Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نريدُ أن نُكمِل دراستَنا في هذا الصَّباح للرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس والأصحاح 16 والأعداد مِن 5 إلى 12. الرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس والأصحاح 16 والأعداد مِن 5 إلى 12. عندما كنتُ صَبيًّا صغيرًا، نَشأتُ في فترةٍ مِن حياتي في "إيغل روك" (Eagle Rock) بولاية كاليفورنيا في التَّلِّ القريب مِن هُنا. وفي نفسِ الشَّارعِ الَّذي كُنَّا نَسكُن فيه (حيثُ عِشنا فترةً في شارع "أديسون واي" Adison Way""، وكانَ جَدّي وجَدَّتي يعيشونَ هناك أيضًا)، كانَ يعيشُ في نفس الشَّارع رَجُلٌ مَشهور جدًّا هو: "كيث ل. بروكس" (Keith L. Brooks). وأنا أَعلَمُ أنَّ "نان" (Nan) يَتذكَّر "كيث" الَّذي كانَ يعيشُ في آخر الشَّارع. عندما كنتُ صَبيًّا صغيرًا، كانَ " كيث ل. بروكس" رَجُلاً رائعًا. فقد كَتَبَ العديدَ والعديدَ مِن الكُتب ودروس الكتاب المقدَّس. والحقيقة هي أنَّ مَكتَبَتَنا ما تَزالُ تَضُمُّ كُتُبًا كَتَبَها "كيث ل. بروكس". فهو رَجُلٌ موهوبٌ جدًّا مِن رجال الله. وأعتقد أنَّه كانَ دائمًا رَجُلاً مُثيرًا للاهتمام في نَظري عندما كنتُ صَبيًّا صغيرًا. وقد سَرَدَ الكثيرَ مِن القِصَص. ولكن هناك قِصَّة سَرَدَها أرى دائمًا أنَّها جميلة بصورة خاصَّة وهي كالتَّالي؛ وهي مُرتبطة بما نريدُ أن نُشاركه في هذا الصَّباح.

كانَ يوجد لدى جامعة "نورثويست" (Northwest University) في "إيفانستون" (Evanston) بولاية "إيلينوي" (Illinois)، شَمال مدينة شيكاغو، كانَ يوجد لديهم لسنواتٍ طويلة فَريقُ إنقاذٍ تَطَوُّعِيّ. وكانَ فريقُ الإنقاذ التَّطوعيّ ذاك يُستخدَم لمساعدة السُّفُن ورُكَّاب السُّفُن الَّذينَ يحتاجون إلى المساعدة في "بُحيرة ميشيغان" (Lake Michigan). وذات مَرَّة، انكسرت السَّفينة "ليدي إلجن" (Lady Elgin)، وهي سَفينة رُكَّاب، انكسرت بسبب الأمواج العَاتِيَة والعاصفة الَّتي هَبَّت على بُحيرة ميشيغان. لِذا فقد انطلقَ هؤلاءِ الأشخاصُ، أي فَريقُ الإنقاذ ذاك، للقيام بِكُلِّ ما يُمكنهم القيامُ به لإنقاذِ هؤلاء النَّاس. وكانَ واحدٌ منهم شابًّا يَدرس في "مَعهد غاريت للدِّراسات الكِتابيَّة" (Garrett Biblical Institute) ويَستعدّ لتكريس نفسِهِ وحياتِهِ للعملِ الإرساليّ. وكانَ اسمُهُ "إدوارد و. سبنسر" (Edward W. Spencer). وقد قال "كيث بروكس" إنَّ ذلكَ الشَّابَّ رأى امرأةً تَتَشَبَّث بِحُطام السَّفينة في وسطِ الأمواج. لِذا فقد غَطَسَ في الماء وسَبَحَ إلى هناك ووَصَلَ إلى تلك السَّيِّدة وحَمَلَها إلى بَرِّ الأمان. ثُمَّ نَظرَ فرأى مَزيدًا مِن الضَّحايا ومَزيدًا مِن الضَّحايا فَسَبَحَ المَرَّة تِلو الأخرى تِلو الأخرى فأنقذَ سبعةَ عَشرَ شخصًا وَحدَهُ.

ثُمَّ إنَّهُ انهارَ بسببِ الإرهاق الشَّديد. وبينما كانَ مُستلقيًا على ظَهرِهِ مِن فَرْطِ الإجهاد صَرَخَ قائلاً: "هَل بَذلتُ قُصَارى جُهدي؟ هَل بَذلتُ قُصارى جُهدي؟" فقالَ لهُ أخوهُ الَّذي كانَ يَقِف إلى جانبه: "لقد أَنقذتَ سبعةَ عشرَ شخصًا". قال: "آه... يا لَيتني استطعتُ أن أُنقِذَ المَزيد! هَل بَذلتُ قُصارى جُهدي؟" يبدو هذا رائعًا في نظري؟ هل يبدو رائعًا في نَظركم؟ فهذه هي الطَّريقة الوحيدة للقيام بعمل الرَّبّ. أليس كذلك؟ أن تَبذُلَ قُصَارى جُهدِك. انظروا إلى العدد 58 مِن رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 15: "إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ". اسمعوني: هذا هو المِفتاحُ الصَّغير لما نَتعلَّمُه في الأصحاح 16. فنحنُ نَتعلَّم عن الإكثارِ في عمل الرَّبّ. وقد قُلنا لكم إنَّ عَمَلَ الرَّبِّ يَستحقُّ مِنَّا الأفضل... بل أفضلَ الأفضل، وإنَّه يجب على كلِّ مؤمن أن يقولَ مِن فَرْطِ الإجهاد: "هل بَذلتُ قُصارى جُهدي؟ هل بَذلتُ قُصارى جُهدي؟"

ونَقرأ في الرِّسالة الثانية إلى تيموثاوس 2: 15: "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً [ماذا؟] لاَ يُخْزَى". بعبارة أخرى، ابذل قُصارى جُهدك كيلا تَشعُرَ بالخِزي. انظروا إلى إنجيل مَرقُس والأصحاح 13 قليلاً... إلى العدد 32. فالربُّ يَتحدَّث عن مجيئه الثَّاني هنا. وإليكم ما يَقول: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ. اُنْظُرُوا! اِسْهَرُوا وَصَلُّوا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ". بعبارة أخرى، أنتُم لا تَعلمونَ مَتى سيأتي الرَّبّ. أنتُم لا تَعلمونَ كم الوقت المُتبقِّي. وبحسب ما جاءَ في الرِّسالة الأولى إلى أهل كورِنثوس والأصحاح 15، أنتُم لا تَعلمونَ مَتى سيكون يوم القيامة، ولا تَعلمون مَتى سَتُمَجَّدون، ولا تَعلمونَ كم الوقت المُتبقِّي لكم.

لِذا فإنَّه يقول في العدد 34 إنَّ ابنَ الإنسانِ يُشبهُ إنسانًا أرادَ أن يُسافِرَ إلى مكانٍ بَعيد ويَترُك بَيْتَهُ. فرَبُّنا ذَهَبَ بعيدًا وَأَعْطَى سُلطانًا لعبيدِه وَلِكُلِّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وَأَوْصَى الْبَوَّابَ أَنْ يَسْهَرَ. ثُمَّ نقرأ في العدد 35: "اِسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأتِي رَبُّ الْبَيْت". توقَّفوا هنا. اسمعوني: إنَّهُ يقول: أنتُم لا تَعلمونَ مَتى سيأتي الرَّبُّ، ولكنَّ الربَّ يُشبه إنسانًا ذَهبَ بعيدًا وتَركَ لِكُلِّ إنسانٍ عَملاً يَعملَه. وفي يومٍ ما، سيعودُ ويُقَيِّمُ ذلك.

ونَقرأ في سِفْر الرُّؤيا 22: 12: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ". بعبارة أخرى، إنَّ كيفيَّةَ قيامِكَ بذلك العمل الَّذي أَوْكَلَهُ إليك ستُقرِّر كيف سيُكافِئُكَ في المجد. والآن، نحنُ لا نَعلم مَتى سيأتي ذلك اليوم. ونحنُ لا نَعلم كم الوقت المُتبقِّي لدينا. ونحنُ مَدعوُّونَ إلى بِذْلِ قُصارى جُهدِنا. وبولس يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورِنثوس إنَّ القيامة آتية... إنَّ القيامة آتية. ولأنَّكم لا تَعلمونَ الوقتَ المُتبقِّي لديكم، يجب عليكم أن تكونوا مُكثِرينَ دائمًا في عمل الرَّبّ. فلا يوجد وقت نُضَيِّعُهُ هَباءً. وفي الرِّسالة الثَّانية إلى أهل تسالونيكي، أريدُ أن تَنظروا إلى الأصحاح الثَّالث إذْ أريدُ أن أريكم جُملةً مُدهشةً قالها بولس. فهو يقولُ في رسالته الثَّانية إلى أهل تسالونيكي 3: 11 ما يَلي: "لأَنَّنَا نَسْمَعُ..." [وَهُوَ يَكتُب هُنا إلى مؤمني تسالونيكي] "لأَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ". والآن لاحظوا ما يقول هنا: "لاَ يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّون". وهذه جُملة مُدهشة جدًّا لأنَّه يوجد فيها تَلاعُبٌ بالكلمات في اللُّغة اليونانيَّة. فهي تقولُ حَرفيًّا: "لا يَشتغلونَ شيئًا، بل يَحشُرونَ أنفسهم في شُؤونِ غَيرِهم". فبولس يقول: "نحنُ نَسمعُ أخبارًا مُريعةً مِن بينها أنَّ أُناسًا منكم لا يَعملون. فَهُم لا يَبذلونَ قُصارى جُهدِهم، بل هُم فُضوليُّون".

وفي هذه الحالة، كانَ الفُضوليُّونَ يَجولونَ ويَنشرونَ قِصَصًا عَجيبةً عن عودة المسيح. فقد فَشِلوا في خِدمتهم ولم يُحقِّقوا أيَّ شيءٍ لَهُ مَعنى. وقد تَخَلَّوا في حالاتٍ كثيرة عن كلِّ أدواتِ العمل الخاصَّة بحِرفَتِهم، وكانوا يَصرفونَ كلَّ وقتِهم في التَّجوُّلِ، والتَّحدُّثِ، وتَناقُلِ الأخبارِ عن عودةِ المسيح. لِذا فإنَّه يقول في العدد الثَّاني عشر: "فَمِثْلُ هؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ...". بعبارة أخرى: هذه هي وَصيَّةُ الرَّبِّ. "...أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهُدُوءٍ، وَيَأكُلُوا خُبْزَ أَنْفُسِهِمْ". هل تَعلمونَ ما الَّذي كانَ يَحدث؟ لقد كانَ هؤلاء الأشخاص يَجولونَ ويَنشرونَ أخبارًا عن اللاَّهوت أو يُزاحِمونَ الآخرينَ على طَعامِهم لأنَّهم لم يكونوا يَعملون. وَهُوَ يقول: "لديَّ اقتراحان: اصمُتوا، واعمَلوا لتأكُلوا خُبزَكُم". ثُمَّ إنَّه يقول في العدد الثَّالث عَشر: "أَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلاَ تَفْشَلُوا فِي عَمَلِ الْخَيْر". بعبارة أخرى: "فيما يَختصُّ بِمَن يَعملون، لا تَشعروا بالإحباط بسبب هؤلاءِ الأشخاص. لا تَنظروا وتقولوا: ’إنَّ الأمرَ لا يَستحقُّ العَناء. فأنا أبذُلُ كُلَّ جُهدي في حين أنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ لا يَفعلونَ شيئًا‘". فقد تَشعرُ بذلك إن كنتَ تَعملُ على خَطِّ إنتاج أو في أيِّ وقتٍ تَعمل فيه وتَعلمُ أنَّكَ تَبذُلُ قُصَارى جُهدِك ولكنَّ الآخرينَ مِن حولِك يَتَسَكَّعون. فَمِنَ السَّهل أن تَشعُرَ بالإحباط الشَّديد جدًّا جدًّا بسببِ ذلك.

لذا فإنَّهُ يقول: "لا تَكُن شَخصًا فُضوليًّا، بل كُن عامِلاً مُجتهدًا. اعمل بِجِدّ. لا تُكثِر مِن الكلام، بل اعمل وَحَسْب. وأعتقد أنَّ هذا الأمرَ مُهمٌّ بالنِّسبة إلينا... وأنا أحاولُ وحسب أن أُشيرَ إلى أنَّ الله يَتوقَّع مِن شَعبِه أن يَعمل. فعندما وَضَعَ الرَّبُّ [في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس والأصحاح الخامس] المؤهِّلاتِ الَّتي يَنبغي أن تَتوفَّرَ في الأرامل قال: عندما تريدونَ أن تَختاروا أرامِلَ كي يَخدِمْنَ الرَّبَّ في الكنيسة، يجب أن تَتيقَّنوا مِن أنَّهُمَّ قد عَمِلنَ أعمالاً حسنة في الماضي، وأَثْبَتْنَ أمانَتَهُنَّ، وكُنَّ مُحبَّاتٍ لأزواجِهِنَّ، وكُنَّ يَعتنينَ بأولادِهِنَّ، ومُضيفاتٍ للغُرباء، ويَغسلنَ أرجُلَ الغُرباء، وكلَّ تلك الأعمال الأخرى الحسنة. فيجب أن تَختاروا عامِلاتٍ مُجتَهِدات. فاللهُ يريد مِنَّا أن نكونَ مُجتهدين، وغير مُنقَسِمين، وأُمناء. فالأمرُ يَسيرُ دائمًا بهذه الطَّريقة.

ويجب علينا أن نَنخرطَ في ذلك. والحقيقة هي أنَّ الأصحاحَ الرَّابع مِن رسالة أفسُس يقولُ إنَّ عَملي بِصِفتي كارِزًا وراعيًا مُعلِّمًا هو تَكميلُ القدِّيسين للقيام بماذا؟ بالعمل. "لعمل الخدمة". فهذا هو عَمَلُنا يا أحبَّائي: أن نقومَ بعمل الخدمة. ونحنُ جميعًا مُطالبونَ بذلك. وقد كَتَبَ المسيحُ إلى الكنيسة في أفسُس في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح الثَّاني فقال: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ...". فهذا أمرٌ مَمدوح. فيجب علينا أن نَعمل. ويجب علينا أن نَجتَهِد في العمل. ويجب علينا أن نَنخرطَ في ذلك. ويجب علينا أن نكونَ مُكرَّسين. وسوفَ نُكافأ على أساسِ ذلك العمل.

ونَقرأ في رسالة كورِنثوس الثانية 5: 10 أنَّ الرَّبَّ سيأتي ويُجازي كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا بِحَسَبِ مَا صَنَعَ: خَيْرًا كَانَ أَمْ عَديمَ النَّفع، أو بِحَسَبِ إن كانَ ذَهبًا وفِضَّةً وحجارةً كريمةً أو خَشبًا وقَشًّا وَتِبْنًا. لِذا، يجب علينا أن نَعمل. يجب علينا أن نَعملَ عملَ الرَّبّ. فيجب علينا أن نَعملَ مَا دَامَ نَهَارٌ [كما قالَ يسوعُ] لأنَّه يَأتِي لَيْلٌ [ماذا؟] حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَل. فالآنَ هو الوقت المناسب للقيام بالعمل. والآن هو الوقت المناسب الَّذي أنطَرِحُ فيه على ظَهري على الشَّاطئ مِن فَرْطِ الإجهاد وأقول: "لقد بَذلتُ قُصارى جُهدي... لقد بَذلتُ قُصارى جُهدي". أتَرَون؟ فنحنُ لا نَعلم كم الوقت المُتبقِّي لدينا. فنحنُ نقرأ في رسالة كولوسي 4: 17: "انْظُرْ إِلَى الْخِدْمَةِ الَّتِي قَبِلْتَهَا فِي الرَّبِّ لِكَيْ تُتَمِّمَهَا"... "انْظُرْ إِلَى الْخِدْمَةِ الَّتِي قَبِلْتَهَا فِي الرَّبِّ لِكَيْ تُتَمِّمَهَا". وأعتقد أنَّك إن أردتَ حقًّا أن تفعلَ ذلك، أي إن أردتَ أن تعمل، يجب عليك أن تَفْتَدي الوقتَ (كما جاءَ في رسالة أفسُس 5: 15). ويجب عليك أن تُرَتِّب أولويَّاتِك، أو كما جاءَ في رسالة بُطرس الأولى: أن تكونَ صَاحيًا. ومَعنى ذلكَ هو أن تُرَتِّبَ أولويَّاتِك. فيجب عليكَ أن تُرَتِّبَ أولويَّاتِك، وأن تُحْسِنَ استغلالَ وقتِك، وأن تَعمَلَ بِجِدّ. وحينئذٍ، قد نَأتي إلى نهاية حياتنا ونقول ما قالَهُ بولُس: "الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ" وَهُوَ ما قالَهُ يسوعُ بالحَرِيِّ. "الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ"، أو ما قالَهُ بولُس: "أَكْمَلْتُ السَّعْيَ".

فلن نَشعُرَ بالإنجاز عندَ إنهاء العمل إلاَّ عندما نَبذل قُصارى جُهدنا في العمل. وقد تقول: "حسنًا! ولكن إن بَذلتُ كُلَّ جُهدي، ما الَّذي سيحدث؟" هناكَ شيءٌ واحدٌ سيَحدث: سوفَ يُكافِئكَ الرَّبُّ في المجد. ولكن هناك شيء آخر سيحدث وَهُوَ أنَّه رُبَّما سيُعطيكَ مَزيدًا مِن العمل لتَعملَه. أجل. فإن أحسنتَ القيامَ بما أَوْكَلَهُ إليك، مِن المُرجَّح أنَّه سيُعطيكَ المزيد لأنَّكَ بَرهنتَ على أمانَتِك.

في الألعاب الأولمبيَّة، قبلَ قُرونٍ طويلة، يُقالُ إنَّ شخصًا مَا حَقَّقَ فَوزًا عظيمًا في الألعاب الأولمبيَّة. وقد جاءَ شخصٌ إليه وقالَ لهُ: "قُل لي يا سبارتان ما الَّذي ستَكسبُه مِن هذا الفَوز!" فأجابَ قائلاً: "سوفَ أَحظى بِشَرف القِتال في الصَّفِّ الأماميِّ في صُفوفِ مَلِكي". وأنا أُحبُّ ذلك. فإن أحسنتَ القيامَ بالعمل في الصُّفوف الخَلفيَّة، قد تَتقدَّم إلى الصَّفِّ الأماميّ. وهكذا هي الحالُ في الأمورِ الروحيَّة أيضًا. فإن كنتَ أمينًا للرَّبِّ في وقتٍ مَا، وبَرهنتَ على أمانَتِك، ونَجِحتَ في العمل في وقتٍ ما، قد يُرَقِّيكَ بأن يُعطيكَ مسؤوليَّة أعظم تَتطلَّبُ جُهدًا أكبر، وعواقبَ أعظم، واضطهادًا أكبر. وقد لا يُشَجِّعُكَ هذا البَتَّة، ولكنَّهُ يُشجِّعُني. فكُلَّما زادت التَّحدِّيات، زادَت حَلاوةُ النَّصر. أليس كذلك؟ لذا فقد دَعانا اللهُ إلى العمل. فهذا هو ما ينبغي أن يَحدث طَوالَ حياتِنا... طَوالَ حياتِنا.

والآن، في أثناء قيامنا بذلك، هناك مجموعة مِن المبادئ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 16 نَظرنا إليها. ففي الأعداد مِن 5 إلى 12، في هذا النَّصِّ البسيطِ القصير، يَصِفُ الرَّسول بولس عَمَلَهُ. فهو دائمًا مُكْثِرٌ في عمل الرَّبّ. وَهُوَ يَختِمُ الأصحاحَ الخامس عَشَر بقولِ ذلك. وفي الأصحاح 16، يَصِف بولس قليلاً كيفيَّة قيامه بعمل الرَّبّ. وأنا أجِد ضِمنيًّا في هذا المقطع الصَّغير سبعة مبادئ للقيام بعمل الرَّبّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبّ. وقد تأمَّلنا في ثلاثة منها وجُزءٍ مِن المبدأ الرَّابع. وسوفَ نُكمِل حَديثَنا عنِ المبادئِ الأخرى في هذا الصَّباح.

فهناك مبادئ مُعيَّنة. وقد تقول: "لقد عَرفتُ أنَّه ينبغي لي أن أعمل. ولكن كيف؟ ما هي الإرشادات؟" حسنًا! يجب علينا أن نُراقبَ بولس هنا ونَرى كيفَ يعمل. المبدأ الأوَّل: يجب على الشخص الَّذي يَعمل عملَ الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبِّ أن تكونَ لديه رُؤية للمُستقبَل. أَتَذكرونَ هذا المبدأ مِن المَرَّة السَّابقة؟ رؤية للمستقبل. فنحنُ نقرأ في العدد الخامس: "وَسَأَجِيءُ إِلَيْكُمْ مَتَى اجْتَزْتُ بِمَكِدُونِيَّةَ، لأَنِّي أَجْتَازُ بِمَكِدُونِيَّة". وهذه مُجرَّد لَمحة عن بولس الَّذي كانَ يُخطِّط دائمًا للمستقبل. فقد كانَ رَجُلاً لديهِ رُؤية. وقد كانَ رَجُلاً يَترقَّبُ الأشياء. وقد كانَ رَجُلاً قادرًا على رؤية الأشياء الَّتي لم تُنَفَّذ بعد. وقد كانَ رَجُلاً قادرًا على رؤية المجالات المفتوحة أمامَهُ، ورَجُلاً يَقبل التَّحدِّي بخصوص الأشياء الَّتي لم تُعْمَل بعد أو لم تُمَسّ بعد. فقد كانَ رَجُلاً حَالِمًا بهذا المَعنى. وقد فَتَحَ عَوالِمَ في ذِهنه لم يَطَأها بعد بِرِجْلَيْه. فقد كانت لديه خُطَط للمستقبل. وقد كانَ يَضَعُ الاستراتيجيَّات. وكانَ يَضَع الطَّرائق والوسائل والخُطط لتحقيق الأهداف المستقبليَّة. وقد سألنا أنفسَنا السُّؤالَ التَّالي في الأسبوع الماضي: "ما الَّذي نُخَطِّط لَهُ؟ وما هي استراتيجيَّتُنا للمستقبل؟ وما الَّذي نَفعلُه للتَّأثير في هذا العالَم المُعَقَّد والشَّاسع في الأماكِن الَّتي لم تُسَمِّ بعد اسمَ المسيح؟ وما الَّذي نَراهُ يَلوحُ في الأُفُق أمامَنا؟" أَم أنَّنا نَسيرُ وَحَسْب دونَ أهداف، ودونَ رُؤية، ودونَ غايات؟ لأنَّنا إن كُنَّا كذلك فإنَّنا لا نقومُ بعملِ الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبّ.

ثانيًا، لقد قُلنا إنَّه يجب على الشَّخص الَّذي يَعمل عمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبُّ لا فقط أن تكونَ لديه رؤية للمستقبل، بل يجب عليه أيضًا أن يكونَ مَرِنًا لأنَّ اللهَ قد يُغيِّر ذلك المستقبل. والحقيقة هي أنَّه قد لا يكونُ هناك مُستقبل. لِذا، يجب عليك أن تكونَ مُستعدًّا للتَّغيير. والآن، انظروا إلى العَدَدَيْن 6 و7. فهو يقول: "وَرُبَّمَا أَمْكُثُ عِنْدَكُمْ [ولكنِّي لستُ واثقًا مِن ذلك] أَوْ أُشَتِّي أَيْضًا لِكَيْ تُشَيِّعُونِي إِلَى حَيْثُمَا أَذْهَبُ. لأَنِّي لَسْتُ أُرِيدُ الآنَ أَنْ أَرَاكُمْ فِي الْعُبُورِ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ أَمْكُثَ عِنْدَكُمْ زَمَانًا..." وهذا هو المِفتاح: "...إِنْ [ماذا؟] أَذِنَ الرَّبُّ". بعبارة أخرى، هناك هذه العِبارة الَّتي تَدُلُّ على المُرونة في حياة بولس إذْ إنَّ كلَّ الرُّؤى، وكلَّ الآمال، وكلَّ الأحلام، وكلَّ الخُطط كانت دائمًا مُرتكزة على هذه الفكرة الصَّغيرة وهي: "إنْ أَذِنَ الرَّبُّ".

هذه هي المُرونة يا أحبَّائي. وهذا لا يَعني أَلاَّ تُخَطِّط، ولا يَعني أن تَجلس وتقول: "يا رَبّ، أنا مُتاح. آمُلُ أن تَفعلَ شيئًا"، بل يجب عليك أن تَضعَ الاستراتيجيَّات، وأن تَضَعَ الخُطَط، وأن تَفحَصَ الأمورَ، وأن تَستعدَّ، وأن تكونَ مَرِنًا وتَتقبَّلَ مَشيئةَ الرَّبّ.

المبدأُ الثَّالث: يجب على الشخص الَّذي يعمل عملَ الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُرديها الرَّبُّ أن يَعملَ العملَ بإتقان، لا بسطحيَّة. فسوف تُلاحظونَ أنَّه يقول في العَددين 6 و7: "لأَنِّي لَسْتُ أُرِيدُ الآنَ أَنْ أَرَاكُمْ فِي الْعُبُور" [في العدد 7]، بل أريدُ أن أمكُثَ عِندكم. وهو يقول في العدد 6: "رُبَّمَا أَمْكُثُ عِنْدَكُمْ أَوْ أُشَتِّي أَيْضًا". فقد كان بولس يُدرك أنَّ حَلَّ المشاكل الموجودة في كورِنثوس يَتطلَّب وقتًا. وقد كانَ شخصًا يَعمل الأشياء بإتقان. فهو لم يكن شخصًا يَعمل الأشياء بطريقة سطحيَّة. فهذه ليست طريقة مُلائمة للقيام بعمل الرَّبّ، بل إنَّ القيامَ بعمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبُّ يتطلَّبُ إتقانًا، وإنجازًا للعمل، وإتمامًا لَهُ، والقيامَ به بالطَّريقة الصَّحيحة. لِذا فإنَّنا نجد أنَّ القيام بعمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبُّ يتطلَّب رؤية للمستقبل، ومُرونةً، وإتقانًا.

ثُمَّ رابعًا [وهي النُّقطة الَّتي تَوقَّفنا عندها في المَرَّة السَّابقة]: يجب على الشخص الَّذي يعمل عمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبُّ أن يَكونَ مُكرَّسًا لخدمة حَاليَّة... مُكرَّسًا لخدمة حَاليَّة. وقد قلتُ لكم في الأسبوع الماضي إنَّ هناك حالمينَ كثيرين يُخطِّطونَ لما سيفعلونه، ولكن يوجد أشخاصٌ أقلُّ بكثير مِن هؤلاء يَفعلونَ ما يُمكنهم فِعلُه. والفرقُ شاسع! ولكن صَدِّقوني أنَّ الإنسانَ الكُفْؤَ حقًّا، والَّذي لديه خُطَّة عظيمة للمستقبل ويَراها تَتحقَّق هو شخصٌ يَستخدم الحاضر لإثبات أهليَّته في الحاضر. فهو يُنَمِّي نَفسَهُ. وَهُوَ يَضعُ استراتيجيَّةً. وَهُوَ يُطَوِّرُ وَسائِلَه. وَهُوَ يُهَيِّئ قَلبَهُ لما قد يَفعلُه اللهُ في المستقبل إن تَحقَّقَ ذلك المُستقبَل.

اسمعوا ما يلي مِن وُجهة نظر رَبِّنا في إنجيل مَتَّى 25: 23، وَهُوَ مَثَل الوَزْنات. فالسيِّدُ يقولُ لهذا العَبْد الأمين... اسمعوا: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِير". بعبارة أخرى، إنَّ الأمانةَ بمستوىً عالٍ مِن المسؤوليَّة في الحاضر هي الَّتي تُؤهِّلُك لأن يَستخدِمَكَ الرَّبُّ في مستوىً آخر في المستقبل. وهناك أشخاص كثيرون يريدونَ فقط أن يَخدموا ويُحقِّقوا نجاحًا كبيرًا خارقًا وحسب، ولكنَّهم لم يُبرهِنوا على أمانتهم في الحاضر، ولم يَنجحوا في الفحص في الحاضر. فلا يوجد مكان أَتقنوا فيه مهاراتهم واستخدموا فيه مَهاراتهم. ولا يوجد أيُّ بُرهانٍ على أنَّهم قادرونَ على القيام بعمل الخدمة بإتقانٍ وتكريسٍ كامل. لذا، يجب على الشَّخص الَّذي يعمل عمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبُّ لا فقط أن يُخطِّطَ للمستقبل، بل يجب عليه أن يَعملَ في الحاضر، وأن يَعكِف على الخِدمة في الحاضر.

ونَجِد في إنجيل لوقا 12: 42 كلماتٍ مُشابهة: "فَقَالَ الرَّبُّ: فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ..." [اسمَعوا:] "...الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟" ألا تَجدونَ هذه الكلمات رائعة؟ فالخادِمُ الأمين يَصيرُ قَيِّمًا على البيت. فقد كانَ خادمًا أمينًا في القيامِ بشؤونِ المنزل. وَهُوَ يستطيعُ أن يَتولَّى إدارةَ المنزل. فهذا هو البُرهان. لِذا، قبلَ أن تَتوقَّع مِن الله أن يُعطيكَ خِدمةً رائعةً وعظيمةً ومُدهشةً تَنطوي على مسؤوليَّة كبيرة، يجب عليك أن تُبرهن على أنَّكَ أمينٌ في الخدمة الَّتي أَقامَكَ اللهُ عليها الآن. وبولس يقول في العدد الثامن... انظروا إليه: "لقد وَضعتُ كلَّ تلك الخُطط وكلَّ تلك الآمال في أن آتي لزيارتكم، وَلكِنَّنِي أَمْكُثُ الآنَ فِي أَفَسُسَ... لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ لِي بَابٌ عَظِيمٌ فَعَّالٌ [للخدمة]". بعبارة أخرى، لا يُمكنني أن أُغادرَ الآن لأنَّني مُكَرَّس تمامًا للقيام بهذا الأمر. وما لم يُغلِق اللهُ هذا الباب، سأبقى هنا. وكم أُحبُّ ذلك! وهل تَعلمونَ شيئًا عن بولس؟ لم يَشعُر بولس يومًا بعدم الرِّضا عن مَجالِ خدمته... البتَّة. وسوف أقولُ لكم شيئًا آخر: لم يَستخدم بولس أيَّ شيء كَعَتَبَةْ للوصول إلى شيءٍ آخر. ففي أفسُس، كَرَّسَ حياتَهُ كُلَّها. وعندما غَيَّرَ اللهُ ذلك وأَغلقَ البابَ ونَقَلَهُ إلى مكانٍ آخر، كَرَّسَ حياتَهُ كُلَّها لتلك الخدمة.

فقد كانَ مُكَرَّسًا للباب المفتوح الآن. وفكرة الباب المفتوح هي فكرة مألوفة جدًّا لدى بولس. فهو يقولُ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 14: 27 إنَّ اللهَ فَتَحَ البابَ للأُمم. وَهُوَ يقولُ في رِسالته الثانية إلى أهل كورِنثوس 2: 12 إنَّ اللهَ فَتَحَ البابَ في تَرُواس. وَهُوَ يقولُ في رسالته إلى أهل كولوسي 4: 3 مَا مَعناه: "صَلُّوا لأجلي لكي يَفتحَ اللهُ البابَ للإنجيل". والبابُ المَفتوح يُشيرُ إلى الفُرصة للمُناداةِ بالإنجيل. وبالنِّسبة إلى بولس، أينَما وُجِدَت فُرصة، كانَ يَغتَنِمُها ويَدخُل مِن الباب. ويجب أن تَعلموا أنَّ هذه هي الطَّريقة الَّتي ينبغي أن نَخدِم بها. فهناك أشخاصٌ يُدَقِّقونَ كثيرًا جدًّا في الباب الَّذي سيدخلونَ منه حتَّى إنَّهم يُضَيِّعونَ الفُرصة، ثُمَّ إنَّهم يجلسونَ بانتظار حدوثِ شيءٍ رائع؛ ولكنَّ ذلك الأمر لا يَحدث لأنَّهم لم يُظهروا يومًا الاستعدادَ للدُّخول مِن الباب الَّذي فَتَحَهُ لهم. وأحيانًا، قد يقول الإنسان، أو قد يقولُ أحدُ طُلاَّبِ كُليَّة اللاَّهوت: "لقد تَدرَّبتُ على الخدمة، وهذا هو نوع الخدمة الَّذي أُريدُه. فأنا أريدُ كذا وكذا، وأريدُ المُناخَ الفُلانيَّ". وقد يكونُ الأمرُ رائعًا لو أنَّ الكنيسة مُنَظَّمة على هذا الشَّكل. فهي ستكونُ كنيسة كاملة. اسمعوني: إن عَثرتَ على كنيسة كهذه فإنَّها لن تكونَ بحاجة إليك. وَهُوَ يقول: "البابُ المَفتوح هنا هُوَ بابٌ يُؤدِّي إلى كلِّ أنواعِ المشاكل، وَهُوَ مَفتوحٌ على مِصراعَيْه، ولكنَّهُ لا يُناسبُ الشَّيءَ الَّذي أبحثُ عنه". إنَّ اللهَ لا يُريدُ منكَ أن تَجلسَ دونَ أن تَفعل شيئًا. فإن فُتِحَ البابُ لكَ الآن، وسَنَحَتْ لكَ الفُرصة في أيِّ مكان، مِن الأفضل أن تُبرهِنَ على أنَّكَ جَديرٌ بها.

لقد كنتُ أُفكِّر في كنيسة فِيلادَلْفِيَا في سِفْر الرُّؤيا 3: 7 و8 إذْ نَقرأ على لسانِ الربِّ؛ أي أنَّ الربَّ يسوعَ يقول: "[أنا الَّذي] يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ". وَهُوَ يقول إلى كنيسة فِيلادَلفِيَا: "هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ. [والآن، عَليكَ أن تَدخُلَ مِنه]". وهل تَعلمونَ شيئًا؟ مِن المدهش أنَّ الكنيسة الَّتي تَلي كنيسة فيلادَلفِيَا هي كنيسة لاوُدُكِيَّة... الكنيسة المَيْتَة. وأعتقد أنَّ واحدًا مِن الأشياء الَّتي يمكنها أن تَجعل كنيسةً مِثل كنيسة فيلادِلفِيَا كنيسةً على غِرار كنيسة لاوُدِكِيَّة هو أن يكونَ هناكَ أبوابٌ مَفتوحة ولكنَّكَ لا تَدخُل منها. وهُناكَ أيضًا عدم الاهتمام، وعدم المُبالاة، وعدم الاكتراث. ثُمَّ إنَّكم تَقرأونَ عن كنيسة لاوُكِيَّة فتَرونَ أنَّه يقول: "هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي". عندما يَفتحُ اللهُ البابَ... فاللهُ هو الَّذي فَتَحَهُ. وعندما يَفتحُ اللهُ البابَ ويُدخِلُكَ فيه فإنَّه سيُعطيكَ القوَّة للقيام بما يريد منك أن تقومَ به عندما تَدخُل منه. أليس كذلك؟ وهذه هي فُرصتُك لإثبات أمانَتِك. لا تَقبَل بألاَّ تَفعلَ شيئًا. ولا تَجلس بانتظار الموقفِ النَّموذجيّ، بل اعثُر على الباب المَفتوح وادخُل منه.

بينَ الحينِ والآخر، يقولُ لي "بول رايت" (Paul Wright): "جون! نحنُ بحاجة مُلحَّة جدًّا إلى أشخاص يَخدمونَ في قسم الأطفال". نحنُ بحاجة مُلحَّة جدًّا إليهم في قسم الأطفال. فهناكَ بابٌ مَفتوح... هناكَ بابٌ مَفتوح. هناكَ بابٌ مَفتوح، ولكنَّنا لا نَستطيعُ أن نَجِدَ أشخاصًا يَدخلونَ مِنه". وأعتقد أنَّه يوجد أشخاص يجلسونَ بانتظار انفتاحِ البابِ الَّذي يَظُنُّونَ أنَّهم يريدونَهُ. والحقيقةُ هي أنَّ الرَّبَّ قد لا يُعطيهم سُؤْلَ قَلبِهم لأنَّهم لم يُبرهنوا على أمانَتِهم في البابِ المفتوحِ الَّذي وَفَّرَهُ الرَّبُّ لهم. لا تَكُن أنانيًّا، ولا تَكُن عَديمَ المُرونة، بل دَعِ اللهَ يَفتحُ الباب.

والآن، لنَنظر إلى العدد الثامن هنا. فهو يقول: "وَلكِنَّنِي أَمْكُثُ فِي أَفَسُس...". لقد فَتَحَ اللهُ البابَ حقًّا في أفسُس بطريقة رائعة. فقد كانت تلك المدينةُ مدينةً رائعة. فقد كانت المدينة الرئيسيَّة في أَسِيَّا الصُّغرى، وكانت مُقاطعة كبيرة في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. وهي في الوقتِ الحاضرِ تُركيَّا. وقد كانت أَسيَّا الصُّغرى مُقاطعة كبيرة. وكانت أفسُس المدينة الثَّانية الكبيرة الَّتي تَصِل إليها عندما تأتي مِن الشَّرقِ مِن رُوما. فقد كانت المدينة الكبيرة الأولى هي كورنثوس، والمدينة الكبيرة الثَّانية هي أفسُس في ذلك الطَّريق المُحَدَّد. لِذا فقد كانت أفسُس مدينةً مُهمَّة. وكانت تَبعُد نحوَ خمسة كيلومترات عن البحر. ولكنَّ نهر كايستر (Cayster River) كانَ يَمُرُّ عَبْرَها. لِذا، كان بالإمكان الوصول إلى أفسُس بالقارب. وكانَ يُمكن بُلوغُها عن طريق البحر. وكانت مَشهورة في عالم التِّجارة والأعمال. وقد كانت تَضُمُّ واحدة مِن عجائب الدُّنيا السَّبع: "مَعبَد دَيانا" (Diana Temple) أو "أرتيميس" (Artemes). وكانَ يوجدُ فيها مَصْرِفٌ دَوليٌّ. وكانَ يَجتمعُ فيها الاتِّحادُ الفِدراليُّ لولايات أَيونية (Ionian States). لِذا فقد كانت تَزخُرُ بأعضاء مَجلس الشُّيوخ. وكانت مَلاذًا للمُجرِمين. وكانت مَركِزَ الكَهنوت. ويقولُ "دين فارار" (Dean Farrar) إنَّ الأرضَ كانت جميلةً وَحَسْب. وهو يقولُ إنَّ الجَوَّ كانَ صِحِّيًّا؛ أي أنَّهُ كان رائعًا. فقد كانت تُشبِهُ جنوب كاليفورنيا في يومٍ صَافٍ. فقد كانت مكانًا رائعًا وحَسْب. وكانت خضراءَ وخِصبة، وكلَّ شيء. والحقيقة هي أنَّ التِّجارة انتقلت إلى هناك بسرعة هائلة حتَّى إنَّها كانت تَزدهرُ وَحَسْب. وربَّما كانت كذلك عندما كَتَبَ يوحنَّا رُؤيا 18: 12 و13. فقد تَحدَّثنا عن النِّظامِ البابليِّ في نِهايةِ الدَّهر؛ أي عن ذلك النِّظام التِّجاريِّ العَظيم الَّذي كانَ في ذهنه والَّذي يُشبِهُ النِّظامَ التِّجاريَّ الَّذي كانَ سائدًا في أفسُس حيثُ كانَ يُقيم.

إذًا، لقد كانت تلك المدينة رائعة. فهي تَزخُرُ بالنَّاسِ والتَّبادُل، وكلِّ تلك الأشياء الَّتي كانت تَجري فيها. وبولس يقول إنَّ اللهَ قد فَتَحَ البابَ على مِصراعَيْه لخدمةٍ فَعَّالة ("إنيرغيس" – "energes)؛ أي خِدمة فعَّالة أو خِدمة مُثمِرَة. بعبارة أخرى، إنَّ هذا المكان مَفتوحٌ تمامًا. صحيحٌ أنَّها تَعِجُّ بالمُنَجِّمينَ، والسَّحَرَة، والعاهِرات، والدَّجَّالين، والفلاسفة، وكلِّ شيء؛ ولكنَّها بابٌ مَفتوحٌ على مِصراعَيه. والحقيقة هي أنَّكَ قد تنظر إلى أفسُس وتقول: "إنَّها مدينة تَكثُر فيها الوثنيَّة، ويَكثُر فيها السِّحر، وتَكثُر فيها العَاهِرات والشُّذوذُ الجِنسيُّ. وَالمُجرمونَ يَتَّخِذونَها مَلاذًا لهم. لا أشعر حَقًّا أنَّها مكانٌ ينبغي أن أذهبَ إليه. ولا أعتقد أنَّ زوجتي ستتأقلم جيِّدًا هناك، أو لا أعتقد أنَّ تلك المدينة تُلائمُني". ولكنَّ البابَ قد فُتِح، واللهُ هو الَّذي فَتَحَهُ.

وهو لم يكن مفتوحًا دائمًا. فقد كانَ بولس يَنوي في قَلبه منذُ وقتٍ طويل أن يَذهبَ إلى أفسُس. فعندما أرادَ في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 16 أن يَذهبَ غَربًا فإنَّه يقول ما مَعناه: "لقد أردنا أن نَذهبَ جنوبًا إلى أَسِيَّا الصُّغرى، ولكنَّ الرُّوحَ القُدُسَ مَنَعَنا". هل تَذكرونَ ذلك في سِفْر أعمال الرُّسُل 16: 6؟ فنحنُ لم نَتمكَّن مِن الذَّهاب إلى هناك. لِذا فقد مَضى إلى الأمامِ أكثر. وفي الأصحاح الثَّامن عشر، كانَ قادِمًا إلى الشَّرقِ مَرَّةً أخرى. فقد مَضى إلى هناك وذهبَ إلى أفسُس ليومٍ واحدٍ فقط وقال: "أرجو أن أتمكَّنَ مِن العودة. أرجو أن أتمكَّنَ مِن العودة". والآن، سَمَحَ اللهُ له أن يعود، ولكن كان لا بُدَّ مِن وجود توقيتٍ هنا. فقد أرادَ اللهُ أن يُهَيِّئَ المدينة. وقد استَخدمَ أَبُلُّوسَ للقيام بذلك. ففي سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 18، جاءَ بُطرس إلى المدينة، وهَيَّأَ المدينةَ لقَبول الإنجيل، وتَكلَّمَ بقوَّة بكلمةِ الله، وهَلُمَّ جَرَّا. فقد صَرَفَ وقتًا رائعًا هناك وهَيَّأَ المدينة. فقد كانوا بحاجة إلى نوعٍ مِنَ الإحماءِ قبلَ مَجيءِ بولس. فقد كانَ بولس كَارِزًا مِنَ العِيارِ الثَّقيلِ على مدينةٍ كتلك. لِذا فقد أرسلَ اللهُ أبُلُّوسَ لتَهيئةِ المُناخِ قليلاً. ولم يَكُن بولسُ مُستعدًّا للرَّخاوة الموجودة في أفسُس. لذا، كانَ لا بُدَّ أن يَذهبَ بولس إلى فيلبِّي، وأن يُسجَنَ هناكَ وتُوضَع رِجْلَيْه في المِقطرة، وأن يُضربَ ويَتعرَّضَ لكلِّ ما تَعَرَّضَ لهُ لتقوية عَزيمتِه.

لِذا، كانَ ينبغي تَهيئة المُناخ في أفسُس، وتقوية عزيمة بولس. وعندما حانَ الوقتُ المناسب، جَمَعَ اللهُ بينهما. وبولس يقول: "في ضَوءِ كلِّ المتاعب الَّتي تَعرَّضتُ إليها للوصولِ إلى هناك، سأمكُثُ إلى أن أُنهي العمل. وعندما يُغلقُ اللهُ هذا البابَ، سأُغادر. ولكن ليسَ قبل ذلك الحين". لذا فإنَّ البابَ لم يكن مفتوحًا دائمًا، ولكنَّه مفتوحٌ الآن. وقد قال: "سوفَ أمكُث". لِذا، لا تَـتجاهلوا البابَ المفتوحَ يا أحبَّائي. فعندما يَفتحُ اللهُ البابَ، يجب على شخصٍ أن يَدخُلَ منه. وهذه فُرصة رائعة للخدمة إن كُنَّا مُكَرَّسينَ لذلك. وأنا قَلِقٌ حَقًّا في قلبي على الأشخاص الَّذينَ يقولون: "في يومٍ ما... في يومٍ ما سأخدِم، وسأفعل ما أُفَكِّر فيه. فهناكَ خُطَّة لديَّ. وفي يومٍ ما سأكونُ كَذا. وفي يومٍ ما سأفعلُ كذا. وفي يومٍ ما ستكونَ لديَّ كنيسة أرعاها". أو: "في يومٍ ما سيكونُ لديَّ صَفٌّ أو دَرسُ كِتابٍ مُقدَّس"، ولكنَّهم لا يَفعلونَ أيَّ شيء الآن. فَهُم يَحلُمونَ فقط دونَ أن يُبرهِنوا على أمانَتِهم، ودونَ أن يُبرهنوا على استعدادهم، ودونَ أن يُقدِّموا إطارًا لخدمتهم وأساليبهم ووسائلهم واستراتيجيَّتهم.

لِذا، يجب علينا أن نقولَ إنَّه يجب على الشَّخصِ الَّذي يَعمل عملَ الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبُّ أن تكونَ لديه خُطَط للمستقبل. ولكن يجب عليه أيضًا أن يُكرِّسَ نفسَهُ في الحاضر لِسَكْبِ حياتِه في خدمة حَاليَّة لأنَّه قد لا يَتوفَّرُ بابٌ مَفتوحٌ سوى هذا في الوقتِ الحاليّ. فقد تكونُ هذه هي الفُرصة الوحيدة. ولطَالَما أَحببتُ ذلك المقطع المذكور في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 13. ونحنُ نَقرأهُ غالبًا دونَ أن نُفكِّرَ فيه عند قراءتنا له أوَّلَ مَرَّةً. فهو يقول إنَّه كان يوجد في الكنيسة في أنطاكِيَة خمسة رُعاة. وهو يَذكُر أسماءَهم. ثُمَّ إنَّه يقول: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ»". بعبارة أخرى، بينما كانوا يَرعونَ الكنيسة، ويَخدِمون، ويُبرهنونَ على أمانتهم، قالَ الرُّوحُ القُدُسُ: "سوفَ أَجعَلُهم يَخدمون في الخدمة الَّتي عَيَّنتُها منذُ وقتٍ طويلٍ لهم، ولكنِّي كنتُ أنتظرُ إلى أن يُبرهنوا على أمانتِهم". أتَرَون؟ فالخِدمة ليست مسألة تَعليميَّة بالضَّرورة. وخدمةُ الرَّبِّ بفعاليَّة ليست مسألة القيام بشيء مُعيَّن للحصول على شيء مُعيَّن، بل إنَّها تعني أن تُبرهِنَ على أمانَتِكَ في ما تُقَدِّمُه. لِذا فإنَّ قيامك بعمل الرَّبّ بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبّ يَحتاجُ إلى وجود تَوازُن بينَ الرُّؤية المستقبليَّة، والمُرونة، والإتقان، والتَّكريس الحاليّ.

خامسًا: القيامُ بعمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبُّ يَتطلَّب منك أن تَقبلَ المُعارضة كَما لو كانت تَحَدِّيًا... يَتطلَّبُ منك أن تَقبلَ المُعارضة كَما لو كانت تَحَدِّيًا. فكما قلتُ سابقًا، إن عَثَرتَ على كنيسةٍ تَخلو مِن أيِّ مشاكل فإنَّها لن تكونَ بحاجة إليك. لِذا، يجب عليكَ أن تَقبلَ المُعارضة كَما لو كانت تَحَدِّيًا. فبولس يقولُ كلماتٍ مُدهشة في العدد 8: "وَلكِنَّنِي أَمْكُثُ فِي أَفَسُسَ إِلَى يَوْمِ الْخَمْسِينَ..." [لماذا؟] "...لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ لِي بَابٌ عَظِيمٌ فَعَّالٌ، وَيُوجَدُ مُعَانِدُونَ كَثِيرُونَ". وقد تقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! هل سَتَمكُث لأنَّه يوجد مُعانِدونَ كثيرون؟" بكلِّ تأكيد. وقد قالَ: "ج. كامبل مورغان" (G. Campbell Morgan): "إن لم تكن هناكَ مُعارضة في مكانِ خِدمتك، فإنَّكَ تَخدِم في المكانِ الخطأ". لِذا، يجب عليكَ أن تَجِدَ مكانًا للخدمة فيهِ مُعارضة.

كان يوجد لدى بولس سببٌ قويٌّ للمُكوث هناك. فهو يقول: "يجب عليَّ أن أَمكُث لأنِّي لا أستطيعُ أن أَترُكَ المؤمنينَ وَحدَهُم. فهناكَ مُعارضة شديدة هناك. وهناكَ مُقاومة شديدة هناك". بعبارة أخرى، لقد كانَ الوضعُ صَعبًا هناك. ففي أفسُس، كان يوجد لديهم نِظامٌ هائلٌ مِن الوثنيَّة المُنَظَّمة في هيكل دَيانا. وكانت توجد لديهم خطيَّة جنسيَّة في كلِّ مكان، وعَربدة، وكاهِنات زانيات. وكانَ يوجد حَشْدٌ مِن اليهودِ يُضيفُ مُشكلةً أخرى إلى المشاكل الموجودة لأنَّهم كانوا يَجولونَ هناكَ ويَزعُمونَ أنَّهم يَملِكونَ القُدرةَ على طَردِ الأرواح الشرِّيرة، ويحاولونَ أن يَطردوا الشَّياطينَ مِن الجميع. وقد كانوا يُضيفونَ إلى التَّشويشِ الموجودِ تَشويشًا. وكانَت هناك مُحاباة، وشَعوذة. وكان يوجد هناك تَعَصُّب، ورذيلة جنسيَّة، ومَجمَعٌ لليهود الَّذين يَكرهونَ النَّاسَ ويحاولونَ في الحقيقة أن يَتآمَروا لقتل المسيحيِّين. وأنا أعني بذلك أنَّه كانت توجد وَثنيَّة، وعبادة أصنام، وشَعوذة، وشذوذٌ جِنسيٌّ، وسُكنى للأرواح الشرِّيرة، ومُحاباة دينيَّة، وتَعصُّب. فكلُّ شيءٍ موجود في أيَّة مدينة في العالم اليوم كان موجودًا هناك. فقد كانت مَدينةً تَعُجُّ بالخطيَّة.

وقد قالَ بولس إنَّها مكانٌ جَيِّدٌ للخدمة إلى حَدٍّ تَصعُب فيه مُغادرتُه. ولكنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يقولون: "أنا أبحثُ عن مكانٍ مُختلف قليلاً". ويا لَهُ مِنْ تَحَدٍّ! يا لَهُ مِنْ تَحَدٍّ! فقد ذهبَ إلى ذلك المكان وابتدأَ يُعَلِّم كلمة الله. وقد عَلَّمَ كلمة الله كلَّ يوم في مدرسة رَجُلٍ اسمُهُ "تِيرانُّس" مُدَّةَ سَنتَيْن. ومِن خلالِ قيامه بذلك، كان النَّاسُ يَخلُصون، ويَتتَلمذون. وقد انطلقوا وأسَّسوا كلَّ الكنائس السَّبعة الأخرى في أسيَّا الصُّغرى المذكورة في سِفْر الرُّؤيا. وقد انتشرت كلمةُ اللهِ في كلِّ أنحاءِ أَسِيَّا الصُّغرى. وهل تَعلمون ما الَّذي حدث؟ لقد ابتدأ النَّاسُ يَحرقونَ كُتُبَ السِّحر، وتوقَّفوا عن شراء تلك الأصنام الصَّغيرة. لِذا فقد استَشاطَ بائعو الأصنام غَضَبًا وعَمِلوا شَغَبًا هائلاً في جميعِ أنحاء المدينة. فقد صار الإنجيل مُشكلةً هناك. وقد تَمَّ تأسيس واحدة مِن أعظم الكنائس في السَّنواتِ الباكرة للكنيسة وهي كنيسة أفسُس.

اسمعوني: لقد كانَ بولسُ يَنظر إلى المُعارضة كما لو كانت تَحَدِّيًا... تَحَدِّيًا كبيرًا. لِذا، عندما تَبحث عن الخدمة الَّتي يريدُ اللهُ منكَ أن تقومَ بها، وتَعثُر على خدمة ولكنَّها ليست كما تُريدُها أنت، يجب عليكَ أن تَخدِم وتَرى كيفَ أنَّ اللهَ قادرٌ أن يَجعلَها تُمَجِّدُه. فهؤلاءِ هُمَ الأشخاصُ الَّذينَ يحتاجونَ إليكَ أكثر مِن غَيرِهم. اعثُر على مدينة لم تَصِلَها البِشارة. فَهُم بحاجة إليها. اعثُر على كنيسة لا تُعَلَّم فيها كلمة الله. فَهُم بحاجة إليها. اعثُر على أشياء غير كِتابيَّة في الكنيسة واذهب إلى هناكَ وَعَلِّمهم ما هي الأشياء الكِتابيَّة. وما أعنيه هو: اذهب إلى المكانِ الَّذي يستطيعُ اللهُ أن يَستخدمَكَ فيه. فهناكَ مُعارضون كثيرون، ولكنَّ المؤمنينَ بحاجة إليك. يَنظُر بولس إلى الوراء ويَتذكَّر التَّحَدِّي الَّذي لاقاهُ في أفسُس وَفقًا لما جاءَ في رسالته الثَّانية إلى أهل كورنثوس 1: 8. وإليكم ما كَتَبَهُ إذْ يَقول: "فَإِنَّنَا لاَ نُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ ضِيقَتِنَا الَّتِي أَصَابَتْنَا فِي أَسِيَّا". وَهُوَ يَتحدَّثَ هنا عن أفسُس. "أَنَّنَا تَثَقَّلْنَا جِدًّا فَوْقَ الطَّاقَةِ، حَتَّى أَيِسْنَا مِنَ الْحَيَاةِ أَيْضًا. لكِنْ كَانَ لَنَا فِي أَنْفُسِنَا حُكْمُ الْمَوْتِ، لِكَيْ لاَ نَكُونَ مُتَّكِلِينَ عَلَى أَنْفُسِنَا بَلْ عَلَى اللهِ الَّذِي يُقِيمُ الأَمْوَاتَ". أليست هذه الكلمات رائعة؟ فقد كانوا مُتيقِّنينَ تمامًا مِن أنَّهم سيَموتونَ في أفسُس. وَهُوَ يقولُ: "لقد فَكَّرنا فقط في أنَّ الله قادرٌ أن يُقيمَ الموتى إن مُتْنا؛ أي أنَّه سيُقيمُنا مِن القبر". فقد كانوا مُتيقِّنينَ مِن أنَّهم سيموتون.

ولكن هل تَعلمونَ ما الَّذي يَحدث عندما تَجِد نفسكَ في موقفٍ كهذا؟ أنتَ لا تَتَّكِل على نفسك. أتَعلمونَ ذلك؟ فأنتَ لا تَفعل ذلك، بل أنتَ تَشعُر باليأس الشَّديد، وتَتَّكِل على الله. وعندما تَتَّكِل على الله فإنَّ القوَّة تَبتدئ في التَّدفُّق، والأعداءُ يَبتدئونَ في السُّقوطِ الواحدِ تِلو الآخر. وهذا مُدهش. وَهُوَ يقول في رسالته الثانية إلى أهل كورِنثوس 4: 10: "حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ [كُلَّ حِين] إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا ". بعبارة أخرى، نحنُ نُواجِهُ الموتَ كلَّ يوم. ولأنَّنا نواجهُ الموتَ كلَّ يوم، فإنَّنا في مواجهتِنا للموت ومواجَهتِنا للمُعارضة لا نَجِدُ أيَّ مَصادرَ أخرى سوى الاتِّكال على الله فنجدُ قوَّةَ المسيح تَتدفَّق. ويا لها مِن إثارة! فهذه هي مُغامرةُ الخدمة. أليس كذلك؟ أي أن تَذهبَ إلى المعركة وتواجِه التَّحدِّيات معَ يسوعَ المسيح وتَرى كيفَ أنَّ اللهَ يُعطي النُّصرة.

اقبَل التَّحدِّي، واعثُر على مكانٍ صَعب. ولا يَسَعُني دائمًا إلاَّ أن أتذكَّرَ "جون بيتون" (John Paton) عندما أُفكِّرُ في هذا الأمر. وقد أخبرتُكم قِصَّتَه، ولكنِّي أريدُ أن أُذكِّرَكُم بها. فقد كانَ "بيتون" تلميذًا للكتاب المقدَّس... تلميذًا للكتاب المقدَّس في إحدى كُليَّاتِ اللاَّهوت في لُندن. وقد دَعاهُ اللهُ للذَّهاب إلى جُزُر "نيو هيبرديز" (New Hebrides Islands) حيثُ يعيشُ آكِلو لُحوم البشر. ولا شَكَّ في أنَّهُ مِن الصَّعبِ جدًّا على طالبٍ صَغيرِ السِّنِّ يَدرُسُ في كُليَّة اللاَّهوت أن يَقبَلَ دَعوةً كهذه. أليس كذلك؟ وأنا أَعلمُ ماذا كنتُ سأقول لو كنتُ مَكانَهُ. فقد كنتُ سأقول: "يا رَبّ، لقد دَعَوتَ الشَّخصَ غير المُلائم. هل أنتَ واثقٌ مِن أنَّ مواهبي مُلائمة لهذا المكان؟" أو رُبَّما كنتُ سأقول: "لقد تَخَرَّجتُ للتَّوّ يا رَبّ! ويمكنني أن أستَغِلَّ مواهبي في الخدمة. لا فائدة مِن إرسالي لأكونَ وَجبةَ غَداء لهؤلاء الأشخاص! هل سيَذهبُ كلُّ تَعبي هَباءً؟" وقد كنتُ سأقولُ للرَّبِّ: "لديَّ فكرة رائعة! أنا أعرفُ شخصًا تَرَكَ كُليَّةَ اللاَّهوت ولن يَنجَحَ في أيَّة خدمة. أرسِلهُ هو إلى هناك. فسوفَ يَأكلونَهُ دُونَ أن يَعلمَ أحدٌ بما حدث. وسوفَ يكونُ ذلك الشَّخصُ بَطلاً. أليسَ كذلك؟ ولكن أَلاَ تَركتَني وشأني مِن فَضلك؟" فقد كنتُ سأرفُضُ تلك الدَّعوة. ولكنَّ "جون بيتون" لم يُجادل الله. فقد قالَ الرَّبُّ له أن يذهب فَذَهَب. وقد أخذَ زَوجتَهُ وأَبحرا معًا. وقد جَذَّفَا إلى شاطئِ تلك الجزيرة في قاربٍ صغير. وقد وَصلا إلى جزيرةٍ يَسكُنُها آكِلو لُحومِ البشر ولا يَعرفونَ لُغَتَهُم. لِذا، لم تَكُن لديهما وسيلة للتَّخاطُب معهما. وقد نَصَبا كُوخًا صغيرًا على شاطئِ البحر وعَمِلَ اللهُ على حِفظِهِما بطريقة مُعجِزيَّة. وعندما اهتَدى رئيسُ تلك القبيلة في تلك المنطقة في وقتٍ لاحقٍ إلى المسيح، سألَ جون: "مَن ذاكَ الجيش الَّذي كانَ يُحيطُ بكوخِك كلَّ ليلة؟: فقد حَماهُ ملائكةُ الله القِدِّيسون. وبعدَ أن عاشوا بضعة أسابيع هناك، وَلَدت زوجَتُهُ طفلاً، وماتَت زوجَتُهُ والطِّفل. وقد بقي هناك بمُفردِه (كما يقولُ في سيرته الذَّاتيَّة). وكانَ يَنامُ على قَبرِهِما لكي يَمنَعَ سُكَّانَ الجزيرة مِن نَقْبِ القبرِ وأكلِ جُثَّتَي زوجَتِه وطِفلِه.

وقد عَقَدَ العَزمَ على البقاء. وكانَ التَّحدِّي هائلاً، والمُعارضونَ كثيرون. ولكنَّ اللهَ أرادَ منهُ أن يَمكُثَ في ذلك المكان. لِذا فقد مَكَثَ هناك. وكيفَ تَفعل ذلك بمُفردك؟ أنتَ تَفعل ذلك بالاتِّكال التَّامِّ على الله. لِذا، اقبَل التَّحدِّي لأنَّه في خِضَمِّ ذلك التَّحدِّي تَنفَد مَوارِدُك وتَبتدئ بالاتِّكالِ الكاملِ على الله. وعندما تَتَّكِل على الله فإنَّ قُوَّتَه تَبتدئ في التَّدفُّق فتُحَقِّق انتصاراتٍ لم تَحلُم يومًا أنَّها مُمكنة. وهذه القُوَّة مُتاحة للشَّخص الَّذي يَعمل حَقًّا للرَّبِّ ويَعمل عملَ الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبُّ، ولديهِ رُؤية للمستقبل، ولديهِ مُرونة، ويَعمل العملَ بإتقان [لا بطريقة سطحيَّة]، ولديهِ تَكريسٌ لخدمة حاليَّة، ويَقبل المُعارضة ويَنظر إليها على أنَّها فُرصة أو تَحَدٍّ.

سادسًا: الشَّخص الَّذي يعمل عمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبُّ ينبغي أن يَمتلِك رُوحَ العَمَلِ الجَماعيِّ... رُوحَ العَملِ الجَماعيّ. وأنا أُحِبُّ هذه الصِّفَة في بولس. فقد كانَ رَجُلاً يَملك رُوحَ العملِ الجَماعيّ. فهو لم يكن نَجْمًا عَظيمًا مُنفردًا، بل كانَ يَسنِد الكثيرَ مِنَ الأعمالِ إلى أشخاصٍ آخرين، ويُحبُّ الآخرين. انظروا إلى العَدَدَيْن 10 و11. العدد 10: "ثُمَّ إِنْ..." أو حَرفيًّا: "عندما". فرُبَّما كانت هذه التَّرجمة أفضل: "ثُمَّ عندما يأتي تِيمُوثَاوُسُ..." لأنَّ تيموثاوسَ كانَ قادِمًا (كما جاءَ في الأصحاح 4 والعدد 17) لأنَّه قالَ إنَّهُ سيُرسلهُ رُبَّما حامِلاً هذه الرِّسالة، وأنَّه قد يُرسلهُ مع أَراسْتُس. ولكنَّهُ يقول: "عِندما يَأتي تِيموثاوسُ، فَانْظُرُوا أَنْ يَكُونَ عِنْدَكُمْ بِلاَ خَوْفٍ". لا تُخيفوا هذا الشَّابَّ الخَجولَ الحَسَّاس. فقد كانَ بعضٌ مِن أهل كورنثوس فَظِّين، وعنيدين، ومُنتَفِخين، ومَغرورين. وهو يقول: "لا تُخيفوه". "لأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ كَمَا أَنَا أَيْضًا". بعبارة أخرى، أنتُم تُخيفونَ عاملاً لله. لا تُخيفوه! ليسَ بسبب نشأتِه الرَّائعة أو أموالِه أو أيِّ شيءٍ آخر، بل لا تَمَسُّوه، ولا تُضايقوه أو تُخيفوه لأنَّه عاملٌ للرَّبِّ مِثلي تمامًا. وأنا أُحِبُّ ذلك. فبولس لم يكن يَنظر إلى نفسه نظرة مُختلفة عن نظرته إلى تيموثاوس. فمعَ أنَّ تيموثاوس كانَ ابنًا لهُ في الإيمان، وأنَّ تيموثاوسَ كانَ شَابًّا، وأنَّ تيموثاوس لم يكن يَملِك كلَّ ما يَملِكُهُ بولس مِن معرفة أو مواهب، فإنَّهما كانا مُتساويَيْن. فهو عامِلٌ معي.

لم يكن بولسُ يَرى أيَّ طَبَقِيَّة، ولم يكن يَرى نفسهُ قِدِّيسًا رَفيعًا. صحيحٌ أنَّه كان هناكَ فَرْقٌ في خِدمتهما، وصحيحٌ أنَّ بولسَ كانَ شخصًا قادرًا على المواجهة، وصحيحٌ أنَّ بولسَ كانَ قائدًا مُخَضْرَمًا بينَ القادة، ولكنَّهُ كانَ في قلبِه [ببساطة] عاملاً كأيِّ شخصٍ آخر يَعمَلُ عَمَلَ الله. وكانَ لديهِ حِسٌّ رائعٌ بروح الفَريق. وقد كانت خِدمةُ تيموثاوس تَحظى بالاحترامِ عِندَهُ مِثلَ خِدمتِه هو. وبولس يقول: "عامِلوهُ مُعاملةً لائقة".

وأنا أُحِبُّ حقيقةَ أنَّ بولس لم يكن يَملِكُ طُموحًا شخصيًّا. فحتَّى في رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل، عندما كانَ مسجونًا وظَهَرَت مجموعة أخرى مِن الكَارِزين، وعندما بَدا أنَّ نَجْمَ بولس ابتدأَ يَخبو فجأةً لأنَّه كانَ مسجونًا آنذاك، وكانت حَياتُهُ مُهَدَّدة، وكانَ قد أَوشَكَ على الموت وظَهَرَ أشخاصٌ جُدُد يقولون: "نحنُ الكَارِزونَ الجُدَد"، وابتدأت الكنيسة تَلتفِت إليهم، وكانوا كارِزينَ مِن نوعٍ آخر، وكانوا يُلاقونَ شعبيَّةً واسعة، وكانوا الأشخاصَ الَّذينَ يَرغبُ الجميعُ في سَماعِهم، وكانوا يقولونَ، أو كانَ بعضٌ منهم يقول: "لقد سُجِنَ بولس لأنَّه أَفسَدَ خِدمَتَه فاضطُرَّ الرَّبُّ إلى وَضعِهِ على الرَّفّ لأنَّ أساليبَهُ باتَت قديمة...وهَلُمَّ جَرَّا"، فإنَّ بولسَ يقول: "انظروا! هناكَ قَومٌ يَكرِزونَ بالمسيح عن تَحَزُّبٍ ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقًا. فَهُم يُريدونَ أن يُؤذوني". ولكنَّهُ يقول: "هل أُبالي بذلك؟ "ما يَهُمُّني هو أنَّهُ يُنَادَى بالمَسِيح، وَبِهذَا أَنَا أَفْرَحُ" (في رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل). فهو لم يكن لديهِ طُموحٌ شَخصيٌّ، ولم يَكُن يَرغبُ في أن يكونَ صاحِبَ المكانةِ العُليا، بل كانَ مُتحمِّسًا جدًّا لدَعْمِ أيِّ شخصٍ يَخدِمُ الرَّبَّ ويَعملُ عملَ الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبّ. وإن لم يكونوا يَقومونَ بالعمل بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبُّ، كانَ يُخبرهم بذلك. أمَّا كلُّ شخصٍ يقومُ بعمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبُّ فكانَ في فَريقِه. ففي رسالة رومية والأصحاح 16، هل تُدركونَ أنَّه كَتَبَ تلك الرِّسالة العظيمة... رسالة رُومية وخَصَّصَ الأصحاحَ السَّادس عشر للإشارة إلى أربعةٍ وعشرينَ شخصًا، وإلى بَيْتَيْن، ومِن بينِ هؤلاء سبع نساء ساعَدنَهُ في عمل الرَّبّ وكُنَّ جُزءًا مِن الفريق؟ فلا يُمكنكَ أن تَخدِمَ الرَّبَّ بمفردك، بل يجب عليك أن تُدرك أنَّكَ تُسهِمُ في عَمَلٍ جَماعيٍّ. فلا يُمكنكَ أن تَخرجَ وتكونَ النَّجم، بل يجب عليكَ أن تَنتمي إلى الفَريق.

فنحنُ نَقرأُ دائمًا عن بولس وسيلا، أو بولس وبرنابا، أو بولس ولوقا، أو بولس وأَرِسْتَرْخُس، أو بولس ومَرقُس، أو بولس وتيموثاوس، أو بولس وشخصٍ آخر. لِذا، يجب على الشخص الَّذي يَعمل عمل الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبُّ أن يُدركَ أنَّهُ جُزءٌ مِن الشَّركة، وأنَّ خِدمَتَهُ تَقتضي منه أن يَبني الآخرينَ، وأن يُشجِّعَ الآخرينَ، وأن يَدعمَ الآخرين. فهو يقول: "اعتَنوا بتيموثاوس كما تَعتنونَ بي". وقد قال: "لقد قاربَ أَبَفْرُودِتُس الموتَ، وأنا مَسرورٌ لأنَّه لم يَمُت". وقد قال ذلك في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني: "لأنِّي كنتُ بحاجة مُلِحَّة جدًّا إليه". لقد كنتُ بحاجة مُلِحَّة جدًّا إليه. وعندما صارَ عَجوزًا قال: "أريدُ منكم أن تُرسلوا مَرقُسَ. فأنا بحاجة إلى أن يكونَ مَرقُسَ مَعي... يوحنَّا مَرقُس". فقد كانَ يَمتَلِك روحَ العملِ الجَماعيّ. وأعتقد أنَّ هذه الصِّفة مُهمَّة جدًّا. وأعتقد أنَّه يجب علينا جميعًا أن نَتعلَّمَ ذلك.

وهناكَ فِكرة مُدهشة خَطرت ببالي عندما كنتُ أتأمَّلُ في هذه النُّقطة. ففي الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 4: 5، استمعوا إلى هذه الكلمات... استمعوا إليها وحَسْب. فهو يقولُ لتيموثاوس: "وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ [يا تيموثاوس]. احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ. اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ". اسمع يا تيموثاوس، اخدِم بكلِّ قلبك يا صَديقي. هل تريدونَ أن تَعرفوا شيئًا؟ لقد كانت تلك لحظة مُهمَّة جدًّا في حياة تيموثاوس. فهل تَعلمونَ ما الَّذي كانَ تيموثاوس يَفعلُه حتَّى تلك اللَّحظة؟ كانَ تيموثاوس يَخدِم بولس... ويَخدِم بولس... ويَخدِم بولس. ثُمَّ ذاتَ يوم، قالَ بولس: "تيموثاوس! رَافَقَتْكَ السَّلامة. اذهب الآنَ وتَمِّم خِدمَتَكَ". ولكنَّ أمانَةَ تيموثاوسَ في الخدمة ظَهَرَت بجلاء مِن خلالِ خِدمَتِهِ لبولس. وقد دَعا اللهُ أُناسًا لأن يكونوا قادَةً، ودَعا أُناسًا آخرينَ لأن يَخدموا القادة. وأحيانًا، قد يَستمرُّ الخُدَّامُ الَّذينَ يخدمونَ القادة في القيام بذلك طَوالَ حياتهم. وفي أوقاتٍ أخرى، قد يَخدمونَ وقتًا مُعيَّنًا كفترة تدريبيَّة يَتعلَّمونَ فيها، ثُمَّ إنَّ الرَّبَّ يَدعوهم إلى خِدمةٍ أخرى خاصَّة بهم. ولكن يجب القيام بذلك دائمًا بروح العملِ الجماعيِّ. وقد نَمَا تيموثاوس في الخدمة في أثناء خِدمتهِ لشخصٍ آخر.

وفي الرِّسالة إلى فِليمون، في تلك الرِّسالة الصَّغيرة الرَّائعة عن ذلك العَبْد، نَقرأ في العدد 10: "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، الَّذِي كَانَ قَبْلاً غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي، الَّذِي رَدَدْتُهُ. فَاقْبَلْهُ، الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي". بعبارة أخرى، فإنَّ بولس يقول: "أنا أُحِبُّ هذا الشَّخص. فقد خَدَمني جيِّدًا. وقد استَعنتُ به في خِدمتي. وهو نافعٌ لي. والآن، عامِلهُ كما تُعاملني". ونحنُ نقرأ هنا عن هذا الرَّجُل "فِليمون" الَّذي خَدَمَ بولس. وبالمُقابل فقد خَدَمَهُ بولس ودَافَعَ عنهُ أمامَ "أُنسيمُس". أرجو المَعذرة. لقد كانَ "أُنسيمُس" هوَ العَبد. وقد دَافَعَ عنهُ بولس أمامَ سَيِّدِه "فليمون" وقالَ له: "اعْتَنِ بهذا الرَّجُل العَزيز". فقد كانَ يَملِك رُوحَ العَمل الجَماعيّ. وقد كانَ يَدعَمُ كلَّ شخصٍ في الخدمة.

والآن، رُبَّما دَعانا اللهُ إلى دَعمِ شخصٍ مَا. أو رُبَّما دَعانا اللهُ إلى أن نَخدِمَ بمُفردنا، أو رُبَّما هذا وذاك. أو رُبَّما أن نَخدِمَ هكذا حينًا وهكذا حينًا آخر. ولكن يجب علينا أن نُدركَ أنَّنا نَعملُ في فريق. وعندما قالَ يسوعُ إنَّه يجب علينا أن يُحبَّ بعضُنا بعضًا، وقالَ: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي" كانَ يَقصِدُ ذلك. فعندما يَرى العالَمُ الفريقَ يَعمل معًا بمحبَّة فإنَّ ذلك سيكونُ أعظمَ دليل على صِدقِ شَهادَتِنا.

المبدأُ الأخير: القيامُ بعملِ الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدها الرَّبُّ يَتطلَّب منك أن تكونَ مُرهَفَ الحِسِّ لقيادةِ الرُّوحِ في الآخرين. وكم كنتُ أتمنَّى أن يكونَ لدينا الوقتُ الكافي للتحدُّث عن هذه النُّقطة باستفاضة، ولكنَّني مَدهوشٌ مِمَّا يقولُهُ العدد الثَّاني عشر: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ أَبُلُّوسَ الأَخِ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهِ كَثِيرًا أَنْ يَأتِيَ إِلَيْكُمْ مَعَ الإِخْوَةِ". توقَّفوا هناك قليلاً. فبولس يقول إنَّ تيموثاوس سيأتي. وَهُوَ يقولُ إنَّه سيكونُ معكم. وَهُوَ يقولُ في العدد 11: "فَلاَ يَحْتَقِرْهُ أَحَدٌ، بَلْ شَيِّعُوهُ بِسَلاَمٍ"؛ أي: أرسلوه إليَّ لأنِّي سأنتظر مَجيئَهُ حَتَّى أسمعَ منه أخبارَكُم الطَّيِّبة. فتيموثاوس سيأتي حامِلاً هذه الرِّسالة. وَهُوَ سيَعرف ما يَجري. ثُمَّ أريدُ منكم أن تُشَيِّعوهُ بسلامٍ ليأتي إليَّ. ثُمَّ إنَّه يُتابِعُ الحديثَ فيقول عن أبُلُّوس: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ أَبُلُّوسَ الأَخِ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهِ كَثِيرًا أَنْ يَأتِيَ إِلَيْكُمْ مَعَ الإِخْوَةِ". والآن، لماذا أرادَ بولس مِن أبُلُّوس أن يذهبَ مع تيموثاوس وأَرَاسْتُس؟ بسبب ما حدث في كنيسة كورِنثوس إذ إنَّ النَّاسَ كانوا يقولونَ: "أنا لِبُولُس" وَ "أنا لأبُلُّوس". أليس كذلك؟ فقد كانت لديهم تلك التَّحَزُّبات الصَّغيرة. لذا فقد قال: "أبُلُّوس، سيكونُ مِن الرَّائع أن تَذهبَ وتُخبرهم أنَّ هذا هُراء. أنا لا أريدُ تَقديرَكُم، ولا أريدُ هذا الصَّخب. فنحنُ جميعًا خُدَّامٌ للرَّبّ.

فبولس يقولُ لأبُلُّوس: يُمكِنُكَ أن تُقَوِّمَ هذا الأمرَ بِرُمَّتِه. ويُمكنكَ أن تُصلِح هذه الفِكرة المَغلوطَة بأسرِها. لذا فإنَّه يقول: "يا لَيتَكَ تَذهبُ مع الإخوة". ولكن في نهايةِ المَطاف، كانَ بولس هو القائدُ في تلك الكنيسة. وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ شَخصًا ذا سُلطان. ولكنِّي أُحِبُّ ما يقولُهُ هنا في مُنتصف العدد 12: "وَلَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ الْبَتَّةَ أَنْ يَأتِيَ الآنَ". ألا تَجدونَ أنَّ هذا الأمر جيِّد؟ فقد قالَ أبولس: "لا شُكرا يا بولس، لا أرغبُ في الذَّهاب. فأنا مَشغولٌ جدًّا بخِدمةٍ أخرى". وقد تقول: "وماذا قالَ بولس؟" لقد قال: "وَلكِنَّهُ سَيَأتِي مَتَى تَوَفَّقَ الْوَقْتُ". أليسَ ذلكَ الأمرُ رائعًا؟ فبولس لم يُرغِم ذلك الشَّخص. وَهُوَ لم يَقُل لَهُ: "هل تُدرك مَن هو خادِم الأُمَم؟ وهل تَعلَم مَنِ الَّذي يَتحدَّث إليك؟ أنا بولس! أتَعلمُ مَن أكون؟ أنا بولس صاحِب ذلك الاختبار العظيم في الطَّريق إلى دِمَشق!" ولكنَّه لم يَقُل لهُ شيئًا مِن ذلك، بل قالَ وَحَسْب: "لقد قُلتُ لهُ رأيي. وقد شاركتُ معَهُ فِكرتي. وقد قالَ إنَّهُ لا يَرغبُ في الذَّهاب، ولكنَّهُ سيأتي عندما يَجِد نفسَهُ مُستعدًّا". وهذا جيِّد جدًّا. فلا يُمكنكَ أن تُرغِمَ الآخرينَ على القيامِ بعملِ الرَّبّ، بل يجب عليك أن تَنتظر إلى أن يَعملَ رُوحُ اللهِ في قلوبهم. ونحنُ هنا أمامَ رَجُلٍ يَمتلِك سُلطانًا، ولديهِ أفكار، ولديهِ استراتيجيَّة، ولديهُ خُطَط، ولكنَّهُ يَصبِر إلى أن يَعملَ رُوحُ اللهِ في قلبِ أيِّ شخصٍ آخر في الفريق. لِذا، مِن المُهمِّ جدًّا للشَّخص الَّذي يَعمل في حَقل الخدمة أن يَمتلك رُوح الفَريق، وأن تُدرك أنَّ روحَ اللهِ يَعمل لا فقط مِن خلالِكَ أنتَ فقط للقيامِ بكلِّ العمل، بل يَعمل في قلبِ كلِّ شخصٍ آخر أيضًا. لِذا، يجب عليكَ أن تكونَ مُرهَفَ الحِسِّ لما يقولُهُ اللهُ. لا تُملي رأيَكَ على الخُدَّام الآخرين، ولا تَتسلَّط عليهم، بل اسمَح لروحِ اللهِ أن يَعمل. وكُن صَبورًا.

حسنًا! إنَّ هذه النِّقاط عَمليَّة يا أحبَّائي. كيف تَعمل عملَ الرَّبِّ بالطَّريقة الَّتي يُريدُها الرَّبُّ؟ بأن تكونَ لديكَ رُؤية للمستقبل، وبأن تَتحلَّى بالمُرونة، وبأن تَعملَ العملَ بإتقان، وبأن تُكَرِّس نفسَكَ لخدمةٍ حاليًّا، وبأن تَقبلَ المُعارضة كما لو كانت تَحدِّيًا، وبأن تَعملَ بروحِ الفريق، وبأن تكونَ مُرهَفَ الحِسِّ لإرشادِ الرُّوحِ القُدُس في حياةِ الآخرين. وقد كنتُ أتمنَّى لو كانَ لدينا وقتٌ أطول للاستفاضة في حديثِنا عن هذه النِّقاط لأنَّه يمكننا حقًّا أن نقولَ المزيدُ عنها، ولكنَّ وقتَنا مَحدود.

واسمحوا لي أن أختِمَ ببِضعِ أفكار. اسمعوني: كانَ الواعِظ العجوز "سيدني سميث" (Sydney Smith) واعظًا عجوزًا عظيمًا في إنجلترا. وقد سألَهُ شخصٌ يومًا: "سَيِّد سميث، كيف تُفَسِّر النَّجاحَ العظيم للنَّهضة الميثوديَّة الَّتي شَهِدَتها إنجلترا؟ كيفَ تُفَسِّرُ ذلك؟" وإليك ما قالَهُ، وأنا أُحِبُّ ذلك. فقد قال: "الجوابُ بَسيط يا سَيِّدي: لقد عَكَفوا جميعًا على الخِدمة، وبَقوا دائمًا مُنهَمِكينَ فيها". وأنا أُحِبُّ ذلك. وهل تَعلمونَ ماذا أُحِبُّ أن يُقال عن كنيسة النعمة (Grace Church)؟ أُحِبُّ أن يُقال: "إنَّ هؤلاءِ النَّاسَ في كنيسة النعمة عاكِفونَ جميعًا على الخِدمة، وَهُم مُنْهَمِكونَ دائمًا فيها". أو كما جاءَ في الرِّسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 15: 58: "مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ". ولَيتَنا نَعكِفُ جميعًا على الخِدمة، وأن نَبقى دائمًا مُنهَمِكينَ فيها حتَّى عندما يأتي الرَّبُّ يسوعُ لمُكافأتِنا فإنَّه سيُكافئنا قائلاً: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! لقد قُمتَ بالعملِ الَّذي أَوكَلتُهُ إليكَ لتَفعلَه".

يا رَبّ، نَشكُرُك في خِتامِ وَقتِنا في هذا الصَّباح على الطَّبيعة العَمليَّة لهذا المَقطَع، وكيف أنَّه يُرينا مَرَّةً أخرى الحاجةَ إلى تَرتيبِ أولويَّاتِنا، وإلى تَنظيمِ حياتِنا حول خِدمتِك. فهي الشَّيءُ الوحيدُ المُهمّ حَقًّا. ساعِدنا على أن نكونَ أُمناءَ ومُجتَهِدين. وساعِدنا على أن نُتَمِّمَ عَمَلَكَ بطريقتِك لكي يكونَ تَمجيدُكَ هو النَّتيجة. باسمِ يسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize