في الرَّابِع عَشَر مِن شهرِ شباط/فبراير مِن هذهِ السَّنة، نَشَرَتْ صَحيفَتُنا المَحليَّة "ديلي نيوز" (Daily News) قِصَّةً نَقْلاً عن وكالةِ الأسوشييتد برس" (Associated Press) عن "ريكس وَ تريسا ليغالي" (Rex and Teresa LeGalley) مِن مدينة "ألبوركيرك" (Alburquerque) في "نيومكسيكو" (New Mexico). وهُما شَخصانِ تَزَوَّجا مُؤخَّرًا. وقد قالا إنَّهُما أَسَّسَا زواجَهُما على أساسٍ مَتين. وَهُوَ أساسٌ يَضمنُ لَهُما النَّجاحَ في الزَّواج. وما هو ذلكَ الأساس؟ اتِّفاقيَّة سابقة للزَّواج مؤلَّفة مِن سَتَّ عَشْرَةِ صفحة. وفي تلكَ الاتِّفاقيَّة المؤلَّفة مِن 16 صفحة، ذَكَرا بالتَّفصيلِ الشَّديدِ الاتِّفاقَ المَبْرَمَ بينَهُما بخُصوصِ كُلِّ شيءٍ قد لا يَسيرُ كَما يَنبغي في الزَّواج.
فقد تَمَّ ذِكْرُ كُلِّ القواعِد: عَدَدُ المَرَّاتِ الَّتي سيُمارسانِ فيها الجِنسَ، ونوعُ الوَقودِ الَّذي سيشتريانهُ. مَن سيَغسِلُ الملابسَ، ومَن سيَعتني بالحديقة. ومِنَ القواعدِ المذكورة ما يَلي: عَدَمُ تَرْكِ أيِّ شيءٍ على الأرضِ في اللَّيل. وإليكُم قاعدة أخرى: عدم تَرْك مُؤشِّر الوَقود في السيَّارة يَصِل إلى أقَلّ مِنَ المُنتصَف. وَهَلُمَّ جَرَّا. إنَّهُ أساسٌ مَتينٌ للزَّواجِ، ولا شَكَّ أنَّهُ سيَضمنُ زَواجًا رائعًا. وعادةً فإنَّ النَّاسَ يَعتقدونَ أنَّ الزَّواجَ الرَّائعَ سيكونُ مَضمونًا حَقًّا إن كانَ الزَّوجان مُتَحابَّيْن. فإنْ كانَ الزَّوجانِ مُتحابَّيْنِ، لا حاجة إلى أيِّ قواعِد. أيْ إنْ كانَ كُلٌّ منهُما يُحِبُّ الآخر، وإنْ كانت هُناكَ نِعمةُ الرُّومانسيَّة. ولكِنْ مِنَ الصَّعب جدًّا أن يُعَرِّفوا تلكَ النِّعمة.
ومؤخَّرًا، أُجرِيَت دراسةٌ على الأطفالِ عنِ المحبَّة إذْ طُلِبَ مِنَ الأطفالِ الَّذينَ يَنظرونَ إلى عالَمِ الرَّاشِدينَ أنْ يُجيبوا على مَجموعةٍ مِنَ الأسئلة. واسمَحوا لي أن أُشارِكَ معَكُم بَعضًا مِن تلكَ الإجابات. فقد سُئِلوا: كيفَ يَتصرَّفُ الأشخاصُ المُتَحابُّون؟ أجابت "ويندي" (Wendy) وعُمرهُا ثماني سنواتٍ: "عندما يَحصُلُ المرءُ على أوِّلِ قُبلة فإنَّهُ يَسقُطُ أرضًا ولا يَنهضُ قبلَ ما لا يَقِلّ عن ساعة". وقد سُئِلوا سؤالاً آخر وهو: لماذا يَحدُثُ الحُبُّ بينَ أشخاصٍ مُعَيَّنين؟ أجابَ "أندرو" (Andrew) وعُمرُهُ سِتُّ سنوات: "لأنَّ شخصًا لديهِ نَمَش يَجِدُ شخصًا آخرَ لديهِ نَمَش أيضًا". وقد أجابت "ماي" (May) وعُمرها تِسعُ سنواتٍ: "لا أحدَ يَعلمُ حقًّا لماذا يَحدُث ذلك، ولكنِّي سَمِعتُ أنَّ ذلكَ يَتوقَّف على رائِحَتِك. لِذا فإنَّ العُطورَ ومُزيلاتِ العَرق مُستخدمة بكثرة". ثُمَّ إنَّ "مانيويل" (Manuel) وعُمرهُ ثماني سنوات قال: "أعتقد أنَّهُ يُفترَضُ بِكَ أنْ تَتلقَّى سَهمًا أو شيئًا مُشابهًا، ولكنَّ الأجزاءَ المُتبقِّية ليست مؤلمة كثيرًا".
ثُمَّ إنَّهُم سُئِلوا: كيف يكونُ الوقوعُ في الحُبِّ في رأيِكُم؟ أجابَ "جون" (John)، وهو في التَّاسعة: "إنَّهُ أشبَهُ بالانهيارِ الثَّلجيِّ. ويجب عليكَ أن تَنجو بحياتِك". وقالت "غلين" (Glen)، وهي في السَّابعة: "إنْ كانَ الوقوعُ في الحُبِّ يُشبِهِ تَعَلُّمَ تَهجئةِ الكلماتِ، لا أريدُ أن أفعلَ ذلك. فهذا يَتطلَّبُ وقتًا طويلاً جدًّا". وفيما يَختصُّ بِدَوْرِ المَظهَرِ في الحُبِّ، سُئِلَ الأطفال: "ما أهميَّةُ مَظهَرِكَ عندما يَختصُّ الأمرُ بالوقوعِ في الحُبّ؟" أجابت "أنيتا" (Anita)، وهي في الثَّامنة: "إنْ أردتِ أنْ يُحِبَّكِ شخصٌ ليسَ مِن أفرادِ عائلتِكِ، لا ضَيْرَ في أن تكوني جَميلة". وقالَ "بريان" (Brian)، وهو في السَّابعة: "إنَّ الأمرَ لا يتوقَّف دائمًا على المَظهَر. انظُر إليَّ. فأنا وَسيمٌ جدًّا ولكنِّي لم أعثُر على فتاةٍ تُوافِق على الزَّواجِ مِنِّي حتَّى الآن". وقالت "كريستين" (Christine): "معَ أنَّ الجمالَ هُوَ جَمالُ الرُّوحِ فإنَّ غِناكَ يُمكِن أن يَدومَ وقتًا طويلاً". ثُمَّ سُئِلَ الأطفال: لماذا يُمسِكُ العُشَّاقُ أيدي بَعضُهُما بعضًا؟ قالَ "غيفن" (Gavin) وعُمرُهُ ثماني سنوات: "كي يَتَحَقَّقا مِن أنَّ الخاتَمَيْنِ لن يَسقُطا لأنَّهُما دَفَعا مبلغًا كبيرًا مِنَ المالِ لشرائهما". وقالَ "جون" وعُمرُهُ تِسعُ سنوات: "إنَّهما يَتدرَّبانِ وَحَسْب على ما سيفعلانهُ عندَما يَسيرانِ ذاتَ يومٍ يَدًا بِيَدٍ ويُتَمِّمانِ مَراسِمَ الزِّفاف".
ثُمَّ إنَّ هناكَ بعضَ الآراءِ العامَّةِ السِّريَّة عنِ الحُبِّ أظُنُّ أنَّها مُمتعة: فقد قالَ "ديفيد" (David)، وهو في الثَّامنة: "الحُبُّ سيَعثُرُ عليكَ حتَّى لو كُنتَ تُحاولُ الاختباءَ مِنهُ. فقد كنتُ أُحاولُ الاختباءَ مِنهُ مُنذُ أن كُنْتُ في سِنِّ الخامسة، ولكِنَّ الفتياتِ يَنْجَحْنَ دائمًا في العُثورِ عليَّ". وقد قالت "ريجينا" (Regina)، وهي في سِنِّ العاشِرة: "أنا لستُ في عَجَلَةٍ مِن أمري بخصوصِ الحُبِّ لأنِّي أجدُ أنَّ الصَّفَّ الرَّابعَ صَعبٌ بما فيهِ الكِفاية". ثُمَّ إنَّهُ طُلِبَ منهم أن يَقترحوا طُرُقًا مؤكَّدةً للوقوعِ حقًّا في الحُبّ. قالَ "ديل" (Dell) وعُمرُهُ سِتُّ سنوات: "قُل لها إنَّكَ تَمْلِكُ مَجموعةً مِنْ مَتاجِرِ الحَلوى". وقال "كاميل" (Camille): "هُزَّ وَسْطَكَ وَتَمَنَّى الأفضل". وقالَ "بارت" (Bart)، وعُمرُهُ تِسْعُ سنوات: "إحدى طُرقِ القيامِ بذلك، أيْ لِجَعلِ فتاةٍ تُحِبُّكَ، هي أن تَصْحَبَها إلى أحدِ المطاعمِ لتأكُل، وأن تَحرِصَ على أن يكونَ شيئًا تُحِبُّهُ. والبطاطس المَقليَّة تَنجَحُ دائمًا معي".
ثُمَّ إنَّهُم سُئِلوا: كيفَ تَعلَمُ إنْ كانَ الشَّخصانِ الرَّاشِدانِ الجالسانِ في المطعمِ مُتَحابَّيْن؟ قالَ "بوبي" (Bobby)، وهو في التَّاسعة: "راقِب إن كانَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذي يَدفَعُ الحِساب". وقالَ "بارت"، وهو في التَّاسعة: "الشَّخصانِ المُتَحابَّانِ يُحَدِّقان عادةً أحَدُهما في الآخر فَيَبرُدُ الطَّعام. أمَّا الأشخاصُ غيرُ المُتَحابِّين فسيأكلونَ وَحَسْب" وَهَلُمَّ جَرَّا. وقد سُئِلوا: "كيفَ تَجعَلُ الحُبَّ يَدوم؟" فقالَ "ديك" (Dick) وعُمرُهُ سبعُ سنوات: "اصرِف أغلبيَّةَ وقتِكَ في الحُبِّ عِوَضًا عن أن تذهبَ إلى العمل". وقالت "إيرين" (Erin) وهي في الثَّامنة: "لا تَنْسَ اسْمَ زوجَتك. فذلكَ سيَهدِمُ الحُبَّ بِكُلِّ تأكيد". وقالَ "ديف" (Dave) وعُمرُهُ ثماني سنوات: "كُنْ ماهِرًا في التَّقبيل. فقد يُساعِدُكَ ذلكَ في أن تَنسى زوجَتُكَ أنَّكَ لم تُخْرِج يومًا القُمامةَ خارجًا".
ويا لهُ مِن أمرٍ مُضحِكٍ جدًّا عندما تَطلُبُ مِنَ الأطفالِ أن يتحدَّثوا عنِ الحُبِّ وأنْ يُعَرِّفوهُ تَعريفًا مُفيدًا. ولكِنْ بِكُلِّ صَراحة، لا أدري إن كانَ بمقدورِ الرَّاشدينَ أن يفعلوا ما هو أفضل منهم. أَلا تُوافِقوني الرَّأي؟ فمعرفةُ كيفيَّة جَعْلِ العلاقةِ الرُّومانسيَّة تَصْمُد إلى الأبد هو تَحَدٍّ صعب. وبالرَّغمِ مِن صُعوبةِ القيامِ بذلك، وبالرَّغمِ مِن صعوبةِ إنْجاحِ الزَّواجِ، ورُبَّما مِن مُحاولةِ معرفةِ ذلكَ مِن خلالِ اتفَّاقيةٍ سابقةٍ للزَّواجِ مؤلَّفة مِن 16 صفحة أو ما شابَهَ ذلك، وبالرَّغمِ مِن كُلِّ حالاتِ الطَّلاق، وبالرَّغمِ مِن كُلِّ الصُّعوباتِ، يجب علينا أن نتذكَّرَ أنَّ 96 بالمِئة مِن مَجموعِ الرِّجالِ و 94 بالمِئة مِن مَجموعِ النِّساءِ سيقولون: "أنا أَقبَل".
ثُمَّ إنَّ الأغلبيَّةَ منهُم في ثقافتنا سيقولونَ عاجِلاً أَم آجِلاً إنَّهُم غيرُ مُوافقينَ، ويَتَطَلَّقون. ولكِنَّ الحقيقةَ هي أنَّ أكثرَ مِن تِسعينَ بالمِئة مِنَ النَّاسِ ما زالوا يَسْعَوْنَ إلى الزَّواج. والحقيقةُ المُحزِنَةُ هي أنَّهم لا يَستطيعونَ إنجاحَهُ. وانهيارُ الزَّواجِ والعلاقاتِ العائليَّةِ هُوَ، بِكُلِّ تأكيدٍ، أمرٌ يُمكِنُ التَّنبُّؤُ بِهِ في ثقافَتِنا. ولا يَجْدُرُ بنا حقًّا أن نُصْدَمَ كثيرًا بسببِ ذلك. أرجو أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّس قليلاً على الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس. ويُمكِنُنا أن نَرى في هذا الأصحاحِ، ولو جُزئيًّا على أقَلِّ تقدير، الأمرَ الَّذي يَجعلُ الزَّواجَ صعبًا جدًّا.
فنحنُ نَقرأُ في رسالة تيموثاوس الثَّانية 3: 1: "وَلكِنِ اعْلَمْ هذَا أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ". وقدِ ابتدأتِ الأيَّامُ الأخيرةُ عندما جاءَ المَسيَّا. لِذا فإنَّنا في الجُزءِ الأخيرِ مِنَ الأيَّامِ الأخيرة. وإليكُم كيفَ يَصِفُ النَّصُّ النَّاسَ في تلكَ الأيَّامِ الأخيرة: "لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ". والآن، يُمكنُكم أن تتوقَّفوا هُنا وتَفهموا أنَّ النَّاسَ الَّذينَ كانوا مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ سيُواجِهونَ وقتًا صَعبًا في أيِّ علاقة مِن علاقاتِهم. أليسَ كذلك؟
وليسَ هذا فَحَسْب، بل إنَّهم يَكونونَ: "مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ، بِلاَ حُنُوٍّ، بِلاَ رِضًى". وبالمُناسَبة، فإنَّ الكلمة "بِلا حُنُوٍّ" هي "أستورغوي" (astorgoi) في اللُّغة اليونانيَّة. وهي تَعني أنَّهُم يَفتقرونَ إلى المحبَّة العائليَّة الطَّبيعيَّة. فواحدة مِن سِماتِ التَّدهوُرِ في الأيَّامِ الأخيرةِ هي زَوالُ المحبَّةِ العائليَّة. "ثَالِبِينَ، عَدِيمِي النَّزَاهَةِ، شَرِسِينَ، غَيْرَ مُحِبِّينَ لِلصَّلاَحِ، خَائِنِينَ، مُقْتَحِمِينَ، مُتَصَلِّفِينَ، مُحِبِّينَ لِلَّذَّاتِ دُونَ مَحَبَّةٍ للهِ". فَهُم بِلا حُنُوٍّ ("أستورغوي")؛ أيْ يَفتقرونَ إلى المحبَّة العائليَّة الطَّبيعيَّة. وَهُم مُنْصَرِفونَ تمامًا إلى حُبِّ ذَواتِهم وتَحقيقِ ذَواتِهم.
وقد طَرَحنا سؤالاً مِنْ حَقِّنا أنْ نَطْرَحَهُ وَهُوَ: هل هُناكَ رجاءٌ في الزَّواجِ عندما يُواجِهُ الزَّواجُ هذا الهُجومَ مِن هذه العَقليَّةِ السَّائدةِ في الأيَّامِ الأخيرة، وعندما يُهاجَمُ مِنَ الخارجِ مِنْ قِبَلِ هذه الثَّقافةِ الفاسدةِ والمُنْحَطَّةِ الَّتي نَعيشُ فيها، وعندما يُهاجَمُ مِنَ الدَّاخلِ مِن خلالِ صِراعِ الجِنْسَيْنِ إذْ تُحاولُ المرأةَ أن تُحَقِّقَ التَّفوُّقَ وأن تُهيمِنَ على الرَّجُل، ويُحاولُ الرَّجُلُ أن يَقْمَعَ المرأةَ ويُسيطِر عليها؟ وهل يُمكِنُ إنقاذُ الزَّواجِ في وَسْطِ كُلِّ هذهِ الفَوضى إذْ إنَّنا نُصارِعُ على الجَبهةِ الدَّاخليَّةِ، ونُصارِعُ على الجَبهةِ الخارجيَّةِ، ونُصارِعُ في هذا الوقتِ الَّذي نَعيشُ فيهِ والذي ستتحقَّقُ فيهِ النُّبوَّة؟
هل هُناكَ أيُّ رَجاء؟ ونَجِدُ الجَوابَ في رسالة أفسُس والأصحاح الخامِس. لِذا، أرجو أن تَفتحوا على ذلكَ النَّصّ. فهذا هو النَّصُّ الأساسيُّ الَّذي نَلتجئُ إليهِ في هذه الدِّراسةِ عن خُطَّةِ اللهِ للزَّواجِ والعائلة. ونحنُ نُذَكِّرُ أنفُسَنا هُنا (في رسالةِ أفسُس والأصحاح الخامِس) بأنَّهُ لكي يكونَ الزَّواجُ كما يُريدُ لَهُ اللهُ أن يكون، هناكَ بعضُ الشُّروطِ المُسَبَّقَة. وَهُوَ يَبتدئُ بالحديثِ عنِ الزَّواجِ في العدد 22 مُخاطِبًا الزَّوجاتِ، ثُمَّ مُوَجِّهًا الكَلامَ في العدد 25 إلى الأزواجِ، ثُمَّ في الأصحاحِ السَّادسِ والعددِ الأوَّلِ إلى الأبناءِ، ثُمَّ إنَّهُ يَذكُرُ في العددِ الثَّاني المَزيدَ فيما يَختصُّ بالأبناءِ وكيفَ ينبغي لهم أن يُكرِموا آباءَهُم وأُمَّهاتِهم. وكذلكَ في العددِ الثَّالثِ أيضًا. ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ في العددِ الرَّابعِ عنِ الآباءِ. ولا شَكَّ أنَّ هذا يَضُمُّ كِلا الأبوين.
لِذا، حينَ يَبتدئُ بالحديثِ عن فِكرةِ الزَّواجِ والعائلةِ بِرُمَّتِها في العدد 22 وما يَليه وُصولاً إلى الأصحاحِ السَّادسِ، نَبتدئُ في رُؤيةِ التَّفاصيل. ولكِن قبلَ أن تأتي التَّفاصيل، نَجِدُ المُتطلَّباتِ الأوليَّة في الأعداد 18-21. ونحنُ نَتذكَّرُ أنَّ العددَ 18 يَقولُ إنَّهُ يجب علينا أن نَمتلئَ بالرُّوح. فالامتلاءُ بالرُّوحِ والاستسلام لقيادةِ الروحِ القُدُسِ هو الرَّجاءُ الوحيدُ كي يَكونَ الزَّواجُ كَما يُريدُ اللهُ لَهُ أن يكون. فاللهُ يَستطيعُ أن يَعكِسَ اللَّعنةَ إلى بَرَكة كما قالَ في سِفْرِ نَحَمْيا 13: 2. وَهُوَ يَفعلُ ذلكَ مِن خلالِ سُكنى الرُّوحِ القُدُسِ في حياةِ المؤمِنين.
فالمؤمنونَ وَحدُهم هُمُ القادرونَ على امتلاكِ هذا النَّوعِ مِنَ العلاقةِ المُشبِعَةِ في الزَّواجِ والعائلة لأنَّ المؤمنينَ وَحدَهُم يَمتلكونَ الرُّوحَ القُدُسَ ويَستطيعون [بالتَّالي] أن يَكونوا مُمتلئينَ بالرُّوحِ، وأنْ يَخضعوا لسيطرةِ الرُّوحِ وهَيمنةِ الرُّوح. ثانيًا، في العدد 19، يجب أن يكونَ هُناكَ تَرنيم: "مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ". وهذا يَدُلُّ على قَلبٍ فَرِحٍ، وقَلبٍ مُفعمٍ بالفَرح، ورُوحٍ مُبتَهِجٍ. فحيثُ يوجدُ شخصٌ مُمتلئٌ بالرُّوح، وحيثُ يوجدُ قلبٌ مُمتلئٌ بالفرح، يكونُ هُناكَ رَجاءٌ في وجودِ علاقةٍ سليمة. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 20 عنِ الشُّكر: "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، للهِ وَالآبِ". فأيًّا كانتِ الأحوالُ، وأيًّا كانتِ المشاكِلُ، وأيًّا كانتِ الطَّريقةُ الَّتي يُساءُ فيها فَهمُكَ أو تُساءُ فيها مُعامَلَتُكَ في الزَّواج، يجب أن يكونَ قلبُكَ مُمتلئًا بالشُّكرِ فقط – حَتَّى على تَجارِبِكَ لأنَّكَ تَعلَمُ أنَّها تأتي بِسَماحٍ مِنَ اللهِ وأنَّها تَرمي إلى تَكميلِنا.
إذًا، يجب أن تَمتلئَ بالرُّوحِ، وأن تُرَنِّمَ مِن أعماقِ قلبِكَ بفرح، وأن تَكونَ شاكِرًا على كُلِّ شيءٍ. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 21: "خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ". والخُضوعُ المُتبادَلُ يَعني أنْ تَحْسَبَ الآخرينَ أفضلَ مِنكَ. فهذه هي المُتطلَّباتُ الرُّوحيَّةُ المَسَبَّقَةُ للزَّواجِ النَّاجح: أن تَمتلئَ بالرُّوحِ، وتُرَنِّمَ، وتَكونَ شَكورًا وخاضعًا. وقد تَحدثَّنا عن هذه المُتطلَّباتِ بشيءٍ مِنَ التَّفصيلِ قبلَ بِضعةِ أسابيع.
والآن، بعدَ ذِكْرِ هذه الحقائقِ الرُّوحيَّةِ العامَّة، يَبتدئُ بولسُ حَالاً [في العدد 22] بالحَديثِ عن دَوْرِ الزَّوجاتِ: "أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ". وقد ناقشنا كيفَ أنَّ اللهَ صَمَّمَ دَورَ الخُضوعِ المُدهش هذا للزَّوجةِ في الزَّواج. ومِن خلالِ تَصميمِهِ، يُمكِنُ أن يكونَ الزَّواجُ مُشْبِعًا عندما يُمارَسُ ذلكَ الدَّورُ بفرح.
والآن، بوصولِنا إلى العدد 25، نَجِدُ الوصايا المُختصَّةَ بالأزواج: "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ. كَذلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ". وسوفَ نتوقَّفُ هُنا قليلاً.
إذًا، هناكَ مَبدأٌ واضحٌ مُقَدَّمٌ في العدد 25 وَهُوَ أنَّ مسؤوليَّةَ الزَّوجِ هي أن يُحِبَّ زوجَتَهُ. فلا نَقرأُ هنا أنَّهُ يجب عليهِ أن يَسودَ عليها. فهو لديهِ هذا الميل أصلاً، بل وحتَّى إنَّ لديهِ مَيْلاً للتَّسَلُّطِ عليها، والهَيمنةِ عليها، وتوجيهِ الأوامِرِ لها. واللّعنةُ هي الَّتي تَفعلُ ذلك. ولكنَّنا نَقرأُ هنا وَصيَّةً لَهُ بأنْ يُحِبَّها. فهي تَخضَعُ لهُ، وَهُوَ يُعَبِّرُ عن مَحبَّتِهِ لها. إنَّها قيادةٌ قائمةٌ على الرِّعاية. أجل، إنَّهُ رأسُ المرأةِ كما أنَّ اللهَ هو رأسُ المسيحِ، والمسيحُ هو رأسُ الرَّجُل (كما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 11). فهو رأسُها، ويجب عليها أن تَدعوهُ "سَيِّدي" (كما تَعَلَّمنا في رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الثَّالث). وَهُوَ الإناءُ الأقوى (كما يَقولُ بُطرس). ومسؤوليَّتُهُ هي أن يُعطيها التَّوجيهَ، وأن يَسُدَّ حاجَاتِها، وأن يَقودَها. ولكِن يجب عليهِ أن يَفعلَ ذلكَ في سِياقِ المحبَّة...دائمًا في سِياقِ المحبَّة.
ونَقرأُ في رسالة كولوسي 3: 19: "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ، وَلاَ تَكُونُوا قُسَاةً عَلَيْهِنَّ". فهناكَ دائمًا خَطَرُ فُقدانِ المحبَّة، وأن يَصيرَ الزَّوجُ طَاغيةً حقًّا. فعندما لا تكونُ المحبَّةُ هي سِياق تلكَ العلاقة، سيبدأُ الطَّاغيةُ بالتَّشَكُّل. لِذا، إنَّها رئاسة قائمة على المحبَّة. وهي قيادة قائمة على المحبَّة. وهو إرشادٌ قائمٌ على العاطِفَة.
والآن، أوَدُّ أن نَنظُرَ نَظرةً فاحصةً إلى ما يَعنيهِ اللهُ بهذه الوصيَّة لأنَّها مُهمَّة جدًّا. لنتحدَّث عن طريقةِ هذه المحبَّة. فنحنُ نقرأُ في العدد 25: "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ" كيف؟ "كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا". وهذا واضحٌ جدًّا. فهي مَحَبَّة مُضَحِّية. فهي ليست مَحبَّة قائمة على الهَيمنة، بل يجب عليكم أن تُحِبُّوا نِساءَكُم كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا. فهذه هي طريقةُ المحبَّة. فهو نفسُ نوعِ المحبَّة الَّذي أظهَرَهُ المسيحُ لكنيستِه. وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20، نَقرأُ أنَّهُ اشترى الكنيسةَ بِدَمِه. وفي رسالة رُومية 5: 8، يُوصَفُ بأنَّهُ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ مِن خلالِ موتِهِ لأجلِ خُطاةٍ لا يَستحقُّونَ تلكَ المحبَّة. وفي رُومية 8، نَقرأُ أنَّها محبَّة لا تتغيَّر ولا تَموت. فهو يُحِبُّنا محبَّةً لا يُمكنُ لأيِّ شيءٍ أن يَفصِلَنا عنها.
وقد قالَ الواعظُ العظيم "يوحنَّا فَمُ الذَّهب" (John Chrysostom): "هذا هو مِعيارُ المحبَّة: إنِ اقتضى الأمرُ أن تَبذُلَ حياتَكَ لأجلِها، أو أن تُقَطَّعَ إلى أشلاءٍ ألفَ مَرَّة، أو أن تَحتمِلَ أيَّ شيءٍ مَهما كان، لا تَرفُض ذلك. فالمسيحُ جَعَلَ الكنيسةَ خاضعةً لهُ مِن خلالِ رعايَتِهِ الفائقة لها، لا بالتَّهديداتِ أو بأيِّ شيءٍ مُشابِه. لِذا، ينبغي أن تُعامِلَ زوجَتَكَ هكذا" [نهايةُ الاقتباس].
ولطالَما سَمِعتُ أُناسًا (وأعتقدُ أنَّ نَواياهُم طَيِّبة) قالوا عن زوجاتِهم: "أنا أُحِبُّها أكثرَ مِنَ اللَّازِم". ويُمكِنُ للمرءِ أن يَرُدَّ على ذلكَ حالاً: "هل تُحِبُّها كما أحَبَّ المسيحُ الكنيسة؟ فإنْ لم تَكُن تُحِبُّها بهذا القدرِ، فإنَّكَ لا تُحِبُّها مَحَبَّة كافية". فهذا هو المِعيار. وقد كانَ هذا التَّكريمُ للزَّوجة وهذا التَّكريسُ للزَّوجةِ ثورةً حقيقيَّةً في العالَمِ الرُّومانيِّ كما هو ثورة في عالَمِنا اليوم. وقد قالَ "كيتو" (Kato)، وَهُوَ كاتِبٌ رومانيّ: "إنْ أمسكتَ زوجَتَكَ وهي تَخونُكَ، اقتُلها مِن دونِ مُحاكمة. ولكِن إن أمسَكَتْكَ هي وأنتَ تخونُها، لا يَجوزُ لها أن تَمَسَّكَ بإصبَعِها. فهي لا تَملِكُ أيَّ حَقٍّ في فِعْلِ ذلك". وهذا مِعيارٌ مُزدَوِجٌ خطير. فالرَّجُلُ يُهيمنُ تمامًا على الأُنثى سواءٌ أكانت زوجَتهُ أَم بَناتِهِ. وَهُوَ يَستطيعُ أن يَقتُلَها في أيِّ لحظة مِن دونِ مُحاكمة قانونيَّة. وعندما يَقولُ بولسُ للأزواج: "أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا" فإنَّ هذه، بصراحة، جُملة ثَوريَّة. وهي ثوريَّة اليومَ حيثُ إنَّ هناكَ شَرطًا يَضَعُهُ الرَّجُلُ ويَقولُ فيه: "ما دُمْتِ تُتَمِّمينَ ما أُريدُهُ مِنَ الحياةِ، يُمكِنُكِ أن تكوني زوجتي. أمَّا إن توقَّفْتِ عنِ القيامِ بذلك، سأتزوَّج واحدة أخرى". أليسَ كذلك. فهكذا يَجري الأمرُ اليومَ. وقد كانَ ما قالَهُ اللهُ مِن خلالِ بولس صادِمًا آنذاكَ. وَهُوَ صادِمٌ اليومَ أيضًا.
وكانَ يُنظَرُ إلى النِّساءِ في تلكَ الثَّقافة نَظرةً مُختلفةً عنِ اليوم. فقد كُنَّ يُحْسَبْنَ أقَلّ مِن بَشَر، وكُنَّ يُعامَلْنَ مُعاملةَ الإماءِ والحَيَواناتِ في حالاتٍ عديدة. ولم تَكُن لديهنُّ حُقوقٌ قَطّ. وكانَ الرِّجالُ يُطَبِّقونَ اللَّعنةَ مِن خلالِ مُمارسةِ أقسى أنواعِ الهَيمنةِ على النِّساءِ عامَّةً. وبولسُ يَقولُ: يجب عليكم أن تَستعيضوا عن ذلكَ في المسيحِ بمحبَّةٍ شَبيهةٍ بالمحبَّةِ الَّتي أحَبَّ بها المسيحُ أيضًا الكنيسةَ حَتَّى إنَّهُ بَذَلَ نَفسَهُ لأجلِ الكنيسة. فهي محبَّة مُضَحِّية بالذَّات. وهي محبَّة مُتواضِعة وغير أنانيَّة.
ويُعَرِّف بُطرس أيضًا هذه المحبَّة مِن دونِ حَتَّى أن يَستخدمَ هذه الكلمة. انظروا إلى رسالة بطرس الأولى والأصحاح الثَّالث. وَمِنَ المُهِمِّ، أيُّها الرِّجالُ، أن نَفهمَ هذا. ونحنُ نُريدُ أن نَنظُرَ إلى كُلِّ الآياتِ الَّتي تَتحدَّثُ عن هذه المسألة. ففي رسالة بطرس الأولى 3: 7، يُمكِنُنا جميعًا أن نَفرَحَ بالعددِ السَّادسِ إذْ نقرأُ أنَّ سارة كانت تُطيعُ إبراهيمَ وتَدعوهُ سَيِّدَها، وأنَّهُ يجب على النّساءِ أنْ يَفعلنَ الشَّيءَ نَفسَهُ. ولكِن ماذا عنِ العددِ السَّابع؟ "كَذلِكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ، كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ [بِحُكْمِ أنَّها امرأة]، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً، كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ". ويا لها مِن جُملة رائعة!
والآن، هناكَ بضعةُ أمورٍ هُنا. ولتذكيركم بذلك، اسمحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم ثلاثةَ أمورٍ ينبغي أن تتذكَّروها: أوَّلاً: "التَّفَهُّم". "كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ". وهذا مُناقضٌ لعقليَّةِ رِجالِ الكَهْفِ، والعقليَّة المُتسلِّطة، والعقليَّة المُستقلَّة، وعقليَّة خِدمة الذَّات. وهذا يتطلَّبُ تَفَهُّمًا، ورَهافَةَ حِسٍّ، وسَدَّ حاجاتِها، وفَهْمَ مشاعِرها ومخاوفِها وأسبابِ قلقها وتوتُّرها، وأهدافِها، وأحلامِها، ورغباتِها. فهذا هو المقصودُ هُنا "كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ". وأحيانًا، قد يَتلخَّصُ ذلكَ في الاستماعِ إليها. أليسَ كذلك؟ وَفَهْمِ قلبِها. فأنتَ لا تستطيعُ أن تُعَبِّرَ عن محبَّتِكَ لها ما لم تَكُن محبَّة مُضَحِّية تَسُدُّ حاجاتِها. ويجب عليكَ أن تَعرفَ ما هي تلكَ الحاجات. ولا يَكفي التَّفَهُّمُ وَحدُهُ، بل هناكَ شيء آخر وَهُوَ: "الشَّهامَة". فنحنُ نقرأُ في العددِ السَّابع: "عيشوا مَعَهُنَّ لا فقط بحسبِ الفِطنةِ، بل أيضًا مِنْ مُنْطَلَقِ أنَّها الإناءُ الأضعفُ بِصِفَتِها امرأة". وما معنى ذلك؟ إنَّهُ يَعني ببساطة أنَّكُما لستُما مُتماثِلينِ جسديًّا. فهي أضعف. لِذا فإنَّكَ لا تَقولُ لها: "بعدَ أن تُغَيِّري إطارَ السيَّارة، سيكونُ مِن دواعي سُروري أن أَصْحَبَكِ إلى المَتجَر". فيجب عليكَ أن تَفهمَ أنَّ هُناكَ ضَعفًا جسديًّا في المرأة. فاللهُ خَلَقها كذلكَ لكي تكونَ تحتَ قُوَّةِ الرَّجُلِ وحمايَتِه. وهي تَحتاجُ إلى قُوَّتِنا.
إذًا، يجب أن يكونَ هُناكَ تَفَهُّم: "عِشْ مَعَها بحسبِ الفِطنةِ". ويجب أن يكونَ هناكَ شَهامة: "عامِلها بِوصفِها الإناءَ الأضعَف" وَكُنْ قُوَّتَها مِنَ الجانبِ الجسديِّ. ثالثًا: الشَّرِكة...الشَّرِكَة. "مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً، كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ". فالرِّجالُ والنِّساءُ ليسا مُتساوِيَيْنَ جسديًّا، ولكنَّهُما مُتَساوِيانِ رُوحيًّا. لِذا، عامِلها بِصِفَتِها نَظيرَكَ الرُّوحيَّ. وأنا أُحِبُّ ما جاءَ في سِفْرِ نشيدِ الأنشاد حيثُ يَقولُ الرَّجُل: "هذه حَبيبتي"، وحيثُ تَقولُ المرأةُ: "هذَا حَبِيبِي، وَهذَا خَلِيلِي". فهناكَ شُعورٌ عَميقٌ مِنَ المُشاركة المُتساوية الحميمة في الأُمورِ الرُّوحيَّة. ويُقَدِّمُ لنا بُطرسُ بِضعَ وَصايا مُباشِرة، أيُّها السَّادة، إنْ أردنا أن نكونَ الأزواجَ الَّذي يُريدُ مِنَّا اللهُ أن نكون. فيجب علينا أن نَفهمَ زوجاتِنا، وأن نَفهمَ حاجاتِهِنَّ، وأن نَفهمَ مَشاعِرَهُنَّ، وأن نَفهمَ ما يَتُقْنَ إليهِ وَيَرْغَبْنَ فيه. ويجب علينا أن نَعيشَ مَعَهُنَّ، وأنْ نَضَعَ قُوَّتَنا تحتَ تَصَرُّفِهِنَّ...قوَّتنا الجسديَّة، وقوَّتنا العاطفيَّة، وقوَّةَ شخصيَّتِنا، وكُلَّ قُوَّة أخرى مُتوفِّرة لدينا. ويجب علينا أن نُعامِلَهُنَّ كَشريكاتٍ مُساوياتٍ لنا رُوحيًّا.
فيجب علينا أن نُحِبَّ زوجاتِنا. فهذه وَصيَّة. ولا يُمكِنُكَ أن تقول: "أنا لم أَعُد أُحِبُّها" مِن دونِ أن تكونَ قد اعترفتَ بأنَّكَ قد اقترفتَ خَطيَّةً...قدِ اقترفتَ خَطيَّةً. وقد تقول: "حسنًا، مَهلاً مِن فضلِك. أنتَ لا تَعرفُ كيفَ تُعامِلُني". إنَّ هذه ليست النُّقطة الجوهريَّة. فالمسيحُ أحَبَّ الخُطاةَ معَ أنَّهُم كانوا يُبغضونَهُ. أليسَ هذا صحيحًا؟ وهذا هو النَّموذجُ. وهذا هو المِعيار. وهذا لا يعني أنَّ الأمرَ لا صِلَةَ لهُ بالمشاعرِ هُنا. فإنْ كُنتَ تُحِبُّ حقًّا، فإنَّ العاطفةَ غَنيَّة، والمشاعرُ نابضة، والصَّداقة رائعة. والتَّعريفُ الكِتابيُّ يَغوصُ حَقًّا إلى أعماقٍ لا يُسْبَرُ غَوْرُها. لننظُر إلى رسالة أفسُس. فعندما نَبتدئُ بالحديثِ عن كيفَ ينبغي أن نُحِبَّ بهذه الطَّريقةِ المُضَحِّية، فإنَّ الأمرَ يَصِلُ إلى الأعماقِ حَقًّا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 25: "كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا". وهل يُمكنُني أن أقولَ ذلكَ ببساطة، أيُّها الرِّجال؟ إنَّ الزَّوجَ المُمتلئَ بالرُّوحِ يُحِبُّ زوجَتَهُ لا بسببِ ما يُمكِنُها أن تَفعلَهُ لأجلِه، بل مِن مُنطَلَقِ ما يَستطيعُ هُوَ أن يَفعلَهُ لأجلِها. فهكذا عَمِلَتْ مَحبَّةُ المسيحِ وتَعمَل. فهو يُحِبُّنا لا لأنَّ هناكَ شيئًا فينا يُعْجِبُهُ، بل إنَّهُ يُحِبُّنا لأنَّهُ قَرَّرَ أن يُحِبَّنا بالرَّغمِ مِن عدمِ جاذبيَّتِنا. فهو يُحِبُّنا محبَّةً تَسعى لا إلى الهَيمنةِ علينا، بل بمحبَّة تَسعى بالحَرِيِّ إلى سَدِّ حَاجاتِنا، وفَهْمِنا، وإمدادِنا بالقُوَّة.
فالأمرُ لا يتوقَّفُ على الاستحقاق. فنحنُ لم نَفعل شيئًا لكي نَستحقَّ مَحبَّةَ المسيح. فهذا لم يَحدُث لأنَّنا أكثر جاذبيَّة مِنَ الأشخاصِ الآخرينَ حَتَّى إنَّهُ أحَبَّنا. فنحنُ لا نَستحقُّ مَحبَّتَهُ. ولا توجد أيُّ جاذبيَّة فينا. فاللهُ لا يَنظر إلى العالمِ ويَختارُ الأشخاصَ الَّذينَ يَجذبونَ عاطِفَتَهُ. قَطْعًا لا. بل إنَّ اللهَ يُحِبُّنا، والمسيحُ يُحِبُّنا (في اعتقادي) كما أحَبَّ هُوشَع جُومَر. فقد رأى أنَّها زانية. وقد رآها تَقومُ بعملها كزانية مُحتَرِفَة. وقد رآها وهي تَتَنَقَّلُ بينَ عُشَّاقٍ عديدين. وقد رآها عاريةً على مِنَصَّةٍ حينَ عُرِضَتْ للبيعِ بالمَزادِ العَلنيِّ لِمَن يَدفعَ أعلى ثَمَنٍ في سُوقِ العَبيدِ. وقد ذَهَبَ إلى هُناكَ واشتراها؛ لا لأنَّهُ كانَ يوجدُ فيها شيءٌ طاهرٌ، أو حُلوٌ، أو جَميلٌ، أو رائعٌ؛ بل لأنَّهُ كانَ يُكِنُّ لها مَحَبَّةً في قلبِه. كذلكَ فقد أحَبَّ اللهُ إسرائيلَ الزَّانية. وكذلكَ يُحِبَّ المسيحُ كَنيسَتَهُ حتَّى قبلَ أنْ تَصيرَ كَنيسَتَهُ إذْ إنَّ قَلبَهُ كانَ يَفيضُ بالحُبِّ لأتباعِه. وحتَّى بعدَ أن صاروا كنيسَتَهُ، وزَنَوْا مِنْ خِلالِ انجرافِهم وراءَ الإثمِ، فإنَّهُ ما يَزالُ يُحِبُّهم. وهي محبَّة لا تموتُ أبدًا. وهي مَحبَّة لا يُمكِنُ قَتلُها. وهي مَحبَّة مُضَحِّية تمامًا وبِكُلِّ مَعنى الكلمة.
وأعتقد أنَّهُ لو كانت هناكَ طريقة واحدة فقط لِوَصْفِ هذه المحبَّة، فإنَّها ستكونُ: "الموتُ عنِ الذَّات"؛ أيْ أنْ تَتنازَلَ عن كِبريائِكَ، وتُضَحِّي برغباتِكَ الشخصيَّة، وتَتنازَلَ عن طُموحاتِكَ الشخصيَّة، وتَتنازلَ عن خَيالاتِكَ وأحلامِكَ حولَ كيفَ يُمكنُ أن تكونَ الحياةُ معَ امرأةٍ أخرى، أو في أحوالٍ أخرى. أيْ أن تَضَعَ هذا كُلّه جانبًا لأنَّهُ لا مَعنى لَهُ. فهذا كُلُّهُ يُفضي إلى التَّجربة. لِذا، أحِبُّوا زوجاتِكُم بتلكَ المحبَّة الَّتي لا تَعرِفُ مَعنى الأنا، بل تَهتمُّ فقط بها، وبحاجاتِها، وباهتماماتِها، وبقلبِها. وَاعمل على التَّضحيةِ بحياتِكَ لأجلِها.
وهذه، بِكُلِّ تأكيد، هي نوعيَّةُ المحبَّةِ الَّتي يُعطيها رُوحُ اللهِ القُدرةَ على إظهارِها والتَّعبيرِ عنها. فمحبَّةُ المسيحِ انْسَكَبَتْ في قُلوبِنا. ونحنُ نأخُذُ نفسَ تلكَ المحبَّة الَّتي أظهَرَها المسيحُ لنا ونَشترِكُ فيها. فثمرُ الرُّوحِ هُوَ مَحَبَّة. فالرُّوحُ يُنشئُ فينا هذه المحبَّة الفائقة. ونحنُ نَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 1: 22: "طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ...". بعبارة أخرى، حيثُ إنَّكُم قد تَغَيَّرتُم، وأنَّكُم تُحِبُّونَ الآنَ مَحَبَّةً حقيقيَّةً، فإنَّكُم تَملِكونَ القُدرةَ على أنْ تُحِبُّوا "...بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ. مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً". فهذه هي نوعيَّةُ المحبَّةِ الَّتي تَنْتَمي فقط إلى الأشخاصِ الَّذينَ وُلِدوا ثانيةً. فالعالَمُ يُحاولُ أن يَتَشَبَّثَ بالمحبَّةِ الرُّومانسيَّةِ طالَما أنَّهُ يَستطيعُ ذلك. ولكِنْ في النِّهاية، يتوقَّفُ القلبُ عنِ النَّبضِ ولا يَعودُ النَّفَسُ يَتسارَعُ كالسَّابق، بل إنَّ الحياةَ تَصيرُ عاديَّة جدًّا وروتينيَّة جدًّا. ثُمَّ إنَّكَ تَتقدَّمُ في العُمرِ. وقد يبدو أنَّ هناكَ شيئًا خارجَ زَواجِكَ أفضل مِن ذاكَ الموجودُ في البيت. وفجأةً، لا تعودُ قادرًا على الحِفاظِ على ذلكَ الحُبّ. وأنتَ لا تعودُ قادرًا على الاحتفاظِ بذلكَ الحُبِّ لأنَّكَ لا تَملِكُ طَبيعةً جديدة. ولكنَّنا نَحنُ الَّذينَ وُلِدنا ثانيةً لَدينا محبَّة مُخْلِصَة ومُلتَهِبَة لأنَّنا وُلِدنا مِنْ زَرْعِ اللهِ الَّذي لا يَفنى، وبكلمةِ اللهِ الحيَّةِ الَّتي وَهَبَتْنا حَياةً جديدة. فهكذا أَحَبَّنا اللهُ حَتَّى بَذَلَ ابنَهُ. وقد أحَبَّنا المسيحُ حَتَّى إنَّهُ بَذَلَ حياتَهُ. ويجب علينا أن نُحِبَّ زوجاتِنا مَحبَّةً مُضحيَّةً بالذَّات.
افتَحوا على رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13. ففي رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 13، نَجِدُ أنَّ كُلَّ سِمَةٍ مِن سِماتِ الحُبِّ المَذكورة في ذلكَ الأصحاح تَرِدُ بصيغةِ الفِعل. فالمحبَّة ليست شيئًا راكِدًا. وَهي ليست اسْمًا مِن حيث اللُّغة، بل إنَّها فِعْل. فالمحبَّة تَعمل. والمحبَّة تَفعلُ شيئًا. و "المحبَّة [بحسبِ العدد 4] تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوء، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا". فَكُلُّ هذه أفعال. فهكذا تَعملُ المحبَّة. فهي تَتأنَّى، وتَرفُق، ولا تَحسِد، ولا تتفاخَر، ولا تَنتفِخ، ولا تُقَبِّح، ولا تُحاول إظهارَ عُيوبِ الآخرين. وهي لا تَطلُبُ ما لنفسِها، ولا تَحْتَدُّ بسهولة، ولا تَتذكَّرُ الإساءاتِ الَّتي اقتُرِفَتْ بِحَقِّها. وهي لا تَفرحُ بالإثمِ، بل تَفرحُ فقط بالحَقّ. وهي تَحتمِلُ كُلَّ شيءٍ، وَتُصَدِّقُ الأفضَل، وَتَرْجُو الأفضَل، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وهي لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا. فهذه هي سِماتُ المحبَّة. وهكذا ينبغي لنا أن نُحِبَّ زوجاتِنا.
وهي دائمًا فِعْل...فهي دائمًا تَعملُ شيئًا لشخصٍ مَا. وقد أعطانا اللهُ القُدرةَ على أن نُحِبَّ هكذا مِن خلالِ الرُّوحِ القُدُس. فلأنَّنا قد تَغَيَّرنا ووُلِدنا ثانيةً، وصارَ رُوحُ اللهِ يَسكُنُ فينا، وحَصَلنا على ثَمَرِ الرُّوحِ الَّذي هو مَحَبَّة، يُمكننا أن نُشاركَ تلكَ المحبَّة. فالَّذي تَكَمَّلَتْ فيهِ مَحَبَّةُ اللهِ [كما قالَ يُوحنَّا في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثَّاني] هو ذاكَ الَّذي وُلِدَ مِنَ الله. فإن كُنتَ مَسيحيًّا، لا يُمكنُكَ أن تأتي وتقول: "أنا آسِف! لقد حاولتُ حقًّا أن أُحِبَّها، ولكِنْ ليسَ بمقدوري أن أفعلَ ذلك". بَلى، بمقدورِك. فتلكَ المحبَّة الرُّوحيَّة الخارقة للطَّبيعة موجودة إنِ اخترتَ أن تُمارِسَها. وقد تقول: "ماذا لو أُسيئَتْ مُعاملتي؟ وماذا لو أُسيئَتْ مُعاملتي باستمرار؟ وماذا لو خَانَتني وتركتني وذهبتْ وعَثَرَتْ على رَجُلٍ آخر؟" وَهَلُمَّ جَرَّا. في تلكَ الحالاتِ، يَقولُ الكتابُ المُقدَّسُ الكَثيرَ. وسوفَ نُناقشُ ذلكَ في أثناءِ دراسَتِنا. وإنْ وَصَلَ الأمرُ إلى الطَّلاقِ والانفصالِ والهَجرِ، مِنَ الواضحِ أنَّكَ لن تعودَ قادرًا على التَّعبيرِ عن تلكَ المحبَّة إنِ اختارت هي أَلَّا تكونَ هُناكَ للحُصولِ عليها. ولكِن طَالما أنَّها موجودة، فإنَّكَ مَسؤولٌ عن إظهارِ الحُبِّ لها.
وَهُوَ حُبٌّ لا يَعتمِدُ على المَحبوب. وَهُوَ لا يَعتمِد على المظهرِ الجسديِّ. وَهُوَ لا يَعتمِدُ على التَّناسُقِ العَضليِّ. فأنا أسمعُ الكثيرَ عن ذلكَ اليوم، أو عن شَكلِ فُلان أو هَيئةِ فُلان. فالحُبُّ لا يعتَمِدُ على ذلك، بل يَعتمدُ على صِفاتِ المُحِبِّ؛ أيِ الشَّخصِ الَّذي يُحِبّ. وبولس يقول (كما قَرأتُ لكم): "المحبَّة لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا". وهي لا تَسعى يومًا إلى الانتقامِ، ولا تَسعى يومًا إلى الأخذِ بالثَّأر. ولتبسيطِ الأمرِ، فإنَّ المحبَّة تَغفِرُ كُلَّ إساءة تُقتَرَفُ بِحَقِّها. فالشَّخصُ المُحِبُّ لا يَحتَفِظُ بِسِجِلٍّ بالإساءات.
وأريدُ أن أقولَ لكم شيئًا: يجب أن تَعلموا أنَّ ما يُدَمِّرُ الزِّيجاتِ هُوَ عَدَمُ الغُفران... عَدَمُ الغُفران. فإنِ استمرَّيْتُم في إظهارِ الغُفرانِ أحدُكُما للآخر طَوالَ الوقتِ، ولم تَحتفظوا بِسِجِلٍّ للإساءاتِ، لن يُبْنى أيُّ حاجِزٍ فاصِلٍ بينكما. ففي كُلِّ مَرَّة لا يَغفِرُ فيها أحدُ الشَّريكَيْنِ للآخر، فإنَّ طُوْبَةً أُخرى تُضافُ إلى الجِدارِ الَّذي يَبتدأُ بالارتفاعِ والفَصْلِ بينَهُما. فلا شيءَ أكثر أهميَّة في زواجِكَ مِنَ الغُفران...الغُفران الفوريّ والعَفويّ والكامِل حَتَّى إنَّ أيًّا مِنكُما لا يأتي على ذِكْرِ تلكَ الإساءةِ مَرَّةً أخرى. فلا يَجوزُ أن تَتَبَنَّى هذه المواقفَ المُدَمِّرَةَ المُتَمَثِّلَةَ في المَرارةِ، ورَدِّ الإساءةِ بِمِثلِها، والانتقامِ لأنَّ ذلكَ يُدَمِّرُ العلاقة.
فعندما يكونُ الرَّجُلُ مُمتلئًا بالرُّوحِ، وعندما يكونُ مُمتلئًا بالفرحِ والشُّكرِ للهِ على كُلِّ ما صَنَعَهُ المسيحُ، وعندما يُحِبُّ زوجَتَهُ كنفسِه، سيُضَحِّي بنفسِهِ لأجلِها. لِذا فإنَّ سُلطتَهُ ستكونُ رَقيقة، ودافئة، وتَبْعَثُ على الشُّعورِ بالطُّمأنينةِ والأمان. وحينئذٍ فإنَّها ستَتبَعُهُ إنْ كانت مُطيعةً لخُطَّةِ اللهِ لحياتِها.
وأعتقد، أيُّها الرِّجالُ، أنَّهُ يجب علينا أن نَطرحَ السُّؤالَ التَّالي: متى كانت آخرُ مَرَّةٍ ضَحَّيْتَ فيها لأجلِ زوجَتِك؟ وأنا لا أتحدَّثُ هنا عن شيءٍ تافِهٍ، بل عن شيءٍ مُهِمٍّ. فهل صَلَبْتَ نَفسَكَ ووَضَعْتَ شيئًا جانبًا كي تُرَكِّزَ عليها؟ فأنا أَعلمُ أنَّ رِجالاً كثيرينَ يُريدونَ أن يكونوا قادةً وعَمالقةً رُوحيِّين. وَهُم يريدونَ أن يَظهروا في مَوقعِ السَّيطرةِ على كُلِّ شيءٍ، وَبأنَّهُم القادة الأتقياء في العائلة. ولكِنَّ النُّضْجَ الرُّوحيَّ يَعني في الحَقيقة: التَّضحية بالذَّات. لِذا، مِنَ الصَّعبِ أحيانًا أن تُدركَ القائدَ الروحيَّ القويَّ والحقيقيَّ في العائلة لأنَّهُ مُتواضِع...لأنَّهُ مُتواضِع، ولأنَّهُ يَحمِلُ صَليبَهُ كُلَّ يومٍ، ولأنَّهُ يُنكِرُ نَفسَهُ، ويَموتُ كُلَّ يوم، ولأنَّهُ مُستعِدٌّ لأنْ يُصلَبَ معَ المسيح، ولأنَّهُ يَنظُرُ لا إلى ما هو لنفسِه، بل إلى ما هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا حاسِبًا الآخرينَ أفضلَ مِن نَفسِه. وهو يَتخلَّى عن رَغْباتِهِ لأجلِها. وبسببِ ذلكَ قد يَظهَرُ ضَعيفًا معَ أنَّهُ في الحقيقةِ قَوِيٌّ.
وأعتقدُ أنَّ الموتَ عنِ الذَّاتِ هو النُّقطة الجوهريَّة. ففي نُقطةٍ مَا مِن مَسيرَتِكَ المسيحيَّة، يجب عليكَ أن تَتعلَّمَ أن تموتَ عن ذاتِكَ دائمًا. فهذا يُريحُكَ مِن مُحاولةِ أن تكونَ دِفاعيًّا، ومُنتقِمًا، وحَادًّا في رُدودِك، وعِدائيًّا، ومِن أن تُراكِمَ العَديدَ مِنَ الأشياءِ ضِدَّكَ. فعندما تُنْسَى، أوْ تُهمَل، أو تَتِم تَنْحِيَتُكَ جانبًا عن قَصْد، وتَشعُر بالإهانة والألم بسببِ الإهانةِ والإهمال، ولكِنَّ قَلبَكَ فَرِحٌ، وتَحسبُه امتيازًا أن تَتألَّمَ لأجلِ المسيح، فإنَّ هذا هو مَعنى الموتِ عنِ الذَّات. فعندما تَعْمَلُ خَيرًا وتُلاقي شَرًّا، وعندما تُسيءُ فَهمَكَ، وعندما لا تَعودُ رَغْباتُكَ تَعني أيَّ شيءٍ لها، وعندما تَتَجاهَلُ نَصائِحَكَ، وتَسخَرُ مِن آرائِكَ، وعندما تُساءُ مُعامَلَتُكَ، ولا تُعامَل المُعاملةَ الَّتي تَستحقُّها، ولا تُفْهَم كما ينبغي، وتَرفُض أن تَسمحَ للغضبِ أن يَملأَ قلبَكَ أو حَتَّى أن تُدافعَ عن نَفسِكَ، هذا هو الموتُ عنِ الذَّات.
وعندما تَتَقَبَّلُ بمحبَّة وَصَبْر أيَّ تَعويقٍ، وأيَّ تَعطيلٍ، وأيَّ إزعاجٍ، وعندما تَصْطَدِمُ مُباشَرةً بالسَّخافةِ، والإهمالِ، والإسرافِ، وتَبَلُّدِ الحِسِّ، وتَحتمِلُ ذلكَ كما احتَمَلَهُ يَسوعُ، هذا هو الموتُ عنِ الذَّات. وعندما تَقبَلُ أيَّ طَعامٍ، وأيَّ ملابس، وأيَّ جَوٍّ، وأيَّ مُجتمعٍ، وأيَّ مُقاطعةٍ، أو أيَّ عُزلَةٍ، هذا هو مَعنى الموتِ عنِ الذَّات. وعندما لا تَهتمُّ بأن تُشيرَ إلى نَفسِكَ في أيِّ مُحادثةٍ، ولا أن تُدَوِّنَ وتَتلو أعمالَكَ الصَّالحةَ، ولا أن تَنتظرَ الثَّناءَ، وعندما تَستطيعُ حقًّا أن تُحِبَّ، وألَّا يُلْتَفَتَ إليكَ بالرَّغمِ مِن قيامِكَ بعملٍ صَالح، هذا هو الموتُ عنِ الذَّات. وعندما تَرى زوجَتَكَ تَنجحُ، وتُحَقِّقُ أهدافًا كُنتَ تَصْبو إليها، وتستطيعُ حَقًّا أن تَفرَحَ معها في الرُّوحِ مِن دونِ أن تَشعُرَ بالحَسَدِ، ومِن دونِ أن تُعاتِبَ اللهَ لأنَّ حاجاتِكَ ما تَزالُ أكبر بكثير، ومعَ أنَّ أحوالَكَ يائسةً حقًّا، هذا هو الموتُ عنِ الذَّات. وأيُّها الرجلُ، عندما تُظْهِرُ الاستعدادَ لِقَبولِ التَّصحيحِ والتَّقويمِ مِن زوجَتِك، وتَخضَعُ بتواضُعٍ داخليًّا وخارجيًّا، ولا تَشعُرُ بأيِّ تَمَرُّدٍ، ولا تَشعُرُ أنَّ قَلبَكَ يَمتلئُ بالامتعاض، هذا هو الموتُ عنِ الذَّات.
وهذا هو ما يَجعلُكَ القائدَ الَّذي يُريدُ مِنكَ اللهُ أن تكونَ في بيتِك. وهذا يَحدُثُ عندما تَموتُ الذَّاتُ. والطَّريقةُ الَّتي ينبغي لنا فيها أن نُحِبَّ زوجاتِنا هي: كما أَحَبَّ المسيحُ الكنيسة. وهذهِ، في المَقامِ الأوَّلِ، مَحبَّة مُضَحِّية تَتطلَّبُ مَوتًا عنِ الذَّات. وهذا ليسَ أمرًا سَهلاً، ولا سِيَّما إن كُنتَ شخصًا قويًّا، وواثقًا بنفسِك، وقادِرًا، وناجحًا، وذكيًّا، وحكيمًا، ومُحترمًا، وقِياديًّا. فأن تُنكِرَ نَفسَكَ دائمًا هو تَحَدٍّ رُوحِيٌّ كبير. ولكِنَّ هذا هو ما يَطلُبُهُ اللهُ مِنكَ. وعندما تَقودُ في بيئة مُفعَمة بالمحبَّة وإنكارِ الذَّاتِ، فإنَّكَ تُوَفِّرُ بيئةً تَتوقُ المرأةُ إليها.
ثانيًا، إنَّ هذه المحبَّة هي ليست مَحَبَّة مُضَحِّية فَحَسْب، بل هي مَحَبَّة مُطَهِّرة...مَحَبَّة مُطَهِّرَة. وهذا أمرٌ مِنَ المُهمِّ جدًّا أن نَفهَمَهُ. فنحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس 5: 25 أنَّهُ يجب علينا أن نُحِبَّ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا. ثُمَّ في العدد 26: "لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ". ونحنُ لدينا صُورة جَميلة هُنا. فالمسيحُ يُحِبُّ كنيسَتَهُ مَحبَّةً مُضحِّيةً، ومَحَبَّةً مُقَدِّسَةً (أو مَحَبَّةً مُطَهِّرَة). فهو يُحِبُّ كنيسَتَهُ مَحَبَّةً تَكفي لتطهيرِها. وَهُوَ يُحِبُّ كنيسَتَهُ مَحَبَّةً تَكفي لإحضارِها بِلا دَنَس وَلا غَضْنٍ أو شيءٍ مِن مِثلِ ذلكَ، بل مُقَدَّسَةً وبلا عَيب.
وما مَعنى ذلك؟ إنَّهُ يعني أنَّهُ يَسعى إلى طَهارةِ الكنيسة. وَهُوَ يُريدُ الكنيسةَ (هل تَرَوْنَ الكلمة هُناكَ في العدد 27) بِكُلِّ مَجْدِها "إندوكسون" (endoxon)؛ أيْ: بِكُلِّ بَهائِها الرَّائع. وهذه الكلمة تُتَرجَم في إنجيل لوقا 7: 25: "فِي اللِّبَاسِ الْفَاخِر" كما لو كانت مَلِكَةً. فهي تُشيرُ إلى الجَمالِ الشَّبيهِ بجمالِ المسيح...إلى جَمالِ العِفَّةِ، ورَوعةِ القَداسةِ والفَضيلة، بِلا دَنَسٍ (أيْ بِلا لَطْخَةٍ)، وَلا غَضْنٍ، ولا عَيْب ("روتيس" [rhutis] في اللُّغة اليونانيَّة). بلا عَيْب. فعندما يأخُذُ المسيحُ كنيسَتَهُ لتكونَ عَروسَهُ، ويَبذُلُ حياتَهُ لأجلِ كنيسَتِه، فإنَّهُ يَسعى حينئذٍ إلى طَهارةِ كنيسَتِه. والمسيحُ هو مُطَهِّر كنيسَتِه. وهذه هي الطَّريقةُ الَّتي ينبغي أن نُعامِل بها زوجاتِنا. فيجب علينا أن نَفعلَ كُلَّ ما نَقدِرُ عليه لكي نَقودَهُنَّ إلى القَداسةِ والطَّهارة. وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13، قالَ يَسوعُ لبُطرس: "الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ". والفِكرةُ في ذلكَ بسيطة وجميلة. ففي الشَّرق، كانَ الرَّجُلُ يَستَحِمُّ ويُنَظِّفُ نَفسَهُ تمامًا. ثُمَّ إنَّهُ كانَ يَغسِلُ بينَ الحينِ والآخر خِلالَ اليومِ قَدَمَيْهِ فقط. ونحنُ نَتعلَّمُ مِن ذلكَ، بِكُلِّ تأكيدٍ بوصفِنا مَسيحيِّينَ، أنَّهُ عندما أتينا إلى المسيحِ فإنَّنا قدِ اغْتَسَلنا...لقدِ اغتَسَلنا. ولكِن في أثناءِ مَسيرِنا في العالَمِ في هذا اليومِ مِن حياتِنا، فإنَّنا نَلتَقِطُ الغُبارَ على أقدامِنا ونَحتاجُ إلى غَسلِها دائمًا. فالأشخاصُ الَّذينَ هُم في المَسيحِ قد تَطَهَّروا تَطهيرًا دائمًا، واغتسلوا بصورة دائمة، وتَنَقَّوْا طَوالَ الوقتِ، ونالوا الغُفرانَ طَوالَ الوقتِ.
ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 15: 3: "أَنْـتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ". فقد حَدَثَ تَطهيرٌ. وقد جاءَ وقتٌ تَنَقَّيتُم فيهِ مِن خلالِ الكلمة. ولكِنَّهُ يُتابِعُ حَديثَهُ قائلاً إنَّ هُناكَ عَمليَّة تَنقية دائمة للحِفاظِ عليكُم طاهِرين. وَنَجِدُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الخامِسِ الشَّيءَ نَفسَهُ إذْ نَقرأُ في العدد 26: "لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ". أيُّها الرِّجالُ، إن أردتُم أن تَفعلوا شيئًا في حياةِ زوجاتِكُم، اجْعَلوهُنَّ تحتَ كَلِمةَ الله. اجْعَلوهُنَّ يَسْتَمِعْنَ إلى كلمةِ اللهِ كي يَتَطَهَّرْنَ يوميًّا ودائمًا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 15: 2 (وهي الآية الَّتي تَسبِقُ الآيةَ الَّتي قَرأتها قبلَ قَليل) أنَّهُ يأخُذُ كُلَّ غُصْنٍ يَأتِي بِثَمَرٍ وَيُنَقِّيهِ لِيَأتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ. فاللهُ يُريدُ أن يُنَقِّي خاصَّتَهُ. ويجب على الزَّوجِ أن يَرغبَ في تَنقيةِ زوجَتِه. وكيفَ يَفعلُ ذلك؟ مِن خلالِ تَعريضِها دائمًا لكلمةِ اللهِ. فأنتَ مِثلَ النَّبِيِّ في ذلكَ البيت. وأنتَ الشَّخصُ الَّذي يأتي بها كي تَسمعَ كلمةَ اللهِ، وكي تُطَهِّرَها، وكي تُنَقِّيها. فنحنُ نَقرأ في إنجيل يوحنَّا 17: 17: "قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ". فالكلمةُ هي الَّتي تُطَهِّر.
فأوَّلاً، في قَلبكَ وعَقلِك، يجب أن تَتيقَّنَ مِن أنَّكَ لا تَقودُ زوجَتَكَ إلى أيِّ خطيَّة، وأنَّكَ لا تُعَرِّضُها لأيِّ إثْم. لا تَجذبها إلى تلكَ الأشياءِ الَّتي سَتُغريها. ولا تأخذها إلى مَكانٍ للتَّسلية سَيُعَرِّضُها إلى مَشاعرَ خاطئة. ولا تُثِر حَنَقَها، وَلا تُغِظْها، وَلا تَستَفِزَّها فتجعلها تَقَعُ فَريسةَ الغَضَب. وأنتُم تَعرفونَ الأشياءَ الَّتي تَفعلُ هذا. أليسَ كذلك؟ فيُمكنكَ أن تقولَ لها: "أنتِ مِثلَ...[املأ الفَراغ]... أُمِّكِ". وأنتَ تَعلمُ ما سيَحدث. أو يُمكنكَ أن تُذَكِّرَها بحادثةٍ سابقةٍ تَقودُ دائمًا إلى نفسِ العِدائيَّةِ حينَ تَرغبُ حَقًّا في إيلامِها. لا تَفعل ذلك. فإن كُنتَ تَسعى إلى طَهارَتِها، وإن كُنتَ تَسعى إلى قَداسَتِها، وإن كُنتَ تَسعى إلى أن تكونَ بلا دَنَسٍ، وبلا غَضْنٍ، وبلا عَيْبٍ، وأن تكونَ طَاهرةً ومُقَدَّسَةً وبلا عَيْبٍ، لا تَقُدها البَتَّة إلى أيِّ شيءٍ قد يُؤدِّي إلى الإثم. لا تُعَرِّضها البَتَّة إلى أيِّ شيءٍ قد يُوْقِعها في تَجربة قويَّة.
مِن جهة أخرى، يجب عليكَ أن تأتي بها دائمًا إلى سَماعِ كلمةِ الله. ويُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ بِطُرُقٍ عديدة. احرِص على المجيءِ إلى هُنا لِسَماعِ كلمةِ اللهِ، وعلى إحضارِها مَعَك. احرِص على أنْ تُوَفِّرَ لها الفُرصةَ للاشتراكِ في دِراسةٍ للكِتابِ المُقدَّسِ أو مَا شَابَهَ ذلكَ، وأن تَصرِفَ الوقتَ الَّذي هي بحاجة إليه لقراءةِ كلمةِ اللهِ والحُصولِ على التَّشجيعِ اللَّازِمِ مِن خلالِ الكُتُبِ أو أمورٍ مُشابهةٍ كالأشرطةِ والمَصادِرِ الأخرى. احرِص على أن تُشَجِّعَ تلكَ الأشياءِ في حياتِها. فَكَمْ أحزَنُ حينَ يأتيني رِجالٌ ويقولون: "لا أدري ما الخَطْبُ، ولكنَّ زوجتي تَرَكَتِ البيتَ فجأةً وهَرَبَتْ معَ رَجُلٍ مَا". وأنا أُضْطَرُّ غالبًا إلى القول: "مِنَ المؤكَّدِ أنَّكَ تُدركُ أنَّ هذه ليست بدايةَ شيءٍ ما، بل هي نِهايةُ شيءٍ ما. فهذه نِهايةُ نَمَطٍ استمرَّ وقتًا طويلاً في الخطيَّة قبلَ أن تَنفَجِرَ بهذه الطَّريقة". فما الَّذي كُنتَ تَفعلُهُ لِتَلمذةِ زوجَتِكَ كي لا يَحدُثَ ذلك؟ فهذه هي القيادةُ الرُّوحيَّةُ كوارِثَةٍ مَعَكَ، وكزوجةٍ مُساويةٍ لَكَ في المسيح. ما الَّذي كُنتَ تَفعَلُهُ لتقويَتِها رُوحيًّا؟ أَحضِرْها لتسمعَ وعظًا سليمًا وتَعليمًا مِن كلمةِ اللهِ، وأحضِرها لتسمعَ الحَقَّ الكِتابيَّ العظيم، وادْعُها إلى الطَّهارةِ، ولا تَفعل أيَّ شيءٍ قد يُوْقِعَها في تَجرِبة. ولا تَضَعها في موقفٍ قد تُجَرَّبُ فيه. وهذا سببٌ آخر يَدفَعُني إلى القَلَقِ الشَّديدِ مِنَ الرِّجالِ الَّذينَ يُرسلونَ زوجاتِهم ليعملوا في عَالَمٍ غيرِ تِقِيٍّ لأنَّهُنَّ يَتَعَرَّضْنَ لتجربة قويَّة جدًّا. فَهُنَّ يَعملنَ في بيئة مَكتبيَّة معَ كُلِّ هؤلاءِ الرِّجالِ المُتَأنِّقينَ والوَسيمينَ والنَّاجِحين. وَهُنَّ يَرتدينَ مَلابِسَ تُناسِبُ تلكَ البيئة أيضًا، وكُلُّ شيءٍ يبدو جميلاً. ثُمَّ إنَّهُنَّ يَعُدنَ إلى بُيوتِهِنَّ فَيَجِدْنَ الأمرَ مُختلِفًا (كما تَعلمون). فأنتَ تَتجوَّلُ في البيتِ مُرتديًا بِنطالَ "جينزٍ" مُهتَرِئٍ وقميصًا قديمًا. وهي تَرتدي رِداءَ حَمَّامٍ قديم. وبيئةُ البيتِ مُختلفة عن بيئةِ العمل. فما الَّذي يَدفُعكَ إلى تَعريضِها إلى هذا النَّوعِ مِنَ التَّجارب الَّتي ستتعرَّضُ إليها في تلكَ البيئة؟
هل تَعلمونَ ما الَّذي يَفعلُهُ الرَّبُّ دائمًا بكنيسَتِه؟ إنَّهُ يقول: "اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَ [ماذا؟] وَاعْتَزِلُوا...وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا". فهو يُحاولُ دائمًا أن يُخرِجَ كنيسَتَهُ مِنَ العالَم. "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَم". أنا أَعلمُ الضَّرَرَ الَّذي ستُحدِثُهُ تلكَ الأشياء لأنَّ مَحَبَّةَ العالمَ هي عَداوةٌ لله (كما يَقولُ يَعقوب). والرَّبُّ يُحاولُ دائمًا أن يُخرِجَنا ويَفصِلَنا عنِ العالَمِ، وأنْ يَحُوْلَ دونَ أن يتأثَّرَ تَفكيرُنا بالعالَم. ونَجِدُ في رسالة رُومية والأصحاح 12 وَصيَّة مُباشِرة جدًّا جدًّا بخصوصِ مَحَبَّةِ العالَم: "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ". اخرُجوا مِنْ ذلكَ النِّظام. اخرُجوا مِن ذلكَ النَّمَطِ مِنَ التَّفكير. وأيُّها الرِّجال، أنتُم تَتحمَّلونَ مَسؤوليَّةَ حِمايةِ طَهارةِ زوجاتِكُم على كُلِّ جَبْهَة. والجانبُ السَّلبيُّ لذلكَ هو أن تَمنعوا وُقوعَهُنَّ في التَّجربة. والجانبُ الإيجابيُّ لذلكَ هو أن تَأتوا بِهِنَّ إلى التَّعليمِ والإرشادِ القائِمَيْنِ على كلمةِ الله.
ففي أثينا، على سَبيلِ المِثال، عندما كانتُ الفتاةُ تُطْلَبُ للزَّواج، كانَ يجبُ عليها أن تَسْتَحِمَّ في مِياهِ نَهرِ "كاليرو" (Callirrhoe). وقد كانَ هذا النَّهرُ مُقَدَّسًا لدى الشَّعبِ، ويَرمِزُ إلى التَّطهيرِ مِن كُلِّ دَنَسٍ سابقٍ، والدُّخولِ في حياة زوجيَّة طاهرة. وهذا هو السَّببُ في وُجودِ فُستانِ عُرْسٍ أبيض تَرتديهِ العَروسُ عندما تَتزوَّج. فهو يَرمِزُ إلى الطَّهارة. فيجب أن يكونَ الزَّواجُ شيئًا مُطَهِّرًا. فهو يأخُذُ هذه الفتاةَ ويَفرِزُها عن جَميعِ الأشخاصِ الآخرينَ لتصيرِ مُكَرَّسَةً لِزوجِها. فهي علاقة مُطَهِّرة. ثُمَّ إنَّ زوجَها يَضطلِعُ بمسئوليَّةِ الحِفاظِ على تلكَ العِفَّة. فمحبَّةُ المسيحِ لكنيسَتِه تَجعَلُهُ يَرغبُ في الحِفاظِ على طَهارةِ كنيسَتِه. ومَحبَّتُكَ لزوجَتِكَ ينبغي أن تَبْعَثَ فيكَ نَفسَ هذهِ الرَّغبة تَمامًا.
واسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا: مِنَ الصَّعبِ جدًّا أن تَعيشَ معَ امرأةٍ تَقِيَّة. إنَّهُ أمرٌ صَعبٌ جدًّا. وأنا أَعلمُ صُعوبةَ ذلك. فَمِنَ الصَّعبِ جدًّا أن تَعيشَ معَ امرأةٍ تَتوقَّعُ مِنكَ أن تُطَبِّقَ كُلَّ شيءٍ تَعِظُهُ! فهذا أمرٌ سَخيفٌ جدًّا! أليسَ كذلك؟ فَمِنَ الصَّعبِ جدًّا أن تَعيشَ معَ شخصٍ لديهِ تَوقُّعات عالية جدًّا لِفَضَائِلِكَ. وقد تَقولُ لنفسِكَ: "كانَ بإمكاني أن أعيشَ حياةً مَرِحَةً أكثر لو أنَّ زوجتي ليست مُدَقِّقَةً هكذا". ولكِنَّ قَلبَكَ يَقولُ لَكَ في النِّهاية: "يا لَهُ مِنَ امتيازٍ عَظيم، ويا لَهُ مِن شَرَفٍ عَظيم وفَرَحٍ عَظيم أن أتزوَّجَ مِنِ امرأةٍ تَتمسَّكُ بمعاييرَ عالية فيما يَختصُّ بالمُساءَلة الرُّوحيَّة!" ويا لها مِن نِعمة وبَرَكة لحياتِك. وإنْ كانَ بمقدورِ الزَّوجةِ أن تَكونَ نِعمةً وبَرَكةً لِزَوجِها، مِنَ المؤكَّدِ أنَّ دَورَ الزَّوجِ يَضَعُهُ أمامَ مَسؤوليَّةِ أن يَكونَ نِعمةً وبَرَكَةً لها.
وفي رسالة كورنثوس الثَّانية 11: 2، يَقولُ بولُس: "فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ. وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيح". فبولس يَقول: أنا أُريدُ منكم أن تكونوا طاهِرينَ ومُكَرَّسينَ للمسيح. وأنا أخافُ أن تَسيروا وَراءَ مُحِبِّينَ آخرين. فالمحبَّة الحقيقيَّة تُبالي دائمًا بطهارةِ الحَبيب. فالمسيحُ يَهتمُّ بطهارةِ كنيسَتِه. وبولسُ يَهتمُّ بطهارةِ رَعِيَّتِه. والرَّجُلُ يَهتمُّ بطهارةِ زوجَتِه. لِذا، تَلْمِذْها، وطَهِّرْها، ولا تُعَرِّضْها البتَّة لتأثيراتٍ غير طاهِرة. فَعِفَّتُها مَسؤوليَّتُك. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 14: 35: "وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ". أيُّها الرِّجالُ، يجب علينا أن نَكونَ المُعَلِّمَ اللَّاهوتِيَّ. ويجب علينا أن نَكونَ المَصْدَرَ الرُّوحِيَّ. ويجب علينا أن نكونَ المُستودَعَ الرُّوحِيَّ للحَقِّ حَتَّى يكونَ بمقدورِ الزَّوجةِ أن تأتي. وَمِن خلالِ استماعِها للحَقِّ تَتطهَّر.
فإن كُنتَ تُحِبُّ زوجَتَكَ حَقًّا، لا بُدَّ أنَّكَ ستَكرَهُ كُلَّ شيءٍ يُمْكِنُ أن يُنَجِّسَها. فأيُّ شيءٍ يَسلِبُها طَهارَتَها ينبغي أن يكونَ عَدُوَّكَ اللَّدود. وأيُّ مَحبَّة مَزعومة تَجتَذِبُ شَريكَ الحياةِ إلى الدَّنَسِ هي مَحبَّة زائفة...مَحَبَّة زائفة. وأنا أتذكَّرُ أنِّي قَرأتُ قبلَ سَنواتٍ عديدة عن رَجُلٍ في الخِدمة يقول: "أنا وزوجتي نَقرأُ مَجَلَّةَ ’بلاي بوي‘ [Playboy] معًا. فبعدَ زَواجٍ دَامَ ثماني عَشْرَةَ سنة، نحنُ بحاجة إلى شَيءٍ يُؤجِّجُ عَلاقَتَنا". ولكِن إذا عَرَّضْتَ نَفسكَ إلى ذلك فإنَّكَ تُعَرِّضُ نَفسكَ إلى تَجربة كبيرة وإلى الخطيَّة. كما أنَّكَ تُعَرِّضُ زَوجَتَكَ إلى ذلك. وبهذا تكونُ قد تَخَلَّيْتَ عن مَسؤوليَّتِكَ في حِمايَتِها وتَطهيرِها. وأيُّ مَحَبَّة مَزعومة تَجعلُ الشَّخصَ خَشِنًا وقاسيًا عِوَضًا عن أن تُهَذِّبَهُ وتُطَهِّرَهُ هي حَقًّا شَهوة تَرتدي قِناعًا. فالمحبَّة تَسعى دائمًا إلى الطَّهارةِ التَّامَّةِ لمحبوبِها. وهي تَسعى إلى ذلكَ بتضحية. فالمحبَّة الحقيقيَّة مُضَحِّية. والمحبَّة الحقيقيَّة مُطَهِّرَة...مُطَهِّرَة. وهي تُبْدي الاستعدادَ لاستخدامِ التَّأديبِ إنِ اقْتَضى الأمرُ ذلك. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 12: 5-10 كيفَ أنَّ الرَّبَّ يُؤدِّبِ الَّذينَ يُحِبُّهم. وأيُّها الزَّوجُ، إن كُنتَ مُمتلئًا بالرُّوح، وإن كانَ قَلبُكَ مُستقيمًا، وكانت حَياتُكَ مُستقيمة، ستَسعى إلى تَطهيرِ زوجَتك. وقد يَقتضي الأمرُ بعضَ المُواجَهاتِ. وقد يَتطلَّبُ الأمرُ تأديبًا مُعَيَّنًا. ولكنَّهُ يَعني بِكُلِّ تأكيد أن تَحميها مِنَ التَّجربةِ وأن تَضَعَها تحتَ التَّأثيرِ المُطَهِّرِ للحَقِّ الإلهيِّ.
وأخيرًا، سنَقرأُ العدد 27 ثُمَّ سَنَختِمُ حَديثَنا. فبولس يَقولُ إنَّهُ يجب علينا أن نُحْضِرَ زوجاتِنا كما يُحْضِرُ المَسيحُ لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ". فيجب عليكَ أنْ تُقَدِّمَ زوجَتَكَ بِكُلِّ بَهائِها الطَّاهر. فهذا هو جَمالُها. فَجمالُها لا يَكْمُنُ في شَعرِها أو مَلابِسها، بل إنَّ عِفَّتَها هي جَمالُها. فلا يَجوزُ أن تُقَلِّلَ مِن قيمَتِها، ولا يَجوزُ أن تَنتَقِدَها، ولا يَجوزُ أن تَضطَهِدَها. بل يجبُ عليكَ أن تَرفَعَها لأنَّ العِفَّةَ هي مَجدُها. فقداسَتُها هي جَمالُها. والزَّوجُ المُحِبُّ...الزَّوجُ المُحِبُّ لا يَخجَلُ مِن زوجَتِه، ولا يُقَلِّلُ مِن شأنِها، ولا يَنتقِدُها، ولا يَتكلَّمُ عنها كلامًا غيرَ لَطيف، ولا يُضَخِّمُ أخطاءَها. فالزَّوجُ المُحِبُّ يُشْبِهُ المَسيحَ في أنَّهُ يَسعى فقط إلى تَقديمِ عَروسِهِ بِكُلِّ بَهائِها وطَهارَتِها ومَجْدِها. فالمحبَّة تَسعى إلى تَكريمِ الحَبيب. لِذا، هكذا نُحِبُّ: مَحَبَّة مُضَحِّيَة تَسعى إلى تَطهيرِها وتَقديسِها، وتَنْقِيَتِها. والمحبَّةُ الَّتي تُكْرِمُ الزَّوجةِ وتَرفَعُها هي مَحَبَّةٌ لِسانُ حَالِها هُوَ: "انْظُروا إلى عَطِيَّةِ اللهِ لي". فهذه هي المَحبَّة الَّتي تُثْلِجُ قلبَ الزَّوجة. وهُناكَ المَزيدُ لِنَقولَهُ، ولكِنَّنا سَنُرجِئُ ذلكَ إلى المَرَّة القادِمة. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نحنُ نَعلمُ أنَّهُ مِنَ المؤكَّدِ أنَّنا نَستطيعُ أن نَعيشَ هذا النَّوعَ مِنَ الحياة. ونحنُ نَشكُرُكَ. نَشكُرُكَ لأنَّنا نَستطيعُ أن نَختبِرَ ذلكَ في زِيجاتِنا. ونحنُ نَعلمُ أيضًا أنَّ الأمرَ ليسَ سَهلاً، وليسَ بَسيطًا، بل يَتطلَّبُ تَكريسًا رُوحيًّا حقيقيًّا، وَتَخصيصًا، ونُضْجًا. ولكنَّنا لأجلِ ذلكَ نُصَلِّي، يا رَبُّ، كي تُقيمَ رِجالاً يُحِبُّونَ زوجاتِهم كما أَحَبَّ المَسيحُ كنيسَتَه، ويُنكِرونَ أنفُسَهُم. ومِن خِلالِ إنكارِ الذَّاتِ ذاكَ يَمتلكونَ القُدرةَ على التَّضحيةِ بأنفسِهم لأجلِ النِّساءِ اللَّاتي وَهَبْتَهُنَّ لَهُم...رِجالاً يُحِبُّونَ لا فقط مَحَبَّةً مُضَحِّيةً، بل مَحبَّةً مُطَهِّرَةً، ويُحِبُّونَ مَحبَّةً مُفعمَة بالإكرام، ومَحبَّةً تَسعى فقط إلى الإعلاءِ مِن شأنِ زوجاتِهم وَرَفْعِهِنَّ، لا إلى الحَطِّ مِن شأنِهِنَّ وإهانَتِهِنَّ. ويا رَبُّ، يا لَهُ مِن فَرَح، ويا لَها مِن نِعمَة، ويا لَها مِن بَرَكة، ويا لَهُ مِن شُعورٍ بالرِّضا يُمكِنُنا أنْ نَجِدَه في مِثلِ هذه العَلاقة. فبالرَّغمِ مِنَ اللَّعنةِ والتَّشويشِ والفَوضى الَّتي يُحْدِثُها الجَسَدُ في الدَّاخِلِ، والتي يُحدِثُها العالَمُ في الخارِج، وبالرَّغمِ مِن كُلِّ ما يَحدُثُ في هذه الأيَّامِ الأخيرةِ إذْ إنَّ المَحبَّةَ العائليَّةَ الطَّبيعيَّةَ والمألوفة تَختفي شيئًا فشيئًا، وفي بعضِ الأحوالِ تَموتُ وتَزول، وبالرَّغمِ مِن أنَّ الرِّجالَ يُحِبُّونَ أنفُسَهُم فقط، ما يَزالُ باستطاعةِ الزَّواجِ أن يكونَ (بقوَّةِ الحياةِ الجَديدةِ وسُكنَى الرُّوحِ) نِعمةَ الحياةِ. وباستطاعةِ وَريثا تلكَ النِّعمةِ أن يَشتركا في غِناه معًا بسببِ ما فَعلتَهُ فينا مِن خلالِ نِعمَتِك. اعمَل هذا العَملَ في كُلِّ حياةٍ، يا رَبّ، حَتَّى تكونَ زيجاتُنا وبيوتُنا مَصدَرًا لا يَنْضُبُ مِنَ الفَرَحِ والرِّضا، ولكي يَتَمَكَّنَ الجيلُ الآخرُ الَّذي يَرى ذلكَ مِنْ أن يَنشأَ على نَفسِ الأفراحِ مِن خلالِ السُّلوكِ في نَفسِ دَربِ الطَّاعة. نحنُ نُكَرِّسُ أنفُسَنا مِن جديد لكَ بِصِفَتِنا أزواجًا وزوجاتٍ لِنَكونَ مُطيعينَ بِقَدْرِ مَا تُعطينا القُدرةَ على ذلك. في اسْمِ المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
