Grace to You Resources
Grace to You - Resource

سِفْر إشَعْياء والأصحاح 40. فيما نُهَيِّئ قُلوبَنا لِجَعْلِ مَوسِمِ عيدِ الميلادِ المَجيدِ هَذا هَادِفًا قدرَ الإمكان، أريدُ أن نُرَكِّزَ على هذهِ العِبارة المُحَدَّدةِ الَّتي وَرَدَت في العَددِ الخامِس: "فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ". والآن، إن كُنتُم تَعرفونَني ولو قَليلاً، لا بُدَّ أنَّكُم تَعلمونَ أنَّ مَجدَ اللهِ ومَجدَ الرَّبِّ هو فِكرة مُهمَّة جدًّا ومُلِحَّة جدًّا في خِدمتي التَّعليميَّةِ الشَّخصيَّة. فأنا أتحدَّثُ عن ذلكَ في أغلبِ الأوقات لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ عن ذلكَ في أغلبِ الأوقات. وقد تَظُنُّونَ أنَّنا رُبَّما نُقْحِمُ هذهِ الفِكرةَ المَحبوبةَ جدًّا جدًّا في مَسألةِ عيدِ الميلادِ المَجيد؛ ولكنَّ الأمرَ ليسَ كذلكَ البَتَّة لأنَّ كلامَ إشعياءَ في الأصحاحِ الأربعين والعَددِ الخامِس: "فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ" هو في الحقيقة قِصَّةُ عيدِ الميلادِ المَجيد. وَهُوَ رسالةُ عيدِ الميلادِ المَجيد. فقد كانَ ميلادُ المسيحِ إعلانَ مَجدِ الرَّبِّ؛ تَمامًا كما وَعَدَ إشعياء.

إنَّ فِكرةَ مَجدِ الرَّبِّ بِمُجمَلِها تُحيطُ بمَشهدِ عيدِ الميلادِ المَجيد. فعندَ ولادةِ المسيح، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ المَلائكةَ طَلَبوا مِثلَ هذا التَّركيزِ إذْ إنَّهُم سَبَّحوا اللهَ قائِلين: "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي". وفي إنجيل لوقا 2: 9، نَقرأُ أنَّ الرُّعاةَ، عندما التَقَوْا المَلاكَ، أَدركوا حَالاًّ أنَّ "مَجْدَ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا". لِذا فقد كانَ مَجدُ الرَّبِّ هو مِحْوَرُ تَركيزِ المَلائكةِ عندَ وِلادةِ المسيح. وكانَ مَجدُ الرَّبِّ الهَالَةَ الَّتي طَغَتْ على المَشهَد. فهو ليسَ شَيئًا دَخيلاً على قِصَّةِ الميلاد، بل إنَّهُ قِصَّةُ الميلاد.

والآن، انظروا معي قليلاً إلى الأصحاحِ الأربَعين مِن سِفْر إشعياء. واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم خَلفيَّةً مُوجَزَةً لكي تَعرفوا أهميَّةَ هذهِ الكلمات. يُقسَمُ سِفْرُ إشعياء إلى ثلاثةِ أقسام. فالأصحاحاتُ الخَمسةُ والثَّلاثونَ الأولى هي أصحاحاتٌ تَتحدَّثُ عنِ القَضاءِ والدَّينونةٍ القاتِمَة، وأصحاحاتٌ يَقولُ فيها اللهُ كَلماتٍ تُعَبِّرُ عنِ الغَضَب، والنَّقمة، والدَّينونة، والقَضاء؛ لا فقط على شَعبِهِ إسرائيل، بل على الأُمَمِ الأخرى أيضًا. وبينَ الحينِ والآخر، نَجِدُ أنَّ السَّوادَ والظَّلامَ يَتَخَلَّلُهُما نُورُ رَحْمَةٍ وشُعاعُ نِعمةٍ إذْ إنَّ دَينونةَ اللهِ تُلَطَّف دائمًا بواسِطَة مَحبَّتِه. ولكنَّ الأصحاحاتِ الخمسة والثَّلاثين الأولى هي بصورةٍ رئيسيَّةٍ عنِ الدَّينونة.

أمَّا القِسمُ الثَّاني فيَبتدِئُ بالأصحاح 36 ويَنتهي بنهايةِ الأصحاح 39. وذلكَ القِسمُ الصَّغيرُ في الوسط هو في الحقيقةِ قَلبُ النُّبوَّة. وهو الخلفيَّةُ التَّاريخيَّةُ في إسرائيلَ الَّتي تُبَيِّنُ رسالةَ السِّفْر. وفي هذهِ الأصحاحاتِ، يَصِفُ النَّبيُّ الوَضعَ وما كانَ يَحدُثُ في زَمانِه، ويُبيِّنُ السَّببَ الَّذي جَعَلَ اللهَ يَأتي بالدَّينونة. لِذا، معَ أنَّها أصحاحاتٌ مُختلفة نَوعًا ما لأنَّها تَاريخيَّة، فإنَّها تُلائمُ فِكرةَ الأصحاحاتِ الخمسة والثَّلاثين الأولى. ويُمكنُنا القولُ إنَّ الأصحاحات التِّسعة والثَّلاثين الأولى تَتحدَّثُ عنِ الدَّينونةِ في سِفْر إشعياء. ولكنَّ الأمرَ لا يَنتهي هُنا. ونحنُ نَشكُرُ اللهَ لأنَّ الأمرَ لم يَنتهِ هُناك. فبالنِّسبةِ إلى شَعبِ اللهِ، كانَ هُناكَ يَومٌ آخر سَيأتي. والأصحاحاتُ مِن 40 إلى 66 تَتحدَّثُ عن ذلك.

فهذا هو القِسمُ الَّذي يَتحدَّثُ عنِ الخَلاص. وفي ذلكَ القِسمِ نَقرأُ عنِ المَسيَّا، العَبدِ المُتألِّم في سِفْر إشعياء والأصحاح 53. انظروا كيفَ يَبتدئُ القِسْمُ في العَددِ الأوَّل مِنَ الأصحاح 40. فبعدَ تِسعةٍ وثلاثينَ أصحاحًا تَتحدَّثُ عَنِ الدَّينونة، تَقرأونَ الكلماتِ التَّالية: "عَزُّوا، عَزُّوا شَعْبِي، يَقُولُ إِلهُكُمْ. طَيِّبُوا قَلْبَ أُورُشَلِيمَ وَنَادُوهَا بِأَنَّ جِهَادَهَا قَدْ كَمُلَ، أَنَّ إِثْمَهَا قَدْ عُفِيَ عَنْهُ، أَنَّهَا قَدْ قَبِلَتْ مِنْ يَدِ الرَّبِّ ضِعْفَيْنِ عَنْ كُلِّ خَطَايَاهَا". إنَّها رِسالةُ تَعزية تَقولُ إنَّ الخَلاصَ سيَأتي، وإنَّ الإثمَ سيُصْفَحُ عنه، وإنَّ التَّأديبَ قدِ انتَهى. إنَّها رِسالةُ رَجاء. وهي رِسالةُ مَجد. وهذا هُوَ بُزوغُ فَجْرِ يَومٍ جَديد. وهذا هو النُّورُ في نِهايةِ النَّفَق، ونَجْمُ الصَّباحِ الَّذي يُشيرُ إلى نِهايةِ ظُلمةِ اللَّيل. فالخلاصُ آتٍ.

بعدَ أن رأينا تلكَ الفِكرة، نُتابعُ قراءةَ ما جاءَ في العَددِ الثَّالثِ إذْ إنَّ النَّبيَّ يَصْحَبُنا إلى الوقتِ الَّذي بَزَغَ فيهِ فَجْرُ ذلكَ اليوم الجديد. وهو يَبتدئُ بالقول: "صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا". وعندما تَأتونَ إلى العهدِ الجديد وتَقرأونَ الأصحاحَ الثَّالثَ مِن إنجيل مَتَّى والعَدد الثَّالث، تَجِدونَ أنَّها نُبوءة تَمَّمَها يُوحنَّا المَعمَدان. فالعَزاءُ، والصَّفْحُ، والخَلاصُ، وبُزوغُ فَجرٍ جَديد سيُعلَنُ على فَمِ هذا الرَّجُلِ الَّذي يَصرُخُ في البَرِّيَّةِ؛ أيْ: يُوحَنَّا المَعمَدان.

وقد كانَ يُهَيِّئُ طَريقًا لا بالمَعنى المَاديِّ، بل طَريقًا إلى قُلوبِ البشر، ومَدخَلاً إلى قُلوبِ البَشَر. "كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً". فقد كانَ يُقَوِّمُ الأشياءَ في حَياةِ النَّاسِ وقُلوبِهم استعدادًا لمَجيءِ مُخَلِّصِهم. فقد كانت هذهِ هي خِدمتُه. وقد فَعلَ تلكَ الأشياءَ مِن خِلالِ الكِرازَةِ بالتَّوبة، والاعترافِ بالخطيَّة، والمَعموديَّةِ الَّتي تَرمِزُ إلى تَطْهيرِ القلب. لِذا فقد جاءَ يُوحَنَّا المَعمَدانَ مُعلِنًا عن مَجيءِ الخَلاص.

ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الخامسِ، بعدَ الإشارةِ إلى يُوحَنَّا المَعمَدان: "فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ". وفي النِّهاية، أيْ في الوَمْضَةِ الأخيرةِ مِنَ المَجد: "وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا". وهذا صَحيحٌ "لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ". ونَقرأُ في العَددِ الثَّامن: "يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ. وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَد". فإن قالَ اللهُ ذلكَ فإنَّ الأمرَ مَحْسوم. فهناكَ يَومُ خَلاص. وسوفَ يُمَهِّدُ يُوحَنَّا المَعمدانُ لَهُ. فسوفَ يُهَيِّئُ قُلوبَ النَّاسِ، ويُمهِّدُ الأماكِنَ المُرتفعة؛ ثُمَّ إنَّ مَجدَ الرَّبِّ سيُعلَن. ثُمَّ إنَّ النَّبيَّ يَنتقلُ [دُونَ أن يَرى عَصْرَ الكنيسةِ] إلى مِلْءِ مَجْدِ المَلكوتِ البَهيِّ عندما يَراهُ كُلُّ بَشَرٍ جَميعًا.

ولكِن دَعونا نُرَكِّز، إنْ أَمكَن، على ذلكَ الجُزءِ الأوَّل مِنَ العَددِ الخامِس: "فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ". فما مَعنى ذلك؟ وما هُوَ هذا الاسم؟ وما هو هذا اللَّقَب؟ وما هي هذهِ الفِكرة؟ وما هُوَ الحَقُّ الكَامِنُ في رسالةِ رُوحِ اللهِ هُنا؟ اسمَحوا لي أن أقولَ لكُم ما يَلي ببساطَة في البداية: إنَّ مَجْدَ الرَّبِّ هُوَ التَّعبيرُ عن شَخصِ اللهِ. فهو أيُّ استِعلانٍ لشخصٍ اللهِ. فأيُّ استِعلانٍ لصِفاتِهِ في العَالَمِ، وفي الكَونِ، هُوَ مَجدُه. بعبارة أخرى: إنَّ العَلاقةَ بينَ المَجدِ واللهِ هي كالعَلاقةُ بينَ النُّورِ والشَّمس. والعَلاقةُ بينَ المجدِ واللهِ هي كالعَلاقةِ بينَ البَلَلِ والمَاء. والعَلاقَةُ بينَ المَجدِ واللهِ هي كالعَلاقةِ بينَ الحَرارةِ والنَّار. بعبارة أخرى، إنَّهُ الانبثاقُ، أوِ اللَّمَعانُ، أوِ السُّطوعُ، أوِ البَهاءُ النَّاجِمُ عن حُضورِه. فهو الإعلانُ عن نَفسِه. ففي كُلِّ مَرَّةٍ يُعلِنُ فيها اللهُ نَفسَهُ فإنَّهُ يُعلِنُ مَجدَهُ. فهو يُشيرُ حقًّا إلى حُضورِه.

والآن، نحنُ نَعرفُ أنَّ كُلَّ شيءٍ مَوجودٍ في الكَون يُعلِنُ مَجدَ الله لأنَّ كُلَّ الأشياءِ خُلِقَتْ مِنْ قِبَلِه. لِذا فإنَّ كُلَّ شيءٍ مَوجود ناجِمٌ إلى حَدٍّ مَا عن طَبيعتِه ويُعلِنُ شَخصَهُ. فالسَّماءُ تُحَدِّثُ بمجدِ اللهِ. ووُحوشُ الحَقْلِ تُمَجِّدُهُ. وكُلُّ شيءٍ صَنَعَهُ يَومًا يُعلِنُ طَبيعَتَهُ. وكُلُّ شيءٍ فَعَلَهُ يَومًا يُشيرُ إلى جَوهَرِهِ. لِذا فإنَّ كُلَّ الأشياءِ المَخلوقةِ، وكُلَّ الأشياءِ المَوجودةِ هي إعلاناتٌ لمَجدِ الله. فهي تُعلِنُ شَخصَهُ. فيُمكنكم أن تَرَوْا مَجدَهُ في أصغرِ زَهرة. ويُمكنكم أن تَرَوْا مَجدَهُ في فَراشَة. ويُمكنكم أن تَرَوْا مَجدَهُ في شَجرة. ويُمكنكم أن تَرَوْا مَجدَهُ في السَّماء. ويُمكنكم أن تَرَوْا مَجدَهُ في كُلِّ شيء. فكُلُّ الأشياءِ تُشيرُ إلى طَبيعتِه.

والآن، لقد رأى مُوسَى كُلَّ ذلك وأرادَ المَزيد. ففي سِفْر الخُروج 33 قالَ لله: "أَرِنِي مَجْدَكَ". وهذا لا يَعني أنَّهُ لم يَرَ أيًّا مِنهُ، ولكنَّهُ أرادَ أن يَرى المَزيد. وقد قالَ اللهُ لَهُ: "لا يَراني الإنسانُ ويَعيش. لا يُمكنُني أن أُريكَ كُلَّ مَجدي لأنَّكَ ستَموت، ولكنِّي سأسمَحُ لكَ بأن تَرى جُزءًا صَغيرًا جدًّا مِن مَجدي بعدَ اجتيازي". وقد وَضَعَهُ اللهُ في نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ وأراهُ جُزءًا صَغيرًا مِن مَجدِه. لِذا، هُناكَ أوقاتٌ أعلَنَ اللهُ فيها مَجْدَهُ بصورةٍ تَفوقُ الإعلانَ العامَّ لخليقتِه، وتَفوقُ إعلانَهُ عن مَجدِهِ في الطَّبيعة إذْ إنَّهُ أعطَى إعلاناتٍ خاصَّةً جدًّا عن مَجدِه مِثلَما حَدثَ في ذلكَ اليومِ عندما وَضَعَ مُوسَى في نُقْرةٍ مِنَ الصَّخرة، ومِثلما حَدثَ بعدَ ذلكَ عندما أعلنَ مَجدَهُ للنَّاسِ عندما نَزَلَ مُوسَى مِنَ الجبلِ وكانَ مَجدُ اللهِ يُشِعُّ مِن وَجهِه.

فقد أعطَى اللهُ إعلاناتٍ خاصَّةً عن مَجدِه. ففي الجَنَّةِ مَثلاً، كانَ آدمُ وحَوَّاءُ يَمشيانِ ويَتحدَّثانِ معَ اللهِ عندَ هُبوبِ رِيْحِ النَّهار. وكانَ حُضورُهُ هُناكَ في عَمودِ النَّارِ المُنيرِ هُناكَ فَرأوا مَجدَهُ. وفي سِفْر اللاَّويِّين 9: 6، قالَ مُوسَى للشَّعب إنَّ مَجدَ الرَّبِّ سيَظهَرُ لَهُم. وهذا هو ما حَدَث. وعندما كانوا في البَريَّة [في سِفْر الخُروج والأصحاح 16]، كانَ اللهُ يُطْعِمُهم المَنَّ. وعندما كانَ المَنُّ يَنْزِلُ ويُطْعِمُهم، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ مَجدَ اللهِ كانَ مَنظورًا.

وعلى جَبَلِ سِيناء، عندما صَعِدَ مُوسَى ليَتكلَّمَ معَ اللهِ، غَطَّى مَجدُ اللهِ الجبلَ ومُوسَى لِئلاَّ يَرى النَّاسُ أيًّا مِنهُما (سِفْر الخروج 24: 15). ونَجِدُ ذلكَ في سِفْر الخُروج والأصحاح 40 عندَ اكتمالِ خَيمةِ الاجتماع إذْ إنَّ مَجدَ الرَّبِّ مَلأَ خَيمةَ الاجتماع. ويُمكنُنا أن نَرى ذلكَ في سِفْر اللاَّويِّين والأصحاحِ التَّاسِعِ عندما تَمَّ تأسيسُ الكَهَنوتِ وتَعريفُ الخِدمةِ الكَهَنوتيَّةِ وفَرْزِها لله. فعندَ تأسيسِ الكَهَنوتِ آنذاكَ، ظَهَرَ مَجدُ الله. وفي سِفْر العَدد 14: 10، عندما وَصَلَ الشَّعبُ إلى قَادَش بَرْنيع، عِوَضًا عن أن يَدخُلوا الأرضَ بالإيمان، ابتدأوا في التَّذمُّرِ والشَّكوى والتَّمرُّد. والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّ مَجدَ الرَّبِّ ظَهَر.

وفي وقتٍ لاحقٍ، بعدَ أن أَسَّسَ اللهُ الكَهَنوت، كانَ هُناكَ ثَلاثة رِجال (هُم قُورَح، وداثان، وأبيرام) قَرَّروا أن يُمارِسوا المَهامَّ الكَهَنوتيَّة بأنفسِهم. لِذا فقد دَنَّسوا ذلكَ المَنصِبَ المُقدَّسَ فَانشَقَّتِ الأرضُ وابتَلَعَتهُم (بحسبِ ما جاءَ في الأصحاحِ السَّادس عشر مِن سِفْر العَدَد). ونَقرأُ في العَدد 19 أنَّ مَجدَ اللهِ ظَهَر. وفي مَقطعٍ لاحِقٍ مِن نَفسِ الأصحاحِ، عندما تَمَرَّدَ الشَّعبُ على مُوسَى وهارون، ظَهَرَ مَجدُ الله. ونَقرأُ أنَّهُ أَوْشَكَ أن يَلتَهِمَهُم في لَحظة. وفي أثناءِ تِيْهِهِم في البَريَّةِ، بِحَسَبِ مَا جاءَ في الأصحاحِ العِشرين مِن سِفْر العَدد، عَطِشُوا في مَريبَة. وعندما عَطِشوا جدًّا سَقَطَ مُوسَى وهَارونُ على وَجْهِهِما أمامَ الرَّبِّ وصَلُّوا لأجلِهم. فَتَراءى لَهُما مَجدُ الرَّبِّ.

وفي سِفْر المُلوكِ الأوَّل 8: 11، نَقرأُ أنَّهُ عندما أَكْمَلوا بِناءَ الهَيكلِ ظَهَرَ مَجدُ الرَّبِّ ومَلأَهُ. وعندما قَدَّموا أوَّلَ تَقدِمَة في سفرِ أخبارِ الأيَّامِ الثَّاني 7: 1، ظَهرَ مَجدُ الرَّبِّ فَسَجَدَ الجَميعُ لَهُ وعَبدوه. لِذا، يُمكنكم أن تَرَوْا أنَّ اللهَ لم يُعلِن مَجدَهُ فقط في الخَليقة، بل أَعلنَ مَجدَهُ بطَرائقَ خاصَّة جدًّا في سَحابةِ المَجد. والآن، أنا أُوكِّدُ لكم أنَّني وَجدتُ عندما قَرأتُ هذهِ الأشياءِ مِرارًا وتَكرارًا أنَّ كُلَّ ظُهوراتِ مَجدِ اللهِ كانت تَحوي عُنصرًا مِنَ الغُموض. فبِصَرْفِ النَّظرِ عن عَددِ المَرَّاتِ الَّتي تَقرأُونَها فيها، وبِصَرْفِ النَّظرِ عن عددِ المَرَّاتِ الَّتي تُفَكِّرونَ فيها في ذلك، فإنَّ مَجْدَ اللهِ مَقرونٌ دائمًا بقَدْرٍ مِنَ الغُموضِ العَجيب: سَحابَة، عَمودُ نَار، نُورٌ سَاطِع. لِذا، مِنَ الصَّعبِ جدًّا علينا أن نَفهمَ كيفَ كانَ الأمر.

وهُناكَ مَوضِعٌ واحدٌ فقط في العهدِ القديم نَجِدُ فيهِ وَصفًا لذلك وَهُوَ في الأصحاحِ الأوَّل مِن سِفْر حِزْقيال. أَلاَ نَظرتُم مَعي قَليلاً إلى ذلك؟ سِفْر حِزْقيال والأصحاح الأوَّل. فحِزْقيالُ يُقَدِّمُ لنا بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ الوَصفَ الوَحيدَ لسَحابةِ المَجد. ولإعطائِكُم فِكرةً وَحَسْب عَمَّا يَقولُهُ، اسمَحوا لي أن أقرأَ هذا النَّصَّ على مَسامِعِكُم. اسمَعوا وحَسْب. سِفْر حِزْقيال 1: 4: "فَنَظَرْتُ وَإِذَا بِرِيحٍ عَاصِفَةٍ جَاءَتْ مِنَ الشِّمَالِ. سَحَابَةٌ عَظِيمَةٌ وَنَارٌ مُتَوَاصِلَةٌ وَحَوْلَهَا لَمَعَانٌ، وَمِنْ وَسْطِهَا كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ اللاَّمِعِ مِنْ وَسْطِ النَّارِ. وَمِنْ وَسْطِهَا شِبْهُ أَرْبَعَةِ حَيَوَانَاتٍ. وَهذَا مَنْظَرُهَا: لَهَا شِبْهُ إِنْسَانٍ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ". وبالمُناسبة، أعتقدُ أنَّ هذا الوَصفَ يُشيرُ إلى أنَّهُ كانَ هُناكَ حُضورٌ مَلائكيٌّ يُرافِقُ سَحابَة المَجد.

"وَأَرْجُلُهَا أَرْجُلٌ قَائِمَةٌ، وَأَقْدَامُ أَرْجُلِهَا كَقَدَمِ رِجْلِ الْعِجْلِ، وَبَارِقَةٌ كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ الْمَصْقُولِ. وَأَيْدِي إِنْسَانٍ تَحْتَ أَجْنِحَتِهَا عَلَى جَوَانِبِهَا الأَرْبَعَةِ. وَوُجُوهُهَا وَأَجْنِحَتُهَا لِجَوَانِبِهَا الأَرْبَعَةِ. وَأَجْنِحَتُهَا مُتَّصِلَةٌ الْوَاحِدُ بِأَخِيهِ. لَمْ تَدُرْ عِنْدَ سَيْرِهَا. كُلُّ وَاحِدٍ يَسِيرُ إِلَى جِهَةِ وَجْهِهِ. أَمَّا شِبْهُ وُجُوهِهَا فَوَجْهُ إِنْسَانٍ وَوَجْهُ أَسَدٍ لِلْيَمِينِ لأَرْبَعَتِهَا، وَوَجْهُ ثَوْرٍ مِنَ الشِّمَالِ لأَرْبَعَتِهَا، وَوَجْهُ نَسْرٍ لأَرْبَعَتِهَا".

فَهذِهِ أَوْجُهُهَا. أَمَّا أَجْنِحَتُهَا فَمَبْسُوطَةٌ مِنْ فَوْقُ. لِكُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ مُتَّصِلاَنِ أَحَدُهُمَا بِأَخِيهِ، وَاثْنَانِ يُغَطِّيَانِ أَجْسَامَهَا. وَكُلُّ وَاحِدٍ كَانَ يَسِيرُ إِلَى جِهَةِ وَجْهِهِ. إِلَى حَيْثُ تَكُونُ الرُّوحُ لِتَسِيرَ تَسِيرُ. لَمْ تَدُرْ عِنْدَ سَيْرِهَا. أَمَّا شِبْهُ الْحَيَوَانَاتِ فَمَنْظَرُهَا كَجَمْرِ نَارٍ مُتَّقِدَةٍ، كَمَنْظَرِ مَصَابِيحَ هِيَ سَالِكَةٌ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ. وَلِلنَّارِ لَمَعَانٌ، وَمِنَ النَّارِ كَانَ يَخْرُجُ بَرْقٌ. الْحَيَوَانَاتُ رَاكِضَةٌ وَرَاجِعَةٌ كَمَنْظَرِ الْبَرْقِ". هل فَهِمتُم ذلك؟ هل هُوَ واضِح؟ سوفَ أقرأُ المَزيد:

"فَنَظَرْتُ الْحَيَوَانَاتِ وَإِذَا بَكَرَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الأَرْضِ بِجَانِبِ الْحَيَوَانَاتِ بِأَوْجُهِهَا الأَرْبَعَةِ. مَنْظَرُ الْبَكَرَاتِ وَصَنْعَتُهَا كَمَنْظَرِ الزَّبَرْجَدِ [وَهُوَ حَجَرٌ كَريم]. وَلِلأَرْبَعِ شَكْلٌ وَاحِدٌ، وَمَنْظَرُهَا وَصَنْعَتُهَا كَأَنَّهَا كَانَتْ بَكَرَةً وَسْطِ بَكَرَةٍ. لَمَّا سَارَتْ، سَارَتْ عَلَى جَوَانِبِهَا الأَرْبَعَةِ. لَمْ تَدُرْ عِنْدَ سَيْرِهَا. أَمَّا أُطُرُهَا فَعَالِيَةٌ وَمُخِيفَةٌ. وَأُطُرُهَا مَلآنَةٌ عُيُونًا حَوَالَيْهَا لِلأَرْبَعِ. فَإِذَا سَارَتِ الْحَيَوَانَاتُ، سَارَتِ الْبَكَرَاتُ بِجَانِبِهَا، وَإِذَا ارْتَفَعَتِ الْحَيَوَانَاتُ عَنِ الأَرْضِ ارْتَفَعَتِ الْبَكَرَاتُ. إِلَى حَيْثُ تَكُونُ الرُّوحُ لِتَسِيرَ يَسِيرُونَ، إِلَى حَيْثُ الرُّوحُ لِتَسِيرَ وَالْبَكَرَاتُ تَرْتَفِعُ مَعَهَا، لأَنَّ رُوحَ الْحَيَوَانَاتِ كَانَتْ فِي الْبَكَرَاتِ.

بِصراحَة يا أحبَّائي، إنَّ الأمرَ لا يَتَحَسَّن، بل إنَّهُ يَستمرُّ هَكذا، ويَستمرُّ ويَستمرّ. ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 26: "وَفَوْقَ الْمُقَبَّبِ الَّذِي عَلَى رُؤُوسِهَا شِبْهُ عَرْشٍ كَمَنْظَرِ حَجَرِ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ، وَعَلَى شِبْهِ الْعَرْشِ شِبْهٌ كَمَنْظَرِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقُ. وَرَأَيْتُ مِثْلَ مَنْظَرِ النُّحَاسِ اللاَّمِعِ كَمَنْظَرِ نَارٍ دَاخِلَهُ مِنْ حَوْلِهِ، مِنْ مَنْظَرِ حَقْوَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَمِنْ مَنْظَرِ حَقْوَيْهِ إِلَى تَحْتُ، رَأَيْتُ مِثْلَ مَنْظَرِ نَارٍ وَلَهَا لَمَعَانٌ مِنْ حَوْلِهَا. كَمَنْظَرِ الْقَوْسِ الَّتِي فِي السَّحَابِ يَوْمَ مَطَرٍ، هكَذَا مَنْظَرُ اللَّمَعَانِ مِنْ حَوْلِهِ". تَوقَّفوا هُنا.

قد تَقول: "عَلى رِسْلِكَ يا ماك آرثر! مَهلاً! لقد فَقَدْتُ تَركيزي منذُ وقتٍ طَويل!" اسمَعوني: إنَّ النَّاسَ يَسألونِي مُنذُ سَنوات: "ما مَعنى هذا كُلّه؟" وأنا أقولُ لكم ببساطَةٍ مُتناهية: ليست لَديَّ أَدنى فِكرة. وأعتقدُ أنَّ هذا هو المَغزى. فقد بَذَلَ حِزْقيالُ حَقًّا أقصَى جُهدٍ لديه؛ ولكنَّهُ كانَ يُحاولُ أن يَصِفَ شيئًا لا يُوصَف. فقد كانَ يُحاولُ [كما قالَ أحَدُهم] أن يَحُلَّ شَيئًا عَويصًا لا حَلَّ لَهُ. وكانَ يُحاولُ أن يَقولَ لنا شَيئًا يَستحيلُ تَوصيلُه. فقد رأى مَجدَ الرَّبِّ. هذا هو ما يَقولُهُ في العَدد 28 في مُنتصفِ الآية: "هذَا مَنْظَرُ شِبْهِ مَجْدِ الرَّبِّ". بِعبارة أخرى: "لقد قَدَّمْتُ لكم أفضلَ وَصْفٍ لديَّ؛ ولكنِّي لا أستطيعُ أن أُقَدِّمَ المَزيد. فالأمرُ غَامِضٌ جدًّا، ويَفوقُ استيعابي!". ولكنَّهُ بَذَلَ أقصَى جُهدٍ لَديه. وقد رأى مَجدَ الرَّبِّ لاحقًا في الأصحاحِ الثَّالث. وقد رأى مَجدَ الرَّبِّ لاحقًا في الأصحاحِ الثَّامن، وفي الأصحاحِ التَّاسع، وفي الأصحاحِ العاشِر. فقد رآهُ ورآهُ ورآهُ؛ ولكنَّهُ بَقِيَ لُغْزًا مُستعصِيًا.

هُوَذا يأتي يَومٌ [كَما يَقولُ النبيُّ حَبَقُّوقُ] تَمتلئُ الأَرْضُ فيهِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَجْدِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ". ولكن إلى أن يَأتي ذلكَ اليَومُ الَّذي ستَنتشرُ فيهِ المَعرفةُ الكاملةُ، سنَستمرُّ في التَّعامُلِ مَعَ فَهْمِنا المَحدود. فنحنُ لا نَفهمُ حَقًّا. وقد وُفِّقَ حِزْقيال حينًا ولم يُوَفَّق حِينًا آخرَ في وَصْفِ ذلك. وكُلَّما تَوَغَّلَ في الوَصفِ زادَ تَعقيدُ الأمر. ولكنَّ الخَليقةَ تُعلِنُ مَجدَ الله. وسَحابةُ المَجدِ [أيْ تلكَ الظُّهورات الخاصَّة جدًّا للمَجد] كانت تُعلِنُ مَجدَهُ. ولكن بالرُّغمِ مِن ذلكَ، هُناكَ سِرٌّ... هُناكَ سِرٌّ. فلو أنَّ كُلَّ ما حَصَلْنا عليهِ هو هذا لكانَ فَهْمُنا لمَجدِ اللهِ مُشَوَّشًا جدًّا. ولكنَّ اللهَ يُريدُ مِنَّا أن نَعرِفَهُ، ويُريدُ مِنَّا أن نَفهَمَهُ، ويُريدُ مِنَّا أن نَفهمَ إعلانَهُ عن ذاتِهِ. ولكن كيفَ يُمكنُنا أن نَعرفَهُ إن كانَ هذا هو كُلُّ ما لَدينا؟

وكَم نَشكُرُ اللهَ لأنَّ إشعياءَ جَاءَ وقال إنَّ مَجْدَ الرَّبِّ [ماذا؟] سَيُعلَن. فسوفَ يأتي إعلانٌ أعظَم وأكمَل. والآن، دَعونَا نَرى كيفَ يَتحدَّثُ العهدُ الجديدُ عن تَحقيقِ ذلك. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الأوَّل... والحقيقةُ هي أنَّ الأصحاحَ الأوَّلَ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ هُوَ نَصٌّ آخر يَتحدَّث عنِ القصَّةِ الحقيقيَّةِ لعيدِ الميلادِ المَجيد - القصَّةِ الحقيقيَّةِ لعيدِ الميلادِ المَجيد. نَقرأُ في العَددِ الأوَّل مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ والأصحاحِ الأوَّل: "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ". يُمكنكُم أن تَتَوقَّفوا هُنا. "اللهُ كَلَّمَ" – هذانِ هُما الفاعِلُ والفِعل. اللهُ كَلَّمَ. فهذا هو إعلانُ اللهِ. وقد فَعلَ ذلكَ "في أوقاتٍ مُختلفةٍ وطُرُقٍ كَثيرة". فهذا هو مَعنى هَاتينِ العِبارَتَيْن. ففي أوقاتٍ مُختلفةٍ وطُرُقٍ مُختلفةٍ، أَعلنَ اللهُ ذاتَهُ. وقد كَلَّمَ اللهُ بصورةٍ رَئيسيَّةٍ... والآن لاحِظوا هذا: الآباءَ؛ أيِ الآباءَ الأوائلَ لبني إسرائيل، أو للرِّجالِ الأتقياءِ في المَاضي. وقد كَلَّمَهُم "بالأنبياء".

والآن، فَكِّروا مَعي: لنَربِط معًا كُلَّ ما تَعَلَّمناهُ حَتَّى الآن. فاللهُ لم يَبْقَ صَامِتًا. واللهُ لم يَبْقَ غيرَ مَنظورٍ. واللهُ لم يَترُك نَفسَهُ مَحجوبًا بينَ السُّحُبِ الدَّاكِنَة، بل إنَّهُ أَضاءَ نُورَ المَجد. فقد أَضاءَ نُورَ المَجدِ في الخَليقة. ثُمَّ إنَّهُ أَضاءَ نُورَ المَجدِ في سَحابةِ المَجدِ مِن خلالِ تلكَ الطُّرُقِ الخاصَّةِ جدًّا الَّتي اقْتَحَمَ فيها حَياةَ شَعبِ العهدِ القديم.

ولكنَّ الشَّيءَ الأكثرَ إدهاشًا وَحَسْمًا وعَوْنًا هو أنَّهُ أعلَنَ عن نَفسِهِ خَارِجَ نِطاقِ خَليقَتِهِ، وخَارِجَ نِطاقِ سَحابَةِ المَجدِ في كلمةِ اللهِ المُعلَنة للأنبياء. لِذا فإنَّ أعظمَ إعلانٍ في الأزمنةِ القديمةِ هو ليسَ رُؤية سَحابة المَجد، ولا استيعابَ الخَليقة؛ بل هُوَ فَهْمُ العهدِ القديمِ لأنَّ هذه هي الكلمةُ الَّتي تَكَلَّمَ بها الأنبياء. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر عَاموس 3: 7: "إِنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ لاَ يَصْنَعُ أَمْرًا إِلاَّ وَهُوَ يُعْلِنُ سِرَّهُ لِعَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءِ". فقد أعلنَ عن ذاتِهِ مِن خلالِ الأنبياءِ في أسفارِ العهدِ القديم.

والآن اسمَعوني: إنَّ الخَليقةَ وسَحابةَ المَجدِ مَحدودان. والكلمةُ المَكتوبةُ تُعطي مُحتوىً للخَليقة، وتُعطي مُحتوىً لسحابةِ المَجد. ويُمكنُنا أن نَستعيرَ هُنا كَلماتِ أيُّوب. فعندما تَأمَّلَ أيُّوبُ في اللهِ الَّذي أَعلنَ عن ذاتِهِ في الخليقةِ قالَ في سِفْر أيُّوب 26: 14: "هَا هذِهِ أَطْرَافُ طُرُقِهِ، وَمَا أَخْفَضَ الْكَلاَمَ الَّذِي نَسْمَعُهُ مِنْهُ". وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ اللهَ يَهْمِسُ وَحَسْب في خَليقتِه. واللهُ يَهْمِسُ وَحَسْب في سَحابةِ مَجدِه. ولكنَّهُ يَتكلَّمُ في كَلمتِه. وفي العهدِ القديمِ [وَفقًا لِما جاءَ في العددِ الأوَّل]، تَكَلَّمَ اللهُ. فهو لم يَهمِس، بل تَكَلَّمَ بِمِلْءِ صَوتِهِ. ولكن هل تَعلَمونَ شَيئًا؟ حَتَّى كَلامَهُ ذاكَ كانَ مُمتلئًا بالغُموض. هل تَعلمونَ ذلك؟

لا أعتقدُ أنَّهُ كانَ يوجدُ في أزمنةِ العهدِ القديمِ رَجُلٌ تَقِيٌّ أكثرَ مِن دَانيال. فقد كانَ يَعرفُ حَقًّا مَعنى أن يُصَلِّي. وكانَ يَعرِفُ حَقًّا مَعنى أن يَتكلَّمَ معَ الله. وكانَ يَعرِفُ حَقًّا مَعنى أن يَحيا حَياةَ طَاعَة. وكانَ لديهِ حِسٌّ بالتَّاريخ. فقد عاشَ تِسعينَ سَنة ورأى اللهَ يَعمل في كُلِّ تلكَ السِّنين. وقد حَصَلَ على إعلاناتٍ مِنَ اللهِ لم يَحصُل عليها أيُّ شَخصٍ آخر. وقد رأى المُستقبلَ كما لم يَرَهُ أيُّ شخصٍ آخر في العهدِ القديم. فهو رَجُلٌ مُدهشٌ جدًّا. وفي ضَوْءِ كُلِّ ما حَصَلَ عليهِ مِن خلالِ عَلاقَتِهِ الشَّخصيَّةِ باللهِ، وفي ضَوْءِ كُلِّ ما حَصَلَ عليهِ مِن خلالِ الإعلانِ الإلهيِّ، في ضَوْءِ كُلِّ هذهِ العَوامِل، نَقرأُ في نِهايةِ سِفرِ دانيال [وتَحديدًا في الأصحاحِ الثَّاني عشر والعددِ الثامِن] أنَّهُ يَقولُ ما يَلي: "وَأَنَا سَمِعْتُ وَمَا فَهِمْتُ!". أنتَ لم تَفهم يا دَانيال؟ أنتَ لم تَفهَم؟ لا! وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ الحالَ هي هَكذا دائمًا.

فإن كانَ كُلُّ ما لَديكُم هو الخَليقة فإنَّ كُلَّ ما حَصَلْتُمْ عليهِ هُوَ هَمْس. وإن كانَ كُلُّ ما لَديكُم هو سَحابَةُ المَجدِ فإنَّ كُلَّ ما حَصَلتُم عَليهِ أيضًا هو هَمْس. وإن كانَ لَديكُم العهدُ القديمُ فقد سَمِعتُم اللهَ يَتكلَّم بِمِلْءِ الفَمِ؛ ولكن حتَّى في تلكَ الحالة، هُناكَ غُموض. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 1: 10-12 أنَّ أنبياءَ العهدِ القديمِ بَحَثوا في مَا كَتَبوهُ لِيَرَوْا مَنْ هُوَ الشَّخصُ أوْ مَا هُوَ الوقتُ الَّذي يُشيرُ إليهِ ذلك. ولكنَّ ذلكَ لم يُعلَن لَهُم [كَما يَقولُ بُطرس]، بل أُعلِنَ لَنا نَحن. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 11: 39 و 40 أنَّهُم لم يُكَمَّلوا بِدُونِنا. فالتَّكميلُ لم يَحدُث إلى أن يَجيءَ الشَّيءُ الأفضَل؛ أيِ العَهْد الجَديد. إذًا، بالرَّغمِ مِن كُلِّ الإعلانِ الَّذينَ كانَ مُتاحًا لَهُم، كانَ ما يَزالُ هُناكَ غُموض. فالمِلْءُ كانَ مَا يزالُ مَفقودًا. فَهُم لم يَحصُلوا على أَكملِ وأَصدقِ وأفضلِ صُورةٍ تُعَبِّرُ عنِ الله.

لقد سَاعَدَتْنا الخَليقةُ قَليلاً، وساعَدَتْنا سَحابَةُ المَجدِ قَليلاً، وساعَدَتْنا الكَلمةُ قَليلاً؛ ولكنَّ ذلكَ كُلَّهُ كانَ نَاقِصًا إلى أن نَقرأَ في العددِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الأوَّل: "كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَة". وكيفَ كَلَّمنا في هذهِ المَرَّة؟ "فِي [ماذا؟] ابْنِهِ". والآن، يُمْكِنُنا أن نَقولَ إنَّ اللهَ يَصْرُخُ هُنا. فإن كانَ يَهْمِسُ في سَحابَةِ المَجدِ، وإن كانَ يَتكلَّمُ في العهدِ القديمِ، فإنَّهُ كانَ يَصرُخُ عندما كَلَّمَنا في ابنِهِ. لِذا، لا يُمكِنُكم أن تُسيئوا فَهْمَ ذلك. ولا يُمكِنُكم أن تُخطِئوا فَهْمَ ذلك. فيَسوعُ هُوَ اللهُ، ويُمكِنُكم أن تَرَوْا كُلَّ إعلانِ اللهِ عن ذاتِهِ فيه: دَينونَتَهُ، وعَدالَتَهُ، ومَحبَّتَهُ، وحِكمَتَهُ، وقُدرَتَهُ، وعِلْمَهُ بكُلِّ شيء. فكُلُّ شيءٍ مُعْلَنٌ فيهِ عندما نُراقِبُهُ وَهُوَ يَمشي في العَالَمِ، ويَعمَلُ عَمَلَهُ، ويَعيش حَياتَهُ. فَمِلْءُ اللهِ يُرَى كما لم يُرَ مِن قَبل في يَسوعَ المَسيح.

لِذا فإنَّ الآيةَ 2 كورِنثوس 1: 20 تَقولُ جُملةً رائعةً يَنبغي أن تَحفظوها وأن تَضَعوا خَطًّا تَحتَها في كِتابِكُم المُقدَّس: "لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ اللهِ فَهُوَ فِيهِ [أيْ في المَسيحِ] «النَّعَمْ» وَفِيهِ «الآمِينُ»، لِمَجْدِ اللهِ". فكُلُّ شَيءٍ مِن مَجدِ اللهِ هُوَ "النَّعَم" وَ "الآمين" في المَسيح. فهو يَصيرُ ذلكَ الإعلانَ الكامِلَ عن مَجدِ الرب. انظروا قَليلاً إلى العددِ الثَّاني. فهو يَقول: "فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَة". مَا هي الأيَّامُ الأخيرة؟ إنَّها عِبارة تُشيرُ إلى الفترةِ المَسيحانيَّة. فالأيَّامُ الأخيرةُ ابتدأتْ عندما جاءَ الرَّبُّ يَسوع.

فهناكَ فَترة طَويلة مِنَ الأيَّامِ الأخيرة. ونحنُ ما زِلنا فيها بعدَ ألفيِّ سَنَة. وقد قالَ يوحنَّا: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ". والعهدُ الجديدُ يَقولُ إنَّهُ: "قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُور". وقدِ ابتدأتِ السَّاعةُ الأخيرة، أوِ انقضاءُ الدُّهور، أوِ الأيَّامُ الأخيرةُ عندما جاءَ المَسِيَّا. فقد كانتِ الأيَّامُ الأخيرةُ للإعلان، وَلِخَتْمِ قانونِ أسفارِ الكتابِ المقدَّس، أوِ العَهْد، أوِ اكتمالِ النَّصِّ آنذاك. وقد كانَتِ المَرَّةُ الأخيرةُ الَّتي تَكلَّمَ اللهُ فيها إلى أن يُسْمَعَ صَوتُهُ مَرَّةً أخرى في مَلكوتِه. لِذا، بعدَ أن أعلَنَ اللهُ عن ذاتِهِ بِهَمْسٍ، وكَلامٍ مَسموعٍ، أعَلَنْ عن ذاتِهِ بِصَوْتٍ عَالٍ جدًّا في ابنِهِ. والعهدُ الجديدُ يُقَدِّمُ لنا ذلكَ الإعلان.

وهُناكَ مُلاحظةٌ مُدهشةٌ أَوَدُّ أن أقولَها للأشخاصِ الَّذينَ يُدَقِّقونَ جدًّا في النَّصّ. فالنَّصُّ يَقولُ في الأصْلِ العِبريِّ إنَّ اللهَ كَلَّمَنا "في البُنُوَّة". فلا وُجودَ للضَّميرِ هُنا، بل إنَّهُ يَقول: "في البُنُوَّة". بعبارة أخرى فإنَّ الضَّميرَ غير مَوجود. فقد كَلَّمَنا في القَديمِ بالنُّبوءَةِ؛ أيْ أنَّهُ كَلَّمَنا مِن خِلالِ أنبياء. والآن، لقد كَلَّمَنا مِن خِلالِ البُنُوَّة". لِذا فإنَّ التَّركيزَ لا يَنْصَبُّ على شَخصِ الابْنِ بَلْ على حَقيقةِ كَونِهِ ابنًا. بعبارةٍ أخرى، إنَّ كَونَهُ أبنًا هو أفضَلُ مِن كَونِهِ نَبيًّا. فهو يُرَكِّزُ على صِفَةِ أو طَبيعةِ اللَّفظَة. فقد أعلنَ عن صِفَةِ النَّاطِقِ الرَّسميِّ باسمِهِ. وهذا يُوافِقُ ما جاءَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين لأنَّ كُلَّ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ تُبايِنُ بينَ المَسيحِ وكُلِّ شيءٍ آخر.

فهو أعظمُ مِنَ الأنبياء. وهو أعظمُ مِنَ المَلائكة. وهو أعظمُ مِنَ الكَهنة. وهو أعظمُ مِن مُوسَى، وأعظمُ مِن هَارون، وأعظمٍ مِن مَلْكي صَادِق، وهَلُمَّ جَرَّا. وعَهدُهُ هو عَهْدٌ أعظَم. وهَلُمَّ جَرَّا. لِذا فإنَّهُ يَتكلَّمُ مِن خلالِ البُنُوَّة. وهو يَتكلَّمُ مِن خلالِ الابنِ الحَيِّ؛ أيِ الرَّبِّ يَسوعَ المسيح. ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ الحَديثَ في العَددينِ الثَّاني والثَّالث [وهذا هو كُلُّ ما سنَنظُرُ إليه] للإشارةِ إلى بِضْعِ صِفاتٍ لهذا الابن. ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تُلاحِظوا العددَ الثَّالث: "الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ...". مَن هُوَ يَسوعُ المَسيح؟ إنَّهُ مَجدُ الرَّبّ. هذا هو ما يَقولُهُ هُنا. فهو الإشعاعُ الفائِقُ الوَصْفِ لله. إنَّهُ بَهاءُ اللهِ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 14: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ".

والعِبارة "بَهاءُ مَجْدِهِ" بَسيطة جدًّا. فالكلمة "بَهاء" هي تَرجمة للكلمة "أبوغاسما" (apaugasma) ومَعناها: "بَهاء". فهي تَعني: "يُشِعُّ ضَوْءًا"، أو: "يُشِعُّ نُورًا". وهي تَعني ببساطة أنَّهُ بَهاءُ الله. فكما أنَّ أشِعَّةَ الشَّمسِ تَصِلُ إلى الأرضِ لكي تُنيرَها لنا، وتُدَفِّئَها لنا، وتُعطينا حَياةً ونُمُوًّا، فإنَّنا نَجِدُ في المَسيحِ أيضًا أنَّ الدِّفْءَ والنُّورَ والبَهاءَ الإلهيَّ تَلْمَسُ قُلوبَ البَشر. ونُورُ الشَّمسِ هُوَ مِن نَفسِ طَبيعةِ الشَّمس. وهو قَديمٌ قِدَمَ الشَّمسِ. ولم تَكُن هُناكَ شَمسٌ يَومًا مِن دُونِ نُورِها. فَنُورُ الشَّمسِ لا يُمكنُ أن يَنفصِلَ عنها. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ مُمَيَّز.

لِذا فإنَّ المسيحَ هُوَ الله؛ ولكنَّهُ مُمَيَّز. وهو اللهُ؛ ولكنَّهُ إعلانُ اللهِ. وهو مَجْدُ اللهِ الَّذي يَعكِسُ حَقيقةَ اللهِ الَّتي هَمَسَ اللهُ بها وتَكَلَّمَ عنها في القَديم. وهو شَمْسُ البِرِّ والشِّفاءُ في أجنِحَتِها. وأوضحُ صُورةٍ تُوَضِّحُ ذلكَ مَوجودة في نَصٍّ مَألوفٍ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 17. فهو يَقول: "وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ [أيْ: تَجَلَّى] قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّور". فها هُوَ يُظهِرُ مَجدَه. وها هُوَ على ذلكَ الجَبلِ في ذلكَ اليومِ يُعلِنُ مَجدَهُ. فقد أرادَ مِنهُم أن يَعرِفوا مَن هُوَ. وَقد سَمِعوا صَوتًا مِنَ السَّحَابَةِ الَّتي كانت تُظَلِّلُهُم يَقول: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا". وكانَ يَقِفُ هُناكَ مُوسَى وإيليَّا. وقد كانَ ذلكَ المَشهَدُ حَقيقةً رائعة!

ولماذا حَدَثَ ذلك؟ لإقناعِ التَّلاميذِ دُونِ أدنى شَكٍّ بِشَخصِهِ. فهُناكَ صَوتُ اللهِ، وهُناكَ سَحابَةُ المَجدِ المُنيرة. ثُمَّ إنَّ هُناكَ حُضورَ مُوسَى وإيليَّا. لماذا؟ لأنَّ مُوسَى يُمَثِّلُ النَّاموسَ، وإيليَّا يُمَثِّلُ الأنبياء. وقد وَقَفَ المَسيحُ مَعَهُما. وَهُما أعظمُ نَاطِقَيْنِ باسْمِ اللهِ في العهدِ القديم. فقد كانَ يَنبغي للتَّلاميذِ أن يَفهموا أنَّ يَسوعَ هُوَ صَوتُ الله. فهُناكَ مُوسَى وإيليَّا اللَّذانِ ابتدآ عَصْرَيَّ المُعجِزاتِ في العهدِ القديم. وها هُوَ الآنَ المَسيحُ يَبتدئُ العَصرَ الثَّالث. وقد تَرَكَ مُوسَى وإيليَّا هذا العالَمَ والغُموضُ يَلُفُّهُما. فقد كانَ مَوتُ مُوسَى حَدَثًا فَريدًا وغَريبًا جدًّا. وقد انتقلَ إيليَّا. والمَسيحُ الَّذي مَاتَ مِيْتَةً فَريدةً ثُمَّ قَامَ لكي يَمضي. وهُناكَ المَزيدُ والمَزيدُ مِن أَوجُهِ التَّشابُه.

ولكن عندما رأَوْا المَجدَ، وسَمِعوا صَوتَ اللهِ، ورأَوْا حُضورَ مُوسَى وإيليَّا، كانَ ذلكَ الأمرُ يُؤكِّدُ تأكيدًا جَازِمًا حَقيقةِ أنَّ يَسوعَ ليسَ فقط صَوتَ اللهِ، بل إنَّهُ اللهُ نَفسُهُ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في وَقتٍ لاحِقٍ مِن خِدمةِ بُطرس أنَّهُ كَتَبَ في رِسالةِ بُطرسَ الثَّانية 1: 16-19: "لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ... إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّس". فنحنُ نَعرِفُ تَمامًا ما نَقول. فقد رأينا مَجدَهُ. فقد صَارَ ذلكَ الحَدَثُ نُقطةَ يَقينِهم. لِذا فإنَّ يَسوعَ هُوَ مَجدُ الله. وعَودة إلى الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ والأصحاحِ الأوَّل. فإذا نَظرتُم إلى المَهْدِ لن تَرَوْا طِفلاً وَحَسْب. إن نَظرتُم إلى المَهدِ لن تَرَوْا صَبيًّا وَحَسْب؛ بل سَتَرَوْنَ مَجدَ اللهِ، أو مَجدَ الرَّبِّ، في جَسدٍ بَشريٍّ.

وفي كُلِّ مَرَّة صَنَعَ فيها يَسوعُ مُعجِزةً، وفي كُلِّ مَرَّة شَفَى فيها شَخصًا أعرَج، أو أعادَ فيها البَصَرَ لشخصٍ أَعمى، أو رَدَّ فيها حَاسَّةَ السَّمْعِ لشَخصٍ أَصَمٍّ، أو رَدَّ فيها القُدرةَ على التَّكلُّمِ لشخصٍ أخرَس، وفي كُلِّ مَرَّةٍ غَفَرَ فيها خَطيَّةً، كانَ اللهُ يُعلِنُ مَجدَهُ. لاحِظوا أيضًا أنَّ العَددَ الثَّالثَ يَقولُ إنَّهُ كانَ: "رَسْمُ جَوْهَرِهِ". والكلمة "كَراكتير" (charakter) الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "كَراكتر" (character) هي كلمة كلاسيكيَّة في اللُّغةِ اليونانيَّة ومَعناها: "أداةُ نَحْت" أو: "صَبغَة" أو: "دَمْغَة"، أو: "قَالَب"، أو: "سِمَة" يُحْدِثُها خَتْمٌ. فهي تَحْمِلُ مَعنى النُّسخَة، أوِ الصُّورة، أوِ الاستِنساخ. فهو يَقولُ إنَّ المَسيحَ هُوَ صُورةُ الله. فهو رَسْمُ جَوْهَرِ الله". وَهُوَ الإعلانُ عن جَوهَرِ الله. وهو سِمَةُ اللهِ المَطبوعَةِ على المُجتمعِ البَشريِّ. وهو نُسْخَةٌ طِبْقُ الأصْلِ عَنِ اللهِ في جَسَدٍ بَشَريٍّ.

وقد قالَ بولُس في رسالتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس 4: 4 ورسالة كُولوسي 1: 15 إنَّ المَسيحَ هُوَ صُورةُ اللهِ. وقدِ استَخدَمَ كَلمةً مُختلفةً وهي الكلمة "آيكون" (eikon) الَّتي تَعني: نُسخَةً طِبْقَ الأصْل، أو نُسخَةً مُطابقةً أو مُماثِلَةً تَمامًا. لِذا، سَواءَ استخَدمَ الكلمة "كاراكتير" (charakter) أو "آيكون" (eikon)، فإنَّ يَسوعَ هُوَ دَمْغَةُ اللهِ، وسِمَةُ اللهِ، وخَتْمُ اللهِ، وصُورةُ اللهِ، ونُسخَةُ اللهِ، والنُّسخةُ الدَّقيقةُ لله. وأودُّ أن أُضيفَ الكلماتِ التَّالية الَّتي تَعجَزُ في أحسنِ الأحوالِ عن تَصويرِ الواقِع لأنَّهُ مِنَ المُستحيلِ أن نُعَبِّرَ عن حَقيقةِ أنَّهُ نَفسُ جَوهرِ اللهِ بأيَّة طَريقةٍ للتَّشبيهِ مِن دُونِ أن نَخسرَ شَيئًا. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ أفضلَ تَعبيرٍ عن ذلكَ هُوَ ما جاءَ في رسالة كولوسي 2: 9 إذْ يَقولُ بولُس: "فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا". فهذه أعظمُ جُملةٍ عن لاهوتِ المَسيح.

ولكي يُدَعِّمَ الكَاتِبُ هذهِ الجُملةَ فإنَّهُ يَذكُرُ كَمالاتِ المَسيح. فهو يَذكُرُ أوَّلاً مِيراثَهُ إذْ يَقولُ في العَددِ الثاني: "الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ". فالبُنوَّةُ تَقْتَضي وُجودَ مِيراث. وَهُوَ يَقولُ في المَزمورِ الثاني إنَّهُ سيَجعَلُ أعداءَهُ مَوْطِئَ قَدَمَيه إذْ نَقرأُ في المَزمورِ الثاني: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي". ففي المَزمورِ الثَّاني، يُؤكِّدُ الآبُ حَقَّ الابنِ في المُلْك. ونَقرأُ في رسالة كُولوسي والأصحاحِ الأول: "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ". فكُلُّ شَيءٍ سيَؤولُ في النَّهايةِ إليه: "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِين" (رسالة رُومية 11: 36). وفي سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الخامِس، لَعَلَّكُم تَذكرونَ المَشهَدَ إذْ إنَّ يُوحنَّا نَظَرَ إلى عَرشِ اللهِ. وكانَ الوقتُ قد حانَ لاستردادِ صَكِّ مِلكيَّةِ الأرضِ فصَرَخوا: "مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ [أيْ صَكَّ مِلكيَّةِ الأرض] وَيَفُكَّ خُتُومَهُ؟" فبَحثوا في كُلِّ السَّماءِ وكُلِّ مَكانٍ آخر فلم يَجِدوا أيَّ شخصٍ.

وأخيرًا، جاءَ الخَروفُ، أيِ الأسدُ الَّذي مِن سِبْطِ يَهوذا، الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ القادرُ أن يَفتحَ السِّفرَ. لماذا؟ لأنَّهُ هو الوَريثُ الحَقيقيُّ للأرض. وهو يَفْتَحُ السِّفْرَ. وابتداءً مِنَ العددِ السَّادسِ، تُفْتَحُ الخُتومُ إذْ إنَّهُ يَسترِدُّ الأرضَ ويُؤسِّسُ مَملكتَهُ. فهو الَّذي يَمْلِكُ الحَقَّ في المُلْك. وهو الَّذي أُعْطِيَ المِيراثَ مِنَ الله. وهُناكَ شَيءٌ مُدهشٌ يَنبغي أن نُدرِكَهُ وهو أنَّ ذاكَ الَّذي جاءَ في اتِّضاعٍ وتَنازُلٍ سَيَرِثُ كُلَّ الأشياء. لِذا فإنَّنا نَرى أوَّلاً مِيراثَهُ.

ثانيًا: خَلْق الكَوْنِ إذْ نَقرأُ في نِهايةِ العددِ الثَّاني: "الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِين". فالأمرُ لا يَقتصِر فقط على أنَّ المَسيحَ سيَستردُّ الأرضَ في النِّهاية، بل إنَّهُ مَصدَرُ نَشأتِها في البداية. فقد خَلَقَ اللهُ كُلَّ شيءٍ بِهِ. والكلمة المُتَرجَمَة "بِهِ" هُنا تَعني "بواسِطَتِه "دِيَا" (dia): "بواسِطَتِهِ". فنحنُ نَقرأُ: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 1: 3). فهو قادرٌ على الخَلْق. وقد خَلَقَ. واللهُ وَحدُهُ يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلك. وهل يُمكنُني أن أُشيرَ إلى شَيءٍ مُدهشٍ جدًّا؟ إنَّ الكلمة "عَالَمينَ" هُنا هي ليسَت "كوزموس" (kosmos). فهي لا تُشيرُ إلى العَوالِمِ المَاديَّةِ فقط، بل تُشيرُ إلى ما يَفوقُ ذلكَ بكثير.

فالكلمة المُستخدمَة هُنا هي "آيونيس" (aion) ومَعناها: "دُهور". فهي تَعني: "دُهور". اسمَعوني: إنَّ الأمرَ لا يَقتصِرُ على أنَّهُ خَلَقَ العَوالِمَ الماديَّةَ والأشياءَ المَاديَّةَ الموجودةَ في الكَون، بل تَعني أنَّهُ خَلَقَ المَفاهيمَ الَّتي يُمكِنُ للأشياءِ الماديَّةِ أن تُوجَدَ فيها. فهي تأخُذُكَ خُطوةً أخرى إلى ما وَراءِ الأشياءِ الماديَّة. فقد خَلَقَ الزَّمانَ، والمَكانَ، والقُوَّةَ، والطَّاقةَ، والمادَّةَ. وقد خَلَقَ الشَّيءَ الَّذي خُلِقَت مِنهُ الأشياءُ الماديَّة. فقد خَلَقَ كُلَّ شيء. لِذا فإنَّنا نَرى مِيراثَهُ وخَلْقَهُ للعالَم.

ثالثًا، نَرى تأثيرَهُ في العَددِ الثَّالث. فنحنُ نَقرأُ أنَّهُ: "حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ". هذا هو تأثيرُه. فهو يُمسِكُ كُلَّ الأشياءِ مَعًا. هذا هو تأثيرُه. فهو الذي يَجعلُ الذَّرَّةَ تَتحرَّكُ في مَدارِها الصَّحيح. والذَّرَّةُ هي اللَّبِنَة الأساسيَّة لكُلِّ الأشياء. إنَّ قُدرَتَهُ هي التي تَفعلُ ذلك. وبالمُناسبة، إنَّ الفِعلَ المُستخدَم هُنا يُشيرُ إلى دَعْمِ شَيءٍ لِجَعْلِهِ يَحدُثُ باستمرار. فهو يُمْسِكُ دائمًا كُلَّ الأشياءِ معًا. فهذا الكَونُ سيَتفكَّك ويَصيرُ فُتاتًا مِن دُونِ قُدرَتِهِ على مَسْكِ كُلِّ الأشياءِ معًا. هل تَعلَمونَ أنَّهُ إنْ تَباطَأتِ الأرضُ في دَورانِها قليلاً فقط فإنَّنا سنَتجمَّدُ ونَحترِقُ بالتَّناوُب؟ أو هل تَعلمونَ أنَّ حَرارةَ سَطْحِ الشَّمسِ هي 12000 درجة فهرنهايت، وأنَّهُ إنِ اقتربَت الشَّمسُ قليلاً أو ابتَعدت قليلاً فإنَّنا سنَتجمَّدُ أو نَحترِق؟

وهل تَعلمونَ أنَّ كُرَتنا الأرضيَّة مُنحرفة 23 درجة تَمامًا، وأنَّهُ لولا انحرافِها بتلكَ الدَّرجة تَحديدًا فإنَّ الأبخرةَ المُتصاعِدَةَ مِنَ المُحيطاتِ ستَتحرَّكُ شَمالاً وجَنوبًا مُحدِثَةً رُكامًا هائلاً مِنَ الثَّلج؟ وهل تَعلمونَ أنَّهُ إن لم يَبْقَ القَمرُ بَعيدًا بهذا المِقدارِ المُحَدَّدِ عنِ الأرض فإنَّ مَدَّ المُحيطاتِ سيَغمُرُ الأرضَ مَرَّتينِ كُلَّ يَوم؟ وهل تَعلمونَ أنَّهُ إن زادَ عُمْقُ المُحيطِ بِضعةَ أقدامٍ عَمَّا هُوَ عليه فإنَّ ثاني أُكسيدَ الكربون والأوكسجين في الغِلافِ الجَويِّ للأرضِ سيُمتصُّ تَمامًا فلا تَعودُ هُناكَ حَياةُ نَباتيَّة؟

وهل تَعلَمونَ أنَّهُ إن لم يَبْقَ الغِلافُ الجَويُّ مَوجودًا دائمًا حولَ الأرض، بل صَارَ رَقيقًا جدًّا فإنَّ مَلايينَ النَّيازِكِ الَّتي تَحترقُ في الفَضاءِ دُونَ أن تُؤذينا ستَرتطِمُ بالأرضِ بقوَّةٍ سَاحِقَةٍ قد تُدَمِّرُنا جَميعًا؟ فَمَنْ يَحْفَظُ هذا التَّوازُنَ الدَّقيق؟ ومَن يُبقي كُلَّ هذهِ الأشياءِ تَعمَل؟ إنَّهُ الابنُ. مَجْدُ الرَّبِّ. وأنا أُفَكِّرُ دائمًا في أنَّهُ عندما كانَ يَمشي في العَالَمِ في جَسَدِهِ البَشريِّ، وكانَ يَمُرُّ بكُلِّ الأشياءِ الَّتي يَمُرُّ بها الإنسان، كانَ في الوقتِ نَفسِهِ يُمسِكُ الكَونَ كُلَّهُ. لِذا فإنَّنا نَرى مِيراثَهُ، وخَلْقَهُ للكَون، وتأثيرَهُ.

رابعًا، نَرى تَدَخُّلَهُ في العَددِ الثَّالث. وأنا أُحِبُّ ذلك: "بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ...". سَوفَ أَقرأُ ذلكَ مَرَّةً أخرى: "بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا". هل تَعلمونَ أنَهُ صَنَعَ ذلكَ بنفسِهِ؟ يجب أن تَعلَموا ذلك. فقد صَنَعَ ذلكَ بنفسِهِ. فقد "صَنَعَ بنفسِهِ تَطهيرًا لِخَطايانا". والآن، يا أحبائي، إنَّ هذه قُدرة. بِنَفسِهِ. فالعَملُ الأعظمُ مِنَ الخَلْقِ، والعَملُ الأعظمُ مِنَ العِنايةِ والإمساكِ بكُلِّ شيءٍ هُوَ عَمَلُ التَّطهير. فقد صَنَعَ تَطهيرًا. فقد صَنَعَ تَطهيرًا لخَطايانا. وهذه تَصيرُ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين عندما تُتابِعونَ القِراءة.

فهو يَقولُ في الأصحاحِ السَّابعِ والعَدد 27، أيْ أنَّ كاتِبَ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين يَقول: "الَّذِي لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلاً عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ". فقد صَنَعَ تَطهيرًا لخَطايانا. وكانَ هذا هو تَدَخُّلُهُ لِمَنْعِ الكارثةِ البشريَّة. وللحظةٍ وَجيزةٍ، غَادَرَ المَجد. وللحظةٍ وَجيزةٍ، اسْودَّت سَحابةُ المَجد. وللحظةٍ وَجيزةٍ، صارَ النُّورُ ظَلامًا. والظَّلامُ نَفسُهُ الَّذي حَارَبَهُ يَسوعُ أحاطَ بِهِ؛ ولكنَّهُ فَعلَ ذلكَ لأجلِنا. ولكنَّ الأمرَ لم يَنْتَهِ هُناك. فنحنُ نَرى مِيراثَهُ، وخَلْقَهُ للكَون، وتأثيرَهُ، وتَدَخُّلَهُ.

وأخيرًا، نَرى جُلوسَهُ عَن يَمينِ الآب. فبَعدَ أن صَنَعَ ذلكَ "جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي". والعَظَمَةُ في الأعالي هي ببساطة اسمٌ للهِ. فهو صَاحِبُ الجَلالِ في الأعالي. ويَمينُهُ هو مَكانُ الشَّرَف، ومَكانُ البَرَكة، ومَكانُ القُدرة. وقد جَلَسَ. ولماذا جَلَسَ؟ لأنَّهُ انتَهى مِنَ العَمل. وهل تُريدونَ أن تَعلموا شيئًا مُدهشًا؟ في الهَيكلِ وفي خَيمةِ الاجتماع، لم تَكُن هُناكَ مَقاعِد. فإن قَرأتُم وَصفًا لخيمةِ الاجتماعِ، أو قَرأتُم وَصفًا للهيكلِ، لن تَجِدوا أيَّ ذِكْرٍ للمَقاعِدِ في أيِّ مَوضِع. لماذا؟ لأنَّ الكاهِنَ لا يَنتهي مِن عَمَلِهِ. لِذا فإنَّهُ لا يَجلِس، بل يُقدِّمُ الذَّبيحةَ تِلوَ الذَّبيحةِ تِلوَ الذَّبيحةِ بالمَلايين. ولم يَكُنِ الكَهَنَةُ يَجلسونَ لأنَّ عَمَلَهُم لا يَنتهي. ولكنَّ المسيحَ قَدَّمَ ذَبيحةً واحدةً. وعندما انتهى مِن ذلكَ جَلَسَ. فقد جَلَسَ. فقدِ انتهى. ولم يَبْقَ هُناكَ عَمَلٌ يُعمَل. فقد أكملَ العَملَ وجَلَسَ. ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 10: 12 (وهي آية رائعة جدًّا): "وَأَمَّا هذَا [أيِ المَسيح] فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ".

ويا أحبَّائي، هذه هي رِسالةُ عيدِ الميلادِ المَجيد. فاللهُ جاءَ إلى العَالَم. ونحنُ نُرَكِّزُ على لاهُوتِهِ. فهو اللهُ. ولماذا أُعْطِيَ المَوْضِعَ الأيمَن. هُناكَ أربعةُ أسباب: أوَّلاً، لأنَّ اليَدَ اليُمنَى كانت مَوضِعَ الشَّرَف. فنحنُ نَقرأُ في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني أنَّ اللهَ: "رَفَّعَهُ...، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ". فاليدُ اليُمنى هي مَكانُ الشَّرَف. فقد جَلَسَ هُناكَ لأنَّهُ ينبغي أن يُكَرَّم. ثانيًا، إنَّهُ مَكانُ المُلْك. فنحنُ نَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 3: 22 أنَّ اللهَ أَجْلَسَهُ عَن يَمينِهِ وجَعَلَ مَلائكةً وسَلاطينَ وقُوَّاتٍ خَاضعَة لَهُ. فهو مَكانُ الشَّرَفِ، ومَكانُ المُلْك. ثالثًا، إنَّهُ مَكانُ الرَّاحة. فقد جَلَسَ لأنَّهُ أَكمَلَ العَمل. رابعًا، إنَّهُ مَكانُ الشَّفاعَة. فَهُوَ عَن يَمينِ اللهِ (كما تُخبِرُنا الآية رُومية 8: 34 بكلماتٍ بَديعةٍ) "يَشْفَعُ فينا". لِذا فقد جَلَسَ عَن يَمينِ الله.

والآن، ما الَّذي أقولُه؟ ما يَلي: أنَّ النَّبيَّ قالَ إنَّ مَجدَ الرَّبِّ سيُعلَن. وكاتِبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين يَقول إنَّ الابنَ هُوَ بَهاءُ مَجدِه. ورِسالةُ عيدِ الميلادِ المَجيدِ تَقولُ إنَّ اللهَ جاءَ إلى العالَمِ بكُلِّ مَجْدِه. وما كانَ مُجرَّدَ هَمْسٍ، أو كَلامٍ، أو صَوتٍ مَسموعٍ، صَارَ إعلانًا بِصَوْتٍ عَالٍ. وذاتَ يَومٍ في المُستقبَل، كَما تَقرأونَ في سِفْر الرُّؤيا، عندما يَعودُ بمَجْدِهِ البَهِيِّ، وأنا أُحِبُّ ذلك، وَهُوَ المَجْدُ الَّذي يُسَمِّيهِ يَسوعُ "مَجْدًا عَظيمًا"، عندما يَعودُ في مَجْدِ المَجيءِ الثَّاني فإنَّ الكتاب المقدَّس يَقولُ إنَّ الصُّراخَ سيكونُ أعلى حيثُ إنَّ كُلَّ صَوتٍ في الكَونِ سيَصْدَحُ، ويَعلو، ويُرَنِّمُ تَسبيحًا لَهُ.

وما الَّذي يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبةِ إلينا؟ اسمَحوا لي أن أطلُبَ مِنكُم أن تَنظروا إلى رسالةِ كورِنثوس الثَّانية والأصحاحِ الثَّالث؛ وسوفَ أختِمُ بعدَ ذلك. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ العاشِر: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الزَّائِلُ فِي مَجْدٍ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا يَكُونُ الدَّائِمُ فِي مَجْدٍ! والآن اسمَعوا مَعنى هذهِ الآية. ففي العهدِ القديمِ نَرى سَحابَةَ المَجدِ، ونُصوصَ العَهدِ القَديمِ، والمِيثاقَ القَديمَ؛ وهذا كُلُّهُ مَجيدٌ. هذا صَحيح. فالعِبارةُ "إنْ كانَ الزَّائِلُ في مَجْدٍ" تُشيرُ إلى العهدِ القديمِ، والتَّدبيرِ القَديم، والمِيثاقِ القَديم، وسَحابةِ المَجد. فقد كانَ مَجيدًا. ولكِن " إِنْ كَانَ الزَّائِلُ فِي مَجْدٍ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا يَكُونُ الدَّائِمُ فِي مَجْدٍ!" بعبارة أخرى، إنَّ الإعلانَ الجَديدَ للمجدِ في تَجَسُّدِ المَسيحِ والعهدِ الجَديدِ المُختصِّ بِهِ هُوَ أَمْجَدُ بِما لا يُقاس حَتَّى إنَّ القَديمَ لا يَبدو مَجيدًا البتَّة. فهو لا يَبدو مَجيدًا عندما يُقارَنُ بالمَجدِ الأسمَى. وهي فِكرةٌ عَظيمة!

لِذا فإنَّ إعلانَ المَجْدِ ذاكَ في العهدِ الجديدِ يَفوقُ أيَّ شيءٍ في المَاضي. لِذا فإنَّنا نَقولُ إنَّ اللهَ يُعْلِنُ ذاتَهُ بِصُراخٍ في شَخصِ المَسيح. ولكِن ما الَّذي يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبةِ إلينا؟ نَقرأُ في العَدد 18: "وَنَحْنُ جَمِيعًا... بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ"؛ أيْ أنَّ البُرْقُعَ قد رُفِعَ فاتَّضَحَتِ الأشياءُ الَّتي كانت غَامِضَةً ومَحجوبةً ومُرْبِكَةً. فنحنُ لم نَعُد مِثلَ حِزْقيال. فذلكَ الغُموضُ قد زَالَ، والبُرقُعُ قد رُفِع. فنحنُ نَنْظُرُ الآنَ كَما في مِرْآةٍ مَجْدَ الرَّبِّ. ومَن هذا؟ إنَّهُ المَسيح. ونحنُ نَراهُ ونَنظُرُ إليهِ، ونُطيلُ النَّظرَ إليه. ونحنُ "نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ". بعبارة أخرى، نَحنُ نَصيرُ مِثلَهُ حَرفيًّا حينَ نَنظُرُ إليه.

ونَحنُ المُؤمِنينَ جَميعًا نَخضَعُ لنفسِ هذهِ العَمليَّة. فنحنُ نَنظُرُ إلى مَجدِهِ ونَتغيَّرُ إلى صُورَتِهِ في أثناءِ ذلك. هل تَذكُرونَ قِصَّةَ "البَطَّة القَبيحَة"؟ مِنَ المُرَجِّحِ أنَّكُم تَذكرونَها؛ ولكِن اسمَحوا لي أن أُنعِشَ ذاكِرَتَكُم. كانَ ذلكَ الفَرْخُ غَريبًا وأقَلَّ جاذبيَّةً مِن أفراخِ البَطِّ الَّتي وَجَدَ نَفسَهُ مَعَها. لِذا، كانتِ الأفراخُ الأخرى تَسخَرُ مِن تلكَ الفُروقِ الَّتي لَديه. وهَرَبًا مِن تَعليقاتِها السَّاخرة، التجأَ إلى بَيتٍ تُرَبِّي صَاحِبَتُهُ دَجاجة وقِطَّة. ولكنَّهُ قُوْبِلَ بالرَّفضِ هُناكَ أيضًا لأنَّهُ لم يَكُن يَستطيعُ أن يَضَعَ بَيضًا كالدَّجاجة ولا أن يَمُوءَ كالقِطَّة. قالَ لَهُما: "أنتُما لا تَفهَماني"؛ ولكنَّهُ لم يَلْقَ مِنهُما إلاَّ السُّخرية. وذاتَ يَومٍ، رأى سِرْبَا جَميلاً وأنيقًا مِنَ الإوَزّ. وكانَ ذلكَ الإوَزُّ أجملَ طَائرٍ يَراهُ في حَياتِه. وقد شَعَرَ بشعورٍ غَريب.

وبينَما هُوَ يُشَقلِبُ في الماءِ ويَمُدُّ عُنُقَهُ مُحاولاً أن يُتابِعَ طُيورَ الإوَزِّ تلكَ في أثناءِ طَيرانِها، صَاحَتْ تلكَ الطُّيورُ بصوتٍ عَالٍ جدًّا أَخافَهُ. وعندما غَابَتْ أخيرًا عن عَينيه، غَاصَ في قَاعِ البُحيرة. وعندما خَرَجَ مِنها كانَ بمُفردِه. وهو لم يَكُن يَدري ما اسمُ تلكَ الطُّيور أو إلى أينَ تَمضي. ولكنَّ كُلَّ ما كانَ يَعرِفُهُ هو أنَّهُ أحَبَّها أكثرَ مِمَّا أحبَّ أيَّ شيءٍ آخر مِن قَبل. ثُمَّ جاءَ شِتاءٌ آخر بِكُلِّ ما فيهِ مِن صِراعات. وأخيرًا، أذابَ الرَّبيعُ جَليدَ البُحيرة. وبينما كانَ فَرْخُ البَطِّ القبيحِ يَسبَح، رأى مَرَّةً أخرى طائِرانِ مِن تلكَ الطُّيورِ الجَميلة. وكانا يَسْبَحانِ باتِّجاهِهِ مُباشرةً. وكُلَّما اقتربا مِنه، زادَ خَوفُه. وعندما صَارَ الطَّائرانِ البَديعانِ أمامَهُ، أَحْنَى رأسَهُ تَواضُعًا وغَطَّى وَجهَهُ بجناحَيه.

ولكن عندما أَحنَى رأسَهُ رَأى انعكاسَ صُورَتِهِ في الماءِ أوَّلَ مَرَّةٍ في حَياتِه. وقد دُهِشَ جدًّا حينَ أدركَ أنَّهُ هُوَ أيضًا فَرْخُ إوَزٍّ. حينئذٍ، فَرَدَ بِبُطءٍ جَناحيهِ بَعيدًا عن وَجهِه، ورَفَعَ رأسَهُ مِنَ البُحيرة. وهو لم يَرفعهُ عاليًا بكِبرياءٍ كما تَفعلُ النَّعامَة، بل باتِّضاعٍ كما يَفْعَلُ الإوَزُّ. وقدِ انحَنى قَليلاً تَعبيرًا عنِ امتِنانِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سَبَحَ مُبتعِدًا هُوَ وفَرْخا الإوَزِّ رَفيقاه. ورُبَّما يُمكِنُنا أن نَرى في هذهِ القِصَّةِ وَجْهَ شَبَه. فرُبَّما كانت تَجربتُكَ مُشابهة لتجربتِه. فَكِّر مَعي. فرُبَّما كانت نَظرتُكَ الأولى للمَسيحِ بالإيمانِ تُشبِهُ نَظْرَةَ الفَرْخِ القَبيحِ عندما رأى طُيورَ الإوَزّ أوَّلَ مَرَّة. فقد شَعَرْتَ بأنَّكَ قَبيحٌ جدًّا؛ ولكنَّكَ شَعرتَ أيضًا بعدمِ قُدرتِكَ على مُقاومةِ المسيحِ حَتَّى إنَّ ذلكَ جَعلَ قَلبَكَ يَقفِزُ مِن مَكانِه.

نحنُ نَعلمُ لماذا فَرِحَ الفَرْخُ القَبيحُ عندما رأى طُيورَ الإوَزّ. ولكنَّهُ تَجاوبَ مِن أعماقِ كِيانِهِ لأنَّهُ كانَ فَرْخَ إوَزٍّ، ولأنَّهُ خُلِقَ ليكونَ كذلك. على نَحوٍ مُشابِه، قد نَتجاوبُ معَ المسيح. وفي أعماقِ نُفوسِنا، قد لا نَدري حَقًّا لماذا تَجاوبنا بتلكَ الطَّريقة؛ ولكنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّنا خُلِقْنا لنكونَ كذلك. وذاتَ يَومٍ، عندما نَتواضَعُ في قُبْحِنا، ونَنظُرُ في المِرآةِ، سنَرى أنَّنا في طَريقِنا إلى أن نَصيرَ ذلكَ الكَائِنَ الجَميلَ الَّذي كُنَّا نَتوقُ إليه. ومِن خلالِ تَواضُعِنا في سُلوكِنا، وامتِنانِنا القَلبيِّ فإنَّنا نَحيا حَياتَنا أمامَ الله. اسمَعوني: إنَّ اللهَ يُريدُ أن يُغيِّرَكُم ويَجعلَكُم على صُورَتِه مِن خِلالِ نَقْلِكُم مِن مُستوىً مِنَ المَجدِ إلى الَّذي يَليه.

ومِنَ المُدهشِ بالنِّسبةِ إليَّ أن أُدركَ أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ هُوَ مَجْدُ الرَّبِّ المُعلَن لَنا. والشَّيءُ الَّذي يُدهِشُني أكثر هو أن يُعلِنَ أنَّهُ مَجدُ الرَّبِّ المُعلَن لأجلِنا. والمُدهشُ أكثرَ مِن هذا كُلِّه هو أن نَفهمَ أنَّهُ هُوَ مَجدُ اللهِ المُعلَن فينا. "الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْد". وما أروعَ ذلك! فأغلبيَّةُ النَّاسِ سيُفَوِّتونَ عيدَ الميلادِ المَجيد. فَهُم سيُفَوِّتونَهُ. فسوفَ يُفَوِّتونَ يَسوعَ المَسيح. وسوفَ يُفَوِّتونَ مَجْدَ الرَّبِّ. وأرجو أنَّكُم لن تُفَوِّتوا ذلك، بل أرجو أن تُرَكِّزوا عليه لكي تَصيروا على تلكَ الصُّورةِ الَّتي خُلِقتُم عليها وتَعكِسوا نَفسَ ذلكَ المَجد!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize