Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَأتي إلى الأصحاح ِالرابع عَشَر مَرَّةً أخرى في مَعْرِضِ دِراسَتِنا للرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس. وَقَد صَرَفْنا في دِراسَةِ هذا السِّفْرِ شُهورًا عَديدةً وَكثيرةً حَتَّى الآن. وَقَد وَصلنا إلى أصعَبِ أصْحاحٍ في هذا السِّفْر، بَل رُبَّما إلى أصعَبِ أصْحاحٍ في الكتابِ المُقدَّسِ مِن جَوانِبَ عَديدة. وأريدُ أن أُكَلِّمَكُم بِعنايةٍ في هذا الصَّباحِ وأن أُقَدِّمَ لَكُم أَوضَحَ فَهْمٍ مُمكِنٍ للصُّعوباتِ المَوجودةِ في هذا النَّصِّ قَدْرَ استِطاعَتي.

وأريدُ أن أَبتَدِئَ بالقولِ إنَّني لا أَدرُسُ هذا النَّصَّ بأيَّة دَوافِعَ خَفِيَّة، بل أُحاولُ وَحَسْب قَدرَ استِطاعَتي أن أَفهَمَ مَا يَقولُه. فأنا لا أُحاوِلُ أن أجعَلَهُ رِسالةً ضِدَّ الحَركةِ الكَارِزماتِيَّةِ الحَاليَّةِ كَما ذَكَرْنا في الأشهُرِ القليلةِ الماضيةِ، بل أُحاوِلُ وَحَسْب أن أُعَلِّمَكُم ما يَقولُهُ النَّصُّ. وسوفَ نَستخلِصُ بِضعةَ تَطبيقاتٍ في أثناءِ ذلك.

وأريدُ أن أَقولَ مَرَّةً أخرى إنَّني أُدركُ أنَّ هَذا الكَلامَ صَعْبٌ بالنِّسبةِ إلى أُناسٍ مُعَيَّنينَ لأنَّنا نَتحدَّثُ عن هذا المَوضوعِ كَثيرًا في الآوِنَةِ الأخيرةِ حَتَّى أُرَسِّخَ في أذهانِهِم حَقيقةَ أنَّني لا أُهاجِمُ شَخصيًّا الأفرادَ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِما يُؤمِنُ بِهِ الكَارِزماتِيُّونَ، بل إنِّي أُحاوِلُ بالحَرِيِّ قَدرَ استِطاعَتي أنْ أُقَدِّمَ فَهْمًا وَاضِحًا للأشياءِ المَوجودةِ في كلمةِ اللهِ والَّتي تَتحدَّثُ عن هذهِ الظَّاهرةِ المُحَدَّدةِ الَّتي تَحدُثُ اليوم. لِذا فإنِّي أتكلَّمُ مِن كلمةِ اللهِ، وأُحاولُ أن أفهَمَ الحَقَّ الإلهيَّ، لا أنْ أَرُدَّ عَلى الأشخاصِ الَّذينَ مَا زَالوا يُهاجِمونَني حَتَّى الآنَ بِهُجومٍ مُقابِل. فَلا تُوجَدُ لَديَّ أيَّة دَوافِع مُبَطَّنَة، بل إنَّ دَافِعي الوَحيدَ هُوَ أن تَفهَموا الحَقَّ الَّذي تُعلِنُهُ كلمةُ الله.

بعدَ أن وَضَّحْنا ذلك، لِنَفتَح مَرَّةً أخرى على الأصحاحِ الرَّابع عشر. وكَما أَذْكُرُ، فإنَّ هَذا الأصحاحَ يَتحدَّثُ عَن مَسألةِ الألسِنَةِ في كَنيسةِ كورِنثوس. فَبولُسُ يُعالِجُ هُنا مَظْهَرًا آخرَ مِن مَظاهِرِ الحَياةِ الجَسديَّةِ في كَنيسةِ كورِنثوس. وكَما رَأينا في دِراساتٍ سَابقةٍ فإنَّ المُمارَسَةَ الحَقيقيَّةَ لِمَوهبةِ اللُّغاتِ (أوِ الألسِنَةِ كَما تُسَمَّى) يُمكِنُ أن تَرَى في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل حيثُ تَرَوْنَ في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ أنَّها لُغَةٌ مَعروفَة. فقد سَمِعَ النَّاسُ الكَلامَ بِلُغاتِهم. فهذهِ هِيَ المَوهبةُ الحَقيقيَّةُ للألسِنَةِ إذْ إنَّها تُشيرُ إلى القُدرةِ على التَّكلُّمِ بِلُغةٍ أجنبيَّةٍ، أوْ بِلُغةٍ لا يَعرِفُها المُتَكَلِّم. فَقَدْ أعطاهُمُ اللهُ قُدرةً خَارقةً للطَّبيعةِ للتَّكَلُّمِ بتلكَ اللُّغةِ مِن أجلِ تَوصيلِ الحَقِّ الإلهيِّ بِلُغَةِ الأشخاصِ الحَاضِرين.

وكانتِ الألسِنَةُ أيضًا آيَةً مِن خِلالِ العُنصُرِ الخَارِقِ للطَّبيعةِ فيها؛ أيْ مِنْ خِلالِ حَقيقةِ أنَّ شَخصًا لا يَعرِفُ لُغَةً مَا ولكِنَّهُ يَتكلَّمُ بِها. فقد كانت آيَةً على أنَّ اللهَ حَاضِرٌ. وقد أَكَّدَتْ مِصداقِيَّةَ الرِّسالةِ المُعلَنَة. وقد رأينا أنَّ تلكَ كَانت لُغاتٍ مَفهومَة لَدى اليهودِ الَّذينَ جَاؤوا مِن بِلادٍ بَعيدةٍ للاحتفالِ في أورُشَليم (كَما حَدَثَ في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل). لِذا فَقَد كانَ التَّكَلُّمُ بتلكَ اللُّغاتِ... وَهِيَ نُقطةٌ مُهِمَّةٌ يَنبغي لَكُم أن تَتذكَّروها... تَعبيرًا مَفهومًا عَن أعمالِ اللهِ البَديعةِ بِلُغاتِهم. ويُمكِنُكُم أن تَرَوْا ذلكَ إذا نَظرتُم إلى الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل.

فقد كانَ اللهُ يَتكلَّم. وكانَت تلكَ هِيَ بِدايةُ العَصرِ الجَديد. فقد كانَ العَهدُ الجَديدُ سَيُكتَبُ، وكانت هُناكَ أمورٌ قديمةٌ كثيرةٌ أخرى بخصوصِ اليهوديَّةِ، وَأمورٌ أعلَنَها اللهُ في المَاضي سَتُضافُ أو يَطرأُ عَليها تَغييرٌ طَفيفٌ في العَصْرِ الجَديدِ الرَّائعِ للعهدِ الجديد. وكانَ اللهُ مُزْمِعًا أن يَتكلَّمَ مَرَّةً أخرى. وكانَ مَا سَيقولُهُ صَعْبَ الفَهْمِ بالنِّسبةِ إلى عَدَدٍ كَبيرٍ مِنَ اليهود. ولكي يُؤكِّدَ اللهُ حَقيقةَ أنَّهُ هُوَ الَّذي يَتكلَّم، أعطَى آياتٍ وَعَجائِبَ تُرافِقُ رُسُلَهُ كَالقُدرةِ الخَارقةِ للطَّبيعةِ على التَّكلُّمِ بِلُغةٍ أجنبيَّةٍ لم يَكونوا يَعرِفونَها.

والآن، لا يُوجَد سَبَبٌ يَدعونا إلى الاعتقادِ بأنَّ هذا التَّعريفَ الواضحَ لِمَوهبةِ اللُّغاتِ والقَصْدِ مِن إعطائِها قَد تَغَيَّرَ يَومًا. فَالألفاظُ المُستخدَمَةُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى، والكلماتُ المُستخدَمَةُ باللُّغةِ اليونانيَّةِ، هِيَ نَفسُ الألفاظِ المُستخدمةِ في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فَلا يُوجَدُ تَعريفٌ جَديدٌ لَها. لِذا، عِندما نَنظُرُ إلى زَمَنِ كَنيسةِ كورِنثوس، نَرى أنَّ مَوهبةَ اللُّغاتِ لا تَختَلِفُ عن أيِّ وَقتٍ آخر. فَهِيَ مَا تَزالُ تلكَ المَوهبةَ الَّتي أعطاها الرُّوحُ القُدُسُ إذْ إنَّها قُدرةٌ خَارقةٌ على التَّكلُّمِ بلُغةٍ أجنبيَّةٍ لا تَعرِفُها، ولكِنَّ شخصًا آخرَ مِنَ الحُضورِ يَعرِفُها كَي تُبَيِّنَ لَهُم أنَّ اللهَ حَاضِرٌ، وأنَّ اللهَ يُؤكِّدُ صِحَّةَ الرِّسالة.

ولكِنَّ التَّشويشَ حَدَثَ لأنَّ الكورِنثِيِّينَ شَوَّهُوا هذهِ المَوهبةَ البسيطةَ والواضحةَ جدًّا مِن خِلالِ إساءةِ استِعمالِها، وَأيضًا مِن خِلالِ خَلْطِها بِالفِكرةِ الوَثنيَّةِ للبَرْبَرَةِ بِكلامٍ غَيرِ مَفهومٍ كَما كَانَ شَائِعًا في تلكَ الثَّقافَة. فقد كانَ مِنَ السَّهلِ على الشَّيطانِ أن يُقَلِّدَ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ بسببِ هذهِ الثَّقافةِ، وبسببِ تلكَ البَربرةِ الوَثنيَّةِ الَّتي كانت مُنتشرةً بِكَثيرة في زَمَنِ كنيسةِ كورِنثوس. ولكِن يجب عليكُم أن تَتذكَّروا أنَّ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ كانت مِن عِنْدِ اللهِ، وأنَّها كانت لُغاتٍ حَيَّةً يُمكِنُ فَهْمُها مِنْ قِبَلِ الأشخاصِ الحَاضِرينَ عندَ استِخدامِها.

مِن جِهَةٍ أخرى، كانَتِ البَرْبَرَةُ الوَثنيَّةُ شَيئًا مُختلفًا جدًّا. فَقد كانت قائمةً على الشَّعوذةِ الوَثنيَّةِ، والنَّشوةِ، والإثارةِ، والأمورِ الحِسِّيَّةِ كَما رأينا في المَرَّةِ السَّابقة. فقد كانت قائمةً على الهَذْرِ بِكَلامٍ لا يَعلَمُهُ أَحَد بِحُجَّةِ أنَّهُ لُغَةُ الآلِهَة. وَقد كانوا يَقولونَ إنَّهُ عندما تَتكلَّمُ بذلكَ الكَلامِ غَيرِ المَفهومِ فإنَّكَ تَتَخاطَبُ بطريقةٍ خَاصَّةٍ مَعَ إلَهِكَ. ولم يَكُن مَعْنى ذلكَ الكَلامِ مَفهومًا حَتَّى لِقائِلِهِ لأنَّهُ لم يَكُن يَفهَمُ ما يَقول. وَهُوَ لم يَكُن كَلامًا مَفهومًا للنَّاسِ الَّذينَ قَد يَسمَعونَهُ لأنَّهُم لا يَعلَمونَ مَا الَّذي يَقولُه. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ إنَّهُم كانوا يَتكلَّمونَ بأسرار. فقد كانوا يَتَكَلَّمونَ بأسرارٍ مُقَدَّسَةٍ مَعَ آلِهَتِهم.

وَهَذِهِ هي المُشكلةُ الَّتي تَسَلَّلَتْ إلى كَنيسةِ كورِنثوس. فَقد شَوَّهُوا المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ واستَعاضُوا عَنها بهذهِ البَرْبَرَةِ الوَثنيَّة. وَحَتَّى إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ حَصَلوا على المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ... وَكانَ هُناكَ أشخاصٌ في كورِنثوسَ حَصَلوا على المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ دُونَ أَدنَى شَكٍّ لأنَّ الأصحاحَ الأوَّلَ والعَددَ السَّابعَ يَقول: "حَتَّى إِنَّكُمْ لَسْتُمْ نَاقِصِينَ فِي مَوْهِبَةٍ مَا". ولكِنْ حَتَّى الأشخاصَ الَّذينَ حَصَلوا على المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ كَانُوا يَستخدِمونَها بطريقةٍ خَاطِئَة. أمَّا بَقِيَّةُ الرَّعِيَّةِ فَكانَت تَستخدِمُ المَوهبةَ الزَّائِفَة. ويَجِبُ عليكم أن تَتذكَّروا هَاتينِ النُّقطَتَيْنِ في أثناءِ دِراسَتِنا للأصحاحِ الرَّابع عَشَر. فأحيانًا يُشيرُ بولسُ إلى المَوهبةِ المُقَلَّدَةِ أوِ الزَّائفةِ، وأحيانًا يُشيرُ إلى الاستعمالِ الخَاطِئِ للمَوهبةِ الصَّحيحَة. وهَذا شَيءٌ يَنبغي أن تُمَيِّزوهُ في أثناءِ دِراسَتِكُم للأصحاح.

لِذا فقد قَامُوا في أغلبيَّةِ كَنيسةِ كورِنثوس بِتَزييفِ هذهِ المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ وجَعلوها بَرْبَرَةً وَثَنيَّة. وبسببِ تَركيزِها على المَشاعِرِ فقدِ ابتدأت في السَّيطرةِ على كَنيسةِ كورِنثوس. لِذا فإنَّ بولسَ يَكتُبُ مِن أجلِ فَصْلِ عِبادَةِ الآلِهَةِ الزَّائفةِ الَّتي تَرْمي إلى إشباعِ الذَّاتِ عَنْ عِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ الَّتي تَرْمي إلى الكِرازَةِ إلى الآخرين. بِعبارةٍ أخرى، لقد رأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ كَانُوا يَفعلونَ ذلكَ كانوا أنانِيِّينَ جدًّا. وَهذهِ هي النُّقطةُ الَّتي أَرادَ بولُسُ أن يُوَضِّحَها هي أنَّهُ يَنبغي لَهُم أن يَستخدِموا أيَّةَ مَوهبةٍ لَديهم إن كانت مَوهبةً حَقيقيَّةً تَهْدِفُ إلى خِدمةِ الآخرينَ وليست شَيئًا أنانِيًّا يَخدِمُونَ بِهِ ذَواتِهِم مِن خِلالِ بَرَكَةٍ حِسِّيَّةٍ خَاصَّة.

ويَقولُ "ألكساندر هاي" (Alexander Hay): "كانَ هَؤلاءِ المُؤمِنونَ، في أيَّامِهِم الوَثنيَّةِ، يُؤمِنونَ بأنَّهُم عندما يَتكلَّمونَ بِلسانٍ غيرِ مَفهومٍ للآخرينَ، ولا حَتَّى للمُتَعَبِّدِ نَفسِهِ، فإنَّهُم يَتكلَّمونَ بأسرارٍ أو أمورٍ غَامِضَةٍ مَعَ إلَهِهِم. وَكانوا يُؤمِنونَ بأنَّ رُوحَهُم هُوَ الَّذي يَتكلَّم. وكانَ المُستَفيدُ الوَحيدُ مِن ذلكَ هُوَ المُتَعَبِّد فقط لأنَّ أحدًا آخرَ لم يَكُن يَفهمُ مَا يَقول. فقد كانَ المُتَعَبِّدُ يَستفيدُ مِن خِلالِ شُعورِهِ بالنَّشوةِ وإحساسِهِ بأنَّهُ يَشتَرِكُ حَقًّا مَعَ الأرواحِ في الدَّائرةِ الدَّاخِليَّة. ولكِنَّهُ لم يَكُن يُفَكِّرُ البَتَّة في بُنْيانِ المُتَعَبِّدينَ الآخرين. وبولسُ يُبايِنُ بينَ هَذا الهَدَفِ الأنانيِّ والهَدفِ المَسيحيِّ. فالغايَةُ مِن إعلاناتِ رُوحِ اللهِ هِيَ بُنْيانُ الرَّعِيَّةِ كُلِّها" [نِهايةُ الاقتباس].

وَهذا يُلَخِّصُ مَا قُلناهُ في المَرَّةِ السَّابقة. فالغَايَةُ مِنَ المَواهبِ الحَقيقيَّةِ هِيَ بُنْيانُ الآخرينَ، لا الذَّات. فَيَنْبَغي أنْ يُبْنَى الجَسَدُ كُلُّهُ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 12: 7 أنَّ إِظْهَارَ الرُّوحِ يُعْطَى في الحَقيقةِ لِمَنْفَعَةِ الجَميع، وَلِمَصْلَحَةِ الجَميع، وَلِفائِدَةِ الجَميع. وقد كانتِ الغَايَةُ مِنْ مَوهبةِ اللُّغاتِ هِيَ إعلانُ الحَقِّ الإلهيِّ للآخرين. فقد كانَتْ تَرْمي إلى التَّكلُّمِ بالحَقِّ الإلهيِّ بِلُغَةٍ يَستطيعُ غَيرُ المُؤمِنِ أن يَسمَعَها ويَقول: "هَذا مُدهِش! فَهذا الشَّخصُ لا يَعرِفُ لُغَتي، ولكِنَّهُ يَتَكَلَّمُها. لا بُدَّ أنَّ اللهَ يَتكلَّمُ مِن خِلالِه". وعِندَما يَذهبُ الشَّخصُ لِتَقديمِ الإنجيلِ أوِ التَّكلُّمِ بالحَقِّ (كَما فَعَلَ بُطرسُ في يَومِ الخَمسين)، سيَكونُ هُناكَ إيمانٌ في قُلوبِ الحَاضِرينَ لأنَّهُم رَأَوْا أنَّ اللهَ يَتكلَّمُ مِن خِلالِ العَجائِبِ المُصاحِبَةِ للرِّسالة.

ولكِنَّ الإخوةَ الكَارِزماتِيِّينَ والخَمسينيِّينَ اليومَ يُدركونَ أنَّ هُناكَ فَرْقًا (وَهَذِهِ نُقطةٌ مُهِمَّةٌ) بينَ مَا جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل وما جاءَ في الأصحاح الرَّابع عَشَر مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى. فَهُم يُدركونَ أنَّهُ يُوجَدُ فَرْقٌ. والطَّريقةُ الَّتي يُفَسِّرونَ بها الفَرقَ هِيَ عادَةً مَا يَلي: فَهُم يَقولونَ إنَّ هُناكَ نَوعينِ مِنَ الألسِنَة. فهُناكَ ألسِنَةُ الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل (وَهِيَ لُغاتٌ حَقيقيَّةٌ)، وَألسِنَةُ الأصحاحِ الرَّابع عَشَر مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى (وَهِيَ كَلامُ تَعَبُّدِيّ حَماسِيٌّ وَخَاصٌّ يَتكلَّمُ بهِ المَرءُ إلى اللهِ بلِسانٍ مَجهولٍ كَلامًا شَخصيًّا وخَاصًّا لِبُنيانِ الذَّات. فَهُم يُقِرُّونَ بوجودِ فَرْقٍ وَيُحاولونَ أن يُعالِجوا هذهِ المَسألةَ بالقَولِ إنَّ هُناكَ مَوهِبَتَيْ أَلْسِنَة.

وأنا أُدرِكُ أنَّهُ يُوجَدُ فَرْقٌ؛ ولكِنِّي أُعالِجُ المَسألةَ بالقولِ إنَّهُ كانَ هُناكَ استِخدامٌ صَحيحٌ لَها في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ، وأنَّهُ كَانَ هُناكَ استِخدامٌ مَغلوطٌ لَها في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى. لِذا فإنَّ مَا نَقرأُ عَنهُ في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر هُوَ ليسَ مَوهبةً أخرى، بل هُوَ تَحريفٌ للموهبةِ الأصليَّةِ، وَخَلْطٌ بينَها وبينَ النُّسخةِ الوَثنيَّةِ المُزَيَّفَة. فالكِتابُ المُقَدَّسُ لا يُعَلِّمُ في أيِّ مَوضِعٍ أنَّ هُناكَ نَوعَيْنِ مِنَ التَّكلُّمِ بألسِنَةٍ: الأوَّلُ لُغَة، والثَّاني بَرْبَرَة. والسَّببُ في أنَّنا نَعلَمُ ذلكَ هُوَ أنَّ الكلمةَ المُستخدمةِ لِوصفِ المَوهبةِ في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ هِيَ نَفسُ الكلمةِ المُستخدمةِ لِوَصفِها في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى. وَلَو أرادَ اللهُ أن يَكونَ هُناكَ فَرْقٌ بينَهُما لاستَخدَمَ كلمةً أخرى؛ ولكِنَّهُ لم يَفعل ذلك. فَهِيَ نَفسُ الكلمة تَمامًا. وَهِيَ الكلمةُ اليونانيَّةُ المَألوفَةُ الَّتي تُشيرُ إلى اللُّغَة.

لِذا، لا يُوجَدُ سَبَبٌ يُبَرِّرُ الاستعمالَ الأنانِيَّ للألسِنَةِ كما لو أنَّها مَوهبةٌ جَديدةٌ وَخاصَّة. والحَقيقةُ هي أنِّي أريدُ مِنكُم أن تَسمَعوا ما سأقول. الحَقيقةُ هي أنِّي أرى أنَّ قَوْلَنا بأنَّ ما كانَ يُمارِسُهُ أهلُ كورِنثوسَ هُوَ المَوهبةُ الحَقيقيَّةُ يُناقِضُ أبسطَ مَبادِئِ الحَياةِ الرُّوحِيَّة. فَلم يَكُن بِمَقدورِ كَنيسةِ كورِنثوسَ أن تُمارِسَ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ في الحَالَةِ الَّتي كَانَت فيها.

وَسَوفَ أقولُ ذلكَ بطَريقةٍ أخرى: هَل يُمكِنُ لِمَجموعةٍ مِنَ المَسيحيِّينَ الدُّنيويِّينَ، والمُنقَسِمينَ، والعَنيدينَ، والمُنْغَلِقينَ، والجَسدِيِّينَ، والأنانِيِّينَ، والحَسودينَ، والمُحِبِّينَ للخِصامِ، والمُحِبِّينَ لِلجِدالِ، والمُنتَفِخينَ، والَّذينَ يُمَجِّدونَ أنفسَهُم، والمُتَعَجْرِفينَ، والمُنحَرِفينَ أخلاقِيًّا، والمُساوِمينَ مَعَ الخَطِيَّةِ، والَّذين يَحْتالونَ بَعضُهُم على بَعضٍ، والَّذين يَزْنونَ، ويَحْرِمونَ شَريكَ الحَياةِ مِن حُقوقِهِ، والَّذين يُعْثِرونَ المَسيحيِّينَ الأضعَفَ مِنهُم، والَّذين يَشْتَهونَ أُمورًا شِرِّيرةً، ويَعبُدونَ الأوثانَ، ويَشْترِكونَ مَعَ شَياطين، ولا يَخضَعونَ للقادَةِ، والشَّرِهينَ، والسَّكارَى، والَّذين لا يُساعِدونَ الفُقراءَ، والَّذين يُدَنِّسونَ مَائِدَةَ الرَّبِّ أنْ يُعَبِّروا عَنْ مَوهبةٍ حَقيقيَّةٍ مِن مَواهِبِ الرُّوحِ القُدُس؟

الجَوابُ وَاضِحٌ. فَهذا يُناقِضُ كُلَّ مَبدأٍ مِن مَبادئِ الحَياةِ الرُّوحيَّةِ إنْ كانَ ذلكَ صَحيحًا. فالمُؤمِنُ إمَّا أنْ يَسلُكَ في الجَسَدِ، وإمَّا أن يَسلُكَ في الرُّوح. وَلا جِدالَ في مَا كانَ أهلُ كورِنثوسَ يَفعلونَهُ. فَقد كانوا يَسلُكونَ في الجَسَد. وإن لم تُصَدِّقوا ذلكَ، اقرأوا الأصحاحَ الثَّالثَ، أوِ اقرأوا أيَّ أصحاحٍ كي تَرَوْا هذهِ الحَقيقة. وعندما تَسلُكونَ في الجَسدِ فإنَّكُم لا تُظهِرونَ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ بالقُوَّةِ الحَقيقيَّةِ للرُّوحِ القُدُس. فَهَذا أمرٌ مُستحيلٌ ولا يُمكِنُ أن يَحدُث.

لِذا، عندما تَصِلونَ إلى الأصحاح الرَّابع عَشَر مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى، يَجِبُ أَلاَّ تَستَنتِجوا أنَّ ما تَقرأونَ عَنهُ هُنا هُوَ المَوهبةُ الحَقيقيَّةٌ؛ وإلاَّ فإنَّكُم سَتُخالِفونَ كُلَّ حَقٍّ رَئيسيٍّ يَختصُّ بالحَياةِ الرُّوحيَّةِ وكيفيَّةِ عَمَلِ المَواهِب. فالاحتمالُ الوَحيدُ لِمَا كانَ يَحدُثُ هُنا هُوَ أنَّهُ كَانَ شَيئًا مَغلوطًا لأنَّ كُلَّ شَيءٍ آخرَ كانَ مَغلوطًا في حَياتِهم. لِذا فإنَّ بولسَ يَكتُبُ في الحَقيقةِ (كَما فَعَلَ في الأصحاحاتِ الثَّلاثَةَ عَشَرَ الأولى) كَي يُصَحِّحَ خَطأً في كَنيسةِ كورِنثوس. فَهُوَ يَكتُبُ لأنَّ هُناكَ فَوْضَى خَطيرة. فهذا الاستعمالُ الأنانِيُّ للبَربرةِ الوَثنيَّةِ كانَ يُبَرَّرُ كما لو أنَّهُ مَوهبةُ اللُّغاتِ الَّتي أَعطاها الرُّوحُ القُدُس.

وَحَتَّى إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ حَصَلوا على المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ قَد شَوَّهُوها على مَا يَبدو وكانوا يَستخدِمونَها للتَّكلُّمِ بطريقتِهم الخاصَّةِ، وكانوا يَستخدِمونَها في الكنيسةِ عندما لا يَكونُ هُناكَ أشخاصٌ غَيرُ مُؤمِنين. وَكانوا يَستخدِمونَها للتَّباهي بأنَّهُم بَلَغُوا مُستوىً رُوحِيًّا مُتَقَدِّمًا. وإنْ كانَتْ هُناكَ صِفَةٌ واحِدَةٌ مُشتركةٌ في كَنيسةِ كورِنثوسَ فَهيَ أنَّهُم سَمَحُوا لكُلِّ نِظامٍ في العَالَمِ أنْ يَتَسَلَّلَ إليهم. ولا نَجِدُ أيَّ فَرْقٍ في هذهِ الحَالة. فَكُلُّ شَيءٍ مَوجودٍ في عَالَمِهِم قد تَسَلَّلَ إلى الكنيسة. فَما المَانِعُ مِنَ استِخدامِ أسلوبِ العَالَمِ في الدِّين؟

لِذا فقد كانت تَلكَ المَوهبةُ حَقيقيَّةً في العَصْرِ الرَّسُولِيِّ. صَدِّقوني أنَّ مَوهبةَ اللُّغاتِ حَقيقيَّة. وَقَد تَسَلَّمْتُ رِسالةً في هذا الأسبوعِ مِن شَخصٍ كَتَبْتُ إليهِ لأطلُبَ مُوافَقَتَهُ على أن أقتَبِسَ كَلامَهُ في كِتابٍ أعمَلُ على تَأليفِهِ. وقد قال: "سوفَ أوافِقُ على ذلكَ إنْ لم تَكُن تُعارِضُ مَوهِبَةِ الألسِنَة". والحَقيقةُ هي أنَّني لا أدري كيفَ أتعامَلُ مَعَ هذا الأمرِ لأنِّي لا أُعارِضُ مَوهبةَ الألسِنَة.

فَهُناكَ مَوهبةٌ حَقيقيَّة. ولكنِّي أعرِفُ مَا يَقصِدُهُ ذلكَ الشَّخص. فأنا أعرِفُ المَغزَى مِن كَلامِهِ. ولكِنَّ ما أقولُهُ هُوَ أنَّهُ تُوجَدُ مَوهبةٌ حَقيقيَّة. وأنا لا أُعارِضُ ذلك. فاللهُ أعطَى مَوهبةَ اللُّغاتِ في العَصْرِ الرَّسُولِيّ. ولكِن كَما رأينا مِن خِلالِ الأصحاحِ الثَّالث عَشَر والأعداد مِن 8 إلى 12، فقد تَوَقَّفَتْ. وَهَذا هُوَ مَا يَجعَلُ هَذا الأصحاحَ صَعبًا جِدًّا بالنِّسبةِ إلينا، يا أحبَّائي، لأنَّهُ طَوالَ ألفَيِّ سَنَةٍ لم نَسمَع عَنِ المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ. لِذا، مِنَ الصَّعبِ جدًّا أن نُعيدَ جَمْعَ كُلِّ التَّفاصيلِ المُختصَّةِ بذلك. وأودُّ أن أقولَ إنِّي قَرأتُ نَحوَ خَمسينَ كِتابًا عن هذا المَوضوعِ على أقَلِّ تَقدير، ولكنِّي لم أَجِد بَعْد كِتابَيْنِ مِنها يَتَّفِقانِ على كُلِّ التَّفاصيل. وَهذا مُدهِش. وأنا أعني هُنا حَتَّى في الأوساطِ الإنجيليَّة.

لِذا، في هذا الصَّباحِ، أنا أُقَدِّمُ لَكُم تَخْميني. فَهُناكَ أمورٌ لا حَاجَةَ إلى التَّخمينِ بِشأنِها، ولكِن تُوجَدُ أجزاءٌ هُنا ليست لَدينا مَعلوماتٌ كافيةٌ عنها. ولكِنْ يُوجَدُ شَيءٌ نَعلَمُهُ وَهُوَ أنَّ أهلَ كورِنثوسَ كَانُوا جَسَدِيِّين. وهُناكَ شَيءٌ آخرُ نَعرِفُهُ وَهُوَ أنَّهُم سَمَحُوا لهذا الشَّيءِ الثَّقافِيِّ أنْ يَتَسَلَّلَ إلى الكنيسة. وهُناكَ شَيءٌ آخرُ نَعلَمُهُ وَهُوَ أنَّ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ كانت تَعني التَّحدُّثَ بِلُغَةٍ حَقيقيَّةٍ إلى شَخصٍ يَفهَمُها. ولكِنَّهُم لَم يَكونوا يَفعلونَ ذلك. لِذا، سَوفَ تَكونُ هُناكَ ثَوابِتٌ في أثناءِ دِراسَتِنا.

والآن، لِنَفتَح على النَّصِّ. وقد قُلتُ لَكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّنا سَنُقَسِّمُ النَّصَّ إلى ثَلاثَةِ أقسام. ويُمكِنُكم أن تَنظُروا إلى المُخَطَّطِ الَّذي بينَ أيديكُم كَي تَرَوْا على الأقَلِّ النِّقاطَ الرَّئيسيَّةَ فيه. وسوفَ تَجِدونَ أنَّ القِسْمَ الأوَّلَ في النَّصِّ هُوَ: مَكانَةُ مَوهبةِ اللُّغات. والمَكانَةُ ثَانَوِيَّة. والأعدادُ التِّسعَةَ عَشَرَ الأولى تَتحدَّثُ عن ذلك. مَكانَةُ مَوهبةِ اللُّغاتِ. وَهِيَ ثَانَوِيَّة. أمَّا القِسمُ الثَّاني مِنَ الأصحاحِ فَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ القَصْدِ مِنَ المَوهبة. والقِسْمُ الَّذي يَليهِ يَتحدَّثُ عَن مُمارَسَتِها. لِذا، هُناكَ المَكانَةُ، والقَصْدُ، والمُمارَسَة. وسوفَ نُنْهي دِراسَةَ الأصحاحِ كُلِّهِ مِن خِلالِ النَّظرِ إلى هَذِهِ النِّقاطِ الثَّلاث.

ولكِنَّنا نُريدُ اليومَ أن نَنظُرَ إلى مَكانَةِ مَوهبةِ الألسِنَة. فقد أخبرناكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ أنَّها ثَانَوِيَّة. والسَّببُ في أنَّها ثَانَوِيَّة هُوَ حَقيقةُ أنَّها تُقارَنُ بالنُّبوَّة. والنُّبوَّةُ تَستطيعُ أن تَبْني؛ في حينِ أنَّ الألسِنَةَ لا تَستطيعُ أن تَفعلَ ذلك. لِذا فإنَّها مَوهِبَةٌ ثَانَوِيَّة. لاحِظوا العَددَ 26، وتَحديدًا إلى نِهايةِ العَدَد. فَنَحنُ نَجِدُ هُنا مِفتاحَ الأصحاحِ كُلِّه: "فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَان". بِعبارةٍ أخرى، إنَّ المَغزى الرَّئيسيَّ مِن هذا الأصحاحِ الَّذي كَتَبَهُ بولسُ هُوَ: "أيًّا كانَ مَا تَفعلونَهُ، تَيَقَّنوا مِنْ أنَّهُ يَبْني الجَسَد". وَقدِ استُخدِمَتْ نَفسُ تلكَ العِبارَة مِرارًا وتَكرارًا. وَقَدْ رأيناها آخِرَ مَرَّةٍ في نِهايةِ العَددِ الرَّابع: "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَة". ونَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "حَتَّى تَنَالَ الْكَنِيسَةُ بُنْيَانًا". فَهَذهِ هي الغَايَةُ مِن كُلِّ شَيءٍ. ونَقرأُ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "اطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ الْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا".

بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يُرَكِّزُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ على أنَّهُ أيًّا كانَ مَا تَفعلونَهُ، يَجِبُ أن يَكونَ لِبُنْيانِ الكَنيسة. حسنًا، والآن لِنَنظُر إلى مَكانَةِ الألسِنَة. وَقد ذَكَّرناكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ بأنَّ المَكانَةَ ثَانَوِيَّة إذا ما قُوْرِنَتْ بالنُّبوَّة. والنُّقطةُ الأولى الَّتي تَحَدَّثنا عَنها في المَرَّةِ السَّابقةِ في الأعداد مِن 1 إلى 5 هِيَ أنَّ التَّنَبُّؤَ يَبْني الرَّعِيَّةَ كُلَّها. لِذا فإنَّ الألسِنَةَ ثَانَوِيَّةٌ بالنِّسبةِ إلى التَّنَبُّؤِ لأنَّ التَّنَبُّؤَ يَبني الرَّعِيَّةَ كُلَّها.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ الأوَّل: "اِتْبَعُوا الْمَحَبَّةَ، وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، وَبِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا". لِماذا؟ لأنَّ التَّنَبُّؤَ يَبني الرَّعِيَّةَ كُلَّها. فإنْ كُنتُم تَبحثونَ عَن شَيءٍ يُؤكِّدُ وُجودَ مَوهِبَةٍ مِن مَواهِبِ الرُّوحِ في كَنيسَتِكُم، جِدُّوا للمَواهِبِ الَّتي تَبني الرَّعِيَّةَ كُلَّها، ولا سِيَّما أفضل مَوهِبَة.

والآن، أريدُ أن أُشيرَ إلى شَيءٍ واحِدٍ يَنبغي أن تَتَذَكَّروه. فَهُوَ لا يَتحدَّثُ في العَددِ الأوَّلِ عَن فَرْدٍ مَسيحيٍّ واحِدٍ يَجِدُّ في طَلَبِ مَوهبةٍ رُوحِيَّة، بَل يَتحدَّثُ عَنِ الرَّعِيَّة. فَهُوَ يَقولُ: "عِندَما تَجتمِعُ الرَّعِيَّةُ، يَجِبُ على الرَّعِيَّةِ أنْ تَطْلُبَ استِخدامَ مَوهِبَةِ التَّنَبُّؤِ مِن أيِّ شَخْصٍ حَصَلَ على تلكَ المَوهِبَة".

والآن، يَجِبُ عليكُم أن تُلاحِظُوا مَا يَلي: مِنْ بِدايةِ الأصحاحِ الحادي عَشَر إلى نِهايةِ الأصحاحِ الرَّابع عَشَر، تَتحدَّثُ كُلُّ هَذهِ الأصحاحاتِ عَنِ اجتماعِ المُؤمِنينَ في كَنيسةِ كورِنثوس. فَلا يَتحدَّثُ أيُّ جُزءٍ مِنها عَن وَقْتٍ خَاصٍّ، ولا يُشيرُ أيٌّ مِنها إلى عَلاقَةٍ شَخصيَّةٍ باللهِ؛ بل إنَّها تَتحدَّثُ كُلُّها عَن كيفيَّةِ التَّصرُّفِ في اجتماعِ العِبادَة.

فَالأصحاحُ الحَادي عَشَر يَتحدَّثُ عَن كيفَ يَنبغي للنَّسوةِ أن يَتَصَرَّفْنَ في الكنيسة. والأصحاحُ الحَادي عَشَر يَتحدَّثُ أيضًا عَن كيفَ يَنبغي لَهُم أن يَتعامَلوا مَعَ مَائِدَةِ الرَّبِّ وَوَليمةِ المَحبَّةِ عندما يَجتمعونَ مَعًا. والأصحاحُ الثَّاني عَشَر يَتحدَّثُ عن كيفَ يَنبغي لَهُم أن يَستخدِموا مَواهِبَهُم عِندما يَجتمعونَ مَعًا. والأصحاحُ الثَّالث عَشَر يَتحدَّثُ عن كيفَ يَنبغي لَهُم أن يُظهِروا المَحبَّةَ عِندما يَجتمعونَ مَعًا. والأصحاحُ الرَّابع عَشَر يَتحدَّثُ عن كَيفَ كَانُوا يَستخدِمونَ مَوهِبَةَ اللُّغاتِ عِندما يَجتمعونَ مَعًا. فالمَقطَعُ كُلُّهُ يَتحدَّثُ عَنِ الاجتماعِ (في الأصحاحاتِ مِن 11 إلى 14).

وعِندَما يُريدُ الكَارِزماتِيُّونَ والخَمسينِيُّونَ أن يَذكُروا الأصحاحَ الرَّابع عَشَر ويَجعلوهُ يُشيرُ إلى الألسِنَةِ التَّعَبُّدِيَّةِ الخَاصَّةِ فإنَّهُم يُخرِجونَ ذلكَ الأصحاحَ تَمامًا مِن سِياقِهِ الَّذي يُوجَدُ فيهِ في السِّفْرِ والَّذي يَتحدَّثُ بِمُجمَلِهِ عن فِكرةِ الاجتماعِ في الكَنيسةِ كَما نَفعلُ في هذا الصَّباح.

وَبولُسُ يَقول: "عِندما تَجتمِعونَ مَعًا، عِوَضًا عن أن تُرَكِّزُوا على كُلِّ هَذِهِ المَظاهِرِ وهذهِ المَوهِبَةِ، رَكِّزُوا على استِخدامِ مِوهبةِ النُّبوَّةِ كَيْ يُكَلِّمَكُم اللهُ مِن خِلالِ كَلِمَتِه". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّاني إنْ كُنتُم تَذكُرون: "لأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ..." – وَقَد رأينا هُنا أنَّهُ يُشيرُ على الأرجَحِ إلى بَرْبَرَتِهم الوَثنيَّة "...لاَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بَلِ يُكَلِّمُ إلَهًا [بِحَسَبِ النَّصِّ اليُونانِيِّ]". "بَلْ يُكَلِّمُ إلَهًا". وقد ذَكَرنا لَكُم تَفسيرًا مُحتَمَلاً مُدهِشًا هُنا. ولَن أَدَّعي أنَّ هَذا التَّفسيرَ صَحيحٌ مِئَة بالمِئَة، ولكِنْ كُلَّما زَادَتْ دِراسَتي لَهُ زَادَ حُبِّي لَهُ. وَهذا التَّفسيرُ يَقولُ إنَّهُ عندَما تَرَوْنَ الكلمة "لِسان" بِصيغةِ المُفرَد، رُبَّما يُشيرُ بولسُ إلى البَربرةِ الوَثنيَّة. وعِندَما يَستخدِمُ صِيغةَ الجَمْعِ فإنَّهُ يُشيرُ إلى المَوهبةِ الحَقيقيَّة.

والسَّببُ في أنِّي أقولُ هَذا هُوَ أنَّهُ لا يُمكِنُ أن تَكونَ هُناكَ صِيغَةُ جَمْعٍ إلاَّ في الكلمة "لُغات". فَلا تُوْجَدُ صِيغَةُ جَمْعٍ للكلمة "بَرْبَرَة". وَلا تُوجَد أنواعٌ للبَرْبَرَة. فهُناكَ نَوعٌ واحِدٌ فقط. فَهِيَ بَرْبَرَة. فأنتَ لا تَقولُ: "مَا نَوعُ البَربَرَةِ الَّتي تَتَفَوَّهُ بِها؟" فَلا تُوجَد أنواعٌ كَثيرةٌ مِنها، بَل إنَّ كُلَّ كَلامٍ غَيرِ مَفهومٍ هُوَ بَرْبَرة. ورَبَّما لِهذا استَخدَمَ مُتَرْجِمو تَرجَمَةِ المَلِك جِيمس الكلمة "مَجهول" عندَ استخدامِ الكلمة "لِسان" بِصيغةِ المُفرَد. فرُبَّما أدرَكُوا هذهِ المُلاحَظَةَ الدَّقيقةَ في كِتابَةِ بولُس.

لِذا، رُبَّما كانَ مَا يَقولُهُ هُنا في العَددِ الثَّاني (وَهُوَ أفضَلُ تَفسيرٍ مِن وُجْهَةِ نَظري) هُوَ: "لأَنَّ مَنْ يُبَرْبِرُ" حَرْفِيًّا، أو: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِهذا الهَذَرِ" فإنَّهُ "لاَ يُكَلِّمُ النَّاسَ، بَلْ يُكَلِّمُ إلَهًا". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَصِفُ بِبَسَاطَةٍ تلكَ الظَّاهرة. "لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْمَعُ [أو: يَفهَمُ]". وَهَذا يَضُمُّ اللهَ الحَقيقيَّ. بعبارةٍ أخرى، هَذا الأسلوبُ في التَّكَلُّمِ لا يُوافِقُ ذاكَ الَّذي يُريدُهُ اللهُ. ولكِنَّهُ يُشيرُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى النَّاس. "وَلكِنَّهُ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ بِأَسْرَارٍ".

وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ في الدِّياناتِ السِّرِّيَّةِ كانتِ الكلمةُ "سِرّ" مُهِمَّةً جدًّا. لِذا فإنَّهُ يَقولُ لَهُم... وأنا أُذَكِّرُكُم وَحَسْب بِما قُلناهُ في الأسبوعِ المَاضي. فَهُوَ يَقول: "عندما تُبَرْبِرونَ فإنَّكُم لا تُكَلِّمونَ أيَّ شَخصٍ". وَهَذا أوَّلُ زَيَغانٍ عَنِ الحَقِّ لأنَّ كُلَّ المَواهِبِ أُعطِيَتْ بِقَصْدِ بُنْيانِ أشخاصٍ آخرينَ، لا لِمَصلحَتِكَ الشَّخصيَّة. وإنْ لم تُستَخدَم للتَّكلُّمِ إلى النَّاسِ فإنَّ هَذا يَعني أنَّها خَرَجَتْ عَنْ مَسارِها الصَّحيح. ثُمَّ إنَّهُ يُفارِقُ بينَها وبينَ النُّبوَّةِ في العَددِ الثَّالثِ بالقَول: "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ".

لِذا فإنَّهُ يُفارِقُ بينَ البَربرةِ الوَثنيَّةِ والنُّبوَّةِ (الَّتي تَعْني تَوصيلَ الحَقِّ الإلهيِّ بالفِعل إلى قُلوبِ النَّاس). وَهَذا تَبايُنٌ هَائِل. وَهُوَ يُواصِلُ الحَديثَ مُشيرًا إلى مَسألةِ أنانِيَّتِهم في العَددِ الرَّابع. وقد رَأينا ذلك: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ [أوْ مَنْ يُبَرْبِرُ كَالوَثَنِيِّينَ] يَبْنِي نَفْسَهُ". وأنا لا أَرى أنَّ هَذا الأمرَ جَيِّدٌ.

وَقد قُلتُ لَكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّهُ يُمكِنُكم أن تَجِدوا في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 8: 10 مَثَلاً إيضاحِيًّا على البِناءِ السَّيِّء؛ أيْ أنْ تَبْني شَخصًا إلى أنْ يَصِلَ إلى المَكانِ الَّذي يَسقُطُ مِنه. ثُمَّ إنِّي قُلتُ لَكُم إنَّهُ في الأصحاحِ العَاشِرِ والعَدَدَيْن 23 و 24 مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى، يَقولُ بُولُس: "«كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوَافِقُ. «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي»، وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي". وَهُوَ يَقولُ في الآيةِ الَّتي تَليها: "لاَ يَطْلُبْ أَحَدٌ مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لِلآخَر".

فَبِناءُ الذَّاتِ والنَّوعُ المَغلوطُ مِنَ البُنْيانِ هُما عَلى لائِحَةِ المُفرداتِ السَّلبيَّةِ لَديه. لِذا، أعتقدُ أنَّهُ مِنَ السَّهلِ أن نَفهمَ مَا يَعنيهِ هُنا. فَما يَقولُهُ هُوَ شَيءٌ تَهَكُّمِيٌّ، أو شَيءٌ سَاخِرٌ يُشيرُ مِن خِلالِهِ إلى تَمَرْكُزِهِم حَوْلَ ذَواتِهم إذْ إنَّهُ يَقولُ: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ [أوْ يُبَرْبِرُ هَكذا فإنَّهُ] يَبْنِي نَفْسَهُ" كَما لو أنَّهُ بِناءٌ للأنا. "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَةَ". لِذا، لا يُوجَدُ في الكَنيسةِ مَكانٌ لِهذا النَّوعِ مِنَ البَربرة.

ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الخَامِسِ: "إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَكُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ". والآن، لاحِظوا التَّغييرَ. فَهُوَ يَتوقَّفُ عَنِ استِخدامِ صِيغةِ المُفْرَدِ ويَستخدِمُ صِيغَةَ الجَمْع. "إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَكُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ [أو لُغات]". أيْ: أَتَمَنَّى لو أنَّكُم تَمْلِكونَ المَوهبةَ الحَقيقيَّة". "وَلكِنْ بِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا. لأَنَّ مَنْ يَتَنَبَّأُ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ، إِلاَّ إِذَا تَرْجَمَ، حَتَّى تَنَالَ الْكَنِيسَةُ بُنْيَانًا".

فَلا بَأسَ في استِخدامِ المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ إنِ استُخدِمَتْ في السِّياقِ الصَّحيحِ وكانَ يُوجَدُ شَخصٌ يَتحدَّث بتلكَ اللُّغةِ حَتَّى يُتَرْجِمَها إلى الكَنيسةِ كي تَفهَم. ولكِنْ بِمَعزِلٍ عن ذلكَ المَوقِف، لَنْ يَكونَ لَها أيُّ قَصْد. لِذا فإنَّ التَّنَبُّؤَ يَبني كُلَّ الكَنيسة. وَعليهِ فإنَّ الألسِنَةَ تَحْتَلُّ مَكانَةً ثَانَوِيَّةً حَتَّى لو كانت مَوهبةً حَقيقيَّة. وَأمَّا المَوهبةُ الزَّائفةُ فَلا مَكانَ لَها البَتَّة.

والآن، نَنتقلُ إلى السَّببِ الثَّاني؛ وَهُو مَذكورٌ في المُخَطَّطِ الَّذي بينَ أيديكُم. فالسَّببُ الثَّاني في أنَّ الألسِنَةَ ثَانَوِيَّةٌ هُوَ... وَهذا يَتْبَعُ السَّببَ الأوَّل... هُوَ أنَّ الألسِنَةَ غَير مَفهومَة. فالألسِنَةُ غَيرُ مَفهومة. وَسَوفَ نُسْرِعُ قَليلاً هُنا. لِذا، رَكِّزُوا مَعَنا. الألسِنَةُ غير مَفهومة. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّادس: "فَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ" – وَهُوَ يُشيرُ هُنا مَرَّةً أخرى، دُونَ شَكٍّ، إلى المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ إنْ أَخَذْنا بِعَيْنِ الاعتبارِ استِخدامَ صِيغةِ المُفرَدِ وصِيغَةِ الجَمْع. "فَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ مُتَكَلِّمًا بِأَلْسِنَةٍ [أو لُغاتٍ]، فَمَاذَا أَنْفَعُكُمْ؟"

بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ: "حَتَّى لو جِئتُ أنا، الرَّسولُ بولسُ... بِكُلِّ تَأثيري وَصَلاحي... حَتَّى لو جِئتُ أنا، الرَّسولُ بولسُ، وتَكَلَّمتُ بمَوهبةِ اللُّغاتِ الحَقيقيَّةِ، مَا الَّذي سَأنفَعُكُم بِهِ؟ فأنتُم تَتكلَّمونَ اليُونَانِيَّة. لِذا، أنتُم لَستُم بِحاجَة إلى أنْ أُتَرجِمَ لَكُم". لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "إِنْ لَمْ أُكَلِّمْكُمْ إِمَّا بِإِعْلاَنٍ، أَوْ بِعِلْمٍ، أَوْ بِنُبُوَّةٍ، أَوْ بِتَعْلِيمٍ لَنْ يَكونَ لِذلكَ أيُّ مَعنى بالنِّسبةِ إليكُم، ولَن تَنتَفِعُوا بِشَيءٍ، ولَن يُفيدُكُم ذلكَ في شَيء". وَما يَقولُهُ في الحَقيقة هُوَ أنَّ التَّكَلُّمَ يَنبغي أن يَكونَ مَفهومًا للسَّامِعين. وحيثُ إنَّهُم جَميعًا يَتكلَّمونَ اليُونانِيَّة، لم يَكُن هُناكَ أيُّ مَغزى مِنْ أن يأتي بولسُ ويَتكلَّمَ بِلُغةٍ أجنبيَّة.

وَما يُدهِشُني اليومُ هُوَ أنَّنا نَرى هَذهِ الطَّائفةَ مِنَ الكَنيسةِ تُرَكِّزُ كَثيرًا على التَّكَلُّمِ غيرِ المَفهومِ الَّذي لا يَفهَمُهُ أيُّ شَخصٍ، ولا حَتَّى المُتَكَلِّم. وَمِنَ المُدهِشِ أيضًا أن نُلاحِظَ أنَّهُ في أوقاتٍ كَثيرةٍ جدًّا، عِندما تَكونُ هُناكَ تَرجَمَةٌ يُزْعَمُ بأنَّها تَرجمةٌ صَحيحةٌ، مِنَ الواضِحِ أنَّها في الحَقيقةِ ليست تَرجمة صَحيحة البَتَّة. وهُناكَ شَهاداتٌ كَثيرةٌ جدًّا تُبَيِّنُ أنَّ أُناسًا تَكَلَّموا بِاللُّغةِ العِبريَّةِ أو أيَّةِ لُغَةٍ أخرى، وَأنَّ شَخصًا تَرْجَمَ مَا قِيْلَ بكَلِماتٍ ليسَت صَحيحة البَتَّة.

وبطريقةٍ مَا، فقد صِرْنا اليَومَ نُقيمُ وَزْنًا رُوحِيًّا كَبيرًا لأشخاصِ لا يَستطيعونَ التَّكلُّمَ إلى أيِّ شَخص. وبولسُ يَقول: "إن جِئْتُ واستَخدمتُ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ فإنَّها لَنْ تُفيدَكُم في شَيءٍ لأنَّكُم تَتكلَّمونَ اللُّغةَ اليُونانِيَّة". وَهُوَ يَبتدِئُ في العَددِ السَّابعِ في تَوضيحِ هذهِ النُّقطةِ فيقول: "اَلأَشْيَاءُ الْعَادِمَةُ النُّفُوسِ الَّتِي تُعْطِي صَوْتًا: مِزْمَارٌ أَوْ قِيثَارَةٌ، مَعَ ذلِكَ إِنْ لَمْ تُعْطِ فَرْقًا لِلنَّغَمَاتِ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا زُمِّرَ أَوْ مَا عُزِفَ بِهِ؟"

وَقَد يَكونُ المِزمارُ أيَّ آلَةِ نَفْخٍ مُوسيقيَّة، وَقد تَكونُ القِيثارَةُ أيَّةَ آلةٍ مُوسيقيَّةٍ وَتَرِيَّة. وقد كانت هَاتانِ الآلَتانِ المُوسيقيَّتانِ أكثرَ الآلاتِ استِخدامًا في تلكَ الأيَّام. وقد كانتا تُستخدمانِ في الوَلائِمِ والجَنازاتِ والاحتفالاتِ الدِّينيَّة. لِذا فقد كانَ النَّاسُ يَفهَمونَ مَا يُشيرُ إليه. ولكِن سوفَ تُلاحِظونَ في العَددِ السَّابعِ أنَّهُ يَقول: "اَلأَشْيَاءُ الْعَادِمَةُ النُّفُوس". فَهِيَ آلاتٌ لا نَفْسَ لَها، أو جَامِدَة، أو لا حَياةَ فيها. إنَّها الآلاتُ المُوسيقيَّةُ الجَامِدَةُ الَّتي كانت تُعرَفُ بأنَّها تَعزِفُ ألحانًا جَميلةً، وَتُعَبِّرُ عَنْ أفراحِ النَّاسِ وَأحزانِهِم.

ولكِنْ مَا لَمْ يُعْزَفْ على هَذهِ الآلاتِ بِتَنَوُّعٍ في النَّغَمِ والإيقاعِ فإنَّها لا تَعني شَيئًا. لاحِظوا في العَددِ السَّابعِ العِبارَةَ: "إِنْ لَمْ تُعْطِ فَرْقًا لِلنَّغَمَاتِ". فَالنَّصُّ اليُونانِيُّ يَعني حَرفيًّا: "مَا لَمْ يَكُنْ هُناكَ فَرْقٌ". بِعبارَةٍ أخرى، يَجِبُ أن يَكونَ هُناكَ تَنَوُّعٌ في النَّغَماتِ كَي يَكونَ اللَّحْنُ مَنْطِقِيًّا. فيجبُ أن يَكونَ هُناكَ تَغييرٌ مَدروسٌ وَمَحْسوب. فالمِزْمارُ أوِ القِيثارَةُ لا يُمْكِنُ أنْ يَعْزِفَا لَحْنًا جَميلاً إلاَّ إذا كانَ هُناكَ تَغييرٌ في النَّغمات.

فَمَثلاً، إنَّ "ماري جين دَنكن" (Mary Jane Duncan) تَعزِفُ على البيانو عَزْفًا جَميلاً. وَنَحنُ لَدينا فَرْدٌ في العَائلةِ يَعزِفُ على البيانو. إنَّها "ميلندا" (Melinda). وَهِيَ في سِنِّ الثَّالثة. وَهِيَ تَعزِفُ نَفسَ النَّغَماتِ وتَعزِفُ على نَفسِ المَفاتيح. وَهل تَعلَمونَ ما الَّذي يَحدُث؟ بعدَ نَحْوِ ثَلاثينَ ثَانِيَة، نَقولُ لَها: "ميلندا، ارْحَمِيْنا! تَوَقَّفي عَن عَزفِ البيانو!" لماذا؟ لأنَّ عَدَمَ تَغييرِ النَّغَماتِ بطريقةٍ سَليمةٍ لا يَفعلُ أيَّ شَيءٍ سِوى الإزعاجِ والفَوضَى. وَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ بولُسُ هُنا. "فَخُروجِ الصَّوْتِ وَحَسْب حَتَّى مِنْ آلَةٍ مُوسيقيَّةٍ جَميلةٍ لا يَعني أيَّ شَيءٍ مَا لَم يَكُنْ هُناكَ تَغييرٌ مُهِمٌّ في النَّغَمِ لكي يَفهمَ المُستمِعونَ الجُمَلَ المُوسيقيَّةَ، ولِكَيْ يَستوعِبَ المُستمِعونَ اللَّحْن".

وَقد تَقول: "وَما القَصْدُ مِنْ هذا التَّشبيهِ يا جون؟" القَصْدُ هُوَ أنَّكُم لَنْ تَسْتَفيدوا شَيئًا، ولَن تَحصُلوا على أيِّ بُنْيانٍ عندما تَسمَعونَ شَخصًا يَتكلَّمُ مَا لَم يَكُنِ الكَلامُ الَّذي يُقالُ مُتَنَوِّعًا وذَا مَعْنَى. فبولسُ يَقولُ: "لَنْ تَستفيدوا شَيئًا إنْ تَمَّ الأمرُ بأيَّة طَريقة أخرى". فَحَتَّى لو تَمَّ استِخدامُ مَوهبةِ اللُّغاتِ الحَقيقيَّةِ مَعَ أُناسٍ لا يَفهمونَ تلكَ اللُّغةِ فإنَّها سَتكونُ عَديمَةَ النَّفْع. فَما بَالُكُم إنْ كانَ الكَلامُ الَّذي يُقالُ هُوَ مُجَرَّدُ بَرْبَرَةٍ. فَهِيَ عَديمةُ النَّفْعِ دَائمًا. وَهُوَ يَسْتَطْرِدُ قَائِلاً في العَددِ الثَّامن: "فَإِنَّهُ إِنْ أَعْطَى الْبُوقُ أَيْضًا صَوْتًا غَيْرَ وَاضِحٍ، فَمَنْ يَتَهَيَّأُ لِلْقِتَالِ؟"

بِعبارةٍ أخرى، هَل يُمكِنُكُم أن تَتخيَّلوا أنَّ أيَّ جُنْدِيٍّ سَيَتَهَيَّأُ للقِتالِ إنْ وَقَفَ شَخصٌ وعَزَفَ أيَّ لَحْنٍ قَديمٍ يَعرِفُهُ؟ فَهَلْ سَيَتَهَيَّأُ أيُّ جُنْدِيٍّ للحَرب؟ أَتَرَوْن؟ فَهُم لا يَعلَمونَ إنْ كانَ يَنبغي لَهُم أنْ يَنهَضُوا مِن فِراشِهِم أو أن يَعودُوا إلى النَّومِ أو أن يَحمِلوا سِلاحَهُم أو مَاذا! فَمِنَ الوَاضحِ جدًّا أنَّ البُوْقَ يَنبغي أن يُصْدِرَ نَغَمًا مُحَدَّدًا لكي يُعْطي المَعنى المَطلوب. وَقد كانَ صَوْتُ البُوقِ العَسْكَرِيِّ أوضحَ وَأعلى صَوتٍ مِنْ جَميعِ الآلاتِ المُوسيقيَّةِ الأخرى؛ ولكِنَّ أَحَدًا مِنَ الجُنودِ لَن يَعلَمَ ماذا يَنبغي لَهُ أن يَفعلَ إنْ لم يُصْدِرِ البُوقُ صَوْتًا مَفهومًا لَهُ.

وَفي العَددِ التَّاسِعِ، يَضرِبُ بُولسُ مَثَلاً إيضاحِيًّا آخرَ فيقول: "هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تُعْطُوا بِاللِّسَانِ كَلاَمًا يُفْهَمُ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا تُكُلِّمَ بِهِ؟ فَإِنَّكُمْ تَكُونُونَ تَتَكَلَّمُونَ فِي الْهَوَاءِ!" هَذا هُوَ كُلُّ شَيء. وَكَما تَرَوْنَ فإنَّ المَعنى المَقصودَ هُنا هُوَ أنَّهُ لا تُوجَدُ أيَّةُ أهميَّةٍ البَتَّة للبَرْبَرَةِ لأنَّهُ لم يَحدُث قَطّ أنْ فَهِمَ أيُّ شَخصٍ مَا يُقال.

والوَقتُ الوَحيدُ الَّذي تَمَّ فيهِ استِخدامُ المَوهبةِ الصَّحيحةِ في العَصْرِ الرَّسُولِيِّ هُوَ عندما كانَ هُناكَ شَخصٌ يَفهمُ تلكَ اللُّغَة. وَإنْ حَدَثَ ذلكَ في اجتماعِ المُؤمِنينَ، كانَ يَنبغي أن تُتَرجَمَ لكي يَحصُلَ المُؤمِنونَ على البُنْيانِ مِنْ خِلالِها. فَيَنبغي أن يَكونَ فَهْمُها سَهْلاً؛ وإلاَّ فكأنَّكُم تَنْفُخونَ في الهَواء.

لِذا فإنَّ بولسَ يَرْسُمُ صُوَرًا تَهَكُّمِيَّةً جدًّا وَسَاخِرَةً جِدًّا عَنِ الكُورِنثيِّين. فَهُمْ يُشْبِهونَ آلاتٍ مُوسيقيَّةً تُصْدِرُ أنغامًا لا يُمكِنُ فَهْمُها، وَهُم يُشْبِهونَ عَازِفَ بُوْقٍ في الجَيشِ لا يُتْقِنُ النَّفْخَ في البُوقِ حَتَّى إنَّ الجَيشَ لا يَعلَمُ مَا يَجري. وَهُوَ يَقولُ: "هَذا هُوَ ما يَحدُثُ في كَنيسةِ كورِنثوس. فَما يَحدُثُ فيها هُوَ مُجَرَّدُ تَشويشٍ، ومُجَرَّدُ فَوضَى". وبولسُ يُحاوِلُ أن يَجعلَ هؤلاءِ المُؤمِنينَ يُمَيِّزونَ ويُدرِكونَ أنَّ القَصْدَ مِنْ مَواهِبِ الرُّوحِ هِيَ إعلانُ الإنجيلِ إلى غَيرِ المُخَلَّصينَ وتَعليمِ الحَقِّ لِشَعبِ اللهِ، أو تَأكيدِ صِحَّةِ الأشخاصِ الَّذينَ سَيَقومونَ بِهَاتينِ الخِدْمَتَيْن. وَهَذا لا يُمكِنُ أن يَتحقَّقَ إلاَّ مِن خِلالِ كَلِماتٍ مُفهومَة.

لِذا فإنَّهُ يَستخدِمُ أُسلوبَ التَّهَكُّمِ والسُّخريةِ، وَيُظْهِرُ صَبْرًا عَظيمًا، ويُقَدِّمُ أمثلةً إيضاحيَّةً رائعةً في مُحاولةٍ مِنهُ لِكَسْرِ حَاجِزِ الجَهْلِ والعَاطِفَةِ والشَّعوذةِ الَّذي كانَ مَوجودًا في كَنيسةِ كورِنثوس. وَهُوَ يُقَدِّمُ مَثلاً إيضاحِيًّا مِنْ عَالَمِ اللُّغَةِ في العَددِ العَاشِرِ وَمَا يَليه: "رُبَّمَا تَكُونُ أَنْوَاعُ لُغَاتٍ هذَا عَدَدُهَا فِي الْعَالَمِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِلاَ مَعْنىً". وَهُوَ الآنَ يُرَكِّزُ على نَفسِ النُّقطة. فَهُوَ يُشبِهُ المُزارِعَ الَّذي يَحرُثُ نَفسَ الأرضِ ثانيةً لأنَّها قَاسِيَة. فَهُوَ يَستمرُّ في تَرديدِ الشَّيءِ نَفسِهِ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّةِ على أَمَلِ أن يَتمكَّنَ عَاجِلاً أَمْ آجِلاً مِن إقناعِهم.

هُناكَ لُغاتٌ كَثيرةٌ جدًّا. فَهُم يُخبرونَنا اليومَ أنَّهُ رُبَّما يُوجَدُ نَحو 3000 لُغَة. "رُبَّمَا تَكُونُ أَنْوَاعُ لُغَاتٍ هذَا عَدَدُهَا فِي الْعَالَم". فَهُناكَ لُغاتٌ كَثيرة. وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ جدًّا. والكلمة "لُغات" هُنا تَعني ببساطَة "أصواتًا". وَهِيَ نَفسُ الكلمةِ الَّتي استُخدِمَتْ للإشارةِ إلى الآلاتِ المُوسيقيَّةِ في العَددِ السَّابع. لِذا فإنَّها كَلمةٌ عامَّةٌ جدًّا. فَهُوَ يَقولُ: "هُناكَ كُلُّ أنواعِ الأصواتِ؛ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِلاَ مَعْنىً". وَهُوَ يُطَبِّقُ ذلكَ هُنا على اللُّغاتِ كَما هُوَ وَاضِحٌ تَمامًا مِن خِلالِ العَددِ الحادي عَشَر. فَهُوَ يَقولُ في العَددِ الحَادي عَشَر: "فَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْرِفُ قُوَّةَ اللُّغَةِ أَكُونُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ أَعْجَمِيًّا، وَالْمُتَكَلِّمُ أَعْجَمِيًّا عِنْدِي".

والآن، إنَّهُ يَقول: "إن لم تَتكلَّموا كَلامًا يُمكنُني أن أفهَمَهُ، فإنَّنا مُجَرَّدُ شَخصَيْنِ أَعْجَمِيَّيْنِ يُحاولانِ أن يَتحدَّثَا". وإنْ لم تَكُنْ تَعلَمُ مَنْ هُوَ الأعْجَمِيُّ فإنَّهُ الشَّخصُ الأجنَبِيُّ. وقد كانَ الأعْجَمِيُّ بالنِّسبةِ إليهِم هُوَ الشَّخصُ الَّذي لا يَتكلَّمُ اللُّغةَ اليُونانِيَّة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ ببساطَةٍ: "إنْ كُنتُم تَتكلَّمونَ بتلكَ الطَّريقةِ، لَن يَكونَ هُناكَ تَواصُلٌ بينَنا". وَهُوَ يَقولُ: "سوفَ يَكونُ ذلكَ أشبَهُ بِشَخْصَيْنِ أَعْجَمِيَّيْنِ لا يَمْلِكُ أيٌّ مِنهُما لُغَةً للتَّخاطُبِ مَعَ الآخر".

وهُناكَ شَيءٌ مُدهِشٌ بِخصوصِ هذهِ الكلمة. فالكلمة "بارباروس" (barbaros) [المُتَرْجَمَة: "أَعْجَمِيّ"] هي أيضًا كلمة فيها مُحاكَاةٌ صَوتِيَّة. أَتَذكُرونَ ذلك؟ فهي كلمة لَها وَقْعٌ مُعَيَّن. أَتَذكرونَ تلكَ الكلماتِ الَّتي تُحاكي صَوْتًا مُعَيَّنًا وَحَسْب؟ فهذهِ الكلمة هي في الحَقيقةِ تَكرارٌ للكلمة "بَرْ... بَرْ". وَما يَعنيهُ هُنا هُوَ: "إن كُنتُم تُبَرْبِرونَ هَكذا دُونَ أن أعرِفَ مَعنى مَا تَقولون، فإنَّها مُجَرَّدُ بَرْبَرَةٍ بالنِّسبةِ إليَّ. فأنا لا أفهَمُها، وَهِيَ لا تَعني أيَّ شَيءٍ".

لِذا فإنَّ المَّعنى المَقصودَ، كَما تَرَوْنَ، هُوَ عَدَمُ جَدْوى اللُّغَةِ غَيرِ المَفهومَةِ أوِ البَرْبَرَةِ الوَثنيَّة. فَهِيَ لا تُفيدُ في أيِّ شَيءٍ البَتَّة. وَهِيَ تُناقِضُ كُلَّ قَوانينِ الصَّوتِ والمَعنى بِحَسَبِ مَا جاءَ في العَددِ العَاشِر. فَكُلُّ شَيءٍ لَهُ مَعنى باستثناءِ مَا تَفعلونَهُ. فكُلُّ اللُّغاتِ هِيَ وَسيلَةُ تَواصُل باستثناءِ هذهِ البَرْبَرَة. ويجب عَليكُم أن تَتذكَّروا، يا أحبَّائي، أنَّهُم كانُوا مُذْنِبينَ بإساءةِ استِخدامِ المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ بسببِ استِخدامِ لُغَةٍ مَا بطريقةٍ تُوحي بأنَّهُم يَفعلونَ شَيئًا رُوحِيًّا عَظيمًا؛ في حينِ أنَّهُ لم يَكُن هُناكَ مَن يَفهَمُها. فقد كانَ يَنبغي أن تُستخدَمَ فقط في حَالِ وُجودِ أشخاصٍ يَتكلَّمونَ تلكَ اللُّغة. وَسَوفَ يَتحدَّثُ بولسُ عن ذلكَ بالتَّفصيل في جُزءٍ لاحِقٍ مِن هذا الأصحاح.

لِذا، لا يُمكِنُ القيامُ بأيَّة خِدمة رُوحيَّة بوجودِ هَذا النَّوعِ مِنَ التَّشويش. فسوفَ يَأتي غيرُ المُؤمِنينَ ويَنظرونَ حَولَهُم ويَقولونَ (بِحَسَبِ العَدد 23): "إنَّ هَؤلاءِ يَهْذُون". بِعبارةٍ أخرى: "إنَّهُم يَهْذُونَ بطريقةٍ لا تَختَلِفُ البَتَّة عَن تلكَ الَّتي يَهْذي بِها عَبَدَةُ دَيانا. إنَّهُم يَفعلونَ نَفسَ الأشياءِ الَّتي يَفعَلُها هؤلاءِ الأشخاصِ في المَعبَدِ الوَثنيِّ". وَهُمْ لَنْ يَرَوْا أيَّ فَرْقٍ بينَ الكَنيسةِ المَسيحيَّةِ ومَعبَدِ دَيانَا. والآن، نَرى أنَّ النُّقطةَ الثَّانويَّةَ الثَّانيةَ بأنَّ الألسِنَةَ ليسَت مَفهومَة تُخْتَمُ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي خُتِمَتْ بِها النُّقطةُ الأولى. انظروا إلى العَددِ الثَّاني عَشَر:

"هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، إِذْ إِنَّكُمْ غَيُورُونَ لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، اطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ الْكَنِيسَة". فإن كُنتُم مُتَحَمِّسينَ جدًّا للحُصولِ على المَواهِب، وإن كُنتُم مُتَحَمِّسينَ للنُّمُوِّ رُوحِيًّا، وإنْ كُنتُم تُريدونَ تلكَ المَواهِبَ الَّتي يُعطيها الرُّوحُ، وإن كُنتُم تُريدونَ تلكَ الأشياءِ الَّتي يُظْهِرُها الرُّوحُ، إن كُنتُم تُريدونَ ذلكَ تَكَلَّمُوا بتلكَ الأشياءِ الحَقيقيَّةِ الَّتي مِن شَأنِها أنْ تَبني حَقًّا الكنيسة".

فَهَكذا أَنْهَى بُولسُ المَقطعَ الأوَّلَ في العَددِ الخَامِسِ إذْ قَال: "احرِصُوا على أن تَنَالَ الْكَنِيسَةُ بُنْيَانًا". وَهَكذا خَتَمَ كُلَّ نُقطَةٍ مِن هذهِ النِّقاط: "احرِصُوا عَلى بُنْيانِ الكنيسة". فَهُوَ يُعالِجُ حَقًّا أنانيَّتَهُم. فقد كانَ الكورِنثيُّونَ يَجتمعونَ مَعًا، وكانوا يَسْعَوْنَ إلى اختبارِ ذلك. فقد كانوا جَميعًا يَسْعَوْنَ إلى تلكَ النَّشوة. فقد كانوا يُريدونَ اخْتِبارًا حِسِّيًّا.

وَما زِلْنا نَرى أُناسًا يُريدونَ ذلكَ اليوم. وأعتقدُ أنَّ هَذا الأمرَ جُزءٌ مِمَّا يَحدُثُ في الحَركةِ الكَارِزماتِيَّةِ والخَمسينيَّةِ إذْ إنَّهُم جَميعًا يَسْعَوْنَ إلى الحُصولِ على ذلكَ الاختبارِ الشَّخصيِّ. ولكِنَّ بُولسَ يَقول: "هَذه هِيَ الغَايَةُ الرَّئيسيَّةُ مِنَ المَواهِبِ الرُّوحيَّةِ: أنْ تَسْعَوْا إلى بُنْيانِ الجَسَد". لِذا فإنَّ مَكانَةَ الألسِنَةِ ثَانَوِيَّة. والسَّببُ الأوَّلُ وَراءَ ذلكَ هُوَ أنَّ النُّبوَّةَ تَبْني الكَنيسة. والسَّببُ الثَّاني هُوَ أنَّ الألسِنَةَ غير مَفهومَة. لِذا فإنَّ استِخدامَها مَحدودٌ جدًّا. وقد كانَ ذلكَ الاستخدامُ مَحدودًا أيضًا في العَصرِ الرَّسُولِيِّ.

حسنًا! النُّقطةُ الثَّالثة: النُّقطةُ الثَّالثةُ في المُخَطَّطِ الَّذي بينَ أيديكُم: الألسِنَةُ ثَانَويَّة [ثالثًا]: لأنَّ تَأثيرَ الألسِنَةِ عَاطِفِيٌّ وليسَ عَقلِيًّا. تَأثيرُ الألسِنَةِ عَاطِفِيٌّ وليسَ عَقلِيًّا. وَهذا هُوَ ما يُلَمِّحُ إليهِ في العَدد 13. والآن، لاحِظوا ما يَلي: "لِذلِكَ مَنْ يَتَكَلَّمُ..." وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا صِيغةَ المُفرَد مَرَّةً أخرى: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ فَلْيُصَلِّ لِكَيْ يُتَرْجِمَ". وَهذهِ آيَةٌ تَعْسُرُ تَرْجَمَتُها. وَلطالَما فَكَّرتُ في أثناءِ قِراءَتي لهذهِ الآيةِ وَصَلَّيْتُ قَائلاً: "يا رَبُّ، هَل يُمكِنُني أن أُتَرْجِمَ هذهِ الآية. فَهِيَ صَعْبَة". "لِذلِكَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ فَلْيُصَلِّ لِكَيْ يُتَرْجِمَ". مَا الَّذي يَقصِدُهُ؟

كَما نَعلَمُ مِن دِراسَتِنا حَتَّى الآن، فقد كانوا يَتكلَّمونَ بتلكَ اللُّغَةِ الخَاصَّةِ غيرِ المَفهومَةِ مَعَ إلَهِهِم، أو بِلُغَةِ إلَهِهِم، ظَنًّا مِنهُم أنَّهُم يُصَلُّونَ إلى اللهِ الحَقيقيِّ وَأنَّ ذلكَ هُوَ حَقًّا الرُّوح. ولكِنَّ الصَّلاةَ بِكلامٍ غيرِ مَفهومِ لم يَكُن يَومًا القَصدَ مِن تلكَ المَوهبة، بل كانَ دائِمًا تَشويهًا لها وَحَسْب. وَبولسُ يَقول: "انظُروا! أنتُم يا مَنْ تُصَلُّونَ بكلامٍ غيرِ مَفهومٍ" أو حَرفِيًّا: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ فَلْيُصَلِّ لِكَيْ يُتَرْجِمَ" أو حَرفِيًّا: "بِقَصْدِ تَرْجَمَةِ مَا يَقول". بعبارةٍ أخرى، أعتقدُ أنَّهُ يَتكلَّمُ بِلَهجَةٍ سَاخِرَةٍ هُنا قَائِلاً: "أنتَ أيُّها الشَّخصُ المُنْهَمِكُ في الصَّلاةِ بهذهِ الطَّريقةِ غيرِ المَفهومة، لِمَ لا تُصَلِّ لشيءٍ مَفهومٍ لأيِّ شَخصٍ؟"

وفي حالِ أنَّكُم تَظُنُّونَ أنَّني أَلْوي ذِراعَ النَّصِّ هُنا، إذا قَرأتُم كُلَّ الرِّسالةِ إلى أهلِ كورِنثوس سَتَجِدونَ أنَّ هَذا الأسلوبَ التَّهَكُّمِيَّ أوِ السَّاخِرَ مُستخدَمٌ في مَواضِع عَديدة. بعبارةٍ أخرى: "إن كانَ هُناكَ شَخصٌ يَرغبُ حَقًّا في الصَّلاةِ بِلُغَتِهِ الخَاصَّةِ تلكَ، لِمَ لا يُصَلِّ لأجلِ الحُصولِ على المَوهِبَةِ المَفهومة. فَفي أثناءِ صَلاتِكَ بتلكَ اللُّغةِ غيرِ المَفهومة، اطلُب مِنَ اللهِ شَيئًا يُمكِنُ لِكُلِّ جَسَدِ المَسيحِ أن يَستفيدَ مِنهُ لأنَّ ما تَفعلُهُ أنانِيٌّ جدًّا".

والآن، قَد يَقولُ قَائِلٌ: "أنتَ تُبالِغُ يا جون وَتُفَسِّرُ تِلكَ الآيةَ عَلى هَواك". حسنًا، هُناكَ بَديلٌ آخر. والبَديلُ الآخرُ هُوَ التَّالي: "لِذلِكَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ مَجهولِ فَلْيُصَلِّ أنْ يَحصُلَ على مَوهبةِ التَّرجمة". والآن، إنْ قَبِلْنا هذا التَّفسيرَ فإنَّ هَذا يَعني أنَّهُ يُمكِنُنا أن نَطلُبَ مَواهِبَ مُعيَّنة. أليسَ كذلك؟ فإن أردنا الحُصولَ على مَوهبةِ التَّرجمةِ، أو أيَّة مَوهبة أخرى، كُلُّ ما يَنبغي لَنا أن نَفعلَهُ هُوَ أنْ نُصَلِّي وَنَطلُبَها. أليسَ كذلك؟ هَل هَذا صَحيح؟

ولكِنَّ الآيةَ 1كورنثوس 12: 11 تَقولُ إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُعطي المَواهِبَ كَما يَشاء. وَفي رسالةِ كورنثوسَ الأولى 12: 30 [والآن لاحِظوا ما يَلي] فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورنثوسَ الأولى 12: 30: "أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟" وَما هُوَ الجَوابُ الضِّمنِيُّ بِحَسَبِ التَّركيبِ اليُونانِيِّ؟ لا، لا! فاللهُ لم يَقُل قَطّ إنَّهُ يُمكِنُنا أن نُصَلِّي وَنَطلُبَ أيَّة مَوهبة نَشاء، أو أنَّهُ يُمكِنُنا أن نَسعَى إلى أيَّة مَوهبةٍ نَرغَبُ فيها. فهذهِ الآيةُ لا تَقول إنَّهُ يَجِبُ علينا أن نَطلُبَ مَوهبةَ التَّرجمة.

وسوفَ أُريكُم سَببًا آخر. انظروا إلى العَدد 28 مِنَ الأصحاح 14. العَدد 28. لاحِظوا مَا يَلي: "وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمٌ فَلْيَصْمُتْ فِي الْكَنِيسَة". بعبارةٍ أخرى، إن أرادَ شَخصٌ أن يَستخدِمَ المَوهبةَ الحَقيقيَّة... استَمِعوا إلى هذا... كَي يَفهَمَ الأشخاصُ الوَثنيُّونَ الحَاضِرونَ مَا يَقول، لا يَجوزُ لَهُ أن يَفعلَ ذلكَ إلاَّ إنْ كانَ يَعلمُ أنَّهُ يُوجَدُ مُتَرجِمٌ حَاضِرٌ سَيُترجِمُ مَا يَقول. واسمَحوا لي أن أُضيفَ مَا يَلي يا أحبَّائي: لا بُدَّ إذًا أنَّهُم كانوا يَعلَمونَ هُوِيَّةَ الأشخاصِ الَّذينَ حَصَلوا على مَوهبةِ التَّرجمة، وأنَّ تلكَ المَوهبةَ كانت مُعْطاة لأولئكَ فقط. أَتَرَوْن؟

فَقد كانت مَحصورةً جدًّا حَتَّى إنَّهُ لم يَكُن بِمَقدورِهم أن يَتَكَلَّمُوا بألسِنَةٍ مَا لَمْ يَكُن ذلكَ المُتَرجِمُ حَاضِرًا. لِذا، لا يُعْقَلُ أنَّ هذهِ الآيةَ تُعَلِّمُ المَرءَ أن يَطلُبَ مَوهبةَ التَّرجمة. لِذا فإنَّ البَديلَ الوَحيدَ المُتَبَقِّي هُوَ أنَّ بولسَ كانَ يَقودُهُم شَيئًا فَشيئًا ويَقول: "فيما تُبَرْبِرونَ، لِمَ لا تُصَلُّونَ وتَطلبونَ شَيئًا مَفهومًا كَأنْ تَطلُبوا مِنَ اللهِ أنْ يُعطيكُم شيئًا يُمكِنُنا أنْ نَنْتَفِعَ بِهِ؟" وأرجو أن يُساعِدَكُم ذلكَ في فَهْمِ هذهِ النُّقطة.

وفي العَدد 14، يَقولُ بولُس: "لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِلِسَانٍ" – والآن، لاحِظوا مَا يَلي: إنَّ الكلمةَ المُستخدَمَةَ هُنا هي "نُومَا" (pneuma). وأعتقدُ أنَّها يُمكِنُ أن تُتَرجَمَ بالطَّريقةِ التَّالية: "فإنَّ نَفَسِي أوْ زَفيري يُصَلِّي، وَأَمَّا ذِهْنِي فَهُوَ بِلاَ ثَمَرٍ". لِذا فإنَّكُم تَعلمونَ مَاذا أفعل. فأنا أَنْفُخُ الهَواءَ في الهَواء. هَذا هُوَ كُلُّ شَيء. والكلمة "نُومَا" (pneuma) يُمكِنُ أن تُتَرجمَ: "رُوح" أو "نَفَس" أو "رِيْح". وَهُناكَ مَن يَقولُ إنَّها تُشيرُ إلى الشُّعورِ أو إلى المَشاعِرِ الدَّاخِليَّة.

والكَارِزماتِيُّونَ، أو أغلَبَهُم، يَقولونَ إنَّها تَعني "الرُّوحَ القُدُس". وَهذا لا يَجوز. "فَرُوحِي تُصَلِّي". وَهُم يَقولونَ: "ولكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ رُوحِي". هَذا صَحيحٌ، ولكِنَّ المُقارَنَةَ هُنا هي بينَ "رُوْحي" وَ "ذِهْني". وإنْ كانَ الفَهْمُ البَشَرِيُّ هُوَ جُزءٌ مِن هذهِ المُقارنةِ، يَجِبُ أن تَكونَ النَّفسُ البَشريَّةُ أوِ الرُّوحُ البَشريَّةُ هِيَ الجُزءُ الآخرُ مِن هذهِ المُقارَنة. فيجب أن تُحافِظَ على التَّوازُنِ هُنا وأن تَحذَر.

لِذا فإنَّهُ يَقول: "لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِلِسَانٍ، فَرُوحِي تُصَلِّي، وَأَمَّا ذِهْنِي فَهُوَ بِلاَ ثَمَرٍ". بِعبارةٍ أخرى، لا يُوجَدُ أيُّ شَيءٍ مُفيدٍ يَنْجُمُ عَن ذلك. فَلا يُوْجَدُ ثَمَر. لِذا فإنَّ الصَّلاةَ بِلِسانٍ، أوِ البَربرةَ، هِيَ شَيءٌ غَبِيٌّ. فإنْ كُنتُ أُصَلِّي بِلِسانٍ مَجهولٍ فإنَّ نَفَسِي هُوَ الَّذي يُصَلِّي وَحَسْب (أوِ الهَواءَ الَّذي أَتَنَفَّسُه، أو رُوحي، أو شُعوري الدَّاخِلِيّ). فَيُمكِنُكم أن تَستخدِموا أيَّ كلمةٍ مِن هَذهِ الكلمات. فَهُوَ مُجَرَّدُ نَفْخٍ للهَواءِ كَما يَفعلُ الوَثَنِيُّون. فأنا لا أفهَمُ مَا أقول، وأنتُم لا تَفهَمونَ مَا أقول. فأنا أَنْفُخُ وَحَسْب في الهَواء. لِذا فإنَّ المَوهبةَ المُزَيَّفَةَ هِيَ مُجَرَّدُ اخْتبارٍ عَاطِفِيٍّ؛ ولكِنَّها ليست مُفيدةً البَتَّة ذِهنيًّا.

ويا أحبَّائي، أنتُم تَعلمونَ جَيِّدًا [كَما أَعلَمُ أنا] أنَّهُ لا يُوجَدُ مَوْضِعٌ واحِدٌ في كلمةِ اللهِ يُخبرُنا أنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أن نَكونَ أغبياء. أَلاَ تُوافِقونَني الرَّأي؟ فَلا تُوجَدُ البَتَّة وَصِيَّةٌ تُخبرُنا أن نُغلِقَ أذهانَنا... البَتَّة. ولا يُوجَد البَتَّة شَيءٌ في كلمةِ اللهِ يُخبرُنا أنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أن نَتْبَعَ مَشاعِرَنا دُوْنَ فَهْمٍ... البَتَّة. وَما يَحدُثُ الآنَ هُوَ شَيءٌ مَغلوطٌ. فَهذهِ مُجَرَّدُ اختباراتٍ عَاطِفيَّةٍ يُعْوِزُها العَقلُ وَلا مَعنَى لَها... لا مَعنَى لَها.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 22: 37: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ [مَاذا؟] فِكْرِكَ". فالصَّلاةُ أوِ التَّرنيمُ بِألسِنَةٍ هُوَ شَيءٌ عَديمُ النَّفْعِ. فَهُوَ عَديمُ النَّفْعِ لَكُم، وَعَديمُ النَّفعِ للآخرينَ جَميعًا. فَهُوَ عَاطِفَةٌ غَبِيَّة.

العَدد 15. "فَمَا هُوَ إِذًا؟" أيْ: مَا هِيَ النَّتيجَةُ الَّتي تَوَصَّلْتُ إليها؟ بالنِّسبةِ إليَّ شَخصيًّا، أنا أُصَلِّي بالرُّوح، أو بالنَّفَسِ، أو بالجُزءِ الدَّاخِليِّ مِنِّي، أو بما أريدُ أن أقول. "أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي [بِماذا؟] بِالذِّهْنِ أَيْضًا". فعندما أُكَلِّمُ اللهَ فإنَّ ذلكَ يَنبُعُ مِن دَاخِلي فأقولُ كلماتٍ. وأنا أَستخدِمُ نَفَسِي، أوْ أَنطُقُ بكلماتٍ، ولكِنِّي أستَخدِمُ ذِهني أيضًا. أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا".

وَمِنَ الوَاضِحِ أنَّهُم كانُوا مُعْتادينَ على التَّرنيمِ بتلكَ الطَّريقةِ البَرْبَرِيَّةِ أيضًا. وَنَحْنُ نَرى ذلكَ اليومَ في الأوساطِ الكَارِزماتِيَّةِ إذْ إنَّهُم يُرَنِّمونَ بالألسِنَةِ أيضًا. وبولسُ يَقول: "أنا لا أفعلُ ذلك. فَما الغَايَةُ مِن ذلك سِوى التَّباهِي أمامَ الآخرينَ بأنِّي أَعرِفُ هذهِ اللُّغَةَ السِّريَّةَ الخَاصَّةَ بيني وبينَ إلهي والَّتي تَرْفَعُني إلى مَرْتَبَةٍ رُوحِيَّةٍ أعلى؟" وهذهِ أنانِيَّةُ مُطْلَقَة.

لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "اسمَعوني! أنا أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ أَيْضًا. أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا"، لا بِغَباوَة. اسمَعوني، أنتُم تُصَلُّونَ باللُّغةِ الإنجليزيَّةِ واللهُ يَفهَم. وأنتُم تُرَنِّمونَ باللُّغةِ الإنجليزيَّةِ واللهُ يَفهَم. واسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم إنَّ ذلكَ أفضل بكثير مِنَ البَرْبَرَةِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا قَد يَقولُهُ لَكُم أيُّ شَخصٍ آخر. فاللهُ ليسَ بِحاجَةٍ إلى تلكَ البَرْبَرة.

وإليكُم هذهِ المُلاحَظة المُدهشة: إنَّ الكَلِمة "أُرَتِّلُ" تَعْني في الأصلِ: "يَعزِفُ على القِيثارَة". وَقَدْ صَارت تَعني... استَمِعوا إلى هَذا... "أُرَتِّلُ بِمُصَاحَبَةِ القِيثارَة". فهُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ اليومَ إنَّهُ لا يَجوزُ للكَنيسةِ أن تَستخدِمَ الآلاتِ المُوسيقيَّة. ولكِنَّ الكلمةَ "أُرَتِّل" تَعني في الأصل: "يُغَنِّي بِمُصاحَبَةِ القيثارَة". فَهَكذا استُخدِمَتْ في التَّرجمةِ السَّبعينيَّة. ولا شَكَّ في أنَّها كانَتْ تُفْهَمُ بهذهِ الطَّريقةِ في العهدِ الجديد. لِذا فإنَّنا نَستخدِمُ الآلاتِ المُوسيقيَّة.

العَدد 16. سَوفَ نُعَجِّلُ قَليلاً إلى أنْ نَنْتَهي مِن هذا المَقطَع. فَهُوَ يَقول: "إنْ لم أفعل ذلكَ بِذِهني" – "وَإِلاَّ فَإِنْ بَارَكْتَ" – وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا صِيغَةَ المُخاطَبِ: "وَإِلاَّ فَإِنْ بَارَكْتَ بِالرُّوحِ..." [أو بأنفاسِكَ، أو بِروحِكَ]. بِعبارةٍ أخرى، إنْ لم تَكُنْ تُصَلِّي بِذِهنِكَ: "...فَالَّذِي يُشْغِلُ مَكَانَ الْعَامِّيِّ، كَيْفَ يَقُولُ «آمِينَ» عِنْدَ شُكْرِكَ؟ لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ مَاذَا تَقُولُ!" فأنتَ لَنْ تَسْمَعَ أَحَدًا يَقولُ "آمين".

لاحِظُوا العِبارَةَ: "فَالَّذِي يُشْغِلُ مَكَانَ الْعَامِّيِّ". وَهِيَ تَرْجَمةٌ للكلمةِ اليونانيَّةِ: "إيديوتيس" (idiotes)، وَهِيَ تَعني هُنا: "جَاهِل". وَهِيَ تَعني ببساطَة: الشَّخصَ الَّذي يَجْهَلُ اللُّغَةَ الَّتي تَتكلَّمُ بها. فإن صَلَّيْتَ فإنَّ الشَّخصَ الَّذي لا يَفهَمُ مَعنى الكَلامَ الَّذي قُلتَهُ لا يَستطيعُ حَتَّى أن يَقولَ "آمين" عندما تَشْكُرُ اللهَ لأنَّهُ لا يَفهَمُ ما تَقول.

والآن، يا أحبَّائي، إنَّ الكلمة "آمين" هي كلمة عِبريَّةِ تَعني: "لِيَكُنْ كَقَولِكَ". حسنًا؟ "لِيَكُنْ كَقَولِكَ"، أو: "أنا مُتَّفِقٌ مَعَكَ" في مَا تَقول. وفي المَجْمَعِ اليَهودِيِّ، هَل تَعلَمونَ مَدى أهميَّةِ ذلك؟ لقد كَانَ قَوْلُ تلكَ الكلمة مُهِمًّا جدًّا حَتَّى إنَّكَ لم تَكُن تَكادُ تَسْمَعُ الدَّرْسَ بِسببِ كَثْرَةِ مَنْ يَقولونَ "آمين".

واسمَحوا لي أن أَقْتَبِسَ لَكُم مَا قَالَهُ أَحَدُ أَحْبارِ اليَهود: "الَّذي يَقولونَ ’آمين‘ أعظَمُ مِنَ الَّذي يُبارِك". وإليكُم اقتباسًا آخر: "مَنْ يَقولُ ’آمين‘ تُفْتَحْ لَهُ أبوابُ السَّماء". وإليكُم اقتباسًا آخر: "مَنْ يُقَصِّرُ في قَوْلِ ’آمين‘ تَقْصُرُ أيَّامُهُ، وَمَنْ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ ’آمين‘ تَكْثُرُ أيَّامُهُ". وَهَل تَعلَمونَ مَا الَّذي كانَ يَحدُثُ في المَجْمَع؟ لقد كانَ سِباقًا بينَ الحَاضِرينَ حيثُ كانُوا يُتنافَسونَ فيما بَينَهُم في قَوْلِ كلمة ’آمين‘ كي يَدخُلوا المَلكوت.

وكانَ هَذا الأمرُ شَائِعًا أيضًا في الكَنيسةِ الباكِرَة؛ ولكِنَّهُمْ كانُوا يَقولونَها بِصِدْقٍ أكبر. وَهُوَ يَقولُ: "انظُروا! مِنَ الرَّائعِ أنْ تَكونوا مُتَّفِقينَ في الرَّأي". فَكما تَعلمونَ، هُناكَ أُناسٌ في الكَنيسةِ اليومَ يَظُنُّونَ أنَّهُ إنْ قالَ شَخصٌ "آمين" فإنَّكَ تَقول: "مَنْ هَذا الشَّخص؟" آمين؟ آمين! حسنًا! ولكِنَّهُ يَقول: "إنْ كانَ كُلُّ مَا يَجري هُنا هُوَ بَرْبَرَة وَحَسْب، لن يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنْ قَوْلِ "آمين" لأنَّهُ لن يَفْهَمَ أَحَدٌ مَا يُقال". هَل تَفهَمونَ المَعنى هُنا؟ فَكما تَرَوْنَ، عِندما تَجتمعونَ مَعًا، يا أحبَّائي، يَجِبُ أن تَجتَمِعُوا لأجلِ بُنْيانِ الجَميع. أمَّا إنْ كُنتُم تَفعلونَ أيَّ شَيءٍ لا يَبني الآخرينَ فإنَّ مَا تَفعلونَهُ خَطأ.

العَدد 17: "فَإِنَّكَ أَنْتَ تَشْكُرُ حَسَنًا". فَقَدْ تَقومُ بعملٍ رائعٍ. وإنْ كُنتَ قَد حَصلتَ على المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ، رُبَّما تَشْكرُ اللهَ حَسَنًا في قَلبِكَ وتقولُ: "كَمْ أشْكُرُ اللهَ!" "وَلكِنَّ الآخَرَ لاَ يُبْنَى". وَهَذا يَجْعَلُ صَلاةَ الشُّكرِ الَّتي رَفَعْتَها خَطأ لأنَّكَ أَهْمَلْتَ القَصْدَ الرَّئيسيَّ مِنَ الاجتماع. فقد أَهْمَلْتَ الغَايَةَ الأساسيَّةَ مِنَ اجتماعِكُم مَعًا.

والآن، قَد يَقولُ قَائِلٌ: "هَذا هُوَ السَّبَبُ في أنَّنا نُعَلِّمُ أنَّهُ يَجِبُ القيامُ بذلكَ في الخَفاء". ولكِنْ كَما تَرَوْنَ، هذهِ هي النُّقطةُ أيضًا لأنَّ مَوهبةَ اللُّغاتِ لم تَكُن يَومًا شَيئًا خَاصًّا. فَقَدْ كانتِ الغَايَةُ مِنْ مَوهِبَةُ اللُّغاتِ دَائِمًا هِيَ تَوصيلُ الحَقِّ لشَخصٍ يَتكلَّمُ تلكَ اللُّغَة. فَما النَّفْعُ مِنْها إنْ كانت خَاصَّةً؟ وَهُوَ يَقولُ هُنا: حَتَّى عندَ استِخدامِهَا عَلى المَلأ، فإنَّها لَنْ تُفيدَ في شَيءٍ إلاَّ إذا كانَ الآخرونَ يَفهمونَ مَا تَقول.

العَدد 18. والآن، يَفعلُ بولسُ شَيئًا فَعَلَهُ في وَقتٍ سَابِقٍ مِن هذا الأصحاح. فَهُوَ يَقول: "لَقَدْ كُنْتُ صَارِمًا في هذا المَوضوعِ، ولا أُريدُ مِنكُم أن تُسيئوا فَهْمَ مَوهِبَةِ الألسِنَةِ (أوِ اللُّغاتِ) فإنا أُوْمِنُ بأنَّها مَوهبةٌ حَقيقيَّة". لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "أَشْكُرُ إِلهِي أَنِّي أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ". لاحِظوا أنَّهُ يَستخدِمُ هُنا صِيغَةَ الجَمْعِ مَرَّةً أخرى. وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى المَوهِبةِ الحَقيقيَّةِ في اعتقادي: "أَشْكُرُ إِلهِي أَنِّي أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِكُمْ". فَهُوَ يَقولُ الآن: "إن كُنتُم تَتساءَلونَ إنْ كنتُ لا أُدرِكُ مَا يَجري وَلا أَفهَمُ شَيئًا عَنْ هَذهِ الظَّاهِرَةِ، أريدُ مِنكُم أن تَعلَموا أنِّي فَعَلْتُ هَذا أكثرَ مِنكُم جَميعًا".

فَقد كانَ قَد حَصَلَ على المَوهبةِ الحَقيقيَّة. فَقد كَانَ رَسولاً. وكَانَ قَدْ حَصَلَ على مَواهِبِ الرَّسولِ بِحَسَبِ مَا جَاءَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية 12: 12. وَقَد كانَ يُمارِسُ هذهِ المَواهبَ. فَلا شَكَّ أنَّهُ في أثناءِ رِحْلاتِهِ استَخْدَمَ هذهِ المَوهبة. وَكيفَ استَخدَمَ هذهِ المَوهبة؟ أولاً، أنا وَاثِقٌ مِن أنَّهُ لم يَستخدِمْها كَلُغَةِ صَلاةٍ خَاصَّة. ثانيًا، أنا وَاثِقٌ مِن أنَّهُ لم يَستخدِمْها في اجتماعاتٍ مَسيحيَّةٍ كَي يُظْهِرَ أنَّهُ رُوحَانِيٌّ. ثالثًا، أنا وَاثِقٌ مِن أنَّهُ لم يَستخدِمْها لمَصلَحَتِهِ الشَّخصيَّة.

وسوفَ أُخبرُكم كيفَ استَخدمَها. لقدِ استَخدمَها في مُناسباتٍ مُعيَّنةٍ في أثناءِ رِحلاتِهِ إلى أماكِنَ يُوجَدُ بِها أشخاصٌ يَتكلَّمونَ لُغةً أجنبيَّة. فقد أعطاهُ اللهُ القُدرةَ على التَّكلُّمِ بتلكَ اللُّغةِ لكي يَعلَموا أنَّ اللهَ كانَ حَاضِرًا وَأنَّ مُعجِزَةً قد حَدَثَتْ. ثُمَّ إنَّهُ كانَ يُكَلِّمُهُم بالحَقِّ الإلهيِّ فَيُؤمِنون. فقد كانَ مُرْسَلاً إلى الأُمَم. وَلا شَكَّ في أنَّهُ في أوقاتٍ كَثيرةٍ مِنْ رِحْلاتِهِ التَّبشيريَّةِ استَخدَمَ هذهِ المَوهبة. ولكِنَّ مَا يُدهِشُني هُوَ أنَّهُ يَضَعُ هَذهِ المَوهبةَ في مَرْتَبَةٍ مُنخفضةٍ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُشيرُ في كُلِّ خِدْمَتِهِ أو كِتاباتِهِ إلى أنَّهُ استَخْدَمَها باستثناءِ مَا يَقولُهُ في هذهِ الرِّسالة. وَهُوَ لا يُعطي أيَّ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ على ذلك.

ولكِنَّهُ يَقولُ: "مَعَ أنِّي قد حَصَلتُ على تلكَ المَوهبةِ [في العَدد 19] وَلكِنْ فِي كَنِيسَةٍ...". بعبارةٍ أخرى، لا بَأسَ في أنْ تَستخدِموها في الكِرازَة، ولا بَأسَ في أن تَستخدموها عندما يَنبغي أنْ تَتكلَّموا إلى هَؤلاءِ الوَثنيِّينَ بِلُغةٍ يَفهمونَها كَي تُبَيِّنُوا لَهُم أنَّ اللهَ حَاضِرٌ وَأنَّ اللهَ يَتكلَّم. ولكِنْ في الكَنيسةِ... والآن، لاحِظوا مَا يَقول: "أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضًا، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ". وَهَذا هُوَ حَقًّا المَعنى المَقصودُ مِن هَذهِ الآية. هَذا هُوَ القَصْدُ مِنها.

والآن، أريدُ مِنكُم أن تَرَوْا شَيئًا مُدهشًا. إنَّ "الخَمْسَةَ" وَ "العَشْرَة آلافٍ" هي ليست نِسبةً مِئويَّة. هَل تَعلَمونَ مَا هِيَ العَشْرَة آلاف؟ إنَّها تَرجمةٌ للكلمةِ اليُونانِيَّة "ميريوي" (murioi). وَهِيَ الكلمةُ المُستخدمةُ هُنا لأنَّها أكبرُ رَقْمٍ في الحِسابِ اليونانِيِّ تُوْجَدُ كَلِمَةٌ تُعَبِّرُ عَنهُ. هَل فَهِمتُم ذلك؟ فَمثلاً، في سِفْرِ الرُّؤيا، هَل تَذكرونَ عندما يَتحدَّثُ النَّصُّ عنِ المَلائكةِ ويَقولُ: "وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ".

فَهُوَ يَستمرُّ في تَكرارِ الكلمة "ميريوي"... "ميريوي"... "ميريوي"... "ميريوي" لأنَّ هذهِ هي الكلمةُ الَّتي تُعَبِّرُ عَنْ أكبَرِ رَقْمٍ. لِذا، كَأنَّكَ تَقولُ في وَقْتِنا الحَاضِرِ: "أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي أَكْثَرَ مِنْ مِليارِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ". فَالأرقامُ هُنا لا تُستخدَمُ للمُقارَنَة، بَل هُوَ يَقولُ: "أنا أُفَضِّلُ أن أقولَ: ’هُناكَ شَيءٌ أَوَدُّ أنْ أَقولَهُ" وَأجلِسَ، على أن أُبَرْبِرَ بِمِليارِ كلمَة. هذا هُوَ المَعنى المَقصود. لِماذا؟ "لأنَّ أحدًا لَن يَتَعَلَّمَ شَيئًا. وأنا أريدُ أن أَستخدِمَ صَوتي لِتَعليمِ الآخرينَ أيضًا".

لِذا فإنَّهُ يُلَخِّصُ كَلامَهُ في العَددِ العِشرين قَائِلاً: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ". [أيِ: انْضُجُوا]. تَوَقَّفوا هُنا. انضُجُوا! انضُجُوا! وَكانَ قَد قالَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 13: 11: "لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْل كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَلكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً [فَعَلْتُ مَاذا] أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ". إنَّها الفِكرةُ نَفسُها. والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا، وَهُوَ أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا فيما أَخْتِمُ حَديثي. مَا هِيَ الدُّروسُ الَّتي نَتَعَلَّمُها هُنا؟ اسمَعوني: هَل يُخبرُنا هذا المَقطعُ كَيفَ نَضْبِطُ استِخدامَ الألسِنَةِ في الكَنيسةِ اليوم؟ لا، ليسَ تَمامًا لأنَّها قَد تَوَقَّفَتْ.

إذًا، مَا الَّذي تُرينا إيَّاه؟ أوَّلاً، إنَّها تُرينا أنَّ الحَركةَ الكَارِزماتِيَّةَ المُعاصِرَةَ... والآن اسمَعوا ما سأقول، وأنا أقولُ هذا بِمَحَبَّةٍ عَظيمةٍ واهتمامٍ عَظيم. ولكنِّي أُوْمِنُ بهذا في قَلبي وَهُوَ أنَّ الحَركةَ الكَارِزماتِيَّةَ اليومَ قَدْ وَقَعَتْ في نَفسِ المُشكلةِ الَّتي وَقَعَتْ فيها كَنيسةُ كورِنثوسَ مَرَّةً أخرى. اسمَعوني. لماذا؟ لأنَّهُم يَستخدِمونَ الألسِنَةَ في اجتماعاتِهم اليوم. فَهُم يُبَرْبِرون. وَهُم يَستخدِمونَ الألسِنَةَ بِصورةٍ شَخصيَّةٍ لِبُنْيانِ الذَّات.

وَهُم يَبحثونَ عَنِ اختباراتِ عَاطِفيَّةٍ أكثرَ مِمَّا يَبحثونَ عَنِ الفِهْمِ الذِّهنيِّ. وَهُم يُرَنِّمونَ بألسِنَة. وَهُمْ مُنْشَغِلونَ باختباراتِهِم الشَّخصيَّة. وَهُمْ يَتَباهَوْنَ بِهَذا الكَلامِ غيرِ المَفهومِ كَما لو أنَّهُ تَخاطُبٌ سِرِّيٌ مَعَ الله. وَهُم يَفعلونَ ذلكَ في وَسْطِ المُؤمِنينَ؛ ولكِنَّ المُرْسَلينَ مِنْهُم لا يَمْلِكونَ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ اللاَّزِمَةَ لِلوُصولِ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَتكلَّمونَ لُغاتٍ أخرى. لِذا، فإنَّ مَا أراهُ يَحدُثُ هُنا هُوَ صُورةٌ مُطابِقَةٌ لهذهِ المُشكلة.

وَما الَّذي نَتَعَلَّمُهُ مِن هَذا؟ إليكُم مَا نَتَعَلَّمُهُ: نَتَعَلَّمُ [أوَّلاً] أنْ نُعَلِّي مِنْ شَأنِ إعلانِ كلمةِ اللهِ وَتَعليمِها، وأنْ نَأتي وَنَستَمِعَ إلى كلمةِ اللهِ بطريقةٍ مَفهومَةٍ، وأن نَفعلَ كُلَّ مَا نَفعَل بالمَواهِبِ الَّتي لَدينا لِبُنْيانِ الآخرينَ، وَألاَّ نَسْعَى البَتَّة إلى الاختباراتِ الرُّوحيَّةِ الأنانِيَّة، وَألاَّ نَسعَى البَتَّة إلى الأمورِ العَاطِفيَّةِ بَلْ إلى المَعرفةِ، وأنْ نَحْذَرَ مِنَ الأشياءِ الزَّائفةِ الَّتي يُقَدِّمُها الشَّيطانُ، وأن نَفعلَ كُلَّ الأشياءِ بِذِهْنٍ صَافٍ مُنْفَتِحٍ على الحَقِّ الإلهيِّ. ويا أحبَّائي، إنَّ أكبرَ مَأساةٍ تَنْجُمُ عَنْ حَركةِ الألسِنَةِ المُعاصِرَةِ هِيَ أنَّهُم لا يُدركونَ العَمَلَ الحَقيقيَّ للرُّوحِ القُدُس.

أَتَذكُرونَ الكَلبَ في القِصّةِ الرَّمزيَّةِ القَديمَةِ الَّتي تَقولُ إنَّهُ بينَما كانَ الكَلْبُ يَعْبُرُ جِسْرًا وَهُوَ يَحْمِلُ عَظْمَةً في فَمِهِ، نَظَرَ إلى أسفَل فَرأى في المِياهِ صُورَتَهُ مُنعَكِسَةً على سَطْحِ المِياه؟ وَقَدْ بَدَتِ العَظْمَةُ الَّتي في الصُّورةِ جَيِّدَةً جدًّا، بل رُبَّما أفضلَ مِنَ العَظمَةِ الَّتي في فَمِه. لِذا فقد فَتَحَ فَمَهُ لَيَأخُذَها فَخَسِرَ العَظْمَةَ الحَقيقيَّةَ لأجْلِ عَظْمَةٍ زَائفةٍ وَمَضَى جَائِعًا. وأخشى أنَّ كَثيرينَ مِنْ أصدقائِنا الأعِزَّاءِ في هذهِ الحَرَكَةِ قَدْ تَخَلَّوْا على الشَّيءِ الحَقيقيِّ والوَاقِعِيِّ المَذكورِ في رِسالةِ أفسُس 5: 18 مِنْ أجلِ الحُصولِ على اختبارٍ زَائِفٍ في الحَرَكةِ الكَارِزماتِيَّة. لِذا فَإنَّهُمْ مَا يَزالونَ يَشعُرونَ بالجُوع. دَعونا نُصَلِّي:

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على وَقتِنا الَّذي صَرَفْناهُ في هذا الصَّباحِ في دِراسَةِ كَلِمَتِكَ. ونَشكُرُكَ على كُلِّ شَخصٍ هُنا. ويا أبانا، نَحنُ نَعلمُ أنَّ كَثيرينَ مِن أصدقائِنا المَوجودينَ هُنا في هذا الصَّباحِ مَعَنا رُبَّما جَاءوا مُتَوَقِّعينَ رِسالةَ أخرى غَيرَ هَذِه. وَصَلاتي هِيَ أنْ يَفهَموا جَميعًا أنَّهُ في أثناءِ دِراسَتِنا للكِتابِ المُقَدَّسِ فإنَّ لَكَ قَصْدًا مِنْ كُلِّ شَيءٍ تُعَلِّمُنا إيَّاه.

يا أبانا، صَلاتي هِيَ أنْ تُعَلِّمَهُم مِنْ خِلالِ شَرِكَتِنا حَتَّى لو لم يَحْصُلوا على الرِّسالةِ الَّتي يَتَوَقَّعونَها في قُلوبِهم. نَشكُرُكَ على هَذِهِ المَحَبَّةِ وهَذِهِ الشَّرِكَةِ الَّتي نَتَمَتَّعُ بِهِما. وَنُصَلِّي في أثناءِ مُغادَرَتِنا لهذا المَكانِ أنْ نُغادِرَ بِقُلوبٍ جَديدةٍ تَعرِفُ كيفَ تُحِبُّكَ وتَخدِمُكَ وتَعمَلُ مَشيئَتَكَ لأجلِ مَجْدِكَ أنت. باسمِ يَسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize