Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مَعي مِن فَضلِكُم، ولنَنظُر معًا إلى الأصحاحِ الرَّابع مِن رسالة أفسُس والآيات مِن 17 إلى 24. فهذا هو نَصُّنا الدِّراسيّ لهذا الصَّباح. رسالة أفسُس 4: 17. وأودُّ أن أقرأَ هذا المَقطعَ على مَسامِعِكُم. وبعدَ أن أُبَيِّنَ الخَلفيَّة، سنتأمَّلُ في هذا النَّصِّ ونَرى ما يُريدُ اللهُ أن يَقولَهُ لنا في هذا الصَّباح. رسالة أفسُس ابتداءً مِنَ العدد 17 إذْ يَقولُ الرَّسول بولُس:

"فَأَقُولُ هذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ: أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ. اَلَّذِينَ ­إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ­ أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هكَذَا، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ، أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ".

سوفَ نَتوقَّف هُنا. عندما قَبلتُم يسوعَ المسيحَ، وعندما وُلِدتُم ثانيةً، وعندما دَخلتُم مَلكوتَ اللهِ، حَدثَ تَغييرٌ رائعٌ في طَبيعِتُكم الأساسيَّة. فأنتَ شخصٌ مُختلف تَمامًا. والحقيقةُ هي أنَّ التَّغييرَ الَّذي حَدَثَ عندما خَلَصْتَ مُؤثِّرٌ أكثرَ مِنَ التَّغييرِ الَّذي سيَحدُثُ عندما تَموت لأنَّ طَبيعتَكَ الجَديدة قد خُلِقَت. وقد تَمَّ تَشكيلُ شَخصيَّتِكَ الجديدة. وقد صِرتَ مُلائمًا للسَّماء. وقد صِرتَ مُواطنًا في مَلكوتِ الله. وكُلُّ ما سيَفعلُهُ الموتُ هو أنَّهُ سيُحَرِّرُ تلكَ الطَّبيعةَ الجديدةَ كي تَدخُلَ إلى حَضرةِ الله. فأعظمُ تَغييرٍ قد حَدَثَ عندما خَلَصْتَ وصارَ كُلُّ شيءٍ جَديدًا. وفي رسالة كورِنثوس الثانية 5: 17، قالَ بولُس: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ". والآن، لاحِظوا ما يَلي. إنَّهُ خَليقة جَديدة. فهو لا يَحصُل على شيءٍ جديد، بل هو جَديد. "الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". فهناكَ خَليقة جَديدة. وفي رسالة غَلاطيَّة 2: 20، يَقولُ بولُس: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا...". فأنا خَليقةٌ جديدة. ولكنَّني لستُ أنا، بل إنَّ الحياةَ الَّتي أَحياها الآن هي حَياةُ المسيحِ الَّذي يَحيا فِيَّ. والآن، أريدُ مِنكُم أن تَستمرُّوا في التَّركيزِ على تلكَ الفِكرة. فأنتَ خَليقة جَديدة، وأنا خَليقة جديدة. إنَّها خَليقة جَديدة.

عندما تَدرُسونَ رسائلَ بولُس ستجِدونَ أنَّهُ يَتحدَّثُ عن إرادَة جَديدة، وذِهْنٍ جَديد، وقَلبٍ جَديد، وقُوَّة جَديدة، ومَعرفة جَديدة، وحِكمة جَديدة، واستيعابٍ جَديد، وفَهْمٍ جَديد، وحياةٍ جَديدة، ومِيراثٍ جَديد، وعَلاقة جَديدة، وبِرٍّ جَديد، ومَحبَّة جَديدة، ورَغبة جَديدة، ومُواطَنَة جَديدة، وهَلُمَّ جَرَّا. والحقيقةُ هي أنَّهُ لتَلخيصِ ذلكَ فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّها جِدَّة الحَياة... جِدَّة الحَياة. وقد سَمِعتُ أشخاصًا كثيرينَ يُعَلِّمونَ أنَّهُ عندما تَصيرُ مَسيحيًّا فإنَّ اللهَ يُعطيكَ شيئًا جَديدًا. فأنتَ ما تَزالُ تِملِكُ طَبيعَتكَ القديمة؛ أي أنَّ طَبيعَتَكَ الخاطئةَ القديمة ما تَزالُ مَوجودة، وما إلى ذلك؛ ولكنَّ اللهَ يُعطيكَ شيئًا جَديدًا. ولكِن بِحَسَبِ كلمةِ اللهِ، أنتَ إنسانٌ جَديد. فالأمرُ ليسَ مُجَرَّدَ إضافَة، بل هُوَ تَغييرٌ جَذريٌّ. هل تَفهمونَ الفَرق؟

فأنتَ تَصيرُ جَديدًا. "مَعَ المَسيحِ صُلِبْتُ". وإنساني العَتيقُ لم يَعُد مَوجودًا. "فَأحْيَا"؛ أي: أقومُ ثانيةً. "فَأحْيَا لا أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". "فَأحْيَا لا أَنَا [كما يَقولُ بولُس]، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ". اسمَعوني يا أحبَّائي: يجب عليكم أن تَفهموا هذا الأمرَ مُنذُ بِدايةِ حَديثِنا في هذا الصَّباح. فأنتَ إنسانٌ جَديد. وقد تَقول: "إن كُنتُ إنسانًا جَديدًا كما تَقول، لماذا أُخطِئ؟" لأنَّكَ إنسانٌ جَديدٌ تَرتدي ثَوبًا عَتيقًا نَتِنًا. وذلكَ الثَّوبُ هوَ الجَسَد؛ أي طَبيعَتُكَ البَشريَّة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية 7: 17 ورسالة رُومية 7: 20 أنَّ بولسَ يَقول: "بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ". ثُمَّ مَرَّةً أخرى في العدد 20: "بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ". بعبارة أخرى، عندما أُخطئ، فإنَّ طَبيعتي الجديدةَ ليست هي الَّتي تُخطِئ.

والآن، قد يكونُ هذا الكَلامُ جَديدًا عَليكُم. لِذا، رَكِّزوا مَعي. فهو يَقول: "لستُ أنا مَن يَفعل ذلك". فمَن يَفعل ذلك ليسَ أنا المُقام مِنَ الأموات، وليسَت تلكَ الطَّبيعة الجديدة هي الَّتي تُخطِئ. وبالمُناسبة، لا تُوجَد طَبيعة عَتيقة. فهذهِ عِبارة ليست كِتابيَّة؛ بل إنَّ هُناكَ إنسانًا عَتيقًا. ولكنَّ الإنسانَ العَتيقَ قد مَضى. وقد صِرتَ إنسانًا جَديدًا. ولكنَّ الإنسانَ الجديدَ ليسَ هُوَ الَّذي يُخطِئ [كما يَقول]، "بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ". بِعبارة أخرى، إنَّ ذلكَ الثَّوبَ العَتيقَ النَّتِنَ الَّذي يَرمِزُ الى طَبيعتِنا البَشريَّةِ هوَ الشَّيءُ الَّذي ينبغي لطبيعتِنا الجديدةِ أن تَحْتَمِلَهُ إلى أن يَحينَ وقتُ انطلاقِها لِتَكونَ معَ الرَّبّ. لِذا فإنَّ الشَّيءَ الَّذي ينبغي أن تَتعامَلَ مَعَهُ بصفتِكَ مَسيحيًّا هوَ ذلكَ الثَّوب العَتيق النَّتِن. فيجب عليكَ أن تَخلَعَهُ. لِذا فإنَّ بُطرسَ يَستخدِمُ الفِعلَ: "اطرَحُوا" الَّذي يُشيرُ إلى خَلْعِ المَلابسِ القَذِرَة وَإلقائِها بَعيدًا في رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الثَّاني. اخلَعوا ذلكَ الثَّوب.

فنحنُ لسنا أشخاصًا مُحَسَّنين. أريدُ مِنكُم أن تَعلَموا ذلك. ونحنُ لسنا مُجَرَّد شيءٍ أُضيفَ إليهِ شَيءٌ آخر. فأنا لا أعتقد أنَّ للمؤمنِ طَبيعَتَيْن، بل أعتقدُ أنَّ للمُؤمِنَ طَبيعة واحدة جديدة. فأنا أموتُ، والأنا يَموتُ، وأنا أحيا. لِذا فإنَّ المُؤمِنَ هو إنسانٌ واحدٌ جَديد، وخَليقة جَديدة تَمامًا. فأنا إنسانٌ حَيٌّ جَديد. ولكنَّ الخطيَّة مُشكلة لأنَّ الإنسانَ يَرتدي ثَوبًا عَتيقًا نَتِنًا هو: طَبيعَتُهُ البَشريَّة. وما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ هو حقيقةُ أنَّهُ ينبغي لنا أن نَخلَعَ ذلكَ الثَّوب القَديم النَّتِن. فالإنسانُ الجديدُ يَسلُكُ سُلوكًا بَشريًّا جَديدًا. ويجب علينا أن نَلبَسَ الإنسانَ الجَديد (أيِ الطَّبيعة البشريَّة الجديدة) لكي نَنسَجِمَ ونَتوافقَ ونَسلُكَ معَ الطَّبيعةِ الجديدة. ولكن يجب على الأغلبيَّة مِنَّا أن تُصارِع مِن أجلِ التَّخلُّصِ مِن ذلكَ الثَّوب العَتيق.

وفي رسالة كولوسي والأصحاحِ الثَّالث، يَقولُ بولُس: "فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيح"؛ بعبارة أخرى، إنساني العَتيقُ قد ماتَ، وإنساني الجديدُ قد قامَ. فإن كُنتُم قد تَغيَّرتُم وحَصلتُم على طَبيعةٍ جديدة، وقُمتُم معَ المسيحِ: "فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: الزِّنَا، النَّجَاسَةَ، الْهَوَى، الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ، الطَّمَعَ"، وهَلُمَّ جَرَّا. بعبارة أخرى، يجب عليكم أن تَتخلَّصوا مِنَ الثَّوبِ العَتيقِ النَّتِن. عندما ذَهبتُ إلى "هَيئة إنقاذ المُشَرَّدين" (Union Rescue Mission) قبلَ سَنواتٍ وَوَعَظْتُ هُناكَ، أَرُوني غُرفةَ التَّفْلِيَة مِنَ القَمْل حيثُ إنَّهُم يَأخذونَ الأشخاصَ المُشَرَّدينَ إليها ويُفَلُّوهُم مِنَ القَمْلِ العالِقْ بِهِم. وكانت هُناكَ أعدادٌ هائلةٌ مِنَ القَمْلِ العالِقِ بهؤلاءِ النَّاس. وكانوا يَحرِقونَ مَلابِسَهُم. فَلا فائدةَ مِن تَخليصِ شخصٍ مِنَ القَمْلِ ثُمَّ السَّماحِ لَهُ بارتداءِ مَلابسِهِ القديمة. فلن يُصَدِّقَ أحدٌ أنَّهُ قدِ استَحَمَّ.

فيجب أن يَرتدي الإنسانُ الجديدُ ثَوبًا جَديدًا. والأمرُ نَفسُهُ يَصِحُّ على النِّطاقِ الرُّوحيّ. فعندما نَحصُلُ على طَبيعةٍ جديدة، وعندما نُولَد ثانيةً في يسوعَ المسيح، وعندما نَصيرُ أشخاصًا جُدُدًا، وعندما نَتغيَّرُ، فإنَّنا نَصيرُ الآنَ وفي هذا الوقتِ وهذهِ اللَّحظةِ جَاهِزينَ للسَّماءِ الأبديَّة. فطبيعتُنا جاهزة. لِذا، يجب علينا أن نَطرَحَ الأنماطَ العَتيقةَ، والأشياءَ القديمةَ، والمُمارساتِ القديمة، والحياةَ القديمةَ الَّتي كُنَّا نَتشَبَّثُ بِها. فصُورةُ المسيحِ قد تَشَكَّلَت فينا. وحَتَّى إنَّ بولسَ قالَ ذلك. فقد قال: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ" في رسالة غلاطيَّة 4: 19. فحياةُ المسيحِ نَفسُها مَوجودة فينا. ونحنُ [حَسَبَ ما جاءَ في رسالة أفسُس والأصحاح الثَّاني]: "مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". ولكنَّ الصِّراعَ هُوَ معَ تلكَ الخطيَّة؛ أي معَ ثَوبِ الخطيَّةِ ذاكَ الَّذي هو طَبيعتُنا البشريَّة.

وسوفَ يَتحدَّثُ بولسُ عن هَذهِ المسألةِ بِعَينِها هُنا. وسوفَ يُخبرُنا (ابتداءً مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ والعدد 17 إلى نِهايةِ هذهِ الرِّسالة) كيفَ نَتخلَّص مِنَ الثَّوبِ العَتيق؛ أي كيفَ نَتخلَّص مِنَ الأشياءِ العَتيقة، وكيفَ نَلبَسُ الثَّوبَ الجَديدَ الَّذي يُلائِمُ الإنسانَ الجديد. فهذه هي نُقطَتُهُ الرَّئيسيَّة. فقد عَرَفنا ما هُوَ الإنسانُ الجديدُ في الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ الأولى. أليسَ كذلك؟ والآن، سوفَ نَعرفُ كيفَ يَحيا الإنسانُ الجَديدُ في الأصحاحاتِ الثَّلاثةِ الأخيرة. فقد تَحدَّثَ عنِ الطَّبيعةِ الجديدةِ وكُلِّ ما يَختصُّ بها في الأصحاحات 1-3. وَهُوَ سيَتحدَّثُ الآنَ عنِ الثَّوبِ الجديد، أوِ الإنسانِ الجديد، أو عن لَبْسِ الإنسانِ الجديد، وعن خَلْعِ الثَّوبِ الخارجيِّ العَتيقِ، والتَّخَلُّصِ مِنَ المَظهرِ الخارجيِّ العَتيقِ أوِ الإنسانِ العَتيق. وهذا يُشبِهُ ما جاءَ في رسالة رُومية 6: 13.

فإن كُنَّا حقًّا قد قُمنا معَ المسيح، وإن كُنَّا حقًّا قد تَغيَّرنا وصِرنا جُدُدًا، لا يَجوزُ لنا أن نُقَدِّمَ أعضاءَنا آلاتِ إثمٍ للخطيَّة؛ بل يجب علينا أن نُقدِّمَ ذَواتِنا لله. والسَّببُ في أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَزْخُرُ بالكلمة "إذَنْ" هو أنَّهُ يجب علينا أن نَسلُكَ حَسَبَ طَبيعتِنا. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَزْخُرُ بالكلمة "إذَنْ" أو "فَاء السَّبَبِيَّة". والحقيقةُ هي أنَّ الأصحاحَ الرَّابعَ يُقَدِّمُ لنا مَثَلاً إيضاحيًّا جيِّدًا إذْ إنَّ العددَ الأوَّلَ يَستخدِمُ فَاءَ السَّبَبِيَّةَ، والعَدد 17 يَستخدِمُ فَاءَ السَّبَبِيَّةَ، والعَدد 25 يَستخدِمُ الكلمة "لِذلك"، والأصحاح الخامِس يَستخدِمُ فَاءَ السَّبَبِيَّة. والحياةُ المسيحيَّةُ هي مَجموعةٌ مِنَ الأسبابِ والنَّتائِج. لماذا؟ لأنَّها تَقتضي مِنَّا تَجاوُبًا وَطاعةً للهُويَّةِ الَّتي وَهَبَنا اللهُ إيَّاها في المسيح.

والآن، سوفَ نَرى كيفَ تَعملُ الطَّبيعةُ الجديدةُ في سُلوكِ الإنسانِ الجديد. فهذا هو ما سَنُرَكِّزُ أفكارَنا عليهِ في أثناءِ تأمُّلِنا في هذا النَّصّ. والآن، أريدُ مِنكُم أن تَرجِعوا إلى العددِ الأوَّل لكي نَرى سِياقَ النَّصّ. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ الأوَّل: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ..." – والآن، يُمكنُنا أن نَتوقَّفَ هُنا قليلاً. حسنًا! هذا هو المَغزى الرَّئيسيّ مِنَ الأصحاحات 4 و 5 و 6: السُّلوكُ كَما يَحِقُّ. "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ... أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ...". كَما يَحِقُّ لِماذا؟ " لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا"؛ أيِ الطَّبيعةِ الجَديدة، أوِ الهُويَّةِ الَّتي حَدَّدَ مَعالِمَها في الأصحاحات 1 و 2 و 3. "اسلُكوا كما يَحِقّ". والآن، كيفَ نَفعلُ ذلك؟ كيفَ نَسلُكُ كما يَحِقُّ؟ انظُروا إلى العدد 17. هذه هي الطَّريقةُ الأولى: "فَأَقُولُ هذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ: أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَم".

والآن، هذا هو الشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي يَقولُهُ بخصوصِ السُّلوكِ كما يَحِقُّ. فهو سُلوكٌ مُختلف. فيجب علينا أن نَعيشَ حَياةً مُختلفةً عن تلكَ الَّتي يَعيشُها العالَم. وهُناكَ جَدَلٌ حَولَ ما إذا كانتِ العِبارة "كما يَسلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ" مَوجودة أَم غير مَوجودة في مَخطوطاتٍ مُعيَّنة. ولأغراضِ دِراستِنا، سوفَ نَذكُرها لأنَّهُ يَذكُرُها تَلميحًا إن لم يَكُن تَصريحًا. وأنا أَميلُ إلى تَصديقِ حَقيقةِ أنَّها مَوجودة في النَّصِّ بأيِّ حَال. ولكنَّ المَعنى المَقصودَ هُنا هي أنَّهُ يجب علينا أن نَسلُكَ كما يَحِقُّ (في العددِ الأوَّل). ثُمَّ إنَّهُ يُقَدِّمُ هذا المَقطعَ الفَاصِلَ الَّذي يَبتدئُ بالعددِ الثَّاني ويَنتهي بنهايةِ العددِ السَّادس عشر عنِ الوَحدة والنُّضجِ الرُّوحيِّ والنُّموِّ لأنَّها سِماتٌ لا بُدَّ أن تُوجَدَ في الكنيسة. بعبارة أخرى، لقد تَحَدَّثَ بِعموميَّةٍ عن كيفَ ينبغي للكنيسةِ أن تَسلُك. وَهُوَ يَتحدَّثُ الآنَ بطريقةٍ أكثر تَحديدًا. وأنتُم تَجِدونَ أنفُسَكُم هُنا [بِصِفَتِكُم مُؤمنينَ] وَجهًا لِوجهٍ أمامَ ما يُريدُ مِنكُم أن تَفعلوه.

فكيفَ ينبغي لي أن أسلُكَ كما يَحِقُّ؟ أوَّلاً، اسلُكوا لا كما يَسلُكُ سَائِرُ الأُمم. والفَاءُ السَّبَبِيَّة في الكلمة "فَأقولُ" تُكْمِلُ الحَديثَ مِن حيث انتَهى في الأعداد مِن 1 إلى 16. وإن كُنتُم تَتساءلونَ عَمَّا تُشيرُ إليهِ الفاءُ السَّببيَّة هُنا، أعتقدُ أنَّها تُشيرُ إلى كُلِّ شيءٍ بسببِ الدَّعوةِ الَّتي دُعينا إليها، وبسببِ الاتِّضاعِ الَّذي يُريدُهُ اللهُ مِنَّا، وبسببِ الوَداعةِ وبَساطَةِ الفِكر، وبسببِ حَقيقةِ أنَّنا واحِدٌ مِن جَميعِ الجَوانِب، وبسببِ أنَّ يسوعَ المسيحَ أعطانا مَواهِبَ فَريدةً بِصِفتِنا أعضاءً في جَسدِه، وبسببِ أنَّهُ أَعطَى الكنيسةَ مَبادئَ النُّضجِ والنُّموِّ والبُنيانِ وقَوْلِ الحقِّ بمحبَّة. فبسببِ كُلِّ تلكَ الأشياء، يجب عليكم أن تَسلُكوا كما يَحِقُّ.

وكأنَّهُ يَقولُ إنَّ اللهَ خَلَقَ كِيانًا رائعًا في العالَمِ يُعرَفُ باسم "الكَنيسة". وبسببِ هذهِ الخَليقةِ الفَريدة الَّتي تَعيشُ نَمَطًا فَريدًا مِنَ الاتِّضاعِ، ووَحدةً فَريدةً، وتَتمتَّعُ بقوَّةٍ فَريدةٍ بسببِ المَواهبِ والأشخاصِ المَوهوبين، ولَها مَصيرٌ فَريدٌ إذْ إنَّها قائمة على المحبَّة... بسببِ هذا التَّفَرُّدِ العَجيبِ لهذه الخَليقةِ المُدهشةِ الَّتي تُسَمَّى "الكنيسة"، يجب عليكُم أن تَسلُكوا هَكذا. ويُمكنُكم أن تَرَوْا شُموليَّةَ الصُّورةِ التي ينبغي أن تَكونَ عليها الكنيسة. وهُنا، يجب عليكَ كَفَرْدٍ أن تَتصرَّفَ بهذه الطَّريقة. لِذا فإنَّهُ يَنتقلُ مِنَ التَّعميمِ إلى التَّخصيص. وقد تقول: "حسنًا! أنا جُزءٌ مِن هذه الكنيسة. وأنا أعرفُ أنَّهُ يجبُ على الأشخاصِ المَوهوبينَ أن يَفعلوا ما يَنبغي لَهُم أن يَفعلوهُ لِتَكميلِ القِدِّيسين، وأنَّهُ يجب على القِدِّيسينَ أن يَقوموا بعملِ الخِدمة. وأنا أعرفُ أنَّ اللهَ أعطاني مَواهبَ رُوحيَّة. وأنا أعرفُ أنَّهُ يجب عليَّ أن أعرفَ هذه الوَحدة وهذهِ الوَحدانيَّة. وأنا أعرفُ أنَّهُ يجب عليَّ أن أكونَ وَديعًا ومُتواضِعًا. والآن، كيفَ أُمارِسُ ذلكَ في حياتي اليوميَّة؟ كيفَ أُطَبِّقُ ذلكَ في العالَم؟

المبدأُ الأوَّل: لا يَجوزُ أن تَسلُكوا كَما يَسلُكُ سَائِرُ العالَم. فحياتُكُم مُختلفة. إنَّها فَريدة. وأنتُم مَجموعة فَريدة. أنتُم كَنيسةُ يَسوعَ المسيح. فالعالَمُ مُتَكَبِّر؛ أمَّا أنتُم فمُتواضِعون. والعالَمُ مُقَسَّم؛ أمَّا أنتُم فَمُتَّحِدون. والعالَمُ عَاجِزٌ؛ أمَّا أنتُم فَمَوهوبون. والعالَمُ مَملوءٌ كَراهيَّة؛ أمَّا أنتُم فَتَفيضونَ مَحَبَّةً. والعالَمُ لا يَعرفُ الحقَّ؛ أمَّا أنتُم فتَعرِفونَهُ. وبسببِ كُلِّ هذهِ الأشياء، وبسببِ تَفَرُّدِكُم، يجب عليكم أن تَسلُكوا هَكذا وأن تكونوا مُختَلِفينَ؛ أي مُختَلِفينَ عنِ الطَّريقةِ الَّتي يَسلُكُ بها العالَم. فلا يُمكنُكم أن تُحَقِّقوا الأهدافَ المَجيدةَ للمسيحِ مِن خلالِ العَيْشِ بالطَّريقةِ الَّتي يَعيشُ بها العالَم. فكما تَعلمونَ فإنَّ العَيشَ كأهلِ العالَمِ هُوَ تَشَبُّهُ بالأموات. وهذا أمرٌ ليسَ مَنطقيًّا ولا مَعنى لَهُ.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ المسيحيَّة.... وأعتقد أنَّهُ مِنَ المُهمِّ أن تَدركوا هذا الأمر... هي نَسْلٌ ثَالِثٌ. فقد كانَ يوجدُ يَهودٌ وأُمَمٌ، ثُمَّ صارَ يُوجَدُ مَسيحيُّون. فنحنُ نَسْلٌ جَديد... نَسْلٌ رُوحيٌّ... نَسْلٌ لا يَتَدَنَّسُ. ويجب علينا أن نَسلُكَ وَفقًا لذلك. فنحنُ خَلائقَ جَديدة. ونحنُ مُناسبونَ للحياةِ الأبديَّة. ونحنُ أبرارٌ وقِدِّيسونَ مِن جِهَةِ تلكَ الطَّبيعةِ الجديدةِ ويُمكنُنا أيضًا أن نَتَخَلَّى عن نَمَطِ الحياةِ العَتيقِ النَّتِن. وبالرَّغمِ مِن ذلك، أليسَ مِنَ المُحزِنَ أنَّهُ عِوَضًا عن أن تَجعلَ الكَنيسةُ العَالَمَ يَسلُكُ حَسَبَ مَبادئِ المسيحِ فإنَّ العالَمَ يَصُبُّنا في قَالَبِهِ؟ والكلمة "أُمَم" – انظُروا إليها قليلاً في العَدد 17: "إثني" (ethne).

وقد اشتَقَّينا الكلمة "إثنيك" (ethnic) مِنها؛ وهي كلمة تُشيرُ إلى: "الأُمَمِ" أوِ "الشُّعوبِ" أو إلى "عَبَدَةِ الأوثانِ، أوِ "الوَثَنِيّينَ" (كما تُتَرجمُ أحيانًا)، أو إلى "الأُمَم". وهي [ببساطَة] لَفْظَة عِرقيَّة. وهي تُستخدَمُ في العهدِ الجديدِ عندَ التَّحَدُّثِ عنِ الأعراقِ للإشارةِ إلى غيرِ اليهود. فهذا هو مَعناها القَومِيّ. ولكِن عَدا عن ذلك فإنَّها تَنطوي على مَعنىً دِينيّ. وإن أردتُم أن تَعرفوا ما هو المَعنى الدِّينيّ، يَكفي أن تَنظُروا إلى رسالة تسالونيكي الأولى 4: 5 لأنَّها تَقولُ ما يَلي – رسالة تسالونيكي الأولى 4: 5: "لاَ فِي هَوَى شَهْوَةٍ كَالأُمَمِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ". فَمِن جِهَة، إنَّ الكلمة "إثني" (ethne) أو "أُمَم" تُشيرُ إلى جَماعة عِرقيَّة مِن غيرِ اليَهودِ مِنَ النَّاحيةِ العِرقيَّة. ومِن جِهة أخرى فإنَّها تُشيرُ دِينيًّا إلى الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعرفونَ مَن؟ الله – الله. الَّذينَ لا يَعرفونَ الله.

لِذا فإنَّ المَعنى المَقصودَ هو أنَّهُ لا يَجوزُ لكَ أن تَسلُكَ... والسُّلوكُ [بالمُناسبة] يُشيرُ إلى الحياةِ اليوميَّة. فلا يَجوزُ أن تَسلُكَ في حَياتِكَ اليوميَّةِ على غِرارِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعرفونَ الله. فالأمرُ بهذهِ البَساطَة. فأنتَ تَعرفُ اللهَ. وقد وَجَدَ المؤمنونَ في العالَمِ القديمِ أنَّ تَطبيقَ ذلكَ صَعب. فهُناكَ الحياةُ الوَثنيَّةُ في كُلِّ مَكانٍ مِن حَولِهم، وهُناكَ أفعالُ الوَثنيِّينَ الدَّائمة أمامَ أعيُنِهم. لِذا، كانَ مِنَ الصَّعبِ جدًّا عليهم أن يَعيشوا حياةً مُختلفة – تَمامًا كما هي الحالُ اليوم. فنحنُ أمامَ مُشكلة مُريعة في وُقتِنا الحاضِر. فالكنيسة في أمريكا، والكنيسة حَولَ العالَمِ اليوم؛ ولكن بصورة خاصَّة في أمريكا بسببِ تأثيرِها وبسببِ ما تَنشُرُهُ وسائلُ الإعلامِ مِن شُرور فإنَّها تُواجِهُ وقتًا عَصيبًا في التَّأثيرِ في العالَم.

وكما تَعلمونَ فإنَّ مُشكلتَنا لا تَكمُنُ في جَعلِ أهلِ العَالَمِ يَتَمَثَّلونَ بالمَسيحيِّينَ، بل إنَّ مُشكلتَنا تَكمُنُ في جَعْلِ المَسيحيِّينَ يَتوقَّفونَ عنِ التَّمَثُّلِ بأهلِ العالَم. فهذه هي المُشكلة الرَّئيسيَّة. وهي مُشكلة عَويصة جدًّا بسببِ التَّأثيرِ الهائلِ لمُجتمعِنا. واسمَحوا لي أن أُخبرَكُم عن أفسُس قليلاً. وسوفَ تُلاحِظُونَ أَوْجُهَ الشَّبَهِ بينَها وبينَ مَا يَحدُثُ في وقتِنا الحاضِر. فقد كانت أفسُس واحدةً مِن أكثرِ المُدُنِ خَلاعةً وخَطيَّةً مِن بينِ جَميعِ المُدُن. والحقيقةُ هي أنَّ هُناكَ مَن يَرى أنَّها كانت المَدينةُ الَّتي تَرمِزُ للشَّرِّ في كُلِّ أَسِيَّا الصُّغرى. فقد كانت حَقًّا مَركَزًا دينيًّا. وكانت توجدُ فيها هَياكِلُ كثيرة، وأصنامٌ، وكُلُّ تلكَ الأشياء؛ ولكنَّها كانت تُرَكِّز كثيرًا على هَيكل دَيانا (Diana) – دَيانا. وهُناكَ اسمٌ آخر لدَيانا وهو: "آرتيميس" (Artemis)

وبالمُناسبة، إذا كُنتُم تَظُنُّونَ أنَّ ذلكَ المَعبَدَ كانَ جَميلَ الشَّكلِ، تَذَكَّروا أنَّنا قُلنا لَكُم مِن قَبل إنَّهُ كانَ يوجدُ أمامَ هَيكلِ آرتيميس شيءٌ كبيرٌ أسودٌ قَبيحُ الشَّكل يُشبِهُ حَيَوانًا هَجينًا على شَكلِ بَقَرةَ وذِئب. فقد كانَ قَبيحًا جدًّا. وكانوا يَقولونَ إنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّماء. لِذا فقد كانوا يَعبُدونَ شَيئًا ضخمًا أسودَ اللَّون. ولكنَّ هَيكلَ دَيانا كانَ واحدًا مِن عَجائبِ الدُّنيا السَّبع. وكانَ مُتْحَفًا فَنِّيًّا نَادِرًا. فقد كانوا يَعرِضونَ فيهِ تُحَفَهُم الفَنيَّة العَظيمة. وكانَ مَلاذًا للمُجرِمين. ففي نِطاقِ رُبْعِ مِيل حَولَ هيكلِ دَيانا كانَت كُلُّ تلكَ المَنطقة هي مَنطقة عَفْوٍ مَلَكِيٍّ لأيِّ مُجرِم. لِذا، يُمكنكم أن تَتخيَّلوا الحَشْدَ الَّذي كانَ يَتَجَمَّعُ هُناك. وكانَ ذلكَ الهَيكلُ أضخمَ مَصرِفٍ في العالَم.

فهَيكَلٌ مُقدَّسٌ كهذا كانَ يَصلُحُ لأن يكونَ مَصرِفًا لأنَّهُ في تلكَ الأيَّام، كانَ الأمانُ شيئًا صَعبَ المَنال. فقد كانتِ القُفولُ بِدائيَّة جدًّا؛ إلخ، إلخ. وكانَ أفضلُ مَكانٍ للمَصرِفِ هو في وَسْطِ الهَيكل لأنَّ النَّاسَ سيخافونَ مِنَ الذَّهابِ إلى هُناكَ ويَخْشَوْنَ مِن سَرِقَتِه لِئلاَّ يُغضِبوا الآلِهَةَ الَّتي كانوا يَعيشونَ حَياتَهُم في رُعْبٍ مِنها. لِذا فقد جَعلوا الهَياكِلَ مَصارِف. لِذا فقد كانت مَكانًا يَحوي مالاً كثيرًا جدًّا. وقد كانت مَركَزًا تجاريًّا أيضًا. فقد كانَ الحُجَّاجُ يأتونَ بالآلافِ إلى هذا المكان. وكانتِ العِبادةُ الَّتي تَجري هُناكَ هي طُقوسٌ مَاجِنَة. لِذا فقد كانت تَتمتَّعُ بشعبيَّة كبيرة. فكُلُّ ما ينبغي لكَ أن تَفعلَهُ هو أن تَخترِع دِيانةً يَكونُ فيها الجِنسُ الشَّيءَ الرَّئيسيَّ لتحصُلَ على عددٍ كبيرٍ مِنَ النَّاسِ يَنضمُّونَ إليها للاشتراكِ فيها. وهذا هو تَمامًا ما فَعَلوه.

لِذا فقد كانَ الدِّيْنُ عَملاً تِجاريًّا ضَخمًا. ولا شَكَّ في أنَّهُم كانوا يَبيعونَ تلكَ الأصنام الصَّغيرة. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ثَورةَ صَاغَةِ الفِضَّة وأعمالَ الشَّغَبِ المُريعة الَّتي اندلَعَت هناكَ عندما جاءَ الرُّسُلُ وأثَّروا سَلبيًّا في التِّجارةَ هُناك. فقد جاءَ الرُّسُلُ إلى هُناكَ وأغلقوا تلكَ الأعمال التِّجاريَّة فلم يَعُد التُّجَّارُ قادِرونَ على بيعِ تلكَ الأصنامِ الصَّغيرة فوقعوا في مُشكلة. فقد اعتادَ النَّاسُ على شِراءِ الأصنامِ الصَّغيرةِ ووَضعِها في بُيوتِهم. فقد كانوا يَضعونَ تلكَ الأصنام الصَّغيرة هُناك. والمُدهشُ أيضًا... فقد قرأتُ أنَّهُم كانوا يُعَلِّقونَها في أعناقِهم، ويَضَعونَ مُجوهراتٍ دينيَّة حَولَ مَعاصِمِهم، وحَولَ كَواحِلِهم، وفي مُقدِّمَةِ عَرَباتِهم. ولا أدري إن كانَت لديهم لَوحَة أَجهزة قِيادة في عَرَباتِهم؛ ولكنَّ هذه هي الفِكرة. لِذا فقد كانَت تلكَ التِّجارة مُزدهِرَة.

وكانت آلَهَةُ أَفَسُس (أي: "دَيانا") تُعبَدُ بصِفَتِها آلِهَةَ الجِنس. وكانَ الهَيكلُ يَضُمُّ الكثيرَ مِنَ الخِصْيانِ الَّذينَ تَمَّ إخصاؤُهُم للقيامِ بذلكَ العمل. وكانت هُناكَ آلافُ الكاهِناتِ وعاهِراتِ الهَيكل، والمُغَنِّياتِ، والرَّاقصاتِ. وكانت تَجري هُناكَ طُقوسُ عَربَدةٍ ضَخمة. ويَقولُ أحدُ الكُتَّابِ إنَّ العبادةَ كانت شَكلاً مِن أشكالِ الهِستيريا حيثُ كانَ النَّاسُ يَتمايلونَ على أنغامِ المُوسيقا ويَنغمسونَ في أحقَرِ أشكالِ المُمارساتِ الجنسيَّة بما في ذلكَ بَتْرِ الأعضاء التَّناسُليَّة؛ أي أن يَقطَعَ الأشخاصُ أعضاءَهُم التَّناسُليَّة. وقد قالَ الفَيلسوف اليونانيّ "هيراقليطس" (Heraclitus) إنَّ الهيكلَ كانَ [وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ هُنا]: "أَحْلَكُ شَرٍّ في الوُجود. وكانتِ الأخلاقُ أَحَطُّ مِنَ الحَيَواناتِ. ولم يَكُن سُكَّانُ أفسُس يَستحقُّونَ أيَّ شيءٍ سِوى المَوت غَرَقًا" [نِهايةُ الاقتباس]. يا لَهُ مِن مَكان!

وكانتِ الكنيسةُ الصَّغيرة في أفسُس أَشْبَهُ بجَزيرةٍ في وَسْطِ بَالوعَةِ مَجارير. فقد كانت أفسُس مَكانًا شِرِّيرًا وفاسِدًا للعَيشِ بالنِّسبةِ إلى هؤلاءِ المسيحيِّينَ الأوائل. لِذا فإنَّ الرَّسولَ بولُس يَقولُ لهم حالاً في العدد 17: "يجب أن تكونوا مُختلِفين. يجب أن تكونوا مُختلِفين. لا يُمكنكم أن تَسلكوا كما يَسلُكُ هؤلاء. ولا يَجوزُ أن تَفعلوا ما يَفعلونَهُ". فالسُّلوكُ في الحياةِ الجديدةِ أمرٌ صَعب؛ ولكنَّ السُّلوكَ في الحياةِ الجديدة أمرٌ ضَروريّ. فيجب عليكم أن تَخلَعوا ذلكَ الإنسانَ العَتيقَ وأن تَتخَلَّوْا عن نَمَطِ الحياةِ القَديم. وبالمُناسبة، لقد كانوا يَقبُضونَ على الأشخاصِ الصَّالِحينَ ويُطعِموهُم للحَيواناتِ الجائعة كالأسودِ الجائعةِ، والذِّئابِ الجائعةِ، والكِلابِ الجائعةِ. فقد كانوا يَطرحونَ الأشخاصَ الصَّالحينَ أمامَ تلكَ الحَيَوانات. ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ بولسَ نَفسَهُ قالَ إنَّهُ اضطُرَّ إلى مُجابَهَةِ حَيَواناتٍ مُفترِسَةٍ في أفسُس. فقد كانت تلكَ المدينةُ مَكانًا سَيِّئًا يَعيشُ فيهِ المُؤمنونَ هُناك. والرَّسولُ بولُسُ يَقول: "يجب عليكم أن تَكونوا مُختَلِفين. لا تَسقُطوا في فَخِّ الفُجور، ولا تَسقُطوا في فَخِّ نَمَطِ الحياةِ الوثنيَّةِ هذا". وقد قالَ بُطرسُ الشَّيءَ نَفسَهُ في رسالة بُطرس 4: 3، وهي كلماتٌ عَظيمةٌ إذْ قال: "لأَنَّ زَمَانَ الْحَيَاةِ الَّذِي مَضَى يَكْفِينَا". بعبارة أخرى، انظُروا! يَكفينا ما عِشناهُ مِن تلكَ الحَياةِ السَّابقة. هذا يَكفينا. "لِنَكُونَ قَدْ عَمِلْنَا إِرَادَةَ الأُمَمِ ["إثني" – "ethne"]، سَالِكِينَ فِي الدَّعَارَةِ وَالشَّهَوَاتِ، وَإِدْمَانِ الْخَمْرِ، وَالْبَطَرِ، وَالْمُنَادَمَاتِ، وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ الْمُحَرَّمَةِ". فَهُوَ يَقول: "لقد فَعلنا ذلكَ؛ ولكنَّ الوقتَ السَّابقَ الَّذي عِشناهُ في ذلكَ النَّمَطِ يَكفينا". يجب علينا أن نَتوقَّفَ عن ذلك. يجب علينا أن نَتوقَّفَ عن ذلك. في ضَوْءِ هذا كُلِّه، وفي ضَوْءِ هُوِيَّتِنا في المسيح، وفي ضَوْءِ كُلِّ مَقاصِدِ اللهِ وكُلِّ مَشيئةِ اللهِ، وكُلِّ ما يَرغبُ اللهُ فيهِ للمُؤمِنِ والجَسَد، يجب علينا أن نَكونَ مُتميِّزينَ، وأن نَكونَ مُختلِفينَ؛ لا أن نَسلُكَ مِثلَ سِائِرِ العالَم.

وقد قالَ يُوحنَّا ما يَلي في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 15: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ... وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ". فهو شيءٌ زائِل. وهو شَيءٌ سَيُدَمِّرُ نَفسَهُ بنفسِه. لِذا، لا يَجوزُ أن نَشتركَ في ذلك. فالمُجتمعُ مُعادٍ للقَداسةِ لأنَّهُ مَوبوءٌ بالطُّموحِ الجَسديِّ، والكِبرياءِ، والأنانيَّةِ، والجَشَعِ، والشَّهوةِ، والرَّغبةِ في صُنْعِ الشَّرّ. كما أنَّ أفكارَهُ مَغلوطَةٌ، وأهدافَهُ أنانيَّة، ومَباهِجَهُ مَغموسة بالخطيَّة، وتأثيرَهُ مُدَمِّر، وسِياسَاتِهِ فاسِدَة، وكَرامَتَهُ جَوفاء، وضِحْكاتِهِ مُصْطَنَعَة، ومَحبَّتَهُ زائفة. لِذا، لا يَجوزُ لنا أن نُشارِكَهُ في القيامِ بذلك. فنحنُ مُختلِفون. ونحنُ لا نَعيشُ بتلكَ الطَّريقة. ليسَ كما يَعيشُ المُجتمَع.

وبالمُناسبة، إن كُنتُم تَعتقدونَ أنَّ هذا الكَلامَ هوَ كَلامُ بولُس فقط، انظروا إلى العدد 17: "فَأَقُولُ هذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ". فهو يَقولُ: "بالمُناسَبة، أنا أقولُ هذا الكَلام مِن عِندِ الربِّ، وأشهَدُ في الرَّبِّ. فالربُّ هو المُتَكَلِّم. وهذا نَمَطُ حَياةٍ إلهِيّ. فهذا هو مِعيارُ اللهِ؛ لا مِعياري أنا. فهو كَلامُهُ. وَهُوَ كَلامٌ مُهمٌّ للمُؤمِن". والآن، بعدَ أن مَهَّدْنا لتلكَ الآية، سوفَ نَرى تَبايُنًا هُنا (في الأعداد مِن 17 إلى 24) بينَ السُّلوكِ القديمِ والسُّلوكِ الجديد، وبينَ نَمَطِ حَياةِ الإنسانِ العَتيقِ ونَمَطِ حَياةِ الإنسانِ الجديد. أوَّلاً، السُّلوك القديم. وهو يَذكُرُ أربعَ سِمات. وفي الأسبوعِ المُقبِل، سوفَ نَتحدَّثُ عنِ السُّلوكِ الجديد ونَتأمَّلُ في أربعِ سِماتٍ مُناقِضَة لها. فهي سِماتٌ مُتَبايِنَة.

والأعدادُ مِن 17 إلى 19 تَتحدَّثُ عنِ السُّلوكِ القديم. وبالمُناسبة، بعدَ أن انتَهيتُ مِن دراسةِ هذا المَوضوع وابتدأتُ بقراءتِهِ مَرَّةً أخرى، وجَهَّزْتُ أفكاري، ودَوَّنتُ مُلاحظاتي، هُناكَ شَيءٌ صَدَمَني. فقد قرأتُ كُلَّ النَّصِّ؛ ولكنِّي صُدِمْتُ بحقيقةِ أنَّ النُّقطةَ الجوهريَّةَ هُنا هي الذِّهْن. وأنا لم أنظُر إلى الأمرِ يَومًا بهذه الطَّريقة بالرَّغمِ مِن أنَّ هذا مَذكورٌ هُنا؛ أي أنَّ المسألةَ بِرُمَّتِها تَختصُّ بِصَراحة يا أحبَّائي بالطَّريقةِ الَّتي تُفَكِّرونَ بها. انظروا مَثَلاً إلى العدد 17. فهو يَنتهي بالكلمة "ذِهْن". والعَدد 18 يَبتدئُ بالكلمة "فِكْر". والعدد 18 يَتحدَّثُ أيضًا عنِ الجَهل. ثُمَّ عندما تَصِلونَ إلى العدد 20 تَجِدونَ الكلمة "تَتَعَلَّمُوا". وفي العَدد 21 تَجِدونَ الكلمة "عُلِّمْتُم". وفي العَدد 23 تَجِدونَ الكلمة "ذِهْن" مَرَّةً أخرى.

بعبارة أخرى، إنَّهُ يَتحدَّثُ عن كُلِّ عَمليَّةِ التَّعَلُّمِ والتَّعليمِ والذِّهنِ والمَعرفةِ مِن جِهَةِ أنَّها مُناقِضَة للجَهل. فالذِّهنُ هو النُّقطةُ الأساسيَّة. والمَعنى المقصودُ هو التَّالي. فهذا هو المِفتاحُ: يجب على المَسيحيِّينَ أن يُفَكِّروا بطريقةٍ مُختلفةٍ عنِ الوثنيِّين. "لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ..." – ماذا تَقولُ الآية بعدَ ذلك؟ "هكَذَا هُوَ". هَكَذا هُوَ. فيجب علينا أن نُفَكِّرَ بطريقةٍ مُختلفة. وعندما نُفَكِّرُ بطريقةٍ مُختلفة سنتصرَّفُ بطريقةٍ مُختلفة. فالخلاصُ يا أحبَّائي... فأنا أريدُ أن أُذَكِّرَكُم بهذا الأمر... الخلاصُ هو قَبلَ كُلِّ شيء تَغييرٌ في الذِّهن. فهو تَغييرُ الفِكر. وَهُوَ عَمليَّةُ تَفكيرٍ جَديدة. فالأشخاصُ غيرُ المُخَلَّصينَ لا يَستطيعونَ أن يُفَكِّروا تَفكيرًا سَليمًا. ولكنَّ الخلاصَ هو تَغييرُ الذِّهن. وَهُوَ عَمليَّةُ تَفكيرٍ جَديدة. وَهُوَ يَقولُ في العدد 20: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هكَذَا". وقد أخبَرناكُم ما يَكفي عن ذلك لكي تَفهموا أنَّ المسيحيَّةَ هي شَيءٌ فِكريٌّ قبلَ أن يكونَ شَيئًا اختباريًّا.

فهي تَفكيرٌ يَجذِبُنا إلى الله. فنحنُ نُفكِّرُ في خَطايانا تَفكيرًا مُختلفًا عَمَّا اعتَدنا عليه. ونحنُ نُفَكِّرُ في اللهِ تَفكيرًا مُختلفًا عَمَّا اعتَدنا عليه. ونحنُ نُفَكِّرُ في المَسيحِ تَفكيرًا مُختلفًا عَمَّا اعتَدنا عليه. ونحنُ نُفَكِّرُ في ما يَنبغي لنا أن نَفعلَهُ بحياتِنا تَفكيرًا مُختلفًا عَمَّا اعتَدنا عليه. وعَمليَّةُ التَّفكيرِ الجديدةِ هذهِ تَقودُنا إلى الخَلاص. والخَلاصُ هو تَغييرٌ في الفِكر. وهذا هو في الحقيقةِ مَعنى الكلمة "تَوبَة". فهي تَعني: "أن تُغَيِّرَ فِكرَكَ". فهي عَمليَّةُ تَفكيرٍ جَديدة. لِذا فإنَّ الوَثنيِّينَ يُفَكِّرونَ بطريقة، ونحنُ نُفَكِّرُ بطريقةٍ أخرى. والآن، كيفَ يُفَكِّرُ الشَّخصُ الوَثنيُّ؟ هُناكَ مَشاكِل عديدة لديه. والرَّسولُ بولُسُ يُرينا أربعة عَناصِر في التَّفكيرِ الوَثنيّ:

أوَّلاً: التَّمَحْوُرُ حَولَ الذَّات. ويُمكنكُم أيضًا أن تُسَمُّوا ذلكَ: "التَّفكير العَقيم". ولكن لِنُطلِق على ذلك اسم: "التَّمَحْوُرُ حَولَ الذَّات". فالعدد 17 يَقول: "أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ". فَعَقلُهُم هُوَ العُنصُرُ الرَّئيسيّ. فَهُم يُولُونَ أهميَّةً كبيرةً لأفكارِهِم ورَغْباتِهم ونَزواتِهم. بعبارة أخرى، إنَّهُم يُلاحِقونَ الفُقاعاتِ الَّتي يُصدِرونَها بأنفسِهم. وَهُم يَدورونَ في الدَّائرةِ الَّتي يَرسِمونَها. وَهُم يَنامونَ وَهُم يُفَكِّرونَ في أنفُسِهِم وَحَسْب. فعَقلُهُم هُوَ كُلُّ شيء. وأَوَدُّ أن أقولَ لكُم إنَّ تَفكيرَهُم يَنصَبُّ كثيرًا على وُجهةِ النَّظرِ البَشريَّةِ حَتَّى إنَّ كَلامَهُم كُلَّهُ يَبتدئُ بكلماتٍ مِثل: "أعتقد" أو: "مِن وُجهة نَظري" أو "في رأيي". فأيًّا كانَ تَفكيرُكَ، وأيًّا كانت رَغبَتُكَ فإنَّها الشَّيءُ الَّذي يَحكُمُ سُلوكَك.

وفي الأصحاحِ الثَّاني مِن رسالة أفسُس، نَقرأُ الشَّيءَ نَفسَهُ تَقريبًا إذْ إنَّهُ يَقولُ في العددِ الثَّالث إنَّ غَيرَ المُؤمِنينَ يَسلُكونَ في الحياةِ حَسَبَ شَهَوَاتِ الجَسَدِ "عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ [وماذا؟] وَالأَفْكَار". فَهُم يَسلُكونَ حَسَبَ فِكرِهم. ولكنَّهُ يَقولُ هُنا إنَّ تَركيزَهُم على ذَواتِهم هو بُطْلٌ ("فانيتي" – "vanity"). والكلمة "فانيتي" لا تُستخدَمُ هُنا بالمَعنى الَّذي نُفَكِّرُ فيه. فنحنُ نُفَكِّرُ في أنَّ الكلمة "فانيتي" تُشيرُ إلى تَصفيفِ الشَّعرِ باستخدامِ تلكَ المِرآة الصَّغيرة الَّتي تُسَمَّى "فانيتي". ولكنَّ الكلمة "فانيتي" هل كلمة مُدهشة في اللُّغةِ اليونانيَّة وهي: "ماتايوتس" (mataiotes)؛ وهي تُشيرُ إلى كُلِّ ما هُوَ باطِلٌ، وعَقيمٌ، وعَديمُ النَّفعِ، وعَديمُ الفائدة. ورُبَّما كانَ أفضل مَعنى لها هو: "عَديم النَّفع". فتَفكيرُ الشَّخصِ الوَثنيِّ عَديمُ النَّفع. هل تَعلمونَ لماذا؟ لأنَّهُ لا يَقودُهُ إلى أيِّ مَكان، ولا يُحَقِّقُ أيَّ شيء، ولا يُنجِزُ أيَّ شيء، ولا يَجني أيَّ شيء. فهو عَديمُ النَّفع.

وهذا يُذَكِّرُني بـِ "إدنا سينت فينسنت ميلاي" (Edna St. Vincent Millay) الَّذي قال: "لا بُدَّ أن تَستمرَّ الحَياةُ؛ ولكنِّي أَنسى لماذا!" أو هذا يُذَكِّرُني بالشَّخصيَّةِ الرَّئيسيَّةِ في مَسرحيَّة "ما بَعد السُّقوط" (After The Fall) حيثُ تَقولُ الزَّوجةُ لـِ "كوينتن" (Quentin): "إنَّ الحياةَ لا تَستحقُّ أن تُعاش. فهي تَتراجَعُ بِقَدرِ ما تَتراجَعُ حَالةُ سَيَّارَتِنا بِمُرورِ السِّنين". فهي حَياة عَقيمة. فكُلُّ حَياةِ الإنسانِ الوَثنيِّ... هل لاحَظتُم يَومًا ذلك... مَحصورةٌ في التَّفكيرِ الدَّائمِ والقيامِ بأمورٍ تَافِهَة. فلا يوجد شيءٌ لَهُ قيمة حَقيقيَّة. وَهُم يَعْمَلونَ جَاهِدينَ مِن أجلِ شِراءِ أشياءٍ يَنتهي المَطافُ بها في حَاويةِ القُمامَة. فهو تَفكيرٌ تافِهٌ، وعَديمُ الفائدةِ، وعَقيمٌ، ومُجَرَّدُ مُلاحقةٍ للفُقاعاتِ والظِّلال دُونَ مَعرفةِ الحقيقة. فكُلُّ شيءٍ في الحياةِ العَتيقةِ الَّتي لم تَختبِر التَّجديد هو بُطْلٌ. فهو عَديمُ الفائدةِ. فلا يوجد شيءٌ حَقيقيٌّ هُناكَ البتَّة.

وفي رسالة رُومية 8: 20 يَقولُ بولُس: "إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ". فكُلُّ شَيءٍ قد أُخضِعَ للبُطْل. ولا يوجد شَيءٌ مُهِمٌّ. فأنتَ تَنهضُ في كُلِّ صَباحٍ، وتَنظُرُ في المِرآةِ، وتُصلِحُ كُلَّ ما هُوَ قابِلٌ للإصلاحِ وتَنطلِق، وتَقومُ بعملِكَ المَعهودِ، وتَرجِعُ إلى البيت. ثُمَّ إنَّكَ تَفعلُ الشَّيءَ نَفسَهُ المَرَّةَ تِلوَ المَرِّةِ تِلو المَرَّةِ يَومًا تِلو الآخر تِلو الآخر. وكما يَقولُ "جي.بي. هاردي" (G.B. Hardy): "سوفَ تَستَمِرُّ في فِعلِ ذلكَ إلى أن يَنطَفِئَ سِراجُكَ في نِهايةِ المَطافِ، ويَحينُ وَقتُ مَوتِكَ، وتُوضَعُ في تَابوتٍ خَشَبِيٍّ، وتُدفَنُ، ويَنتهي أمرُك". فهي حياةٌ باطِلَةٌ. فما الغَايةُ مِنها؟ ويُمكِنُنا أن نَجِدَ مَثَلاً إيضاحيًّا رائعًا على ذلكَ في سِفْر الجامعة. فأحكَمُ رَجُلٍ، وأغنى رَجُلٍ، والرَّجُلُ الَّذي جَمَعَ أكبرَ عَددٍ مِنَ النِّساءِ، والرَّجُلُ الأكثرُ هَيْبَةً يُلَخِّصُ هذا كُلَّهُ ويَفتَتِحُ سِفْر الجامِعَة بالكلماتِ التَّالية: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ".

وَهُوَ يَختِمُ الأصحاحَ الثَّاني مِن سِفْرِهِ قائلاً: "هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيح". فلا يوجد شَيءٌ لَهُ قِيمة في نَظري. وقد عَبَّرَ شِكسبير عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "الحياةُ تَعِجُّ بالأصواتِ والسُّخْطِ؛ وَهُما أَمرانِ لا يَعنيان [ماذا؟] أيَّ شيء" – أيَّ شيء. فأقصى ما يَستطيعُ الإنسانُ أن يَفعلَهُ هو أن يَتَلَهَّى بألعابِهِ الَّتي لا تَعني أيَّ شيء. فهي لا تَعني أيَّ شيء. وأنا ما زِلتُ أتَعجَّبُ مِنَ الطَّريقةِ الَّتي يُبَذِّرُ فيها النَّاسُ أموالَهُم، ويُتلِفونَ فيها أجسادَهُم، ويُدَمِّرونَ فيها عُقولَهُم، وأحيانًا يَقتُلونَ أنفسَهُم في أثناءِ سَعيِهم إلى العُثورِ على شيءٍ لا وُجودَ لهُ البتَّة. وَهُوَ يَقولُ إنَّ تَفكيرَهُم باطِلٌ، وعَديمُ الفائدة، ولا يَقودُهُم إلى أيِّ مَكان، ولا يُفيدُ في شَيء. وهذا يُعَبِّرُ بِطريقةٍ أُخرى عَمَّا قالَهُ يَسوعُ: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا".

وهُناكَ شَيءٌ آخر تَتَّسِم بِهِ حياةُ الإنسانِ الوَثنيِّ والإنسانِ العَتيق. فقد قُلنا إنَّهُم يَتصرَّفونَ وَفقًا لما تُمليهِ عَليهُم أذهانُهُم، ويَفعلونَ الأشياءَ الَّتي يَحلُمونَ بها. وبالمُناسبة: هذا مُناقِضٌ لنا. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَتصرَّفُ وَفقًا لِفِكرِ اللهِ، ومَشيئتِه، ومَقاصِدِه. فهُناَكَ قَصدٌ ومَغزى. ولكنَّ السِّمَةَ الثَّانيةَ لَهُم هي أنَّهُم يَجهلونَ الحَقَّ. فَالأمرُ لا يَقتصِر على أنَّهُم يَتَمَحورونَ حَولَ أنفسِهم ويَعيشونَ في بُطْلٍ، بل إنَّهُم يَجهَلونَ الحَقَّ. انظروا إلى العدد 18: "إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ". فَالأمرُ لا يَقتصِرُ على أنَّهُم مُتَمَحورونَ حَولَ أنفسِهم وبلا نَفْعٍ، بل إنَّهُم جُهَلاء.

والآن، أنتُم تَعلمونَ أنَّكُم لا تَستطيعونَ أن تَقِفوا أمامَ الأشخاصِ المَوجودينَ في عالَمِنا ولا يَعرفونَ المسيحَ وأن تَقولوا لَهُم إنَّهُم جُهَلاء كقاعدةٍ عامَّة لأنَّنا مُجتمعٌ مُتَعَلِّمٌ والنَّاسُ يَنظرونَ إلى هذا الكَلامِ على أنَّهُ إهانَة. ولا يوجد مُجتمَعٌ في التَّاريخ مُتَعَلِّمٌ أكثر مِنَّا. ولكنَّنا مُتْخَمونَ بِحَمَلَةِ الشَّهاداتِ الجَامعيَّةِ ولا نَدري حَتَّى ماذا نَفعلُ بِهم! ونحنُ لدينا جَميعُ أنواعِ الأشخاصِ الَّذينَ يُوصَفونَ بأنَّهُم مُتَعَلِّمون. ولكِن كما قالَ الرَّسول بولس فإنَّهُم يَتَعَلَّمونَ فِي كُلِّ حِينٍ، وَلاَ يَسْتَطِيعونَ أَنْ يُقْبِلُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ أَبَدًا". فالبَشَرُ لَديهم عَجْزٌ طَبيعيٌّ يَمنَعُهُم مِن فَهْمِ الأمورِ المُختصَّةِ بالله. فَهُم لا يَستطيعونَ ذلكَ وَحَسْب. فَأذهانُهُم عَديمةُ النَّفع. والذِّهنُ العَديمُ النَّفعِ لا يَستطيعُ أن يَعرفَ الحَقَّ. ونحنُ نَقرأُ في رسالةِ رُومية 1: 21 أنَّهُم: "حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ، وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَء". أَتَرَوْن!

لِذا فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَعيشونَ في العالَمِ مِن دُونِ اللهِ ليسوا فقط مُتَمَحورِينَ حَولَ أنفسِهم بأذهانِهم الباطِلَةِ، بل إنَّهُم أيضًا جُهَلاء. وبالمُناسبة، إنَّ الكلمة "أَظْلَمَ" هُنا هي كلمة مُدهشة جدًّا تَرِدُ بصيغةِ المُضارعِ التَّامّ. فالعبارةُ "أَظْلَمُ قَلبُهُم" تَرِدُ بصيغةِ المُضارعِ التَّامّ وتَعني ببساطة أنَّهُم مُصابونَ بالعَمَى. والفِعلُ المُضارعُ التَّامُّ يعني أنَّ شيئًا حَدَثَ في الماضي ولكنَّ نَتائِجَهُ مُستمرَّة. لِذا فقد سَلَكوا في الظُّلمةِ والعَمى والجَهل وبَقَوْا على تلكَ الحالِ مُنذُ ذلكَ الحين. فهي مُشكلة مُستمرَّة. ولكن هُناكَ هَالَة مِنَ الكآبَة تُحيطُ بهذهِ الآية أريدُ أن أُشيرَ إليها. وهي تُشبِهُ الصُّورةَ الدَّائريَّة. فقد أَظلَمَ قَلبُهُم. ومَتى حَدَثَ ذلك؟ مَتى أَظلَمَ وكانتِ النَّتيجةُ دائمة؟

إنَّهُ شُعورٌ بعَمَلِ اللهِ القَضائيّ. فكأنَّ اللهَ هو الَّذي فَعَلَ ذلك. فكأنَّ اللهَ هُوَ الفاعِلُ، وَأنَّهُ هُوَ الَّذي فَعَلَ ذلكَ بِهم. وأعتقدُ أنَّ هذا صَحيح. لماذا؟ لأنَّ ابتِعادَهُم عن حَياةِ اللهِ جَعَلَهُم مُنفَصِلِين عن حَياةِ الله. "لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ". وهذه تَرجمةٌ دَقيقة: "غَلاظَة قُلوبِهم". والآن لاحِظوا ما يَلي: لأنَّ الإنسانَ اختارَ طَوعًا أن يَبتعِدَ عنِ اللهِ، واختارَ طَوعًا أن يَكونَ جَاهِلاً، واختارَ طَوعًا أن يُقَسِّي قَلبَهُ، فإنَّ فَهمَهُ صَارَ مُظلِمًا بِقَضاءٍ وسِيادَةٍ إلهيَّة. بعبارة أخرى، لقد أَكَّدَ اللهُ إلى الأبد الاختيارَ الَّذي صَنَعَهُ ذلكَ الإنسان. وهذا أمرٌ خَطير. فهو عَمَى قَضائيّ يُنَفَّذُ بِحَقِّ الإنسانِ الَّذي يَختارُ طَوعًا أن يَعيشَ مِن دونِ الله.

وهذا وَاضِحٌ مِن خلالِ فِرْعَوْن. ويُمكنكم أن تَقرأوا ذلكَ في القصَّةِ المَذكورةِ في سِفْر الخُروج. فقد قَسَّى فِرْعَوْنُ قَلبَهُ. ثُمَّ إنَّهُ قَسَّى قَلبَهُ أكثر، ثُمَّ إنَّهُ قَسَّى قَلبَهُ أكثر. وفجأةً، قَسَّى اللهُ قَلبَ فِرعونَ فجأةً. فإنِ اخترتَ نَمَطَ حَياةٍ مُعيَّن وَاستمرَّيتَ في مُمارسةِ ذلكَ النَّمَط، قد يَعملُ اللهُ بقَضائِهِ وسِيادَتِه على جَعلِ نَمَطِ الحَياةِ ذاكَ شَيئًا دائمًا، ويَجعلُ غَلاطةَ القلبِ نَتيجةً دائمة. وهذا شَيءٌ خَطير. انظروا مَرَّةً أخرى إلى العدد 18. فالمُشكلةُ هي أنَّ هذا الشَّخصَ نَأى بِنَفسِهِ عن حياةِ الله. فاللهُ هو الحَقُّ. ويسوعُ هو الطَّريقُ والحَقُّ والحياة. وإن ابتعدتَ عنِ اللهِ، لا يُمكنُكَ أن تَعرفَ الحَقَّ. ولن تَتمكَّنَ مِن ذلكَ لأنَّكَ مُنْفَصِلٌ عن حَياةِ اللهِ وتُشبِهُ جُثَّةً.

والجُثَّةُ لا تَستطيعُ أن تَسمعَ حَديثًا يَجري في مَشرَحة. ولا الإنسانُ المَيِّتُ يَستطيعُ أن يَسمعَ الله. فهذا شيءٌ لا يُمكنُكَ أن تَستوعِبَهُ. فلا يوجد اتِّصالٌ بينَ هَذينِ البُعْدَيْن. لِذا فإنَّ هَؤلاءِ النَّاسَ مُنفَصِلونَ عن حياةِ اللهِ، وحَياةُ اللهِ ليست فيهم. وبسببِ غَلاظَةِ قُلوبِهم فإنَّهُم جُهَلاء. وبسببِ استِمرارِهم في ذلكَ فإنَّهُم يَزدادونَ قَسوةً أكثرَ فأكثرَ فأكثر. ثُمَّ إنَّ فِكرَهُم يُظلِم. وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ الأصحاحُ الأوَّل مِن رسالة رُومية. وما الَّذي حَدثَ في رسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل؟ "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَء". ثُمَّ نَقرأُ أنَّ اللهَ "أَسْلَمَهُمُ...إِلَى النَّجَاسَة". فقد تَرَكَهُم وتَخَلَّى عنهم. بعبارة أخرى، لقد اختاروا الطَّريقَ الَّذي سيَسلُكونَ فيه. واللهُ أَكَّدَ اختيارَهُم. فقد حَكَمَ اللهُ قَضائيًّا على الأشخاصِ الَّذينَ اختاروا أن يَعيشوا حَياةً مُنفَصِلة عنه.

وهُناكَ فِكرة أيضًا في نِهايةِ العدد 18. فالكلمة "غَلاظَة" هي كلمة مُدهشة، وهي تَرجمة للكلمة "بوروسيس" (porosis). وقد كانت تُستخدَمُ في المُفرداتِ الطِّبيَّةِ للإشارةِ إلى التَّكَلُّسِ الَّذي يَتَشَكَّلُ حولَ عَظْمٍ مَكسور ويَصيرُ أقسى مِنَ العَظمِ نَفسِه. وهي تُشيرُ إلى شيءٍ قاسٍ لا حَياةَ فيه. وحَتَّى إنَّها تُستخدَمُ في المَراجِعِ الطِّبيَّةِ للإشارةِ إلى المادَّةِ الَّتي تَتَشَكَّلُ في المَفاصِلِ على شَكلِ تَكَلُّساتٍ حَتَّى إنَّ المِفصَلَ يَتَعَطَّلُ عنِ العمل. فهو تَصَلُّبٌ يُعيقُ العَمل. وهي صَلابةٌ سَلبيَّة. وحياةُ الإنسانِ الوَثنيِّ هي هَكذا. ففي كُلِّ مَرَّة يَتَمَرَّدُ فيها على اللهِ، وفي كُلِّ مَرَّة يَخطو فيها خُطوةً أخرى في طَريقِ الرَّفضِ فإنَّهُ يَسكُبُ مَزيدًا مِنَ الإسمنتِ في ذلكَ القلبِ القاسي.

والعَمليَّةُ واضحة. وتَأثيرُها مُرعِبٌ. فالرَّجُلُ يُخطئُ، والمرأةُ تُخطئُ، وكِلاهُما يُواجِهُ الشُّعورَ بالذَّنب. وكما قالَ "ليروي آدِن" (LeRoy Aden) مِن جامعة شيكاغو: نحنُ نُحاولُ أن نُبقي أُسودَنا في عُلَبٍ كَرتونيَّة. وعندما نُخطِئ، نَعلمُ أنَّ الأسدَ هُناك. ولكن يجب علينا أن نَفعلَ ما هو أكثر مِن إبقائِهِ في داخلِ العُلبة لأنَّهُ يَربِضُ بالقُربِ مِنَ الفُتحةِ وسيَنقَضُّ علينا ويَلتَهِمُنا. لِذا فإنَّنا نَبتدئُ في تَصميمِ عُلبةٍ أفضل. ومِن خِلالِ التَّلاعُبِ بالمَشاعِرِ، أو مِن خلالِ عَقْلَنَةِ الأمورِ، أو مِن خِلالِ تَبريرِ الذَّاتِ، أو مِن خِلالِ إلقاءِ اللَّومِ على شخصٍ أو شيءٍ آخر، أو مِن خِلالِ إنكارِ الخطيَّة، أو مِن خلالِ إنكارِ الحاجةِ إلى الأخلاقِ في الأصل، نُحاوِلُ بطريقةٍ أو بأخرى أن نَتخلَّصَ مِن أَسَدِ الذَّنْب. وكُلَّما فَعلنا ذلكَ أكثر، وأكثر، وأكثر، قَلَّ شُعورُنا بتأنيبِ الضَّمير، وقَلَّ شُعورُنا بالذَّنب. وأخيرًا فإنَّ شُعورَنا بالذَّنبِ يُخْمَدُ في مَكانٍ عَميقٍ ولا نَعودُ نَشعُرُ بِهِ على الإطلاق.

والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ ضَميرَنا يَكْتَوي كَما لو أنَّهُ تَعرَّضَ لِحَرارةِ مِكواةٍ ساخِنَةٍ فيصيرُ القلبُ مُتَحَجِّرًا وليسَ مُرْهَفَ الحِسِّ. وعندما يَصِلُ القلبُ إلى تلكَ النُّقطة فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ فَهْمَ هؤلاءِ النَّاسِ قد أَظلَم. فاللهُ يَتدخَّلُ قَضائيًّا بسببِ إصرارِ الإنسانِ عَلى فِعْلِ إرادَتِه. ويُمكنكم أن تَرَوْا هذا التَّبايُنَ بوضوحٍ مِن خلالِ النَّظرِ [على سبيلِ المِثالِ ] إلى إنجيل يوحنَّا 12: 37. وَهُوَ يَقتَبِسُ هُنا ما جاءَ في سِفْر إشعياء. وهو يَقولُ في العدد 37 مِن إنجيل يوحنَّا والأصحاح 12: "وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ". فقد كانوا يَملِكونَ كُلَّ المَعلوماتِ اللازِمَةِ؛ ولكنَّهُم اختاروا الانفصالَ عن حَياةِ اللهِ، واختاروا أن يَكونوا جُهَلاء، واختاروا أن يُقَسُّوا قُلوبَهُم مِن خلالِ رَفضِهِم المُستمرّ. "لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الَذي قَالَهُ: «يَارَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا". هل رأيتُم ذلك؟ فَهُم في العَدد 37 اختاروا ألاَّ يُؤمِنوا؛ ولكنَّهُم في العدد 39: "لَمْ يَقْدِرُوا [ماذا؟] أَنْ يُؤْمِنُوا لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضًا إنَّ اللهَ: أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ". اسمَعوني: إنَّ الشَّيطانَ يَعلمُ أنَّ المسيحيَّةَ والحَقَّ الإلهيَّ هي مَسألة تَختصُّ بالذِّهن. فهو يَعلمُ أنَّهُ أمرٌ يَختصُّ بالذِّهن، ويَختصُّ بالتَّفكير.

لِذا، نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاحِ الرَّابع: "الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى [ماذا؟] أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيح". فالشَّيطانُ يُعمي الذِّهن. وعندما يَختارُ الإنسانُ طَوعًا أن يَتجاوبَ معَ عَمَلِ الشَّيطان فإنَّهُ يَضَعُ نَفسَهُ في مَوقفٍ قد يُعمي فيهِ اللهُ ذِهنَهُ. وقد تَصيرُ هذه هي الحالة الدَّائمة لإظلامِ الفِكر. ولَعَلَّكُم تَتساءلونَ عنِ السَّببِ في أنَّ النَّاسَ في مُجتمعِنا لا يَفهمونَ الرِّسالة. السَّببُ في ذلكَ يَرجِعُ في حَالاتٍ كثيرة إلى أنَّهُم قَسُّوا قُلوبَهُم. والحقيقةُ هي أنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ على أنَّهُم جُهَّالٌ، ومُتمركزونَ حَولَ أنفُسِهم، وعَديمو النَّفعِ في تَفكيرِهم؛ بل إنَّ هُناكَ سِمَة ثالثة يُمكنُنا أن نَتحدَّثَ عنها مُطَوَّلاً؛ ولكنَّنا لسنا بحاجة حَقًّا إلى ذلك. فهي بَسيطة ويُمكِن تَوضيحُها بسهولة.

فَهُم بِلا الحَياء. فهناكَ سِمَة رئيسيَّة للوثنيِّينَ وهي أنَّهُم عندما يَستمرُّونَ في الخطيَّةِ، ويَبتعدونَ عن حياةِ اللهِ فإنَّهُم يَصيرونَ بِلا حَياء. فنحنُ نَقرأُ في العدد 19: " اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ...". واسمَحوا لي أن أتوقَّفَ هُنا. لقد فَقَدوا الحِسَّ. فَهُم لم يَعودوا يَشعرونَ بأيِّ شيء. فَهُم فاتِرونَ، وعَديمو الحِسِّ، ولا يُبالون. فلا توجد لديهم مَعايير، وَهُم لا يُبالونَ بالعَواقِب. وَهُم لا يُبالونَ بِإحداثِ صَدمةٍ للآخرين. فَعَمليَّةُ التَّفكيرِ بِمُجملها لديهم مَعطوبَة. هُناكَ قِصَّة قديمة تَقولُ إنَّ شَابًّا إسبارطِيًّا سَرَقَ ثَعلبًا؛ ولكنَّهُ التَقى صَاحِبَ الثَّعلب. ولأنَّهُ أرادَ أن يُخفي حَقيقةِ أنَّهُ سَرَقَ الثَّعلبَ الصَّغير، خَبَّأَ الثَّعلبَ الصَّغيرَ تَحتَ سُترتِه ووقفَ دونَ حِراكٍ بينما راحَ الثَّعلبُ يُمَزِّق أعضاءَهُ الحَيويَّة.

ومُجتمعُنا مُتَعَجرِفٌ جدًّا. وهو يَقِفُ ساكِنًا بالرَّغمِ مِن كُلِّ خَطاياه معَ أنَّها تَنْهَشُهُ نَهْشًا. ولكنَّهُ بارِعٌ جدًّا في ارتِداءِ القِناعِ منذُ وقتٍ طويلٍ حتَّى إنَّهُ لم يَعُد يُبالي، ولم يَعُد هُناكَ مَا يُخفيه. وحَتَّى لو لم يَرتدي قَميصًا، مَن يُبالي؟ فهُم لا يَخجَلونَ لأنَّهُم فَقَدوا الحِسَّ. فَهُم لا يَشعرونَ بأيِّ شيء. فأنتَ تُقَسِّي قَلبَكَ جدًّا حتَّى إنَّكَ لا تَعودُ تَشعُر بذلك لأنَّ ضَميرَكَ قد كُوِيَ بالنَّار. وما هذهِ الحياة؟ إنَّها حياة أنانيَّة ولا فائدة مِنها، وتَجهلُ الحَقَّ. لِذا فإنَّها تَعبَثُ، وتُخطِئ، ولا تَخجَل، ولا تُبالي بالأخلاق، ولا تُبالي بالآداب، ولا تُبالي بالقِيَم، ولا تُبالي بالمَعايير، ولا تُبالي بأيِّ شيء. وهذا يُؤدِّي في النِّهاية إلى ما يُمكنُنا أن نُسَمِّيهَ [بِحَسَبِ ما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح الأوَّل]: "الذِّهن المَرفوض".

وهذه هي النُّقطةُ الرَّابعة: "الذِّهن المَرفوض". فنحنُ نَقرأُ في نهايةِ العدد 19: "اَلَّذِينَ... أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَع". فالتَّفكيرُ الَّذي يَفتَقِرُ إلى الحَياءِ، يا أحبَّائي، يَقودُ إلى تَصرُّفاتٍ تَفتَقِرُ إلى الحَياء. فأولاًّ، أنتَ تَتَمَحورُ حَولَ نَفسِك. فهكذا يَبتدئُ الأمر. فالشَّخصُ الوَثنيُّ يَتمركَزُ حَولَ نفسِه، وحَولَ أشيائِه، وحَولَ مَواقِفه. فهو يَتَمَحورُ حَولَ نَفسِه. وبسببِ بُطلِهِ، وخَوائِهِ، وحَياتِهِ الَّتي لا طَائِلَ مِنها فإنَّهُ يَبتعِدُ عنِ اللهِ. ثُمَّ إنَّهُ يَبتدئُ في عَمليَّةِ التَّقسيةِ الَّتي تَجعَلُهُ غَليظَ القلبِ مِن نَحوِ الله. وسُرعانَ ما يَفقِدُ شُعورَهُ بالحَياء ولا يُبالي بِقولِ أيِّ شيءٍ أو فِعلِ أيِّ شيءٍ طَالَما أنَّهُ يَستطيعُ أن يُفلِتَ مِنَ العِقاب. فالمِعيارُ الوَحيدُ لديهِ هي: "هل يُمكنُني أن أَفْلِتَ بِفِعلتي هذه؟" ثُمَّ إنَّهُ يُسَلَّمُ حَرفيًّا إلى ذِهْنٍ مَرفوض.

فهو يُسَلِّمُ نَفسَهُ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلَ كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَع. فهو لا يُطيقُ الانتظارَ، بل إنَّهُ مُتَعَجِّلٌ في عملِ الشَّرّ. والآن، اسمَحوا لي أن أُحَدِّثَكُم قليلاً عنِ الكلمةِ "دَعارة" المَذكورة هُنا. فهي تَرجمة للكلمة "آسيلغيا" (aselgeia)؛ وهي كلمة مألوفة في العهدِ الجديد. وهي تُشيرُ إلى الفُجورِ عَديمِ الحَياءِ. وهي تُشيرُ إلى فُحْشٍ صَفيقٍ، وتُشيرُ بصورةٍ رئيسيَّةٍ إلى الفُحْشِ الجِنسيِّ. وقد عَرَّفَها "بازل" (Basil) كما يَلي [وأنا أَقتَبِسُ تَعريفَهُ]: "جُنوحٌ خَالٍ مِن أيَّةِ رَغبة في احتمالِ عَناءِ الانضِباط" [نِهايةُ الاقتباس]. فهو فُحْشٌ يَفْتَقِرُ إلى أيَّة ضَوابِط. فكما تَعلمونَ، قد يُحاولُ الإنسانُ الخاطِئُ في أوقاتٍ مُعيَّنة مِن حَياتِهِ أن يُخفي سُوءَ أخلاقِه. ولكنَّ الإنسانَ الَّذي يُسَلِّمُ نَفسَهُ للدَّعارةِ لا يُبالي بالأشخاصِ الَّذينَ يَصْدِمُهم، ولا يُبالي بِفُحْشِهِ طالَما أنَّهُ يُشبِعُ ذِهنَهُ المَريضَ والسَّقيم.

هل تَعلمونَ ما هو الذِّهنُ المَرفوض؟ نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل أنَّ الذِّهنَ المَرفوضَ هو ذِهنٌ عَديمُ التَّفكير. فهو ذِهْنٌ لا يُفَكِّر. فهو ذِهنٌ بِلا ذِهْنٍ على الإطلاق. فهو لا يَستطيعُ أن يُفَكِّر، ولا يَستطيعُ أن يَحْتَكِمَ إلى المَنطِق، ولا يَستطيعُ أني يَقبَلَ الحَقَّ. فهو بِلا ذِهنٍ على الإطلاق. وهو ذِهنٌ يُشبِهُ الذِّهنَ الَّذي نَراهُ في عالَمِنا اليوم. فهو ذِهْنٌ مَعطوبٌ. ولَعَلَّكُم سَمِعتُم قبلَ بِضعةِ أيَّامٍ عن ذلكَ الشَّخصِ الَّذي يُدعى "مُون" (Moon) والذي ماتَ في العَقْدِ الرَّابِعِ مِن عُمرِه. ورُبَّما قرأتُم عن "جانيس جوبلين" (Janis Joplin)، أو قرأتُم عن "جيمي هندريكس" (Jimi Hendrix)، وعن نُجومِ الرُّوك الَّذين ماتوا في عُمْرٍ مُبَكِّر بعدَ أن أَتْلَفُوا أجسادَهُم تمامًا، وأَتلَفوا أذهانَهُم. فقد كانوا مُضطَرِبينَ جدًّا حتَّى إنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَتكلَّمَ مَعُهم. لماذا؟ لأنَّهُم أَسْلَمُوا أنفُسَهُم إلى البُطْل. والآن، أريدُ منكم أن تُلاحِظوا ما سأقول: لقد أَسْلَمُوا أنفسَهُم إلى ذِهْنٍ بِلا ذِهْنٍ مُطلقًا.

ولَعَلَّكُم تَتساءلونَ لماذا تَرَوْنَ في مُجتمعِنا الكثيرَ مِنَ الأمراضِ النَّفسيَّة. لأنَّنا نُمارسُ الخطيَّة بِلا حَياء. وهذا شيءٌ مُدَمِّر. فعندما أُفَكِّرُ في هذا الأمرِ وأرغبُ في تَقديمِ مَثَلٍ إيضاحيٍّ يَستطيعُ النَّاسُ أن يَفهموه، يَخطُرُ ببالي دائمًا مُغَنِّي الرُّوك. فَهُم أَوضحُ مَثَلٍ على الأشخاصِ الَّذينَ يُمارسونَ الخطيَّةَ بِلا حَياء. وهُناكَ مُغَنٍّ مَشهور جدًّا يَقضي حَاجَتَهُ على جُمهورِهِ. وهو ليسَ الوحيد. فهناكَ كَثيرونَ غَيرُهُ. إنَّهُ فُجورٌ مُريعٌ وسَافِرٌ ولا حَياءَ فيه. والإنسانُ يَصيرُ حَيَوانًا. وذِهنُهُ يَصيرُ بِلا فَهْم. وهذا هو ما كانَ يَحدُثُ في أفسُس. وهذا هو ما يَحدُثُ في عَالَمِنا. وأيُّ خُلطةٍ لنا مَعَ هؤلاء؟ ولماذا نَستمِع إلى هؤلاءِ النَّاس؟ ولماذا نُجاري ذلكَ المُجتمَع؟ وما شأنُنا نحنُ في كُلِّ ما يَجري؟

وما شأنُنا نحنُ بالأذهانِ المَرفوضَة؟ أي بالأشخاصِ الَّذين أدارُوا ظُهورَهُم للهِ طَوعًا فَأسلَمَهُم اللهُ لِشَهَواتِهم؟ وقد تَقول: "مِن أينَ جاءَتِ المِثليَّةُ الجِنسيَّة بينَ الذُّكور؟ ومِن أينَ جاءَتِ المِثليَّةُ الجِنسيَّة بينَ الإناث؟ ومِن أينَ جاءَ هذا الانجذابُ الجِنسيُّ الفاجِر؟ ومِن أينَ جاءت كُلُّ هذهِ الإباحيَّةِ المُرافِقَةِ لأغاني الرُّوك؟ ومِن أينَ جاءَت كُلُّ هذهِ الشُّرور الموجودة في مُجتمعِنا؟ هل هذا شيءٌ وِراثيّ؟ هل هذا ناجِمٌ عن ضُعفٍ مَا؟ هل هذا ناشِئٌ عن أمراضٍ نَفسيَّة؟" سوفَ أُخبرُكُم ما السَّبب. فهو واضحٌ تَمامًا. ونحنُ نَقرأُ عنِ السَّببِ هُنا في العدد 19: لقد أَسْلَمُوا نُفوسَهُم لهذهِ الأشياء. فالسَّببُ ليسَ نَفسيًّا. والسَّببُ ليسَ اجتماعيًّا؛ بل هو شَخصيّ. وهذه هي النُّقطةُ الجَوهريَّة: أنتَ تَختارُ أن تَفعلَ ذلك.

فأنتَ تَختارُ أن تَفعلَ شيئًا شِرِّيرًا، وتَختارُ ذلكَ مَرَّةً أخرى، وتَختارُ ذلكَ مَرَّةً أخرى، وتَختارُ ذلكَ مَرَّةً أخرى، وتَستمرُّ في القيامِ بذلك، وتَستمرُّ في إسكاتِ ضَميرِك، وتُقَسِّي قَلبَكَ على ذلكَ الخِيارِ إلى أن تَصيرَ عَديمَ الحَياءِ في مُمارسةِ الفُجور. وحينئذٍ يَصيرُ لَديكَ ذِهنٌ لا يَنفَعُكَ بشيء. فهو غيرُ قادرٍ على التَّفكير. هُناكَ شخصٌ اسمُهُ "سينكلير لويس" (Sinclair Lewis) كَتَبَ مُهاجِمًا المسيحيَّة، وجَدَّفَ على يسوعَ المسيحِ في كِتابٍ لَهُ بعُنوان: "إلمر غانتري" (Elmer Gantry). وقد اشتَهَرَ بأنَّهُ عَظيمٌ ونابغةٌ في الأدب. ولكنَّ قَليلينَ يَعلَمونَ أنَّهُ ماتَ مُدمِنًا على الكُحولِ وفي حالةٍ يُرثَى لها في عِيادةٍ وَضيعةٍ خارجَ رُوما، وأنَّ ذِهنَهُ كانَ فاسِدًا ولا صِلَةَ لهُ بالعَقلِ البتَّة. اسمَعوني: إنِ اخترتَ أن تَشربَ الخَمْرَ فإنَّكَ سَتَحْتَسي كأسًا آخر، وكأسًا آخر، وكأسًا آخر، وكأسًا آخر.

وإنِ استمرَّيتَ في الاستسلامِ أكثر فأكثر فأكثر فأكثر للخَلاعَة، ولِمُمارسةِ الدَّعارةِ بِلا حَياءٍ، فإنَّ ذلكَ سيَجعَلُكَ تَفعلُ ذلك دُونَ أن تَخشى أن تَصدُمَ الآخرينَ، ودونَ أن تُبالي بِقَباحَةِ ذلك؛ أيْ بِقُبْحِ ذلكَ السُّلوكِ، سُرعانَ ما سيَعجَزُ عَقلُكَ عنِ التَّفكير. وإذا فَعلتَ الشَّيءَ نَفسَهُ بخصوصِ المِثليَّةِ الجِنسيَّةِ بينَ الرِّجالِ أوِ النِّساء، أوِ الخطايا الجنسيَّة، أوِ الكَذِب، أوِ الغِشّ، أوِ السَّرقة، أو أيِّ شيءٍ آخرَ فإنَّ ذلكَ سيَصيرُ نَهْجَ حَياةٍ تَعتادُ عليه. وبالمُناسبة، يُضيفُ بولسُ الجُملةَ التَّاليةَ المُدهشة: "لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَع". والكلمة "يَعمَلوا" هي كلمة مُدهشة جدًّا. فالكلمة "إيرغاسيا" (ergasia) تَعني: "تِجارَة". فهي قد تَعني حَقًّا: "تِجارة". فَهُم يُتاجِرونَ بالنَّجاسة.

وهذا يَصِحُّ على مُجتمعِنا. هل تَعلمونَ ذلك؟ فقد جاءَ وقتٌ كانَت فيه الأعمالُ القَذِرَة تُمارَسُ في الخَفاء. أليسَ كذلك؟ فقد كانت مَحجوبة وتُمارَسُ في الخَفاء. فقد كانَ النَّاسُ يَبحثونَ هُنا وهُناكَ قليلاً مِن أجلِ العُثورِ على أُمورٍ نَجِسَة. أمَّا الآن فإنَّها مُتوفِّرة بِكَثرة. وَهُم يُتاجِرونَ بها. فهُناكَ أعدادٌ هَائِلةٌ مِنَ الأفلامِ الإباحيَّة الهَابِطَة. وهُناكَ أفلامٌ تَظهرُ بأنَّها جَيِّدة؛ الكَثيرُ مِنها؛ ولكنَّها تُرَوِّجُ لأمورٍ نَجِسَةٍ بطريقةٍ ضِمنيَّة وليست عَلَنيَّة، أو عن طريقِ التَّلميح. وهذا شيءٌ شِرِّير. لِذا فإنَّها تِجارةٌ نَجِسَة. فهناكَ كُتُبٌ نَجِسَة تَصْدُرُ باستمرار ولا تَتوقَّف. وقد قالَ "بيلي غراهام" ذاتَ مَرَّة إنَّ كَميَّةَ الكُتُبِ الَّتي تُنشَرُ في أمريكا تَفوقُ كَميَّةَ المِياهِ الَّتي تَسيلُ مِن أنابيب مَجاري مَكسورة. فهناكَ زُناة، وزَواني، وحَانات، وهَلُمَّ جَرَّا. فهي تِجارة كبيرة جدًّا جدًّا جدًّا - تِجارة ضَخمة.

لِذا يا أحبَّائي، ما شأنُنا بذلك؟ ما شأنُنا بذلك؟ فَهُم يَفعلونَ ذلكَ بطَمَعٍ. والكلمة اليونانيَّة تَعني أن تَتَمَنَّى الحُصولَ على أشياءِ الآخرين. فَهُم يُلاحِقونَكَ. وَهُم يَستهدِفونَ عِفَّتَكَ، وسَلامَتَكَ العَقليَّةَ، ومَالَكَ، وأخلاقَكَ، وشَخصيَّتَك. فَهُم يُريدونَ كُلَّ شيء. يُريدونَ كُلَّ شيء. فما شأنُنا بهذهِ الأشياء؟ وبولسُ يَنظُرُ إلى الوثنيِّينَ والعالَمِ الشرِّير ويَرى فِكرَهُم المُريع، والأنانيّ، والباطِل، والوَهميّ، والَّذي لا نَفعَ مِنه، والَّذي يَقودُ إلى إظلامِ الفِكرِ وتَقسيةِ القلبِ، والَّذي يَقودُ إلى البَلادَةِ تُجاهَ الخَطيَّة، وإلى فُقدانِ الحَياءِ، والَّذي يَقودُ إلى اقترافِ الخطيَّةِ بِلا حَياء.

فنحنُ نَتَقَبَّلُ كُلَّ شيءٍ، ونُتاجِرُ بتلكَ الأشياءِ لكي نَجذِبَ النَّاسَ. وهو يَقولُ الكلماتِ التَّاليةَ الَّتي أُحِبُّها في العدد 20. انظروا إليها: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هكَذَا". ما شأنُكُم بهذا؟ اخلَعوا ذلكَ الإنسانَ العَتيقَ النَّتِنَ. فلا شأنَ لَكُم به. انظروا إلى العدد 22: "أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ". وفي العدد 24: "وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ". فلا شأنَ لَكُم بهذهِ الأمور. فأنتَ إنسانٌ مُختلِف. وأنت إنسانٌ جَديد. هل تَرَوْنَ النُّقطةَ الرئيسيَّة الَّتي يُرَكِّزُ عليها؟ يا أحبَّائي، أنتُم تَعلمونَ أنَّ النَّاسَ يَقولون عندَ وُجودِ خَطٍّ فَاصِلٍ: "هل يَجوزُ لي أن أفعلَ كذا، أَم لا يَجوزُ لي أن أفعلَهُ؟" اسمَعوني: لا يَجوزُ أن تَعبَثوا بالقُربِ مِنَ الخَطِيَّة، بل يجب علينا أن نَبتعدَ كثيرًا عنِ الخَطِيَّة وأن نَكونَ مَنارةً على جَبَل. أليسَ كذلك؟ فيجب علينا أن نَبتعِدَ عن تلكَ الأشياء.

فهذه الحياةُ ليست لنا، ولا شأنَ لنا بها. وكما قُلتُ فإنَّ القَرارَ الصَّعبَ الَّذي يُواجِهُ المَسيحيَّةَ اليوم هو أنَّنا نُحِبُّ أن نَلهو بالقُربِ مِنَ الخَطَرِ معَ العالَم. وأنا لن أُخبِرَكُم ما الَّذي يُمكنُكم أن تَفعلوهُ وما الَّذي لا يُمكنكم أن تَفعلوه، بل سأقولُ لكم شيئًا واحدًا: إنَّ كلمةَ اللهِ لا تَذكُرُ التَّفاصيلَ الدَّقيقة، بل تَقولُ لَكَ: ابتعِد قَدرَ الإمكانِ حتَّى لا يَعجَزُ أيُّ شخصٍ لَحظةً واحدةً عن تَمييزِ هُويَّتِكَ ومَعرفةِ أنَّكَ مُختلِف... أنَّكَ مُختلِف. هذه هي النُّقطةُ الجَوهريَّة. فالعالَمُ مُنْهَمِكٌ في تَسويقِ مُنتَجاتِه. ولكنَّنا لا نَتَسَوَّقُ هُناكَ. فنحنُ مُختلفون. والمدينةُ المَوضوعَة على جَبَل لا يُمكِنُ إخفاؤُها. أمَّا إنْ زَحَفْنا مَعَ البَقيَّة فإنَّهُم لن يَرَوْنَنا. ولكن يجب علينا أن نَقِفَ ونَكونَ نُورًا ومِلْحًا. فإن فَسَدْنا بسببِ النِّظامِ فإنَّنا بلا فائدة. اسمَح للهِ أن يُكَلِّمَ قَلبَك.

ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ فيما يَختصُّ بي، يجب عليَّ أن أبتعدَ عنِ تلكَ الأشياءِ قَدرَ الإمكان... قَدرَ الإمكان. فبصفتي شخصًا مُختلِفًا، لا أريدُ أن أكونَ غَريبًا في شخصيَّتي، أو غيرَ مُحِبٍّ، أو لا أتقبَّل الآخرين؛ بل أريدُ وَحَسْب أن أكونَ مُختلفًا، وفَريدًا، ومُنفصِلاً. فالنَّاسُ يَقولونَ لي أحيانًا: "هل تُؤمِنُ بالانفصال؟" فأقول: "إذا كُنتُم تَتحدَّثونَ عنِ الزَّواجِ، لا! أمَّا إذا كُنتُم تَتحدَّثونَ عنِ الانفصالِ عنِ العالَم، أجل!" ولكنِّي لا أعتقدُ أنَّهُ يَكفي أن نَقفَ هُنا ونقول: "يُمكنُكم أن تَفعلوا كذا، ولكن لا يُمكنكُم أن تَفعلوا كذا"، وهَلُمَّ جَرَّا. ولا أعتقدُ أنَّهُ مِنَ الصَّوابِ أن نَكتُبَ لَوائِحَ بالأشياءِ المُباحَة والمَنهي عَنها. فهذا أمرٌ يَصعُبُ القيامُ به. فأنا أعرِفُ راعي كنيسة كانَ يَذهبُ ويُشاهِدُ كُلَّ الأفلام لك يُخبِرَ رَعِيَّتَهُ عنِ الأفلامِ الَّتي يُمكنُهم أو لا يُمكنُهم أن يُشاهِدوها. ولكن لِنَقطَع عَهدًا في قُلوبِنا وَحَسْب، يا أحبَّائي. فَرَبُّنا المُبارَكُ يَسوعُ المسيحُ اشترانا بِدَمِهِ الثَّمين. أليسَ كذلك؟

وقد أعطانا طَبيعةً جديدة مُقدَّسة، وغير دَنِسَة، بل هي مُقدَّسة إلى الأبد. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ ببساطة: "ألاَ عِشْتُم وَفقًا لذلك؟ أَلاَ طَرَحْتُم الحياةَ العَتيقةَ وعِشْتُم الحياةَ الجديدة؟" لِنَقطَع الرُّبُط، ولنَحرِص على أن نَكونَ مُختَلِفينَ جدًّا وأن نَتجنَّبَ اللَّهوَ عندَ الحَافَة.

دَعونا نُصَلِّي: في الأسبوعِ القادِمِ، يا رَبّ، نحنُ مُتَشَوِّقونَ لرؤيةِ الجانبِ الآخرَ وهوَ التَّفكيرُ السَّليمِ والمُقدَّسِ المُتاح مِن خِلالِ رُوحِكَ. ولكنَّنا نَشكُرُكَ لأنَّكَ أعطيتَنا هذهِ الصُّورةَ المُتبايِنَة (معَ أنَّها صُورة قاتِمَة) لأنَّنا بحاجة إلى مَعرفةِ ما تُريدُهُ مِنَّا.

يا أبانا، رُبَّما يكونُ في وَسْطِنا في هذا الصَّباحِ أشخاصٌ لم يُسَلِّموا حَياتَهُم ليسوعَ المسيح، ولا يَعرفونَ يسوعَ المسيح. لِذا فإنَّهُم لا يَعرفونَ مَعنى أن يَحصُلوا على الطَّبيعةِ الجديدة، ولا يَعرفونَ مَعنى أن يَعيشوا الحياةَ الجديدة، ولا مَعنى أن يَسلُكوا في السُّلوكِ الجديد، ولا مَعنى أن يَلبَسوا الإنسانَ الجديدَ وأن يَعيشوا نَمَطَ حَياةٍ جَديد. يا رَبّ، صَلاتي هي أن يكونَ اليومُ هو اليومُ الَّذي يَفتَحونَ فيهِ قَلبَهُم لَك، وأن يكونَ اليومُ هو اليومُ الَّذي يُبَكِّتُ فيهِ رُوحُكَ القُدُّوسُ قُلوبَهُم ويَجذِبَهُم إليكَ قبلَ أن تَصيرَ خِياراتُهُم المُريعة المُستمرَّة خِيارًا قَضائيًّا ودائمًا إلى الأبد.

ولا يَسَعُني إلاَّ أن أُفَكِّرَ في كلماتِ يَسوعَ الَّتي اقتَبَسَها مِن سِفْر إشعياء إذْ قال: "النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ". ويا رَبّ، فيما يَختصُّ بالمؤمنين... فيما يَختصُّ بي وبكُلِّ شخصٍ آخر يَعرِفُكَ ويُحبُّكَ، ساعِدنا، يا أبانا، على أن نَنفصِلَ عنِ الأشياءِ الَّتي في هذهِ الحياةِ، وعنِ الأشياءِ الَّتي في هذا العَالَم، وأن نَخلَعَ الثَّوبَ العَتيقَ النَّتِنَ لِحَياتِنا السَّابقة، وأن نُزَيِّنَ الطَّبيعةَ الجديدةَ بالإنسانِ الجَديد. ويا رَبّ، نُصَلِّي أن نَحيا حَياةً تُمَجِّدُك. باسمِ يَسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize