رِسالة كورِنثوسَ الأولى والأصحاح 14. وَسَوفَ نُشارِكُ مَعَكُم مَا جَاءَ في الأعدادِ 20-25 الَّتي هِيَ قَلْبُ هَذا المَقطَعِ تَحديدًا. والآن، في الأصحاحِ الرَّابعِ عَشَر، لَدينا مَسألةٌ أخرى مِنَ المَسائلِ الكثيرةِ الَّتي يَتطَرَّقُ إليها الرَّسولُ بولُسُ في كورِنثوس. وَهُوَ يَعْمَلُ هُنا على تَصحيحِ الكُورِنثيِّينَ الجَسَدِيِّينَ بِسَببِ سُوْءِ استِخدامِهِم وَتَحريفِهم لِمَوهبةِ الألسِنَةِ [أوِ اللُّغات]. وأَوَدُّ أن أَعتَذِرَ للأشخاصِ الَّذينَ لم يَكونوا مَعَنا في المَرَّةِ السَّابقةِ لأنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جِدًّا أن نَفهَمَ أيَّ جُزءٍ مِن هذا الأصحاحِ دُونَ أنْ نَدْرُسَهُ كُلَّهُ؛ ولكِنِّي سأبذُلُ كُلَّ جُهدي لِتَلخيصِ السِّياقِ لَكُم.
هُناكَ مَوهبةُ ألسِنَةٍ حَقيقيَّةٍ في عَصْرِ العهدِ الجديدِ. وكانت هذهِ المَوهبةُ تُشيرُ إلى القُدرةِ على التَّكلُّمِ بلُغةٍ لا يَعرِفُها المُتَكلِّمُ، ولكِنَّها مَعروفَةٌ لَدى شَخصٍ حَاضِر. وكانَ هُناكَ قَصْدٌ إلَهِيٌّ مُحَدَّدٌ جدًّا مِنْها؛ وَهُوَ مَا سَنَراهُ لاحِقًا في هذا الصَّباح. ولكِنْ في كَنيسةِ كورِنثوس، أَخَذَ الكورِنثيُّونَ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ وَشَوَّهُوهَا واستَخدَموها استِخدامًا غَيرَ صَحيح. فَضْلاً عن ذلك، أَضافوا إلى المَوهبةِ الحَقيقيَّةِ مَوهبةً مُزَيَّفَةً.
فَقد كانَ مِنَ الشَّائِعِ في الدِّياناتِ السِّرِّيَّةِ الوَثنيَّةِ في ذلكَ الوقتِ... وَقَدْ وَضَّحْنا ذلكَ بالبَراهينِ في مُناسَباتٍ عَديدة... كانَ مِنَ الشَّائِعِ في الدِّياناتِ الوَثنيَّةِ في ذلكَ الوقتِ أنْ يُؤمِنَ النَّاسُ بأنَّهُم يَستطيعونَ أن يَدخُلوا في حَالَةِ ابتِهاجٍ أو نَشْوَةٍ. لِذا فقد كانوا يَدَّعُونَ أنَّهُم يَستطيعونَ الخُروجَ مِن أجسادِهم وأن يَتواصَلوا على مُستوىً آخرَ مَعَ إلَهِهِم. وعندما كانوا يَفعلونَ ذلكَ كانوا يَتكلَّمونَ معَ ذلكَ الإلَهِ بِلُغةٍ مَجهولة. وحَرفِيًّا، كانوا يَتكلَّمونَ لُغَةَ الآلِهَة.
لِذا فقد كانُوا يُؤمِنونَ بأنَّ هَذهِ نَشْوَةٌ أو ظَاهِرَةٌ خَارقةٌ للطَّبيعةِ، وبأنَّها تَبْني النَّفسَ كَثيرًا، وبأنَّها عَمَلٌ عَظيمٌ مِنْ أعمالِ التَّعَبُّدِ لذلكَ الإلَه. وَفي حَالَةِ كنيسةِ كورِنثوس، في كُلِّ هذهِ الرِّسالةِ، كانَ كُلُّ نِظامٍ عَالَمِيٍّ عَرَفوهُ يَومًا قَد تَسَلَّلَ إلى الكَنيسةِ. ولم تَكُنِ الألسِنَةُ استِثناءً.
لِذا فإنَّ مَا يَقولُهُ بُولُسُ لَهُم بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر هُوَ التَّالي: "انظُروا! أوَّلاً، أنتُم تُسيئونَ استِخدامَ المَوهبةِ الحَقيقيَّة. ثانِيًا، لَقَدْ أَدْخَلْتُمْ هذا الشَّيءَ المُزَيَّفَ وَأَحْدَثْتُم مَزيدًا مِنَ التَّشويشِ بِهذا الخُصوص". لِذا فقد كانُوا يُؤمِنونَ حَقًّا بأنَّ مَوهبةَ الألسِنَةِ تَعني التَّكلُّمَ بِنَشوةٍ، أوِ التَّكَلُّمَ بِهذا الكَلامِ غيرِ المَفهومِ، أو أنَّها هذهِ البَربرةَ [أو أيًّا كَانَ اسمُها]، وأنَّهُم يَتَخاطَبونَ مَعَ الآلِهَةِ بِلُغَةِ صَلاةٍ سِرِّيَّة.
وَيَكتُبُ الرَّسولُ بولُسُ هَذا الأصحاحَ [أوَّلاً] لِدَحْضِ أو نَقْضِ فِكرةِ أنَّ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ هِيَ ذلكَ النَّوعُ مِنَ البَربرة. [ثانِيًا] لِكي يَتيَقَّنَ مِن أنَّهُ عندَ وُجودِ المَوهبةِ الحَقيقيِّ فإنَّها تُوجَدُ بطريقةٍ صَحيحةٍ، وأنَّها تُستخَدَمُ بالطَّريقةِ الصَّحيحةِ لِتَحقيقِ الغَايَةِ الحَقيقيَّةِ مِنها. ولا شَكَّ في أنَّهُ عندما نَنظُرُ إلى الأصحاحِ الرَّابع عشر فإنَّنا نَرى أنَّهُ أصْحاحٌ مُهِمٌّ جدًّا لِيَومِنا هَذا لأنَّ الكَارِزماتِيِّينَ يُخبرونَنا طَوالَ الوقتِ أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَحصُلَ على هذا الاختبارِ لكي نُدركَ الاستِعلانَ الكامِلَ للرُّوحِ القُدُس، والتَّعبيرَ الكامِلَ عَن قُوَّتِهِ في حَياتِنا.
وَهُم يَصْرُخونَ علينا بِصوتٍ عَالٍ ويُطالِبونا بأنْ نَختَبِرَ ذلك. لِذا، يَجبُ علينا أن نَفهمَ مَا يَقولُهُ بولُسُ هُنا. والآن، كَانت كَنيسةُ كورِنثوس [كَما قُلتُ سَابِقًا] قَد أَخذتِ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ وَشَوَّهَتِ استِخدامَها. وَقد أَضافُوا مَوهبةً مُزَيَّفَةً زَادَتْ مِنَ التَّشويشِ الَّذي كانَ مَوجودًا أصلاً. لِذا فإنَّ بولُسَ يَكتُبُ هذا الأصحاحِ بِقَصْدِ تَصحيحِ نَظرَتِهم؛ تَمامًا كَما فَعَلَ في الأصحاحاتِ الثَّلاثَةِ عَشَرَ الأولى.
وَقد تَحَدَّثنا في المَرَّةِ السَّابقةِ عِن مَكانَةِ مَوهبةِ الألسِنَةِ وقُلنا إنَّها: ثَانَوِيَّة. فبولُس يُبَيِّنُ بوضوحٍ تَامٍّ أنَّ مَكانَةَ مَوهبةِ الألسِنَةِ ثَانَوِيَّة. ثانيًا، الغَايَةُ مِن مَوهبةِ الألسِنَةِ (وَهُوَ الأمرُ الَّذي سَنتحدَّثُ عنهُ اليومَ) هِيَ أنَّها آيَة. ثَالثًا، مُمارسةُ مَوهبةِ الألسِنَةِ: بِتَرتيب. بعبارةٍ أخرى، هُناكَ نِظامُ دَقيقٌ جدًّا وَضَعَهُ اللهُ لهذهِ المَوهبةِ كي تَعمل. وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ في صَباحِ يَومِ الرَّبِّ القَادِم.
والآن، لِنَتحدَّث عَنِ النُّقطةِ الثَّانية. فَالغَايَةُ مِن مَوهبةِ اللُّغاتِ (أوِ الألسِنَةِ) هِيَ أنَّها آيَة. وَهَذا جَانبٌ مُهِمٌّ جدًّا مِنْ دَرْسِنا لأنَّهُ إنْ تَمَكَّنَّا، مَرَّةُ وإلى الأبد، مِن مَعرفةِ الغَايَةِ مِن هَذهِ المَوهبةِ، سيَصيرُ مِنَ السَّهلِ جدًّا أن نُقَيِّمَ مَا يَحدُثُ اليومَ أو مَا حَدَثَ في أيَّ وِقتٍ مِنَ التَّاريخِ بخصوصِ هذهِ المَوهبة. فَإمَّا أنَّهُ يَنْسَجِمُ مَعَ القَصْدِ الكِتابيِّ، وإمَّا أنَّه لا يَنْسَجِمُ مَعَهُ. لِذا، يُمكِنُنا أن نُقَرِّرَ شَرعِيَّةَ ذلكَ مِنْ عَدَمِ شَرْعِيَّتِه.
والآن، اسمَحوا لي أن أَبتَدِئَ بِذِكْرِ مَا يُقَالُ عَادَةً عَنِ القَصدِ مِنَ الألسِنَةِ وَلا سِيَّما اليومَ مِنْ قِبَلِ إخوَتِنا وأخواتِنا في الكَنائِسِ الكَارِزماتِيَّةِ والخَمسينيَّة. فَهُم يُخبرونَنا أنَّ القَصْدَ مِنَ الألسِنَةِ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ هُوَ البُنْيانُ الشَّخصِيُّ والتَّعَبُّد. بعبارةٍ أخرى، إنَّها لُغَةُ الصَّلاةِ الخَاصَّةِ بِك. وعِندما تُصَلِّي بها فإنَّكَ تُبْنَى. وَهَذِهِ هي الطَّريقةُ الَّتي يُمكِنُكَ مِن خِلالِها أنْ تَتَعَبَّدَ إلى اللهِ بطريقةٍ خَارقةٍ للطَّبيعةِ وأنْ تَتَواصَلَ بِلُغَتِكَ الخَاصَّةِ والشَّخصيَّةِ مَعَ الله. وَقد رأينا في دَرْسِنا الأخيرِ أنَّ هَذا في الحَقيقةِ هُوَ مَا كانَ يُفَكِّرُ فيهِ الوَثَنِيُّونَ تَمامًا بِشَأنِ بَرْبَرَتِهم؛ أيْ أنَّها طَريقةٌ بَنَّاءَةٌ للذَّاتِ وتَعَبُّدِيَّةٌ لإلَهِهم. وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا يُنْكِرُهُ بولُسُ لأنَّهُ مُخالِفٌ للمَوهبةِ الحَقيقيَّة. وَالحَقيقةُ هي أنَّهُ يُوَبِّخُهم على ذلك.
وَقد قالَ "دونالد جي" (Donald Gee)، وَهُوَ خَمْسينيٌّ تَاريخِيٌّ: "الغَاياتُ المُعلَنَةُ مِن مَوهبةِ الألسِنَةِ هِيَ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ تَعَبُّدِيَّة. وَنَحْنُ نَفْعَلُ حَسَنًا إنْ أَكَّدْنا على هذهِ الحَقيقة". وَيَقولُ "لاري كريستينسون" (Larry Christenson)، وَهُوَ لُوثَرِيٌّ كَارِزماتِيٌّ مُعاصِرٌ: "المَرءُ يَتكلَّمُ بألسِنَةٍ في أغلبِ الأحيانِ في عِبادَتِهِ الخَاصَّةِ. فَهَذا هُوَ أَهَمُّ استِخدامٍ لَها وهَذِهِ هِيَ أَهَمُّ قِيمةٍ لَها". لِذا فإنَّهُم يَقولونَ إنَّ هَذهِ الطَّريقَةَ هِيَ طَريقةٌ جَديدةٌ لِلتَّعَبُّد، وطَريقةٌ جَديدةٌ لِبُنْيانِ الذَّات، وطَريقةٌ جَديدةٌ لِبِناءِ النَّفسِ، وطَريقةٌ جَديدةٌ للتَّواصُلِ مَعَ اللهِ واختبارِ شَيءٍ أكثر عُمْقًا وَمَغْزىً مِنْ أيَّة طَرائقِ أخرى تَستَخدِمُها.
وَكانَ بُولُسُ قَد بَيَّنَ في الأعدادِ التِّسعةَ عَشرَ الأولى أنَّ هَذا غَير صَحيح. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ وَبَّخَهُم على ذلك. وَقد بَيَّنْتُ لَكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ أَهَمَّ فَرْقٍ يُونانِيٍّ بينَ استِخدامِ صِيغةِ المُفرَدِ "غلوسا" (glossa) وَصيغَةِ الجَمْعِ. وَقد بَيَّنْتُ لَكُم سَبَبَ اعتقادي بأنَّهُ عندما يَستخدِمُ صِيغةَ المُفرَدِ في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر فإنَّهُ يُشيرُ إلى البَرْبَرَةِ وَالكَلامِ غَيرِ المَفهوم. وعِندَما يَستخدِمُ صِيغَةَ الجَمْعِ فإنَّهُ يُشيرُ إلى اللُّغاتِ أو إلى المَوهبةِ الحَقيقيَّة. لِذا فقد رَأينا في العَددِ الثَّاني أنَّ بُولُسَ يَقول: "لأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ [أيْ: يُبَرْبِرُ أو يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ غَيرِ مَفهومٍ كَما يَفعلُ الوَثَنِيُّونَ] لاَ يُكَلِّمُ النَّاسَ [بَلْ حَرفِيًّا بِحَسَبِ النَّصِّ اليُونانِيِّ] إِلَهًا... وَلكِنَّهُ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ بِأَسْرَارٍ".
بِعبارةٍ أخرى فإنَّهُ يَقولُ لَهُم: "أنتُم تَفعلونَ مَا يَفعلُهُ النَّاسُ في الدِّياناتِ الوَثنيَّةِ عِندما يَتكلَّمونَ إلى آلِهَتِهم. وَلكِنَّ هَذا يُناقِضُ الغَايَةَ الرَّئيسيَّةَ مِن إعْطاءِ المَواهِبِ الرُّوحيَّةِ لأنَّ كُلَّ المَواهِبِ الرُّوحيَّةِ أُعطِيَتْ لِكَيْ تُسْتَخْدَمَ في التَّحَدُّثِ إلى النَّاسِ، أوْ للتَّحَدُّثِ إلى الآخرينَ، أوْ لِخِدمَةِ الآخرين. ونَقرأُ في رسالة كورِنثوسَ الأولى 12: 7 أنَّ المَواهِبَ أُعطِيَتْ لِمَنْفَعَةِ الجَميع. لِذا فقد أَساؤُوا استِخدامَ هذهِ المَوهِبَة. فَكُلُّ المَواهِبِ أُعطِيَتْ لأجلِكُم. فَمَوهِبَتي هِيَ لأجْلِكُم، لا لأجلي أنا. والفِكرةُ مِنْ بِناءِ الذَّاتِ هِيَ زَيَغَانٌ عَنِ القَصْدِ الأصْلِيِّ.
فَما تَفعلونَهُ هُوَ مُجَرَّدُ تَكَلُّمٍ بأسرار... أسرارٍ تُشبِهُ مَا يَفعلُهُ أتباعُ الدِّياناتِ الوَثنيَّةِ عِندما يَتكلَّمونَ إلى آلِهَتِهم. فَهُوَ ليسَ كَلامًا مُوَجَّهًا إلى النَّاسِ وَفْقًا للقَصْدِ مِنْ إعطاءِ المَواهِبِ الرُّوحيَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَستَخدِمُ في العَددِ الرَّابِعِ بِكُلِّ تَأكيدٍ... وَهُوَ عَدَدٌ مُهِمٌّ جدًّا... يَستخدِمُ مَرَّةً أخرى صِيغةَ المُفرَد. وَهُوَ يَفْعَلُ ذلكَ باطِّرادٍ مُسْتَمِرٍّ. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ هَذا هُوَ ما دَفَعَ مُتَرْجِمي تَرْجمةِ الملِك جيمس يُضيفونَ الكلمة "مَجْهول" هُنا لأنَّهُم أَدرَكُوا ذلكَ الفَرْق. في حينِ أنَّهُمْ لم يُضيفوا الكلمة "مَجهولَة" عندما وَرَدَتِ الكلمة "ألسِنَة" بِصيغةِ الجَمْع. "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ [أَوْ: مَنْ يُبَرْبِرُ] يَبْنِي نَفْسَهُ".
والآن، إنَّ هَذهِ الآيَةَ لا تُوصيكُم بأنْ تَفعَلوا ذلكَ لِتلكَ الغَايَة. وقد نَاقَشْنا كيفَ أنَّ فِكرةَ البُنْيانِ هَذِهِ [غَالِبًا في رِسالةِ كورِنثوس] هِيَ فِكرةٌ سَيِّئة. بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ بُنْيانٌ للذَّاتِ مِنَ النَّوعِ الأنانِيِّ الرَّديء. فَهُوَ يَقولُ: "مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ يَبْنِي نَفْسَهُ". وَهَذا أمرٌ سَيِّءٌ لأنَّهُ لَمْ تُعْطَ مَوْهِبَةٌ قَطّ بِقَصْدِ الاستِخدامِ الأنانِيِّ. فَمَواهِبِي هِيَ لأجلِكُم. هذا هُوَ المَعنى المَقصود.
وَهُوَ يَقول: "أنتُم تُبَرْبِرونَ هَكذا بِقَصْدِ بُنْيانِ أنفُسِكُم وَحَسْب. ولكِنْ في حَقيقةِ الأمرِ [في العَدد 14] فإنَّ ذِهْنَكُمْ هُوَ "بِلاَ ثَمَر". فَهُوَ بِلا أيِّ ثَمَر. وَهُوَ يَقولُ في العَدد 16 إنَّهُ لا يُمْكِنُ لأيِّ شَخصٍ يَسْمَعُكُم أن يَقولَ "آمين". لِذا فإنَّكُم تَتَجاهَلونَ تَمامًا النَّاسَ مِنْ حَوْلِكُم، وأنتُم أنانِيُّونَ، وأذهانُكُمْ هِيَ بِلا ثَمَر. لِذا فإنَّ النَّاسَ مِنْ حَوْلِكُم لا يَستَطيعونَ أن يَقولوا: "آمين". وبسببِ ذَلِكَ فإنَّهُ يَقول: "أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضًا، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ".
والعَشْرَةُ آلافِ كَلِمَة هِيَ ليسَت بالمَعنى الحَرْفِيِّ، بَل هِيَ تَرجمةٌ للكَلِمَة "ميريوي" (murioi)؛ وَهُوَ أكْبَرُ عَدَدٍ في نِظامِ العَدِّ اليُونانيِّ لَهُ كَلِمَةٌ تُعَبِّرُ عَنْهُ. فَكَأنَّهُ يَقولُ: "مِليار". فَهُوَ يَقولُ إنَّ بَرْبَرَتَهُم عَقيمَة. فَبُنْيانُ الذَّاتِ ليسَ القَصْدَ هُنا. أنتُم تَفعلونَ ذلكَ لهذهِ الغَايَة، ولكِنَّها ليستِ الغايَة الحَقيقيَّة. وَيَبدو أنَّهُ يَتَّفِقُ مَعَهُم في العَددِ الرَّابِعِ بأنَّهُم يَبْنونَ أنفُسَهُم، ولكِنَّهُ يَفْعَلُ ذلكَ لِكَيْ يُريهِم حَقيقَتَهُمْ، ثُمَّ إنَّهُ يُريهِم مَا يَنبغي أن يَكونوا عَليه.
وَهَذا يُشبِهُ مَا فَعَلَهُ في رسالةِ كورنثوسَ الأولى 6: 12 حينَ يَقولُ لَهُم: "كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي" مُقْتَبِسًا قَوْلاً مَأثورًا لَديهم. أَتَذكرونَ أنَّنا دَرَسْنا ذلك؟ فَقد كانوا يَتَباهَوْنَ بِحُرِّيَّتِهم ويَقولونَ: "كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي! كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي!" أَتَرَوْن؟ "أنا أعيشُ في عَهْدِ النِّعمَةِ ويُمكنُني أن أفعَلَ مَا يَحْلُو لِي!". وَهُوَ يَقولُ: "أجل. هَذا صَحيح. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي". فَهَذهِ هِيَ الحَالَةُ الَّتي كَانُوا عَليها.
ولكِنْ عِندما يَأتي إلى العَدد 18 فإنَّهُ يَقول: "اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا". فَهَذا هُوَ ما يُريدُ مِنهُم أن يَفعَلُوه. صَحيحٌ أنَّهُم قَد يَستنتِجونَ أنَّ كُلَّ الأشياءِ تَحِلُّ لَهُم، ولكِنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى الأمرِ هَكذا. وَصَحيحٌ أنَّهُم رُبَّما يَشعُرونَ أنَّ هذا الشَّيءَ يَبْنيهِم، ولكِنَّ اللهَ يَقول: "الهَدَفُ مِن هذهِ المَواهِب هُوَ ليسَ هَذا". أَتَرَوْن؟ هَذا هُوَ الأسلوبُ الَّذي يَستخدِمُهُ بولُسُ هُنا. لِذا فقد تَحَدَّثَ بالتَّفصيلِ عَن حَقيقةِ أنَّ الألسِنَةَ لم تُعْطَ في الأصلِ بِقَصْدِ البُنْيان.
وَقَدْ بَيَّنْتُ لَكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ أنَّ الألسِنَةَ لا تَستطيعُ أن تَبْني الكَنيسةَ بأيَّة طَريقة لأنَّ الكَنيسةَ لا تَعرِفُ مَا يُقال. وَحَتَّى عِنْدَما تُتَرْجَمُ الألسِنَةُ فإنَّ مَوهِبَةَ التَّرجمةِ هِيَ الَّتي تَبني، لا مَوهبةَ الألسِنَة. إذًا، فإنَّها لا تَقدِرُ أنْ تَبْني الفَرْدَ لأنَّ ذِهْنَهُ غيرُ مُثمِر. وَهِيَ لا تَقدِرُ أن تَبني الكَنيسةَ لأنَّ أَحَدًا لا يَعلَمُ مَا يُقال. وإنْ كانَ هُناكَ شَخصٌ يَتكلَّمُ تلكَ اللُّغَةَ، وكانَ هُناكَ غَرَضٌ أوْ قَصْدٌ مِنْها، يَنبَغي أنْ تُتَرجَمَ لِكَي تَكونَ بَنَّاءَةً للكَنيسةِ ومُفيدَةً لها. ولكِنِّي أقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ مَوهبةَ التَّرجمةِ (لا الألسِنَةِ) هي الَّتي تَبني.
لِذا، لا يُمكِنُنا أن نَستَنتِجَ أنَّ هَذِهِ الألسِنَةَ هِيَ لُغَةُ بُنْيانٍ للذَّاتِ وَصَلاةٍ إلى الله. والحَقيقةُ هي أنَّكُم إنْ دَرَستُم الصَّلاةَ في العهدِ الجديدِ لَنْ تَجِدوا في أيِّ مَوضِعِ في كُلِّ العهد الجديد وَصِيَّةً بأنْ تُصَلُّوا إلى اللهِ بِلُغَةٍ مَجهولة. والحَقيقةُ هي أنَّهُ عندما أَعطي يَسوعُ نَموذَجَ الصَّلاةِ في إنجيل مَتَّى 6: 9-13، قال: "صَلُّوا هَكَذا". أليسَ كذلك؟ ثُمَّ إنَّهُ قَالَ لَهُم كيفَ يَنبغي لَهُم أن يُصَلُّوا. ولَم تَكُن هُناكَ أيَّةُ بَرْبَرَة، ولم يَكُن هُناكَ أيُّ كَلامٍ غَير مَفهوم. ولا أعتقد أنَّهُ يُمكِنُنا أنْ نَقْتَرِحَ نَموذَجًا أفضلَ للصَّلاةِ مِن ذاكَ الَّذي قَدَّمَهُ رَبُّنا نَفسُهُ.
وهُناكَ أُناسٌ يَقولون: "ولكِنَّ الألسِنَةَ بهذهِ الطَّريقةِ هِيَ طَريقةٌ لِتَسبيحِ الله. إنَّها طَريقةٌ لِتَمجيدِ اللهِ. إنَّها طَريقةٌ حُرَّةٌ وجَديدةٌ ورائعةٌ لِتَسبيحِ الله". وهُنا، أَوَدُّ أن أطرَحَ السُّؤالَ التالي: إنَّ أعظَمَ نِطاقٍ للتَّسبيحِ، وأعظَمَ وَقتٍ للتَّسبيحِ، وأعظَمَ قَدْرٍ مِنَ التَّسبيحِ سَيُقَدَّمُ في السَّماء. إذًا، لِمَ تَقولُ الآيةُ 1كورِنثوس 13: 8 إنَّ الألسِنَةَ سَتنتَهي؟ فإنْ كانتِ الألسِنَةُ طَريقةً رَائعَةً إلى هذا الحَدِّ للتَّسبيح، وكانَ التَّسبيحُ الشَّيءَ الغَالِبَ في السَّماء، لِماذا تَقولُ تلكَ الآيَةُ إنَّها سَتتوقَّف؟ إذًا، كَما تَرَوْنَ، لا يُمكِنُنا أن نَستنتِجَ أنَّها أُعْطِيَتْ مِنْ أجلِ بُنْيانِ الذَّاتِ أوِ العِبادَة. هَذا مُلَخَّصٌ سَريعٌ لِما قُلناهُ في المَرَّةِ السَّابقة.
ثَانيًا، هُناكَ مَنْ يَقولُ إنَّها لَمْ تُعْطَ بِقَصْدِ البُنْيانِ فقط، بل إنَّها أُعْطِيَتْ مِنْ أجْلِ الكِرازَة. فَهُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ إنَّ مَوهبةَ الألسِنَةِ في العهدِ الجديدِ أُعْطِيَتْ مِنْ أجْلِ تَمْكينِ الوُعَّاظِ مِنَ الوَعْظِ بِلُغَةٍ أخرى. قَدْ تَبدو الفِكرةُ جَيِّدةً. ورُبَّما عَمِلَ اللهُ في مَكانٍ مَا في الحَقْلِ الإرْسالِيِّ في وَقْتٍ مَا شَيئًا كَهذا بأنْ أعطَى شَخصًا مَا القُدرةَ على التَّكلُّمِ بلُغةٍ لا يَعرِفُها لكي يُقَدِّمَ الإنجيلَ إلى شَخصٍ آخرَ في مَوْقِفٍ حَرِجٍ جدًّا. فَلاَ يُمكِنُني أن أُنكِرَ ذلك.
ولكِنْ لا يُمكِنُكُم أن تُثْبِتُوا فِكرةَ أنَّ مَوهبةَ الألسِنَةِ في العهدِ الجديدِ أُعطِيَتْ مِنْ أجْلِ الكِرازَةِ لأُناسٍ لا يَفهَمونَ مَا يُقال. أتَدرونَ لِماذا؟ لأنَّكُمْ لَنْ تَجِدوا نَموذَجًا عَنْ ذلكَ في كُلِّ العهدِ الجديد. وَقَد تَقول: "وَماذا عَنِ الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل عندما تَكَلَّموا جَميعًا وَكانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ؟" هَذا صَحيح، ولكِن هَل تَعلَمونَ ما الَّذي سَمِعَهُ الجَمْعُ؟ لقد سَمِعوهُم يَتكلَّمونَ "بِعَظائِمِ الله". وإنْ دَرَسْتُم تلكَ العِبارة البَسيطة فإنَّها نَابِعَةٌ مِنَ اليَهوديَّةِ، وَهِيَ تَعني ببساطَةٍ أنَّهُم رَاحُوا يَتكلَّمونَ عَنِ الأشياءِ التَّاريخيَّةِ العَظيمةِ الَّتي صَنَعَها اللهُ في العهدِ القديم.
لِماذا؟ لِكَي يَجذِبوا أنظارَ الجَمْعِ اليَهودِيِّ ويُتَمَكَّنْ بُطرسُ حينئذٍ مِنَ الوُقوفِ والكِرازَةِ بالإنجيلِ بِلُغَتِهم. لِذا، عِوَضًا عَنِ القَولِ إنَّ مَوهبةَ الألسِنَةِ كَانَتْ مُفيدةً للكِرازَةِ، يُمكِنُكم القولُ إنَّها كانت نَوعًا مِنَ التَّهْيِئَةِ السَّابقةِ للكِرازَة. فَقَدْ سَاعَدَتْ على جَمْعِ الحَشْدِ، ثُمَّ كَانَ يَنْبَغي بَعْدَ ذلكَ أنْ يُكْرَزَ بالإنجيل. لِذا فإنَّ الكَارِزماتِيِّينَ يَقولونَ إنَّها أُعطِيَتْ للبُنْيان. وهُناكَ مَنْ يَقولونَ إنَّها أُعْطِيَتْ للكِرازَة. ولكِنَّ هَذينِ التَّفسيرَيْنِ لا يَنْسَجِمانِ مَعَ مَا يَقولُهُ العهدُ الجديد.
ثَالثًا، هُناكَ مَن يَقولُ إنَّ مَوهبةَ الألسِنَةِ هي دَليلٌ على مَعمودِيَّةِ الرُّوحِ القُدُس. وَقد نَاقَشْنا ذلكَ مُطَوَّلاً في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر؛ أيْ أنَّ مَوهبةَ الألسِنَةِ هي بُرْهانٌ على مَعموديَّةِ الرُّوحِ القُدُس. ولكِنْ تُوجَد مُعْضِلاتٌ عَديدةٌ في هذا الادِّعاء: أوَّلاً، انظروا إلى الأصحاحِ الثَّاني عَشَر والعَددِ الثَّالِث عَشَر. فالآية 1كورِنثوس 12: 13 تَقول: "لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ..." والآن، لاحِظُوا مَا يَلي: "لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا". والآن، أريدُ أن أَطرَحَ عَليكُم سُؤالاً: كَمْ عَدَدُ الأشخاصِ الَّذينَ اعْتَمَدوا؟ جَميعًا.
انظُروا إلى العَدد 30. والصِّيغَةُ اليُونانِيَّةُ المُستخدَمَةُ هُنا تُحَتِّمُ أنْ يَكونَ الجَوابُ سَلبِيًّا. وَهَذا الكَلامُ ليسَ مِنْ عِندي، بل إنَّها الصِّيغَةُ اليُونانِيَّةُ المُستخدَمَةُ هُنا: "أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟" وَما الجَوابُ الضِّمنِيُّ؟ لا. لا. لاحِظوا أنَّ الجَميعَ قَدِ اعْتَمَدُوا، ولكِنَّهُم ليسوا جَميعًا يَتكلَّمونَ بألسِنَة. لِذا، لا يُمكِنُكم أنْ تُساوُوا بينَ هذهِ وَتِلكَ.
كذلكَ، أوَدُّ أن أُضيفَ مَا يَلي. في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 38، وَعَظَ بُطرُسُ وقال: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُس". وَقَدْ فَعَلَ ثَلاثةُ آلافِ شَخصٍ ذلك. وَهَل تَعلَمونَ عَدَدَ الأشخاصِ الَّذينَ تَكَلَّموا بألسِنَةٍ مِنهُم؟ لا يُخبِرُنا الكتابُ المقدَّسُ أنَّ أيًّا مِنهُم تَكَلَّمَ بألسِنَة. ونَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 4: 31: "وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". وَهَلْ تَكَلَّموا بألسِنَة؟ لا، بَلْ "كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلاَمِ اللهِ بِمُجَاهَرَةٍ". فَكما تَرَوْنَ في الأصحاحِ الثَّاني والأصحاحِ الرَّابعِ مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُلِ فإنَّ النَّاسَ امتَلأوا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَحَصَلُوا عَليه؛ ولكِنَّهُم لم يَتكلَّموا بألسِنَة. فَلا يُمكِنُكم أنْ تُسَاوُوا بينَ هَذَيْنِ الأمْرَيْن. فَهذا غَيْرُ مُمكِن.
وَقد تَقول: "حَسنًا يا جون، ولكِن إنْ لم تَكُنِ الألسِنَةُ عَلامَةً على مَعمودِيَّةِ الرُّوحِ القُدُس، ولَم تَكُن قَد أعطِيَتْ لأجلِ الكِرازَة، وإن لم تَكُن قَد أُعطِيَتْ في الحَقيقةِ لأجلِ المُناداةِ بالإنجيل، وإن لم تَكُن قَد أُعطِيَت لأجلِ بِنائي شَخصيًّا بطريقةٍ خَاصَّة، مَا الغَايَةُ مِنها؟" حَسنًا! هَذا هُوَ ما سَنَدرُسُهُ. انظروا إلى العَدد 20، وسوفَ نُجيبُ عن هَذا السُّؤال: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا [أو حَرْفِيًّا: "تَوَقَّفوا عَنِ التَّفكيرِ الطُّفولِيِّ] فِي أَذْهَانِكُمْ، وَلَكِنْ فِي الشَّرِّ [والكلمة "كاكيا" (kakia) في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ تَعْني "شَرًّا"؛ أيْ "شَرًّا" بالمَعنى العَامّ] كُونُوا أَوْلاَدًا". والكلمة "أولاد" هُنا هِيَ كلمةُ تُشيرُ إلى أطفالٍ أصغَرْ سِنًّا مِنَ الكلمةِ "أولاد" السَّابِقَة. فالكلمةُ الأولى تُشيرُ إلى أولادٍ تَتراوَحُ أعمارُهُم بينَ خَمسِ وَعَشْرِ سَنوات. أمَّا الكلمةُ الثَّانيةُ فَتُشيرُ إلى أولادٍ عُمْرُهُم سَنَة أو أقَلّ. "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ".
وَهَذِا تَوبيخٌ قَاسٍ. لِذا فإنَّهُ يَبتدِئُ بالكلمة "إخوة" لكي يَسْتَميلَهُم قَليلاً قَبلَ أنْ يُوَبِّخَهُم. والتَّوبيخُ هُنا يُشيرُ إلى أنَّهُ بِسببِ سُوءِ استِخدامِهم للألسِنَةِ، كَانُوا أشرارًا حَقًّا. واسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ قَصْدي. فَقد كانُوا أطفالاً في الفَهْم. بِعبارةٍ أخرى، لَم يَكونوا نَاضِجينَ حَقًّا لِيَفهَموا العَقيدةَ السَّليمة. فَقد كَانُوا مِثلَ الأشخاصِ المَذكورينَ في الأصحاحِ الرَّابعِ مِن رِسالةِ أفسُس: "أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ".
فَهُم لَم يَكونوا يَستخدِمونَ عُقولَهُم. وَقَد كانت أذهانُهُم بِلا ثَمَر (كَما جَاءَ في الأصحاح 14 والعَدد 14). وَهُم لَم يَكونوا يُفَكِّرونَ حَقًّا في الأشياءِ الصَّحيحةِ، والأشياءِ الكِتابيَّةِ، والأشياءِ الَّتي أعلَنَها اللهُ وَتَسَلَّموها. لِذا فقد كانوا في الفَهْمِ أطفالاً وليسوا رِجالاً. وَكانَ يَنبغي لَهُم أن يَكونوا نَاضِجينَ وأنْ تَفْهَمَ أذهانُهُم الحَقَّ. ولكِنْ كانَ يَنبغي لَهُم في الخُبْثِ والشَّرِّ أنْ يَكونوا أطفالاً؛ ولكِنَّهُم لَم يَكونوا كَذلك.
وَقد تَقول: "مَا الَّذي تَعنيهِ بذلك؟" إنَّ الطِّفلَ الرَّضيعَ لا يُفَكِّرُ تَفكيرًا شِرِّيرًا في أيِّ شَخصٍ آخر، وليسَ لَديهِ خُبْثٌ. فالطِّفْلُ الرَّضيعُ مُفْعَمٌ بالمَحبَّةِ، والرِّقَّةِ، واللُّطْفِ، والرِّقَّةِ، والحَنانِ، والحِسِّ المُرْهَف. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ مَا يَقولُهُ هُوَ: "لِمَ لا تُعامِلوا بَعضُكُم بَعضًا بهذهِ الطَّريقة؟ لِمَ لا تَكونوا أطفالاً رُضَّعًا مِنْ جِهَةِ تَعامُلِكُم بَعضُكُم مَعَ بَعْضٍ، وأنْ تَكونوا نَاضِجينَ في تَفكيرِكُم عِوَضًا عَن أن تَكونوا أطفالًا صِغارًا في أذهانِكُم وَنَاضِجينَ في شَرِّكُم؟"
وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ مَا يَعْنيهِ هُوَ أنَّهُ بِسَبِ مُمارَسَتِهم الأنانِيَّةِ لهذهِ المَواهِبِ بِقَصْدِ بِناءِ الذَّاتِ والأنانِيَّةِ المَحْضَة، كَانُوا يَتجاهَلونَ بَقِيَّةَ عَائِلَةِ اللهِ، وكانُوا يَتَجَنَّبونَ الرَّعيَّة. فَقد كانَ هُناكَ تَشويشٌ كَبيرٌ، ولم يَكُن هُناكَ مَجالٌ للتَّعليمِ الحَقيقيِّ لِكَلِمَةِ الله. وَكانَ الأشخاصُ الَّذي يَزورونَ كَنيسَتَهُم يَظُنُّونَ أنَّهُم يَهْذونَ. والأشخاصُ الَّذينَ كَانوا يُداوِمُونَ على الحُضورِ هُناكَ، والَّذينَ كانُوا جُزءًا مِنَ الرَّعيَّةِ لم يَستفيدوا مِنها شَيئًا. فقد كانَ الأمرُ كُلُّهُ فَوْضَى لأنَّ كُلَّ شَخصٍ مِنهُم كَانَ يَفعلُ مَا يَحلُو لَهُ.
وَقَدْ صَارَ الجَميعُ مُعادينَ للفِكْرِ وَيُشَجِّعونَ على الاختباراتِ الحِسِّيَّة. وَهَذا هُوَ حَقًّا ما نَراهُ يَحْدُثُ في القَرنِ العِشرينَ اليوم. فَهُناكَ عَداوَةٌ شَديدَةٌ للفِكْرِ في اعتقادي. وَهِيَ عَداوَةٌ سَمَحَتْ للحَركةِ الكَارِزماتِيَّةِ أنْ تَكْتَسِحَ المِنطَقَةَ الَّتي وَفَّرَها العَالَمُ، وَوَفَّرَها رُوْحُ الدَّهْرِ، وأنْ تَقْبَلَ ذلكَ التَّفكير. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "تَوَقَّفوا عَنِ التَّفكيرِ الطُّفولِيِّ. وَتَوَقَّفوا عَنْ مُعامَلَةِ النَّاسِ بِخُشونَة. وابتَدِئوا في التَّفكيرِ كَأشخاصٍ رَاشِدين". وَبَعدَ أن قَالَ ذلكَ وَدَعاهُم إلى الانتباهِ فإنَّهُ يَذْكرُ القَصْدَ مِنَ الألسِنَة. والآن لاحِظُوا مَا يَقولُ لأنَّهُ إنِ استَطَعْنا أنْ نَعْرِفَ القَصْدَ مِنها، فإنَّ مُشْكِلَتَنا سَتَنْتَهي.
العَدد 21: "مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ: «إِنِّي بِذَوِي أَلْسِنَةٍ أُخْرَى وَبِشِفَاهٍ أُخْرَى سَأُكَلِّمُ هذَا الشَّعْبَ، وَلاَ هكَذَا يَسْمَعُونَ لِي، يَقُولُ الرَّبُّ». إِذًا الأَلْسِنَةُ آيَةٌ، لاَ لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ. أَمَّا النُّبُوَّةُ فَلَيْسَتْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ". والآن، تَوَقَّفوا هُنا.
إن لم تَعرفوا أيَّ شَيءٍ آخر، يا أحبَّائي، وإن لم تَتَعَلَّموا أيَّ شَيءٍ آخر عنِ الألسِنَةِ، يَنبغي أن تَعرِفوا مَا يَلي: "الأَلْسِنَةُ آيَةٌ، لاَ [لِمَنْ؟] لِلْمُؤْمِنِين. يَجِب أن تَعرِفوا ذلك؟ فهذهِ العِبارَةُ تَحديدًا، الَّتي نَقرأُها في قَلْبِ هذا الأصحاحِ الرَّابع عَشَر، هذهِ العِبارَةُ في ذَاتِها يَنبغي أنْ تَحْسِمَ أيَّ جَدَلٍ حَالِيٍّ بخُصوصِ الألسِنَةِ إنْ صَدَّقْنا مَا تَقولُهُ هذهِ العِبارَة. فَلا تُوجَدُ طَريقَةٌ أبسَطُ مِنْ هَذِهِ لِقَولِ ذلك: "بَلْ [هِيَ] لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ".
والآن، اسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لَكُم ما يَجري. في المُخَطَّطِ الَّذي بَيْنَ أيديكُم، كَتَبْتُ ثَلاثَةَ أشياء: فالألسِنَةُ عَلامَةٌ على اللَّعْنَة، وَهِيَ عَلامَةٌ على البَرَكَة، وَهِيَ عَلامَةٌ على السُّلْطان. فَهَذِهِ هِيَ، بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ، المَقاصِدُ مِنْ إعطاءِ مَوْهِبَةِ الألسِنَةِ [أوِ اللُّغاتِ] الحَقيقيَّة. والآن، اسمَحوا لي أن أُريكُم القَصْدَ الأوَّل. فَهِيَ عَلامَةٌ على اللَّعْنَة. وَهَذا هُوَ القَصدُ الرَّئيسيُّ مِنها. وَرُبَّما لم يَخْطُر هذا الأمرُ بِبالِكُم يَومًا، ولكِنْ كَما نَرَى هُنا فإنَّ هَذا هُوَ مَا تُشيرُ إليهِ الآنَ هُنا. لِنَنظُر إلى العَدد 21 مَرَّةً أخرى.
"مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ...". والكلمة "نَاموس" لا تُشيرُ دَائِمًا إلى الأسفارِ الخَمسَة، بل إنَّها تُشيرُ غَالبًا إلى كُلِّ العهدِ القَديمِ كَما هِيَ الحَالُ في المَزمور 119 ومَواضِع أخرى، وأيضًا في رِسالة رُومية. لِذا فإنَّهُ يَقول: "مَكْتوبٌ في العهدِ القديم"، وَهُوَ يَمْضي ويَقتَبِسُ إشَعْياء 28: 11 و 12 اقتِباسًا بِتَصَرُّف. فَهُوَ يَقتَبِسُ إشعياء 28: 11 بِتَصَرُّف ثُمَّ يَقْتَبِسُ مَا جَاءَ في نِهايةِ العَدد 12. وَهُوَ يَقول: "إِنِّي بِذَوِي أَلْسِنَةٍ أُخْرَى وَبِشِفَاهٍ أُخْرَى سَأُكَلِّمُ هذَا الشَّعْبَ...". والكلمة "شَعْب" هُنا تُشيرُ إلى بَني إسرائيل في هَذا النَّصِّ. "...وَلاَ هكَذَا يَسْمَعُونَ لِي، يَقُولُ الرَّبُّ".
ثُمَّ بعدَ أنْ يَقتَبِسَ مَا قِيْلَ في العهدِ القديمِ (وَتَحديدًا في سِفْرِ إشَعْياء) لِبَني إسرائيلَ فإنَّهُ يُطَبِّقُها قَائِلاً: "إِذًا...". بِعبارةٍ أخرى: "كَما أنَّ ذلكَ كانَ يَسْري آنذاكَ، أوْ كَما أنَّ تلكَ كانَتِ الغَايَةُ مِنَ استِخدامِ الألسِنَةِ في زَمَنِ إشَعْياء، "إذًا الأَلْسِنَةُ آيَةٌ..." [وَهُوَ لا يَتحدَّثُ هُنا بِصيغَةِ المَاضي، بَلِ المُضارِعِ المُسْتَمِرِّ]، "إذًا الألسِنَةُ آيَةٌ لاَ لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ". لِذا فإنَّهُ يَستخلِصُ نَتيجَةً مِن نَصٍّ في العهدِ القديم. والنَّتيجَةُ هِيَ أنَّ الألسِنَةَ لَمْ تُعْطَ لأجلِ المُؤمِنينَ، بَلْ لأجلِ غَيرِ المُؤمِنين.
والآن، أريدُ مِنكُم أن تُلاحِظُوا شَيئًا مُدهشًا جدًّا. فالنَّصُّ الأصْلِيُّ يَقولُ في العَدد 22: "الألسِنَةُ أُعطِيَتْ لِكَيْ تَكونَ آيَةً". فَهِيَ تَستخدِمُ الكلماتِ الثَّلاث: "لِكَيْ تَكونَ آيَةً". وفي النَّصِّ اليُونانِيِّ فإنَّ الكلمة "لِكَيْ" هِيَ تَرجَمَة للكلمة اليونانيَّة "إيس" (eis). والكلمة "إيس" (eis) تُشيرُ إلى القَصْد. لِذا فإنَّ الآيَةَ تَقولُ إنَّ الألسِنَةَ لم تَصِرْ بالصُّدفَةِ آيَةً، بل إنَّ القَصْدَ مِنَ الألسِنَةِ هُوَ أن تَكونَ آيَةً لِغيرِ المُؤمِنين. فَهذا الأمرُ لم يَحْدُثْ صُدْفَةً.
والحَقيقةُ هي أنَّ هذهِ العِبارَةَ: "لِكَيْ تَكونَ آيَةً" تَظهَرُ عَشْرَ مَرَّاتٍ في التَّرجمةِ اليُونانِيَّةِ للعهدِ القديم. وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَظْهَرُ فيها فإنَّها تُشيرُ إلى القَصْد. لِذا فإنَّ القَصْدَ مِنَ الألسِنَةِ هُوَ أنْ يَكونَ آيَةً لغيرِ المُؤمِنين. وَمَنْ يَكونُ هَؤلاءِ غيرُ المُؤمِنين؟ إنَّ العِبارَةَ "هَذا الشَّعب" في العَدد 21 تَحْتَمِلُ تَفسيرًا واحِدًا فقط وَهُوَ: "إسرائيل". لِذا فإنَّها آيَةٌ لِبَني إسرائيلَ غيرِ المُؤمِنين. وَهَذا يُطَبَّقُ على الوَضْعِ في كُورِنثوس.
والآن، اسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم خَلفِيَّةً صَغيرة. افتَحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على الأصحاحِ الثَّامِنِ والعِشرينَ مِن سِفْرِ إشَعْياء إذْ سَأُريكُم شَيئًا مُدهشًا جدًّا. ففي الأصحاحِ الثَّامنِ والعِشرينَ مِن سِفْرِ إشَعْياء، نَجِدُ أنفسَنا في المَملكةِ الجَنوبيَّةِ (الَّتي تُدعَى يَهوذا) في عَهْدِ المَلِكَ حَزَقِيَّا. والسَّنةُ هِيَ تَقريبًا 705 قَبلَ الميلاد. في سَنَة 722 قبلَ الميلاد، أي قَبلَ نَحوِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنة أو أكثر بِقليل، تَعَرَّضَتِ المَملكةُ الشَّمالِيَّةُ (إسرائيل) للغَزْوِ والدَّمارِ على أيدي الأشورِيِّين. والسَّبَبُ في حُدوثِ ذلكَ هُوَ عَدَمُ إيمانِهِم وارتِدادِهم. فقد أَنْزَلَ اللهُ دَينونَةً مُريعَةً على المَملكةِ الشَّمالِيَّةِ في سَنَةِ 722 قبلَ الميلاد.
والآن، كانَتِ السَّنَةُ هِيَ 705 قَبلَ المِيلاد. وكانتِ المَملكةُ الجَنوبيَّةُ تَتصرَّفُ بطريقةٍ مُريعَةٍ وَعَاصِيَة. لِذا فقد تَكَلَّمَ اللهُ إليهِم مِن خِلالِ النَّبِيِّ إشَعْياء لكي يُحَذِّرَهُم مِن أنَّ نَفسَ الشَّيءِ الَّذي حَدَثَ للمَملكةِ الشَّمالِيَّةِ سَيَحدُثُ للمَملكةِ الجَنوبِيَّةِ بسببِ عَدَمِ إيمانِهِم وارتِدادِهم. وَهذهِ هي رِسَالةُ الأعدادِ الخَمْسَةَ عَشَرَ الأولى مِنَ الأصحاحِ الثَّامنِ والعِشرينَ مِن سِفْرِ إشَعْياء. فَهَذا تَحذيرٌ مُوَجَّهٌ مِنَ النَّبِيِّ إلى يَهوذا (أوِ المَملكةِ الجَنوبيَّةِ) بأنَّهُم سَيُدانُونَ بِنَفسِ الدَّينونَةِ الَّتي وَقَعَتْ على المَملكةِ الشَّمالِيَّة. والحَقيقةُ هي أنَّ الأشورِيِّينَ، أوْ بالحَرِيِّ البَابِلِيِّينَ، هُمُ الَّذينَ سَيُنَفِّذونَ الدَّينونَةَ بِحَقِّهِم.
والآن، لِنَنظُر كيفَ يَتحدَّثُ إشَعْياءُ عَنِ المُشكلة. فَهُوَ يَجِدُ الأنبياءَ والكَهَنَةَ والقَادَةَ في حَالَةِ سُكْرٍ وَثَمالَة فيَقولُ في العَددِ السَّابع: "وَلكِنَّ هؤُلاَءِ أَيْضًا ضَلُّوا بِالْخَمْرِ وَتَاهُوا بِالْمُسْكِرِ". فَقَدْ أَخفَقُوا في القِيامِ بِواجِبِهم بِوَصْفِهِمْ قَادَةً بِسببِ سُكْرِهِم. "الْكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ تَرَنَّحَا بِالْمُسْكِرِ. ابْتَلَعَتْهُمَا الْخَمْرُ. تَاهَا مِنَ الْمُسْكِرِ، ضَلاَّ فِي الرُّؤْيَا، قَلِقَا فِي الْقَضَاء".
ثُمَّ انظُروا إلى بَشاعَةِ مَا يَقولُهُ في العَددِ الثَّامِن: "فَإِنَّ جَمِيعَ الْمَوَائِدِ امْتَلأَتْ قَيْئًا وَقَذَرًا. لَيْسَ مَكَانٌ [طَاهِرٌ]". فَقَدْ وَجَدَهُمْ حَرْفِيًّا في حَالَةٍ سُكْرٍ وَثَمالَةٍ شَديدةٍ حَتَّى إنَّهُم تَقَيَّأوا. فَقَدْ كَانُوا يَمْرَحونَ. وَهُوَ يَنْقِلُ هَذهِ الرِّسالَةَ إليهِم ويُوَبِّخُهم تَوبيخًا شَديدًا ويُنذِرُهُم بالدَّينونَةِ القَادِمَة. وَهَل تَعلَمونَ مَاذا كانَتْ رَدَّةُ فِعلِهِم؟ لَقَدْ سَخِروا مِنهُ، وَهَزِئُوا بِهِ، وَانْتَهَروهُ، وَزَجَروه. انظُروا إلى ما قَالوهُ في العَددِ التَّاسع: "لِمَنْ يُعَلِّمُ مَعْرِفَةً، وَلِمَنْ يُفْهِمُ تَعْلِيمًا؟ أَلِلْمَفْطُومِينَ عَنِ اللَّبَنِ، لِلْمَفْصُولِينَ عَنِ الثُّدِيِّ؟" مَنْ يَظُنُّ أنَّهُ يُعَلِّمُ؟ أطفالاً؟
لِماذا؟ "لأَنَّهُ أَمْرٌ عَلَى أَمْرٍ. أَمْرٌ عَلَى أَمْرٍ. فَرْضٌ عَلَى فَرْضٍ. فَرْضٌ عَلَى فَرْضٍ. هُنَا قَلِيلٌ هُنَاكَ قَلِيلٌ". أيْ: لا بُدَّ أنَّهُ يَظُنُّ أنَّهُ يُعَلِّمُ أطفالاً. فَهُوَ يَستَمِرُّ في تَرديدِ نَفسِ الكَلامِ البَسيطِ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة. وَقَد سَخِروا مِنهُ، ولَم يُقَدِّروا مَوقِفَهُ، وابتَدأوا في الاستِهزاءِ بالنَّبِيِّ وَقالوا إنَّ تَعليمَهُ يُشبِهُ تَعليمَ الأطفال. فَهَلْ يَظُنُّ أنَّهُم أطفالٌ، وأنَّهُ يَنبغي لَهُ أن يُكَرِّرَ نَفسَ هَذا الكَلامِ المَرَّة تِلوَ المَرَّة؟ ولكِنَّهُم لم يَسمَعوا مَا يَقول، وَلَمْ يُصْغُوا إليه. لِذا فإنَّهُ يَتَكَلَّمُ في العَددِ الحَادي عَشَر بِلِسانِ اللهِ فيقول: "إِنَّهُ بِشَفَةٍ لَكْنَاءَ وَبِلِسَانٍ آخَرَ يُكَلِّمُ هذَا الشَّعْبَ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ: «هذِهِ هِيَ الرَّاحَةُ. أَرِيحُوا الرَّازِحَ، وَهذَا هُوَ السُّكُونُ». وَلكِنْ لَمْ يَشَاءُوا أَنْ يَسْمَعُوا".
والآن، يَقولُ اللهُ: "أنتُم لَم تَسمَعوا الرِّسالةَ البَسيطَةَ المُعادَةَ والطُفولِيَّةَ الَّتي قَدَّمَها إليكُم إشَعْياء. لِذا، سَوفَ أُكَلِّمُكُم بِلُغَةٍ لا تَفهمونَها". وَقَدْ كَانَ يُشيرُ إلى البَابِلِيِّينَ الَّذينَ سيَأتونَ ويُحَاصِرونَ مَدينَتَهُم، وَيَسْبونَهُم مِن أرضِهم، ويُهلِكوهُم، وَيَذْبَحوهُم، وَيَحرِقوهُم. وعِندما يَبتدِئونَ في سَماعِ تلكَ اللُّغَةِ غَيرِ المَفهومَةِ الَّتي يَتَكَلَّمُ بها البَابِلِيُّونَ دُونَ أن يَفهَموا شَيئًا سَيَعرِفونَ أنَّ دَينونَةَ اللهِ قَد حَلَّتْ. وَقد حَدَثَ ذلكَ في سَنة 586 قبلَ الميلاد. فبِسببِ عَدَمِ إيمانِهم وارتِدادِهم، جَلَبَ اللهُ عَليهم دَينونَةً مُريعَة.
وَلَم تَكُن هذهِ هِيَ المَرَّةُ الوَحيدةُ الَّتي تَلَقَوْا فيها تَحذيرًا. فَفي سِفْرِ التَّثنية 28: 49، في القَرنِ الخامِس عَشَر قَبلَ المِيلاد، استَمِعوا إلى ما جاءَ في هذهِ الآية (تَثنية 28: 49): "يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ أُمَّةً مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ كَمَا يَطِيرُ النَّسْرُ، أُمَّةً لاَ تَفْهَمُ لِسَانَهَا". وأعتقدُ أنَّ هَذا يُشيرُ على الأرجَح إلى دَمارِ أورُشَليم في سَنَة 70 مِيلادِيَّة. لِذا فَقَدْ حَذَّرَهُم اللهُ في القَرنِ الخَامِس عَشَر قبلَ الميلاد. فعندما يَسمَعونَ لُغَةً أجنبيَّةً سَتَكونُ هُناكَ دَينونَة.
وَفي القَرنِ الثَّامِنِ قبلَ الميلاد، في زَمَنِ إشَعْياء، حَذَّرَهُم اللهُ مِن أنَّهُم عِندما يَسمَعونَ لُغَةً أجنبيَّةً فإنَّهُ ستَكونُ هُناكَ دَينونَة. وَقد قالَ إرْميا، ذلكَ النَّبِيُّ البَاكي العَظيم: "هأَنَذَا أَجْلِبُ عَلَيْكُمْ أُمَّةً مِنْ بُعْدٍ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ. أُمَّةً قَوِيَّةً. أُمَّةً مُنْذُ الْقَدِيمِ. أُمَّةً لاَ تَعْرِفُ لِسَانَهَا وَلاَ تَفْهَمُ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ" (إرْميا 5: 15). لِذا فَقَدْ رَسَّخَ اللهُ في أذهانِهِم فِكرةَ أنَّهُ عندما سَتَحِلُّ الدَّينونَة، سَتَكونُ هُناكَ عَلامَة. والعَلامَةُ هِيَ أنَّهُم سَيَسمَعونَ لُغَةً لا يَفهمونَها. أَتَرَوْن؟
والآن، عِندما يَقتبِسُ بُولسُ ذلك... والآن، يُمكِنُكم أن تَرجِعوا إلى رِسالة كورِنثوسَ الأولى. عندما يَقتبِسُ بولسُ ذلكَ هُنا فإنَّهُ يَقول: "انظُروا! كما حَدَثَ عِندَما قَالَ إشَعْياءُ ذلك، وكما حَدَثَ عِندَما قَالَ مُوسَى ذلك، وَكَما حَدَثَ عِندمَا قالَ إرْميا ذلك، فإنَّ هذهِ اللُّغاتِ هِيَ عَلامَةٌ لِغيرِ المُؤمِنينَ بأنَّ اللهَ مُوْشِكٌ على إحلالِ الدَّينونَة". هَذا هُوَ مَا يَقولُه. وَقَد تَقول: "وَما مَعنى ذلكَ في الجِيلِ الَّذي كانَ يَعيشُ فيهِ بولُس؟" حسنًا، اسمَعوني: عندما ابتَدأُوا في التَّكلُّمِ بتلكَ اللُّغاتِ في يَومِ الخَمسين، كانَ يَنبغي لِكُلِّ يَهودِيٍّ أنْ يَعلَمَ أنَّ دَينونَةَ اللهِ بَاتَتْ وَشيكَة.
وَهَل تَعلمونَ أنَّ الدَّينونَةَ حَلَّتْ فِعلاً بعدَ نَحْوِ ثَلاثينَ سَنَة عندما جَاءَ إمبراطُورٌ رُومانِيٌّ وَقَضَى على أورُشَليم، وبالقَضاءِ عَليها، قَضَى على اليَهوديَّة. فَقَدِ انتَهى نِظامُ الذَّبائِحِ ولم تَعُدْ بعدَ ذلك. وَكانَ يَنبغي لَهُم أن يَعلَموا أنَّ دَينونَةَ اللهِ سَتَأتي. اسمَعوني: إنْ كانت دَينونَةُ اللهِ قد حَلَّتْ بِسببِ عَدَمِ إيمانِ المَملكةِ الشَّمالِيَّةِ وارتِدادِها في سَنَة 722 قَبلَ الميلاد، وإنْ كانَتْ دَينونَةُ اللهِ قد حَلَّتْ بِسببِ عَدَمِ إيمانِ المَملكةِ الجَنوبِيَّةِ وارتِدادِها في سَنَة 586 قَبلَ الميلاد، صَدِّقوني أنَّها كانَتْ سَتَحِلُّ على أُمَّةٍ أَدارَتْ ظَهْرَها للهِ وَقَتَلَتْ مَسيحَها في القَرنِ الميلادِيِّ الأوَّل. وَهَذا هُوَ مَا حَدَث.
ويَبدو لي أنَّهُ حَالَ تَدميرِ أورُشَليم في سَنة 70 مِيلادِيَّة، انْتَهى كُلُّ القَصْدِ مِنْ مَوهبةِ اللُّغات. وَهَذا هُوَ ما يَقولُهُ النَّصُّ. فَهُوَ ليسَ رأيي الشَّخصِيّ. فَالألسِنَةُ لم تُعْطَ للمَسيحيِّين، بَل لأولئكَ الَّذينَ لا يُؤمِنون. وَمَنْ هُم هَؤلاء؟ اليَهودُ أو "هَذا الشَّعبُ" لِكَي يَعلَموا أنَّ اللهَ يَدينُهُم.
وَقد قالَ يَسوعُ في إنجيلِ لُوقا 13: 35: "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!" ثُمَّ نَقرأُ في إنجيل لُوقا 20: 21 أنَّهُ قَالَ المَزيدَ عَن ذلك. فَقد قَالَ... لِنَرَ مَاذا قالَ في الأصحاحِ الحَادي والعِشرينَ والعَدد 20 بالحَرِيِّ: " وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا". وَفي العَدد 24: "وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ، وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَم". فَقد قالَ يَسوعُ: "اسمَعوا! هُناكَ دَينونَة! هُناكَ دَينونَة!" وَقَدْ تَحَدَّثَ الرُّسُلُ في كُلِّ خِدمَتِهِم عَنِ الدَّينونَةِ القَادِمَةِ على إسرائيل. وَقَدْ تَحَدَّثَ يَسوعُ عَنها. وَقَدْ أَظْهَرْتها عَلامَةُ التَّكلُّمِ بِلُغاتٍ. وَهَذا في اعتقادي هُوَ السَّبَبُ في إشارَةِ بولُس إلى سِفْرِ إشعياء والأصحاحِ الثَّامِنِ والعِشرين. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ يَقولُ في نِهايَةِ العَدد 21 إنَّهُم لا يَسْمَعون! إنَّهُم لا يَسْمَعون!
وَيُمكِنُنا أنْ نَتَتَبَّعَ هَذا القَصْدَ وَنَرَى صِحَّتَهُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فَنَحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ والأصحاحِ الثَّاني أنَّهُ كانَ يُوجَدُ يَهودٌ كَثيرونَ لا يُؤمِنون. ولاحِقًا، عندما حَدَثَتْ حَالاتٌ أخرى مِنَ التَّكلُّمِ بألسِنَةٍ (كَما حَدَثَ في الأصحاحِ الثَّامِنِ، والأصحاحِ العَاشِرِ، وَالأصحاحِ التَّاسِع عَشَر)، في كُلِّ حَالَةٍ مِن تلكَ الحَالاتِ آمَنَ هَؤلاء.
ولكِنَّ حُدوثَ هَذهِ الظَّاهِرَةِ نَفسِها عَزَّزَ الحَقَّ بالنِّسبةِ إلى اليَهودِ الَّذينَ رَأوْا مَا جَرَى وأخبَروا قَوْمَهُم بِما حَدَث. فَبِسَبَبِ الألسِنَةِ الَّتي سُمِعَتْ في أعمال 8، وأعمال 10، وأعمال 19، صَارَ هُناكَ دَائِمًا يَهودٌ مُؤمِنونَ وحَاضِرونَ يَذهبونَ ويُخبرونَ الآخرينَ بأنَّهُم رَأَوْا الشَّيءَ نَفسَهُ. لذا، لم تَكُنِ الألسِنَةُ تَرْمي فَقَط إلى رَبْطِ تلكَ العَناصِرِ المُختصَّةِ بالكنيسةِ بِيومِ الخَمسينِ واليَهودِ هُناكَ، بَل كانت تَرْمي أيضًا إلى تَقديمِ البُرْهانِ للأُمَّةِ اليَهودِيَّةِ بأنَّ اللهَ سَيَدينُهُم حَقًّا.
لِذا، [أوَّلاً] الألسِنَةُ عَلامَةٌ على اللَّعنة. ولكِنِّي أريدُ أن أُضيفَ شَيئًا إلى ذلك. فَالألسِنَةُ عَلامَةٌ أيضًا على البَرَكة. وَهَذا هُوَ ما أُسَمِّيهِ "الفَائِدَة المُتَأتِّيَة مِنَ الغَايَةِ الأولى". فالغايَةُ الأولى هِيَ الغَايَةُ الرَّئيسيَّةُ لهذهِ المَوهبةِ وَهِيَ أنَّها عَلامَةٌ على اللَّعنَة. وأنا لم أُقَدِّم لَكُم كُلَّ الأشياءِ المُختصَّةِ بِدِراسَةِ هذهِ النُّقطة، بَلْ جُزءًا مِنها فقط. فالألسِنَةُ في يَومِ الخَمسينِ كانت تَقول: "انظُروا! لَنْ يَستمرَّ اللهُ بعدَ الآنِ في العَمَلِ في حَياةِ أُمَّةٍ واحِدَةٍ فقط، ولَنْ يَستمرَّ اللهُ في التَّكَلُّمِ بِلُغَةٍ واحِدَةٍ فقط، ولَن يَستمرَّ اللهُ في تَفضيلِ شَعْبٍ واحِدٍ فقط، بل إنَّ اللهَ سَيَذهبُ إلى العَالَم، وَهُوَ سَيَعْمَلُ مِن خِلالِ العَالَمِ على بِناءِ كَنيسَتِه". أَتَرَوْن؟ فالمَلكوتُ هُوَ لِجَميعِ الأُمَم.
وكانَتْ حَقيقةُ أنَّهُم تَكَلَّمُوا بِكُلِّ تلكَ اللُّغاتِ هِيَ طَريقةُ اللهِ في القَول: "لَقَدِ انتَهى تَفضيلُ إسرائيل. وسوفَ أتكلَّمُ بِلُغاتِ العَالَمِ وأَبنِي تلكَ الكَنيسةِ الَّتي كانَتْ مَحْجوبَةً في العهدِ القديم". لِذا فإنَّ الألسِنَةَ أُعْطِيَتْ بِقَصْدِ أنْ تَكونَ لَعْنَةً على إسرائيل. ولكِنْ لاحِظوا أنَّهُ إلى جَانِبِ ذلكَ، يَنبغي أن نَقولَ حَالاً إنَّها أُعْطِيَتْ بِقَصْدِ إعلانِ البَرَكَةِ القَادِمَةِ إلى العَالَمِ بأسرِه.
فَما إنْ تَحَوَّلَ المَسيحُ عَن هذا الشَّعبِ المُتَمَرِّد حَتَّى فَتَحَ ذِراعَيْهِ للعَالَم. لِذا فقد صَارَتْ عَلامَةً على البَرَكة نَتيجةَ ذلك. وَهَذا يُشبِهُ مَا جَاءَ في رِسالة رُومية والأصحاحِ الحَادي عَشَر حينَ يَقولُ بُولُسُ إنَّ سُقوطَ اليَهودِ صَارَ غِنَىً للعَالَم. لِذا فَقَد هُدِمَتْ أورُشَليمُ وَتَمَّتْ تَنْحِيَةُ إسرائيل. وعلى الرَّغمِ مِنْ ذلكَ فإنَّنا بِسَبَبِ تَنْحِيَتِهِم صِرْنا المُستفيدينَ. أليسَ كذلك؟ فَقَدْ قَامَ اللهُ بِتَوصيلِ الإنجيلِ إلينا.
لِذا فَقَدْ خَرَجَ رُسُلُ عَهْدِ اللهِ الجَديدِ وأنبياءُ عَهْدِ اللهِ الجَديدِ فَجأةً وأعلَنوا عَفْوِيًّا أعمالَ اللهِ الرَّائعةِ بِكُلِّ لُغَة. اقرأوا الأصحاحَ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فَهِيَ عَلامَةٌ لا جِدالَ فيها على أنَّ تّغييرًا قَد حَدَث. فَالألسِنَةُ لَعْنَةٌ مِن جِهَة، ولكِنَّها بَرَكَةٌ مِن جِهَةٍ أخرى لأنَّهُ كانَ باستِطاعَةِ اليَهودِ حَتَّى أن يَأتوا. أليسَ كذلك؟ وَقَدْ فَعَلَ ذلكَ ثَلاثَةُ آلافِ شَخصٍ في يَومٍ الخَمسين. لِذا، يُمْكِنُ القَولُ إنَّهُ في حينِ أنَّ الألسِنَةَ هِيَ عَلامَةٌ قَضائِيَّة على حُلولِ اللَّعنة، فإنَّها أيضًا عَلامَةٌ على البَرَكة.
ثَالثًا، إنَّها عَلامَةٌ على السُّلطان. فَهَذِهِ غَايَةٌ مِنْ غَاياتِها أيضًا. فَمَنْ كَانَ أعظَمُ رُسُلٍ كَرَزوا بِهذِهِ النَّقْلَة؟ مَنْ هُمْ رِجالُ اللهِ الَّذينَ تَوَعَّدُوا باللَّعنَةِ والدَّينونَة؟ وَمَنْ هُمْ رِجالُ اللهِ الَّذينَ وَعَدُوا بالبَرَكَةِ الَّتي سَتَحِلُّ على جَميعِ الأُمَم؟ إنَّهُم الرُّسُلُ والأنبياءُ. وَقَدْ أَعطَى اللهُ هَؤلاءِ القُدرةَ على التَّكلُّمِ بتلكَ اللُّغاتِ لِتَأييدِهم أو لِتَكونَ عَلامَةً تُؤكِّدُ أنَّ مَا يَقولونَهُ صَحيحٌ تَمامًا.
فبالنِّسبةِ إلى العَقليَّةِ اليَهودِيَّةِ، كانَ مِنَ العَجيبِ جِدَّا، والمُحَطِّمِ جِدَّا، وكانَ أمرًا لا يُمكِنُ استيعابُهُ البَتَّة، وأمرًا مُثيرًا للذُّهولِ أنْ يَتغيَّرَ اللهُ بهذهِ الطَّريقة. لِذا، كانَ لا بُدَّ مِن وُجودِ مَا يُؤكِّدُ أنَّهُم يَقولونَ الحَقيقة. لِذلكَ فقد أعطاهُمُ اللهُ القُدرةَ على التَّكلُّمِ بتلكَ اللُّغاتِ. وبولُس يَقولُ في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر والعَدد 18: "[أنا] أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِكُمْ". فِبِصِفَتِهِ رَسولاً، كانت هذهِ عَلامَةً تَوكيديَّة على غِرارِ العَلاماتِ الأخرى الَّتي حَصَلَ عليها. وَحَتَّى إنَّهُ يَقولُ في رِسالَةِ كورِنثوسَ الثَّانية 12: 12: "إِنَّ عَلاَمَاتِ الرَّسُولِ صُنِعَتْ بَيْنَكُمْ فِي كُلِّ صَبْرٍ، بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ". لِذا فقد كانَتْ الألسِنَةُ عَلامَةً على السُّلطةِ لأولئكَ الَّذينَ كَرَزُوا بِرسالةِ التَّغيير.
إذًا، هَذِهِ هِيَ المَقاصِدَ الثَّلاثُ مِنْ إعطاءِ الألسِنَة. فَقد أُعطِيَتْ عَلامَةً على اللَّعنَةِ، وعَلامَةً على البَرَكَةِ، وعَلامَةً على السُّلْطان. هَذا هُوَ كُلُّ مَا في الأمر يا أحبَّائي. فأنتُم لا تَرَوْنَ عِبادَةً خَاصَّةً هُنا. وَأنتُم لا تَرَوْنَ كِرازَةً هُنا. فَقد أُعطِيَتْ فقط لِقَصْدٍ مُحَدَّدٍ جدًّا. وكما تَرَوْنَ، حَالَما حَدَثَ الدَّمارُ، أيْ دَمارُ أورُشَليم، حَالَما حَدَثَ ذلك، وحَدَثَ التَّغييرُ، وَوُلِدَتِ الكَنسيةُ، لم تَعُدُ هَذِهِ المَوهبةُ لازِمَةً.
عِندَما أذهَبُ إلى مَكانٍ مَا فإنِّي أَقودُ سَيَّارَتي. وَإنْ قُدْتُها على طُولِ السَّاحِلِ سَأرَى لافِتَةً تَقولُ إنَّ سَاكرامنتو [Sacramento] تَبْعُدُ 300 ميل. وبعدَ قَليل، أرى لافِتَةً أخرى تَقول إنَّ ساكرامنتو تَبْعُدُ 200 ميل. ثُمَّ إنَّ ساكرامنتو تَبْعُدُ 150 ميلاً، ثُمَّ إنَّها تَبعُدُ ثَلاثينَ مِيلاً. وفَجأةً أَصيرُ في سَاكرامنتو. وَبعدَ أنْ أَدخُلَ سَاكرامنتو لا أعودُ أَرَى لافِتاتٍ. فَقد وَصلتُ إلى هُناكَ وَلم تَعُد هُناكَ لافِتات. كذلكَ فإنَّ الألسِنَةَ عَلامَة. فَهِيَ ليسَت شَيئًا في ذَاتِها، بل هِيَ عَلامَة. والعَلامَةُ تُشيرُ إلى شَيءٍ مَا. وَقَدْ أَشارَتْ... لَقَدْ أَشارَتْ إلى لَعْنَةٍ سَتَحِلُّ على النَّاسِ. وقد حَلَّتْ. وَحالَما حَلَّتِ اللَّعنَةُ لم تَعُدِ العَلامَةُ لازِمَةً.
ولكِنْ مِن جِهَةٍ أخرى... وأنا أُحِبُّ هذهِ الآية. وأنا يا أحبَّائي لا أُخفي دَافِعًا مَا، بل أُحاوِلُ وَحَسْب أن أَفهمَ هَذا النَّصَّ قَدْرَ استِطاعَتي. ولكِنَّهُ يَقولُ في العَدد 22: "أَمَّا النُّبُوَّةُ فَلَيْسَتْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ". فَالنُّبوَّةُ شَيءٌ سَيَدومُ طَويلاً. فَهِيَ لم تُعْطَ لأجْلِ أُمَّةٍ غيرِ مُؤمِنَة، بل أُعطِيَتْ للمُؤمِنينَ طَوالَ سَنَواتِ عَصرِ الكَنيسة.
والحَقيقةُ هي أنَّكُم تَقرأونَ في التَّرجمةِ الأمريكيَّةِ القِياسيَّةِ الجَديدة (New American Standard) كَلِمَةً مِنَ المُؤسِفِ أنَّ المُتَرْجِمينَ وَضَعوها هُنا، وَهِيَ مَكتوبَةٌ بِخَطٍّ مَائِل. فَالآيَةُ تَقولُ بِحَسَبِ هذهِ التَّرجمة: "أمَّا النُّبُوَّةُ فَآيَةٌ...". هَلْ تَرَوْنَها هُناكَ إنْ كُنتُم تَقرأونَ التَّرجمةَ الأمريكيَّةَ الجَديدة؟ وَهِيَ مَكتوبةٌ بِخَطٍّ مَائِل. وَلا أدري لِماذا فَعلوا ذلك! فالنُّبوَّةُ ليسَت آيَةً. فالنُّبوَّةُ لا تُشيرُ إلى شَيء، بل إنَّ النُّبوَّةَ شَيءٌ في ذَاتِها. وأريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّ النُّبوَّةَ هِيَ الَّتي تَبْني.
"وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ [كَما جَاءَ في العَددِ الثَّالثِ]، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ". وَفي العَددِ الرَّابع: "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَةَ". ونَقرأُ في العَددِ الأوَّل: "وَبِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا". ومَا الَّذي يَعنيهِ التَّنَبُّؤ؟ إنَّهُ يَعني ببساطَةٍ أنْ تُعْلِنَ كَلِمَةَ الله. فإنْ جِئتَ إلى كَنيسةِ كورِنثوسَ، لا بُدَّ أنَّكَ سَتَسمَعُ كُلَّ هَذا التَّشويشَ الهِستيريِّ الهَائِلِ، والأنانِيِّ، والَّذي يُرَكِّزُ على الذَّات، والَّذي يَهْدِفُ فقط إلى بِناءِ الذَّات. وبولُس يَقول: "تَوَقَّفوا عن ذلك. فَالألسِنَةُ أُعطِيَتْ لِقَصْدٍ مُحَدَّدٍ في وَقتٍ مُحَدَّد مِن أجلِ تَحقيقِ شَيءٍ مُحَدَّد. ولكِنْ عندما تَجتمعونَ مَعًا، جِدُّو للتّنَبُّؤِ أو إعلانِ الحَقِّ". فالشَّيءُ الأهَمُّ جِدًّا هُوَ أنْ تَكرِزوا بالكَلِمَة.
هَل تُريدونَ أن تَعرِفوا شَيئًا مُدهِشًا؟ لقد فَكَّرتُ في ذلكَ في هَذا الأسبوع. هَل تَعرِفونَ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَاهِدٌ واحِدٌ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ على أيِّ شَيءٍ قِيْلَ يَومًا مِنْ قِبَلِ أيِّ شَخصٍ بألسِنَة؟ هَل تَعلَمونَ ذلك؟ لماذا؟ لأنَّها كانت عَلامَةً مَصيرُها الزَّوال. فَلَمْ تَكُنْ لَها أيَّةُ قِيمةٍ دَائِمَةٍ حَتَّى بالمَعنى الإعلانِيِّ. ولكِنْ مِن جِهَةٍ أخرى، فإنَّ بُطرُسَ يَدعُو هَذا الكِتابَ كُلَّهُ: "الكَلِمَة [ماذا؟] النَّبَوِيَّة". وَكَما تَرَوْنَ، لا يُوْجَدُ وَجْهُ شَبَهٍ بينَ شَيءٍ أُعْطِيَ ليكونَ عَلامَةً وشَيءٍ حَقيقيٍّ.
لِذا فإنَّ الألسِنَةَ آيَةٌ لِليهودِ غَيرِ المُؤمِنينَ، وَهِيَ مُرتبطةٌ بوقتٍ مُحَدَّدٍ مِنْ تَاريخِ الفِداء. وَقَدْ قَامَتْ بِدورِها على أكمَلِ وَجْهٍ لِتَأكيدِ أنَّ المَسيحيَّة لم تَكُن لليَهودِ فقط، بل للعَالَمِ كُلِّه. وَقَدْ أَدَّتْ دَوْرَها في تَأكيدِ صِحَّةِ وَسُلْطانِ المُتَكَلِّمينَ والرُّسُلَ الَّذينَ نَادُوا بتلكَ الرِّسالة. وَقَدْ قَامَتْ بِدورِها في إخبارِ اليَهودِ بأنَّهُم رَفضُوا اللهَ مَرَّةً أخرى بسببِ عَدَمِ إيمانِهم وارتِدادِهم.
ويا أحبَّائي، النَّاسُ يَقولون: "أَلاَ تَظُنُّ أنَّهُ قَدْ يَكونُ هُناكَ قَصْدٌ مِنَ الألسِنَةِ اليَوم؟" اسمَعوني: لا حَاجَةَ إلى أن نَقولَ ذلكَ مَرَّةً أخرى اليوم. إنْ كانتِ الألسِنَةُ مَوجودَةً، يَنبغي أنْ تَخدِمَ نَفسَ الغَايَة. وَما القَصْدُ مِنَ القَولِ اليومَ إنَّ اللهَ قَدْ نَحَّى إسرائيلَ جَانِبًا لكي يَفتَحَ البابَ لِوُصولِ الإنجيلِ إلى الأُمَم؟ فَقَد فَعَلَ ذلكَ قَبلَ ألفَيِّ سَنَة. وَقَدْ باتَ هَذا الأمرُ وَاضِحًا جدًّا لنا. أليسَ كذلك؟ فَنَحنُ لَسنا بِحاجَةٍ إلى مَعلوماتٍ أخرى عَن ذلك. فهذا أمرٌ حَدَثَ وَحَسْب. وبعدَ أنْ ذَكَرَ بولُسُ القَصْدَ مِنْ إعطاءِ الألسِنَةِ، لاحِظُوا كَيفَ يَقْرِنُ ذلكَ باجتماعِ الكُورِنثيِّينَ مَعًا في العَدد 23. لاحِظوا:
"فَإِنِ..." وَما الغَايَةُ مِنَ الكَلِمَة "فَإن"؟ أنْ تَأخُذَنا إلى الخُطوةِ التَّاليةِ استِنادًا إلى ما قَدْ قِيْلَ للتَّوّ. فَحيثُ إنَّ هَذا هُوَ القَصدُ مِنَ الألسِنَةِ وَ"اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ". وَأودُّ أن أقولَ وَحَسْب إنَّ هُناكَ أشخاصًا يَظُنُّونَ أنَّ الكَنيسَةَ لا يَنبغي أن تَجتمعَ مَعًا إلاَّ في البُيوتِ والجَماعاتِ الخَاصَّةِ الصَّغيرة. ولكِنَّ هَذهِ الآيَةَ تُشيرُ إلى أنَّ الكَنيسةَ كانت تَجْتَمِعُ مَعًا في مَكانٍ واحِد. " فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ" – أيْ حَتَّى إنْ كَانُوا يَستَخدِمونَ المَوهبةَ الحَقيقيَّة. فالكلمةُ "أَلْسِنَة" تَرِدُ هُنَا بِصيغَةِ الجَمْعِ هُنا. إنْ كانَ الجَميعُ يَستخدِمونَ مَوهبةَ اللُّغاتِ الحَقيقيَّة، هَل تَعرِفونَ مَاذا يُمكِنُ أن يَحدُث؟ "فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟"
لِماذا؟ هُناكَ سَبَبان: السَّببُ الأوَّلُ هُوَ أنَّهُ أُمَمِيٌّ. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ لا يَفهَمُ العَلامَة. والسَّببُ الثَّاني هُوَ أنَّهُ رُبَّما كانَ يَهودِيًّا غَيرَ مُؤمِنٍ. ولكِنْ أتَعلَمونَ شَيئًا؟ لأنَّ الجَميعَ يَتكلَّمونَ بألسِنَةٍ فإنَّ هَذا غَيرُ مَنْطِقِيٍّ. وَقَد حَاولتُ أن أقولَ لَكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ إنَّ تلكَ المَوهبةَ كانت تُستخدَمُ في الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ عندما كانَ هُناكَ شَخصٌ يَفهَمُ تلكَ اللُّغَة. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في الأصحاح 14 والعَدد 27: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ، فَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ عَلَى الأَكْثَرِ ثَلاَثَةً ثَلاَثَةً، وَبِتَرْتِيبٍ" – لا دُفعَةً وَاحِدَةً.
لِذا، إنْ دَخَلَ عَامِّيٌّ أو غَيرُ مُؤمِنٍ إلى كَنيسةِ كورِنثوس فإنَّهُ سَيَقول: "إنَّ هَؤلاءِ النَّاسَ يَهْذُون". والكلمة هِيَ "ماينوماي" (mainomai) في اليُونانِيَّة. وَهِيَ كَلِمَة تَعني: "يَهْذي". ويَقولُ أفلاطُون إنَّها كَلِمَةٌ تَصِفُ نَشْوَةَ الوَثَنِيِّينَ عندما يَتَكَلَّمونَ بِنَشوةٍ مَعَ آلِهَتِهم. بعبارةٍ أخرى، سَوفَ يَدخُلُ الأُمَمِيُّ غَيرُ المُؤمِنِ ويَقول: "هَذا لا يَختَلِفُ في شَيءٍ عَمَّا يَحدُثُ في مَعْبَدِ دَيانا". وَسَوفَ يَدخُلُ اليَهودِيُّ غَيرُ المُؤمِنِ إلى الكَنيسةِ ويَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ.
وَقَد تَقول: "ولكِنْ يُفتَرَضُ أن تَكونَ الألسِنَةُ آيَةً لِذلكَ الشَّخص". أجل، ولكِنْ إنْ تَمَّ التَّكَلُّمُ بألسِنَةٍ بطريقةٍ فَوْضَوِيَّةٍ وَلا سِيَّما إنْ كانَ الجَميعُ يَتكلَّمونَ بألسِنَةٍ فإنَّها لَنْ تَعني أيَّ شَيءٍ لَهُ حَتَّى لو كانوا يَستخدِمونَ المَوهبةَ الحَقيقيَّةَ بطريقةٍ غير صَحيحة. لِذا كَما تَرَوْنَ، فإنَّ هَذهِ مَوهبة مُحَدَّدة، ويَنبغي أن تُستخدَمَ في وَقتٍ مُحَدَّد وبِطريقةٍ مُحَدَّدة بِهَدَفِ تَوصيلِ الإنجيلِ إلى أشخاصٍ مُحَدَّدينَ وَلِغايَةٍ مُحَدَّدة. بِمَعزِلٍ عَن ذلكَ، فإنَّها لَيست لازِمَة. لِذا فإنَّ بُولُسَ يَقولُ: "تَنَبَّأوا عِوَضًا عَنِ القِيامِ بذلكَ في اجتِماعِكُم".
العَدد 24: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَنَبَّأُونَ...". أو يُعْلِنونَ. فالكلمة اليُونانِيَّة "بروفيمي" (prophemi) تَعني: "يَتَكَلَّمُ أمامَ" أيْ: يَتَكَلَّمُ أمامَ شَخصٍ مَا؛ أيْ يَتَكَلَّمَ بكلمةِ اللهِ. "...فَدَخَلَ أَحَدٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ أَوْ عَامِّيٌّ، فَإِنَّهُ يُوَبَّخُ مِنَ الْجَمِيعِ. يُحْكَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمِيعِ. وَهكَذَا تَصِيرُ خَفَايَا قَلْبِهِ ظَاهِرَةً. وَهكَذَا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْجُدُ للهِ، مُنَادِيًا: أَنَّ اللهَ بِالْحَقِيقَةِ فِيكُمْ". اسمَعوني: الألسِنَةُ غَيرُ نَافِعَةٍ في بِناءِ الكَنيسةِ أوِ الفَرد. وَهِيَ غَيرُ نَافِعَةٍ في الكِرازَة. أَتَرَوْن؟ فَهِيَ عَلامَةٌ تَسْبِقُ الكِرازَةَ إلى أُمَّةٍ قَدْ لُعِنَتْ.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "مَا يَنبغي أن تَفعلوهُ هُوَ أنْ تَتَيَقَّنوا مِن أنَّكُم تُعلِنونَ كلمةَ اللهِ لأجلِ البُنْيانِ والوَعْظِ والتَّعزِيَة. وعندما يَدخُلُ غَيرُ مُؤمِنٍ [لاحِظوا التَّتابُعَ] فإنَّهُ سَيَشعُرُ أولاً بالتَّبكيتِ والذَّنبِ. ثُمَّ إنَّهُ سَيُوَبَّخُ. فَالحُكْمُ سَيَصْدُرُ بأنَّهُ يَشْعُرُ بالذَّنْبِ لأنَّهُ مُذنِب. ثُمَّ فَجأةً، سَتَصيرُ خَفايا قَلبِهِ ظَاهِرَةً، وَسَتصيرُ خَطاياهُ ظَاهِرَةً. فَسَوْفَ يُمَاطُ اللِّثَامُ عَنها. لِذا، بِسَبَبِ شُعورِهِ بالاتِّضاعِ، وَشُعورِهِ بالذَّنْبِ، وَكَراهِيَّتِهِ لِنَفسِهِ، سَوفَ يَخِرُّ عَلى وَجْهِهِ وَيَسجُدُ للهِ قَائِلاً: لَقَدْ وَجَدْتُ أنَّ اللهَ الحَقيقيَّ في وَسْطِكُم".
بِعبارةٍ أخرى، سَوفَ تَحصُلونَ على نَتائِجَ إنْ تَنَبَّأتُم". فَسوفَ يَرى اللهَ وَيَقول: "اللهُ حَاضِرٌ هُنا". ويا أحبَّائي، أَلاَ نُريدُ أن يَحدُثَ هَذا الأمرُ؟ أَلاَ نُريدُ أن يَأتي النَّاسُ إلى شَرِكَتِنا لِكَيْ يَرَوْا اللهَ؟ أَلاَ نُريدُ ذلك؟ فَنَحنُ لا نُريدُ أيَّ تَشويش. لِذا فإنَّنا نُطيعُ النَّموذَجَ الإلهِيَّ. أَجَل! وَيا لَهُ مِن وَعدٍ رائعٍ للكنيسةِ الَّتي تُبالي بإعلانِ كلمةِ الله. وَسَوفَ يَكونُ التَّأثيرُ رَائِعًا. ولكِنَّ خِدمةَ الألسِنَةِ لن تُفْضِي إلاَّ إلى العُقْمِ في صُفوفِ الرَّعِيَّةِ، والتَّشويشِ عِنْدَ الزُّوَّار.
لِذا، يُمكِنُكم أن تَرَوْا أنَّ مَوهبةَ الألسِنَةِ هذهِ كانت مَحدودةً جدًّا، وَمُنَظَّمَةً جِدًّا، وأنَّها أُعْطِيَتْ لِيَومٍ وَوَقْتٍ زَالَ مُنذُ زَمَنٍ بَعيد. وَأخشَى أنَّ مَا نَراهُ اليَومَ (وأنا أقولُ هَذا بِمَحَبَّة) ولكِنِّي أخشَى أنَّنا نَرى التَّشويهَ الَّذي كَانَ يَحدُثُ في كَنيسةِ كورِنثوسَ يَحدُثُ اليَومَ مِن جَديد. وَأنا لا أُشَكِّكُ في دَوافِعِ هَؤلاءِ النَّاسِ، بَل أقولُ وَحَسْب إنَّهُم يَتْبَعونَ نَفسَ النَّهْجِ في التَّعامُلِ مَعَ لُغَةِ الصَّلاةِ الخَاصَّةِ والفَرديَّةِ الَّتي كانت تُمارِسُها الدِّياناتُ السِّريَّة. ولكنَّنا نُريدُ، يا أحبَّائي، أن نَرْفَعَ كَلِمَةَ اللهِ عَالِيًا لأنَّها تُجيبُ عَن كُلِّ شَيءٍ مِنْ خِلالِ الكَلمةِ النَّبويَّةِ المُؤكَّدَةِ هَذِهِ.
أرجو أن تَكونوا مُكَرَّسينَ للحَقّ. لَقَد كُنتُ أُتَلمِذُ شَخصًا في السَّنواتِ الثَّلاثِ المَاضيةِ بِصَبْرٍ. وَقدِ اتَّصَلَ بي في هذا الأسبوعِ وقال: "لَقد اختَبَرْتُ أعظَمَ اختبارٍ رُوحِيٍّ على الإطلاق". وَقد قال: "لَقد حَدَثَ شَيءٌ في حَياتي في هَذا الأسبوعِ غَيَّرَني تَغييرًا جَذريًّا. فهذهِ أوَّلُ مَرَّةٍ أفهَمُ فيها أخيرًا مَا كُنتَ تَقولُهُ لي في السَّنواتِ الثَّلاثِ المَاضِيَة. وأنا أريدُ كلمةَ اللهِ جدًّا لأنِّي أُحِبُّها كَثيرًا".
وَلا شَكَّ في أنِّي كُنْتُ مُتَحَمِّسًا جِدًّا في أثناءِ تلكَ المُكالَمِةِ الهَاتِفيَّةِ وشَعرتُ بِشُعورٍ رَائِع. وَقد قالَ... لَقد قَالَ: "أريدُ وَحَسْب أن أقولَ لَكَ إنَّهُ إنْ أَخبَرَني شَخصٌ أنَّهُ يَجِبُ عَليَّ أنْ أختارَ إمَّا الكِتابَ المُقَدَّسَ وَإمَّا الطَّعامَ والشَّرابَ فإنِّي سأقولُ لَهُ أن يَأخُذَ الطَّعامَ وَالمَاءَ وأنْ يَترِكَ لي الكِتابَ المُقَدَّسَ لأنَّهُ مَصْدَرُ قُوْتِي وَحَياتي". وَهذا رائعٌ. أليسَ كذلك؟ وَلَيْتَ اللهَ يُساعِدُنا على أنْ نَكونَ شَعْبَ الكتابِ المقدَّسِ، لا أنْ نَسعَى وَراءَ الاختباراتِ، بَلْ أنْ نَسْعَى إلى الحَقِّ، وأنْ نَكونَ مُثْمِرينَ في أذهانِنا، وأنْ نَخْدِمَ بَعضُنا بَعضًا بطريقَةٍ بَنَّاءَة. دَعونا نُصَلِّي:
يَا أبانا، ليسَ مِنَ السَّهلِ أن أتحدَّثَ عَن هذهِ الأمورِ لأنَّ أشخاصًا أحِبَّاءَ كَثيرينَ لا يَنظُرونَ إلى هَذا المَوضوعِ بالطَّريقةِ الَّتي نَنظُرُ بِها نَحنُ إليه. وَنَحْنُ نَتعامَلُ مَعَهُم بِمَحبَّةٍ وَلُطْفٍ، ولا نَتَّهِمُهُم بأنَّهُم لا يُحِبُّونَكَ أو لا يَسْعَوْنَ إلى الأفضل، بل رُبَّما لا يَعلَمونَ وَحَسْب كيفَ يَفعلونَ ذلكَ لأنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّموا تَعليمًا قَويمًا. ولكِنْ يا أبانا، صَلاتُنا هِيَ أنْ تَستخدِمَنا بِطريقَةٍ مَا كي نُساعِدَ الأشخاصَ المُشَوَّشينَ بخصوصِ هذا المَوضوع. وَساعِدنا أيضًا على أن نَكونَ مُحِبِّينَ وأنْ نَكونَ بَرَكَةً لِجَميعِ هَؤلاءِ الأشخاصِ المَوجودينَ في عَائِلَتِك.
ونَشكُرُكَ على المَحبَّةِ العَظيمةِ الَّتي اشْتَرَكْنا بِها في هذا الصَّباحِ وهذهِ السَّاعَةِ، وعلى هَذهِ التَّرانيمِ الرَّائعةِ، وَالشَّرِكَةِ، والحَقِّ الَّذي تُعَلِّمُهُ كَلِمَتُكَ. ونَشكُرُكَ على كُلِّ شَخصٍ عَزيزٍ هُنا، وعلى كُلِّ أُمٍّ، وكُلِّ أَبٍ، وكُلِّ زَوجٍ، وكُلِّ زَوجَةٍ، وكُلِّ شَابٍّ، وكُلِّ عَازِبٍ، وكُلِّ طِفل. وَيا أبانا، نُصَلِّي أن يُعطي الرُّوحُ كُلَّ شَخصٍ مِنَّا ثَمَرًا يَدوم لِكَي يَؤولَ كُلُّ المَجدِ إلى يَسوعَ الَّذي باسْمِهِ نُصَلِّي. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
