كما اعتَدنا أن نَفعلَ صَباحَ كُلِّ يَومِ أحَدٍ في الأشهُرِ العديدةِ الماضية، أَدعوكُم إلى أن تَنظروا معي إلى رسالة أفسُس. فَبِقَدْرِ ما كانت هذه الدِّراسةُ غنيَّةً ومُفيدةً ورائعةً في الأيَّامِ السَّابقةِ، فإنَّها ستكونُ كذلكَ في الأيَّامِ القادِمَة أيضًا فيما نَتأمَّلُ في هذهِ الأصحاحاتِ الثَّلاثَةِ الأخيرة. وسوفَ تَكونُ الآياتُ أفسُس 4: 17-24 هي الآيات الَّتي سنتأمَّلُ فيها في هذا الصَّباح. رسالة أفسُس 4: 17. وسوفَ أقرأُ هذا النَّصَّ على مَسامِعِكُم لكي يَرسَخَ في أذهانِكُم. ويُمكنكُم أن تُتابِعوا النَّصَّ فيما أقرأهُ. وبعدَ ذلكَ سنَرى معًا ما الَّذي يُعَلِّمُه:
"فَأَقُولُ هذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ: أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ. اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هكَذَا، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ، أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ".
إنَّ واحدًا مِن أروعِ المَقاطِعِ في كُلِّ إعلانِ اللهِ مَوجودٌ في رسالة يوحنَّا الأولى 5: 4 و 5. وَهُوَ مُلائمٌ جدًّا للمُقارنةِ بِنَصِّنا في هذا الصَّباح. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 5: 4: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ الله؟" أن تُؤمِنَ بأنَّ يَسوعَ هُوَ ابنُ الله. ومِن خِلالِ هذا الإيمانِ الَّذي سيَجعَلُكَ تَنالُ الفِداءَ، وتَخلُص، وتَتغيَّر، ستَغلِبُ العالَم. والكلمة "غَالِب" تَعني ببساطَة: "مُنتَصِر". وهي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "نيكيه" (nikao) الَّتي اشتُقَّ مِنها اسمُ الصَّاروخ "نايكي" (Nike). وهي تَعني: يَغلِب"، أو "يَنتصِر"، أو "يَتفوَّق"، أو "يَهزِم".
وواحدة مِنَ الحَقائقِ المُختصَّةِ بالخلاصِ هي أنَّهُ يَجعلُ الخاسِرَ رابِحًا، ويَجعلُ الضَّحيَّةَ مُنتصِرًا. فهو يَجعلُنا غَالِبين. فهذا هو المَعنى المَقصود. هل تَذكرونَ كلماتِ الرَّبِّ الَّذي قالَ في إنجيل يوحنَّا 16: 33: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ"؟ بعبارة أخرى، عندما نَصيرُ في يَسوعَ المسيح فإنَّنا نَشترِك في غَلَبَتِهِ للعالَم. فنحنُ نَغلِبُ النِّظامَ، ونَغلِبُ الدَّهرَ الشِّرِّير، ونَغلِبُ الشَّيطانَ إذْ إنَّنا نَنتَصِرُ على إبليسَ نَفسِهِ، ونَغلِبُ المَوتَ إذْ نَستطيعُ أن نَقولَ بأعلى صَوتٍ معَ بولُس: "أينَ شَوكَتُكَ يا مَوت؟" ونحنُ نَغلِبُ الخَطيَّةَ عندما نَسمَعُ صَدى الكلماتِ المَذكورة في رُومية 6: "فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ".
ونحنُ نَغلِبُ أيضًا العالَمَ وكُلَّ نِظامِ الشَّيطانِ بِصِفَتِنا غَالِبين. لِذا فإنَّنا نحنُ المُؤمِنينَ نَتَفوَّقُ على هذا الدَّهرِ الشرِّير، ونَتفوَّقُ على نِظامِ الشَّيطان. فَمُواطَنَتُنا سَماويَّة. لِذا، يجب علينا أن نَعيشَ بصفَتِنا مُواطِنينَ سَماويِّينَ، وأن نَعيشَ حَياةً مُنتصِرَة. وحَتَّى إنَّ بولسَ يَقولُ ما هو أكثر مِن ذلكَ إذْ يَدعونا لا فقط "نيكيه" (nike)؛ أي: "مُنتَصِرين"؛ بل "هوبيرنيكيه" (hupernike)؛ أي: مُنتَصِرينَ مُتَفَوِّقين، أو: مُنتَصِرينَ خَارِقين. وهُناكَ تَرجماتُ تُتَرجِمُ تلكَ الكلمة: "أعظَم مِن مُنتَصِرين". لِذا فإنَّ الخَلاصَ يَقتضي حُدوثَ تَغييرٍ مُنتَصِرٍ. وهذا يَعني أنَّهُ يَرفَعُنا فَوقَ مُستوى الأشياءِ العاديَّةِ إذْ إنَّنا نَموتُ عن إنسانِنا العَتيقِ ونَقومُ لِنَسلُكَ في جِدَّةِ الحياةِ. ونحنُ نَقومُ معَ المسيحِ لكي نَطلُبَ ما هو فَوق.
فقد حَصَلنا على حَياةٍ جَديدة، وحَصَلنا على طَبيعةٍ جَديدة. ونحنُ قادِرونَ على أن نَحيا حَسَبَ الإنسانِ الجَديدِ حَياةً جَديدةً وأن نَسلُكَ سُلوكًا جَديدًا. وهذا هو ما يَقصِدُهُ بولُس. فالأصحاحاتُ مِنَ الأوَّلِ إلى الثَّالث تَصِفُ الجِدَّةَ الَّتي في الدَّاخِل. والأصحاحاتُ مِنَ الرَّابعِ إلى السَّادس تَصِفُ كيفَ ينبغي لتلكَ الجِدَّةِ أن تَعملَ مِنَ الخارِج، وما ينبغي أن يَحدُثَ في أثناءِ حَياتِنا مِن جِهةِ العَمَلِ والتَّصَرُّفِ والسُّلوكِ؛ أي مِن جِهةِ الطَّريقةِ الَّتي نَسلُكُ بها في حياتِنا. ومِن خِلالِ أُسلوبِ المُفارَقَة، يَستعرِضُ بولسَ حَقًّا هذه المسألةَ مُبَيِّنا المُفارقة (في الأعداد 17-24) بينَ العَتيقِ والجديد؛ أيْ بيَنَ الإنسانِ العَتيقِ (أوِ الحياةِ العتيقة) والحياةِ الجديدة، وبينَ السُّلوكِ القَديمِ والسُّلوكِ الجديد. وسوفَ تُلاحِظونَ في العدد 17 أنَّهُ يَقول: "فَأَقُولُ هذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ: أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ".
فيجب أن يَكونُ أُسلوبُ حَياتِكُم مُختلفًا. فبِصِفَتِكُم مَسيحيِّينَ، هُناكَ اختِلافات. فأنتُم [حَسَبَ ما جاءَ في الأصحاحِ الثَّاني] "مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ [تَسلُكوا] فِيهَا"؛ أي لكي تَكونوا مُختَلِفينَ عنِ الطَّريقةِ القديمة، وعنِ السُّلوكِ القديم، وعنِ الإنسانِ العَتيق. فقد خَلَّصَكُمُ اللهُ لكي تَسلُكوا في جِدَّةِ الحياة. وقد خَلَّصَكُم لكي تَكونوا مُختلِفين، ولكي تَتغيَّروا. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". وفي رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الخامِس، نَقرأُ أنَّنا قد انتصرنا. وعلى العَكسِ مِن ذلك، نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 5: 19 أنَّ: "الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّير". وهذا فَرْقٌ كَبير!
فالعالَمُ الَّذي نَعرِفُهُ خَاضِعٌ للشَّيطان. ولكنَّنا انتَصَرنا عليه مِن خِلالِ حُضورِ الله. ونحنُ لَسنا مِثلَ الأُمم. فبولسُ يَصِفُ الأُمَمَ أوِ الوَثنيِّينَ هُنا وفي رسالة تسالونيكي الأولى 4: 5 بالكلماتِ التَّالية فيقول: "كَالأُمَمِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ". فنحنُ لا نُحْسَبُ في عِدادِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعرِفونَ اللهَ. فعندما نَأتي إلى يسوعَ المسيحِ فإنَّنا نَصيرُ مُختَلِفينَ ونَتغيَّر. ويجب أن يُوافِقَ نَمَطُ حَياتِنا تلكَ الطَّبيعةَ الجديدة وذلكَ التَّغيير. وهذا شيءٌ أساسيٌّ، يا أحبَّائي، في كُلِّ الحياةِ المسيحيَّ. وأنتُم تَعلمونَ ذلك. فقد سَمِعتُموهُ مَرَّات عَديدة. وبولُس يُكَرِّرُهُ هُنا في اعتقادي بألفاظٍ رُبَّما لم تُفَكِّروا بها مِن قَبل. واسمَحوا لي أن أُريكُم ما يَقول.
فهو يَصِفُ نَهْجَ الحياةِ العَتيق ونَهْجَ الحياةِ الجَديد فيقول: "هذه هي الطَّريقة الَّتي ينبغي أن تَسلُكوا فيها في جِدَّةِ الحَياة". وهو يُبايِنُ بينَ الإنسانِ العَتيقِ والإنسانِ الجَديد. والإنسانُ العتيقُ والإنسانُ الجديدُ لا يُشيران إلى طَبيعَتِكَ في هذا المَقطَع. فهناكَ مَواضِع في الكتابِ المقدَّسِ قد يَحْتَمِلُ فيها السِّياقُ هذا المَعنى. أمَّا هُنا فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن نَمَطِ حَياتِكُم؛ وتَحديدًا عن نَمَطِ حَياتِكُم القَديمِ الَّذي يُخالِفُ الجَديد. فيجب أن يَكونَ هُناكَ فَرقٌ كَبير. والآن تَذَكَّروا ما يَلي: أنَّ الفَرْقَ الرَّئيسيَّ يَكْمُنُ في الطَّريقةِ الَّتي تُفَكِّرونَ بها. هل تَذكرونَ ما قُلناهُ في الأسبوعِ الماضي؟ فالطَّريقةُ الَّتي تُفَكِّرونَ بها هي الَّتي تُحْدِثُ الفَرقَ. فهُناكَ أسلوبُ حَياةٍ قَديمٍ قائِمٍ على عَمليَّةِ تَفكيرٍ مُعيَّنة، وأسلوبُ حَياةٍ جَديد قائمٍ على عَمليَّةِ تَفكيرٍ مُختلفَة.
لِذا فإنَّ العَددَ 23 يَقول إنَّ الخَلاصَ يَقتضي مِنكُم أن تَتَجَدَّدوا بِروحِ ذِهْنِكُم. فهناكَ عَمليَّة تَفكير جديدة تَتطلَّبُ خَليقةً جَديدة. والربُّ يَبتدئُ حَقًّا بإجراءِ تلكَ العَمليَّة مِن خلالِ التَّغييرِ الَّذي يَحدُثُ عندَ الخَلاص. والآن، لِنَنظُر إلى المُفارَقَة مَرَّةً أخرى؛ وهي مُفارقة ابتدأنا بالتَّحدُّثِ عنها في دَرسِنا السَّابقِ معًا. فالأعداد 17-19 تَصِفُ السُّلوكَ القَديمَ والإنسانَ العَتيق. والأعداد 20-24 تَصِفُ السُّلوكَ الجديدَ والإنسانَ الجَديد. وأريدُ أن أُراجِعَ ذلكَ بإيجاز. لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّنا قَرأنا في الأصحاحِ الثَّاني والأعداد مِن 1 إلى 3 أنَّ الخُطاةَ يَسلُكونَ حَسَبَ العالَمِ وَالجسدِ وإبليس. فَهُم يَتصرَّفونَ حَسَبَ هذهِ الأشياء الثَّلاثة. ونحنُ نَرى هُنا مَثَلاً إيضاحيًّا على كيفيَّةِ حُدوثِ ذلك.
فإن سَلَكتُم حَسَبَ العالَمِ والجَسَدِ وإبليس، إليكُم ما سيَحدُث. وهو يَذكُرُ لنا أربعَ سِماتٍ للتَّفكيرِ الوَثنيِّ والحياةِ الوثنيَّة. فهناكَ أربعةُ أشياءٍ تَحدُث بسببِ التَّفكيرِ المَغلوط: الأوَّلُ مَذكورٌ في العدد 17. وهذه هي السِّمة الأولى للشَّخصِ الَّذي لم يُولَد ثانيةً، ولم يَخلُص، ولا يَعرِفُ اللهَ. أولاً، في نهايةِ العدد 17: إنَّهُم يَسلُكونَ "بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ". وأوَّلُ سِمَةٍ هي تلكَ الَّتي أُسَمِّيها "فَراغُ التَّمَحوُرِ حَولَ الذَّات". فالإنسانُ الَّذي لم يُولَد ثانيةً يَنظُرُ إلى كُلِّ شيءٍ مِن مُنطلَقِ تَفكيرِهِ وعَقلِه. فعَقلُهُ هو المَرجِعُ الأعلى. فَهُوَ يَتَّكِل على فِكرِه، ومَعرفتِه، وما يُلائِمُه. وهذا هو الفَرقُ الأوَّل. والمُشكلةُ الوحيدةُ هي أنَّهُ يَتَّكِلُ على بُطْلِ ذِهنِهِ لأنَّ تَفكيرَهُ باطِلٌ، وعَديمُ النَّفعِ، وعَديمُ الهَدَفِ، وعَديمُ الفائدةِ، وعَديمُ القَصد.
فَفَراغُ التَّمَحوُرِ حولَ الذَّاتِ هو سِمَةُ عَصرِنا هذا. وهو سِمَةُ الإنسانِ الَّذي لم يُولَد ثانيةً. فهو لا يَصِلُ إلى أيَّة نَتيجة. وهو مَشحونٌ بالضَّجيجِ والغَضَب. ولكنَّهُ فارِغٌ تَمامًا. ورُبَّما يَترَدَّدُ صَدى ذلكَ في أُغنية "جاكسون براون" (Jackson Brown)، وهو واحدٌ مِن مُغَنِّي الرُّوك حاليًّا. فقد لَخَّصَ الحَياةَ بالكلماتِ التَّالية: "سوفَ أشتري لنفسي بَيتًا تَحتَ ظِلِّ الطَّريقِ السَّريع. وسوفَ أُجَهِّزُ شَطيرةً للغَداءِ وأذهبُ إلى عَملي كُلَّ يوم. وعندما تَغيبُ الشَّمسُ مَساءً، سأعودُ وأُريحَ جَسَدي المُتعَب. وعندما تُشرِقُ الشَّمسُ في اليومِ التَّالي، سأنهضُ وأفعلُ ذلكَ مَرَّةً أخرى". فهذه هي الحياةُ في نَظَرِه. وهي حَياةٌ عَديمةُ النَّفعِ نابِعَةٌ مِنَ البُطلِ والذِّهنِ الفارِغ. فإن كانَ الإنسانُ يَفعلُ ما يُمليهِ عليهِ ذِهنُهُ الَّذي لا يَفتَكِرُ بالفِكرِ الإلهيِّ، ولا يَعرِفُ شيئًا سِوى أفكارَهُ الشخصيَّة، لن يَصِلَ إلى أيَّة نَتيجة. فكُلُّ ما يَفعلُهُ عَديمُ النَّفعِ، وفارِغ، وباطِل.
الشَّيء الثَّاني: الذِّهنُ العَديمُ النَّفعِ والأجوف والباطِل يَجهَلُ الحَقَّ. وهذه هي السِّمَة الثَّانية للشَّخصِ الَّذي لم يُولَد ثانيةً في العدد 18: "إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ". والكلمة "غَلاظَة" تَعني "قَسْوَة". بعبارة أخرى، عندما يَقولُ الإنسانُ" سأعيشُ وأموتُ حَسَبَ مَا يُمليهِ عليَّ ذِهني، وسأكونُ سَيِّدَ مَصيري، وسأُديرُ دَفَّةَ نَفسي بنفسي، وسأُقَرِّرُ مَصيري بنفسي"، يُمكنكم أن تَتيَقَّنوا مِن أنَّهُ سيَعيشُ حَياتَهُ كُلَّها في جَهلٍ لأنَّ الإنسانَ لا يَملِكُ أيَّة إجابات. فإن فَصَلَ نَفسَهُ [كما جاءَ في العدد 18] عن حَياةِ اللهِ، وإن عَزَلَ نَفسَهُ عن حَياةِ اللهِ، فإنَّهُ يُلغي أيَّ احتِماليَّة في أن يَعرِفَ الحقَّ يَومًا.
لِذا فإنَّ الشَّيءَ الثَّاني هو الظُّلمَة الاختياريَّة. فهو مَيِّتٌ رُوحيًّا وغيرُ قادرٍ على مَعرفةِ الحَقِّ. وقد قُلنا لكُم في المَرَّة السَّابقة إنَّ هذهِ الآية تُشيرُ ضِمنيًّا إلى فِكرةِ أنَّهُ عندما يَختارُ الإنسانُ بإرادَتِهِ أن يَتَّكِلَ في كُلِّ شيءٍ على فِكرِهِ، ويَصيرُ إلهَ نَفسِه، ويُديرُ ظَهرَهُ للهِ الحَقيقيِّ، فإنَّهُ سَيَصِلُ إلى نُقطةٍ يَتْرُكُهُ اللهُ فيها وشأنَهُ. والعهدُ القديمُ يُعَبِّرُ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "أَفْرَايِمُ مُوثَقٌ بِالأَصْنَامِ. اتْرُكُوهُ". ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّلِ أنَّ اللهَ أَسلَمَهُم إلى النَّجاسَة. فقد تَرَكَهُم وشأنَهُم. فإذا اختارَ الإنسانُ هذا الدَّربَ، ستأتي نُقطةٌ يَدَعُهُ اللهُ فيها وشأنَهُ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 22: 11: "مَنْ يَظْلِمْ فَلْيَظْلِمْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ نَجِسٌ فَلْيَتَنَجَّسْ بَعْدُ". فاللهُ يَترُكُهُم وشأنَهُم ويُثَبِّتُ قَرارَهُم. لِذا فقد قُلنا [أوَّلاً] إنَّ الذِّهنَ الباطِلَ المُتَمَحوِرَ حَولَ الذَّاتِ يَقودُ فقط إلى الجَهل. وهذا الجَهلُ يَجعلُ الإنسانَ يَغرَقُ في مُستنقعِ الخطيَّة.
وهذا يُؤدِّي إلى شيءٍ ثالثٍ: عَدَم الحَياء... عَدَم الحَياء. فنحنُ نَقرأُ في العدد 19: "إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ". ويُمكنُكم أن تَتوقَّفوا هُنا. اسمعوني: إن فَصلتَ نَفسَكَ عن حَياةِ اللهِ لن تَعودَ تَشعُرُ بأيِّ تَبكيتٍ، ولن تَعودَ مُرهَفَ الحِسِّ للخطيَّة، وستَفقِدُ الإحساسَ بالنَّدَم، ولن تَعودَ تَشعُرُ بالحَياء. فعندما تَرغبُ في السُّلوكِ وَفقًا لذِهنِكَ، وتَفصِلُ نَفسَكَ عن حَياةِ اللهِ، وتُبعِد نَفسَكَ عنِ الحَقِّ الإلهيِّ فإنَّكَ ستَصيرُ مِن دُونِ الحَقِّ بِلا أيَّة مَعايير، وبلا أيَّة أخلاق. وسوفَ تَتَدَهورُ حَياتُكَ وتَصيرُ مُنْحَلاًّ وعَديمَ الحَياء.
ونحنُ نَرى هذا الأمرَ في مُجتمعِنا. أليسَ كذلك؟ فالمُجتمعُ الَّذي يُريدُ أن يَفعلَ كُلَّ شيءٍ بطريقتِه يَفصِل نَفسَهُ في النِّهاية عنِ اللهِ. وما إن يَفعلَ ذلكَ حتَّى لا تَعودَ لديهِ مَعايير. ثُمَّ إنَّ ذلكَ الفُجورَ يَستَفْحِل. وهذا هو بالضَّبط ما نَقرأُ عنهُ هُنا. فلا يوجد أساسٌ للأخلاق. والعِبارة المُترجمة هُنا "قد فَقَدوا الحِسَّ" تَعني أنَّهُم صَاروا قُساةً، أو لم يَعودوا يَشعرونَ بالألم، أو لم يَعودوا يُبالون. فالشَّهوةُ الشَّخصيَّةُ هي كُلُّ ما يَشعرونَ به. هذا هو كُلُّ ما يَشعرونَ بهِ. وسوفَ يَحصُلونَ على ما يُريدونَهُ أيًّا كانَ الثَّمن. ثُمَّ إنَّ شيئًا آخرَ يَنجُمُ عن ذلك. فعندما تَعيشُ وَفقًا لمَعاييركَ الشَّخصيَّة وفِكرِكَ الشَّخصيِّ بِبُطْلِ ذِهنِكَ فإنَّكَ تَفصِلُ نَفسَكَ عنِ الله. لِذا فإنَّكَ تَفقِدُ كُلَّ قِيَمٍ أخلاقِيَّةٍ لديكَ، وكُلَّ تَوازُنٍ أخلاقِيٍّ، وكُلَّ حِسٍّ بالصَّوابِ والخطأ، وتُمارسُ الخطيَّةَ بلا حَياء.
والنَّتيجةُ هي أنَّكَ تَتَّصِفُ بِصِفَةٍ رَابعةٍ وهي: الذِّهنُ المَرفوض. وَهُوَ ذِهنٌ قد تَوقَّفَ عنِ العمل. فقد كَوَيْتَ ضَميرَكَ حَرفيًّا. وقد أَفْسَدتَ عَقلَكَ. وقد نَسَفْتَ عَقلَكَ والمَعاييرَ الَّتي وَضَعَها اللهُ لَكَ، وتَجاهلتَ صَوتَ ضَميرِكَ إلى أن باتَ ضَميرُكَ مُعَطَّلاً. فنحنُ نَقرأُ: "اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَع". وهذا هو نَمَطُ الحياةِ البَشريّ. وَهُوَ ليسَ جَميلاً جدًّا. أليسَ كذلك؟ فالتَّفكيرُ العَديمُ الحَياءِ يُدَمِّرُ العَقلَ. حسنًا! والآن، لِنُراجِع ذلكَ بسُرعة لكي تَفهموه.
فأنتَ تَبتدِئ بالقيامِ بكُلِّ شَيءٍ حَسَبَ أهوائِكَ. فأنتَ تُفَكِّرُ بأفكارِكَ الشَّخصيَّة وتُقَرِّرُ مَصيرَكَ بنفسِك. وأنتَ تَفصِلُ نَفسكَ عنِ الله. وبسببِ ذلكَ فإنَّكَ تَعيشُ في جَهل. وهذا مَذكورٌ في العدد 18. وحينئذٍ سيُصابُ قَلبُكَ بالعَمى، وسيُصابُ عَقلُكُ بالعَمى. وبسببِ ذلكَ العَمى، ستَكونُ عَديمَ الأخلاق. وعندما تَصيرُ عَديمَ الأخلاقِ ستَصيرُ بِلا حياءٍ وفاجِرًا. وسوفَ تَعيشُ بلا حَياءٍ وبِفُجورٍ فترةً طويلةً فتُدَمِّرَ أيَّ عَمليَّة تَفكير مُتبقِّية لديكَ إلى أن تَصِلَ إلى نُقطةٍ تَستَسلِمُ فيها لفُجورِكَ وتَبتدئُ في مُمارسةِ نَجاسَتِكَ بِطَمَع. بعبارة أخرى، أنتَ لن تَشبَعَ مِنَ الشَّرِّ المَوجودِ في حَياتِكَ ولن تَكتفي بالنَّجاسةِ المَوجودةِ فيها.
فقد رأيتُ مَطعَمًا في هوليوود كُنتُ قد مَرَرْتُ بجانِبِهِ مَرَّةً. وَهُوَ يُسَمَّى "فيلثي ماك ناستي" (Filthy McNasty) ومَعناهُ: "القَذارةُ النَّجِسَة". وقد قُلتُ لنفسي: "إنَّ اسمَ هذا المَطعَم يَصِفُ كُلَّ هذا الجُزءِ مِنَ المَدينة". والآن، اسمَحوا لي أن أُحَدِّثَكُم عنِ الكلمة "دَعارة" قليلاً. فالكلمة "دَعارة" هي تَرجمة للكلمة "أسيلغيا" (aselgeia). وقد حَدَّثتُكُم قليلاً عنها في الأسبوعِ الماضي. وأريدُ أن أُضيفَ مُلاحظةً هُنا. فرُبَّما كانت هذه الكلمة هي أقبحُ كلمة في العهدِ الجديد. فهي كلمة قَبيحة وقَذِرَة. وهي تُستخدَمُ كَثيرًا. وإليكُم ما تَعنيه الكلمة "أسيلغيا": فهي تَصِفُ الشَّخصَ الَّذي تَسكُنُ فيهِ خَطيَّة كثيرة، وتُسيطِر عليهِ كثيرًا حتَّى إنَّهُ لا يُبالي بما يَقولُهُ الآخرونَ، ولا يُبالي بما يَخطُرُ ببالِ الآخرينَ، ولا يَشعُرُ بأيِّ صَدمة، ولا يَشعُرُ بأيِّ احتِرام، ولا يَشعُرُ البَتَّة بالحَياء.
ومِنَ النَّادرِ جدًّا أن تَأتي هذه الكلمةُ مُنفردةً، بل إنَّها تأتي مَصحوبةً عَادةً بكلماتٍ أخرى. والحقيقة هي... اسمَحوا لي أن أُعطيكُم فِكرةً عنها. ففي ثلاثِ مَرَّاتٍ، ارتبطت الكلمة "أسيلغيا" بالسُّكْر (في رسالة غلاطيَّة 5: 19، ورسالة بُطرس الأولى 4: 3، ورسالة رُومية 13: 13). ففي تلكَ المَقاطِعِ الثَّلاثة، ارتبطت هذه الكلمة بالسُّكْر. وقدِ ارتبطت بكلمة مُعيَّنة هي: "كوموس" (komos). والكلمة "كوموس" هي في الأصل كلمة غير مُؤذية. فهي تَعني أو تُشيرُ إلى زُمرةٍ مِنَ الأصدقاءِ الَّذينَ كانوا يُرافقونَ الشَّخصَ الفائزَ في الألعابِ إلى بَيتِه. فَهُم رِفاقُهُ أو أصدقاؤه.
ولكِن في أثناءِ تَسَكُّعِهِم في الطَّريقِ إلى المَنزِل فإنَّهُم يَضحَكونَ ويَبتَهِجونَ ويَحتَفِلونَ بالنَّصرِ ويَبتدئونَ في شُربِ الخَمر. وحينئذٍ فإنَّهُم يَتصرَّفونَ ببذاءةٍ، وعَربدةٍ، وصَخَبٍ، ومُجون. ثُمَّ إنَّ الأمرَ يَسوءُ أكثرَ فيَنغمسونَ في الشَّهواتِ الحِسِّيَّةِ على مَرأى مِنَ النَّاسِ. وهذا يَعني حَرفيًّا "عَربَدَةً ناجِمَةً عنِ السُّكر". والكلمة "أسيلغيا" تُشيرُ إلى الشَّخصِ الَّذي يُعَربِد؛ أي إلى الشَّخصِ الَّذي يَنغَمِسُ في مَلذَّاتِهِ الذَّاتيَّةِ دُونَ أن يُبالي بأيَّة قُيود حَولَهُ. فهو لا يَكْبَحُ نَفسَهُ على الإطلاقِ حَتَّى بحضُورِ أشخاصٍ آخرينَ حَولَهُ. فهي كلمة تُشيرُ إلى ذلكَ النَّوعِ مِنَ السُّكْرِ الَّذي يُؤدِّي إلى ذلكَ الفُحْش.
ثانيًا، تَرِدُ هذه الكلمة أربعُ مَرَّاتٍ بالإشارةِ إلى الزِّنا أوِ الشَّهوةِ وَالخطيَّةِ الجِنسيَّة. وهي مُرتبطة في إنجيل مَرقُس 7: 22، ورسالة كورنثوس الثَّانية 12: 21، ورسالة غَلاطيَّة 5: 19، ورسالة بُطرس الثَّانية 2: 18 بالخطيَّة الجِنسيَّة. وهي تُشيرُ في كُلِّ حالة مِن هذهِ الحالاتِ إلى شخصٍ فَقَدَ حَياءَهُ وصارَ كالحَيَوانِ مِن جِهَةِ استِسلامِهِ لِشَهوَتِهِ الجِنسيَّة. هذا هو مَعنى الكلمة "أسيلغيا". فهي عَرْبَدَةٌ لا تُبالي بشيءٍ سِوى إشباعِ شَهوَةِ صَاحِبِها حَتَّى لو كانت شَهوةً حَيَوانيَّة. والشَّخصُ الَّذي يُعَربِدُ هو شخصٌ لم يَعُد لَديهِ ضَميرٌ يُؤنِّبُهُ على سُوءِ أخلاقِهِ أو شَهْوَتِهِ الجِنسيَّةِ الَّتي تُشبِهُ الغَريزةَ الحَيَوانيَّة. هذا هو مَعنى هذهِ الكلمة. لِذا فإنَّها تَرتبطُ ثلاثَ مَرَّاتٍ بالسُّكرِ الَّذي يَقودُ إلى المُجونِ، وأربعَ مَرَّاتٍ بالشَّهوةِ الجِنسيَّةِ المُنحطَّةِ الَّتي لا تَختلِف في شيءٍ عنِ الغَريزةِ الحَيَوانيَّة.
وهُناكَ حَالة ثالثة ... هُناكَ حالة ثالثة تُستخدَمُ فيها. فهي تُستخدَمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ معَ الكلمة "بليونكسيا" (pleonexia). وهي تُستَخدَمُ معَ تلكَ الكلمة هُنا. والكلمة "بليونكسيا" تُشيرُ إلى الطَّمَعِ في هذهِ الآية. والكلمة "أسيلغيا" تُستخدَمُ ثلاثَ مَرَّاتٍ للإشارةِ إلى الشَّهوةِ الجَامِحَةِ الَّتي تَجعَلُ النَّاسَ لا يَعرِفونَ حَقًّا حُدودًا لها. وهي تَعني أنَّكَ إن لم تُعطِني ما أُريد فإنَّني مُستعدٌّ لِفِعْلِ أيِّ شَيءٍ شَائِن مِن أجلِ الحُصولِ عليه. أَتَرَوْن! فهي شَهوة خارجة تَمامًا عنِ السَّيطرة. فهي ليست مَوقِفًا داخليًّا صَغيرًا مُنفردًا، بل هو شَرٌّ. وَهِيَ شَهوةٌ جَامِحَةٌ لِفِعلِ الشَّرِّ تَصِل إلى حَدِّ اقتِرافِ الخَطيَّةِ أمامَ النَّاسِ، وتَصِلُ إلى حَدِّ فُقدانِ كُلِّ حَياءٍ على غِرارِ الحَيَوانات. وهي لا تَعرِفُ أيَّ خَجَل. وهي جَشِعَة جدًّا حتَّى إنَّها تُريدُ فقط أن تُشبِعَ نَفسَها بطريقةٍ لا يُمكِنُ البتَّة إشباعُها.
إنَّهُ جُمُوحُ السُّكرِ والخَلاعةِ الجِنسيَّةِ الصَّاخبة. فهكذا يَعيشُ الأُمَم. وهل تَعلمونَ مِن أينَ جَاءَ هذا كُلُّه؟ قد تَقول: "ليسَ الجَميعُ يَتَمادى إلى ذلكَ الحَدّ". هذا صحيح، ولكن لا تُوجد لدى أيِّ شَخصٍ في المُجتمَع القُدرة على كَبْحِ نَفسِه مِنَ التَّمادي إلى ذلكَ الحَدّ. ولكن بِنعمةِ اللهِ الَّتي يُسبِغُها على الأبرارِ والأشرارِ عَامَّةً في المُجتمع، والتَّأثيرِ الحَافِظِ للرُّوحِ القُدُس، والتَّأثيرِ الحَافِظِ للكنيسة في العالَم، هُناكَ حِماية لأيِّ شخصٍ مِنَ السُّقوطِ في تلكَ الحُفرة والانحِدارِ إلى ذلكَ المُستوى.
فالأمرُ بِرُمَّتِه يَبتدئُ مِن هُنا. فأنتَ تَبتدئُ بالعقليَّةِ الَّتي تُرَكِّزُ على الذَّات، وتَفتَكِرُ بأفكارِكَ، وتَعزِلُ نَفسكَ عنِ اللهِ. وهذا يعني أنَّكَ جَاهِلٌ. وبسببِ جَهلِكَ فإنَّكَ تَفقِدُ أخلاقَكَ وتَنحَدِرُ إلى العَيشِ كَالحَيَوان. وما إن تَشتَهي شَيئًا فإنَّ تلكَ الشَّهوة تَجعلكَ تَحتَ الدَّينونة لأنَّها لا تَعرِفُ حُدودًا، بل تُبعِدُكَ أكثر فأكثر عنِ الاكتِفاء. فهذا هو طَريقُ الشَّهوة. فهي شَهوة وَقِحَة، وشِرِّيرة، وعَنيفة، وغير مَشروعة، ولا تَشبَع، وجَشِعَة. وهذه هي حَالُ العالَم. وفي رسالة رُومية 1: 29، نَجِدُ الكلمة "بليونكسيا" (pleonexia) ومَعناها: "طَمَع"، وهي تُشيرُ إلى خَطيَّةِ العالَمِ الَّذي لا يَعرِفُ اللهَ لأنَّهُم يُديرونَ ظُهورَهُم للهِ لكي يُشبِعوا شَهَواتِهم. وفي إنجيل لوقا 12: 15، نَقرأُ أيضًا الكلمة "بليونكسيا" (pleonexia) ومَعناها: "طَمَع"، وهي تُشيرُ إلى خَطيَّةِ الشَّخصِ الَّذي يُقَيِّمُ الحياةَ فقط مِن جِهةِ الأشياءِ الماديَّة. فهو لا يَكتَفي مِنَ الأشياء.
وفي رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاحَيْن الثَّاني والرَّابع، تَصِفُ هذه الكلمة شخصًا يَستخدِمُ جَشَعَهُ لاستِغلالِ الآخرين. فهو شخصٌ لا يُبالي بحالِ المرأةِ بعدَ أن يَنتهي مِنَ اغتِصابِها، بل يَفعلُ ذلكَ بأيِّ حال. وفي رسالة كولوسي والأصحاحِ الثَّالث، تَرتبطُ الكلمة "بليونكسيا" بعبادةِ الأصنام لأنَّهُ مِنَ الجَشَعِ أن تَعبُدَ صَنَمًا عِوَضًا عنِ اللهِ الحَيِّ. وهي تَرِدُ في مَقطعٍ تِلو الآخر تِلو الآخر إشارةً إلى شَرٍّ جِنسيٍّ. فهي الرَّغبة في الحُصولِ على شيءٍ غير مَشروع. وهي الرَّغبة في الحُصولِ على شيءٍ مُحَرَّم. وهي الرَّغبة العَارِمَة في الحُصولِ على ذلك بأيَّة طريقة حتَّى إنَّكَ تُميتُ ضَميرَكَ، وتَفقِدُ أخلاقَكَ، وتَفقِدُ عُنصُرَ الصَّدمة، وتُبدي الاستعدادَ لتَدميرِ وتَحطيمِ أيِّ شيءٍ أو شخصٍ يَعتَرِضُ طَريقَك. هذه هي حَياةُ البُطْل.
وقد تَقول: "وكيفَ يَصِلُ النَّاسُ إلى ذلكَ المُستوى؟" هُناكَ الكثيرُ مِن هؤلاءِ في مُجتمعِنا. هُناكَ الكثيرُ مِنهم، صَدِّقوني، في كُلِّ مكان. ولا يُوجد شيء يَمنَعُ أيَّ شخصٍ لم يُولَد ثانيةً مِنَ الانحِدارِ إلى ذلكَ المُستوى. فلا يوجد لديهِ رادِعٌ ذاتِيٌّ... البتَّة. وصَدِّقوني أنَّهُ سيكونُ هُناكَ أشخاصٌ يَنحَدِرونَ إلى ذلكَ المستوى أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مَضى. ويُمكنكم أن تَقرأوا في كِتابِكُم المُقدَّس أنَّ الأَشْرَارَ سَيَتَقَدَّمُونَ إِلَى [ماذا؟] إلى أَرْدَأَ فَأَرْدَأ كُلَّما اقتربنا أكثر فأكثر مِن وقتِ عَودةِ رَبِّنا. فسوفَ يكونُ هُناكَ أُناسٌ أكثر فأكثر فأكثر على هذهِ الشَّاكِلَة؛ ولا سِيَّما بعدَ أن تُخطَفَ الكَنيسة ويَزولَ تأثيرُها. أو كما جاءَ في رسالة تسالونيكي الثانية: "بعدَ أَنْ يُرْفَعَ مِنَ الْوَسَطِ الَّذِي يَحْجِزُ الآنَ". فسوفَ يَصيرُ هذا الشَّيءُ جَائِحَةً تَجتاحُ كُلَّ الجِنسِ البَشريِّ – كما لو أنَّها ليست جَائِحَةً الآن!
وقد تَقول: "وكيفَ يَصيرُ النَّاسُ هكذا؟" نَقرأُ في العدد 19 أنَّهُم "أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ" لَها. فقد أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لَها. اسمَعوني: لقد قُلتُ لكُم ذلكَ في الأسبوعِ الماضي وسأُبَيِّنُهُ الآن. إنَّ هذا الأمرَ مُرتبطٌ ارتباطًا وَثيقًا بالخِياراتِ المُستَمِرَّةِ الطَّوعيَّة. فالخِيارُ الَّذي تُمارِسُهُ كثيرًا يَصيرُ عَادَةً. والعادَةُ تَصيرُ جُزءًا مِن طِباعِكَ. والطِّباعُ تَصيرُ جُزءًا مِن شَخصيَّتِك. والشَّخصيَّةُ تَقودُكَ إلى مَصيرِك. فهذا هو تَمامًا ما يَحدُث. فهي سِلسِلَةُ خِيارات. وقد أَسْلَمَ هؤلاءِ أنفُسَهُم للخطيَّة. والخطيَّةُ شيءٌ لا يُمكِنُكَ أن تَلومَ أحدًا عليهِ سِواك. فإن لَجأتَ إلى خِياراتٍ سَيِّئةٍ مِرارًا، ستَصيرُ تلكَ الخِياراتُ عَادَةً، ثُمَّ طِباعًا، ثُمَّ شَخصيَّةً. وشَخصيَّتُكَ تُقَرِّرُ مَصيرَكَ.
واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ مِثالاً تَوضيحيًّا على ذلكَ لَكُم. في الأسبوعِ الماضي، أعطاني "بوب فيرنون" (Bob Vernon) مِن قِسْمِ شُرطةِ لوس أنجليس، وهو عُضوٌ في كَنيستِنا هُنا، أعطاني كِتابًا بعُنوان: "الشَّخصيَّة الإجراميَّة" (The Criminal Personality) أَلَّفَهُ باحِثانِ يَهوديَّان هُما: "صموئيل يوكيلسون" (Samuel Yochelson) و "ستانتون سيميناو" (Stanton Samenow). وقد صارَ هذا الكِتابُ مَرجِعًا رَئيسيًّا للعامِلينَ في مَجالِ تَطبيقِ القانونِ وتَحليلِ السُّلوكِ الإجراميّ. وقد تَمَّ تأليفُ هذا الكِتاب بعدَ خمسَ عشرةَ سنة مِنَ الدِّراساتِ الدَّقيقةِ الَّتي أُجْرِيَتْ على مُجرِمين. ويتألَّفُ المُجَلَّدانِ مِن أكثر مِن ألفِ صَفحة. وأكثر ما أَدهشَني هو أنَّهُ طَوالَ سَنواتٍ وسَنواتٍ وسَنوات، كانَ الاعتقادُ السَّائِدُ هو أنَّ الإجرامَ يَنشأُ بسببِ البِيئة، وأنَّ الإجرامَ يَنشأُ بسببِ سُلوكٍ حَرَّضَتْهُ الظُّروفُ (أيِ المَكانُ الَّذي عِشتَ فيه، أو كَيفيَّةُ مُعاملةِ أُمِّكَ لَكَ، أو كَيفيَّةُ مُعاملةِ أبيكَ لَكَ). ولكن بعدَ كُلِّ أبحاثِهم، إليكُم ما قالوه. وهو مُدهشٌ جدًّا.
فالفَرضيَّةُ الَّتي يَقومُ عليها الكِتابُ هي أنَّ السُّلوكَ الإجراميَّ يَنشأُ عن عَمليَّةِ تَفكيرٍ مُنحَرِفَة. "لأَنَّهُ كَمَا [ماذا؟] شَعَرَ فِي نَفْسِهِ [ماذا؟] هكَذَا هُوَ". والحقيقةُ هي أنَّ هُناكَ ثَلاثة أجزاء في المُجَلَّدِ الأوَّل (مِنَ الصَّفْحَة رَقْم 251 إلى الصَّفْحَة رَقْم 457)، تَحْتَلُّ نَحوِ مِئتيّ صَفحة، هُناكَ ثلاثة أجزاء كاملة مُخَصَّصة لما أَسْماهُ المُؤلِّفان: "أخطاءُ التَّفكيرِ لدى المُجرِمين". والآن اسمَعوني. فَقد قالَ المُؤلِّفان، وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُما: "بعدَ أن تَرَكنا البحثَ عنِ السَّبب، وقَرَّرنا ألاَّ نَتبَعَ مَشاعِرَنا، فَحَصنا نَمَطَ التَّفكيرِ الإجراميّ". نِهاية الاقتباس. بعبارة أخرى، فإنَّهُما يَقولان: "لِنَكتَشِف كيفَ يُفَكِّرُ المُجرِمون". وهذا هو ما قادَهُما إلى اكتشافِ الحقيقة.
وإليكُم ما استنتَجَهُ الباحِثان، وَهُوَ شيءٌ مُدهِش. وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُما: "غالبًا مَا يَستمِدُّ المُجرمُ سُلوكِيَّاتَهُ مِن فَتْراتِ عدمِ اعتقالِهِ بِقَدرِ ما يَستمِدُّها مِن جَرائِمِه. فأنماطُ التَّفكيرِ لدى المُجرِم تَعملُ في كُلِّ مَكان. فهي لا تَقتَصِرُ على الجَريمة" [نِهايةُ الاقتباس]. بعبارة أخرى، منذُ بداية حياةِ المُجرِم إلى نِهايتِها، هُناكَ عَمليَّةُ تَفكيرٍ مُنحَرِفَة. هل تَعلمونَ ما هو هذا التَّفكير؟ إنَّهُ الذِّهنُ المَرفوض. وهذا هو تَمامًا ما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح الأوَّل. وَهُم لم يَكتشفوا ذلكَ إلاَّ الآن! فهي مُشكلةُ تَفكير. فهي ليست البيئة، بل هو الذِّهنُ المَرفوض. فهو الذِّهنُ الَّذي لا يُفَكِّر.
وقد قالَ لي رِجالُ شُرطة المرَّة تِلو المرَّة: "لا يُمكِنُكَ أن تُخَمِّن ماذا سيَفعلُ المُجرِم". لماذا؟ لأنَّ القُدرةَ الطَّبيعيَّةَ للعَقلِ لا تَعمل بتلكَ الطَّريقة. ففي مُحاولةٍ لتفسيرِ العَقلِ الإجرامِيِّ الَّذي يُسَمِّيهِ اللهُ عَقلاً مَرفوضًا أو ذِهنًا مَرفوضًا، يَقولُ الباحِثان ما يَلي: "التَّفسيراتُ الاجتماعيَّةُ-النَّفسيَّة ليست مُقنِعَة". فالأمرُ ليسَ اجتماعيًّا-نَفسيًّا. وَهُما يَقولان: "الفِكرةُ بأنَّ الإنسانَ يَصيرُ مُجرِمًا بسببِ فَسادِهِ النَّاجِم عن بيئتِه أثبَتَت أنَّها تَفسيرٌ رَكيكٌ جدًّا". والآن، اسمَعوا الجُملةَ الصَّادِمَةَ التَّالية: "بالرَّغمِ مِن أنَّ المُجرمينَ نَشأوا في عَدَدٍ مِنَ البُيوتِ غير المُحتَرَمة والمُحتَرَمة في نَفسِ الحَيِّ؛ فإنَّ بَعضًا مِنهُم صَاروا مُجرِمينَ، والأغلبيَّةُ ليسوا كذلك".
والآن اسمَعوني: "إنَّ البيئةَ ليست هي الَّتي تَجعلُ الإنسانَ مُجرِمًا، بل إنَّها سِلسِلَةُ الخِياراتِ الَّتي ابتدأَ في اتِّخاذِها في عُمْرٍ مُبْكِرٍ جدًّا". وهذا صَحيح. هل تُريدونَ أن تَسمعوا شيئًا مُدهشًا؟ إنَّهُم يَقولونَ إنَّهُ في حَالاتٍ مُعيَّنة، يُمكنُكَ أن تَرى ذلكَ يَحدُث في سِنِّ الثَّالثة. إنَّها الخِياراتُ... الخِيارات. اسمعوني: إنَّ قَلبَ الطِّفلِ مُتمرِّد. ومِنَ الأفضل أن تَحمِلَ العَصا وتُخَلِّصَهُ مِن ذلكَ التَّمَرُّد لأنَّكَ إن لم تَفعل ذلك، لا شَكَّ لَديَّ في أنَّ الشَّيطانَ اختارَ أشخاصًا مُعيَّنينَ في مُجتمعِنا لكي يَبتَدِئوا بعمليَّةِ التَّفكيرِ تلك الَّتي ستَجعلُهم أَشَرَّ أشخاصٍ في كُلِّ المُجتمَع، ولكي يَقودَ كُلَّ المُجتمَع إلى جَهنَّم. لِذا، يجب عليكَ أن تُقَوِّمَ أبناءَك.
ويَقولُ الباحِثان أيضًا... ورُبَّما كانَت هذهِ النُّقطة هي الأهَمّ. فالمادَّةُ المَذكورةُ في هذا الفَصلِ تُبَيِّنُ أنَّ المُجرِمَ ليسَ ضَحيَّة الظُّروف. فهو يَتَّخِذُ قَراراتٍ في عُمْرٍ مُبَكِّر بِغَضِّ النَّظرِ عن حالَتِهِ الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّة، وبغِضِّ النَّظرِ عن عِرقِهِ، وأبوَيْهِ، وتَربيتِه. لِذا فإنَّ تَغييرَ البيئة لا يُغَيِّرُ الإنسان. بل إنَّكَ تَتعامَلُ معَ ذِهنٍ مَرفوض. وما يُدهشُني هو أنَّ هُناكَ أشخاصًا جاؤوا في النِّهاية وقالوا ما قالَهُ اللهُ مُنذُ قُرون. وقد قالَ الباحِثان ما يَلي: المُجرِمُ يُقَرِّرُ في النِّهاية أنَّ كُلَّ شَيءٍ عَديمُ القيمة. فتَفكيرُهُ غيرُ مَنطقيّ. والمَعنى المَقصودُ مِن كُلِّ هذا يا أحبَّائي هو أنَّني أُحاولُ وَحَسْب أن أُريكُم أنَّ الرَّجُلَ يَصيرُ ما يَصيرُ عَليه، وأنَّ المَرأةَ تَصيرُ على ما تَصيرُ عليه، مِن خلالِ سِلسلةٍ مِن عَمليَّاتِ التَّفكيرِ والخِياراتِ الَّتي يَصنَعُها.
وقد تَقول: "وكيفَ يَصيرُ الإنسانُ على تلكَ الحال؟" إنَّهُ يَتَّخِذُ قَرارًا، وقَرارًا آخرَ بأن يَفعلَ الشَّيءَ نَفسَهُ مَرَّةً أخرى. ثُمَّ إنَّ ذلكَ الشَّيءَ يَصيرُ عَادَةً، ثُمَّ إنَّ عاداتِهِ تَصيرُ طِباعًا، والطِّباعُ تَصيرُ شَخصيَّةً. والشَّخصيَّةُ تُحَدِّدُ مَصيرَهُ". وهذا هو المَعنى المقصود. فاللهُ يَقول: "اترُكوهُ وشأنَهُ". فهو ذِهنٌ مَرفوض. وهل تَعلمونَ ما الشَّيءُ الآخرُ الَّذي أعتقدُ أنَّهُ مُدهشٌ. في الأسبوعِ الماضي قُلتُ لكم إنَّ الكلمة "لِيَعمَلوا" هُنا هي الكلمة "إرغاسيا" (ergasia)؛ وهي كلمة تُستخدَمُ بِمَعنى المُتاجَرَة. أليسَ مِنَ المُدهشِ أنَّ هؤلاءِ النَّاسَ أشرارٌ جدًّا ونَجِسونَ جدًّا حتَّى إنَّهُم يُتاجِرونَ بالنَّجاسة ويَتَرَبَّحونَ مِنها! فَهُم يُتاجِرونَ بالنَّجاسة. وَهُم يَتَرَبَّحونَ مِنَ النَّجاسة. وَهُم جَشِعونَ. فَهُم يَستخدِمونَها لكَسْبِ المال.
ورُبَّما يَهُمُّكم أن تَعلموا أنَّهُ صَدَرَت مَقالة في مَجلَّة "فوربس" (Forbes) أعطاني شخصٌ إيَّاها. وهي مَقالة رَئيسيَّة بعُنوان: "تِجارةُ الجِنس" (The X-Rated Economy) كتَبَها "جيمس كوك" (James Cook). وأعتقدُ أنَّها مَقالة مُدهشة جدًّا. وسوفَ أقولُ لكم ما جاءَ فيها: "لم تَعُدِ المُتاجَرةُ بالمَوادِّ الإباحيَّةِ تِجارةً غير مَشروعة. فَسُوقُ المَوادِ الإباحيَّةِ لم يَعُد مَحصورًا في المُنحرِفينَ أو الأشخاصِ المُعاقينَ عَاطِفيًّا؛ بل إنَّ العَكسَ هو الصَّحيح. فالحُصَّةُ الأكبرُ مِنَ السُّوقِ تَتألَّفُ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ يَنتمونَ إلى الطَّبقةِ الوُسطى. ففي مُجتمعٍ يَصيرُ أكثرَ فأكثر تَقَبُّلاً، صارَ بمقدورِ الأشخاصِ الَّذينَ يَستمتِعونَ بالمَوادِ الإباحيَّةِ أن يَتَمَتَّعوا بها قَدرَ مَا يَشاؤون". والآن، إليكُم شيئًا صَدَمني حَقًّا. فبحسبِ وَزارةِ العَدلِ في كاليفونيا فإنَّ العامِلينَ في مَجالِ المَوادِ الإباحيَّةِ يُديرونَ أعمالاً تِجاريَّةً تُدِرُّ عليهم أرباحًا تُقدَّرُ بأكثر مِن أربعة مِليارات دولارٍ في السَّنة. وهل تَعلمونَ أنَّ هذا المَبلَغَ يَفوقُ عائِداتِ صِناعةِ الأفلامِ والأغاني مَعًا؟ الموادُ الإباحيَّة!
وبالمُناسبة، وَفقًا لقِسمِ شُرطةٍ واحدٍ في السَّاحِلِ الغَربيِّ، هذا فَقَط ثُلْثُ المبلغِ الَّذي تُدِرُّهُ التِّجارةُ في الحَقيقة إذْ إنَّ المَبلغَ يَصِلُ إلى نَحوِ اثني عشرَ مِليار دولار سَنويًّا. فالمَجلاَّتُ الإباحيَّةُ تَبيعُ 16 مَليون نُسخة في الشَّهر، وتَجني أرباحًا تُقَدَّرُ بنِصفَ مِليار دولار في السَّنة. أمَّا أفلامُ الرَّاشِدينَ... اسمَعوا هذا. فهُناكَ أفلامُ الرَّاشِدينَ تلك، وهُناكَ الأفلامُ الَّتي تَحوي تلكَ المَشاهِدِ الخَليعَة. وهُناكَ 780 صَالة سِينما في الولايات المُتَّحِدَة تَعرِضُ تلكَ الأفلام الرَّديئة. والآن اسمَعوا ما سأقول: هناكَ مَليونا شخصٍ في الأسبوع يَدخلونَ صَالاتِ السِّينما تلك ويَدفعونَ نَحوَ ثلاثة دولارات ونِصف على الشَّخص؛ أي أنَّ هذهِ التِّجارة تُدِرُّ نَحوَ أربعمئة مَليون دولار سَنويًّا. وهُناكَ مِئة مَليون أخرى تَأتي مِن بَيعِ ما يُعرَفُ بالألعابِ الجِنسيَّة. ولكنَّ أكبرَ المَصالِحِ التِّجاريَّةِ هي تلكَ المَكتباتِ الَّتي تَبيعُ كُتُبًا ويُمكِنُكَ أن تَشتري مِنها كُتُبًا قَذِرَةً، أو أن تُشاهِدَ فيها عُروضًا صَغيرةً، أو ما شَابَهَ ذلك. وهُناكَ مَحَلٌّ في نيويورك يُدِرُّ دَخلاً يَصِلُ إلى عشرة آلاف دولار في اليوم.
ويُقَدِّرُ قِسمُ الشُّرطةِ في لوس أنجليس في مَدينتِنا أنَّ هُناكَ 125 مَليون دولار تُنفَق سَنويًّا على تلكَ العُروضِ الصَّغيرة وفي المَكتبات. فهي تِجارة يا أحبَّائي أكبر مِن أيِّ شيءٍ يُمكِنُكم أن تَتَخَيَّلوه. وقد قالَ "آل غولدستين" (Al Goldstein)؛ وهو واحِدٌ مِن نُجومِ المَوادِّ الإباحيِّةِ في بَلَدِنا: "إنَّها تِجارة فيها مُغامَرة كبيرة. ولكنَّ المُحامينَ الَّذينَ يَعمَلونَ لَديَّ يَكسبونَ أموالاً كتلكَ الَّتي أكسَبُها أنا. فالمُضايقاتُ القانونيَّةُ لا تَفعلُ أيَّ شيءٍ سِوى أنَّها تُقَلِّلُ هَامِشَ الرِّبحِ قليلاً". وفي خِضَمِّ ذلكَ، هُناكَ أشخاصٌ يَدَّعونَ أنَّهُم وُلِدوا ثانيةً! وهذا أمرٌ لا يُعقَل!
اسمَعوني يا أحبَّائي: هذه هي الحياةُ القديمة. وهذا هو ما سَتَؤولُ إليه. وهذا هو ما سَيَنجُمُ عنها. ولا شَكَّ في أنَّكُم تَرَوْنَ ذلك، وفي أنِّي أرى ذلك. ولكنَّ هذه هي الحياة القديمة. والرَّسولُ بولُسُ يَقول... اسمَعوا ما يَقول في العدد 17: "لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ". فهذه ليست حَياتُنا، وهذا ليسَ نَمَطُ حَياتِنا، ولا يُوافِقُ خَلفيَّتَنا. وأريدُ أن أقولَ لكُم شيئًا: إن كنتَ قد جِئتَ إلى يسوعَ المسيحِ ولم تُدرك أنَّهُ يجب عليكَ أن تَمتَنِعَ عن تلكَ الأشياء، لا يُمكنُني أن أَقولَ جازِمًا إنَّكَ مُخَلَّص. فإن كُنتَ مَا تَزالُ تَتَشَبَّثُ بأسلوبِ الحياةِ ذاك فإنَّني أَشُكُّ في خَلاصِكَ لأنَّنا نَقرأُ في رسالةِ يَعقوب 4: 4: أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ: "أَيُّهَا الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ؟"
فإن جِئتَ إلى يَسوعَ المَسيحِ دُونَ أن تَتَّخِذ قَرارًا واعيًا بالانفصالِ عنِ النِّظامِ السَّائِدِ في العالَم فإنَّني أَشُكُّ في أنَّ خَلاصَكَ كانَ حَقيقيًّا. فأنا أَشُكُّ فيه. وإن لم تَشعُر بقوَّة بأنَّكَ إنسانٌ خَاطِئ، ولم تُسرِع إلى اللهِ كي يَرحَمَك، ولم تُدرك الشَّرَّ الَّذي كانَ مَوجودًا في حَياتِك، ولم تَرغَب في أن تَتَطَهَّرَ مِنه، فإنَّني أشُكُّ في أنَّكَ مُؤمِن. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّاني: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". أليسَ كذلك؟ فهي ليست فيه. فعندما صِرتَ مَسيحيًّا، إن كُنتَ قد نِلتَ حَقًّا الخلاصَ... وأنا أعتقدُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا كثيرينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم مُؤمنونَ معَ أنَّهُم ليسوا كذلك. وهُناكَ أشخاصٌ في هذهِ الكنيسةِ على هذهِ الحال.
ولكِن إن جِئتَ حَقًّا ونِلتَ الخلاصَ، لا بُدَّ أن تأخُذَ قَرارًا واعيًا بالانفصالِ عنِ العالَم. ولا شَكَّ في أنَّ الخَطيَّةَ سَتُطِلُّ برأسِها وتَجعَلُكَ تَسقُطُ مِن وقتٍ إلى الآخر. وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ بولُسُ هُنا. لا تَسمَح لها بأن تَفعلَ ذلك. ولكِن عندما تَصيرُ مَسيحيًّا، يجب أن تُدركَ أنَّكَ كُنتَ خاطئًا. ويجب عليكَ أن تَنفصِلَ عنِ العالَم. ويجب عليكَ أن تَنفَصِلَ عنِ النِّظام. فلا يُمكِنُكَ أن تَكونَ عَديمَ الأخلاقِ وغيرَ تَقِيٍّ وأن تأتي وتَقبلَ يَسوعَ مِن دُونِ أن تُغَيِّرَ نَمَطَ حَياتِكَ، ثُمَّ تُخبرُني أنَّ خَلاصَكَ حَقيقيّ. فهو ليسَ حَقيقيًّا. فقد سَمِعتُ شخصًا على مَحَطَّة "بي.تي.إل" (PTL) ذاتَ مَساء قالَ: "مِنَ الرَّائعِ..." – فقد قالَ: "مِنَ الرَّائعِ أنَّكَ لستَ مُضطرًّا إلى تَغييرِ أيِّ شيءٍ في الدَّاخِل، وأنَّكَ لستَ مُضطرًّا إلى تَغييرِ أيِّ شيءٍ في الخَارِج عندما تأتي إلى يَسوع".
ولكنَّ هذهِ كِذبَة مَصدَرُها جَهنَّم. فإن كُنتَ تَظُنُّ أنَّ تلكَ خِدمة فإنَّكَ مُخطِئ. فهذا شَيءٌ شَيطانيّ. وهذا سيَجعلُ أُناسًا أكثرَ يَسيرونَ على الطَّريقِ الرَّحْبِ الَّذي يُؤدِّي إلى الهَلاكِ أكثر مِمَّا يَجعلُ النَّاسَ يَسيرونَ على الطَّريقِ الضَّيِّقِ الَّذي يُؤدِّي إلى الخلاص. لِذا، لا بُدَّ مِن حُدوثِ تَغيير. فالعالَمُ لَهُ نَمَطُ حَياتِهِ الخاصّ بِه. وهو ليسَ نَمَطًا مُلائمًا لنا. فَهُم يَعيشونَ بالطَّريقةِ التَّالية: إنَّهُم يَتبَعونَ عُقولَهُم الَّتي تُخبرهُم ما يَفعلونَهُ. وَهُم يَعيشونَ في جَهل، ويَعيشونَ بلا أيِّ حِسٍّ بالحِشمَةِ، ويَعيشونَ في سَعْيٍ جَشِعٍ لإشباعِ شَهَواتِهم. ولكنَّنا لا نَفعلُ ذلك. وعندما جِئتَ إلى يسوعَ المسيح، هذا هو ما أَدركتُهُ: أنَّ حَياتَكَ ستَكونُ مُختلفة. وهذا ليسَ بالأمرِ الهَيِّن دائمًا. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ إنَّهُ لا يَجوزُ لنا أن نَعيشَ بتلكَ الطَّريقة، ولا يَجوزُ لنا أن نَسلُكَ بتلكَ الطَّريقة. فنحنُ مُختلفون. وهذا ليسَ نَمَط حَياتِنا.
انظروا معي قليلاً إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 37. أعمال الرُّسُل 2: 37. فقد قَدَّمَ بُطرسُ عِظَةً. وما أعنيه هو أنَّهُ قَدَّمَ حَقًّا عِظَةً رائعةً في يومِ الخَمسين. وقد تَرَكَتْ تلكَ العِظَةُ تأثيرًا مُدهشًا. فقد هَزَّ النَّاسَ حَقًّا. ونَقرأُ في العدد 37: "فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ". فَقَد شَعَروا بتَبكيتٍ شَديد. "وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟" بعبارة أخرى، كيفَ نَتَخَلَّص مِن هذهِ الوَرطةِ الَّتي نَحنُ فيها؟ فقد أدرَكوا أنَّهُ ينبغي لهُم أن يَفعلوا شيئًا مُختلفًا عَمَّا كانُوا يَفعلونَهُ. أليسَ كذلك؟ فلا يوجد شَخصٌ خَلُصَ يَومًا مِن دُونِ أن يُدركَ أنَّهُ ينبغي لَهُ أن يَفعلَ شيئًا مُختلفًا عَمَّا كانَ يَفعلُهُ. أليسَ كذلك؟ لا يوجد شَخصٍ خَلُصَ يَومًا مِن دُونِ أن يُدركَ أنَّهُ ينبغي لَهُ أن يَفعلَ شَيئًا مُختلفًا عَمَّا كانَ يَفعلُهُ سابقًا. لِذا فقد أجابَهُم قائلاً: "أوَّلُ شيءٍ يَنبغي لَكُم أن تَفعلوهُ هُوَ أن تَتوبوا". اسمَعوني: أنا أُوْمِنُ بكُلِّ قلبي أنَّهُ لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يأتي إلى يسوعَ المسيح إلاَّ إذا تَابَ.
وأوَّلُ شَيءٍ قالَهُ يَسوعُ عندما جاءَ إلى العالَم هو ما يَلي: "تُوبوا لأنَ المَلكوتَ قدِ اقترَب". فيجب عليكَ أن تَبتدئَ مِن هُناك. وبولُس يَقولُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20 إنَّهُ كَرَزَ "بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللهِ وَالإِيمَانِ الَّذِي بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". التَّوبة. فهو يَقول: "تُوبوا". فيجب عليكَ أن تَأخُذَ قَرارًا واعيًا بِتَرْكِ العالَم، وتَرْكِ خَطاياكَ، وتَركِ الأشياءِ الشرِّيرة. والآن، انظروا إلى ما يَقول: "وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا". وكما تَرَوْنَ فإنَّ الخَطيَّة شيءٌ خَطير. ويجب عليكُم أن تُدركوا ذلك. فقد تَقول: "هذا هو كُلُّ شيء. فقط تُوبوا عن خَطايا الماضي وامضُوا". لا! انظروا إلى العدد 40. فهل فاتَكُم؟
"وَبِأَقْوَال أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَعِظُهُمْ". وقد تَقول: "وماذا قال؟" سوفَ أُخبرُكم بِما أَعتقدُ أنَّهُ قَالَهُ. لقد قال: "سوفَ أقولُ لكُم شيئًا آخر. يجب عليكم أن تَنفَصِلوا عن هذا العالَم. ويجب عليكم أن تَحرِصوا على حُدوثِ تَغييرٍ في الحياةِ الَّتي تَعيشونَها. ويجب عليكم أن تُديروا ظُهورَكُم لخَطاياكُم، وأن تَسلُكوا سُلوكًا مُقدَّسًا". ورُبَّما قَدَّمَ رسالة يُوحنَّا: "يجب عليكم أن تَعتَرِفوا بخطاياكُم. ويجبُ عليكم أن تُحبُّوا الإخوة. ويجب عليكم أن تَستمرُّوا في الامتناعِ عنِ الخطيَّة إن كانَ إيمانُكُم حَقيقيًّا". وعلى أيِّ حالٍ، لقدِ استمرَّ في الوعظِ، واستمرَّ في الشَّهادة. وقد أعطاهُم مَزيدًا مِنَ التَّعليم. فالأمرُ لم يَقتصِر على تلكَ النَّصيحةِ السَّريعة.
ولتَلخيصِ ذلكَ قال: "اخْلُصُوا مِنْ هذَا الْجِيلِ الْمُلْتَوِي". اسمعوني: لا يُمكن لأيِّ شخصٍ أن يَخلُص ما لم يُدرك أنَّهُ قد تابَ عن خَطاياه الشَّخصيَّة وانفصلَ عنِ الجِيلِ الحاضِر. هل تَفهمونَ المَعنى المَقصود؟ فهذهِ نُقطة جَوهريَّة. ولا يُمكنُكَ أن تأتي إلى المسيحِ بأيَّة شُروط أخرى. فإن كُنتَ قد جِئتَ إلى يسوعَ المسيحِ وتَظُنُّ أنَّ كُلَّ ما ينبغي لكَ أن تَفعلَهُ هو أن تُؤمِن، ولكنَّكَ لم تَعترِف بخطاياكَ ولم تُقِرّ بِها، ولم تَنفصِل عن هذا العالَمِ الشرِّير، فإنَّكَ لم تَفهم المَعنى المَقصود. فكما تَعلمونَ، هناكَ أشخاصٌ لم تَتغيَّر حَياتُهُم ولو قليلاً منذُ أن آمَنوا ذلكَ الإيمان المَزعوم بالمسيح.
فقد كانوا يَعيشونَ مَع شخصٍ لم يَتَزَوَّجوه، وَهُم ما زَالوا يَعيشونَ مَعَهُ. وقد كانوا يَفعلونَ أمورًا غيرَ أخلاقيَّة، وَهُم ما زالوا يَفعلونَها. وقد كانُوا يَزنونَ، وَهُم ما زَالوا يَزنون. وقد كانوا يَسلُكونَ في الفِسْق، وما زالوا يَسلُكونَ في الفِسْق. وكِتابي المُقدَّسُ يُخبرُني في رسالة كورِنثوسَ الأولى أنَّ مَن يَزنونَ ويَسلُكونَ في الفِسْقِ لن يَرِثوا مَلَكوتَ السَّماوات. فالكَلامُ جَازِمٌ هُنا. لِذا، إذا كانَ هذا هُو نَمَطُ حَياتِكَ حتَّى الآن فإنَّني أشُكُّ في خَلاصِك. فهذا هو ما يَقولُه. فإن كُنتَ مُخَلَّصًا حَقًّا، يجب أن تَتَّخِذَ قَرارًا واعيًا بالانفصال. إن كُنتَ مُخَلَّصًا حَقًّا، يجبُ عليكَ أن تَنفصِلَ عنِ العالَم. فَلا يَجوزُ أن تَعودَ وتَفعل تلكَ الخطايا مَرَّةً أخرى. فهذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي يَعيشونَ بها؛ ولكنَّها ليستِ الطَّريقةُ الَّتي نَعيشُ نحنُ بها. فنحنُ لا نَسلُكُ في ذلك الطَّريق.
والآن، لِنَنظُر إلى الجُزءِ الثَّاني أو إلى السُّلوكِ الجَديد. وسوفَ أتحدَّثُ عن ذلكَ في عُجالة لأنَّنا مَهَّدنا لهذا الموضوعِ وسوفَ تَرَوْنَ التَّبايُنَ بسهولة. فقد رأى بولسُ النِّظامَ الوَثنيَّ. وقد رأى أنَّ قُلوبَ البَشَرِ غَليظَة حَتَّى إنَّهُم لا يُمَيِّزونَ الخَطيَّة. وقد رأى أنَّهُم غارِقونَ جدًّا في الخطيَّةِ حَتَّى إنَّهُم فَقدوا إحساسَهُم بالخَجَلِ والعار. وقد رأى النَّاسَ يَستَسلِمونَ جدًّا لرَغباتِهم حَتَّى إنَّهُم لم يعودوا يُبالونَ بالأشخاصِ الَّذينَ حَطَّموهُم طالما أنَّهُم يَفعلونَ ما يُريدون. وقد رأى الأذهانَ المَرفوضةَ الَّتي هي بلا فائدةٍ، وبِلا حَياءٍ، وبلا شَفَقَة، وبلا نِعمة. وهو يَقول: "هذا هو السُّلوكُ القَديم. واسمَحوا لي أن أُفارِقَ بَينَهُ وبينَ السُّلوكِ الجديد". وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّنا مُختلِفونَ يا أحبَّائي. فيجب علينا أن نَكونَ مُختلِفين. فنحنُ نَملِكُ ذِهنًا مُختلفًا. فنحنُ لا نَملِكُ ذلكَ الذِّهن القَديم، بل إنَّنا حَصَلنا على ذِهنٍ جَديد. ونحنُ نُفَكِّرُ بطريقةٍ مُختلفةٍ الآن.
ويُسَمِّي بُطرسُ ذلكَ الذِّهنَ (في رسالةِ بُطرس الثَّانية 3: 1): "ذِهنًا نَقِيًّا". وهو تَعبيرٌ رائع! "ذِهنًا نَقِيًّا". فهو ذِهْنٌ مُتَجَدِّد، وذِهنٌ قد تَغَيَّر (بِحَسَب رسالة رُومية والأصحاح 12). والآن، ما هي سِماتُ هذا الذِّهن بالمُفارقة معَ الذِّهن القديم؟ السِّمةُ الأولى هي أنَّ الذِّهنَ القديمَ هو ذِهنٌ مُتَمَركِزٌ حولَ الذَّاتِ أو عَديمُ النَّفع. أمَّا الذِّهنُ الجديدُ فإنَّهُ مُتَمَركِزٌ حولَ المسيحِ ونافِعٌ. انظروا إلى العدد 20: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هكَذَا، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ". اسمَعوني: إنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ الَّذي يَعرِفُهُ المؤمنُ مُنذُ البداية هو أنَّهُ لا يَفعلُ ما يُخبِرُهُ ذِهنُهُ أن يَفعلَهُ؛ بل يَتعلَّمُ المسيحَ. فالمسيحُ يَتصرَّفُ مِن خِلالي. والمَسيحُ يُحِبُّ مِن خِلالي. والمسيحُ يَخدِمُ مِن خِلالي. فالحياةُ الَّتي أحياها هي ليست حَياتي، بل إنَّ المَسيحَ يَحيا فِيَّ.
"فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا" (رسالة فيلبِّي 2: 5). "كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". "اسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيح". "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا". فنحنُ نَسلُك كما سَلَكَ المَسيحُ، ونُفَكِّر كما كانَ يُفَكِّرُ المَسيحُ، ونُحِبُّ كما كانَ يُحبُّ المَسيحُ، ونَخدِمُ كما كانَ يَخدِمُ المَسيح. فأنا أَتَمَثَّلُ في كُلِّ شيءٍ بِهِ. فإنا لم أتَعَلَّم المسيحَ لكي أسلُكَ بِبُطْلِ ذِهني. فعندما تَعلَّمتُ المسيحَ وسَمِعتُهُ وتَعَلَّمتُ مِنهُ، تَعَلَّمتُ أن أتبَعَهُ. لِذا فإنَّ الفَرقَ الأوَّلَ هو أنَّ الإنسانَ غيرَ المُخَلَّص يَسلُكُ في بُطْلِ ذِهنِهِ. أمَّا الإنسانُ المُخَلَّصُ فيَسلُكُ حَسَبَ ذِهنِ المسيح. وهذا فَرْقٌ كَبير.
ويُمكنُني أن أقولَ لَكُم مِن أعماقِ قلبي إنَّني أريدُ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخرَ في حياتي أن أفعلَ الأشياءَ الَّتي يُريدُ مِنِّي المسيحُ أن أفعلَها. هل تَشعرونَ بهذا أنتُم أيضًا؟ فأنا أريدُ مِنهُ وَحَسْب أن يَعملَ مِن خِلالي. وقد قالَ يسوعُ ذلكَ ذاتَ يَومٍ للأشخاصِ الَّذينَ كانوا يُحيطونَ بهِ في الأناجيل. فقد قال: "تَعَلَّموا مِنِّي". "فأحيا لا أنا، بلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ". وبسببِ ذلك، فإنَّ حَياتي ليست باطلةً، بل هي هَادِفَة. فاللهُ لَديهِ خُطَّة ومَصيرٌ للكَون. وطالَما أنَّ المسيحَ يَعملُ فِيَّ، ويَنَفِّذُ جُزءً مِنَ الواقعِ مِن تلكَ الخُطَّة، فإنَّ حَياتي هَادِفَة. لِذا فإنَّ حَياتي مُهمَّة: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا". فهي حَياةٌ هَادِفَةٌ. أليسَ كذلك؟ فهي ليست باطِلَةً!
اسمَعوني! أنا لا أكتفي بشراءِ بَيتٍ في مَكانٍ مَا، وأنامُ في اللَّيلِ، وأنهَضُ في الصَّباحِ وأقومُ بأعمالٍ بَسيطةٍ ثُمَّ أُعيدَ الكَرَّةَ كُلَّ يوم. وأنا لا أَدورُ وَحَسْب في دائرة؛ بل إنَّ كُلَّ يومٍ في نَظري هو مُغامرة مُدهشة لأنَّني في وَسْطِ خُطَّةِ اللهِ العامِلَةِ على مَدى الدُّهور. وأنا أسيرُ نَحوَ هَدَفٍ في الحياة. لِذا فإنَّهُ يَقولُ إنَّ أوَّلَ سِمَة تَتَّسِمونَ بها هي أنَّهُ يُوجدُ لديكُم قَصْدٌ يَتمَركَزُ حَولَ المسيحِ؛ لا فَراغٌ نابعٌ مِنَ التَّمركُزِ حولَ الذَّات.
الشَّيء الثَّاني: عِوَضًا عن أن تَجهَلوا الحَقَّ كما هي حالُ هؤلاءِ الأشخاصِ المَذكورينَ في العدد 18، أنتُم تَعرِفونَ الحَقَّ. انظُروا إلى العدد 21: "إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ". فكما تَعلمونَ، عندما تُقَدِّمُ حَياتَكَ للمسيحِ وتقول: "يا يَسوع، املُك أنتَ! أنتَ هُوَ الرَّبُّ!... وبالمُناسبة، لا يُمكِنُكَ أن تَصيرَ مَسيحيًّا ما لم تُقِرَّ بذلك. فأعتقدُ أنَّهُ لا يُمكِنُ أن تَصيرَ مَسيحيًّا مِن دُونِ الاعترافِ بأنَّ المَسيحَ رَبٌّ. لِذا، عندما تُقَدِّمُ لَهُ حَياتَكَ وتقول: "سُدْ على حَياتي" ستَخضَعُ للحَقّ. وعِوَضًا عن أن تَكونَ جاهلاً، فإنَّكَ تَعرِفُ الحَقَّ. فالرَّغبةُ في مَعرفةِ الحَقِّ هي شَيءٌ يَسعى إليهِ البَشَر. فهذا هو أكثرُ طَريقٍ ارتادَهُ البَشَرُ طَوالَ التَّاريخِ البشريِّ في مُحاولةٍ مِنهُم للعُثورِ على الحَقّ. وهُناكَ أشخاصٌ يَسخرونَ مِن ذلك. فقد قالَ بيلاطُس: "مَا هُوَ الحَقّ؟" وقد التقيتُ سَيِّدةً في "ليك جينيفا" (Lake Geneva) بولاية "ويسكنسن" (Wisconsin) في هذا الصَّيف تَرتدي قَميصًا كُتِبَت عليهِ الجُملةُ التَّالية: "لقد تَخَلَّيتُ عن مُحاولةِ مَعرفةِ الحَقّ". ولا شَكَّ في أنَّ هُناكَ أشخاصًا كثيرينَ يَنتمونَ إلى تلكَ الفئة ما دامَ هُناكَ أُناسٌ يَصَنعونَ أقمصةً تَحمِلُ تلكَ الجُملة. فلا بُدَّ أنَّ هُناكَ أشخاصًا يُمكِنُهم أن يَبيعوها إليهم. ولكِن عندما تَصيرُ مُؤمِنًا، ويَعملُ المسيحُ مِن خِلالِك، ويُحِبُّ ويَخدِمُ مِن خِلالِك، فإنَّكَ ستَعرفُ الحَقَّ. فالحَقُّ كَامِنٌ في يَسوع. والآيةُ 2كورِنثوس 11: 10 تَقولُ ذلك. فهي تَقول: "حَقُّ الْمَسِيحِ فِيَّ". ويا لها مِن فِكرةٍ رائعة. فبولُس يَقول: "حَقُّ الْمَسِيحِ فِيَّ". وإذا رَجَعنا إلى رسالة يوحنَّا الأولى 5: 20 مَرَّةً أخرى، نَجِدُ أنَّها تُخْتَمُ بهذهِ الكلماتِ الرَّائعة: "وَنَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ".
وحيثُ إنَّ كُلَّ ذلكَ الحَقِّ مَوجودٌ فيه: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَام". فَلولاهُ لما كانت هُناكَ أيُّ مَعلومات. فالحَقُّ كُلُّهُ فيه. لِذا أوَّلاً، يجب علينا أن نَتَعَلَّمَ المسيحَ، ثُمَّ أن نَعرفَ الحَقَّ. ثانيًا، أن نَعرفَ الحقَّ المُختصَّ باللهِ، والحَقَّ المُختصَّ بالإنسان، والحَقَّ المُختصَّ بالخطيَّة، والمسيح، والخَليقة، والمَوت، والحياة، والأبديَّة، والتَّاريخ، والعلاقات، والخلاص، والسَّعادَة، والقَصد، والمَعنى، والسَّماء، وجَهنَّم، والإيمان، والنِّعمة. فنحنُ نَعلمُ الحقَّ المُختصَّ بهذا كُلِّه. ولأنَّنا نَعرِفُ الحَقَّ، ولأنَّ المسيحَ يُفَكِّرُ مِن خِلالِنا، عِوَضًا عن أن نَكونَ بِلا حَياءٍ، وعِوَضًا عن أن نَكونَ بِلا أخلاقٍ، وعِوَضًا عن أن نَفتَقِرَ إلى أيِّ أساسٍ في الحياةِ فإنَّنا مُرهَفو الحِسِّ تُجاهَ الخَطيَّة.
ونَقرأُ في العدد 22: "أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُور". فعِوَضًا عن عدمِ مَعرفةِ الفَساد فإنَّنا نَعرِفُهُ حَتَّى لو كانَ صَغيرًا جدًّا. أليسَ كذلك؟ فلا يوجد مَن هو أكثر بُؤسًا مِنَ المُؤمِنِ الخاطِئ. فهو شخصٌ شَقِيٌّ. وقد تقولون: "وما أدراكَ بهذا؟" لأنِّي اختبرتُ ذلك. وَهُوَ أمرٌ مُريع. فنحنُ نَعلَمُ مَعنى الفَساد. ونحنُ نَعلمُ عَواقِبَ الشَّهَواتِ الخَادِعَة. ونحنُ مُرهَفو الحِسِّ للخطيَّة. فنحنُ لا نَتباهى بالوَقاحَة؛ بل نَشعُرُ بعُمقٍ بالخطيَّة. لِذا فإنَّ التَّطويبات الَّتي سنَدرسُها اللَّيلة واضحة جدًّا لنا: "طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْن". فكما تَرَوْنَ فإنَّ الرَّعايا الحَقيقيِّينَ للمَلكوتِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَحزنونَ بسببِ خَطاياهُم. فَهُم لا يَتباهَوْنَ بها.
انظروا إلى رسالة يوحنَّا الأولى: "إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ [مَن؟] أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا". وإن قُلنا إنَّنا لَم نُخطِئ فإنَّنا نَجعَلُ اللهَ كاذبًا. أمَّا إذا اعترَفنا بخطايانا فإنَّنا نُقَدِّمُ الدَّليلَ على أنَّنا نِلنا حَقًّا الغُفرانَ لأنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ يَعترِف بالخطيَّة ويَكونُ مُرهَفَ الحِسِّ لها. ولم يَكُن بولسُ مُرهَفَ الحِسِّ للخَطيَّة يَومًا كما كانَ بعدَ إيمانِهِ بالمسيح. "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْت؟" وهذه لم تَكُن حَادثة واحدة في حياتِه، بل كانت أسلوبَ حَياتِهِ الدَّائم. فقد كانَ يَقولُ دائمًا: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ" مُنذُ اللَّحظةِ الَّتي نَالَ فيها الخَلاصَ إلى اللَّحظةِ الَّتي مُجِّدَ فيها. فهو لم يَكُن شيئًا اختبَرَهُ مَرَّةً واحدةً فقط، بل كانَ نَهجَ حَياة. لِذا فإنَّنا مُرْهَفو الحِسِّ للخطيَّة. ونحنُ نُقِرُّ بها، ونَتصدَّى لها، ونَنتصرُ عليها.
والآن، اسمَحوا لي أن أنتقلَ إلى النُّقطةِ الرَّابعة. فأنتُم تَتعلَّمونَ المسيحَ. وعندما تَتعلَّمونَ المسيحَ فإنَّهُ يَملأكُم بحَقِّهِ. وعندما تَعرفونَ حَقَّهَ تَصيرونَ مُرهَفي الحِسِّ للخطيَّة. لِذا فإنَّكم تُبغِضونَ الخطيَّة. وطالما أنَّكُم تَعرِفونَ الحَقَّ الإلهيَّ وتَعرِفونَ أن تُمَيِّزوا بينَ الصَّوابِ والخطأ لن يَكونَ ذِهنُكُم مَرفوضًا، بل سيكونُ مُتَجَدِّدًا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 23: "وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ". وهذه هي المرَّة الوحيدة في العهدِ الجديدِ الَّتي تُستخدَمُ فيها الكلمة "أنانيئو" (ananeoo). وهي تَعني: "يَخلِق ثانيةً" أو "يُجَدِّد". فعندما تَصيرُ مَسيحيًّا فإنَّ اللهَ يُعطيكَ ذِهنًا جَديدًا. ولكن يجب عليكَ أن تَملأَهُ بأشياءٍ جَديدة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة فيلبِّي 4: 8: "إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ..." افعَلوا ماذا؟ افْتَكِرُوا في "كُلِّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلِّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلِّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلِّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلِّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ".
لِذا فإنَّنا أصحابُ ذِهْنٍ مُتَجَدِّد، لا ذِهْنٍ مَرفوض. فعندما تَسمَحُ للمسيحِ أن يُفَكِّرَ مِن خِلالِك فإنَّكَ ستَحصُلُ على مِعيارِ الحَقِّ. ومِعيارُ الحَقِّ هذا سيُمَكِّنُكَ مِن تَمييزِ الخطيَّة، ويُجَدِّدُ ذِهنَكَ لكي يَصيرَ ذِهنًا مَرْضِيًّا قُدَّامَ الله. وما هو هذا الذِّهن؟ نَقرأُ في العدد 24 أنَّهُ سيكونُ ذِهنًا مَخلوقًا "فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ". فعِوَضًا عن أن يكونَ ذِهنًا مَرفوضًا، وشِرِّيرً، وفاسِدًا، وجَشِعًا، ونَجِسًا، سيكونُ ذِهنًا مَملوءًا بالبِرِّ، وذِهنًا مَمْلُوءًا بالقَداسة. وعندما يَصيرُ ذِهنُكَ هَكذا، سيَصيرُ هذا هو نَهجُ حَياتِك: "وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ". إنَّهُ ذِهنٌ جَديدٌ وعَمليَّةُ تَفكيرٍ جَديدة تُؤدِّي إلى البِرِّ والقَداسَة.
إذًا، ما هي رِسالةُ بولُس؟ لِتَلخيصِها فإنَّهُ يَقول في العدد 22: "أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ"، وفي العدد 24: "وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ". اسمعوني: عندما جِئتَ إلى المسيحِ قُلتَ: "أنا خاطِئ؛ ولكنِّي سَأتَخلَّى عنِ الخطيَّة. وأنا عُضْوٌ في العالَمِ؛ ولكنِّي سأتخلَّى عنهُ". والآن، بعدَ أن صِرتَ مُؤمِنًا، أليسَ مِنَ المُريعِ أن يَستعرِضَ الشَّيطانُ العالَمَ والخَطيَّةَ أمامَكَ فَترجِع إليهما؟ ولكنَّ بولسَ يَقول: "لا تَفعل ذلك. اخْلَعْهُ. اخلَعْهُ والبَس البِرَّ والقَداسةَ الحَقيقيَّة". وبالمُناسبة، هل تَسمَحونَ لي أن أُضيفَ الفِكرةَ التَّاليةَ في الخِتام؟ لا يَجوزُ أن تَفعَلوا ذلكَ مَرَّةً فقط، بل إنَّهُ شيءٌ ينبغي أن تَفعلوهُ في كُلِّ يومٍ تَعيشونَهُ. وقد تقول: "مِن أينَ أستَمِدُّ قُوَّتي؟" مِن مَصْدَرَيْن. فالأمرُ بَسيطٌ.
أولاً: الكلمة. المَصدرُ الأوَّلُ هو الكلمة لأنَّ كلمةَ اللهِ تَقولُ إنَّ كُلَّ الكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ [اسمَعوا هذا] لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ والتَّقْوِيم. فهل تُريدُ أن تُقَوِّمَ حَياتَك؟ إذًا اقرأ كلمةَ اللهِ. فهي ستُساعِدُكَ في التَّغلُّبِ على خَطاياك. وهي ستُساعِدُكَ في التَّخلُّصِ مِن آثارِ العالَم. فكلمةُ اللهِ ستُوبِّخُكَ وتُقَوِّمُكَ. أمَّا المَصدرُ الثَّاني فهو الصَّلاة. فإنِ اعترفنا بخطايانا، سنَنالُ غُفرانَ الخَطايا. اسمَح لكلمةِ اللهِ أن تَكشِفَ الخطيَّة، واسمَح للصَّلاةِ أن تَكونَ المُطَهِّرَ الَّذي يُطَهِّرُها. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّكَ لم تُخَفِّض مِعيارَكَ، بل أعطيتَنا الرُّوحَ والكلمةَ والصَّلاةَ لكي نَسلُكَ وَفقًا لذلكَ المِعيار. فنحنُ لا نُريدُ إلهًا ذا مَعايير مُتَقَلِّبة؛ بل نُريدُ إلهًا لا يَتغيَّر لأنَّنا حينئذٍ، وحينئذٍ فقط، نَستطيعُ أن نَتَّكِلَ عليك. ونحنُ نَشكُرُكَ لأنَّهُ يُمكنُنا أن نَتَّكِلَ عليك. يا رَبُّ، نحنُ شاكِرونَ جدًّا لأنَّكَ أنقذتَنا مِنَ الحياةِ القديمةِ ووَهبتَنا حياةً جَديدة. فقد جَعلتَنا خَليقةً جَديدةً صارَ فيها الكُلُّ جَديدًا. يا أبانا، نَشكُركَ على كلماتِ الرَّسول بولُس الَّذي قالَ إنَّهُ إنْ كُنَّا قد وُلدنا وِلادةً جديدةً يجب علينا أن نَسلُكَ سُلوكًا جَديدًا. يا رَبّ، ساعِدنا على أن نَقطَعَ أيَّة صِلَة بحياتِنا القديمة لأنَّهُ لا يوجد في حياتِنا الجَديدة مَكانٌ لها.
والحقيقةُ هي أنَّهُ عندما نَقرأُ كِتابَنا المُقدَّسَ فإنَّنا نَرى أنَّهُ إن كُنَّا ما زِلنا نَسلُكُ في الحياةِ القديمةِ فإنَّ هُناكَ عَلامةَ استِفهامٍ حَولَ حَقيقةِ خَلاصِنا. فهُناكَ احتِمالٌ في أنَّنا نَسلُكُ في الطَّريقِ المُؤدِّي إلى الهَلاك ولكنَّنا نَظُنُّ طَوالَ الوقتِ أنَّنا مُؤمِنون. ويا لَهُ مِنْ وَهْمٍ مأساويٍّ! لِذا يا أبانا، ساعِدنا على أن نَتعاملَ معَ حَقيقةِ أنَّنا مُختلِفونَ، وأن نَعيشَ وَفقًا لهذهِ الحقيقة. ويا أبانا، في الوقتِ الَّذي يَنحَدِرُ فيهِ العالَمُ أكثر فأكثر، ليتَنا لا نَنجَرِفُ معَ العالَم، وليتَ صَلاحَنا لا يَكونُ نِسبيًّا، بل أن يَبقى ثابِتًا دائمًا. وليتَ بِرَّنا وَقداسَتَنا لا يَكونانِ نِسْبِيَّيْنِ، بل أن يَكونا ثابِتَيْنِ دائمًا. نَطلُبُ هذا لأجلِ مَجدِكَ أنتَ. باسمِ يسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
