلَّ ما فَعلتُه لأجلكم طَوال حياتي. ففي نِهاية المَطاف، لقد فعلتُ ذلكَ لأجلكم. لِذا، أَلاَ اشتركتُم في المائدة وأنتُم تَتذكَّرونَ ذلك؟" ونقرأ في العدد 25: "كَذلِكَ الْكَأسَ أَيْضًا..."؛ أي بالطَّريقةِ نفسِها " كَذلِكَ الْكَأسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا". لِذا فإنَّنا نقولُ إنَّها الكأس الثَّالثة لأنَّهم كانوا قد أكلوا الوَجبة؛ أي وَجبة الفِصح. "قَائِلاً: «هذِهِ الْكَأسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ...". والكلمة "دياثيكيه" diatheke)) تُترجَم دائمًا "عهد" إلاَّ رُبَّما في مَوضِعٍ واحدٍ فقط وهو عبرانيِّين 9 إذْ إنَّه ينبغي أن تُترجمَ بكلمة أخرى. وعَدا عن ذلك الاستثناء الوحيد، فإنَّها تُترجَم: "عَهْد". "هذِهِ الْكَأسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ [أو: "الوعد الجديد"] بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا [أو: "مَارسوا هذه الفَريضة"]. "اصنَعوا هذا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي»".

والآن، إنَّهُ يأخذُ الكأسَ هنا ويقول: "هذه الكأس تُمَثِّل العهد الجديد بدمي". فقد تَمَّ التَّصديق على العهد القديم بدمِ ماذا؟ الحَيَوانات. أمَّا العهدُ الجديد فتَمَّت المُصادقة عليه بدمِ المسيح. فكما تَعلمونَ، عندما تُوَقِّعونَ وثيقة فإنَّكُم تُصادقون عليها. والرَّئيسُ يُوَقِّع مَرسومًا فيصيرُ ساري المَفعول. وعندما يُرسل إليكَ شخصٌ بوليصةَ تأمين، أو أوراقًا قانونيَّة، أو فاتورةَ بيع منزل، أو أيَّ وثيقة أخرى، فإنَّك تأخذُ قَلَمَ حِبْرٍ، وتَستخدمُ قَلَمَ الحِبر للمُصادقة على الاتِّفاق. فقد وعدوا بتسليمكَ مُنتَجًا، وقد وَعَدتَهُم بدفع المال لهم أو شيئًا بالمُقابل. فَهُم يَعِدونَكَ في بوليصة التَّأمين بتوفير الحِماية لك، وأنتَ تَعِدُهم بأنَّكَ ستَدفع لهم قيمة تلك الحماية. فهناك عَهْدٌ تَتِمُّ المُصادقة عليه بمادَّة سائلة ... بِحِبْر.

وفي العهد القديم، قال اللهُ لإسرائيل: سوف أقودُكم إلى أرض الموعِد. وسوف أَعْبُرُ عن بيوتِكم مِن دونِ أن أُهلِكَ أَبكارَكُم إن وَقَّعتُم على الخَطِّ المُنَقَّط". وما المادَّة الَّتي استخدموها للتَّوقيع؟ دَم الخَروف المَرشوش على القائِمَتَيْن والعَتَبة العُليا. فقد كان ذلك الدَّمُ هو السَّائل المُستخَدم للمُصادقة على العهد: "يا رَبّ، تَمِّم الجُزءَ الخاصَّ بك، ونحنُ سنُتَمِّم الجُزءَ الخاصَّ بنا". وطَوالَ العهد القديم، استمرَّ اللهُ في القول: "يجب عليكم أن تُصادِقوا على العهدِ بالدَّم". وقد كانوا يَذبحونَ الحَيَوانَ تِلوَ الآخر، تِلو الآخر، تِلو الآخر حَتَّى إنَّ الدِّماءَ كانت تَجري في كلِّ أرضِ إسرائيل طَوالَ تاريخها لأنَّ النَّاسَ استمرُوا في تجديد العهد المَرَّة تلو الأخرى تلو الأخرى تلو الأخرى. والحقيقة هي أنَّه عندما كانَ هُناكَ عَهْدٌ يُبرَم في الشَّرق، أي في الشَّرقِ القديم، لم يكونوا يُبرمونَهُ بتوقيع أسمائهم في الأسفل، بل كانوا يَذبحون حَيَوانًا ويَرُشُّونَ دَمَهُ على كِلا الفَريقَيْن. فقد كانَ يَتِمُّ رَشُّ كِلا الفَريقَيْن بالدَّمِ علامةً على أنَّكَ ستَحفظ عهدَك. فقد كان العهدُ يُصادَق عليه بالدَّم.

ويسوعُ يقولُ: "إليكُم هذا العهد الجديد. فاللهُ يَقطَعُ عَهدًا جديدًا". وهل تَعلمون ما هو ذلك العهد الجديد؟ إنَّه ليسَ العهدَ القديمَ القائم على النَّاموس. وَهُوَ ليس العهد القديم القائم على تقديم هذه الذَّبيحة، وتلك الذَّبيحة، وتلك الذَّبيحة؛ بل إنَّه عهدٌ جديد. وهذا هو ما يَنُصُّ عليه: "سوفَ أَغفِر لكم كُلَّ خَطاياكُم على مَدى الأيَّام". وقد كان هذا العهدُ جديدًا. فقد كانوا يُقدِّمون الذَّبائح باستمرار. "سوف أُقدِّمُ ذَبيحةً واحدةً إلى الأبد. وهذا الذَّبيحُ هو المَسيح. وكانت ذبيحَتُه الواحدة ومُصادَقَتُهُ الواحدة بالدَّم ستُنهي نِظام الذَّبائح إلى الأبد". وهذا عهدٌ جديد. فاللهُ يقول: "سوف أُعطيكم غُفرانًا كاملاً إلى الأبد، وأُعطيكم حياةً أبديَّةً إلى الأبد بِدَمِ المسيح". وكأنَّ يسوعَ المَصلوبَ استخدَمَ دَمَهُ للتَّوقيع على الخَطِّ المُنَقَّط. وهذا هو العهد الجديد الَّذي بِدَمِ المسيح. فهو ليس دَم حَمَل مَرشوش على قائمتيِّ الباب إذ يقولُ اللهُ: "سوف أُخرجكم مِن أرض مِصر وأقودُكم إلى أرض الموعد". فقد كان هذا الوعدُ مُؤقَّتًا وليسَ دائمًا. ولكنَّ دَمَ العهد الجديد الَّذي يقولُ اللهُ فيه: "سوف آخُذُكُم إلى السَّماء وأغفِر لكم خطاياكُم إلى الأبد غُفرانًا غير مَشروطٍ لأجل يسوعَ المسيح". وهذا هو العهدُ الجديد.

لِذا فإنَّه يقول إنَّ الكأسَ تُمَثِّل العهدَ الجديد. فلا حاجة إلى العودة إلى دَمِ الفِصح، بل تعالَوْا إلى دَمِ الصَّليب. وقد كان اليهودُ بِكُلِّ تأكيد يَسفكونَ ذلك الدَّم المَرَّة تلو المَرَّة تلو المَرَّة، ويُكَرِّرونَ ذلكَ مِرارًا وتَكرارًا والمَرَّةً بعد الأخرى ويقولون: "أنا آسِفٌ يا رَبّ! وألتَزِمُ مَرَّةً أخرى بعهدِك. لقد أخطأتُ مَرَّةً أخرى. أرجوكَ أن تَغفر لي مَرَّةً أخرى. فها أنا أُقدِّمُ ذَبيحَتي مَرَّةً أخرى. وأنا أريدُ أن أكونَ مُطيعًا مَرَّةً أخرى، إلخ، إلخ". ولكنَّنا نأتي مَرَّةً واحدة فقط باسم دَمِ يسوعَ المسيح ونَقطَعُ على أنفسِنا ذلك العهد.

ولكن هل تَعلمونَ شيئًا؟ في كلِّ مَرَّة بعد ذلك وحتَّى نِهاية حياتنا نَحتفل فيها بمائدة الرَّبِّ، فإنَّنا نُعيدُ تأكيد ذلك العهد. أليس كذلك؟ فنحنُ نأخذُ الكأسَ ونقول: "أنا أُجَدِّدُ خارجيًّا عَهدي وألتزمُ بالجُزءِ المُختصَّ بي مِن الخلاص". وقد تقول: "وما هو الجُزءُ المُختصُّ بي؟" إنَّ اللهَ يقول: سأُخلِّصُك، وأُعطيكَ حياةً أبديَّة، وأَغفر لكَ خطاياكَ إلى الأبد إن فَعلتَ شيئًا واحدًا". ما هو؟ أن تُؤمِن. وعندما تَشربُ الكأسَ فإنَّك تقول: "أنا أُوْمِنُ، وأُجدِّد ذلك التَّكريس، وأُجَدِّد ذلك العهد، وأُعيدُ تأكيدَ ذلك التَّعَهُّد". ويسوعُ يقول: "اصنَعوا ذلك...أَلاَ صَنعتُم ذلك؟" وقد تقول: "كَم مَرَّة؟" "كُلَّما شَربتُم". إذًا، كم مَرَّة ينبغي أن تَشربَ الكأس؟ نقرأ في العدد 26: "فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيء". وسوف أخبركم كَم مَرَّة ينبغي أن تَصنعوا ذلك. كم مَرَّة ترغب في الإخبار بِموتِ المسيح؟ كم مَرَّة ترغب في إعلان موته؟ كم مَرَّة ترغب في الاشتراك في التَّحدُّث عن موته؟ كم مَرَّة ترغب في إعادة تأكيد ذلك العهد؟ هذا هو عدد المَرَّات. وحين تَصنعون ذلك، أَلاَ تَذكَّرتُم موتي؟ أَلاَ تَذكَّرتُموني بِكُلِّ ما تَعنيه الذِّكرى؟ أَلاَ استحضرتُم موتي في أذهانكم؟

والآن، ستُلاحظون أنَّ الأمر لا يَقتصرُ على الاشتراك في المائدة فقطـ، بل إنَّه إعلان في العدد 26. فأنتُم تُعلِنون موت الرَّبِّ على المَلأ. فأنتُم تُذيعونَهُ. فالعالَمُ يَنظر إلى المائدة ويقول: "ما الَّذي يقولونَه؟" فيُجيبُ أحدُ الأشخاص قائلاً: "إنَّها طريقتهم في الاحتفال بموت يسوع". وهذا صحيح. فيجب علينا أن نُعلن ذلك ونُعلِنَهُ ونُعلِنَهُ للعالَم. فإن كنتَ هنا في هذا الصَّباح ولم تَقبل بعد يسوعَ المسيح، وتُؤمِن بموته، ولم تؤمن يومًا بأنَّه الله المُتجسِّد، وبأنَّه ماتَ موتًا بَدليًّا وكَفَّاريًّا عنك، يُمكنك أن تَسمع الرِّسالة المُختصَّة بهذه المائدة في هذا الصَّباح وأن تُكَرِّس نفسكَ للمسيح. وقد سَمعتُ أنَّ هناك أشخاصًا قَبلوا المسيحَ في الخدمة السَّابقة بسبب الرِّسالة المُختصَّة بمائدة الرَّبّ. فنحنُ نُعلنُها هنا.

وكما قلتُ في وقتٍ سابق، فإنَّها أيضًا تَنطوي على مَعنىً أُخْرَوِيّ. فنحنُ نَقرأ العِبارة "إلى أن يَجيء" في العدد 26. فالمائدة تُساعدُنا دائمًا في تَرَقُّب اليوم الَّذي سنشترك فيه في المائدة معه. لذا فإنَّ الأمرَ لا يَقتصرُ فقط على الاشتراكِ في المائدة، بل إنَّنا نَتذكَّرُ ما صَنَعَهُ الرَّبُّ. ونحنُ نَستحضِرُهُ في أذهانِنا كما لو كان حاضرًا. ونحن نُجَدِّد عَهدَنا وتَكريسَنا له. ونحنُ نَشترك مع الرَّبِّ الحيِّ. ونحنُ نُعلن الإنجيل ونَترَقَّبُ مَجيئه الثَّاني في هذه المائدة. فهذه مائدة خاصَّة. وعندما نَشترك فيها فإنَّ بولس يقول: "يجب عليكم أن تأتوا باستعدادٍ خاصّ".

ولنَنظر إلى النُّقطة الثَّالثة وهي الاستعدادُ لعشاء الرَّبّ. وسوف ننظر بسرعة إلى هذه النُّقطة: الاستعدادُ لعشاء الرَّبّ. نَقرأ في العدد 27: "إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأسَ الرَّبِّ ["أناكسيوس" – “anaxios”]، أي: بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ". فهو يقول: "انظروا! إنَّ الأمرَ خَطيرٌ. وَهُوَ مُهِمّ. فإن تعاملتُم مع هذا الشَّيءِ غيرِ العاديِّ بطريقة عاديَّة، تكونونَ [حَرفيًّا] مُذنبين أو مُجرمين في جَسدِ الرَّبِّ ودَمِه". فإن اشتركتَ في هذه المائدة بطريقة خاطئة، تكونُ مُذنبًا.

وما الَّذي تَعنيه بالعبارة "بدون استحقاق" يا جون؟ حسنًا! سوف أخبركم كيف يمكن أن تَشتركوا في المائدة بدون استحقاق. فقد فعلَ الكورنثيُّون ذلك. وإليكم كيف يمكن أن تُعاملوا مائدة الرَّبِّ بدون استحقاق. أوَّلاً، بأن تتجاهلوها عوضًا عن أن تُطيعوها؛ أي مِن خلال عدم اشتراككم فيها. فأنتم تقولونَ إنَّها غير لازمة، وإنَّها غير ضروريَّة، وإنَّها غير مُهمَّة. وهل هذا صحيح؟ لا! بل هو خطأ. فهذا لا يَليقُ بك، ولا يَليقُ به. ثانيًا، قد تُعاملونَ مائدة الرَّبِّ بدون استحقاق بأن تَجعلوها استعراضًا وليست شيئًا ذا مَغزى، وبأن تَشتركوا فيها مِن دون فَهمِها. وسوف أَذكُر لكم طريقةً ثالثةً تُشَوِّهونَ فيها مائدة الرَّبِّ وتُعاملونها بدون استحقاق وهي بأن تَجعلوها شيئًا مُخَلِّصًا عوضًا عن أن تكونَ شَرِكَة؛ أي أن تَظُنَّ أنَّها تُخَلِّصُك عوضًا عن أن تَفهم أنَّها تَرمي إلى جَعلِكَ تُجَدِّد تكريسَكَ وتُجَدِّد شَركتَك مع المسيح. وهناك طريقة أخرى قد تُعامِل بها هذه المائدة بدون استحقاق وهي بأن تُعاملها كَطَقْسٍ دِينيٍّ لا كاختبارٍ شخصيٍّ. وقد تُعامِلُها بغير استحقاق بأن تُعامِلَها باستخفاف عوضًا عن أن تُعاملَها بجِدّيَّة. وإن جئتَ للاشتراك في هذه المائدة وأنت تَشعُر بالمَرارة تُجاه أيِّ مؤمنٍ آخر بأيَّة طريقة، أو بأيِّ شكلٍ مِن الأشكال، أو إن كانت هناك خطايا في حياتك لم تَعترف بها، أو إن كنتَ تعيشُ في أيِّ شكلٍ مِن أشكال الخطيَّة دون أن تتوب عنها أو تَرجع عنها، وإن اشتركتَ فيها وأنتَ تَفتكرُ بأفكارٍ غير مُقَدَّسة عن الله أو المسيح أو الرُّوح القُدُس أو كلمة الله، وإن اشتركتَ فيها وأنتَ تَفتكرُ بأفكارٍ بعيدة عن المحبَّة الكاملة للإخوة والأخوات في جسد المسيح، تكونُ قد اشتركتَ فيها بدونِ استحقاق.

وقد تقول: "وما عواقبُ ذلك؟" اسمعوني: سوف تكونُ مُجرمًا في جسد الرَّبِّ ودَمِه. وقد تقول: "جون! ما الَّذي تَعنيه أنَّني سأكون مُجرمًا في جَسَدِ الرَّبِّ ودَمِه؟" أي أنَّكَ ستكونُ مُذنبًا تُجاه المسيح. فأنتَ تُعامِلُه حَرفيًّا بطريقة غير لائقة. لِذا فإنَّكَ تصيرُ مُذنبًا بمُعاملته بتلك الطَّريقة غير اللاَّئقة. فأنتَ تَتعامل مع كلِّ حياة المسيح وموته بطريقة غير لائقة. لِذا فإنَّكَ مُذنبٌ في ذلك. بعبارة أخرى، إنَّ الله يقول إنَّكَ مُذنبٌ في ذلك. فأنتَ تَصيرُ مُجرمًا أو مَسؤولًا أو مُذنبًا. فمثلاً، إنَّ الشَّخصَ الَّذي يَحتقرُ العَلَم لا يُهينُ العَلمَ فقط، بل يُهينُ بَلَدَهُ ويَصيرُ مُذنبًا بالإساءة إلى أُمَّتِه. والشَّخصُ الَّذي يَدوسُ بِقَدَمَيِّ عَدَمِ المُبالاةِ أوِ الخطيَّة الجسدَ والدَّمَ المُمَثَّلَيْن في عُنْصُرَيِّ هذه المائدة يكونُ مُذنبًا لأنَّهُ أهانَ، واستخفَّ، واحتقرَ، وهَزَأَ بشخصِ يسوعَ المسيح. فالطَّريقة الَّتي تُعاملونَ بها هذه المائدة، يا أحبَّائي، هي الطَّريقة الَّتي تُعاملون بها يسوع. فهذا هو ما يقولُه. وهذا يَعني أنَّنا نَقِفُ أمامَ المسيحِ نفسِهِ هُنا. والحقيقة هي أنَّ الأمرَ جِدِّيٌّ جدًّا حتَّى إنَّ عدم إدراك حقيقته وخُطورته يَجلبُ الدَّينونة.

إذًا، ماذا ينبغي أن تَفعل؟ نقرأ في العدد 28: "وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأس". يجب عليك أن تَفحص نفسَك، وأن تَنظر إلى قلبِك. فهل يوجد شيء فيه لا ينبغي أن يكون موجودًا فيه؟ والكلمة المُستخدمة هنا في اليونانيَّة تَعني أن تُجري فَحصًا دَقيقًا للنَّفس: أي أن تَفحصَ حياتَكَ، ودوافِعَكَ، وموقفكَ مِن الرَّبِّ، وموقفكَ مِن عشاء الرَّبِّ، وموقفكَ مِن المؤمنين الآخرين. احرص على أَلاَّ تكونَ عَديمَ المُبالاة، أو وَقِحًا، أو عديمَ الاكتراث، أو مِن وجود خَطيَّة في حياتِك، أو عدم اعتراف، أو استهزاء، أو ما إلى ذلك. وبعدَ أن تَفحصَ نفسَك، يمكنكَ أن تأكُل الخُبزَ وأن تَشربَ الكأس. ولكنَّ الفحصَ يأتي أوَّلاً.

لماذا؟ "لأَنَّ الَّذِي يَأكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأكُلُ وَيَشْرَبُ... ["كريما" – “krima” في اليونانيَّة]، وهي كلمة ينبغي أن تُترجَمَ "تَأديبًا"، لا دَينونةً. فهذه أسوأ تَرجمة قَرأتُها. فالكلمة تَعني: "تأديب". فالكلمة "كاتاكريما" (katakrima) تعني "دَينونة". وهي مُستخدمة في العدد 32. أمَّا الكلمة "كريما" (krima) فإنَّها كلمة أَقَلُّ خطورةً، وهي تعني "تأديبًا". فإن أَكلتَ وشَربتَ بدونِ استحقاق، ستأكُل وتَشرب تأديبًا لنفسك لأنَّك لم تُمَيِز جَسَدَ الرَّبِّ. بعبارة أخرى، أنتَ لا تَتعامل مع حقيقة المسيح بجِدِّيَّة وكرامة وطهارة وقداسة.

وإن لم تكن تُدرك جِدِّيَّة وقداسة عشاء الرَّبِّ، وتَشترك في جسدِ ودَمِ شخصِ يسوعَ المسيح، بل إنَّك تُعامِلُهُ بطريقة تَنطوي على الخطيَّة، فإنَّكَ مُذنبٌ حَرفيًّا بإهانته وتَستحقُّ التَّأديبَ. وسوفَ تُؤدَّب لأنَّكَ لم تُفَكِّر جِدِّيًّا في ما تَفعلُه. فأنتَ لم تُمَيِّز مَعنى عشاءَ الرَّبِّ وأهميَّتَه. والآن، هناك أشخاص يَقولونَ إنَّ العبارة "جَسَدَ الرَّبِّ" تَعني أيضًا الكنيسة؛ أي أنَّكَ لا تأخُذ على مَحْمَلِ الجِدِّ الكنيسة؛ أي: جسد المسيح. وقد يكونُ المَعنى مُستَتِرًا هناك، ولكن في هذا النَّصِّ فإنَّ الكلمة "جسد" تُشيرُ دائمًا إلى جسدِ الرَّبِّ الحَقيقيّ.

ونتيجةُ ذلك التَّأديب، ما الَّذي يَفعلُه اللهُ، وكيف يُؤدِّبُنا؟ حسنًا! في كورنثوس، إليكم ما فَعَلَهُ. فنحن نقرأ في العدد 30: "مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ". والكلمة "يَرقُدونَ" تُشيرُ إلى الموت. فقد قال الرَّبُّ إنَّه بسبب إساءة الكورنثِّين إلى مائدة الرَّبِّ، صارَ بعضٌ منهم ضُعفاء، أي أنَّهُم مَرِضوا قليلاً. وقد مَرِضَ آخرون جدًّا. وقد أماتَ اللهُ بعضًا منهم. والحقيقة هي أنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يقولَ إنَّ كثيرينَ منهم ماتوا. ولا أدري عددَ الأشخاص الَّذي أَماتَهُم اللهُ في كورِنثوس، ولكنَّه عدد كبير. ولماذا أَماتَهُم؟ أو ما الشَّرّ الَّذي صَنعوه؟ إنَّها خطيَّة الاشتراك في مائدة الرَّبِّ بطريقة غير لائقة. ومِن شأن ذلك أن يُعطيكم فِكرة بسيطة عن خُطورة هذه الخطيَّة. وأعتقد شخصيًّا أنَّ حَنانيَّا وسَفِّيرة اللَّذَيْن أَماتَهُما اللهُ بسبب خطيئتهما قد ماتا على الأرجَح وخَسِرا حياتَهُما في خِدمة مائدةِ الرَّبّ. ولا شَكَّ في أنَّ ذلك كان صادمًا جدًّا جدًّا. أليس كذلك؟ فرُبَّما سَقطا مَيِّتَيْن في أثناء الاشتراك في خدمة مائدة الرَّبّ لأنَّ هذا هو ما كانت الكنيسة تَفعلُه عندما تَجتمع. ولا أدري إن كان مؤمنون كثيرون اليوم ضُعفاء أو مَرضى أو يموتون بسبب طريقة تَعامُلهم مع مائدة الرَّبِّ إذ إنَّهم يُعاملونها بطريقة تَنطوي على عدمِ المُبالاةِ، أوِ الخطيَّة، أو بطريقة غير لائقة.

ثُمَّ إنَّه يقول في العدد 31 ... إليكُم التِّريَاق: "لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا". فلو أنَّكم فَحصتُم أنفسَكم لما تَعرَّضتُم للتَّأديب. وفحصُ الذَّاتِ يُرجِعُنا إلى العدد 28: افحص قلبَك، وافحص دوافِعَك. فقد أَدَّبَ اللهُ مؤمني كورِنثوس لأنَّهم لم يَفحصوا أنفسهم، ولم يُطَهِّروا حَياتَهم. وفي العدد 32، يَكتُب بولس آيةً رائعةً وبديعة. وكم كنتُ أَتمنَّى أن يكون لدينا وقت للتَّأمُّل فيها، ولكن يجب علينا أن نُسرِع. ففي هذا الوقت، قد يقولُ قائلٌ: "هذا إجراءٌ صارِمٌ يا أخي. لا يُمكنني أن أحتملَ هذا! فلا يمكنني أن آتي إلى المائدة وأنا أَعلمُ أنَّهُ إن كان يوجد شيء غير صحيح فإنَّني قد أموت. وما أعنيه هو أنَّني قد أذهب إلى جَهنَّم! فما النَّفع؟" أنا أُحِبُّ هذه الآية: "وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ ["كاتاكريما" – “katakrima”] مَعَ الْعَالَمِ". فنحنُ نُؤدَّب مِن الرَّبِّ لكي لا نُدان مع العالَم.

وهل تريدون أن تَسمعوا شيئًا؟ لا يوجد مؤمن في أيِّ وقتٍ أو أيِّ ظَرفٍ سيُدان مع العالَم. فالنَّاس يقولون: "هل هذا يعني أنَّني سأفقِد خلاصي؟ هل هذا يعني أنَّني سأهلك؟" لا! فأنتَ لن تُدانَ مع العالَم لأنَّكَ إن فعلتَ ذلكَ ستَخضع لماذا؟ للتَّأديب مِن الرَّبّ. فأسوأُ شيءٍ قد يَحدث للمؤمن هو التَّأديب الشَّديد. وما هو هذا التَّأديب؟ أن يأخُذَكَ إلى السَّماء. وقد تقول: "هذا ليسَ سَيِّئًا جدًّا!" إنَّ المعنى المقصود مِن الآية... مِن هذه الآية الرَّائعة... إنَّ الغاية مِن هذه الآية هي: انظروا! سوف نُؤدَّب مِن الرَّبِّ لكي لا نُدان مع العالَم. وقد تقول: "ولكن هل مِن المُحتمل أَلاَّ يُؤدِّبَني الرَّبُّ؟" "الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ". فكلُّ مؤمنٍ هو تحت يَدِ التَّأديبِ الإلهيّ الَّتي تَمنَعُهُ مِن أن يُدان مع العالَم. أليس هذا الحقُّ رائعًا؟ لِذا، لا يَجوزُ لنا أن نَشعُر بذلك الخوف الرَّهيب. ولا أدري كيفَ تَشعرون، ولكنِّي أريدُ أن أكونَ شَخصًا مُعافَى وسعيدًا، وأن أعيش إلى حِيْن. لذا، لا مَانِعَ لَديَّ في أن أَفحصَ نفسي عندما أتقدَّمُ إلى مائدة الرَّبّ.

ثُمَّ إنَّهُ يَختِمُ بالعَدَدَيْن 33 و 34 قائلاً: "إِذًا يَا إِخْوَتِي..." قَوِّموا أمرَ وَليمة المَحبَّة تلك. "حِينَ تَجْتَمِعُونَ لِلأَكْلِ، انْتَظِرُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". أَتَذكرونَ ما قُلناه في الأسبوع الماضي؟ لا تُتْخِم نفسكَ قبلَ أن يَأتي الفُقراءُ ولا يَجدوا شيئًا يأكلونَه. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَجُوعُ فَلْيَأكُلْ فِي الْبَيْتِ، كَيْ لاَ تَجْتَمِعُوا لِلدَّيْنُونَةِ. وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا". ولا أدري ما هي المشاكل الأخرى، ولكن يمكنكم أن تَسرحوا بِمُخَيِّلَتِكُم. والقصدُ مِن هذا كُلِّه، يا أحبَّائي، هو أن يقول إنَّ الله جَادٌّ جدًّا جدًّا بخصوص طريقة التَّعامُل مع مائدة الرَّبّ. وعندما نَشتركُ فيها في هذا الصَّباح، أرجو أنَّكم ستَفحصون قلوبَكم كما سأفحصُ أنا قلبي. دَعونا نُصَلِّي:

سوف نَطلُب مِن الشَّمامسة أن يَتقدَّموا في أثناء صلاتِنا لكي يَستعدُّوا للخدمة. يا أبانا، نَشكُرُك لأنَّكَ خَاطبتَ قُلوبَنا وقَلبي أنا شخصيًّا. أَعلمُ أنَّهُ يوجد في وَسطِنا في هذا الصَّباح أشخاص لا يَعرفون يسوعَ المسيحَ مُخَلِّصًا، ولا يَستطيعون الاشتراك في هذه المائدة ما لم يَقبلوه. لِذا فإنَّ صَلاتي يا أبانا في هذه اللَّحظة هي أن تَفتح قُلوبَهم لك لكي يَقولوا الآن: "يا رَبّ يسوع، أريد أن آكُلَ جَسَدَكَ وأَشربَ دَمَك. أريدُ أن أقبلَ تَجسُّدَكَ وموتَكَ الكَفَّاريَّ عَنِّي". وهناك مؤمنونَ آخرونَ، يا رَبّ، لا يُمكنهم أن يَشتركوا في المائدة بسبب وجود خطيَّة غير مُعتَرف بها، أو خطيَّة لم يَتوبوا عنها، أو مَرارة، أو أيِّ مُعَطِّلٍ آخر. صَلاتي هي أن يَعترفوا بها الآن. لِذا، لَيتَنا نَفحَص قُلوبَنا، ونأكُل ونَشرب. باسم يسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize