نَأتي في هذا الصَّباح إلى رِسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13. وقد كُنتُ عازِمًا على قَولِ المَزيد، ولكنِّي لم أتمكَّن مِنْ قَولِ المَزيدِ في الخِدمةِ الأولى. لِذا، سَنتوقَّفُ حيثُ تَوقَّفنا فيها كي نُحافِظَ على الاتِّساقِ بينَ الخِدمَتَيْن. ولكِنَّ الأصحاحَ الثَّالِثَ عَشَرَ هذا غَنِيٌّ عَنِ التَّعريفِ ولا يَستدعي مِنِّي أن أقولَ شَيئًا عَنهُ لَكُم لأنَّهُ أصحاحٌ تَعرِفونَهُ. وإنْ كُنتَ مُؤمِنًا ومَضَى على إيمانِكَ أيُّ وقتٍ، رُبَّما كُنْتَ تَشعُرُ بمشاعِرَ عَظيمَة مِنْ نَحوِهِ وتُحِبُّهُ جِدًّا بسببِ تأثيرِهِ الهائِلِ في أعظمِ شَيءٍ في العالَمِ بأسرِه وَهُوَ مَوضوعُ المَحبَّة.
وهُناكَ مَن قالوا إنَّ هذا لا بُدَّ أن يكونَ أعظم وأقوى وأعمق شَيءٍ كَتَبَهُ الرَّسولُ بُولُسُ يَومًا. وَهُوَ يُدعَى: "أُنشودَة المَحبَّة". وَهُوَ يُدعَى أيضًا: "التَّفسير الشِّعريّ الغِنائيّ للعِظَة على الجَبل". وقد أَسماهُ أحَدُهم: "التَّطويبات بِصيغَة مُوسيقيَّة". فهو أصحاحٌ درامِيّ. ودِراسَتُهُ تُشبِهُ تَشريحَ زَهرَة. ولستُ واثِقًا مِن أنَّكَ عندما تُشَرِّحُ زَهْرَةً فإنَّها ستكونُ بنفسِ الجَمالِ الَّذي كانَت عليهِ قبلَ أن تَفعلَ ذلك، ولكِن يجب عليكَ أن تَفعلَ ذلك كي تَرى تَعقيدَ تَصميمِ الله. لِذا، سوفَ نَقومُ بِدورِ عَالِمِ النَّباتِ الرُّوحِيِّ بِضعةَ أسابيع ونُفَصِّلُ هذا الأصحاحَ جُزءًا جُزءًا كي نَفهمَ الجَماليَّاتِ الكامِنَة تحتَ السَّطح.
والشَّيءُ المُدهِشُ بخصوصِ هذا الأصحاحِ هو أنَّهُ نَسَمَةُ هُواءٍ عَليلٍ [إنْ جازَ التَّعبيرُ] في وَسْطِ هذا السِّفْر. فهذا السِّفرُ يُعالِجُ مَشاكِلَ كثيرة. وَهُوَ حَازِمٌ جدًّا بطُرُقٍ عَديدة لأنَّ بُولسَ يَتَصَدَّى لِكَنيسةِ كورِنثوسَ بسببِ كُلِّ السُّلوكِيَّاتِ الخَاطِئَةِ والمَفاسِدِ الأخلاقيَّةِ في حَياتِهم الشَّخصيَّةِ، وعَدَمِ انصِياعِهم لتلكَ المبادئِ الَّتي أعطاها اللهُ لِمُبارَكَتِهم. وكُلُّ هذه الأشياءِ تُوْضَعُ جانبًا نَوعًا مَا إذْ إنَّ بولُسَ يُحَلِّقُ في الأصحاحِ الثَّالِث عَشر بِجَناحَيْنِ مِن خلالِ تَفسيرِهِ ومُشارَكَتِهِ لما أُوْحِيَ إليهِ بالرُّوحِ القُدُسِ عنِ المَحبَّة.
ويُمكنُني أن أتخيَّلَ أنَّ نَاسِخَ بُولُس (أو سِكرتيرَهُ) الَّذي كانَ يُدَوِّنُ هذهِ الرِّسالةِ الَّتي يُمليها عَليهِ قد صُعِقَ ونَظَرَ إلى وَجهِهِ حينَ ابتدأَ يُمْلِي الأصحاحَ الثَّالثَ عَشَر بسببِ تَغييرِه المُفاجِئ. فهو يَختلفُ جدًّا عن بَقيَّةِ السِّفر. وهو تَغييرٌ هائلٌ في الأسلوب. فهو غِنائيٌّ. وَهُوَ بَلاغِيٌّ. وَهُوَ مُختلفٌ تَمامًا عن بَقيَّةِ السِّفْر. فقد كانَ يَكْدَحُ في حَلِّ المَشاكِلِ الواحدةَ تِلوَ الأخرى بتَفكيرٍ عَميقٍ وحُجَجٍ مُصاغَة بِعناية، وتوضيحاتٍ، وتَحذيرات. وفجأةً، يَضْرِبُ الإيقاعَ في الأصحاحِ الثَّالث عَشَر فيَصْدَحُ الأصحاحُ في الغِناء. وَهُوَ يُشبِهُ جَوهرةً بَديعَةً مَوضوعَةً أمامَ خَلفيَّة رَائِعَة. ومعَ أنَّ الخَلفيَّةَ رائعَةٌ، والخَلفيَّةَ بَديعَةٌ، فإنَّ الجَوهرةَ هي الَّتي تَجعَلُ الخَلفيَّةَ هكذا. لِذا فإنَّ الأصحاحَ الثَّالِثَ عَشَر مِن رسالةِ كورِنثوس هو جَوهرةُ خَلفيَّةِ الرِّسالةِ بمُجمَلِها.
ولكنِّي أَوَدُّ أن أُضيفَ ما يَلي: أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّ هذا الأصحاحَ تَحديدًا عُوْلِجَ بِنَوعٍ مِنَ التَّفَرُّد (وَهُوَ يَستحقُّ ذلك)، وبالرَّغمِ مِن أنَّهُ فُصِلَ وعُزِلَ مَرَّاتٍ عَديدة، واستُخدِمَ للوَعْظِ كما لو كانَ نَصًّا مُستقلًّا بِذاتِهِ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ مِن دونِ أيِّ رَابِطٍ بأيِّ شيءٍ آخر، فإنَّ القُوَّةَ الحَقيقيَّةَ لهذا الأصحاحِ تَتجلَّى في دِراسَتِهِ في سِياقِه. فلا يُمكنُني أنْ أجعَلَ هَذا الأصحاحَ يَعني بالنِّسبة إلَيكُم ما يَعنيهِ إنْ أخَذْتُهُ مُنفصِلاً وعَلَّمْتُهُ وَحْدَهُ. ولا شَكَّ أنَّ هذا هو ما أشعُرُ بِهِ تُجاهَ أيِّ أصحاحٍ في الكتابِ المُقدَّس، ولا سِيَّما تُجاهَ هذا الأصحاحِ، لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ يُساءُ استخدامُهُ بتلكَ الطَّريقةِ كَثيرًا جدًّا. فالنَّاسُ يُخرِجونَهُ مِن سِياقِهِ ويُعَلِّمونَهُ. وَهُمْ بذلكَ يُفَوِّتونَ ما فيهِ مِن قُوَّة لأنَّ قُوَّتَهُ تَكْمُنُ في رَبْطِهِ ببقيَّةِ السِّفر، ولا سِيَّما بالأصحاحَيْن 12 و 14.
فكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ يَتوَسَّطُ مَقطَعًا يَتحدَّثُ عنِ المَواهِبِ الرُّوحيَّة. أليسَ كذلك؟ 12 و 13 و 14. ففي الأصحاحِ الثَّاني عَشَر، يَتحدَّثُ بولسُ عَن إعطاءِ المَواهِبِ، وَقَبولِ المَواهِبِ، والطَّريقةِ الَّتي وَضَعَ اللهُ فيها المَواهِبَ معًا في الكنيسةِ، والطَّريقةِ الَّتي خَلَطَ بِها جَميعَ المَواهِبِ كي تَعملَ بفاعليَّة. لِذا فإنَّ الأصحاحَ الثَّاني عَشَر يَتحدَّثُ عن إعطاءِ المَواهِب. والأصحاحُ الرَّابِع عَشَر يَتحدَّثُ عنِ الاستخدامِ السَّليمِ للمَواهِب. فهكذا يَنبغي أن تَستخدِموها. وهَكذا ينبغي أن تَستخدِموها. وَلا يَجوزُ أن تَستخدِموها هَكذا. وفي الوَسَط، تَكْمُنُ الطَّاقةُ الصَّحيحة، أوْ يَكْمُنُ الدَّافِعُ الصَّحيح، أوِ القوَّةُ الصَّحيحة، أوِ الجَوُّ الصَّحيح، أوِ البيئةُ الصَّحيحة الَّتي تَعمَلُ فيها المَواهِب وهي: المَحبَّة. لِذا فإنَّها تَرْبِطُ المَواهِبَ معًا. وهي جُزءٌ مِنَ الطَّريقِ الأفضَل.
انظُروا إلى العَدد 31. فبعدَ أن ذَكَرَ لَهُم كُلَّ الأُسُسِ المُتعلِّقَة بكيفَ أنَّ اللهَ وَضَعَ المواهبَ في الكنيسةِ وكيفَ ينبغي أن يَكونوا قَنوعينَ، وكيفَ أنَّهُ لا يَجوزُ أن يَشعروا بعَدَمِ الكِفايَةِ أوْ بالغَيْرَةِ أوْ بالحَسَدِ إنْ لم يَمتلِكوا مَوهِبَةً حُسْنَى، وكيفَ أنَّهُمْ، مِن جانبٍ آخر، إنْ كانوا يَمتَلِكونَ مَوهبةً كتلكَ لا يَجوزُ أن يَفتَخِروا أو يَكونوا أنانِيِّينَ أو يَطلُبوا ما لأنفُسِهم، أو يَتَباهَوْا بها. وهو يَقولُ: "عِوَضًا عن أن تَقبَلوا ما يُعطيكُم اللهُ إيَّاه، فإنَّكُم تَرغَبونَ في الحُصولِ على المَواهِبِ الحُسْنَى". فهذا هو المَعنى في اللُّغةِ اليونانيَّة. فالفِعْلُ هُنا يَرِدُ في الأصل بِصيغةِ الدَّلالَة، لا بِصيغَةِ الأمر: "أنتُمْ تَسْعَوْنَ إلى المَواهِبِ الحُسْنَى، ولكنِّي أُرِيكُمْ [ماذا؟] طَرِيقًا أَفْضَل".
بِعبارة أخرى: "الطَّريقُ الأفضَلُ مِنَ الرَّغبةِ في الحُصولِ على المَواهِبِ الحُسْنَى هو أن تَقْنَعوا بالمَوهبةِ الَّتي لَديكُم. فهذا طَريقٌ أفضَل مِنَ التَّباهي أمامَ الآخرينَ لأنَّكُم تَملِكونَ مَوهِبَةَ التَّكَلُّمِ أوِ التَّعليمِ أو أيِّ مَوهبةٍ أخرى، أوِ اللُّغاتِ. والطَّريقُ الأفضَلُ مِنَ الافتخارِ هو أن تَكونوا مُحِبِّينَ. وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ في الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر إذْ يَصِفُ بلُغَةٍ بَديعَةٍ الطَّريقَ الأفضَل الَّذي هُوَ: المَحبَّة.
فقد كانتِ الكنيسةُ في كورِنثوس تَمتَلِكُ العَديدَ مِنَ المَواهِب، وكانت أُمورٌ كَثيرةٌ تَجري فيها، وأنشِطَةٌ كثيرة. ولكِنْ بِدونِ مَحَبَّة لم تَكُن رائعةً، بل كانت زائفةً. فقد كانوا أنانِيِّينَ، ويَطلُبونَ ما هُوَ لأنفُسِهم، ويَعملونَ بِحَسَبِ الجَسَد.
لِذا فإنَّ الأصحاحَ الثَّالِث عَشَر يُلَخِّصُ الطَّريقَ الأفضَل. فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ هُناكَ خِصامٌ في الجَسَد، ولا صِراعٌ، ولا سَعْيٌ لتَحقيقِ المَصالِحِ الذَّاتيَّة، ولا كِبرياء، ولا حَتَّى حَسَد، ولا حَتَّى غَيْرَة. فلا مَكانَ لمِثلِ هذهِ الأمور، بل فَقط المَحبَّة...بل فَقط المَحبَّة.
والآن، عندما تَتحدَّثونَ حَقًّا عنِ المَحبَّة فإنَّكُم تَصِلونَ إلى أعماقِ نَظرةِ بولُس إلى الحَياةِ الرُّوحيَّة لأنَّ المَحبَّةَ شيءٌ أساسيّ. ويُمكِنُنا أن نَصرِفَ أسابيعَ وأسابيعَ وأسابيعَ في التَّحدُّثِ عن ذلكَ المَوضوع. ولكِنَّ ما يَقولُهُ حَقًّا هُنا هوَ ما يَلي (وأُريدُ مِنكُم أن تَفهموا هذه النُّقطة لأنَّها جَوهَرُ كُلِّ شَيء): الحَياةُ الرُّوحيَّة الحَقيقيَّة هي الحَياةُ الوَحيدةُ الَّتي يُمْكِنُ فيها أن تُمارَس المَواهِبُ الرُّوحيَّةُ الحَقيقيَّة. هل هذا واضِح؟ والحياةُ الرُّوحيَّةُ الحَقيقيَّةُ لا تَخْضَعُ لسَيطرةِ مَواهِبِ الرُّوح، بل تَخْضَعُ لِثَمَرِ الرُّوح. ويجب أن تَفهموا ما أقول. واسمَحوا لي أن أقولَ ذلكَ مَرَّةً أخرى. فَها هُمُ الكُورِنثيُّونَ يَمْلِكونَ كُلَّ المواهِبِ، ولكنَّهُم لا يَملكونَ أيًّا مِنْ ثَمَرِ الرُّوح. وما هُوَ ثَمَرُ الرُّوح؟ رِسالَة غَلاطِيَّة 5: 22. ما هو أوَّلُ ثَمَر؟ "المَحَبَّة" - فَرَحٌ، سَلاَمٌ،...لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ". وإنْ لم تَمتَلِكوا ثَمَرَ الرُّوحِ فإنَّ مواهبَ الرُّوحِ تَعمَلُ في الجَسد. فالعَمليَّةُ بَسيطَة.
فالمؤمِنُ يَسلُكُ في الرُّوح. والرُّوحُ يُنشِئُ ثَمَرَ الرُّوح. ومِن ثَمَرِ الرُّوحِ تَنْبُعُ مواهِبُ الرُّوحِ العامِلَةِ بقوَّةِ الرُّوح. لِذا، إن لم يَكُن ثَمَرُ الرُّوحِ ظاهِرًا فينا، وإن لم تَكُنِ المَحبَّةُ ظاهِرَةً...ورُبَّما كانتِ المَحبَّةُ هي الثَّمَر، وكانت بَقيَّةُ تلكَ الكلماتِ وَصْفًا للمحبَّة بأبعادِها. فالمحبَّةُ، بِدونِ شَكّ، هي الأعظَمُ بينَها بِحَسَبِ ما جاءَ في الأصحاح 13 والعَدد 13 إذْ يَقول: "وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ"...إن لم تَكُنِ المَحبَّةُ ظاهِرَةً، فإنَّ ما يَنْتُجُ وما يُعْمَلُ إنَّما يُعْمَلُ مِن دُونِ ثَمَرِ الرُّوح. وإنْ كانَ ذلكَ يُعْمَلُ مِن دُونِ ثَمَرِ الرُّوحِ فإنَّهُ يُعْمَلُ مِن دونِ الرُّوح. فهو يُعْمَلُ في الجَسد. لِذا فإنَّهُ جَسَدِيّ. وَهُوَ يُعْمَلُ بِحَسَبِ الجَسَد. وَهُوَ زائِف.
إذًا، ها هُم أهلُ كورِنثوس. فقد كانوا يَملِكونَ مَواهِبَ رُوحِيَّة، ولكِنَّهُم كانوا يَعملونَ ما يَعملونَهُ بالجَسد مِن دُونِ ثَمَرِ الرُّوحِ. وبولُس يَقول: "حينَ تَفعلونَ كُلَّ ما تَفعلونَهُ، لن تَكونوا قد فَعلتُم أيَّ شَيء". واسمَحوا لي أن أقرأَ على مَسامِعِكُم الآياتِ الثَّلاثِ الأولى مِنَ الأصحاح 13. استَمِعوا إليها، ورَكِّزوا على الكلمة "إنْ". فالكلمة اليونانيَّة "آنْ" (ean) يُفَضَّلُ أنْ تُتَرجَمَ "إنْ". والنَّصُّ يَقول: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ. وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا. وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ [ماذا؟] شَيْئًا".
فَهُوَ يَقولُ إنَّ كُلَّ المَواهِبِ الرُّوحيَّةِ وكُلَّ الأنشطةِ لا تَعني شَيئًا مِن دونِ الثَّمَرِ الَّذي هو: المَحبَّة. فينبغي أن تَكونَ المحبَّةُ هي القُوَّةُ الدَّافِعَة. ويَنبغي أن تَكونَ المحبَّةُ هي الحافِز. ويَنبغي أن تَكونَ المحبَّةُ هي المُحَرِّكُ لكُلِّ شَيءٍ في حَياةِ المُؤمِن. وكما تَرَوْنَ، قد تَمْتَلِكونَ المَواهِبَ الرُّوحيَّةَ. وهذا ليسَ أمرًا مُحْتَمَلاً فقط، بل إنَّنا نَمْلِكُ حَقًّا مواهِبَ الرُّوحِ. ولكِنَّكَ قد تَمتَلِكُ المواهِبَ الرُّوحيَّةَ مِن دُونِ أن تَكونَ إنسانًا رُوحِيًّا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ امتلاكَ المواهِبِ الروحيَّةِ لا يَجعَلُكَ إنسانًا رُوحيًّا. فهي قد تَعمَلُ بطاقَتِكَ الذَّاتيَّةِ في الجَسد حينَ تُزَيِّفُها، أو قد تَعمَلُ بقوَّةِ الرُّوح. وبِدونِ ثَمَرِ الرُّوحِ، إنَّها تَعمَلُ في الجَسد.
إذًا، ها هُم أهلُ كورِنثوس. فقد كانوا يَتنبَّأونَ، وكانوا يَتكلَّمونَ بِلُغاتٍ، وكانوا يَزْعُمونَ أنَّهُمْ يَشْفونَ النَّاسَ ويَفعلونَ كُلَّ تلكَ الأمور. والمُشكلةُ هي أنَّهُ لم تَكُن تُوجَدُ مَحبَّة. وهذا يَعني أنَّهُ لم يَكُن هُناكَ ثَمَرٌ للرُّوح. وهذا يَعني أنَّ الرُّوحَ لم يَكُن يَعمَل. وهذا يَعني أنَّ الجَسَدَ هُوَ الَّذي يَعمَل. وهذا يَعني أنَّ ذلكَ كُلَّهُ كانَ زائِفًا. ومِنَ المُهِمِّ جدًّا، في اعتقادي، أن نَفهمَ اليومَ أنَّ اللهَ لا يُريدُ مِنَّا أن نَفعلَ أيَّ شَيءٍ بِقُوَّتِنا الذاتيَّة. وأعتقدُ أنَّنا نَعلَمُ ذلك. ولكِنْ دَعونا نَرى كيفَ يُبَيِّنُ ذلكَ هُنا.
المَحبَّةُ هي الطَّريقُ الأفضَل. والآن، عندَما نَتحدَّثُ عنِ الكلمة "مَحَبَّة"، أعتقِد أنَّهُ يَجْدُرُ بِنا أن نُعَرِّفَها لأنَّ عَالَمَنا لا يَعرِفُ أيَّ شَيءٍ عن مَعنى الكلمة "مَحَبَّة". فهي كَلِمَة جُرِّدَتْ في عَصْرِنا مِنْ مَعناها. والآن، اسمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم بِضعَ أفكار. فهذه الكلمة في اللُّغة اليونانيَّة هي: "أغابي" (agape)؛ وهي أعظَمُ مَفهومٍ للمحبَّة، وأسمَى مُستوىً مِنَ المَحبَّة. فهي المَحبَّةُ الَّتي تُنْسَبُ إلى الله. فهذه هي اللَّفْظَة. والسُّؤالُ هو: ما الَّذي تَعنيه؟
أوَّلاً، اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم ما لا تَعنيه. الكلمة "مَحَبَّة" كما تُذْكَرُ في كلمةِ اللهِ لا تَعني البَتَّة المَحَبَّة العاطفيَّة أوِ الجِنسيَّة. واللُّغَةُ اليونانيَّةُ تَحوي كلمةً بهذا المَفهومِ، ولكنَّها ليسَت هذه الكلمة. والكلمةُ الَّتي يَستخِدمونَها بذلكَ المَعنى لا تَظهَرُ البَتَّة في العهدِ الجَديد. فمثلاً، عندما نَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الخامِس: "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ"، فإنَّ هذهِ الآيَةَ لا تَتحدَّثُ عنِ المَحبَّةِ العَاطِفيَّة. وبالرَّغمِ مِن ذلك، كم عِظَةً سَمِعتُموها أو كِتابًا قَرأتُموهُ قالَ فيهِ أحدُ الأشخاصِ: "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ"، ثُمَّ قَدَّمَ أربعةَ أمثلةٍ إيضاحيَّة عَنْ فَتْحِ بابِ السيَّارة لَها، أو عَنْ شِراءِ الأزهارِ لها، أو عَنِ المَشاعِرِ الرُّومانسيَّةِ القَديمةِ، والاهتمامِ بالمَرأةِ كُلِّها، وكُلِّ تلكَ النَّصائِح؟ ولكِنَّها ليستِ المَحبَّةُ الَّتي يَتحدَّث عنها النَّصُّ. فهو لا يَتحدَّثُ عنِ العَلاقةِ الرُّومانسيَّةِ والجِنسيَّةِ وكُلِّ هذهِ الأمور. فهُناكَ كَلمة أُخرى تُشيرُ إلى ذلك.
وهُناكَ شَيءٌ آخر: الكلمة "مَحَبَّة" في الكتابِ المقدَّسِ لا تُشيرُ أبدًا إلى المحبَّة العاطفيَّة. فهو لا يَتحدَّثُ عن شُعورٍ يُدغدِغُ الحَواسّ. وهو لا يَتحدَّثُ عنِ النَّزعةِ العاطفيَّة. وهو لا يَقولُ إنَّ أعظمَ مَوهبةٍ مِن هذهِ المواهِبِ هي العاطفة. فهذه أيضًا ليست المحبَّة الكِتابيَّة. ثالثًا، الكلمة "مَحبَّة" كما تَظهَر لا تَعني أبدًا "رُوحَ المَودةِ والتَّسامُحِ والأُخوَّةِ نَحوَ الآخرينَ أيًّا كانَتْ قَناعاتُهم"؛ أيِ المَحَبَّةُ المَسكونِيَّة، أوِ الأشخاصُ الَّذينَ يَقولونَ: "لا يَهُمُّ ما يُؤمِنُ بهِ أيُّ شخصٍ. فطَالَما أنَّهُ تُوجَدُ قاعدة مُشتركَة، يجب علينا وحَسْب أن نُحِبَّهُم جَميعًا".
مُؤخَّرًا، عُقِدَ اجتماعُ صَلاةٍ مُعَيَّن حَضَرَهُ أُناسٌ مُعَيَّنون مِنْ دياناتٍ ومُعتقداتٍ أخرى غير المسيحيَّة. وقد سألَ شخصٌ مُديرَ المُؤتَمر الَّذي كانَ مَسيحيًّا ما الأساسُ الَّذي جَمَعَهُم معًا فكانَ رَدُّهُ: "آه! على أساسِ المَحبَّة". "إذًا، هؤلاءِ لا يُؤمِنونَ حَتَّى بالحَقِّ الكِتابيّ؟" "لا، نحنُ لسنا مُتَّفِقينَ على ذلك، ولكنَّنا نَتَّفِقُ في الصَّلاةِ ونُصَلِّي جميعًا. فهذه هي قاعِدَتُنا المُشترَكة". فحتَّى لو لم نَكُن نُصَلِّي للإلَهِ نَفسِهِ، كما يَقولون، لا بأسَ في ذلك. ولكِنْ كما تَرَوْنَ، هذا النَّوعَ مِنَ رُوحِ المَودَّةِ والتَّسامُحِ والأُخوَّةِ بِدونِ التَّفكيرِ في القَناعاتِ والعَقيدة هو ليسَ ما يَتحدَّثُ عنهُ الكتابُ المقدَّس.
وسوفَ أُضيفُ شيئًا ثالثًا: إنَّها لا تَعني "الإحسان". ومِنَ المُؤسِفِ أنَّ استخدامَ هذهِ الكلمة اللَّاتينيَّة في تَرجمةِ الملك جيمس جَعَلَنا نَظُنُّ أنَّ المَحبَّة هي الإحسان. وهذا مَوجودٌ في التَّرجمةِ المُعتَمَدة القديمة إذْ إنَّها تَستخدِمُ الكلمة "إحسان" في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. ولكنَّ الكلمة "مَحبَّة" لا تَعني أن تَتبرَّعَ بالمالِ لإحدى هَيئاتِ الإغاثَة. فهذهِ ليسَتِ النُّقطة الرئيسيَّة الَّتي يُرَكِّزُ عليها هذا الأصحاحُ، أوِ الَّتي تُرَكِّزُ عليها هذه الكلمة.
لِذا، إنْ لم تَكُنِ المَحبَّةُ شُعورًا رُومانسيًّا أو جِنسيًّا أو عَاطفيًّا، وإن لم تَكُن تُشيرُ إلى رُوحِ المَودَّةِ المَسكونيِّ الدَّاعي إلى التَّسامُحِ أوِ الإحسان، ما هي المَحبَّة إذًا؟ ما هي؟ حسنًا! سوفَ أُريكُم مَعناها الكِتابِيّ. افتَحوا كِتابَكُم على إنجيل يُوحنَّا 3: 16. وأنتُم تَذكرونَ هذه الآية. يُوحنَّا 3: 16. والآن، لاحِظوا هذا وانظروا إن كان أيٌّ مِنَ التَّعريفاتِ السَّابقةِ يُوافِق هذا المَعنى: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ" حَتَّى شَعَرَ بمشاعِرَ رُومانسيَّة نَحوَهُ؟ أيْ أنَّهُ شَعَرَ بِقُشَعْريرَة تَسري في عَمودِهِ الفِقْريّ؟ أو أنَّهُ كانَ يَملِكُ رُوحَ المَودَّةِ والتَّسامُحِ والأخُوَّة أيًّا كانَ ما يُؤمِنونَ بِهِ؟ أو أنَّهُ قَدَّمَ تَبَرُّعا لإحدى هَيئاتِ الإغاثَة؟ كَلاَّ. "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى [فَعَلَ ماذا؟] بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيد".
ما هي المَحبَّة؟ المحبَّة هي تَضحية بالذَّات. فالمحبَّةُ ليست شُعورًا. وكِتابيًّا، يُمكِنُكم أن تَرَوْا هذا المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة تِلوَ المَرَّة. فالمحبَّة هي تَضحية بالذَّات. فلا توجد "أغابي" مِن دونِ عَمل. ولا تُوجَد "أغابي" كمُجَرَّد شُعور أو عاطِفة أو إحساس. فهي عَمل. فالإحساسُ قد يُوجَد أو لا يُوجَد، ولكنَّ الفِعْلَ مَوجود. افتَحوا على الأصحاح 13 مِن إنجيل يُوحنَّا، على الأصحاح الثَّالِث عَشَر مِن إنجيل يوحنَّا فَتَرونَ الشَّيءَ نَفسَهُ. ويُمكنكم أن تَبحثوا بأنفُسِكُم عن آياتٍ أخرى تُؤكِّدُ ذلكَ في كِتابِكُم المُقدَّس إذْ إنَّكُم ستجدونَها بهذا المَعنى. ولكِنْ في الأصحاح 13 والعَددِ الأوَّل، يَلتقي يَسوعُ تَلاميذَهُ آخِرَ مَرَّة. وقد دَرَسنا هذا الأصحاح. وَهُوَ يَقول (أيْ إنَّ يُوحَنَّا يَقول): "أَمَّا يَسُوعُ...إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى". وحَرفيًّا (في اللُّغةِ اليونانيَّة): "أحَبَّهُم مَحبَّةً كامِلة". فقد أحبَّهُم إلى أقصى دَرجاتِ الحُبِّ. وقد أحبَّهُم إلى أقصَى مَدى يُمكِنُ للمحبَّة أن تَصِلَ إليه.
وفي ضَوءِ حُبِّهِ لَهُم تَمامًا، وحُبِّهِ لَهُم بنقاوة، وحُبِّهِ لَهُم إلى أقصى حَدٍّ مُمكِن، ما الَّذي يَفعلُهُ لأجلِهم؟ نَقرأُ في العددِ الرَّابعِ أنَّهُ "قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا، ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا". فقد أَحبَّهُم. وقد كانت مَحَبَّتُهُم لهم عَامِلَةً. فما الَّذي فَعَلَتْهُ؟ لقد غَسَلَتْ أرجُلَهُم المُتَّسِخَة فيما كانوا يَجلسونَ ويتَناقشونَ مَنِ سيكونُ الأعظَم في الملكوتِ، وَمَنِ الَّذي سيَجلِسُ بِجوارِ يَسوعَ في المُلْكِ الألفيِّ. وَمعَ أنَّهُم لم يكونوا يُفَكِّرونَ في أن يَغسِلَ بَعضُهُم أقدامَ بعضٍ، فإنَّ يَسوعَ وَقَفَ، وفَعَلَ ذلكَ، وأحَبَّهُم.
والآن، افتَحوا على العَدد 34 فتَجدونَ أنَّ هذا الأمرَ قد نَزَلَ كالصَّاعِقَة. ففي نِهايةِ الأصحاحِ نَفسِه، يَقول: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. [كيف؟] كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا". وكيفَ أَحَبَّهُم؟ بأنْ غَسَلَ أرجُلَهُم. وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ نَفسُ الشَّيءِ الَّذي يُوصينا بِهِ. فالمحبَّةُ هِيَ فِعْلُ تَضحيةٍ بالذَّات. وهي فِعلُ عَطاءٍ مُضَحٍّ. وهي غَسْلٌ للأرجُل. وهي تَعني أن تَبذُلَ ابْنَكَ.
افتَحوا على إنجيل يُوحَنَّا 15: 9 فَتَرَوْنَ ذلكَ مَرَّةً أخرى: "كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي". "كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا". وكيفَ أَحَبَّهُم؟ بأنْ جاءَ إلى العالَمِ وماتَ لأجلِهم. والآن، نَقرأُ في العددِ العاشِر: "إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي". بِعبارة أخرى، مَحبَّتي للهِ تَعني أن أُضَحِّي بمشيئَتي كي أفعلَ مَشيئَتَهُ. فهذه هي المَحبَّة. فهي عَمَلٌ مُضَحٍّ.
انظروا إلى العدد 13 إذْ تَجِدونَ هُنا أقوى مَثَل: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا". بعبارة أخرى، إليكُم أعظمَ تَعريفٍ للمحبَّة في الوُجود. ها هُوَ. فهل تُريدونَ أن يُقَدِّمَ لكُم شخصٌ مَا تَعريفًا للمحبَّة؟ ها هو أعظمُ تَعريفٍ قُدِّمَ يَومًا: "أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ [ماذا؟] نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ". فأعظمُ تَعريفٍ للمحبَّة هو أنَّها عَمَلٌ مُضَحٍّ جدًّا. وهي كذلكَ دائمًا في الكتابِ المقدَّس. وهي تَظهرُ هكذا دائمًا. فإن ذَهبتُم إلى يُوحنَّا، أيْ إلى إنجيل يُوحنَّا، تَجِدونَها في الأصحاح 21. ولن نَصرِفَ وَقتًا في قِراءةِ تلكَ الآيات، ولكِنْ يُمكنكم أن تَرَوْا الشَّيءَ نَفسَهُ فيما يَختصُّ بِبُطرس: "إذا كُنتَ تُحِبُّني يا بُطرس، اتبَعني. وسوفَ يُكَلِّفُكَ ذلكَ حَياتَكَ". وإذا نَظرتُم إلى رسالة يوحنَّا الأولى 4: 8-11، ستَرونَ أنَّ اللهَ أحَبَّنا. وكيفَ نَعلَمُ ذلك؟ لأنَّهُ بَذَلَ ابنَهُ ليموتَ عَنَّا ويكونَ "كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا". بعِبارة أخرى، إنَّ مَحبَّةَ اللهِ تَظهَرُ مِن خلالِ عَمَلِ التَّضحيةِ. وكذلكَ الأمرُ فيما يَختصُّ بِمَحبَّتِنا.
والآن عندما نَتحدَّثُ عنِ المحبَّة، هذا هو ما نَتحدَّثُ عنه. فهي عَمَلٌ مُضَحٍّ. وهي اتِّضاعٌ. ولِسانُ حَالِها هو: أريدُ أن أَسُدَّ حاجَتَكَ، وأريدُ أن أفعلَ ما يُريدُ مِنِّي اللهُ أن أفعل. فلا وُجودَ للمَصالِحِ الشَّخصيَّة في المحبَّة، ولا وُجودَ للكِبرياء، ولا وُجودَ للأنانيَّة، ولا وُجودَ لِتَعظيمِ الذَّات، ولا وُجودَ للغُرور. ولكِن كما تَعلمونَ، قد نُمارِسُ مَواهِبَنا بكبرياءٍ كي نُحَقِّقَ الشُّهرة. فقد أَعِظُ كي أصيرَ مَشهورًا أو أُحاوِلُ أن أكونَ مَشهورًا. وقد لا يَنجَحُ الأمرُ تَمامًا. ولكنِّي قد أعِظُ مِن أجلِ الشُّهرةِ أوِ النَّجاحِ أوِ المَجدِ أوِ المَكانَة. وقد أعِظُ كي أَحْظى بالقَبول. فقد أفعلُ ذلك، وقد تَفعلونَ أنتُم الشَّيءَ ذاتَهُ. فقد تَستخدِمونَ مواهِبَكُم بسببِ ضَغْطِ الأقران. فالجَميعُ يَفعلونَ ذلكَ وأنتَ تُريدُ أن تَنتمي إليهم. لِذا فإنَّكَ تَبحثُ عن مواهِبِكَ وتَستخدمها. وقد تَستخدِمُ أيَّ مواهِبَ لديكَ كي تَتَخَلَّصَ مِن أيِّ التزامٍ إلهيٍّ يُزعِجُكَ فتُؤدِّي واجِبَكَ تُجاهَ الله. وقد تَستَخدِمُ مواهِبَكَ كي يُرَبِّتَ الآخرونَ على ظَهْرِكَ الرُّوحِيِّ ويَقولوا لكَ كَم أنتَ رائِعٌ. وكذلكَ أنا.
بعبارة أخرى، هناكَ أسبابٌ أو دوافع أخرى كثيرة قد تكونُ لدينا، ولكِنْ يوجد سببٌ أو دافعٌ مشروعٌ واحدٌ فقط. فأنا أخدِمُ لأنِّي أفعلُ ذلكَ بِدافعِ تَضحيتي بنفسي لأجلِ مَشيئةِ اللهِ، وبدافعِ تَضحيتي بنفسي لأجلِ حاجاتِ إخوتي وأخواتي. فهذا هو السَّببُ الوَحيدُ المَشروع. أمَّا الأسبابُ الأخرى فليست مُهِمَّة. فَمُحَصِّلَةُ أيِّ شيءٍ آخَر هي صِفْر. فأنتَ لا شَيء. أنتَ لا شَيء. أنتَ لا شَيء. فأنتَ لستَ سِوى صَوتًا مُزْعِجًا: نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ.
إذًا، هذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ. والآن، لنَرجِع إلى رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13 إنْ لم تَكونوا هُناكَ أصلاً. فعندما يَدعو هؤلاءِ إلى المحبَّة فإنَّهُ يَقولُ: "انْسَوا أنفُسَكُم". وعندما قالَ لأهلِ فيلبِّي: "وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ" عَرَّفَها قائلاً: "لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا". تَمَثَّلوا بالمسيحِ "الَّذي لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ" وماتَ لأجلِنا. فهذه هي المَحبَّة. فالمحبَّة هي عَمَلٌ مُتَّضِعٌ يَظهَرُ مِن خلالِ الخِدمةِ وبَذْلِ النَّفس. وهذا هو ما كانتِ كنيسةُ كورِنثوس تَفتَقِرُ إليه. صَدِّقوني. فقد كانت تَفتقِرُ إليها. فَهُم لم يَكونوا يُسيئونَ فَهْمَ الأمورِ المُختصَّةِ بالعَقيدة. هل تُدركونَ أنَّهُ لم يَذكُر أيَّ عَقيدة مُهمَّة إلَّا عندما يَصِلُ إلى الأصحاحِ الخامِس عَشَر ويتحدَّثُ عنِ القيامَة؟ ولكِنْ حَتَّى ذلكَ الحِين، لم يُضْطَرَّ إلى تَقويمهم كما فَعَلَ معَ أهلِ كولوسي أو أهلِ غَلاطيَّة أو غَيرِهم بخصوصِ العَقيدة. فقد كانوا يَفهمونَ العَقيدة، ولكنَّهم لم يكونوا مُحِبِّين.
والآن، إذْ نَنظُرُ إلى هذا الأصحاحِ فيما يَختصُّ بالمحبَّة، سنَرى بعضَ الأمورِ المؤثِّرة جدًّا. فالأصحاحُ يُقْسَمُ إلى أربعةِ أجزاء. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذهِ الأجزاءِ الأربعةِ خِلالَ الأسابيعِ القَليلة القادِمَة: أهميَّةُ المَحبَّة، وسِماتُ المَحبَّة، ودَيمومَةُ المَحبَّة، وتَفَوُّق المَحبَّة. فنحنُ نَقرأُ عن أهميَّةِ المَحبَّة في الأعداد مِن 1 إلى 3، وعَن سِماتِ المَحبَّة في الأعداد مِن 4 إلى 7، وعن دَيمومَةِ المحبَّة في الأعداد مِن 8 إلى 12، ثُمَّ نَقرأُ في العدد 13 تلكَ الجُملة البَديعَة عن تَفوُّق المحبَّة. ولكِن في عِظَتِنا لهذا اليوم، سنبتدئُ وَحَسْب في التَّأمُّلِ في أهميَّةِ المَحبَّة. وَهُوَ يَبتدئُ بمحاولةِ تَبْيانِ أهميَّةِ المحبَّة، وكيفَ أنَّ مُؤمِني كورنثوس كانوا يُضَيِّعونَ وَقتَهُم هَباءً. فهل تَذكرونَ الكنيسةَ في أفسُس؟ وهل تَذكرونَ ما قالَهُ للكنيسةِ في أفسُس؟ "أنتَ تَفعلُ هذا، وتَفعلُ ذاكَ، وتَفعلُ هذا الأمرَ، وتَفعلُ ذلكَ الأمرَ، وتَفعلُ كَذا. لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ [ماذا؟] مَحَبَّتَكَ الأُولَى".
فإنْ كانت لديكم كُلُّ تلكَ الأنشطةِ بِدونِ أيِّ مَحبَّة فإنَّ ذلكَ لن يَقودَ إلَّا إلى الخَواء. وقد زَالَتْ كَنيسةُ أفسُس عن وَجْهِ الأرض. أليسَ كذلك؟ وهي لن تُبْنى ثانيةً. ولا يوجد كنيسة هُناكَ حَتَّى اليوم. فقد أُزيلَتِ المَنارَة.
والآن، أريدُ منكم أن تَتذكَّروا في أثناءِ دراسَتِنا لهذهِ الأعدادِ الثَّلاثة في الأسبوعَيْنِ القادِمَيْن أنَّ بولسَ يَستخدِمُ أسلوبَ المُبالَغة. فَلِكَيْ يُوَضِّحَ قَصْدَهُ فإنَّهُ يُبالِغ. وَهُوَ يُضَخِّمُ كُلَّ شيءٍ إلى أقصَى حَدٍّ مُمكِن. فمثلاً، إنَّهُ يَقولُ: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ..." إنْ كُنتُ أَعْلَمُ أنَّ المَلائكةَ يَتكلَّمون "...فإنَّ ذلكَ لا يَعني شَيئًا بِدونِ مَحَبَّة". وَهُوَ يَقول: "وَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ...وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ...". بعبارة أخرى، فَإنَّهُ يُبالِغُ وَيُصَوِّرُ كُلَّ شَيءٍ بأكبرِ صُورةٍ مُمكِنَةٍ كي يُوَضِّحَ قَصدَهُ فيقولُ: لا أهميَّةَ لقيامِكَ بأيِّ شَيءٍ، ولا أهميَّةَ لِعِلمِكَ بأيِّ شَيءٍ، ولا أهميَّةَ لمَدى نَشاطِكَ في القيامِ بذلكَ إلَّا إذا كانتِ المَحبَّةُ هي الدَّافِع. فهذا كُلُّهُ لا شَيء.
والآن، لنتأمَّل في ما يَقول. وفي المُلَّخصِ الموجودِ بينَ أيديكُم، ذَكرتُ لكم لائحةً كاملةً بهذه النِّقاط. وقد وَصَلنا فقط إلى النُّقطةِ الأولى. أوَّلاً، في المَقطَعِ الصَّغيرِ الأوَّل (أيْ في الأعداد مِن 1 إلى 3): اللُّغاتُ بِدونِ مَحَبَّة هي لا شَيء. اللُّغاتُ بِدونِ مَحبَّة هي لا شَيء. والآن، نَقرأُ في العددِ الأوَّل: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ". وهَذا يَقودُنا ... لقد قالَ لي أحدُ الأشخاصِ بعدَ الخِدمةِ الأولى: "لماذا تَتحدَّثُ عنِ الأشخاصِ الكارِزماتِيِّين؟ لماذا تَتحدَّثُ عن تلكَ الحَرَكة؟" الحقيقةُ هي أنَّ السَّببَ الَّذي يَدفعُني إلى التحدُّثِ عنها هو أنَّهُ يَنبغي لنا عندَ دراسةِ هذهِ الآياتِ أن نَتحدَّثَ عن مَوهبةِ اللُّغاتِ. لِذا، سنُحاولُ أن نَتحدَّثَ عنها مِن زاوية كِتابيَّة، لا فقط أنْ نُثيرَ قَضيَّةً نُهاجِمُ بها حَرَكَةً مَا. فسوفَ أَحْزَن جدًّا إنْ كانَ ما حَصَلتُم عليهِ مِنْ هذهِ العِظَة هو أنَّنا على صَواب وأنَّ هُناكَ حَرَكة خاطئة. فما ينبغي أن تَفهموهُ مِن هذهِ العِظة هو ما يُحاولُ اللهُ أن يَقولَهُ لَكُم هُنا عنِ الطَّريقةِ الَّتي ينبغي أن تَخدِموا بها في جَسَدِ المسيح. فهذا هو المِفتاح. ولكِنَّنا سنتحدَّثُ عن أمورٍ أخرى كي تَفهموا ما قِيلَ، وكي تَعرفوا كيفَ تُجاوبونَ الأشخاصَ الَّذينَ يُحاولونَ أن يُشَوِّشُوا أفكارَكُم.
حسنًا! بعدَ أن قُلنا ما قُلناه، ورُبَّما كانَ كَلامًا لا مَعنى لَهُ بالنِّسبةِ إليكُم، ولكنِّي أشعُر بمَشاعِر أفضل. العَدد الأوَّل. سوفَ نَتأمَّلُ في العددِ الأوَّل. حسنًا؟ "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ...". لاحِظوا أنَّ بولسَ يَتكلَّمُ بصيغةِ المُتكلِّمِ المُفْرَد. وهذا شَيءٌ حَسَنٌ تَفعلُهُ حينَ تَكونَ مُعَلِّمًا كي تَضُمَّ نَفسكَ إلى الآخرينَ بِصِفَتِكَ شخصًا خاطئًا مُخَلَّصًا بالنِّعمة قد تَسقُطُ في أيِّ خطيَّة يُمكِنُ أن يَسقُطَ فيها أيُّ شخصٍ آخر. فبولس يَقول: "أنا مِثلُكم لأنِّي قد أُمارِسُ المَواهِبَ بِدونِ مَحبَّة". فقد أُمارِسُ المَواهِبَ بِدونِ مَحبَّة. فقد أستخدِمُ مَوهبةَ اللُّغاتِ. وقد كانَ يَمْلِكُ تلكَ المَوهبةَ بِحَسَبِ ما جاءَ في الأصحاح 14 والعَدد 18 إذْ يَقول: "أَشْكُرُ إِلهِي أَنِّي أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِكُمْ". لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "قد أَقَعُ في هذا الخطأ، وقد أتكلَّمُ بِلُغاتِ النَّاسِ، وحَتَّى أنْ أتكلَّمُ بِلُغةِ الملائكةِ. ولكِنْ إنْ لم تَكُن لديَّ مَحبَّة، فقد صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ".
والآن، لاحِظوا العِبارَة "أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ [أو: لُغاتِ] النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ". وقبلَ كُلِّ شيء، أوَدُّ أن أُتَرجِمَ الكلمة المُستخدَمَة هُنا "لُغات"، لا: "أَلْسِنَة" لأنَّ ذلكَ يُشَوِّشُ النَّاسَ بطريقةٍ يُمكِنُ تَجَنُّبُها بسرعة. فهذه الكلمة تُشيرُ إلى اللُّغات. لِذا فإنَّنا نُتَرجِمُها بتلكَ الطَّريقة. فهي مَوهِبَةُ اللُّغات. والآن، إنَّهُ يَقول: "بِلُغاتِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ". ويجب علينا أن نتوقَّفَ هُنا قليلاً. فقد تَحَدَّثنا عن كُلِّ مَوهبة رُوحيَّة أخرى باستثناءِ هذه. والآن، يجب علينا أن نَتحدَّثَ عنها لأنَّنا وَصلنا إلى الأصحاحَيْن 13 و 14. ونحنُ لم نَشَأ أن نُثيرَ القضيَّةَ مِن دونِ مُبَرِّر مِن خلالِ التحدُّثِ عن هذه الموهبة. أمَّا الآن، بعدَ أن وَصلنا إلى هذا المَقطع، يجب علينا أن نَتحدَّثَ عنها. وأريدُ منكم أن تُفَكِّروا مَعي. ونحنُ لن نَتمكَّنَ مِنَ التحدَّثِ عن كُلِّ شيءٍ اليوم. فسوفَ تَبقى هُناكَ أُمورٌ مُعَلَّقة. وإنْ بَقيتُم مَعَنا إلى أنْ نَصِلَ إلى نِهايةِ الأصحاح 14، لن تُضطَرُّوا إلى طَرحِ الأسئلة لأنَّنا سنُحاولُ أن نُجيبَ عنها كُلَّها. ولكِنْ لنتأمَّلْ وَحَسْب في هذه الفِكرة المُختصَّة بلُغاتِ النَّاسِ.
فما المَقصودُ بالتَّكلُّمِ بلُغاتِ النَّاسِ؟ وما هي مَوهبةُ اللُّغات؟ لقد رَأينا جَميعَ المواهِبِ الأخرى. والآن، سوفَ نَنظُرُ نَظرةً خاطفةً إلى هذه المَوهبة. وسوفَ نَتحدَّثُ عنها بتفصيلٍ شَديدٍ في الأصحاح الرَّابِع عَشَر. ولكِنِ اسمَحوا لي أن أقولَ ما يَلي في هذا الصَّباح: إنَّ العهدَ الجديدَ واضِحٌ تَمامَ الوُضوحِ بخصوصِ مَاهِيَّةِ هذهِ المَوهِبَة. فلا يُوجَد أيُّ شَكٍّ بشأنِها في ذِهني. وأعتقد أنَّكُم حينَ تَدرُسونَ كلمةَ اللهِ، ستَجِدونَ أنَّها تُوَضِّح ببساطَة مُتناهِيَة ومؤكَّدة طَبيعةَ هذهِ المَوهِبَة. فالأمرُ ليسَ صَعبًا. واسمَحوا لي أن أُريكُم أوَّلَ استِخدامٍ لها في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الثَّاني كي نَرى ما هي، ونَعرِفَ تَعريفَها الرَّئيسيّ. أعمال الرُّسُل والأصحاح الثَّاني.
والآن، في العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، نَرى أنَّ يَومَ الخَمسينِ العَظيمِ قد جاء. وهي فَترة عَظيمة أَعْقَبَتِ الفِصْحَ. وَهُوَ وقتُ احتفالٍ، ووقتٌ كانت فيهِ أورُشَليمُ تَزْدَحِمُ بالنَّاسِ الَّذينَ جاءوا لحُضورِ الأعياد. "وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ". فقد كانَ هُناكَ نَحْوُ مِئَة وعِشرينَ شخصًا مِنهُم يَنتظرونَ وَعْدَ الآبِ بِحُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ وَوِلادَةِ الكنيسة. وأنتُم تَعلمونَ ما حَدَث. فقد "صَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ...". فهي شَيءٌ ظَهَرَ مِنَ الأعلى وَاسْتَقَرَّ "عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ". وقد كانَ يُشبِهُ أَلْسِنَةَ النَّارِ. وهي ليسَت بالضَّرورة نَارًا حَقيقيَّة، ولكنَّها ظَهَرَتْ كأنَّها مِنْ نَار؛ إذْ إنَّها كانت تُشبِهُ النَّار. "وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغاتٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا".
هُنا، حَلَّ الرُّوحُ القُدُس. فالرُّوحُ القُدُسُ يُعَمِّدُ المؤمِنينَ في الجَسد. وَالرُّوحُ القُدُسُ يَحِلُّ في حَياةِ المُؤمِنين. وَالرُّوحُ القُدُسُ يَملأُ المُؤمِنينَ. ولكي يُعطي البُرهانَ على ذلك، حَدَثَتْ مُعجزة رائعة فَابتدأوا يَتكلَّمونَ بِلُغاتٍ كَما أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا. والآن، إنَّها لُغاتٌ أخرى. والكلمة "لُغات" هُنا هي "غلوسا" (glossa)، وهي تَعني: لُغات. فهي الكلمة الاعتياديَّة والمألوفة في اللُّغة اليونانيَّة بِمَعنى: "لُغَة". فقد تَكلَّموا بلُغاتٍ أخرى. وهُناكَ أُناسٌ اليومَ يَقولونَ إنَّ مَوهبةَ الألسِنَةِ هي كَلامٌ صُوفيٌّ غير مَفهوم، وإنَّها لُغَةُ صَلاة. وقد سَمِعتُ أُناسًا كثيرينَ يَقولونَ إنَّها لُغَتُكَ الخاصَّة. فأنتَ تَحصُلُ على لُغَةٍ خاصَّةٍ بك، على لُغَتِكَ الشَّخصيَّة. ولكِنْ لِنَنظُر إلى هذا الأمرِ ونَرى إنْ كانَ صَحيحًا أَم غير صَحيح.
"وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغاتٍ أُخْرَى". والآن، ما هَذِهِ؟ هل هي كَلامٌ غير مَفهوم أَمْ لا؟ مِنَ السَّهلِ عَلينا أن نَعرِفَ الإجابَة. استمرُّوا في القِراءةِ وَحَسْب. "وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا صَارَ هذَا الصَّوْتُ، اجْتَمَعَ الْجُمْهُورُ وَتَحَيَّرُوا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ". فلا يُوْجَد شَكٌّ بخصوصِ حَقيقةِ أنَّها لُغات. فلا بُدَّ أنَّها كذلك. فكُلُّ شخصٍ سَمِعَهُم يَتكلَّمونَ بِلُغَتِه. "فَبُهِتَ الْجَمِيعُ وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُرَى لَيْسَ جَمِيعُ هؤُلاَءِ الْمُتَكَلِّمِينَ جَلِيلِيِّينَ؟" وقد كانَ الجَليلِيُّونَ...كَما تَعلمونَ...كانوا أشخاصًا رِيفِيِّينَ أو بُسَطاءَ جِدًّا يَعيشونَ في الجَليل. وما أعنيه هو أنَّهُم لم يَكونوا يَنتمونَ إلى الطَّبَقةِ الرَّاقيةِ في أورُشَليم. فكيفَ يُعقَلُ أن يَعرِفَ الجَليليُّونَ لُغاتٍ أخرى؟ بعبارة أخرى، لم تَكُن لديهم مَدارِس تُعَلِّمَ تلكَ اللُّغات!
لِذا فقد بُهِتوا لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسانِهِ أو بِلُغَتِه، كما جاءَ في العدد 8 أيضًا. ثُمَّ إنَّهُ يَذكُرُ تلكَ اللُّغات. وَما هي اللُّغاتُ الَّتي كانوا يَتكلَّمونَ بها؟ أوَّلاً، إنَّهُ يَبتدئُ بالجُزءِ الشَّرقيِّ حيثُ يوجدُ فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلاَمِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ. ثُمَّ إنَّهُ يَنتَقِلُ إلى الجُزءِ الغَربيِّ فيَذكُرُ اليَهُودِيَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَنتَقِلُ إلى الشَّمالِ فَيَذكُرُ كَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْر. ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الجُزءِ الجَنوبيِّ فيَذكُرُ "نَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ الَّتِي نَحْوَ الْقَيْرَوَانِ". ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عَامَّةً حيثُ يُوجَدُ الرُّومَانِيُّونَ والكِرِيتِيُّونَ وَالعَرَب. "نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغاتِنا بِعَظَائِمِ اللهِ!".
إذًا، فَهُوَ يَذكُرُ لَنا ما هي تلكَ الألسنة. فقد كانت لُغات. وما هي تلكَ اللُّغاتُ؟ لقد كانتِ اللُّغاتُ الَّتي يَتكلَّمُ بها الفَرْتِيُّونَ وَالمَادِيُّونَ وَالعِيلاَمِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَسُكَّانُ الْيَهُودِيَّةِ وَسُكَّانُ كَبَّدُوكِيَّةَ، وَهَلُمَّ جَرَّا. إنَّها لُغاتٌ. فهذا هو ما يَقولُهُ: "نَسْمَعُهُمْ [في العَدد 11] يَتَكَلَّمُونَ بِلُغاتِنا". وما الَّذي كانُوا يَتكلَّمونَ بِهِ؟ "بِعَظَائِمِ اللهِ". اسمَحوا لي أن أطرحَ عليكُم السُّؤالَ التَّالي: كيفَ عَلِموا أنَّهُم كانوا يَتكلَّمونَ بعَظائِمِ اللهِ لو أنَّهم لم يَتكلَّموا بِلُغاتِهم؟ لأنَّهُم لم يَتكلَّموا بِلُغاتٍ أخرى. والحقيقةُ هي أنَّهُم عَلِموا ما يَقولون. والحقيقةُ هي أنَّهُم أدرَكوا أنَّهُم يَتكلَّمونَ بِلُغاتِهم. فهي لُغاتٌ. فهي ليست كَلامًا غيرَ مَفهوم. وهي ليسَت كَلامًا صُوفيًّا غامِضًا. وهي لم تَكُن تَعني أنَّ كُلَّ شخصٍ راحَ يَقولُ كَلامًا خَاصًّا بِهِ على غِرارِ ما تَفعَلُهُ في مِخْدَعِك. بل كانت لُغات...لُغات بَشريَّة مَفهومَة.
والآن، أريدُ أن أُريكُم أنَّ مَوهبةَ اللُّغاتِ كانت دائمًا لُغاتٍ، وأنَّها لم تَكُن يَومًا أيَّ شَيءٍ آخر لأنَّ هذه نُقطة مُهِمَّة ينبغي أن تَفهموها لأنَّ هذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. والآن، يُمكنُني أن أُقَدِّمَ لكم عِشرينَ أو خَمسةً وعِشرينَ سَبَبًا يَجعلُني مُقتنِعًا أنَّ المَعنى المَقصودَ هُوَ: اللُّغات. ولكنَّنا لا نَملِكُ الوقتَ الكافي للقيامِ بذلك. لِذا، سأكتَفي بِتَقديمِ عَشرَةِ أسباب. بإيجاز. حسنًا؟
أوَّلاً، الكلمة "غلوسَا" (glossa). فالكلمة "غلوسا" الَّتي تُشتقُّ مِنها الكلمة "غلوسوليليا" (glossolalia)، وهي كلمة شَقَّتْ طَريقَها إلى اللُّغةِ الإنجليزيَّة مِن دونِ أن تُتَرجَم، وهي تَعني: "أَلْسِنَة". ولكِنَّ الكلمة "غلوسَا" تَعني: "لُغَة بَشريَّة". فهي تَعني: "لُغَة بَشريَّة". وهي تَعني دائمًا في الكتابِ المقدَّسِ: "لُغَة بَشريَّة". في العهدِ الجديد؟ أجل. وفي العهدِ القديمِ اليُونانِيِّ (أيِ التَّرجمةِ السَّبعينيَّةِ) تَعني: "لُغَة بَشريَّة عَاديَّة ومَفهومَة". وهُناكَ حَالَتانِ فقط تُستخَدَمُ فيهما الكلمة "غلوسَا" في التَّرجمةِ السَّبعينيَّةِ مِن دونِ أن تَعني "لُغَة بَشريَّة عاديَّة". وهاتانِ المَرَّتانِ هُما إشَعْياء 29: 24، وإشعياء 32: 4. وهي لا تَعني كَلامًا صُوفيًّا، ولا تَعني بَرْبَرَة وَثنيَّة، بل تَعني ببساطَة: "لَعْثَمَة" أو "تَأتَأة". ولكِنْ في العَادَة، ما خَلا هَاتينِ المَرَّتينِ، إنَّها لُغَة بَشريَّة واضِحَة ومَفهومَة. وهذه هي الصُّورةُ الَّتي تُستخدَمُ فيها في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الثَّاني "غلوسَا" لأنَّ هذا هو مَعناها العاديّ.
كذلكَ فإنَّ الكلمة "دِيالِكتو" (dialekto) الَّتي جاءتْ مِنها الكلمة الإنجليزيَّة "دَياليكت" (dialect) تُستخدَمُ أيضًا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 6 و 8. فهُناكَ تَجدونَ الكلمة "دَياليكت". فَهُناكَ مَنْ سَمِعَهُم يَتكلَّمونَ بِلُغَتِهِم، وهُناكَ مَنْ سَمِعَهُم يَتكلَّمونَ بِلَهْجاتٍ (وهي فِئة فَرعيَّة مِنَ اللُّغَة). إذًا، لقد كانوا يَتكلَّمونَ بِلُغاتٍ وَلَهْجاتٍ. وهذا واضحٌ تَمامًا. وهذه التَّصنيفاتُ لم تَكُن لِتُستَخدَمَ قَطّ لو أنَّ ما حَدَثَ هُوَ بَربَرة، أو كَلام صُوفي، أو كَلام رُوحي غامِض، أو كَلام وَثنيّ مِنَ النَّوعِ الَّذي كانتِ البِدَعُ الوثنيَّةُ تَتكلَّمُ بِه. ولكِنَّها كانت لُغاتٍ ولَهْجاتٍ عاديَّة مَعروفة لدى النَّاسِ الَّذينَ سَمِعوا. ولكِنَّكُم تَسمعونَ أُناسًا يَقولون: "حسنًا! أجل! نحنُ نَقْبَلُ أنَّ ذلكَ هو المَعنى المَقصود في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، ولكِنْ عندما نَتَقَدَّمُ في الأصحاحاتِ فإنَّ الأمرَ يَتغيَّر". لا، إنَّهُ لا يَتغيَّر.
فإن نَظرتُم إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 10: 44 وما يَليه، تَقرأون: "حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ. فَانْدَهَشَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ، لأَنَّ مَوْهِبَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ قَدِ انْسَكَبَتْ عَلَى الأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ [بِماذا؟] بِلُغاتٍ". والآن، لا يُمكِنُكَ أن تَقول: "حسنًا! في ذلكَ الوقت كانت قد صارت كَلامًا غَيرَ مَفهوم". لا! بل هي لُغات. فهيَ نَفسُ الكَلِمَة.
كذلك، انظُروا إلى الأصحاحِ الحادي عَشَر والعَدد 15: فقد كانَ بُطرُسُ يَروي ما حَدَثَ مَعَهُ في أورُشَليم ويَقولُ ما يَلي عن تلكَ الحادثةِ الَّتي قَرأتُها قبلَ قَليل فيَقول: "فَلَمَّا ابْتَدَأْتُ أَتَكَلَّمُ [أيْ في بيتِ كَرنيلِيوس هُناكَ في الأصحاحِ العاشِرِ]، حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ كَمَا عَلَيْنَا أَيْضًا فِي الْبُدَاءَةِ. فَتَذَكَّرْتُ كَلاَمَ الرَّبِّ كَيْفَ قَالَ: إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَاءٍ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتُعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. فَإِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَعْطَاهُمُ [ماذا؟...ماذا؟] الْمَوْهِبَةَ" نَفسَها. فقد أعطاهُم ماذا؟ نَفسَ المَوهبة. وقد قالَ بُطرُس: "كَمَا لَنَا أَيْضًا بِالسَّوِيَّةِ". فَما الَّذي نِلْناهُ؟ لُغاتٍ. وَما الَّذي نَالوهُ؟ لُغاتٍ. فلا بُدَّ أنَّها الشَّيءُ نَفسُه. فقد كانتِ الشَّيءَ نَفسَهُ. وهي كذلكَ في كُلِّ السِّفْر.
لِذا، عندما تأتونَ إلى الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل وتَجِدونَ مَوقِفًا مُشابِهًا، يُمكِنُكم أن تُترجمِوا هذه الكلمة "لُغات". فهذا هو المَعنى المَقصودُ مِنها. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 19 والعَدد 6: "وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ، فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ". فاللَّفظَةُ نَفسُها تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ في السِّفرِ نَفسِه. فلا يُوجَد سَبَب يَدعونا إلى الاعتقادِ بأنَّها تَعني "كَلامًا غيرَ مَفهوم". لِذا، في كُلِّ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، هُناكَ تَوافُقٌ تامٌّ في أنَّهُم تَكَلَّموا بلُغاتٍ بَشريَّة عَاديَّة. وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ المَعنى المَقصودَ هو أنَّهُ حالَما حَدَثَ ذلكَ في أورُشَليم، قالَ اليَهودُ: "لقد نِلْنا الرُّوحَ القُدُسَ. وَهذا أمرٌ رائع". فقالَ اللهُ: "هذا لا يَعني شَيئًا. فقد نَالَهُ الأُمَمُ أيضًا". وقد أَسَّسَ الكنيسة. وهذا لا يَعني شيئًا إذْ إنَّنا نَقرأُ في الأصحاح 19 أنَّهُ حَلَّ أيضًا على تَلاميذِ يُوحَنَّا. فقد كانَ الرَّبُّ يُعطي جَميعَ الفِئاتِ نَفسَ الاختبارِ كي يُوَحِّدَ الكنيسةَ كُلَّها في وِحدة واحدة. لِذا، فهي لا بُدَّ أن تكونَ الكلمةُ المُستخدَمة هي نَفسُها.
حسنًا! اسمَحوا لي أُقَدِّمَ لكم سببًا آخرَ يَجعلُني أعتقد أنَّها دائمًا لُغات. في رسالة كورِنثوس الأولى 12: 10، تَرَوْنَ الكلمةَ التَّالية...في نِهايةِ العدد 10. فأنتُم تَرونَ هُناكَ العِبارة "غيني غلوسون" (gene glosson) ومَعناها: "أنواعُ لُغاتٍ". ثُمَّ تَرَوْنَ: "وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ لُغاتٍ". هل تَرَوْنَ ذلك؟ "هيرمينيئو" (hermeneuo) إنْ كُنتُم تَدرُسونَ اللُّغةَ اليونانيَّة. وهي تَعني: "تَرْجَمة". فهي تَعني ببساطَة: "تَرجَمة". لِذا، لاحِظوا الآنَ...رَكِّزوا مَعي في هذه النُّقطة: لقد أَعطى أنواعَ لُغاتٍ، ولآخَرَ تَرجمةَ لُغاتٍ. فهذه هي الكلمة اليونانيَّة المألوفة الَّتي تَعني "تَرجمة"، أوِ الَّتي تُشيرُ إلى التَّرجمة. لِذا، لا يُعْقَلُ أنَّها كَلام غَير مَفهومٍ لأنَّكَ لا يُمكِن أن تُتَرجِم كَلامًا غَيرَ مَفهوم. فهو لا يَنتمي إلى أيِّ لُغَة. لِذا فإنَّ ما يَفعَلُهُ النَّاسُ اليومَ هو أنَّهم يَقولونَ إنَّها مَوهبةُ التَّفسيرِ. وَهُمْ يَحاولونَ أن يُتَرجِموا الكَلامَ غيرَ المَفهومَ الَّذي يَقولُهُ شخصٌ آخر. ولكِنَّ الكلمة اليونانيَّة تَعني: "تَرجَمة". والتَّرجمة تَعني أن تأخُذَ كَلامًا قِيلَ بلُغةٍ مُعيَّنة وأنْ تَنقِلَهُ إلى ما يُقابِلُهُ في لُغَةٍ أُخرى مَعروفَة. فلا يُمكِنُكَ أن تُتَرجِمَ كَلامًا غيرَ مَفهوم. لِذا فإنَّ الكلمة المُستخدَمة تَقتضي أن يكونَ مَعناها "لُغَة".
كذلك، نَجِدُ في الأصحاح 14 الكَلِمَة "مَجهولة". هل تَرونَها؟ فهُناكَ الكلمة "مَجهولة" في أكثرِ مِنْ مَوضِع. وهي تَرِدُ في العَدَدِ الثَّاني وتَرِدُ في مَواضِع أخرى: "مَجهولة...مَجهولة". وهي تَرِدُ دائمًا بِخَطٍّ مائِل. وهل تَعلمونَ ما مَعنى ذلك؟ إنَّ ذلكَ يَعني أنَّها أُضيفَت مِنْ قِبَلِ أصدقائِنا في لَجنَةِ تَرجمةِ نُسخةِ الملك جيمس الَّذينَ لا نَدينُ لَهُم بالفَضْلِ في ذلكَ الأمرِ تَحديدًا. فقد أضافوها. ولكِنَّها غَير مَوجودة في النَّصِّ الأصليِّ.
والآن، أريدُ منكم أن تُلاحِظوا أيضًا أنَّهُ في الأصحاح 12 والعَدد 10 تَجِدونَ العِبارة "أنواعُ لُغاتٍ...أنواعُ لُغاتٍ...أنواعُ لُغاتٍ". والكلمة "أنواع" هي في الأصل الكلمة "غينوس" (genos) الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "جينَس". والكلمة "جينَس" تَعني: عائلة أو مَجموعة أو جِنس أو أُمَّة. ولا يُمكِنُكَ أن تَقولُ إنَّ هُناكَ أنواعًا أو أجناسًا أو فِئاتٍ أو أصنافٍ أو عائلاتٍ مِنَ الكَلامِ الَّذي لا مَعنى لَهُ، أو مِنَ الكَلامِ الصُّوفِيِّ. فلا توجد أيُّ تَصنيفات. ولكِن هُناكَ عَائلاتٌ مِنَ اللُّغاتِ. أليسَ كذلك؟ وكُلُّ شخصٍ مِنكُم يَعرِفُ شيئًا عنِ اللُّغاتِ يَعلمُ أنَّ هُناكَ عائلات لُغويَّة. فهُناكَ لُغاتٌ قَوميَّة، ولُغاتٌ عِرقيَّة. لِذا، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّها تَعني: "لُغَة".
وفي الأصحاح 14 والعَدد 21، نَجِدُ سَببًا آخرَ يُؤكِّدُ أنَّها لُغات: "مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ: «إِنِّي بِذَوِي أَلْسِنَةٍ أُخْرَى وَبِشِفَاهٍ أُخْرَى سَأُكَلِّمُ هذَا الشَّعْبَ، وَلاَ هكَذَا يَسْمَعُونَ لِي...»". فقد تَنبَّأَ إشَعياءُ بذلك. ففي سِفْرِ إشَعياء 28: 11 و 12، تَنبَّأَ إشَعياءُ أنَّ أُناسًا نَاطِقينَ بِلُغاتٍ أخرى سيُكَلِّمونَ بَني إسرائيل. وهل تَعلمونَ مَنِ الَّذي تَمَّمَ هذه النُّبوَّة؟ الأشورِيِّون. وهل تَعلمونَ ما اللُّغَةُ الَّتي كانوا يَتكلَّمونَ بها؟ الأشوريَّة. لِذا، كانتِ النُّبوَّةُ تُشيرُ إلى لُغَةٍ مَعروفَة. فقد كانَتِ اللُّغَةُ الأشوريَّةُ هي لُغَةُ الأشوريِّين. وهذا هو المِعيارُ المألوفُ. فهو يَقول: "هذا هو الشَّيءُ الَّذي يَحدُثُ اليومَ في اللُّغاتِ المَشروعَة. إنَّها لُغَة أخرى يَسمَعُها الشَّعب". وقد كانَ مِنَ المألوفِ أن تَكونَ لُغَةً حيثُ إنَّ نَموذَجَها كانَ لُغَةً حَقيقيَّة.
انظُروا إلى العَددِ السَّابعِ مِنَ الأصحاح 14: فَهُوَ يَقولُ: "اَلأَشْيَاءُ الْعَادِمَةُ النُّفُوسِ الَّتِي تُعْطِي صَوْتًا: مِزْمَارٌ أَوْ قِيثَارَةٌ، مَعَ ذلِكَ إِنْ لَمْ تُعْطِ فَرْقًا لِلنَّغَمَاتِ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا زُمِّرَ أَوْ مَا عُزِفَ بِهِ؟ فَإِنَّهُ إِنْ أَعْطَى الْبُوقُ أَيْضًا صَوْتًا غَيْرَ وَاضِحٍ، فَمَنْ يَتَهَيَّأُ لِلْقِتَال؟" فَهل تَتخيَّلونَ أن تَخرُجَ فِرقةُ الخَيَّالةِ الأمريكيَّة لمُحاربةِ الهُنودِ الحُمْرِ وأنْ يَخرُجَ جُنديٌّ ويَعزِفَ أيَّ نَغَماتٍ يَشاء؟ فَهُمْ لن يَعلموا ماذا يَنبغي أن يَفعلوا. فينبغي أن يَعزِفَ: "تارا-تارا-تارا" أوِ النَّغَمة المُتَّفَق عليها كي يَعلموا أنَّهُ يُعلِنُ قائلاً: "انطَلِقوا بِخُيولِكُم أيُّها الجُنود". فقد كانوا يَعلمونَ ما تَعنيهِ تلكَ النَّغَمات. وينبغي أن تَكونَ النَّغَمات الصَّحيحة. وإنِ التَحَقْتَ بالخِدمة، ستَعرِفُ مَعنى ذلك. أمَّا إنْ خَرَجَ أحدُ الجُنودِ في الصَّباحِ وَعَزَفَ بِضْعَ نَغَماتٍ كما يَشاء، لن يَعلَمَ أحدٌ مَعناها. وهذا لا يَجوز. فينبغي أن تَكونَ هُناكَ صِيغَة مُعيَّنة، أو أن يكونَ هُناكَ شَكلٌ مَعيَّن. ويجب أن تَكونَ مُمَيَّزَة.
وهذهِ هي النُّقطةُ الَّتي يَقولُها. فاللُّغَةُ يَنبغي أن تَكونَ مُمَيَّزَةً كي تَكونَ مَفهومَة. فلا يَجوزُ أن تكونَ كَلامًا غيرَ مَفهومٍ كالذي يُثَرثِرُ بِهِ الوَثنيُّون. وكما قُلتُ سابقًا، ما حَدَثَ آنذاك هو أنَّ الكُورِنثيِّينَ أخذوا كَلامَ الهَذَرِ والثَّرثرةِ والتَّكلُّمِ بذلكَ الكَلامِ الصُّوفيِّ الغَريبِ الَّذي لم يَكُن لُغاتٍ أصلاً ونَقلوهُ إلى كنيسَتِهم فَزَيَّفوا مَوهبةَ اللُّغاتِ الحقيقيَّة بكلامٍ غيرِ مَفهومٍ أعثَرَهُم وجَعَلَ خِدمةَ العِبادَةِ لَديهم عَرْبَدَةً.
انظُروا إلى العَدد 23 مِنَ الأصحاح 14. وهذه نُقطة جَلِيَّة جدًّا، وسوفَ نَتطرَّقُ إليها لاحقًا بشكلٍ أكثر تَفصيلاً. ولكِنَّهُ يَقول: "فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟" بعبارة أخرى، إنَّهُ يَقولُ: إنْ كُنتُم تَفعلونَ كُلَّ هذهِ الأمورِ الهِستيريَّة، وكانَ الجَميعُ يَفعلونَ ما يَحلو لَهُم، ستُواجِهونَ مَشاكِلَ لأنَّ غيرَ المُؤمِنينَ سيَقولونَ إنَّكُم تَهْذُون. ولن يَترُكَ ذلكَ أيّ تأثيرٍ إيجابيٍّ فيهم. لماذا؟ اسمعوني الآن: لقد كانَ العُنصُرُ المُدهِشُ...وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ بتفصيلٍ شَديدٍ في المُستقبَل...ولكِنَّ العُنصُرَ المُدهِشَ لَدى اليهودِ غيرِ المُؤمِنينَ الَّذينَ كانوا يَأتونَ إلى خِدْماتِهم يَتوقَّفُ على حَقيقةِ أنَّ الشَّيءَ الَّذي كانوا يَنطِقونَ بهِ كانَ لُغةً حَقيقيَّة، وأنَّهُ كانَ يُتَرجَمُ بطريقة خارقة للطَّبيعة كي يَرَوْا أنَّها مُعجِزَة مِنْ عِنْدِ الله.
بعبارة أخرى، كانت فاعِليَّةُ مُعجِزَةِ اللُّغاتِ تَتوقَّف على اختِلافِها عنِ الكلامِ غيرِ المَفهومِ الَّذي اعتَادوا سَماعَهُ. لِذا، لا بُدَّ أنَّ يَحدُثَ ذلكَ في كنيسةِ كورِنثوس. فالشَّيءُ الحَقيقيُّ هو لُغَة حَقيقيَّة وتَرجمة حَقيقيَّة لها. وقد كانت تلكَ هي المُعجِزَة. فلو أنَّ ما سَمِعوهُ كانَ كَلامًا لا مَعنى لَهُ، لما تَمَكَّنوا مِن قولِ شَيءٍ سِوى: "هذه نَفسُ الهِستيريا الوثنيَّة القديمة". لِذا فإنَّ هذه قُدرة أعطاها الرُّوحُ لَهُم للتكلُّمِ بلُغاتٍ أجنبيَّة. والآن، لقد عَرَفتُم ما هي المَوهبة. وسوفَ أكتفي بذلكَ فيما يَخُصُّ التَّعريف.
والآن، عندما تَنظرونَ إلى هذا الأمرِ اليوم، وتَنظُرونَ إليهِ مِنْ زاويةِ مَا تَعنيهِ اللُّغَة كموهِبَة، وتَنظرونَ إليهِ اليومَ، وتُقارِنونَهُ بما يَجري، ستَجدونَ بعضَ المَشاكِل. فقد كُنتُ أقرأُ كُتُبًا خِلالَ الأشهُرِ القليلة الماضية...كُتُبًا. وهي تَقولُ إنَّهُ يجب عليكَ أن تَحصُلَ على لُغَةِ الصَّلاةِ الَّتي تَخُصُّكَ، وإنَّهُ يُمكنُكَ أن تَحصُلَ على واحدةٍ فَريدة مُمَيَّزة عن لُغَةِ أيِّ شخصٍ آخر، أو إنَّهُ يُمكِنُكَ [إنْ شِئتَ] أن تُشارِكَ شَخصًا آخرَ لُغَتَهُ في بِدايةِ تَعَلُّمِكَ لها إلى أن تُنَمِّي لُغَتَكَ الخاصَّةَ بِكَ، وَهَلُمَّ جَرَّا، وإنَّها لُغَة غَريبَة ولُغَة عَجيبة، وإنَّها لا بُنيَةَ لها، ولا قَواعِدَ لُغويَّة لها، وإنَّها ليست لُغَة حَقيقيَّة. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ المُشكلةَ هي أنَّ هذا الكَلامَ غير صَحيح. فهو غير صَحيح.
يَقولُ "ويليام سامارين" (William Samarin)، وَهُوَ دُكتورٌ في اللُّغَويَّاتِ وأُستاذُ اللُّغَويَّاتِ في جامعةِ تورنتو: "على مَرِّ السِّنين الخَمسِ الماضية، شاركتُ في اجتماعاتٍ في إيطاليا، وهُولندا، وجامايكا، وكندا، والولاياتِ المُتَّحِدة، وراقَبْتُ الخَمسينيِّينَ القُدَماء والخَمسينيِّينَ المُحْدَثينَ، وشاركتُ في اجتماعاتٍ مُصَغَّرَةٍ في مَنازِلَ خاصَّة، وفي اجتماعاتٍ ضَخمةً عامَّة، ورأيتُ خَلفيَّات ثَقافيَّة عَديدة كتلكَ الَّتي يَعيشُ فيها البورتُريكِيُّونَ في برونكس، والحُواةُ مِن جَماعةِ الأبالاتشيا، والمولوكان الرُّوسُ في لوس أنجليس، وغيرِها، وأَجريتُ مُقابلاتٍ مَعَ المُتَكَلِّمينَ بالألسِنَة، وسَجَّلْتُ وَحَلَّلْتُ نَماذِجَ لا حَصْرَ لها مِنَ الألسنة. وفي كُلِّ حالة، كانتِ النتيجةُ الَّتي وَصَلْتُ إليها هي أنَّ الغلاسوليليا هي هُراءٌ لُغَوِيٌّ. فبالرَّغمِ مِنْ أوجُهِ التَّشابُهِ السَّطحيِّ فإنَّ الغلاسوليليا هي ليست لُغَةً بالمَعنى الحقيقيّ".
والآن، نَحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ أَجرى دِراسَة. وهُناكَ أشخاصٌ كثيرونَ آخرونَ يُمكِنُنا أن نَتحدَّثَ عنهم. وما يَقولونَهُ هو أنَّ ما تَسمَعونَهُ اليومَ هو ليسَ لُغَةً. وأنا أقولُ إنَّها إن لم تَكُن لُغةً، فإنَّها ليسَت ما يَقولُ عنها الكِتابُ المُقدَّسُ إنَّها مَوهبة. فالأمرُ بهذهِ البَساطَة. وأودُّ أن أُضيفَ أنَّهُ حَتَّى لو كانت لُغَةً بينَ الحينِ والآخر، مِنَ الأفضلِ أن تَحتَرِصوا لأنَّ الشَّياطينَ تَعرِفُ لُغاتٍ عديدة أيضًا، وهُناكَ الكَثيرُ مِنَ اللُّغاتِ الزَّائفة.
والسُّؤالُ الَّذي يُطرَحُ دائمًا...وهذا يُعيدُنا إلى آيَتِنا الَّتي رُبَّما ينبغي لنا أن نُكْمِلَ التَّأمُّلَ فيها قبلَ أن يَنتَهي وَقتُنا، وهي الآية 1كورِنثوس 13: 1. فهذا يُعيدُنا إليها، ولكِنَّ السُّؤالَ الَّذي يُطْرَحُ...وأنا أتكلَّمُ بمحبَّة. فَصَدِّقوني أنَّ ما يَعنيني هو ليسَ أن تَفتَخِروا على شخصٍ ما، ولا أن تَتَنَمَّرُّوا عليهِ، أو أن تَشعروا بالتَّفوُّق، بل أن نَفهمَ هذه المبادئَ لأنَّها الحَقُّ الإلهيّ. وهو يَستحقُّ فَهمًا واضحًا. ولكِن في العددِ الأوَّل، نَرى أنَّ ما يَقولونَهُ هُوَ الآتي: "حسنًا! سوفَ نَقبَلُ ذلك. فهذه لُغات بَشريَّة. ولكِن ماذا عنْ لُغاتِ الملائكة؟ فهو يَقولُ هُنا: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ...". وكما تَرَوْنَ، هُناكَ لُغَة مَلائكيَّة. فيُمكِنُكم أن تَتَخَطَّوْا اللُّغاتِ البَشَرِيَّة وأنْ تَحصُلوا على تلكَ اللُّغةِ المَلائكيَّة. فَهِيَ لُغَةُ التَّعَبُّدِ الخَاصَّةِ بِكَ. وَهِيَ اللُّغَةُ المَلائِكيَّةُ الخاصَّةُ بِك. لِذا، فإنَّكَ تَحصِلُ على كِلتَيهِما.
حسنًا! اسمَحوا لي أن أُجيبَ عن ذلكَ السُّؤال بإيجاز لأنَّ الوقتَ لا يَسمَحُ لنا بالتَّعَمُّقِ كثيرًا. ولكِنِ اسمَحوا لي أن أُجيبَ عن هذا السُّؤالِ بإيجازٍ شديد. فما الَّذي يَقولُهُ؟ أوَّلاً، إنْ كُنتَ ستَجعلُ الكَلامَ المَلائِكِيَّ هُنا يَعني مَوهبةَ اللُّغاتِ، يجب عليكَ أن تَجعلَ ذلكَ مُقْتَصِرًا على هذهِ الآية فقط لأنَّهُ غيرُ مَذكورٍ في أيِّ مكانٍ آخر في الكتابِ المقدَّس. فلا تُوجَد سابقة لهذهِ اللُّغَة في أيِّ مَكان. ولا يُوجَد ذِكْرٌ لها في أيِّ مَوضِع. والحقيقةُ هي أنَّهُ عندما يَتخاطَبُ مَلاكٌ معَ إنسانٍ فإنَّهُ يُخاطِبُهُ بِلُغةٍ بَشريَّة عاديَّة. واللُّغَةُ الوحيدةُ الَّتي نَعرِفُ عنها، خِلافًا للُّغَةِ البشريَّة، هي اللُّغَةُ بينَ الرُّوحِ القُدُسِ والآبِ بِحَسَبِ ما هو مُدَوَّن في رسالة رُومية والأصحاح الثَّامِن. وتلكَ "أنَّاتٌ" ماذا؟ لا يُنْطَقُ بها. فهي لُغَة صَامِتَة.
وقد تَقول: "هل تَعتقدُ أنَّ الملائكةَ تَتكلَّمُ لُغةً صَامتةً؟" الحقيقةُ هي أنَّ الملائكةَ هي أرواحٌ ماذا؟ خَادِمَة. والأرواحُ ليسَ لها أفواهٌ. والأرواحُ ليسَ لها حِبالٌ صَوتيَّة. وقد تَقول: "إذًا، ماذا لَديها؟ أجهزةُ استِشعارٍ تُرسِلُ رسائلَ مِثلَ النَّملِ؟" لا أدري ما لَديها! فَهُمْ يَملِكونَ مَا يَملِكون. ولكِنْ لا يُمكِنُكم العُثورُ على شَيءٍ يُدعى "لُغَة مَلائكيَّة". وقد تَقول: "حسنًا! وما الَّذي يَعنيهِ بولُس؟" كُلُّ ما تَحتاجونَ إلى فَهمِهِ هوَ ما يَلي: إنَّهُ لا يَذكُرُ بالضَّرورة حَقيقة واقِعَة، بل إنَّ هذا الكَلامَ جُزءٌ مِن أُسلوبِهِ في الغُلُوِّ، وجُزءٌ مِن أسلوبِهِ في المُبالَغةِ، وجُزءٌ مِن أُسلوبِه في تَضخيمِ الصُّورة. وسوفَ تُلاحِظونَ في بَقيَّةِ الكَلامِ إنْ كانَ لديكُم النَّصُّ اليونانيُّ إذْ إنَّ بَعضًا مِنكُم يَعرفونَ اليونانيَّة...أمَّا البقيَّة فلا تَقلقوا بهذا الخُصوص. فإنْ عَرَفْتُم كُلَّ هذهِ الأمور لن تَعودوا بحاجة إليَّ. وسأصيرُ عَاطِلاً عنِ العَمل. ولكِن بأيِّ حال، أقولُ للأشخاصِ الَّذينَ يَعرفونَ اليونانيَّة: ستُلاحِظونَ أنَّ هُناكَ أفعالًا شَرْطِيَّة تَظهَرُ في العَدَدَيْنِ الثَّاني والثَّالث. وعندَ استِخدامِ الفِعلِ الشَّرْطِيِّ فإنَّهُ يُشيرُ إلى مَوقِفٍ غير مُحتَمل أو إلى حالة افتراضيَّة [إنْ أَرَدْنا تَوَخِّي الدِّقَّة].
لِذا، وبحسبِ الحالةِ الافتراضيَّة هَذِهِ، فإنَّهُ يُضَخِّمُ الصُّورةَ كثيرًا. فمثلاً، إنَّهُ يَقولُ في العددِ الثَّاني: "[إنْ كُنْتُ] أَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ". وهل هذا مُمكِنٌ؟ هل يُمكِنُ لبولُس أن يَفهمَ كُلَّ الأسرار؟ وكُلَّ شَيءٍ أَعلَنَهُ اللهُ يَومًا؟ لا. "وَإنْ كانَ لديَّ كُلُّ عِلْمٍ". هل يُمكِنُهُ أن يُلِمَّ بكُلِّ العِلمِ المُختصِّ بكُلِّ حَقيقةٍ في الكَون؟ هذا غيرُ مُمكِن. "وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ". اسمَعوني: لو كانَ بولسُ يَملِكُ ذلكَ الإيمان لَما مَرِضَ وَهُوَ يَعْبُرُ الجِبالَ بينَ "بَمْفِيلِيَّة" وَ "فَرِيجِيَّة". صَدِّقوني! وهل كانَ سَيَكتفي بأن يَقولَ للجَبَل: "رَجاءً"؟ لا.
فهو لم يَكُن يَملِكُ كُلَّ الإيمانِ، ولا كُلَّ العِلْمِ، ولم يَكُن يَعلَمُ جَميعَ الأسرار. وإنْ كانَ هُوَ لا يَعرِفُ ذلك، فإنِّي بَعيدٌ كُلَّ البُعدِ عن مَعرفةِ ذلك. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ النُّقطةَ هي أنَّهُ يَقولُ ويَتكلَّمُ بأسلوبِ المُبالَغة. فَهُوَ يَفترِضُ مَواقِفَ افتراضيَّة هُنا. وما يَقولُهُ في الحَقيقة بَسيطٌ جدًّا هُنا. فهو لا يَقولُ إنَّكَ تَستطيعُ أن تَتكلَّمَ بلُغةِ الملائكةِ، وَلا يَقولُ إنَّكَ تَستطيعُ أن تَعلَمَ جَميعَ الأسرارِ أو أن تَحصُلَ على كُلِّ العِلمِ أو كُلِّ الإيمان. فلا يُمكِنُكَ ذلك. فهذهِ الأمورُ تَفوقُ قُدُراتِك. ولكنَّهُ يَقولُ: "حَتَّى لو كُنتَ تَستطيعُ ذلك فإنَّها لَنْ تُفيد شَيئًا بِدُونِ مَحبَّة. لماذا؟ لأنِّي لو كُنتُ أستطيعُ ذلك، وإن كُنتُ أَعلَمُ كُلَّ اللُّغاتِ البشريَّةِ وأستطيعُ أن أتكلَّمَ بلُغةِ الملائكةِ مِن دُونِ مَحبَّة، لن يَكونَ لذلكَ أيُّ نَفْع.
لِذا، هذا هو ما يَعنيه. فَهُوَ يَقولُ ببساطة: "إنِ استُخْدِمَتْ هذهِ المَوهبةُ بِدونِ مَحبَّة، ستَكونُ مُجَرَّدَ ضَوْضَاء". فهي مُجَرَّدُ ضَوْضَاء. فهي مَعمولَة بالجَسد. وَمَا القَصْدُ مِنْ مَوهبةِ اللُّغاتِ؟ فقد تَقولُ: "جون! ماذا كانَ القَصدُ مِنها؟" سوفَ نَعلَمُ ذلكَ حينَ نَصِلُ إلى الأصحاحِ الرَّابِع عَشَر. والقَصْدُ مِنها بَسيطٌ جدًّا. فقد كانَتْ آيَةً. لقد كانَتْ آيَةً لِبَني إسرائيل. والمَرَّاتُ الوحيدةُ الَّتي كانت فيها تَعني شَيئًا للمُؤمِنينَ هي عندما كانت تُتَرجَم. فهذِهِ هي المَرَّاتُ الوَحيدة. والآن، يا أحبَّائي، كيفَ يُمْكِنُكَ أن تَذهبَ إلى زَاويةٍ وأن تَتكلَّمَ كَلامًا لا مَعنى لَهُ في المَقامِ الأوَّل؟ فهذه ليست مَوهبة. وفي المَقامِ الثَّاني، إنْ لم تُتَرْجَم، لا يُمْكِنُ أن تَكونَ بَنَّاءَةً. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ النَّاسَ يَفعلونَ ذلكَ ويَقولونَ إنَّ هَذا يَبْنيهِم، وإنَّ هَذا يُقَوِّيهِم، وإنَّ هَذا يُعَبِّرُ عَن عِبادَتِهم. كيف؟ فهي ليستِ المَوهبةُ الصَّحيحةُ الَّتي يُعَرِّفُها الكتابُ المقدَّسُ. وهي ليسَتْ مَقْرونَةً بِتَرجمة. لِذا فإنَّكَ لا تَعلَمُ حَتَّى ما الَّذي تَقولُه. فهي مُعجِزَة.
وكما تَرَوْنَ، فإنَّها ليست للبُنيانِ الشَّخصيِّ أوِ العِبادةِ الشَّخصيَّة (كَما سَنَرى)، بل هي آية لِبَني إسرائيل. وسوفَ نَرى ذلكَ في الأصحاحِ الرَّابِع عَشَر. وهي آيَة بأنَّ اللهَ سيَتَحَوَّلُ عنهُم إلى الكنيسةِ؛ أيْ إلى الأُمَم. لِذا، سَواءٌ أكُنتَ تَمتلكُ مَوهبةَ اللُّغاتِ، وسَواءٌ أكانَتْ تُمارَسُ على أيِّ نِطاقٍ، وحَتَّى سَواءٌ أَكُنتَ تَتكلَّمُ بلُغةِ المَلائكةِ بِدونِ مَحبَّة...انظُروا إلى نِهايةِ العَددِ الأوَّل...فَمِنْ دُونِ مَحبَّة، أنتَ مُجَرَّدُ نُحَاسٍ يَطِنُّ أَوْ صَنْجٍ يَرِنُّ.
وهل تُريدونَ أن تَسمَعوا شَيئًا مُدهشًا؟ لقد كُنتُ أَقرأُ ثَلاثَةَ كُتُبٍ مُختلِفَة عن تاريخِ تلكَ الفَترة مُحاوِلاً أن أعرِفَ ما الَّذي كانَ يَحدُثُ في العِبادةِ الوَثنيَّةِ في ذلكَ الوقت. وهل تَعلمونَ ماذا وَجَدْتُ؟ وهذا مُدهِشٌ جدًّا. في طُقوسِ عِبادَةِ الإلَهَة "سِيبيل" (Cybele) وَالإلَه "دَيونيسَس" (Dionysus)، وهُما إلَهٌ وإلَهَةٌ كانا مَشهورَيْنِ جدًّا في ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالَم، وَهُما اثنانِ مِنْ آلِهَتِهِم الزَّائفة، ولكِنْ في طُقوسِ عِبادَةِ سيبيل ودَيونيسَس، كانَ هُناكَ تَكَلُّمٌ بِكَلامٍ صُوفِيٍّ. وقد كانَ ذلكَ الكَلامُ غَيرُ المَفهومِ مَقرونًا...استَمِعوا إلى هَذا: كانَ مَقرونًا بِصُنوجٍ تَرِنُّ، وأغانٍ مَاجِنَة، وأبواقٍ مُدَوِّيَة. وهذا مُدهِشٌ...مُدهِشٌ! فهو يَقولُ لَهُم ما يَلي: "عندما تَذهبونَ وتُحاولونَ أن تُمارِسوا مَواهِبَكُم الرُّوحيَّة في الجسد، مَهما كانت مَهارَتُكم في القيامِ بذلك، ومَهما كانتِ الدَّرَجَةُ الَّتي سَتَصِلونَ إليها، إنْ لم تَكُنِ المَحبَّةُ هي الدَّافِع، فإنَّها طَقْسٌ وَثَنِيٌّ. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر". فهي لا تَختَلِفُ عَنْهُ في شَيء... لا تَختَلِفُ عَنْهُ في شَيء. فهي مُجَرَّدُ وَثنيَّة...بِكُلِّ اختصارٍ وبَساطَة. فهي ليست شَيئًا أفضلَ مِن ذلك.
فما لم تُمارَسِ المَواهِبُ بِقوَّةِ الرُّوحِ مِن خِلالِ ثَمَرِ الرُّوحِ وبقُدرةِ الرُّوحِ، بِحَسَبِ كلمةِ اللهِ المَكتوبة بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوح، فإنَّها مُجَرَّدُ جَعْجَعَةٍ وَثنيَّة، وصَخَبٍ، وضَجيجٍ عَالٍ، وَصُنوجٍ تَرِنُّ، وأبواقٍ تُدَوِّي. فهي وَثنيَّة مَحْضَة. فكُلُّ ما تَفعلونَهُ هو أنَّكُم تُمارِسونَ الوَثنيَّةَ في إطارِ جُدرانِ الكنيسة.
والآن، هذه، يا أحبَّائي، ألفاظٌ قَويَّة. أليست كذلك؟ واسمَحوا لي أن أَصِلَ إلى الخُلاصةِ المَنطقيَّةِ ثُمَّ سأختِم. إنَّ أفضلَ خِطابٍ على الأرض، وأفضلَ خَطيبٍ، وأكثرَ شَخصٍ مَوهوبٍ مِن دونِ مَحبَّة هو لا شَيءَ سِوى جَعْجَعَة. فقد نَخرُجُ للخِدمَة. ولكِنْ إن فَعلنا ذلكَ في الجسدِ بِمَعزِلٍ عنِ الرُّوحِ والمحبَّةِ الَّتي يُنْشِئُها الرُّوحُ، فإنَّها بِكُلِّ تأكيدٍ ليسَت شَيئًا، ولا تَعني شَيئًا. فهي مُجَرَّدُ وَثنيَّة تَرتدي ثَوْبًا مَسيحيًّا. ولا يَجوزُ لَنا، ولا يَنبغي لنا أن نَجلِسَ ونَدينَ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتَمونَ إلى حَرَكَةٍ نَختَلِفُ مَعها قائِلينَ إنَّهُم وَثنيُّونَ لأنِّي أَخشَى أحيانًا أنْ نكونَ أشخاصًا لا نَقِلُّ عَنهُم وَثنيَّةً حينَ نَخرُجُ ونُمارِسُ مَواهِبَنا في الجسدِ أيضًا. وليتَ اللهَ يُساعِدُنا على أَلَّا نَفعلَ ذلك. فالأمرُ بَسيطٌ. فيجب علينا أن نَكونَ رَاسِخينَ، وأنْ نَسلُكَ في الرُّوحِ لأنَّهُ يُنشِئُ ثَمَرًا. ومِن ذلكَ الثَّمر تَنبُعُ مُمارَسَةُ المواهبِ بِبَرَكَةِ اللهِ. حسنًا...دَعونا نُصَلِّي:
نَشكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباحِ على كَلِمَتِكَ الواضحة الَّتي كَلَّمْتَنا بِها. ويا أبانا، إذْ نَتحدَّثُ عن هذا الموضوعِ في هذا الصَّباح، ليتَنا نَسْلُكَ في حَياتِنا في المَحبَّة. عَلِّمْنا أن نُحِبَّ. وعَلِّمنا أن نَقتَرِبَ جِدًّا إليكَ، وأنْ نَتلامَسَ جَدًّا معكَ كي تُغَيِّرَنا مَحَبَّتُكَ وتَنتَقِل إلينا. ساعِدنا على أنْ نُحِبَّ كما تُحِبُّ أنتَ. وساعِدنا على أن نَرى النَّاسَ كَما تَراهُم أنتَ. وساعِدنا على أن نَبكي كَما بَكَيْتَ أنتَ. وساعِدنا على أن يَكونَ لَنا قَلبٌ مُنكَسِرٌ كما انكَسَرَ قَلبُكَ. ويا أبانا، نُصَلِّي أن نَكونَ قادِرينَ على التَّلامُسِ معَ النَّاسِ بمحبَّة، وأن نَكونَ قادِرينَ على إطاعَتِكَ لأنَّنا نُحِبُّك، وأن نَبذِلَ أنفُسَنا ومَشيئَتَنا لأجلِكَ ولأجْلِ الآخرين، وأَلاَّ تَكونَ، يا رَبُّ، الخِدمةَ الَّتي نُقَدِّمُها ضَجَّةً، وَألاَّ تَكونَ وَثنيَّةً، بل أن تَكونَ حَقًّا عَمَلَ الرُّوحِ بقُوَّةِ الرُّوحِ لأجلِ مَجْدِ الابْن. نُصَلِّي هذا باسْمِهِ المُبارَك. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
