Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، كَما تَعلمونَ الآن، نَعودُ إلى دراسةِ رِسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13. وأودُّ أن أُشَجِّعَكُم على أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ وأن تَنظروا إلى هذا النَّصِّ مَعي. رِسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13. لقد قيلَ الكثيرُ عن هذا الأصحاح. وإن لم تَقرأوا عنهُ، أَقتَرِحُ أن تَقرأوا كِتابًا صَغيرًا بعُنوان: "أَعْظَمُهُنَّ المَحَبَّة" (The Greatest of These Is Love). أعتقد أنَّ هذا هو عُنوانُ الكِتاب. وَهُوَ مِن تَأليف "هِنري دراموند" (Henry Drummond) ويَتناوَلُ فيهِ الأصحاحَ الثَّالِث عَشَر، أو أن تَقرأوا أيَّ كِتابٍ آخر عن هذا الأصحاح. فهناكَ كُتُب كثيرة مُتوفِّرة لأنَّ الكثيرَ جدًّا يُمكِن أن يُقال عن هذا الأصحاحِ، ولأنَّ الكَثيرَ جِدًّا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الحياةِ المسيحيَّةِ بكُلِّ أبعادِها. ولكِنَّ تَركيزَنا يَنْصَبُّ في هذا الصَّباحِ على النَّظَرِ إلى هذا الأصحاحِ بِصُورةٍ رئيسيَّةٍ في سِياقِهِ في رسالة كورنثوس الأولى. وقد كانَ هذا هو ما رَكَّزْنا عليهِ حينَ ابتدأنا بالتَّأمُّلِ فيهِ في المَرَّةِ السَّابقة، وسيكونُ كذلكَ أيضًا في أثناءِ دِراسَتِنا لَهُ خِلالَ الأسابيعِ القادِمَة.

والآن، نحنُ نَتحدَّثُ عنِ المحبَّة. والمحبَّةُ مَوضوعٌ مُهِمٌّ ينبغي أن نَتحدَّثَ عنهُ. وأريدُ أن أُراجِعَ بإيجاز نِقاطًا تَطَرَّقنا إليها سابقًا لكي تَفهموا كيفَ تُستَخدَمُ اللَّفْظَة "مَحَبَّة". فمِنَ المؤسِفِ أنَّ لُغَتَنا الإنجليزيَّة تَستخدِمُ كلمةُ واحدةً فقط (وهي: "المحبَّة") للإشارة إلى أشياء كثيرة جدًّا. فأنتَ تَقولُ إنَّكَ تُحِبُّ سَيَّارَتَك، وتُحِبُّ زَوجَتَك، وتُحِبُّ كَلبَكَ، وأنَّكِ تُحِبِّينَ فُستانَكِ الجَديد. فهي تَعني أمورًا مُختلفة إنْ فَكَّرْتُم فيها. والمؤسِفُ هو أنَّ اللُّغةَ الإنجليزيَّةَ لا تُساعِدُكُم ولو قَليلاً لأنَّها تَستخدِمُ نَفسَ الكلمة. أمَّا اللُّغةُ اليونانيَّة فليست كذلك.

وقد تَقْصِدونَ بِها أمورًا مُختلفة. والبعضُ مِنكُم تَعلو وَجْههُ ابْتِسامَة. فرُبَّما تُحِبِّينَ كَلبَكِ وفُستانَكِ وسَيَّارَتَكِ وزَوجَكِ بالطَّريقةِ نَفسِها! لا أَدري!

ولكِنَّ اللُّغةَ الإنجليزيَّة تَحوي كلمة واحدة فقط؛ في حين أنَّ اللُّغة اليونانيَّة تَحوي كلمات عديدة تُزيلُ أيَّ لُبْسٍ. والحقيقةُ هي أنَّ الكلماتِ اليونانيَّةَ المُختَلِفَة الَّتي تُتَرْجَمُ باللُّغة الإنجليزيَّة "مَحَبَّة" لا صِلَةَ لها البَتَّة بالمَعنى الأصليِّ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ. لِذا فإنَّ النَّاسَ آنذاكَ لم يَكونوا يَخلِطونَ بينَها. والسَّببُ في أنَّنا نَخْلِطُ بينَ هذهِ الكلماتِ هو أنَّ الكلمة الإنجليزيَّة هي نَفسُها. ولكِنَّ اليونانِيِّينَ كانوا يَتحدَّثونَ [على سَبيلِ المِثالِ] عنِ الشَّهوةِ الجنسيَّةِ؛ أيْ عنِ الشَّهوةِ الَّتي تَنطوي على انجذابٍ جَسَدِيٍّ بينَ رَجُلٍ وامرأةٍ على المُستوى الجِنسيِّ. وقد كانت لديهم كَلِمَة للتَّعبيرِ عن ذلك، وهي مُختلفة كُلَّ الاختلافِ عنِ الكلمة "مَحَبَّة".

وهُناكَ كلمة يونانيَّة أخرى مُختصَّة بالمَشاعرِ الرُّومانسيَّةِ، أوِ الصَّداقَةِ، أوِ المَشاعِرِ الدَّافئةِ والمَودَّةِ الَّتي تَنشأُ عندما يَصيرُ شَخصانِ مُتقارِبَيْنِ جِدًّا؛ ولكِنْ مِن دونِ أيِّ انجذابٍ جِنسيٍّ على الإطلاق. وهذِهِ كلمة مُختلفة تمامًا ولا صِلَةَ لها بالمحبَّة.

ولكِنَّ الكلمةَ المُستخدمةَ هُنا في اللُّغةِ اليونانيَّةِ (وهي الكلمة "أغابي" – “agape”) هي كلمة تَعني ببساطَة: "أَقْصى عَمَلٍ مِنْ أعمالِ التَّضحية بالذَّات". فهي كلمة تُعَبِّرُ عن أقصى عَمَلٍ مِن أعمالِ التَّضحيةِ بالذَّاتِ لأجلِ خَيْرِ شَخصٍ آخر. والحقيقةُ هي أنَّهُ يُمكِنُنا أن نُتَرجِمَ الآيةَ الأولى هَكذا: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي رُوْحُ التَّضحيةِ بالذَّاتِ، فَقَدْ صِرْتُ بِلا أيِّ قيمَة". والآن، هذا هو جَوهَرُ مَعنى الكلمة "مَحَبَّة" في اللُّغةِ اليُونانيَّة.

وأعتقدُ أنَّ مَعْناها الحَقيقيَّ يَتَّضِحُ مِن خلالِ قَوْلِ رَبِّنا يَسوع: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". فما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ لقد وَضَّحَ ذلكَ بِقولِهِ: "أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ". فهذا هو جَوهَرُ أَسْمَى أنواعِ المحبَّة. فهي عَمَلٌ مُضَحٍّ وخِدمةٌ تُقدِّمُها لشخصٍ لا يَهتمُّ [بالضَّرورة] بِكَ عاطفيًّا. فالعِبارة "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ" لا تَعني: "اشعُروا بمشاعِرَ جِنسيَّةٍ نَحوَهُم"، ولا تَعني: "اشعُروا بمشاعِرَ رُومانسيَّة نَحوَهُم"، ولا تَعني: "تَمَتَّعوا بِعَلاقة رَائِعَة ودَافِئَة وسَعيدَة مَعَهُم". فكُلُّ هذهِ المَعاني هي مُستحيلات. ولكِنَّ المَعنى الصَّحيحَ هو: "افعَلوا شَيئًا فيهِ تَضْحِية بالذَّات لأجلِهم". "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". أو كما قالَ يَسوعُ: "أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ". وَقد قالَ أيضًا: "لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ".

بِعبارة أخرى، أحِبُّوا أعداءَكُم كما أحَبَّ اللهُ أعداءَهُ. وكيفَ أَحَبَّ اللهُ أعداءَهُ؟ لقد أَحَبَّ اللهُ أعداءَهُ مَحَبَّةً كَافيةً جَعَلَتْهُ يَموتُ عِوَضًا عنهُم. فنحنُ جَميعًا أعداءٌ لَهُ. اقرأوا رسالة أفسُس والأصحاح الثَّاني. فنحنُ جميعًا أعداء. ونحنُ جَميعًا مُنفَصِلونَ عنِ اللهِ. لِذا فإنَّ المحبَّةَ هي عَمَلٌ مُضَحٍّ لأجلِ أُناسٍ يُعادونَكَ لأنَّ اللهَ هُوَ النَّموذَجُ لِتلكَ المحبَّة. فهي ليست عاطفةً، بل تَضحية بالذَّات.

والآن، هذا هو تَمامًا الشَّيءُ الَّذي يُشيرُ إليهِ بولُس في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13. فأيًّا كانت تَصَرُّفاتُ ذلكَ الشَّخص، وأيًّا كانت سُلوكيَّاتُه، وأيًّا كانت مُعامَلَتُهُ لَكَ، اطلُب كُلَّ الخَيرِ لَهُ. فهذا هو ما فَعَلَهُ اللهُ. فكما أنَّ اللهَ "يُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ"، يجب عليكَ أن تُمْطِرَ أعمالاً مُضَحِّيَةً على مَنْ يَستَحِقُّونَها وَمَنْ لا يَستَحِقُّونَها على حَدٍّ سَواء. والآن، يجب عليكم أن تَتذكَّروا أنَّ هذا لا صِلَةَ لَهُم بالعاطفةِ، بل يَختصُّ بالإرادَة. فهو ليسَ عَملاً نَابِعًا مِنَ العاطفةِ، بل هو عَمَلٌ نَابِعٌ مِنَ الإرادَة. فأنْ تُحِبَّ شخصًا مِنْ خِلالِ تَضحيَتِكَ بذاتِكَ هو ليسَ شُعورًا، بل تَصْميمٌ تَعْقِدُ العَزمَ عليهِ في ذِهنِكَ إذْ تَقولُ إنَّ هذا هو الصَّوابُ وإنَّ هذا هو ما ستَفعَلُه.

وقد تَقول: "ولكِن، يا جون، كيفَ يُمكِنُكَ أن تَصِلَ إلى النُّقطةِ الَّتي تَمتَلِكُ فيها هذا النَّوعَ مِنَ الإرادَةِ، وإلى النُّقطةِ الَّتي يُمكِنُكَ فيها حَقًّا أن تَقْتَحِمَ فيها حَياةَ شخصٍ ما، سَواءٌ أكانَ يَستحقٌّ ذلكَ أَمْ لا يَستَحِقُّ ذلك، وسَواءٌ أكانَ شخصًا تَهتمُّ لأمرِهِ أو شَخصًا لا تَهتمُّ لأمرِهِ، وأنْ تَقومَ بِعَمَلٍ يَقومُ على خِدمةٍ مُضَحِّيَةٍ بالذَّاتِ لأجلِهِ؟ كيفَ يُمْكِنُكَ أنْ تَصِلَ إلى تلكَ النُّقطة؟" مِن جِهَة، لا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ فَجأةً. فلا يُمكنُكَ أن تَنهضَ وَحَسْب في الصَّباح وتَقول: "حسنًا! لقد كُنتُ كَسُولاً خِلالَ الأيَّامِ الثَّلاثةِ الماضية. وهذا وَقتٌ طَويل. والآن، سَوفَ أُحِبُّ. سوفَ أُحِبُّ اليوم. سوفَ أُحِبُّ الجَميع"، ثُمَّ أن تَذهَبَ وَتَنظُرَ إلى المُلْصَقِ الصَّغيرِ الَّذي يَقولُ: "المَحَبَّة لا تَسْقُط أبدًا"، وأنْ تَقرأَ بِضْعَ آياتٍ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، وتَخرُجَ خارجًا وتُحِبّ حَقًّا شخصًا ما. كَلاَّ، لا يُمكنُكَ أن تَفعلَ ذلك. فالأمرُ لا يَتِمُّ بتلكَ الطَّريقةِ على الإطلاق.

وقد تَقول: "ومِن أينَ تَنبُعُ تلكَ المحبَّة؟" حسنًا! لقد قُلنا هذا في المَرَّةِ السَّابقة. وسوفَ أُذَكِّرُكُمْ وَحَسْب بذلك: عندما تَسلُكونُ في الرُّوحِ. والسُّلوكُ في الرُّوحِ يَعني أن تُسَلِّمَ حَياتَكَ لِهَيمَنَتِه، وأن تَعتَرِفَ بخطاياكَ، وأن تَسْمَحَ لِرُوحِ اللهِ أنْ يَسودَ على أنماطِ فِكرِكَ. وعندما يُهَيمِنُ رُوحُ اللهِ عليكَ فإنَّهُ يُنتِجُ ثَمرًا. وثَمَرُ الرُّوحِ مَحَبَّة. والمَحبَّة لا يُمكِنُ أنْ تأتي إلَّا بتلكَ الطَّريقة. لِذا، لا يُمكِنُكَ أن تَسعى إلى الحُصولِ على المحبَّة مِن خلالِ عَقْدِ العَزْمِ على أن تَكونَ إنسانًا بَارًّا في ذِهنِكَ؛ بل إنَّ طَريقةَ الحُصولِ عليها تَكْمُنُ ببساطَة في إخضاعِ حَياتِكَ لرُوحِ اللهِ: "أيُّها الرُّوحُ القُدُسُ! هَيْمِنْ عَلَيَّ اليومَ، واسْتَلِمْ دَفَّةَ حياتي، واحْيَ مِنْ خِلالي". وحينئذٍ، سيكونُ ثَمَرُ المحبَّةِ ظَاهِرًا.

والآن، في تلكَ النُّقطَةِ تَحديدًا، نَدخُلُ صُورةَ كنيسةِ كورِنثوس. فكنيسةُ كورِنثوس لم تَكُن تَسلُكُ في الرُّوح. ولم تَكُن كنيسةُ كورِنثوس تَخضَعُ للرُّوح. ولم تَكُن كنيسةُ كورِنثوس تَحتَ سَيطرةِ الرُّوحِ القُدُس. فقد كانوا أنانِيِّينَ، ومُتَحَوْصِلينَ على أنفُسِهم، وعَنيدينَ، ولَديهم طُموحات شخصيَّة عَالِيَة، ويَفعلونَ كُلَّ ما في وُسْعِهم لتَحقيقِ غَاياتِهم الشخصيَّة. وكانَ كُلُّ شخصٍ يَفعلُ ما يُريد لأجلِ مَصلَحَتِهِ الشخصيَّةِ بِدونِ أيِّ اعْتِبارٍ لأيِّ شخصٍ آخر. فلم يَكُن يَهُمُّهم ما يَفعَلُهُ أيُّ شخصٍ آخر. ولم يَكُن يَعنيهم ما يَحتاجُهُ أيُّ شخصٍ آخر. فقد كانَ كُلُّ شخصٍ يَعْمَلُ لأجلِ نَفسِه. وكانَ هذا هو شِعارُ كنيسةِ كورِنثوس. لِذا، لم تَكُن هُناكَ مَحبَّة. فَهُم لم يَكونوا يَسلُكونَ في الرُّوحِ، ولم تَنْشأ أيُّ مَحَبَّة. لِذا، كانَ كُلُّ شيءٍ يَفعلونَهُ يُظْهِرُ هذهِ العَداوَة، وهذا التَّمَرُّد، وهذا الخِصام، وهذا التَّفَكُّك، وهذا التَّنافُر.

والآن، في هذه النُّقطةِ تَحديدًا، يَتحدَّثُ بولسُ إليهم في الأصحاحِ الثَّالِث عَشر ويَقول: "الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي سيُوَحِّد رَعِيَّتَكُم مَعًا هو المَحبَّة. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي تَعمَلُ بها المَواهِبُ الرُّوحيَّةُ هي المَحبَّة. والطَّريقةُ الوحيدةُ للتخلُّصِ مِن هذا الحَسَدِ وهَذِهِ الغَيْرَةِ [مِنْ جِهَة]، ومِنَ الكِبرياءِ والتَّفاخُرِ [مِن جِهَةٍ أخرى] هو المَحبَّة. فالمحبَّةُ هي المِفتاحُ للوَحَدةِ الَّتي سَتَرسِمُ صُورةَ المسيحِ كي يَراهُ العَالَمُ على حَقيقَتِه".

وأودُّ أن أُذَكِّرَكُم وَحَسْب...انظُروا إلى كَنيسةِ النعمة (Grace Church) على سَبيلِ المِثال. فلو كُنَّا نَتَّكِلُ على وَحْدَتِنا وعلى أنْ تَكونَ لَنا شَهادَة واحِدَة مَنظورة أمامَ العالَمِ، ولو كُنَّا نَتَّكِلُ على حَقيقةِ أنَّنا مُتَّفِقونَ على كُلِّ شيء، لَوَقَعْنا في مَشاكِل كثيرة. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي نَفعَلُه، هُناكَ أشخاصٌ لن يُوافِقوا عليه. وهذهِ حَقيقة. والآن، قد يَقولُ أحَدُكم: "أنا لا أُوافِقُ على طَريقَتِكُم في القيامِ بِكَذا في المَكانِ الفُلانِيّ"، أو: "أنا لا أُوافِقُ على هذا المَوقِفِ تَحديدًا"، أو: "أنا لا أُحِبُّ المَكانَ الَّذي يَجتَمِعُ فيهِ صَفُّ دَرْسِ الكِتاب"، أو: "أنا لا أُوافِقُ على ما قَرَّرَ شُيوخُ الكنيسةِ أن يَفعلوهُ بخصوصِ المَوضوعِ الفُلانِيّ...أنا لستُ مُوافِقًا"، أو: "كنتُ أتمنَّى أن يَضَعوا هَذا العَمودَ هُناكَ، وأن يَضَعوا ذلكَ العَمودَ هُناك"، أو: "لماذا لا تَضَعونَ هذهِ الأشياءِ في مَكانٍ أعلى؟" أو: "لماذا وَضَعُوا الشَّجَرةَ هُنا؟" فكما تَعلمونَ، هُناكَ دائمًا مَنْ لا يُوافِقُنا الرَّأي.

وما أعنيه هو أنَّ هُناكَ أُناسًا لا يُوافِقونَنا الرَّأي. ويُمكِنُني أن أُريكُم بَريدي. فهناكَ أشخاصٌ يَختَلِفونَ مَعي. ففي كُلِّ يومِ أَحَد، أكونُ نازِلًا مِنْ عَلى الدَّرَج وأريدُ النُّزولَ بسُرعة لأنَّ شخصًا قد يَقولُ شيئًا ويَجعلُني أتَعثَّر لأنَّهُ [كما تَعلمونَ] فإنَّ هَذِهِ الأُمورَ تَحدُث. ونحنُ نَتَسَلَّمُ رَسائلَ مُؤيِّدة أيضًا. ونحنُ نَحتَفِظُ بها! فَمِنَ الصَّعبِ أن يَتَّفِقَ الجَميع. أَتَرَوْن؟ ونحنُ نُدرِكُ أنَّ إرضاءَ الجَميعِ غَايَة لا تُدرَك. ولكِنَّنا لا نَسعى إلى ذلك. فلن نَتمكَّنَ يَومًا مِنَ الحُصولِ على مُوافقةِ الجميعِ على كُلِّ شيءٍ صَغير. ولكِنْ هل تَعلمونَ ما الَّذي نَسعى إلى القِيامِ بِهِ؟ نحنُ نُريدُ مِنَ الجَميعِ أن يُحِبُّوا بطريقة كِتابيَّةً كي لا يُقيموا وَزْنًا لموافَقَتِهم أو عَدَمِ موافَقَتِهم. فما يَنبغي أن يُفَكِّروا فيهِ هو أن يُضَحُّوا بِرأيِهِمِ الشَّخصيِّ لأجلِ وَحْدَةِ الكُلِّ. أَتَرَوْن؟ لِذا فإنَّ المَسألةَ لا تَتوقَّفُ على مُوافَقَتِكَ أو عَدَمِ مُوافَقَتِكَ.

فأنا لا أُوافِقُ دائمًا على كُلِّ شيءٍ صَغيرٍ يَحدُثُ في حَياةِ كُلِّ شخص، ولكِنِّي أُضْطَرُّ أحيانًا إلى الجُلوسِ بَعيدًا والقَول: "أعتقدُ أنَّ الرَّبَّ يَقودُ بطريقة مُعيَّنة. ومِنَ المؤكَّدِ أنِّي مُستعِدٌّ، وبمحبَّة، أن أَخْضَعَ لشخصٍ آخر". فهذا هو رُوحُ الوَحدَة. فهي لا تَقومُ أبدًا على أساسِ الاتِّفاق، بل إنَّ الاتِّفاقَ يُمْكِنُ أنْ يَخْضَعَ للمَحبَّة. وهذه هي النُّقطةُ هُنا. فقد كانَ الكورِنثيُّونَ يَتَصادَمونَ كثيرًا جدًّا. ولم تَكُن هناكَ طَريقة لِجَعلِهم جَميعًا يَفتَكرونَ فِكرًا واحدًا، ولِجَعلِهم جَميعًا يَتَّفِقونَ على الشَّيءِ نَفسِه، ولِجَعلِهِم يَضَعونَ كُلَّ شيءٍ صَغيرٍ وثانويٍّ في الصُّندوقِ نَفسِه. فهذا لا يَنجَح. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكِنُكَ مِنْ خِلالِها أن تُحَقِّقَ ذلكَ في الكنيسةِ هو أن تَأتي بِراعٍ مُتَسَلِّطٍ جدًّا، وأنْ تَطْرُدَ كُلَّ شخصٍ لا يُوافِق. وحينئذٍ، لن تَبقى لديكَ كَنيسة، بل سيَبقى لديكَ رَاعٍ مُتَسَلِّط وَمَجموعة مِنَ الأشخاصِ البَبَّغاواتِ الَّذينَ يُرافِقونَهُ. فهذا هو كُلُّ شيء. وهذه ليست وَحْدَة حقيقيَّة. فالوَحدةُ الحقيقيَّةُ تَتَحَقَّقُ مِنْ خِلالِ كُلِّ هؤلاءِ النَّاسِ بِمُختلفِ أفكارِهم ومُثُلِهم حينَ يُبدونَ الاستعدادَ، بِكُلِّ مَحَبَّة، للتَّضحيةِ بمشيئَتِهم الشَّخصيَّةِ لأجلِ وَحْدَةِ المُؤمِنين.

والآن، لم يَكُنِ الكورِنثيُّونَ يَعلَمونَ حَتَّى مَعنى هذا الكَلام لأنَّهُم كانوا يُحاولونَ أن يَفعلوا كُلَّ ما يَفعلونَهُ لأجلِ مَصالِحِهم الشخصيَّة. وهل تَتخيَّلونَ كيفَ كانَ الأمر؟ فلم يَكُن هُناكَ أيُّ اتِّفاقٍ يَومًا، بل كانَ الجميعُ يَسعى إلى الحُصولِ على المَواهِبِ الحُسْنَى، ويَسعى إلى الحُصولِ على المَجدِ، ويَسعى إلى قِيادَةِ المَجموعَةِ، ويَسعى إلى أن يكونَ القائدَ الرُّوحِيَّ الأبرَز. وقد كانَ الأمرُ فَوْضَى وَحَسْب...فَوْضَى وَحَسْب. لِذا فإنَّ بولسَ يَتوقَّفُ في مُنتصفِ هذا كُلِّهِ ويَقول: "الآن، اسمَحوا لي أن أُكَلِّمَكُم عنِ المحبَّة". وهو يَقول: "لا يَهُمُّ ما تَفعلونَهُ، ولن يَصْنَعَ عَدَدُ المواهِبِ الَّتي لديكُم أيَّ فَرْقٍ، ولا صِلَةَ لنوعيَّةِ المواهِبِ الَّتي لَديكُم بأيِّ شَيء، ولا تُوجدُ أهميَّة لِعَظَمَتِكُم الظَّاهِرَة، ولا تُوجدُ أيُّ أهميَّة على الإطلاق لشَعبيَّتِكُم. ولا تُوجدُ أهميَّة لسُلطَتِكُم على الرَّعيَّة. فإنْ لم تَكونوا مَدفُوعينَ ومُنقادِينَ بحقيقةِ التَّضحيةِ بالذَّاتِ، والرِّعايةِ، والمَحبَّةِ الخَدومَةِ، فإنَّكُم صِفْرٌ رُوحيًّا...صِفْر. ليسَ واحِدٌ، بل صِفْر. فأنتُم عَديمو الأهميَّة. وأنتُم لا تُسْهِمونَ في شَيء. فإنْ لم تَكُنِ المَحبَّةُ هي الإسهامُ الأكبرُ في حَياتِكُم، فإنَّكُم لا تُسهِمونَ في شَيء".

والآن، ما الَّذي يَعنيهِ تَحديدًا؟ في هذا الأصحاح، يَقولُ [بولُس] أربعةَ أمورٍ عنِ المَحبَّة. فهو يَقولُ إنَّ أهميَّةَ المَحبَّةِ، وسِماتِ المَحبَّةِ، ودَيمومَةَ المَحبَّةِ، وتَفَوُّقَ المَحبَّةِ هي أُمورٌ يَنبغي تَذَكُّرُها. فهذه الجوانِبُ الأربعةُ يَنبغي أنْ تَفْهَموها. فالمحبَّةُ يَنبغي أن تَكونَ دائمة. وهي تبْطِلُ كُلَّ شيء. والمحبَّةُ تَفوقُ كُلَّ الأشياء. ويجب عليكُم أن تَفهموا ذلك. لِذا، هذا هو تَقسيمُ الأصحاح.

والآن، نحنُ نَتأمَّلُ في النُّقطةِ الأولى وهي: أهميَّةُ المَحبَّة (في الأعدادِ الثَّلاثةِ الأولى). واسمَحوا لي أن أقرأَها لَكُم مَرَّةً أخرى. "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ. وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا. وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا". والآن، ها هوَ المَعنى. المحبَّةُ مُهِمَّة. وبِدونِها، المَوهبةُ صِفْر...صِفْر...صِفْر. فهي مُجَرَّدُ ضَوضاء.

والآن، في المَرَّةِ السَّابقةِ، تَأمَّلنا في العددِ الأوَّلِ ورأينا النُّقطةَ الأولى الَّتي ذَكَرْتُها لَكُم في المُخَطَّطِ الصَّغيرِ المَوجودِ في النَّشرة: اللُّغاتُ بِدونِ مَحبَّة هي لا شَيء. اللُّغاتُ بِدونِ مَحبَّة هي لا شَيء. وقد رأينا أنَّهُ لا يَهُمُّ إنْ كُنتُم تَمتلكونَ (كما هي حالُ الكُورِنثِيِّينَ) مَوهبةَ التَّكَلُّمِ بالألسِنَة. وَحَتَّى إنَّهُ لا يَهُمُّ، في الحقيقةِ، إن كُنتُم قادِرينَ على التَّكلُّمِ مِثلَ المَلائِكَة. أتَذكرون؟ فهذا ليسَ مُهِمًّا إنْ لم تَكُن هُناكَ أيُّ مَحَبَّة. فالفَصاحَةُ هي شَيءٌ مَرغوبٌ فيه. والجُرأةُ في التَّكَلُّمِ شَيءٌ عَظيم. ولكِنَّ الادِّعاءَ بأنَّكَ تَملِكُ صَوتَ مَلاكٍ، وبأنَّكَ تَستطيعُ أن تَتكلَّمَ كَلامًا مَلائكيًّا ليسَ أمرًا مُهِمًّا. فإن لم تَكُن هُناكَ مَحبَّة، فإنَّ ذلكَ هُوَ مُجَرَّدُ ضَوضاء. فهي جَعْجَعَةٌ كتلكَ الَّتي يَقومُ بها الوَثنيُّون. والآن، كما تَعلمونَ، إنَّ الفَصاحَةَ شَيءٌ مَرغوبٌ فيه. وإنْ أخذنا النُّقطةَ الَّتي يُثيرُها هُنا وضَخَّمناها إلى الحُدودِ القُصوى، فإنَّ ما يَقولُهُ حَقًّا هو أنَّ أفضلَ خِطابٍ على الأرضِ، وأفضلَ خِطابٍ في السَّماءِ لن يَكونَ مُهِمًّا إنْ لم تَكُن هُناكَ مَحبَّة.

فَكما تَعلمونَ، الجَميعُ يُريدونَ أن يَكونوا فُصَحاءَ. والجَميعُ يُريدونَ أن يَتكلَّموا. فأنتُم تَسمعونَ النَّاسَ يَقولون: "آه! إنَّهُ فَصيحٌ جدًّا. فَهُوَ يَستطيعُ أن يَتكلَّمَ وَيَهُزَّ القَاعَة". وقد كَانوا يَقولونَ عن "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards) إنَّهُ عندما كانَ يَعِظُ، كانَ النَّاسُ يَنْطَرِحونَ أرضًا ويَصرُخونَ إلى اللهِ طَلَبًا للرَّحمة. يا للعَجَب! تَخَيَّلوا رَدَّ فِعْلِهم على عِظاتِه! وعندما نَدرُسُ في كُليَّاتِ اللَّاهوتِ فإنَّهُم يُحاولونَ أن يُعَلِّمونا كيفَ نَعِظُ بِفَصاحَة. ولكِنَّ ذلكَ لا يُفْلِحُ مَعَنا جَميعًا. وَهُمْ يُبالونَ بالأسلوبِ وكُلِّ ذلك. وأذكُرُ أنَّ أوَّلَ واجِبٍ طُلِبَ مِنِّي أنْ أَقومَ بِهِ كانَ يَتطلَّبُ مِنِّي أنْ أُقْنِعَ صَفًّا بِشِراءِ نَوعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ وَرَقِ الحَمَّام. وقد كانَ بإمكانِهم أن يَختاروا أيَّ سِلعة يَشاؤون. ولا أدري لماذا أَوْكَلوا إليَّ تلكَ المَهمَّة. ولكِنْ على أيِّ حَال، كانَ مَطلوبٌ مِنِّي أن أُقنِعَ الصَّفَّ بِشراءِ تلكَ السِّلعَة. وكانَ يُسْمَحُ للطَّلبة أن يَصرُخوا ويَصِيحوا، وأنْ يُلْقوا الأشياءَ عليكَ، وأن يَهْتُفوا ويُعَبِّروا عنِ استيائِهم. فقد كانوا يُحاولونَ أن يَجعلوا الطَّلبَة يَتغلَّبونَ على جَوانِبِ ضَعفِهم. وهناكَ أشخاصٌ يَذهبونَ إلى كُليَّاتِ اللَّاهوتِ كي يَصيروا واعِظينَ، ولكنَّهُم لا يَتخرَّجون. فَهُم يَقِفونَ هُناكَ ويَمْضُون. فهُمْ لا يَتمكَّنونَ مِنَ التَّغلُّبِ على ذلكَ ولا سِيَّما أنَّ بعضَ الطَّلبة كانوا يَقِفونَ على المَقاعِدِ ويُلقونَ لِفافاتِ وَرَقِ الحَمَّامِ وغيرِها مِنَ الأشياءَ عليهم. ويجب عليكَ أن تَفعلَ ذلك. فَهذا هو الشَّيءُ الَّذي يُحاولونَ أن يُدَرِّبوكَ على القيامِ بِه. وَهُم يُريدونَ مِنكَ أن تُتْقِنَ أُسلوبَكَ. لِذا فإنَّكَ تَتعلَّمُ أن تَقولَ أمورًا صَغيرةً مُضْحِكَة. وأنتَ تُشبِهُ شَخصًا فَمُهُ مُمتلئٌ بالحِجارَةِ وَيُحاوِلُ أن يَتكلَّم. فمسألةُ الفَصاحَةِ مُهمَّة جدًّا.

ولكِنْ حَتَّى لو كُنتَ قادرًا على التَّكلُّمِ كالملائكةِ ولم تَكُن لديكَ مَحبَّة، فإنَّ فَصاحَتَكَ ليسَت مُهمَّة. صَحيحٌ أنَّكَ إذا كُنتَ قادرًا على التَّكلُّمِ، وإقناعِ النَّاسِ، وَأَسْرِ أذهانِهم، وأَسْرِ قُلوبِهم، والتَّأثيرِ في مَشيئَتِهم كي يَقوموا بسُلوكٍ مُعَيَّن هي قُدرة عَظيمة، ولكِنَّ ذلكَ ليسَ مُهِمًّا. وأنْ تكونَ قَادرًا على التَّعامُلِ معَ الجُمهورِ بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَتعامَلُ فيها العازِفُ الماهِرُ معَ آلَتِهِ المُوسيقيَّةِ، وأنْ تُلْهِمَهُم، وتُهَدِّئَهُمْ تَارَةً، وتُثيرهُم تَارَةً، وأنْ تُقنِعَهُم، وتُفْحِمَهُم، وتُبَكِّتَهُم، فإنَّ هذا فَنٌّ يُتْقِنُهُ أُناسٌ. ولكِنْ إنْ لم تَكُن لديهم مَحبَّة، فإنَّ كُلَّ قُدُراتِهم تلكَ ليسَت مُهِمَّة. وفي حالةِ أهلِ كورِنثوس، كانوا قد جَعَلوا مَوهبةَ اللُّغاتِ هُراءً جَسديًّا، ونَشاطًا شَبيهًا بما يَفعَلُهُ الوَثنيُّونَ. وبولُس يَقولُ: "إنَّ مَواهِبَكُم لا تَنفَعُ في شَيء. فقد أَهْدَرْتُموها".

وهذا يَقودُهُ إلى النُّقطةِ الثَّانيةِ في اللَّائحةِ، كما جَاءَ في العَددِ الثَّاني، وهي أنَّ النُّبوَّةَ بِدونِ مَحبَّة هي لا شَيء: "وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا". فالنُبوَّةُ بِدونِ مَحبَّة ليست شَيئًا. وكما تَعلمونَ، فإنَّ النُّبوَّةَ أهَمُّ بكثير مِنْ مَوهبةِ اللُّغاتِ، وَمِنَ التَّكَلُّمِ بفَصاحَة، ومِنَ التَّكلُّمِ بصوتِ الملائكةِ. فمَوهبةُ النُّبوَّةِ هي أهَمُّ مَوهبةٍ. فإنْ قَرأتُم في الأصحاحِ الرَّابِع عَشَر، ستجدونَ أنَّ النُّبوَّةَ تُوصَفُ بأنَّها أعظَمُ المَواهِبِ. لماذا؟ لأنَّها إعلانُ الحَقِّ الإلهيِّ بلُغَةِ النَّاسِ لِيَسمَعوهُ ويَفهَموه.

وأعتقدُ أنَّهُ يُوجَدُ جَانِبانِ للنُّبوَّة: جانِبُ الإعلانِ في الكتابِ المقدَّسِ حينَ نَطَقَ النَّبيُّ بالإعلانِ الإلهيِّ، وجانِبُ التَّكرارِ؛ أيْ عندما تُعيدُ سَرْدَ الإعلانِ الإلهيِّ. وأريدُ مِنكُم أن تَعلموا أنِّي أقولُ لكم إعلانَ اللهِ، ولكِنْ ليسَ أوَّلَ مَرَّة. فما أفعَلُهُ هو [بِبَساطَة] أنِّي أُعيدُ قَولَهُ كما قَرأتُهُ في الكتابِ المقدَّس. فإنْ دَرَسْتُم، على سَبيلِ المِثالِ، عِظاتِ بُطرُس، وعِظاتِ بولُس، وعِظَةَ استفانوس، ستَجِدونَ أنَّهم كانوا يَقولونَ أحيانًا حَقًّا جديدًا، وأنَّهم كانوا يَقتبِسونَ أحيانًا حَقًّا قَديمًا. لِذا، هُناكَ عُنصُرُ النُّبوَّةِ بِما فيهِ مِن إعلانٍ وتَكرار.

ولكِنْ حَتَّى لو كُنتُ قادرًا على التَّكلُّمِ بكلمةِ اللهِ أوَّلَ مَرَّة، أو لو كُنتُ قادرًا على إعلانِ حَقٍّ قَديمٍ بأسلوبٍ قويٍّ ومؤثِّرٍ ومُفعَمٍ بالحَيويَّةِ والتَّصويرِ مِن دونِ أن تكونَ لديَّ مَحبَّة، فإنَّ ذلكَ لا يَعني شَيئًا. والكلمة "نُبوَّة" تَعني: "التَّكَلُّم أمامَ شخصٍ مَا". وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ الأشخاصِ الَّذينَ يُخاطِبونَ النَّاسَ، وعنِ الأشخاصِ الَّذينَ يَملِكونَ القُدرةَ على الوقوفِ هُناكَ والوَعْظِ بفَصاحةٍ وحيويَّةٍ بالحَقِّ الإلهيِّ. ولَكُم أن تَتَخَيَّلوا رَوعةَ هذه الموهِبَة؛ أيْ أن تَكونَ قادرًا على إعلانِ الأمورِ المُختصَّةِ باللهِ، وقادرًا على تَفسيرِ الحَياةِ، وقادرًا على تَبسيطِ كلمةِ السَّماءِ بمُفرداتٍ مَفهومة على الأرض، وقادرًا على تَصْويرِ الأبديَّةِ في إطارٍ زَمنيٍّ. فهي مَوهبة رائعة...مَوهبةُ الإعلان. ولكنَّها بِدونِ مَحبَّة لا تَعني شَيئًا. فهي صِفْر.

وفي رسالة أفسُس 4: 15، هُناكَ عِبارة صغيرة يَقولُها بولسُ. وَهِيَ مِنَ النَّوعِ الَّذي يَلصَقُ دائمًا في ذِهني. فهو يَقول: "بَلْ نَتَمَسَّكُ بالحَقِّ" في ماذا؟ "فِي الْمَحَبَّةِ". "بَلْ نَتَمَسَّكُ بالحَقِّ في المَحبَّة". فهُناكَ تَوازُنٌ. وأنا أَرى دائمًا أنَّهُ يُوْجَدُ عَدُوّانِ كَبيرانِ للواعِظ...عَدُوَّانِ كَبيران: العَدُوُّ الأوَّلُ هو: التَّخلِّي عنِ الحَقِّ. والثَّاني هو: عَدَمُ المُبالاةِ المُطلَقَةِ بالنَّاسِ. عَدُوَّانِ كَبيرانِ: التَّخلِّي عنِ الحَقِّ، وعَدَمُ المُبالاةِ بالنَّاسِ. وهُناكَ خُدَّامٌ كَثيرونَ يَفتقرونَ إلى التَّوازُن. فهُناكَ خُدَّامٌ لديهم مَحبَّة فائقة للنَّاسِ، ولكنَّهُم لا يُقدِّمونَ الحَقَّ لَهُم. فَهُم لا يَستعدُّونَ البَتَّة لتقديمِ الحَقِّ لَهُم. وهُناكَ خُدَّامٌ يُقَدِّمونَ الحَقَّ، ولكنَّهُم لا يُبالونَ بالنَّاس. ويجب عليكَ أن تُجَاهِدَ في سَبيلِ الحِفاظِ على هذا التَّوازُن.

فأحيانًا، في أثناءِ خِدمَتِك، قد تَجتَهِدُ في الدِّراسةِ ويَحينُ وقتُ الدِّراسةِ كي تُقَدِّمَ لهم الحَقَّ. ولكِنَّكَ تُواجِهُ فَجأةً حقيقةَ أنَّ هُناكَ شخصًا في رَعيَّتِك لديهِ حاجَة. لِذا فإنَّكَ تَحْتارُ بينَ التَّوقُّفِ والذَّهابِ للقيامِ بعملٍ مُضَحٍّ، وبينَ الاستمرارِ في الدِّراسة. فهل ينبغي أن أستمرَّ في التَّركيزِ على الوَعْظِ أم على النَّاس؟ وهذا ليسَ أمرًا سَهلاً لأنَّ الوعظَ هو عَمَلُ مَحَبَّة مُقَدَّم إلى النَّاس. ولكِنْ هذا هو تَوازُنُ الأولويَّاتِ الَّذي تُحاوِلُ جَاهِدًا أنْ تُحَقِّقَهُ.

وأخشَى، للأسَف، أنَّ هناكَ وُعَّاظًا كَثيرينَ يُرَكِّزونَ على جانِبٍ ويُهمِلونَ الآخر إذْ إنَّهُمْ بِدافِعِ المَحبَّةِ للنَّاسِ يُلَطِّفونَ كثيرًا ما يَقولونَهُ حَتَّى إنَّهُ لا يَعودُ حَقًّا نَوعَ المحبَّةِ الَّتي يَحتاجُ إليها النَّاسُ لأنَّها مَحَبَّة تَخلُو مِن أيِّ حَقٍّ. وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَحدُثُ؟ إنَّ ذلكَ النَّوعَ مِنَ المحبَّةِ لا يَحميهِم مِنَ الخَطأ. بالمُقابِل، هُناكَ خُدَّامٌ يُقَرِّرونَ أن يُرَكِّزوا على الحَقِّ فَلا يُحِبُّونَ النَّاسَ. وسُرعانَ ما يَقتَنِعُ النَّاسُ بأنَّ اللهَ لا يُحِبُّهُم أكثرَ مِمَّا يُحِبُّهُم ذلكَ الواعِظ بأيِّ حَال. لِذا، يجب أن يكونَ هُناكَ تَوازُن.

فهُناكَ وُعَّاظٌ يَفتَقِرونَ إلى أيِّ مَحبَّة. وهُناكَ وُعَّاظٌ لديهم هَدَفٌ واحدٌ فقط (كَما قالَ "ألبرت بارنز" [Albert Barnes] في تَفسيرِهِ القَديم): "لَديهِم هَدَفٌ واحدٌ فقط: لا أنْ يُطْعِموا الخِرافَ، بل أن يَجِزُّوها". فَهُم لا يُحِبُّونَ النَّاسَ، بل هُمْ يَفعلونَ ما يَفعلونَهُ مِن أجلِ الشُّهرةِ، أوِ النُّفوذِ، أوِ المَكانَةِ، أوِ الرِّبْحِ الشَّخصيِّ، أوْ مِن أجلِ المَالِ، أو لكي يَكونوا شَخصًا مَا. وَهُمْ هُناكَ بَحثًا عن أفضَلِ عَرْضٍ. وهذا صَحيح. إنَّهُ مُؤسِفٌ، ولكنَّهُ صَحيح. واسمَحوا لي أن أُريكُم نَموذَجًا على ذلك. سِفْرُ العَدد والأصحاح 24. لقد ظَنَنْتُم أنِّي سأقرَأُ لَكُم مَقالَةً. أليسَ كذلك؟ سِفْرُ العَدد والأصحاح 24. وهُناكَ الكَثيرُ مِن هؤلاءِ النَّاسِ حَتَّى الآن. وهذا مُدهِش. فيُمكِنُكم...مِنَ المُدهِشِ في نَظري كيفَ أنَّهُم...كما تَعلمونَ، لقد تَوَصَّلْتُ إلى نَتيجَةٍ مَفادُها أنَّ أغلبيَّةَ المَسيحيِّينَ لا يَعلَمونَ مَنْ هُمُ الخُدَّامُ الحَقيقيُّونَ ومَنْ هُمُ الخُدَّامُ الزَّائِفون. حَقًّا، إنَّهُم لا يَعلمون. فَكِّروا وَحَسْب في عَدَدِ الخُدَّامِ الَّذينَ ما زالوا يَحصُلونَ على الدَّعمِ على الإذاعَةِ أوِ التِّلِفزيون. فهذا يُثْبِتُ ذلك. فَهُم لا يَعلمونَ مَنْ هُمُ الخُدَّامُ الحَقيقيُّونَ ومَنْ هُمُ الخُدَّامُ الزَّائِفونَ حَقًّا لأنَّهُم لم يَتَعَلَّموا أُمورًا كثيرةً جدًّا.

سِفْرُ العَدد 24: 15. والكَلامُ هُنا هُوَ عَنْ بَلْعَام بْنِ بَعُور. سِفْرُ العَدد 24: 15: "ثُمَّ نَطَقَ بِمَثَلِهِ وَقَالَ: «وَحْيُ بَلْعَامَ بْنِ بَعُورَ. وَحْيُ الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ. وَحْيُ الَّذِي يَسْمَعُ أَقْوَالَ اللهِ وَيَعْرِفُ مَعْرِفَةَ الْعَلِيِّ. الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ سَاقِطًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ". والآن، نَجِدُ هُنا وَصْفًا لِبَلعام. وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ يَملِكُ شَيئًا جَيِّدًا. وَهُوَ يَقولُ في العَدد 17، وهذِهِ نُبوَّة: "أَرَاهُ وَلكِنْ لَيْسَ الآنَ". فَهُناكَ شَيءٌ سيأتي، ولكِنْ ليسَ الآن. "أُبْصِرُهُ وَلكِنْ لَيْسَ قَرِيبًا". فسوفَ يَحدُثُ بعدَ حِيْن. "يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ مَلِكٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ". وَمَنْ يَكونُ هذا؟ لا شَكَّ في أنَّ هذهِ النُّبوَّةَ تُشيرُ في النِّهاية إلى المَسِيَّا. فالمَلِكُ يَقتَرِنُ بما جاءَ في سِفْر التَّكوين 49: 10، وَهُوَ المَسِيَّا. اسمَعوني: نحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ أُعْطِيَ امتيازًا مُدهِشًا ولا مَثيلَ لَهُ في التَّنبُّؤِ عنِ المَسِيَّا. وقد تَقولونَ: "ما أروعَ ذلك! هذا رائع! لا بُدَّ أنَّ بَلعامَ كانَ شَخصًا مُمَيَّزًا". كَلاَّ. بل لم يَكُن شَيئًا. وقد تَقولون: "لِماذا؟"

نقرأُ في العَدَدِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الخامِسِ والعِشرين، في النِّصْفِ الثَّاني مِن ذلكَ العَدد: "وَابْتَدَأَ الشَّعْبُ يَزْنُونَ مَعَ بَنَاتِ مُوآب". والآن، كانَ النَّبيُّ قد أخبَرَهُم عنِ المَسِيَّا. وبعدَ ذلكَ، أوَّلُ شَيءٍ يَفعَلُهُ الشَّعبُ، كَما رأينا، هو أنَّهُم راحُوا يَقتَرِفونَ الزِّنَى معَ بَناتِ مُوآب. وقد تَقولون: "مِنَ المؤكَّدِ أنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نُلْقي اللَّومَ في ذلكَ على بَلْعام المِسْكين. فَرُبَّما لم يَستَمِعوا إليه". لا. انظُروا إلى سِفْرِ العَدَد والأصحاح 31 إذْ سأُريكُم شَيئًا. فهذا هو تَفسيرُ بَلعام. فقد كانَ كُلُّ هذا الزِّنى شَيئًا سَيِّئًا. ونَقرأُ في العَدَد 16 مِنَ الأصحاح 31: "إِنَّ هؤُلاَءِ كُنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [أيْ إنَّ هَؤلاءِ النِّساءِ...النِّساءِ المُوآبيَّاتِ] كُنَّ "سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ" لاحِظوا: " حَسَبَ كَلاَمِ [مَنْ؟] بَلْعَام". والآن، مَهْلاً! لقد كانَ بَلعامُ الَّذي يَعرِفُ الحَقَّ ويَقولُ الحَقَّ هُوَ الشَّخصُ نَفسُهُ، ولكنَّهُ لم يَكُنْ يُحِبُّ الشَّعبَ. فقد جاءَ المُوآبِيُّونَ وقالوا: "مَرحبًا يا بَلعام! كم تُريدُ مُقابِلَ أنْ تُفْسِدَ بَني إسرائيل؟" وقد اشْتَرَوْهُ فَأَغْوى بَني إسرائيلَ باقترافِ الزِّنى معَ بَناتِ مُوآب.

انُظروا إلى نِهايةِ العَدد 8 في الأصحاح 31: "وَبَلْعَامَ بْنَ بَعُورَ..." فَعَلوا بِهِ ماذا؟ "قَتَلُوهُ بِالسَّيْف". وهل تُريدونَ أن تَعلموا شَيئًا؟ خِلالَ التَّاريخِ، نُلاحِظُ أنَّ حِمارَ بَلعام كانَ مَقبولاً في الخِدمةِ أكثرَ مِن بَلعام. أليسَ كذلك؟ أتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّهُ كانَ نَبِيًّا تَكَلَّمَ بالحَقِّ ولكنَّهُ لم يَكُن يُحِبُّ الشَّعبَ. أليسَ كَذلك؟ وكما تَرَوْنَ، لا بُدَّ مِن وُجودِ ذلك. فينبغي أن تَكونَ هُناكَ مَحَبَّة حقيقيَّة وأن يَكونَ هُناكَ اهتِمامٌ حَقيقيٌّ بالشَّعب. ولكنَّ ذلكَ كانَ مَفقودًا. فقد شَوَّهَ بَلعامُ ذلك وَحَوَّلَ ذلكَ إلى كَراهِيَة فأخطأ الشَّعبُ. وقد كَلَّفَهُ ذلكَ حَياتَهُ.

والآية مَتَّى 7: 21 تَلفِتُ أنظارَكُم إلى عُنصُرٍ آخرَ يَختصُّ بالفِكرةِ نَفسِها. فإنجيل مَتَّى 7: 21 يَقول: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَات". ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 22 (أيْ في إنجيل مَتَّى 7: 22): "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِــي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا؟" أَلا تَذكُرُنا؟ فَيَقولُ لَهُم (في العَدد 23): "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِــي الإِثْمِ!" فَهُمْ أنبياءٌ كَذَبة. فالنُّطْقُ بالحَقِّ بِدونِ مَحَبَّة هو لا شَيء. وَهُوَ زِيْفٌ. وَهُوَ بُطْلٌ. ويجب أن تَعلم أنَّهُ يُمكِنُك أن تُطَبِّقَ ذلكَ على نِطاقِك. فقد لا تَملِكُ مَوهبةَ الوَعْظِ. ولكنَّكَ تَضْطَلِعُ بالمسؤوليَّةِ نَفسِها. فهل تُحِبُّ حَقًّا النَّاسَ الَّذينَ تُحَدِّثُهم عنِ المَسيح؟ هل تُحِبُّهُم حَقًّا؟ وهل تَقومُ بأعمالٍ مُضَحِّيَةٍ لأجلِهم؟ أعتقد أنَّهُ ما لم تَفعل ذلك فإنَّكَ لمْ تَكْتَسِبِ الحَقَّ في قَولِ الحَقِّ.

أَذكُرُ أنَّ فَتاةً شَابَّةً جاءَتْ إليَّ والدُّموعُ في عَينيها بعدَ أن تَكلَّمتُ ذاتَ مَرَّةٍ فقالت: "أنا أُعَلِّمُ صَفًّا في مَدرسةِ الأحَدِ هُنا في إحدى المَجموعات". وقد قالت: "لقد كُنتُ أظُنُّ أنِّي أُحِبُّ هؤلاءِ الفَتياتِ الصِّغارِ هُناكَ". ثُمَّ قالت: "ولكنِّي أَعلمُ الآنَ أنِّي لم أَكُن أُحِبُّهُنَّ لأنِّي لم أَقُمْ يَومًا بأيِّ تَضحية لأجلِهِنَّ". هذا هُوَ لُبُّ الأمر. هل تُحِبُّ الأشخاصَ الَّذينَ تَكرِزُ لَهُم؟ وهل تُحِبُّ الأشخاصَ الَّذينَ تُعَلِّمُهم؟ هل تُحِبُّهُم بالقَدرِ الكَافي الَّذي يَجعَلُكَ تُضَحِّي لأجلِهم تَضحيةً شَخصيَّةً؟ وكما تَرَوْنَ فإنَّ القُدرةَ الكامِنَةَ وراءَ الرِّسالةِ هي الدَّافِع. وإلَّا، ستَكونُ الرِّسالةُ جَوفاء. والدَّافِعُ هُوَ أنَّ مَحبَّةَ اللهِ انْسَكَبَتْ في قُلوبِنا. فقُوَّةُ الرِّسالةِ لا تَكمُنُ في المُفرداتِ، ولا تَكمُنُ في الذَّكاءِ، ولا تَكمُنُ في الأسلوبِ؛ بل تَكمُنُ في القَلبِ المُحِبِّ بِصِدْق للرَّجُلِ الَّذي يَنْقِلُ الرِّسالة، أو للمرأةِ الَّتي تَنقِلُ الرِّسالة. فَما هُوَ مِقدارُ مَحَبَّتِك؟ فبدونِ مَحَبَّة، ستكونُ الفَصاحَةُ أَشْبَهُ بالتَّبايُنِ بينَ صَوتِ آلةٍ مُوسيقيَّةٍ جَميلة وصَفَّارةِ إنذارٍ مُزعِجَة. فلا تُوجَدُ مُوسيقا في صَفَّارةِ الإنذارِ المُزعِجَة. وهذهِ هي الفَصاحَةُ بِدونِ مَحَبَّة. فاللِّسانُ بِدونِ مَحَبَّة هو حَيَّة تُصْدِرُ فحيحًا، وتَعَضُّ، وتُسَمِّمُ الآخرينَ بِسُمِّها. فالمَحبَّةُ هي وَحدُها الَّتي تُضْفي على اللِّسانِ رِقَّةً ولُطْفًا.

واسمَحوا لي أن أُريكُم لِسانًا كهذا في سِفْرِ إرْميا. سِفْرِ إرْميا والأصحاحِ الأوَّل. سِفْرِ إرْميا والأصحاحِ الأوَّل. فيا لَهُ مِن شخصٍ رائع! ويا لَها مِنْ خِدمةٍ صَعبةٍ كانَ يَقومُ بها! إرْميا 1: 5: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوب". وما أعنيه هو أنَّهُ لم يَكُن لَديهِ خِيارٌ. فالنَّاسُ الَّذينَ يَرفُضونَ فِكرةَ سِيادةِ اللهِ يَنبغي أن يَدرسوا مَوضوعَ دَعوةِ اللهِ للأنبياء. فَقد دُعُوْا جَميعًا بالطَّريقةِ ذاتِها: إشَعْياء، وبُولُس، وبُطرُس، وكُلُّ شَخصٍ نَادي بكلمةِ اللهِ...وَحَتَّى الرُّسُل. فقد مَشى يَسوعُ على الشَّاطئِ وقالَ لَهُم ما يَنبغي أن يَفعلوه. وقد حَدَثَ الشَّيءُ نَفسُهُ معَ إرْميا. "فَقُلْتُ [في العَدَدِ السَّادِس]: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ»". فَصَوتي بِشِعٌ، وأُسلوبي سَيِّئٌ، وذِهني ليسَ حَادًّا أيضًا. فأنا وَلَدٌ في فَهْمي. ولكِنَّ الرَّبَّ قالَ لَهُ: "لاَ تَقُلْ إِنِّي وَلَدٌ، لأَنَّكَ إِلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِ تَذْهَبُ وَتَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ". وهذا يَبدو رائعًا! فقد كُنتُ أتمنَّى أن يَقولَ الرَّبُّ لي هذا الكَلام: "لا حَاجَة إلى الدِّراسةِ أوِ التَّحضيرِ، بَلِ اذهَبْ وَحَسْب، وَافْتَحْ فَمَكَ، وأنا سأضَعُ كَلامي في فَمِك". فقد كانَ ذلكَ سيكونُ رائعًا!

وفي ذلكَ الوقتِ، رُبَّما كانَ إرْميا يَشعُرُ بمشاعِر جَيِّدة تُجاهَ ذلك. ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الثَّامِن: "لاَ تَخَفْ مِنْ وُجُوهِهِمْ". والآن، كانَ ذَلكَ الكَلامُ كَافِيًا لإيقافي هُناكَ. "ما الَّذي تَعنيه؟" سوفَ يَغضَبونَ حينَ تَتكلَّم، ويَتَجَهَّمونَ، ويَنزَعِجونَ جِدًّا مِنك. "ولكِنْ لا تَخَف لأَنِّي أَنَا مَعَكَ لأُنْقِذَكَ". وقد كانَ إرْميا يَعلمُ طَوالَ حَياتِهِ أنَّ اللهَ سَيُنْقِذُهُ مِنَ المَخاطِر. "وَمَدَّ الرَّبُّ يَدَهُ وَلَمَسَ فَمِي، وَقَالَ الرَّبُّ لِي: هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلاَمِي فِي فَمِكَ". ويا لَها مِنْ جُملةٍ رائعة! "اُنْظُرْ! قَدْ وَكَّلْتُكَ هذَا الْيَوْمَ عَلَى الشُّعُوبِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ، لِتَقْلَعَ وَتَهْدِمَ وَتُهْلِكَ وَتَنْقُضَ وَتَبْنِيَ وَتَغْرِسَ". اسمَعوني! رُبَّما تَكونُ هذهِ أعظَمُ آيةٍ في الكتابِ المقدَّسِ عن قُوَّةِ الوَعْظ. فالوَعْظُ هو القُدرةُ على حُكْمِ أُمَمٍ وَمَمالِك، وعلى القَلْعِ، والهَدْمِ، والإهلاكِ، والنَّقضِ، والبِناءِ، والغَرس. فالوعظُ هُوَ قُوَّة هائلة.

سَوفَ تَفعلُ ذلكَ يا إرْميا. ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 16: "وَأُقِيمُ دَعْوَايَ عَلَى كُلِّ شَرِّهِمْ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 17: "أَمَّا أَنْتَ فَنَطِّقْ حَقْوَيْكَ وَقُمْ وَكَلِّمْهُمْ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ. لاَ تَرْتَعْ مِنْ وُجُوهِهِمْ لِئَلاَّ أُرِيعَكَ أَمَامَهُمْ". فإنِ ابتدأتَ تَشُكُّ وتَرتاعُ، سأجعَلُكَ في حَالة سَيِّئة. "هأَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ". فسوفَ تَكونُ شَيئًا قَويًّا، ولن يَتمكَّنوا مِن هَدْمِك. ويُمكِنُكَ الآنَ أنْ تَتَخَيَّلَ نَفسَكَ في ذلكَ الموقِف. فسوفَ تَقولُ الآنَ: "سوفَ أقولُ لَهُم ذلك، وأبقى قَويًّا. فسوفَ أكونُ عَمودَ حَديدٍ؛ وأكونُ عَديمَ الحِسِّ، وعَديمَ المُبالاة". ولكِنْ راقِبوا إرْميا. فَها هُوَ عَمودُ حَديدٍ، وسُورُ نُحاسٍ، ومَدينة حَصينَة.

وأريدُ منكم أن تَرَوْا رُوْحَهُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 19. فقد مَضى عليهِ الآنَ في الخِدمة أربعة أصحاحات. وقدِ ابتدأَ في رؤيةِ رُدودِ فِعلِ الشَّعب. ويجب أن تُرَكِّزوا على مَوقِفِهِ هُنا في العدد 19: "أَحْشَائِي، أَحْشَائِي! تُوجِعُنِي جُدْرَانُ قَلْبِي. يَئِنُّ فِيَّ قَلْبِي". أنا لستُ طَبيبَ قَلب. لِذا، لن أُحاوِلَ أن أُشَخِّصَ حَالَتَهُ، ولكِنَّهُ ليسَ على ما يُرام. فقد كانَ نَبضُ قَلبِهِ أعلى مِنَ اللَّازِم. "لاَ أَسْتَطِيعُ السُّكُوتَ. لأَنَّكِ سَمِعْتِ يَا نَفْسِي صَوْتَ الْبُوقِ وَهُتَافَ الْحَرْبِ". فَهُوَ يَقولُ لهؤلاءِ الشَّعب: "سوفَ يَتِمُّ سَبْيُكُم. وسوفَ تُهْدَمون. فهُناكَ حَربٌ آتِية. فالبابِليُّونَ قَادِمونَ. ولا يُمكنُني أن أحتَمِلَ ذلك. فهو يَجعَلُ قَلبي يَخفِقُ بقوَّة ويَجعَلُ نَفسي حَزينة. وكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ يُحِبُّ شَعبَهُ. وَهُوَ يُبالي.

انظروا إلى الأصحاحِ الثَّامِنِ والعدد 18: "مَنْ مُفَرِّجٌ عَنِّي الْحُزْنَ؟ قَلْبِي فِيَّ سَقِيمٌ". فَهُوَ يَشعُرُ أنَّهُ سَيُصابُ بِنَوبَةٍ قَلبيَّة. فقد كانَ قَلِقًا إلى هذا الحَدِّ. وَكانت دَقَّاتُ قَلبِهِ غير مُنتَظَمَة. وهو يَقولُ: "لا يُمكنُني أن أَحتَمِلَ هذا". "هُوَذَا صَوْتُ اسْتِغَاثَةِ بِنْتِ شَعْبِي". ثُمَّ في العَدد 20: "مَضَى الْحَصَادُ، انْتَهَى الصَّيْفُ". ثُمَّ لاحِظوا ما يَقول. فَهُوَ لا يَقولُ: "وأنتُم لم تَخلُصوا"، بَل يَقولُ ماذا؟ وَلِماذا يَقولُ "نَحْنُ"؟ لأنَّهُ يَقْرِنُ نَفسَهُ تَمامًا بآلامِ شَعبِهِ. فقد كانَ مُخَلِّصًا، ولكنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَفصِلَ نَفسَهُ. وهذا هو التَّعاطُف: "وَنَحْنُ لَمْ نَخْلُصْ! مِنْ أَجْلِ سَحْقِ بِنْتِ شَعْبِي انْسَحَقْتُ. حَزِنْتُ. أَخَذَتْنِي دَهْشَةٌ. أَلَيْسَ بَلَسَانٌ فِي جِلْعَادَ، أَمْ لَيْسَ هُنَاكَ طَبِيبٌ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تُعْصَبْ بِنْتُ شَعْبِي؟" وكما تَرَوْنَ، فقد كانَ يَتألَّم.

انظروا إلى الأصحاحِ التَّاسعِ والعَددِ الأوَّل: "يَا لَيْتَ رَأسِي مَاءٌ، وَعَيْنَيَّ يَنْبُوعُ دُمُوعٍ، فَأَبْكِيَ نَهَارًا وَلَيْلاً قَتْلَى بِنْتِ شَعْبِي!" إنَّهُ رَجُلٌ قَلبُهُ مَكسورٌ، ورَجُلٌ يَبكي، ورَجُلٌ يَهتمُّ، ورَجُلٌ أحَبَّ شَعبَهُ. ويُمكِنُكم أن تَقرأوا حَتَّى الأصحاح 23 وما بَعدَهُ وأن تَروا المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّةِ تِلْوَ المَرَّةِ دُموعَ إرْميا. فَهُوَ النَّبِيُّ البَاكي.

ولم يَكُنِ الرَّسولُ بُولُسُ مُختَلِفًا عنهُ. ففي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 20: 19، يَقولُ بولس: "أَخْدِمُ الرَّبَّ...بِدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ". وفي رسالة رُومية، بَكَى على إسرائيل. وفي رسالة كورِنثوس الثَّانية، بَكى على المُؤمِنينَ الجَسَدِيِّين. وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20، بَكى على تأثيرِ المُعَلِّمينَ الكَذَبة. فقد بَكَى طَوالَ خِدمَتِهِ لأنَّهُ كانَ يُبالي. وقد كانَ يَمْلِكُ ذلكَ التَّوازُن على غِرارِ إرْميا الَّذي كانَ يَملِكُ ذلكَ التَّوازُن. ولكِنَّ بَلْعامَ لم يَكُن يَمْلِكُ ذلكَ التَّوازُنِ بينَ الحَقِّ والمَحَبَّةِ كما هُوَ مَطلوب. وإنْ كُنتَ تُمارِسُ مَوهبةَ النُّبوَّةِ بِدونِ مَحبَّةٍ عَميقةٍ للهِ، وبِدونِ مَحَبَّةٍ عَميقةٍ لكَلِمَتِه، وبِدونِ مَحبَّةٍ عَميقةٍ لشَعبِه، وإن كُنتَ تَفعلُ ذلكَ لِمَجدِكَ الذَّاتيِ أو شُهرَتِكَ أو نَجاحِكَ أو كِبريائِكَ أو بِلا مُبالاةٍ فإنَّكَ ستكونُ صِفْرًا في نَظَرِ اللهِ مَهما كانت نَظرَةُ العَالَمِ إليكَ.

ثالثًا. فقد قُلنا إنَّ اللُّغاتِ بِدونِ مَحَبَّة هي لا شَيء، وإنَّ النُّبوَّةَ بِدونِ مَحبَّة هي لا شَيء. والآن، لِنَرجِع إلى رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13: المَعرِفَةُ بِدونِ مَحبَّة هي لا شَيء. وهذهِ أفكارٌ مُتَصاعِدَة. فهو يَبتدئُ بالكَلامِ المُقتَرِنِ باللُّغاتِ، ثُمَّ يَنتَقِلُ إلى النُّبوَّةِ. وَهُوَ الآنَ يَتعمَّقُ أكثر ويَفتَرِضُ أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ العِلْم: "[وإنْ كُنْتُ] أَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ،...وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا". وما المَقصودُ بِفَهْمِ جَميعِ الأسرار؟ وما هُوَ السِّرّ؟ السِّرُّ...إنَّ هذِهِ الكلمة...سوفَ أتوقَّفُ قليلاً لِشَرحِ ذلكَ لَكُم. إنَّ هذه الكلمة مُستخدَمة أكثرَ مِن ثلاثينَ مَرَّة في الكتابِ المقدَّس. والآن، اسمَعوني: إنَّها لم تُسْتَخْدَم قَطّ بالمَعنى العَاديّ، بل إنَّها تُستخدَمُ دائمًا بِالمَعنى الاصْطِلاحِيّ. واستخدامُها اصْطِلاحِيًّا يَعني ما يَلي: السِّرُّ هو حَقٌّ إلهيٌّ مُعلَنٌ في العهدِ الجديد بِصورة رئيسيَّة. مُعْلَنٌ في العهدِ الجديد. فهو شَيءٌ كانَ مُخفَى في السَّابقِ وأُعلِنَ الآن. ويُمكِنُكم أن تَبحثوا في العهدِ الجديدِ وتَجِدوا جَميعَ الأسرار. فُهناكَ سِرُّ التَّقوى: اللهُ ظَهَرَ في الجَسد. وهُناكَ سِرُّ المَسيحِ فينا. وهُناكَ سِرُّ اليهودِ والأُمَم: إنسانٌ جَديدٌ واحِد (أفسُس 3). وهُناكَ سِرُّ الإثْم الَّذي يَعمَلُ الآن.

فهُناكَ أمور كثيرة تُدعَى سِرًّا. وهذا لا يَعني أنَّها خَفِيَّة الآن، بل يَعني أنَّها كانت خَفيَّة، ولكنَّها الآنَ مُعلَنَة. ونحنُ مَنْ نَعلَمُ هذهِ الأسرارَ المُقدَّسةَ الإلهيَّة. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 13: 11 أنَّ أسرارَ مَلكوتِ اللهِ أُخْفِيَتْ عنِ الحُكَماءِ والفُهَماءِ وأُعلِنَتْ لِمَنْ؟ للأطفال؛ أيْ لَنا. وهُناكَ آيات كثيرة تَتحدَّثُ عن ذلك. ولكِنَّ السِّرَّ هُوَ سِرٌّ إلهيٌّ مُقَدَّسٌ. وهي أسرارٌ تَختصُّ بخُطَّتِهِ الفِدائيَّة وخُطَّتِهِ النِّهائيَّةِ للتَّاريخ.

فاللهُ لَديهِ حَقائق خَاصَّة بالفِداءِ أَعلَنَها لَنا. وهُناكَ أسرارٌ أُخرى لم يُعْلِنْها لَنا. ولكِن لِنَفترِض أنَّكَ تَعلَمُ كُلَّ سِرٍّ في فِكْرِ اللهِ، وجميعَ الأسرار، وكُلَّ الحَقِّ المُختصِّ بالفِداء، وأنَّكَ تَعلَمُ لا فقط كُلَّ حَقيقة خاصَّة بالفِداء، بل إنَّهُ بمقدورِكَ أن تَقْرِنَ تَمامًا كُلَّ حَقٍّ يَختصُّ بالفِداء. فإنْ كُنتَ تَعلَمُ كُلَّ حَقيقة تَختصُّ بقصدِ اللهِ النِّهائيِّ الآنَ وإلى الأبد، ويُمكِنُكَ أنْ تَقرِنَ كُلَّ الحقائقِ معًا. إنْ كُنتَ تَعلَمُ كُلَّ ذلك، ولديكَ كُلُّ المَعرفة...والكلمة "نوسيس" (gnosis) تَعني: "كُلَّ الحقائقِ الَّتي يُمكِنُ التَّحَقُّقُ مِنها مِن خلالِ الاستِقصَاء". فالأمرُ لا يَقتَصِرُ على أنَّكَ تَعلَمُ كُلَّ سِرٍّ يَختصُّ بالفِداءِ وخُطَّةِ اللهِ على مَرِّ العُصورِ، بل إنَّكَ تَعلَمُ كُلَّ حَقيقة مَوجودة في الكَون: عَدَدَ ذَرَّاتِ الرَّمْلِ في كَوكَبِ المَرِّيخ، وكُلَّ حَقيقة...كُلَّ حَقيقة على حِدَة في الكَون، وكُلَّ سِرٍّ في فِكْرِ اللهِ فيما يَختصُّ بالفِداءِ في تاريخِ سِيادَةِ اللهِ على الإنسانِ. إنْ كُنتَ تَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ مِن ذلك ولكنَّكَ لم تَكُن لديكَ مَحَبَّةً، فإنَّكَ سَتَكونُ ماذا؟ لا بُدَّ أنَّكَ ستقولُ إنَّكَ تَستحقُّ على الأقَلّ عَلامَةَ اثْنين أو ثَلاثة. لا، بل أنتَ صِفْر. فأنتَ لا تَرقى حَتَّى إلى واحِد. لماذا؟ لأنَّ المَحبَّةَ مُهِمَّة.

وهذا يُذهِلُني! فَصِيَغُ التَّفضيلِ هُنا رائعة. ولا شَكَّ أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَعلَمَ كُلَّ ذلك. لِذا فإنَّهُ يَستخدِمُ الكلمة "إنْ" بِصيغةِ الشَّرْطِ لأنَّهُ يَتكلَّم افتراضِيًّا. ولكِنْ حَتَّى لو كُنتَ تَعلَمُ ذلكَ فإنَّكَ ستَكونُ صِفْرًا. وما يُذهِلُني دائمًا هو أنَّ هُناكَ أشخاصًا يَظُنُّونَ أنَّهُ بسببِ أنَّهُم يَعلَمونَ كُلَّ شَيءٍ فإنَّهُم ليسوا مَسؤولينَ عن إظهارِ الحُبِّ لأيِّ شخص. وهُناكَ أشخاصٌ لَديهم لاهوتٌ نِظامِيٌّ لكُلِّ العَقيدة، ولديهم تَصنيفٌ لكُلِّ العَقيدة، ويَعرفونَ كُلَّ الإجاباتِ، ولكنَّهُم لا يُحِبُّونَ أحدًا. وهل تَعلمونَ مَنْ هُمْ في نَظَرِ اللهِ؟ إنَّهُم ماذا؟ إنَّهُمْ صِفْر. فَهُمْ أصْفارٌ كَبيرة. فذلكَ لا يَعني أيَّ شَيء. فالمحبَّةُ تَتَفَوَّقُ على الذَّكاءِ الخَارِق. وأنا فَرِحٌ بذلكَ بِكُلِّ تأكيد. وبالرَّغمِ مِن ذلك، هل سَمِعتُم يَومًا أنَّ شخصًا حَصَلَ على شَهادةِ الدُّكتوراه في المَحبَّة؟ فنحنُ نَدعو النَّاسَ "الدُّكتور فُلان" بسببِ ذَكائِهم المُمَيَّز. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ نِظامَ القِيَمِ لَدينا ليسَ كما يَنبغي أن يَكون. أليسَ كذلك؟ فالمَعرفةُ الرُّوحيَّةُ، والمَعرفةُ الكِتابيَّةُ، والإنجازاتُ الفِكريَّةُ بِدونِ مَحَبَّة لا تُساوي شَيئًا؛ بل هي غُرورٌ رُوحِيٌّ وَحَسْب. فهي فَرِّيسيَّةٌ وَتَعالٍ على الآخرين. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ المَعرفةَ بِدونِ مَحبَّة تَقتُل. فهي مِثلُ الحَرْفِ بِدونِ الرُّوح. فالمَعرفةُ بِدونِ مَحَبَّة بَشِعَة. أمَّا المَعرفةُ المَقرونَةُ بالمَحَبَّة فإنَّها رائعة. والمَعرفةُ بِدونِ مَحبَّة عاجِزَة. أمَّا المَعرفةُ المَقرونَةُ بالمحبَّة فإنَّها قَويَّة.

وفي رِسالةِ كورِنثوس الأولى 8: 1 أشارَ بولسُ إلى هذا الأمرِ حينَ قالَ لأهلِ كورِنثوس...اسمَعوا: "الْعِلْمُ يَنْفُخُ". فَقد عَبَّرَ عن ذلكَ بالطَّريقةِ التَّالية: "الْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي". الْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي. فإنْ كانَ يَنبغي لكَ أن تَختارَ بينَ أن تَتعلَّمَ أن تُحِبَّ أو أن تَتعلَّمَ مَجموعةً مِنَ الحَقائق، تَعَلَّم أن تُحِبَّ. فالكتابُ المقدَّسُ يُرَكِّزُ على ذلكَ مِرارًا وتَكرارًا. صَحيحٌ أنَّهُ مِنَ المُهِمِّ أنْ نَعرِفَ الحَقائقَ. فلا يُمكِنُكم أن تُقَلِّلوا مِن شَأنِ المَعرفة...البَتَّة. فاللهُ لا يُريدُ مَجموعةً مِنَ الأشخاصِ المُحِبِّينَ الجُهَّال. فَهُمْ سَيُحِبُّونَ بَعضُهُم بَعضًا إلى حَدٍّ يُوْقِعُهُم في كُلِّ أنواعِ الأخطاء. وهذا أمرٌ مُؤكَّدُ الحُدوث. فَهُم سَيُحِبُّونَ مَحَبَّةَ مُتَدَفِّقَةً جدًّا تَجعَلُهُم لا يُمَيِّزونَ بينَ مَنْ هُمْ على صَوابٍ وَمَنْ هُمْ على خَطأ، وَبينَ الَّذينَ نَالوا الخَلاصَ والَّذين لم يَنالوه. وَهُمْ سَيَجعلونَ كُلَّ شَيءٍ فَوْضَى. فيجب علينا أن نَعْلَمَ. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ عنِ المحبَّةِ المَقرونَةِ بالمَعرفة.

فنحنُ نَقرأُ في رسالة فيلبِّي 1: 9: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ". هل تَرَوْنَ ذلك؟ فلا يُمكِنُكم أن تَفصِلوا بينَ الاثنتين، بل يجب عليكم أن تُحافظوا عليهما في تَوازُنٍ تامٍّ. وأعتقد أنَّهُ يجب علينا هُنا، في كنيسةِ غريس، أن نُحافِظَ على ذلكَ التَّوازُن لأنَّهُ مِنَ السَّهلِ علينا أن نَتَعَمَّقَ في المَعرفةِ وَأنْ نُهْمِلَ المَحبَّة. ولكِنْ إنْ كانَ ينبغي لكَ أن تَختارَ بينَ أن تَأتي إلى الصَّفِّ أو أن تأتي إلى خِدمةٍ كي تَتعلَّم شيئًا، وبينَ أن تُساعِد شخصًا في إصلاحِ إطارِهِ المَثقوب، تَوَقَّف وساعِدْهُ في إصلاحِ الإطارِ المَثقوب. فالمحبَّة أفضلُ مِنَ المَعرِفَة.

رابعًا. إنَّهُ لا يَتَحَدَّثُ فقط عنِ اللُّغاتِ والنُّبوَّةِ والعِلْمِ قارِنًا تلكَ معًا كما لو كانت شَيئًا واحدًا، بل إنَّهُ يَقولُ: "وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا". والآن، إنَّ فِكرةَ الإيمانِ يُمكِن أن تأخُذَ اتِّجاهاتٍ عَديدة جدًّا. وأَوَدُّ أن أُريكُم في عُجالَة ما يَعنيه هُنا. فَهُوَ يُرَكِّزُ على مَوهبةِ الإيمان. ومَوهبةُ الإيمانِ هي ليسَتِ الإيمانَ المُخَلِّص، بل هو الإيمانُ الَّذي يُعَبَّرُ عنهُ في الصَّلاةِ والذي يُطْلِقُ القُدرةَ الإلهيَّة. أَتَرَوْن؟ فهو ذلكَ الإيمان. وَهُوَ الإيمانُ المَذكور في إنجيل مَتَّى 17: 20. وَلا حَاجَةَ إلى أنْ تَفتحوا على تلكَ الآية. فسوفَ أقرأُها لكم بسُرعة. وهُناكَ أكثرُ مِن آية، ولكنَّ مَتَّى 17: 20 هي الَّتي خَطَرَتْ بِبالي: "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ. فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ". هل هذا واضِح؟ فقد قالَ يَسوعُ: "يجب أن تَمتلِكوا إيمانًا يُؤمِنُ باللهِ في الصَّلاةِ. فحينئذٍ، يُمكِنُكم أن تَنقِلوا الجِبالَ".

والآن، هُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ تَخْتَلِطُ عليهم تلكَ الآية لأنَّهُم يَقولون: "ولكنِّي لم أَرَ يَومًا أحدًا يَفعلُ ذلك!" هذا هو المَقصود. فاللهُ لا يُريدُ أُناسًا يَجولونَ وَيَنقِلونَ الجِبالَ وَحَسْب. فهذا سيَتسَبَّبُ في مَشاكِلَ كثيرة. فلا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلك. وهذا ليسَ المَعنى المَقصود. فالمَعنى ليسَ حَرفيًّا هُنا. وهُناكَ آية أخرى في إنجيل مَتَّى والأصحاح 21 تَقول: "إِنَّ مَنْ قَالَ لِهذَا الْجَبَلِ [أيْ جَبَلِ الزَّيتون]: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ!" ولكِنَّ يَسوعَ لا يُريدُ مِن أيِّ شخصٍ أنْ يَطرَحَ جَبَلَ الزَّيتونِ أربعةَ آلافِ قَدَمٍ في البَحْرِ المَيِّت. فهذا سَيُغَيِّرُ أحداثَ المَجيءِ الثَّاني. فليسَ هَذا هو المَعنى المَقصود. بل إنَّ المَعنى المَقصود هو أنَّ هُناكَ أُناسًا يَملِكونَ مَوهبةَ الإيمان. ومَوهبةُ الإيمانِ هي القُدرةُ على الإيمانِ باللهِ باستمرار مِن دونِ أنْ يَتراجَعوا في الوقتِ الَّذي قد نَتراجِعُ فيهِ جَميعًا ونَقول: "يا رَبُّ، لا بُدَّ أنَّكَ تَأخَّرْتَ في هذهِ المَسألة. ما الَّذي يَحدُثُ يا رَبّ؟ لقد بَدأتُ أَشُكُّ". ولكِنْ يُوجَدُ أشخاصٌ آخرونَ رَاسِخونَ يَقولون: "اللهُ ما يَزالُ على العَرشِ. وأنا أنتَظِرُ وَحَسْب أنْ يَستخدِمَ اللهُ قُدْرَتَهُ. وأنا أُصَلِّي وأطلُبُ مِنهُ أن يَفعلَ ذلك". وكما تَرَوْنَ، هذا هو الشَّخصُ الَّذي يَبقى راسِخًا كالصَّخرِ في كُلِّ مِحْنَة في حينِ أنَّ البقيَّة مِنَّا يَنْهارون. فهذه هي مَوهبةُ الإيمان. فذلكَ الشَّخصُ يَنتظِر ويَنتظِر بثقةٍ إلى أنْ يَستخدِمَ اللهُ قُدرَتَهُ فنَبتدئُ نَحنُ في إدراكِ سَبَبِ قِيامِهِ بذلك. فهؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يُصَلُّونَ ويُصَلُّونَ ويُصَلُّون.

إنَّهُ نَوعٌ مِنَ الثِّقَةِ في اللهِ لا يَعرِفُ الاستِسلام. فهي ثِقَة لا تَتوقَّف، واستمرارٌ في التَّواصُلِ الحَيَوِيِّ معَ اللهِ، وانتظارٌ لَهُ لإطلاقِ قُدرَتِه في الوقتِ الَّذي يَكونُ فيهِ كثيرونَ مِنَّا قدِ استَسلموا قبلَ وَقتٍ طَويل. وهذا هو نَوعُ الإيمانِ الَّذي يَستطيعُ أن يُحَرِّكَ الجِبالَ؛ لا الجِبالَ بالمَعنى الحَرفِيِّ، بل إنَّهُ يُشيرُ إليها مَجازًا. فَهُوَ لا يُريدُ مِنَ النَّاسِ أن يُحَرِّكُوا الجِبالَ. فهذا سَيكونُ سَخيفًا. وَهُوَ لن يُحَقِّقَ أيَّ شيء. وإنْ قَرأتُم ما جاءَ في سِفْرِ زَكَرِيَّا والأصحاحِ الرَّابعِ، ستَجدونَ أنَّ هُناكَ جُملةً مُدهشة هُناك. وسوفَ أَقْتَبِسُها لَكُم. زَكَرِيَّا 4: 7. فهو يَقولُ: "مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟" فَهُوَ يَقولُ: "لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ" (في العَدَدِ السَّادِسِ). "مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟" وَهُوَ لا يَتحدَّثُ عن جَبَلٍ حَقيقيٍّ، بل يَقول: "عندما أَحصُلُ على القُوَّةِ مِنَ اللهِ، مَا الجَبَلُ الَّذي سَيَقِفُ أمامَها؟" لِذا فإنَّها القُدرةُ على الإيمانِ بأنَّ اللهَ سَيَفعلُ أُمورًا لا يَرى أغلبيَّةُ النَّاسِ أنَّها سَتَحدُث.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "انظُروا! إنْ كانَ لَديكُم كُلُّ الإيمانِ، ولم تَشُكُّوا يَومًا، وإنْ كُنتُم تَثِقونَ دائمًا في اللهِ، بِدونِ أيِّ ذَرَّةِ شَكٍّ، وبِدونِ ذَرَّةِ تَساؤُل، وإذا كُنتُم ثابِتينَ كالصَّخر وتُمارِسونَ إيمانَكُم بِكُلِّ أبعادِهِ مِنْ دُونِ أن تَسمَحوا بوجودِ أيِّ مُستحيلات، ومِن دُونِ أن تَتَساءَلوا في أذهانِكُم، ومِن دُونِ أن تَسمَحوا بوجودِ أيِّ شَكٍّ، ومِن دُونِ أن تَتَزعزَعوا، ومِن دُونِ أن تَهْتَزُّوا في أيِّ شيءٍ، ومِن دُونِ أن تَلومُوا اللهَ، ولكِنْ مِنْ دونِ مَحَبَّة، ستَكونونَ" [ماذا؟] "لا شَيء". وهذا مُذهِل. فَهُوَ يَسْحَبُ البِساطَ مِنْ تَحْتَ أقدامِ الجَميع.

لِذا فإنَّ الخُلاصَةَ هي: لا أهميَّة للمواهبِ الَّتي لَديكَ، ولا أهميَّة لِفَصاحَتِك مَهما بَلَغَتْ، ولا أهميَّة لِمَعرِفَتِك مَهما بَلَغَتْ، ولا أهميَّة لإيمانِكَ مَهما بَلَغَ. فقد تَكونُ مَسيحيًّا مَشهورًا، أو لاهوتيًّا مَعروفًا، أو مُرْسَلاً، أو راعِي كنيسة، أو مُعَلِّمًا، أو باحِثًا. ولكِنْ إنْ لم تَكُنِ الأغابي الإلهيَّةُ هي القُوَّةُ الدَّافِعَةُ في حياتِكَ، فإنَّكَ لَستَ شَيئًا. فالأمرُ بَسيطٌ إلى هذا الحَدِّ. وهذه هي الخُلاصَة. افحَصْ دَافِعَكَ.

وسوفَ نَتحدَّثُ في عُجالَة عنِ العُنصُرَيْنِ الأخيرَيْنِ في العددِ الثَّالثِ وَهُما بَسيطان. وسوفَ أكتَفي بِذكرِهِما: الإحسانُ بِدونِ مَحبَّة هو لا شَيء. وهذا هُوَ الوَجهُ الآخَرُ، يا أحبَّائي. فالمحبَّةُ مُضَحِّيَة، ولكِنْ ليست كُلُّ تَضحيةٍ هي بالضَّرورة مَحبَّة. هل فَهِمتُم ذلك؟ فهُناكَ أشخاصٌ كثيرونَ مِنْ جَماعَةِ المُورمون (Mormons) يُقَدِّمونَ تَضحيات. وهُناكَ أشخاصٌ كثيرونَ مِنَ البُوذِيِّينَ (Buddhists) يَحرِقونَ أنفُسَهُم. وهُناكَ أُناسٌ كثيرونَ يَفعلونَ أمورًا غَريبةً كَثيرة لأجلِ الدِّيانةِ الَّتي يُؤمِنونَ بها. ولكنَّهُم لا يَفعلونَ ذلكَ بِدافِعِ الحُبِّ، بل يَفعلونَ ذلكَ بِدافِعِ ماذا؟ الخَوفِ والبِرِّ الذَّاتِيِّ. فقد تَفعلُ ذلكَ لأسبابٍ كثيرة. صَحيحٌ أنَّ المَحبَةَ مُضَحِّيَة، ولكِنَّ الجانبَ الآخَر لَها يَقولُ إنَّ التَّضحيةَ بالذَّاتِ قد لا تَكونُ بالضَّرورة مَحَبَّة. لِذا، احْرِصُوا على أن تَكونَ كذلك.

إذًا، "وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا". فقد أُعطي كُلَّ مُمتلكاتي لأجلِ إطعامِ الفُقراء. وهذا أمرٌ مُدهشٌ جدًّا. فالكلمة "أَطْعَمْتُ" هُنا هي الفِعل "پسوميتزو" (psomizo)، وهُناكَ صِيغةُ اسْمٍ لَها وهي: "پسوميون" (psomion) ومَعناها: "كِسْرَة". والفِكرةُ هُنا هي أنَّنا هُنا أمامَ شَخصٍ يَتَبَرَّعُ حَرْفِيًّا بِثَروَتِهِ جُزءًا جُزءًا. بِعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقومُ بِعَمَلِ الإحسانِ إلى أقصَى حَدٍّ مُمكِن. فَهُوَ لا يُحَرِّرُ وَحَسْب شِيكًا لإحدى هَيئاتِ الإغاثَة، بل يَخرُجُ ويُقَدِّمُ كُلَّ جُزْءٍ صَغيرٍ مِن ثَروَتِهِ. فحتَّى لو كُنتُ مُنْهَمِكًا في أعمالِ الإحسانِ وقَدَّمْتُ بِنفسي كُلَّ تَبَرُّعٍ، وتَبرَّعْتُ بكُلِّ جُزءٍ صَغيرٍ إلى أعدادٍ لا تُحْصَى مِنَ النَّاسِ، فإنَّ ذلكَ كُلَّهُ لا يُساوي شَيئًا إنْ لم تَكُن لديَّ مَحبَّة. فإنْ فَعلتُ ذلكَ بِدافِعِ الواجِبِ، أو إنْ فَعلتُ ذلكَ بِطريقة فَرِّيسيَّة، أو إن فَعلتُ ذلكَ كي أُخَدِّرَ ضَميري، أو إن فَعلتُ ذلكَ لأجلِ مَدْحِ الآخرين (كَما فَعَلَ حَنَانِيَّا وَسَفِّيرَة)، أو إن فَعلتُ ذلكَ بسببِ ضَغْطِ الرِّفاقِ، فإنَّ ذلكَ لا يَعني شَيئًا.

عندما تأتي إلى الكنيسةِ وتُعطي، لماذا تُعطي؟ هل تَشعُرُ بالواجِبِ فَتُعطي؟ وهل تَشعُرُ أنَّهُ يَنبغي لكَ أن تُعطي كي تَنالَ حُظْوَةً عِندَ اللهِ؟ وهل تَشعُرُ أنَّكَ تُريدُ أن تُسَكِّتَ ضَميرَكَ بسببِ خَطيَّةٍ اقترفتَها في هذا الأسبوعِ، لِذا فإنَّكَ تُعطي كَثيرًا في هذا الأسبوعِ كي يُوازِنَ اللهُ المِيزانَ؟ وهل تُريدُ الحُصولَ على مَدْحِ النَّاسِ مِن حَولِكَ؟ وهل تُخبِرُ النَّاسَ عَن عَطائِكَ؟ وهل تَشعُرُ بِضَغطِ الرِّفاقِ إنْ لم تُعْطِ ولا يُمكِنُكَ أن تَتحدَّثَ عن ذلكَ في المَرَّةِ القادمةِ الَّتي يَجتمعُ فيها الرِّفاقُ معًا؟ إنْ كُنتَ تُعطي لأيٍّ مِن هذهِ الأسبابِ فإنَّكَ صِفْر.

والآن، إنَّ هذا المَبدأَ يَسري عليَّ كما يَسري عليكُم. فما هو الدَّافِعُ الوَحيدُ للعَطاء؟ المَحبَّة. لِذا فإنَّنا نَفعلُ ذلكَ سِرًّا، وفي الخَفاء. فلا يَهُمُّ كم أنتَ مُحْسِنٌ إنْ لم تَكُن لديكَ مَحبَّة. فقد قالَ الفَرِّيسيُّ: "أنا أُعَشِّرُ، وأنا أشكُرُكَ، وأنا لستُ مِثلَ هذا العَشَّار. فأنا أُعَشِّرُ كُلَّ ما أَقتَنيه"، وَهَلُمَّ جَرَّا. وقد قالَ اللهُ لَهُ: "أنتَ صِفْر". وقد قالَ يَسوعُ: "إِنَّ العَشَّارَ نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ". أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ الإحسانِ بِدونِ مَحَبَّة هُوَ لا شَيء.

وأخيرًا، الاستِشهادُ بِدونِ مَحَبَّة هُوَ لا شَيء. فقد تَموتُ شَهيدًا إذْ إنْ العَددَ الثَّالِثَ يَقولُ: "وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا". وهُناكَ آراء مُدهِشَة عن مَعنى أن تُسَلِّمَ جَسَدَكَ حَتَّى يَحتَرِق. فهُناكَ مَنْ يَرَى أنَّ ذلكَ يَعني أن تَصيرَ عَبْدًا. ففي تلكَ الأيَّام، عندما تَصيرُ عَبدًا، كانوا يَسِمُونَكَ بقِطعَةٍ ساخِنَةٍ مِنَ الحَديد فَيَحتَرِقُ جَسَدُك. لِذا، هُناكَ مَن يَرى أنَّ بولسَ يَعني هُنا: "حَتَّى لو صِرْتُ عَبْدًا فإنَّ ذلكَ لا يَعني شَيئًا". وهذا الرَّأيُ مُحْتَمَلٌ. ولكِنْ في ضَوْءِ طَبيعةِ ما يَقولُهُ بولسُ هُنا بِصورة إجماليَّة، يبدو لي أنَّ ما يَعنيهِ هُوَ: "إنْ بَذَلْتُ نَفسي حَتَّى مُتُّ حَرْقًا، فإنَّ ذلكَ لا يَعني شَيئًا".

والآن، هُناكَ مَن يَعتَرِضُ على ذلكَ قَائِلاً: "ولكِنْ لا تُوجَد سَابِقَة لذلك حيثُ إنَّ الإعدامَ حَرْقًا لم يَكُن يُمارَسُ في تلكَ الأيَّام". وهذا صَحيح. فلم يَكُنِ الإعْدامُ حَرْقًا يُمارَسُ في زَمَنِ بُولُس. فهذا الأسلوبُ صَارَ يُستخدَمُ لاحقًا فَصارَ المَسيحيُّونَ يُعْدَمونَ حْرْقًا. ولكِنَّنا قد نَنظُر بِطُرُقٍ مُختَلِفة إلى هذهِ الآية. أوَّلاً، رُبَّما كانَ يُشيرُ هُنا إلى الإعدامِ حَرْقًا كوسيلةٍ ستُستَخدَمُ لاحِقًا. ورُبَّما كانَ يَنْظُرُ بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ إلى أولئكَ المَسيحيِّينَ الكثيرينَ الَّذينَ سيَموتونَ حَرْقًا للأسبابِ الخاطِئَة. فكما تَعلمونَ، فإنَّ واحِدًا مِنَ الأمورِ المُدهشةِ بخصوصِ الاستِشهادِ الباكِرِ للمُؤمِنينَ هو أنَّ مُؤمِنينَ كثيرينَ مِن هؤلاءِ رَاحُوا يُفَكِّرونَ في الاستِشهادِ تَفكيرًا مَغلوطًا إذْ إنَّهُم أرادوا أن يَموتوا شُهداءَ كي يَصيروا مَشهورينَ مِثلَ المَسيحيِّينَ الَّذينَ مَاتوا شُهداء. ورُبَّما كانَ يَتوقَّعُ حُدوثَ ذلكَ بإلهامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

وهُناكَ احتمالٌ آخر أيضًا. فقد كانَ هُناكَ أشخاصٌ في الماضي قَدَّموا حَياتَهُم لِيَموتوا حَرْقًا مِثْلَ "شَدْرَخ"، وَ "مِيشَخ"، وَ "عَبْدَنَغُو". ومعَ أنَّ اللهَ نَجَّاهُم، فإنَّهُم أَبْدَوْا الاستعدادَ لذلك. ولكِنْ مِنَ المُدهِشِ أن نَعلمَ أنَّهُ كانَ يُوجدُ في المدينةِ المُجاورةِ لكورِنثوس (وَهِيَ مَدينة أثينا)، كانَ يُوجد قَبْرٌ يُدعى "قَبْرُ الهِنْدِيِّ". فقد ذَهَبَ هِنْدِيٌّ إلى تلكَ البُقعَةِ تَحديدًا وأَشعَلَ النَّارَ بنفسِهِ واحتَرَقَ حَتَّى الموت بعدَ أن كَتَبَ نَعْيَهُ بِيَدِه. وقد بَنَوْا ضَريحًا هُناكَ يَقول: "زارمانوشيغاس (Zarmanochegas)، هِنْدِيٌّ مِن بارغوسا (Bargosa)، بِحَسَبِ تَقاليدِ الهُنودِ وأعرافِهم، جَعَلَ نَفسَهُ خَالِدًا وَيَرْقُدُ هُنا". لِذا، كانَ هُناكَ شَخصٌ أَحرَقَ جَسَدَهُ كي يَكسَبَ الخُلودَ الدِّينيَّ. لِذا، رُبَّما كانَ بُولُسُ يُفَكِّرُ في ذلك.

ولكِنْ، سَواءٌ أَكانَ ذلكَ يَعني أن يَصيرَ الإنسانُ عَبْدًا أَمْ أنْ يَبْذُلَ حَياتَهُ بأنْ يُحْرَقَ ويَموتَ شَهيدًا، إنْ لم تَكُن لديهِ مَحبَّة فإنَّ ذلكَ لا يَعني شَيئًا. فقد تَكونُ شَهيدًا مَسيحيًّا مِنَ القَرنِ الثَّاني بعدَ الميلاد، وقد تَكونُ طَيَّارًا يابانِيًّا انتِحاريًّا، وقد تَكونُ شخصًا بُوذيًّا يَحرِقُ نَفسَهُ، وقد تَكونُ مُرْسَلاً...ما الَّذي قُلتُهُ؟ قد تَكونُ مُرسَلاً...وهُنا تَظْهَرُ فَصَاحَتي. فقد تَكونُ مُرْسَلاً في حَقْلِ الخِدمَة ويأكُلُكَ آكِلو لُحومِ البَشَر. ولكِنَّ ذلكَ كُلَّهُ لا يَعني شَيئًا إنْ لم يَكُنِ الدَّافِعُ هو المَحبَّة. وَلا أعتقدُ أنَّهُ مِنْ بابِ السُّخريةِ أن نَقولَ إنَّ مَسيحيِّينَ باكِرينَ كثيرينَ سَعَوْا إلى المَوْتِ حَرْقًا كي يَنالوا الشُّهرةَ كَشُهداء. ولا أعتقدُ أنَّهُ مِنْ بابِ السُّخريةِ أن نَقولَ إنَ تلكَ الأعمالَ الَّتي تَبدو مُضَحِّيَةً في الظَّاهِرِ نابِعَة مِنَ الكِبرياء. فأنا أعتقدُ أنَّ هذا صَحيح. وبَعْضٌ مِنها (كاللُّغاتِ أوِ النُّبوَّةِ أوِ العِلْمِ أوِ الإحسانِ أوِ الاستِشهاد) لا يَعني شَيئًا بِدونِ مَحبَّة. وأيًّا كانَ ما يَفعَلُهُ أهلُ كُورِنثوس، لم تَكُن هُناكَ أيُّ قيمَة لِما يَفعلونَهُ إنْ لم تَكُن لديهِم مَحَبَّة.

فَلا أهميَّة لِما تَفعَلُهُ. ولا أهميَّة لِما أَفعَلُهُ. فهو لا شَيء. وَهُوَ لا يَعني شَيئًا. والحَقيقةُ هي أنَّهُ مِنَ المُدهِشِ أنْ نَنظُرَ إلى العددِ الأوَّلِ القائلِ إنَّ الشَّخصَ غيرَ المُحِبِّ لا يُنْتِجُ شَيئًا قَيِّمًا، بَل ضَجيجًا وَحَسْب. والعَدَدُ الثَّاني يَقولُ إنَّ الشَّخصَ غَيرَ المُحِبِّ لا قِيمَةَ لَهُ على الصَّعيدِ الشَّخصيِّ: "فَلَسْتُ شَيئًا". والعَدَدُ الثَّالثُ يَقولُ إنَّ الشَّخصَ غيرَ المُحِبِّ لا يَحصُلُ على أيِّ شَيءٍ قَيِّمٍ: "فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا". فَهُوَ لا شَيء وَحَسْب. فالحياةُ الَّتي تُطْرَحُ مِنْها المَحَبَّةُ مُحَصِّلَتُها صِفْر. وقد رأينا بإيجاز في المَرَّةِ السَّابقةِ مَا جاءَ في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحِ الثَّاني إذْ نَقرأُ: "اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ، وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلاً، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ. وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ". فقد كَدُّوا وَتَعِبوا حَقًّا. وقد كانوا يَعرفونَ العَقيدةَ السَّليمة. "لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ [ماذا؟] مَحَبَّتَكَ الأُولَى". وهَل تَعلمونَ ماذا فَعَلَ؟ لقد زَحْزَحَ المَنارَةَ فَصارتِ الكَنيسَةُ مَيْتَةً ولم تُوْجَد بعدَ ذلك. وقد تُواجِهُ كَنيسةُ غريس (Grace Church) المَصيرَ نَفسَهُ إنْ لم تَكُن لديها مَحبَّة. وقد تُواجِهُ أنتَ نَفسَ المَصير على الصَّعيدِ الشَّخصيِّ. دَعونا نُصَلِّي:

نَشكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أخرى على كَلِمَتِكَ الواضِحَة والقَويَّة والمُباشِرَة والمُفيدة جدًّا لنا. فيجب علينا أن نَعلَمَ هذا يا رَبُّ كي نَتَمَكَّنَ مِنَ الحُصولِ على البَرَكَةِ القُصوَى مِنْكَ. ويجب علينا أنْ نَتْبَعَ المَبادئَ الَّتي أعطَيتَنا إيَّاها كي نَخْتَبِرَ البَرَكَةَ الَّتي وَعَدْتَنا بِها. ونحنُ نُصَلِّي أنْ نَختَبِرَ حَقًّا مَحبَّةَ المَسيحِ الَّتي انْسَكَبَتْ في قُلوبِنا إذْ نَخْضَعُ للرُّوحِ، وأنْ نَختَبِرَ ثَمَرَ ذلكَ ونَتلامَسُ مَعَ حَياةِ أُناسٍ آخَرينَ. وَصَلاتُنا هي أنْ نَفعلَ كُلَّ ما نَفعلَ كي تَزْدَادَ مَحَبَّتُنا أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ لأجْلِ مَجْدِكَ. باسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize