أدعوكُم إلى أن تَأخُذوا كِتابَكُم المُقدَّسَ وتَفتحوهُ على رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني... رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني. وأودُّ أن يَكونَ النَّصُّ الَّذي سنتأمَّلُ فيه في هذهِ العِظةِ عن عيدِ الميلادِ المَجيدِ هُوَ الأعداد مِن 6 إلى 11. رسالة فيلبِّي 2: 6-11. قبلَ أن أَقرأَ النَّصَّ وأعرِضَ تَحديدًا ما قالَهُ رُوحُ اللهِ، اسمَحوا لي أن أُهَيِّئَ أذهانَنا في هذا السِّياق. ففي مَوسِمِ عيدِ الميلادِ المَجيد، نُواجِهُ مَرَّةً أخرى... وأنا على يَقينٍ بأنَّكُم تُدركونَ ذلك... نُواجِهُ تلكَ المَهمَّة الَّتي قد تَكونُ أحيانًا صَعبةً جدًّا والَّتي تَقتضي مِنَّا أن نَفصلَ بينَ حَقيقةِ عيدِ الميلادِ المَجيدِ والأشياءِ الأخرى غيرِ الحَقيقيَّةِ الَّتي تُحيطُ بذلكَ الواقع. فهناكَ خَلْطٌ كبيرٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ يُخَيَّلُ لكَ أنَّ قِصَّةَ عيدِ الميلادِ المَجيدِ الحَقيقيَّةِ تُشبِهُ أَلماسَةً مُخَبَّأةً في كَومٍ مِنَ القَشِّ ومِنَ الصَّعبِ جدًّا العُثور عليها. فقد صَارَ عيدُ الميلادِ المَجيدِ حَقًّا فَوضَى عَارِمَة لا رَجاءَ مِنها.
فالاتِّضاعُ والفُقرُ اللَّذَيْنِ تُشيرُ إليهِما الحَظيرةُ اختَلَطا بِكُلِّ مَظاهِرِ الغِنَى والثَّراءِ والأنانيَّةِ الَّتي تُرافِقُ تَقديمَ الهَدايا. وقد نَسَيْنا سُكونَ أورُشَليم بسببِ صَخَبِ مَتاجِرِ التَّسوُّقِ والاختناقاتِ المُروريَّةِ على الطُّرُقِ السَّريعة. كَما أنَّ صَحْوَ التَّجَسُّدِ يُخْلَطُ إلى حَدٍّ ما بالسُّكْرِ في هذا المَوسِم. ونحنُ نَظُنُّ أنَّ الأضواءَ المُلوَّنَةَ البَرَّاقَةَ مُرتبطة بطريقةٍ مَا بنَجْمِ بيتِ لَحْم. وقد نَسَيْنا تلكَ الغُرفةَ المُظلِمَة والقَذِرَة في ذلكَ الفُندقِ بأُجرَتِهِ الزَّهيدةِ بسببِ ارتياحِنا في بَيتِنا الدَّافِئ، والمِدفأة، ومَظاهِرِ الاحتفالِ الفَخْمَة. وبسببِ تلكَ الألعابِ البلاستيكيَّة الرَّخيصة الَّتي يَلْهو بها الأطفالُ في جَهالَتِهِم نَسَيْنا القيمةَ الحَقيقيَّةَ للهَدايا الَّتي قَدَّمَها المَجُوس. وأحيانًا لا نَستطيعُ أن نُفَرِّقَ بينَ البائِعينَ والرُّعاة. وقد لا نَعرِفُ الفَرقَ بينَ المَلائكةِ والأيائِلِ الطَّائرة لا سِيَّما أنَّ واحدًا مِنهُم لَهُ أنفٌ أحمَر!
وقد نَسَيْنا آلامَ وِلادةِ مَريم بسببِ انشغالِنا بالحَفَلات. وقد نَسَيْنا قَذارةَ الحَظيرةِ بسببِ اندِهاشِنا مِن بَياضِ الثَّلج. وهُناكَ مَريم، ويوسُف، و "بيري كومو" (Perry Como)، و "بينغ كروزبي" (Bing Crosby)؛ وَهَلُمَّ جَرَّا. فالحقيقةُ العَظيمةُ المُختصَّةُ بعيدِ الميلادِ المَجيدِ، والَّتي تُظهِرُ أنَّ مَجدَ اللهِ قدِ استُعلِنَ، هي حَقيقةٌ قد ضَاعَتْ بسببِ البَهرجَةِ والأنشطةِ والإعلاناتِ التِّجاريَّةِ. وأعتقدُ أنَّ "سَانتا كلوز" صَارَ حَقًّا الشَّخصيَّةَ الرَّئيسيَّةَ في عيدِ الميلادِ المَجيد لدى أُناسٍ كَثيرين. وقد لاحَظْتُ في سَنواتِ خِدمَتي أنَّ الأمرَ يَتفاقَم أكثر فأكثر كُلَّ سَنة، وأنَّ "سانتا كلوز" يَتصَدَّرُ المَكانَةَ الأولى. والحقيقةُ هي أنَّ ذلكَ مُدهشٌ، ولكنِّي أعتقدُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا يَخلِطونَ بينَ سانتا كلوز ويسوع؛ إنْ أمكنكُم أن تَتخيَّلوا ذلك!
وواحدٌ مِن أكثرِ مَظاهِرِ التَّشويشِ تَجديفًا وغَرابَةً بخصوصِ عيدِ الميلادِ المَجيدِ هو شيءٌ قَرأتُ عنهُ في مَقالةٍ نُشِرَت في إصدارٍ حَديثٍ لمَجلَّةِ "إبيسكوبال نيوز" (Episcopal News) الصَّادرة عن أُسقفيَّة لوس أنجليس (Episcopal News: The Diocese of Los Angeles) كَتَبَها كاهِنٌ مِن كنيسةِ القدِّيس مَرقُس في أوبلاند (Upland) بكاليفورنيا. فقد كَتَبَ هذه المقالة. وأعتقدُ أنَّ هذهِ المَقالة تُوَضِّحُ لَكُم جُزءًا مِنَ التَّشويشِ الَّذي يُحيطُ بعيدَ الميلادِ المَجيد. اسمَعوا ما جاءَ فيها: "هُناكَ بِضعةُ أسبابٍ تَدعوني إلى أن أكونَ شَغوفًا جدًّا بسانتا كلوز. فسانتا كلوز يَستحقُّ لا أيَّةَ مَكانةٍ وَحَسْب في الكنيسة، بل أكبرَ قَدْرٍ مِنَ التَّكريمِ حيثُ ينبغي أن يُتَوَّجَ لِكَونِهِ صَاحِبَ اللِّحيةِ الطَّويلةِ، والقَديمَ الأيَّامِ، وصاحِبَ الجَلالِ والقَداسةِ الَّذي نُسَمِّيه: الله.
"سانتا كلوز هو اللهُ الابن. يجب أن تَنتبهوا، ومِنَ الأفضلِ ألاَّ تَبكوا وألاَّ تَعْبُسوا لأنِّي سأقولُ لكم السَّبب. فالأُغنيةُ الَّتي تقولُ إنَّ سانتا كلوز قادِمٌ إلى البَلدةِ تُشيرُ ببساطة إلى تَسَلُّلِ اللهِ الابنِ إلى مَخادِعِ القلبِ بذاتِ السُّهولةِ الَّتي يَتَسَلَّلُ فيها مِن مِدْخَنَةِ المَنزل. وسانتا كلوز هوَ اللهُ الآب، خالِقُ السَّماءِ والأرض، الَّذي يَحمِلُ بيدِهِ كِيْسًا مُمتلئًا بالهداية لخليقتِه. وسانتا كلوز هو الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي يأتي بصوتٍ يَضْحَكُ برِقَّة فيما يَحمِلُ كِيسًا مُمتلئًا بالحلوى لكي يَزرَعَ في اللَّيلِ بُذورَ الفَرَح. سانتا كلوز يَستحقُّ حَقًّا المكانةَ العُليا والسَّامية في الكنيسةِ لأنَّهُ اللهُ: الابنُ، والآبُ، والرُّوحُ القُدُس.
"إذا إنَّهُ: اللهُ الابنُ، واللهُ الآبُ، واللهُ الرُّوحُ القُدُس. وقد رأيتُهُ في مَتْجَرِ الألعاب. وقد رأيتُهُ في سَيَّارتِهِ على الطَّريقِ السَّريع. وعندما رأيتُهُ بلِحيتِهِ الرَّائعة وبَذلتِهِ الواسعةِ الحَمراء لم أَرَ مُجرَّدَ تاجِرٍ يَبيعُ ألعابًا بلاستيكيَّةً رَخيصةً، بل رأيتُ حقًّا اللهَ المُثَلَّثَ الأقانيم" [نِهايةُ الاقتباس]. هذا أمرٌ لا يُصَدَّق! سانتا كلوز هو اللهُ المُتَجَسِّد؟ يا لهُ مِن تَشويش! وهُوَ كَلامٌ صَادِرٌ عن كاهِنٍ، لا عن شخصٍ عاديٍّ! فكم بالحَرِيِّ يُمكِنُ للنَّاسِ أن يُفَوِّتوا المَعنى الحَقيقيَّ لعيدِ الميلادِ المَجيد! أليسَ كذلك؟ إذًا أنتَ تُؤمِنُ طَوالَ هذا الوقتِ أنَّ سانتا كلوز هو تَجسيدٌ للهِ المُثَلَّثِ الأقانيم؟ يا لهُ مِن تَشويش! والآن، إذْ نُواجِهُ حَقيقةَ عيدِ الميلادِ المَجيد، أريدُ أن نَرى القصَّةَ الحَقيقيَّة؛ ولكنَّنا سنَراها هذهِ المرَّة ليس مِن زَاويةِ بيتِ لَحْم، أو يُوسُف، أو مَريَم، أو الرُّعاة، أو صَاحِبُ الفُندق، أوِ المَجوس، أو هيرودُس، أو أنبياءِ العهدِ القديم.
بل أُريدُ أن نَرى عيدَ الميلادِ المَجيد مِن زَاويةِ رُوحِ اللهِ القُدُّوس كما أُعلِنَ للرَّسول بولُس. وأعتقدُ أنَّ ذلكَ يُرينا المَعنى الحَقيقيَّ لقصَّةِ عيدِ الميلاد. فالمشهدُ ليسَ هوَ الهدَفُ المَقصود. وبيتُ لَحْمٍ ليست هي النُّقطة الرَّئيسيَّة. والرُّعاةُ، والحُكماءُ، ويوسُف، ومَريم، والمِذوَد، والثِّيران لا تَظهَرُ في هذا المَشهَد؛ بل إنَّ ما نَراهُ هُنا هو حَقيقة التَّجسُّد. وهذا واحدٌ مِن أعظمِ النُّصوصِ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. ورُبَّما كانَ أعمقَ ما قيلَ عن قِصَّةِ عيدِ الميلادِ في أيِّ مَوضِعٍ في كلمةِ الله. وقد قالَ "بول ريس" (Paul Rees): "إنَّ هذا المَقطعَ يُشبِهُ المُحيطَ إذْ إنَّ أعماقَهُ لا تُسْبَر وأمواجَهُ لا تُحْصَى. فَفِيهِ نَغوصُ إلى الأعماق". وقد قالَ "ف.ب. ماير" (F.B. Meyer): "إنَّهُ مَقطعٌ لا يَسَعُنا أن نَدنو مِنهُ بسببِ جَلالِهِ الفَريد".
وصَدِّقوني أنَّهُ نَصٌّ لا أستطيعُ أن أُفَسِّرَهُ بكُلِّ مِلئِه؛ ولكن إنْ تَمَكَّنتُ مِن مُعالَجَتِهِ مُعالَجَةً سَطحيَّةً فقط فإنَّ ذلكَ سيكونُ كافيًا في الوقتِ الحاضِر. انظروا معي إلى الأعداد مِن 6 إلى 11. في هذهِ الأعدادِ سنَرى خَمْسَ خُطُواتٍ في قِصَّةِ عيدِ الميلادِ المَجيد، أو خَمْسَ سِماتٍ لدُخولِ اللهِ إلى العالَم، أو خَمسة جَوانب عظيمة للتَّجسُّد. أولاً [أوِ النُّقطةُ الأولى] هي أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ تَنازَلَ عن سُلطانِه. فقد تَنازَلَ عن سُلطانِه. فنحنُ نَقرأُ في العددِ السَّادس: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاس". والآن، لنتوقَّف هُنا.
نَجِدُ في العددِ السَّادسِ تَحديدًا، ثُمَّ في بِدايةِ العددِ السَّابعِ، أنَّهُ بمجيءِ الرَّبِّ إلى العالَمِ فإنَّهُ تَنازَلَ عَن سُلطانِه. ولا شَكَّ في أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُؤكِّدُ ذلكَ السُّلطان. انظروا إلى العددِ السَّادس. فهو يَبتدئُ بالكلمة "الَّذي"؛ وهي تُشيرُ إلى المسيحِ يَسوعَ في العددِ الخامِس: "...فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ". لِذا فإنَّ المسيحَ يَسوعَ هو الفِكرةُ الرئيسيَّةُ في هذا النَّصّ. الرَّبُّ يَسوعُ المسيح. والآن، ما الَّذي يَقولُهُ النَّصُّ عنه؟ العِبارةُ الأولى: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ". والآن، اسمَعوني: إنَّ هذه الحقيقةَ هي بِلا أدنى شَكٍّ قَلبُ ورُوحُ الإيمانِ المَسيحيّ. فتأكيدُ أُلوهيَّةِ يسوعَ المسيحِ هو المَطلَبُ الَّذي لا مَفَرَّ مِنهُ لِكُلِّ ما نُؤمِنُ به. لِذا فإنَّهُ مُعَرَّضٌ للهُجومِ دائمًا. فالمسيحُ هُوَ فِي صُورَةِ اللهِ. فلاهوتُ يَسوعُ المسيحُ هو البُرهانُ القاطِعُ على الإيمانِ المَسيحيِّ.
والآن، لنُحاول أن نَعرِفَ مَعنى هذهِ العِبارة. فالكلمة المُتَرجمَة "كانَ" مُهمَّة جدًّا. فالكلمة المُتَرجمَة "كانَ" تُشيرُ إلى جَوهرِ الشَّخصِ وكِيانِه؛ أي إلى طَبيعةِ الشَّخص. بعبارة أخرى، إنَّها تُشيرُ إلى الأشياءِ الجَوهريَّةِ في الشَّخصِ ولا يُمكنُ أن تَتغيَّر أو تَتبدَّل. فهي تُشيرُ إلى الصِّفاتِ الَّتي يَمْلِكُها شَخصٌ بصورةٍ ثابتةٍ ودائمةٍ لا يُمكِنُ أن تَزول. وهي تُشيرُ إلى الصِّفاتِ الدَّاخليَّةِ الَّتي لا تَتغيَّر ولا تَتبدَّل في شَخصيَّةِ الإنسانِ وطبيعتِه. فمثلاً، قد يَختلِفُ البشرُ في شَكلِهم، ولكنَّهُم جَميعُهم بَشَر. فهذهِ هي طَبيعتُهم. فَهُم جَميعًا يَمْلِكونَ نَفسَ العَناصرِ البشريَّة، ويَملِكونَ على القُدرةَ على التَّنَفُّس، ولديهم قَلبٌ، وأعضاءٌ، وعَقلٌ، وإرادة، وفِكر، وعاطفة. فَهذه هي العَناصِرُ الموجودةُ في الطَّبيعةِ البَشَريَّة.
فيُمكنُكَ أن تُغيِّرَ ثِيابَ الإنسانِ، ويُمكنك أن تُغيِّرَ شَكلَهُ الخارجيَّ؛ ولكنَّكَ لا تَستطيعُ أن تُغيِّرَ طَبيعتَهُ البشريَّة. فهذا هو جَوهَرُ الإنسان. وهذا هو مَعنى هذه اللَّفظة. فهي تَقولُ عنِ المسيحِ إنَّهُ كانَ في صُورةِ الله. لِذا فإنَّهُ اللهُ الَّذي لا يَتغيَّر ولا يَتبدَّل في جَوهرِه وفي كِيانِهِ. والحقيقةُ هي أنَّ يَسوعَ قالَ في إنجيل يوحنَّا 8: 58: "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ". وهو يَستخدِمُ العبارة "أنا كائِن" لأنَّهُ يَحيا بصفتِهِ اللهَ الكائنَ مِنَ الأزل. وهو في حالةِ الكَينونة مِنَ الأزلِ في الحالةِ الحاضِرَة. وهو سيكونُ كذلكَ دائمًا وأبدًا. فهو لم يَكُن في وقتٍ ما في السَّابق، أو سيكونُ في وقتٍ ما في المُستقبَل، بل هو ببساطة: "الكائِن". وهذا هو أساسُ إيمانِنا. "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ [ماذا؟] اللهَ".
ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الأوَّلِ أنَّ اللهَ: "كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ... الَّذِي هُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ وَرَسْمُ جَوْهَرِه". ونَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 3: 16: "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى". وما هُوَ؟ "اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَد". هذا هو جَوهَرُ إيمانِنا: أنَّ يسوعَ المسيحَ هُوَ الله. ونَقرأُ في رسالة كولوسي 1: 15: "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُور". لِذا فإنَّ الكلمة "كانَ" تَختصُّ بطبيعتِهِ الجَوهريَّة. فيسوعُ المسيحُ كائنٌ [والآن لاحِظوا ما يَلي مَرَّةً أخرى] في صُورةِ الله. وما مَعنى الكلمة "صُورة"؟ إنَّ اللُّغةَ الإنجليزيَّة لا تُساعِدُنا في الحقيقةِ على فَهْمِ هذهِ الكلمةِ اليونانيَّة. لِذا، يجب علينا أن نَرجِعَ إلى الوراء ونَتحدَّثَ عنِ الكلمةِ اليونانيَّةِ قليلاً.
فهي ليست "صُورة" بالمعنى الَّذي نُفَكِّرُ فيهِ في شَكلٍ ماديٍّ أو شيءٍ مُشابِه؛ بل هي مُختلفة تمامًا عن ذلك. فالكلمة في اللُّغة اليونانيَّة هي "مورفيه" (morphe). والكلمة "مُورفيه" تُشيرُ إلى الطَّبيعةِ العميقةِ الدَّاخليَّة والجَوهريَّة الثَّابتة لشيءٍ مَا. فهي لا تَصِفُهُ مِنَ الخارِج. فتلكَ الكلمة هي "سكيما" (schema). فالكلمة "سكيما" تَعني الهَيئة الظَّاهريَّةَ الزَّائلةَ والمُتغيِّرةَ والعابِرَة والخارجيَّة لشيءٍ مَا. وبالمُناسبة، انظروا إلى العددِ الثَّامن إذْ إنَّ الكلمةَ "سكيما" مُستخدمة في العددِ الثَّامن: "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ". وسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ بعدَ قليل. فالكلمة "هَيئة" تُشيرُ إلى الشَّكلِ الخارجيِّ المُتغيِّر. أمَّا الكلمة "صُورة" فهي تَرجمة للكلمة "مورفيه" (morphe) وتُشيرُ إلى الطَّبيعةِ الدَّاخليَّةِ الَّتي لا تَتغيَّر.
فمثلاً، إن تَتَبَّعتُم استخدامَ الكلمة "مورفيه" في صِيَغِها المُختلفة ستَجدونَ أنَّ هذا هو تَمامًا ما تُرَكِّزُ عليه. وهناكَ مَواضِع يَبدو أنَّ الكَلمتينِ تُستخدَمانِ فيها بالتَّبادُل؛ ولكنَّ الاستخداماتِ المُحَدَّدة للكلمة "مورفيه" في نُصوصٍ مُهمَّةٍ جدًّا في العهدِ الجديدِ يَقودُنا إلى استِنتاجِ أنَّها تَعني الطَّبيعةَ الدَّاخليَّة. فعلى سبيل المِثال، نَقرأُ في رسالة رُومية 8: 29: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ". وهي "مورفيه". فهي طَبيعةٌ جَديدةٌ وتَغييرٌ داخليٌّ. فداخِلُ الإنسانِ يَصيرُ على صُورةِ ابنِه. فهي تَتحدَّثُ عن طَبيعتِنا. ونَقرأُ في الرِّسالة الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس 3: 18: "وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ... نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا".
ومَرَّةً أخرى، إنَّها الكلمة "مورفيه". فقد تَغَيَّرنا مِنَ الداخل. فهو تَغييرٌ ثابتٌ يُؤثِّرُ في طَبيعتِنا الدَّاخليَّة. وفي رسالة غَلاطيَّة 4: 19، يَقولُ بولُس: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ ["مُورفيه" - "morphe"] الْمَسِيحُ فِيكُمْ"؛ وحَرفيًّا: "إلى أن يَتَشَكَّلَ فيكُم". فهو لا يَتحدَّثُ عنِ الأمورِ الثَّانويَّةِ، ولا يَتحدَّثُ عنِ الأمورِ الخارجيَّةِ؛ بل يَتحدَّثُ عن تَشَكُّلِ صُورةِ المَسيحِ في طَبيعةِ الإنسانِ الدَّاخليَّة. وفي الرِّسالةِ إلى أهلِ فيلبِّي، يَستخدِمُ بولسُ نفسَ الكلمة مَرَّةً أخرى فيقول: "لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ... مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ". لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن انعكاسٍ داخليٍّ عَميقٍ لصُورةِ الله.
بالمُقابِل، هُناكَ الكلمة "سكيما" (schema) الَّتي اشتَقَقْنا مِنها الكلمة "سكيم" (scheme)، وهي تِصِفُ شيئًا خارجيًّا زائلاً وعابِرًا. فمثلاً، في رسالة كورنثوس الأولى 7: 31، تُستخدَمُ الكلمة "سكيما" بالطَّريقةِ التَّالية: "لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ". ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الثانية 11: 14: "لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ". فهو ليسَ كذلكَ حقًّا، بل يَظْهَرُ بتلكَ الهَيئة. ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى 1: 14: "كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ". بعبارة أخرى، لقد حَصلتُم على طَبيعةٍ جَديدة. وأنتُم خَليقة جَديدة. لِذا، لا تَلبَسوا ثِيابَ الحياةِ القديمة. ويُمكنكم أن تَجِدوا هَاتينِ الكَلمتينِ معًا في رسالة رُومية 12: 2: "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ".
لِذا فإنَّ إحدى هاتينِ الكلمتينِ تَصِفُ الدَّاخلَ، والأخرى تَصِفُ الخارج. والكلمةُ الَّتي تَصِفُ الدَّاخلَ هي المُستخدمَة هُنا. "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي ["مُورفيه" - "morphe"] اللهِ". أيْ أنَّهُ كانَ في صَميمِهِ، وجَوهرِهِ، وفي أعمقِ إنسانِهِ الباطِنِ وطبيعتِه في صُورةِ الله. فهو اللهُ. لا تَسمَحوا لأيِّ شخصٍ أن يُنكِرَ ذلك. فهذا هو التَّوكيدُ الرَّئيسيُّ في الإيمانِ المسيحيِّ. وعليهِ، انظروا إلى نِهايةِ العددِ السَّادس: "لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ". والآن، ما مَعنى ذلك؟ استَمِعوا إلى هذا: لقد كانَ الشَّيطانُ مَلاكًا مَخلوقًا. فقد خُلِقَ الشَّيطانُ مِن قِبَلِ اللهِ، وكانَ أَدنى مِنَ الله، وأقلَّ مِنَ الله. ولكنَّهُ قالَ في سِفْر إشعياء والأصحاح 14: "سأفعلُ كذا، وكَذا، وكَذا، وكَذا، وكَذا" خَمسَ مَرَّات. وخُلاصَةُ كَلامِهِ هي: "سوفَ أصيرُ مِثْلَ [مَن؟] الله".
فقد حَسِبَ الشَّيطانُ أنَّهُ سيَكسَبُ الكثيرَ إنْ صَارَ مُساويًا لله. فقد حَسِبَ ذلكَ شَيئًا يُمكِنُهُ أن يَستولي عليهِ وأن يَحصُلَ عليه. ولكنَّ يَسوعُ لم يَفعل ذلك. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ في الأصلِ مُساويًا لله. فلم يَكُن يَنقُصُهُ شَيءٌ، ولم يَكُن هُناكَ شَيءٌ يُريدُ أن يَأخُذَهُ لنفسِه. فهو على النَّقيضِ تَمامًا مِنَ الشَّيطان. وهُناكَ طَريقة ثانية لِفَهمِ تلكَ الآية. فالفِعلُ المُستخدَم هُنا يَعني: "يُمسِك" أو "يَخطَف" أو "يَتَشَبَّث بِـ". ويُمكننا أيضًا أن نُتَرجمَ تلكَ الآية هكذا: "لم يَحْسَبْهُ شَيئًا يُمكنُهُ أن يَتَشَبَّثَ بِهِ"؛ ليسَ بِمَعنى أنَّهُ لم يَكُن يَمْلِكُهُ فاختلسَهُ، بل بِمَعنى أنَّهُ كانَ يَمْلِكُهُ ويَخشى أن يَفقِدَهُ فتَشَبَّثَ بِهِ. ولكنَّ يَسوعَ لم يَتَمَسَّك بهذا الشَّيءِ خَشيةَ أن يَفقِدَهُ. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ في جَوهَرِهِ الله ولا يُمكِنُ أن يَتوقَّفَ عن كَونِهِ الله.
لِذا فإنَّهُ ليسَ شيئًا كانَ مُضطرًّا لاختلاسِهِ مِن أجلِ الحُصولِ عليه، ولم يَكُن شيئًا ينبغي لهُ أن يَتَشَبَّثَ بهِ كي يُحافِظَ عليه. أتَرَوْن؟ فهي جُملةٌ كلاسيكيَّة تُؤكِّدُ أنَّ يَسوعَ هوَ اللهُ بطبيعتِهِ الدَّاخليَّة حَتَّى إنَّهُ لم يُحاول الحُصولَ على ذلكَ، ولم يَخْشَ يَومًا مِن فُقدانِ ذلك. فهو الله. وهذا هو جَوهَرُ وكِيانُ الرَّبِّ يَسوعَ المسيح. ولكنَّنا نَقرأُ في العددِ السَّابع [حَسَبَ التَّرجمةِ المُعتمَدة]: "لكِنَّهُ تَخَلَّى عن سُمْعَتِهِ". ولكنَّ النَّصَّ اليونانيَّ يَقول: "لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ". فالفِعلُ المُستخدَمُ هُنا هو "كينؤو" (kenoo) الَّذي اشتُقَّت مِنهُ اللَّفظةُ اللاَّهوتيَّةُ "كينوسيس" (kenosis) ومَعناها: "الإخلاء". فقد أَخلَى نَفسَهُ. فالفعلُ يَعني أن تَسْكُبَ كُلَّ شيءٍ حَتَّى القَطرةِ الأخيرة. فقد سَكَبَ نَفسَهُ. وقد أَخلَى نَفسَهُ. وقد صَبَّ نَفسَهُ. وقد عَصَرَ نَفسَهُ.
والآن، ما مَعنى ذلك؟ إنَّهُ الشَّيءُ الَّذي أشرتُ إليهِ في الجُملةِ الأولى الَّتي قُلتُها. فعندما تُتابِعونَ خُطُواتِ التَّجسُّد فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ تُلاحِظونَهُ هو أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المسيحَ تَنازَلَ عن سِيادَتِهِ. وسِيادَتُهُ مُبَيَّنَةٌ في العددِ السَّادس. والتَّنازُلُ عن تلكَ السِّيادَة مُبَيَّنٌ في العددِ السَّابع. والآن لاحِظوا أنَّني لم أَقُل إنَّهُ تَرَكَ لاهوتَهُ. فهو لم يَتَخَلَّ عن لاهُوتِهِ، ولم يَتنازَل عن صِفاتِهِ الإلهيَّة. صَحيحٌ أنَّهُ تَنازَلَ عن امتيازاتِهِ، ولكنَّهُ لم يَتنازَل يَومًا عن لاهوتِه. فهي صِفاتُهُ الجَوهريَّة. وإن تَنازَلَ عن كَونِهِ الله فإنَّهُ سيَصيرُ نَكِرَة. ولا يُمكِنُ للهِ أن يَتوقَّفَ عنِ الوُجودِ بأيِّ حَالٍ لأنَّهُ أبديٌّ. إذًا، ما الَّذي تَنازَلَ عنه؟ وما الَّذي سَكَبَهُ؟ وما الَّذي أَفْرَغَهُ؟
لقد حاولَ أُناسٌ أن يَقولوا إنَّهُ أَخْلى لاهوتَهُ. ولكنَّ هذا سُخْفٌ لأنَّهُ سيتوقَّفُ حينئذٍ عنِ الوُجود. فهذا هو كِيانُه. ولا يُمكِنُهُ البتَّة أن يَفقِدَ ذلك. وهُناكَ كُتَّابٌ عَبَّروا عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "لقد أَخلى نَفسَهُ مِنَ امتيازاتِهِ. فقد تَنازلَ عن كُلِّ ما يُشيرُ إلى جَلالِهِ"؛ وهَلُمَّ جَرَّا. ولكنِ اسمَحوا لي أن أُعَبِّرَ عن ذلكَ ببساطَةٍ مُتناهية. فيُمكنُني أن أقولَ لكم مِنَ العهدِ الجديدِ ما الَّذي تَنازَلَ عنهُ لأنَّ العهدَ الجديدَ يُخبرُنا بالتَّحديد عَمَّا تَنازَلَ عنه.
أوَّلاً، لقد تَنازلَ عن مَجدِه. فقد تَنازَلَ عن استِعلانِ مَجدِه. فقد تَنازَلَ عن إشعاعِ تألُّقِهِ وبَهائِهِ الأبديِّ، وعن مِلْءِ استعلانِ كُلِّ صِفاتِهِ في المَجد. فهذا هو ما يَقولُهُ إنجيل يوحنَّا 17: 5: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَم". أَعِدْ إلَيَّ المَجدَ الَّذي كانَ لي مِن قبل. وهذا يَعني أنَّهُ في تلكَ اللَّحظةِ لم يَكُن لَهُ مَجْد. فقد حَجَبَ مَجدَهُ في جَسَدٍ بَشريٍّ. وقد نَحَّى جَانِبًا التَّعبيرَ الكامِلَ عن مَجدِه.
ثانيًا، لقد تَنازلَ عن كَرامَتِه. فقد تَنازلَ عن كَرامَتِه. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إشعياء والأصحاح 53 أنَّهُ كانَ مُحتقرًا ومَرفوضًا. ويُخبرُنا العهدُ الجديدُ أنَّهُ كانَ مُبغَضًا، وأنَّهُ تَعرَّضَ للسُّخريةِ، وأنَّهُم بَصَقوا عليه. وقد نَتَفوا لِحْيَتَهُ. وقد شَهَّروا بِهِ، وأهانوهُ، وشَوَّهُوا سُمعَتَهُ، واتَّهموهُ، وقَتلوه. فقد تَنازلَ عن كَرامَتِه. وهذا أمرٌ وَاضِح. وقد قالَ النَّبيُّ إشعياءُ إنَّهُ لم يَكُن فيهِ عندَ احتقارِهِ ورَفضِهِ أيُّ جَمالٍ فيه يَدفَعُ النَّاسَ إلى الإقبالِ إليه.
ثالثًا، لقد تَنازَلَ عن غِناه. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الثَّانية 8: 9 أنَّهُ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ غَنيًّا فإنَّهُ [ماذا؟] افتَقَرَ مِنْ أَجْلِنا لِكَيْ نَستغني نَحنُ بِفَقْرِه.
رابعًا، لقد تَنازلَ عن عَلاقَتِهِ المُميَّزةِ بالآب. وقد فَعلَ ذلكَ في لَحظةٍ مُحَدَّدةٍ فقط وهي عندما ماتَ على الصَّليب وقال: "إلهي، إلهي! لماذا تَركتَني؟" ولكنَّهُ عاشَ وَهُوَ يَترقَّبُ بقلقٍ مَجيءَ تلكَ اللَّحظةِ طَوالَ حَياتِه.
وقد تَنازلَ أيضًا عن حَقِّهِ في مُمارسةِ سُلطانِه بنفسه. فقد قال: "لن أفعلَ إلاَّ ما يُريني إيَّاهُ الآبُ. طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الآب. ما يَقولُهُ الآبُ إيَّاهُ أفعل. ما يُريني إيَّاهُ الآبُ إيَّاهُ أفعل". بعبارة أخلى، لقد تَنازلَ عن حَقِّهِ في مُمارسةِ سُلطانِهِ الإلهيِّ بحُريَّة. وقد تَنازلَ عن عَلاقتِهِ المُميَّزة جدًّا باللهِ. وقد تَنازلَ عن غِناه. وقد تَنازلَ عن كَرامَتِه. وقد تَنازَلَ عن مَجدِه. وقد أَخلَى نَفسَهُ مِن كُلِّ تلكَ الأشياء؛ ولكنَّهُ بالرَّغمِ مِن ذلكَ استمرَّ في كَونِهِ الله. فإخلاؤُهُ لنفسِه لم يَكُن يَعني أنَّهُ خَسِرَ أيًّا مِن صِفاتِهِ الإلهيَّة؛ بل إنَّهُ اختارَ أَلاَّ يَستخدِمَها، وتَنازلَ عن حَقِّهِ أوِ امتيازِهِ في استخدامِها. وهلِ استمرَّ في كَونِهِ الله؟ أجل. فهذهِ هي طَبيعتُه.
وبالمُناسبة، هَذا سِرٌّ عَظيمٌ يا أحبَّائي، ولا يُمكنُني أن أستوعِبَهُ تَمامًا. وقد كَتَبَ "جون ميلتون" (John Milton): "لقد تَنازلَ عن تلكَ الصُّورة المَجيدة، وعن ذلكَ البَهاءِ العظيمِ وجاءَ إلى هُنا ليكونَ مَعَنا، وتَنازلَ عن مَسْكَنِهِ السَّماويِّ الأبديِّ واختارَ أن يَعيشَ مَعَنا في بيتٍ مُظلِمٍ مَصنوعٍ مِن طِيْنٍ فَانٍ". فهو اللهُ، ولكنَّهُ أَخلَى نَفسَهُ مِن كُلِّ امتيازاتِهِ الإلهيَّة. وهل هذا يُرينا الكثيرَ مِن جَوانبِ شَخصيَّتِه؟ وهل هذا يُرينا الكثيرَ مِن مَحبَّتِه؟ أَجرَى صِحافِيٌّ مُقابلةً معَ مُديرِ شُؤونِ مُوظَّفينَ كانَ بارعًا في تَعيينِ الأشخاصِ في وَظائفَ يَنجحونَ فيها جدًّا. فقد حَقَّقَ نَجاحًا عاليًا جدًّا حتَّى إنَّ الصِّحافِيَّ سألَهُ: "ما هُوَ سِرُّك؟ كيفَ تُقَيِّمُ النَّاسَ؟ وكيفَ تَعرِفُ حَقًّا مُؤهِّلاتِ الشَّخص؟" وقد كانَ جَوابُهُ كالتَّالي: "إن أردتَ أن تَعرفَ ما هي مُؤهِّلاتُ الشَّخصِ، لا تُعْطِهِ مَسؤوليَّاتٍ، بل أعطِهِ امتيازات. فإن أعطيتَهُ مَسؤوليَّاتِ فإنَّ أغلبيَّةَ الأشخاصِ سيُتَمِّمونَ مَسؤوليَّاتِهم إن أَخَفْتَهُم بالقدرِ الكافي أو شَجَّعتَهُم بمَبلغٍ كَافٍ. أمَّا إن أردتَ أن تَعرفَ المُؤهِّلاتِ الحَقيقيَّة للشَّخص، أعطِهِ امتيازًا. فالشَّخصُ ذو المؤهِّلاتِ الحَقيقيَّة، والَّذي لَديهِ إيثارٌ حَقيقيٌّ، وقُدرةٌ حَقيقيَّةٌ على القِيادَة سيَستخدِمُ امتيازاتِهِ لمساعدةِ الآخرينَ والارتقاءِ بالمُؤسَّسة. أمَّا الشَّخصُ الَّذي يَفتقِرُ إلى تلكَ المُؤهِّلاتِ فإنَّهُ سيَستخدِمُ مُؤهِّلاتِهِ فقط لتَرقيةِ نَفسِه". وقد كانَ يَسوعُ يَمْلِكُ كُلَّ امتيازاتِ المَجد. وهو لم يَكُن مُلزَمًا بأيِّ شيءٍ تُجاهَنا. فقد كانَ مُعادِلاً لله. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّنا نَقرأُ أنَّهُ كانَ يَمْلِكُ مُؤهِّلاتٍ عَظيمةً جَعَلَتْهُ يَختارُ أن يَستخدِمَ امتيازاتِهِ لِبناءِ مَلكوتِ الآبِ والوُصولِ إلى الخُطاةِ الضَّالِّين. وكما هي حَالُ المَلِكِ الَّذي يَخْلَعُ ثَوبَ الجَلالِ ويَرتدي ثَوْبَ شَخصٍ مُتَسَوِّل، فإنَّ ابنَ اللهِ تَنازَلَ عن سِيادَتِه.
النُّقطةُ الثَّانية: لقد ارتَضى أن يَصيرَ عَبْدًا. فقدِ ارتَضى أن يَصيرَ عَبْدًا. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ". فعندما صَارَ إنسانًا، لم يَصِر إنسانًا مَلِكًا، أو حاكِمًا عَظيمًا، أو قائدًا عَظيمًا، أو سَيِّدًا عَظيمًا؛ بل صَارَ عَبْدًا. ففي اللَّحظةِ الَّتي خَلَعَ فيها ثَوبَ الجَلالِ، ارتَدى ثَوبَ عَبْد. وهذا هو تَمامًا ما قالَهُ نَبيُّ العهدِ القديمِ إذْ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 52: 13 إنَّهُ سيَكونُ عَبدًا. ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ العاشرِ: "هنَذَا أَجِيءُ... لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ". ولاحِظوا مَرَّةً أخرى في العددِ السَّابع أنَّهُ لم يَكُن يَتصرَّفُ فقط كعبد. فهو لم يَكُن يَتظاهَرُ بأنَّهُ عَبْدٌ، ولم يَكُن يُؤدِّي دَورَ عَبْد؛ بل صَارَ حَقًّا عَبْدًا.
فنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "آخِذًا..." ثُمَّ استَمِعوا إلى هذا: "صُورَةَ..." – فقد أخذَ صُورةَ... والكلمةُ المُستخدمَةُ هُنا هي: "مورفيه" (morphe). فقد أخذَ الطَّبيعةَ الدَّاخليَّةَ للعَبد. فقد صارَ عَبدًا بالمَعنى الحَقيقيِّ، وعَبْدًا بالمَعنى الكاملِ، وعَبدًا بالمَعنى الكُليِّ. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل لوقا 22: 27 أنَّهُ قالَ: "وَلكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدُمُ". ونَقرأُ في إنجيل مَرقُس 10: 45: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً...". ونَقرأُ في إنجيل لوقا والأصحاح 13 أنَّ أرجُلَ التَّلاميذِ كانت مُتَّسِخَة. وقد أَخذَ يَسوعُ مِنشفةً وغَسَلَ أرجُلَهُم. ثُمَّ إنَّهُ قالَ إنَّ العَبدَ ليسَ أعظمَ مِن سَيِّدِه. ونحنُ نَراهُ يَخدِمُ طَوالَ الوقت. وأعظمُ خِدمةٍ قامَ بها هي عندما مَاتَ على الصَّليبِ لكي يُخَلِّصَ الخُطاة. فقد خَدَمَ أباهُ. وقد دَعاهُ أبوهُ إلى المَجيءِ إلى العالمِ كَعَبْدٍ لكي يُتَمِّمَ خُطَّةَ الفِداء. وقد صَارَ طَوعًا ذلكَ العَبد. لِذا، فقد تَنازلَ حَقًّا عن مَكانِ السِّيادةِ وارتَضَى أن يَصيرَ عَبدًا.
ثالثًا، لقد اختلطَ بأُناسٍ خُطاة. لقد اختلطَ بأُناسٍ خُطاة. فبالرَّغمِ مِن كَمالِه، ارتَضَى أن يَكونَ عَبدًا للآب. وبالرَّغمِ مِنَ انسجامِهِ التَّامِّ معَ الآبِ، ارتَضَى أن يَكونَ عَبدًا. وقد عَنَتْ تلكَ الخِدمةُ أن يَختلطَ بأُناسٍ خُطاة، وأن يَدخُلَ إلى هذا الكَوكبِ المَلعونِ بسببِ الخطيَّة، وأن يُقدِّمَ خِدمتَهُ هُنا على هذهِ الأرض. فهو لم يَكُن يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلكَ مِنَ الفَضاءِ الخَارجيِّ، ولم يَكُن يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلكَ مِن طَرَفِ السَّماء؛ بل كانَ ينبغي لهُ أن يأتي إلى هذا العَالَم وأن يَتلامَسَ معَ الإنسانِ الخاطئِ على مُستواه. لِذا فقد كانَ التَّخلِّي عن مَكانِ السِّيادةِ وارتضاءُ أو قَبولُ مَكانِ العَبدِ يَعني الاقترابَ مِنَ البشرِ الخُطاة. انظروا مَرَّةً أخرى إلى العددِ السَّابع: "آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ". فقد كانت تلكَ هي الطَّريقةُ الوحيدةُ للقيامِ بذلك. فقد كانَ لا بُدَّ أن يأتي كإنسان.
وبالمُناسبة، نَقرأُ في التَّرجمةِ المُعتمدَةِ أنَّهُ "جُعِلَ في شِبْهِ النَّاسِ". ورُبَّما لم تَكُن الكلمة "جُعِلَ" هي أفضل تَرجمة. فالفِعلُ المُستخدَمُ هُنا هُوَ اسمُ الفاعِلِ مِنَ الفِعل "غينوماي" (ginomai) وهو: "غينومينوس" (genomenos) ومَعناها: "صَائِرًا": "صَائِرًا في شِبْهِ النَّاسِ". والفِكرةُ هُنا هي ليسَت أنَّهُ خُلِقَ آنذاكَ لأنَّهُ دائمًا الله؛ بل أنَّهُ صَارَ إنسانًا. فهو مَوجودٌ مِنَ الأزلِ لأنَّ اللهَ سَرْمَدِيٌّ. فهو لم يُخلَق آنذاكَ وصَارَ إنسانًا، بل إنَّهُ مَوجودٌ دائمًا. لِذا فإنَّ الاستخدامَ الصَّحيحَ للفِعلِ يُشيرُ إلى حُدوثِ تَغيير، وإلى أنَّهُ صَارَ شَيئًا مَا. فالآيةُ تَقولُ إنَّ يَسوعَ [الَّذي كانَ دائمًا في صُورةِ اللهِ] صَارَ في شِبْهِ النَّاس". وقد كانت تلكَ عَمليَّة. فقد وُلِدَ، ونَمَا في الحِكمةِ والقامَة، وصَارَ في شِبْهِ النَّاس.
وبالمُناسَبة، إنَّ الكلمة "شِبْه" مُهِمَّة جدًّا أيضًا. فأوَّلُ جُزءٍ مِنَ الكلمة هو الكلمة "هومو" (homo) ومَعناها: "مُماثِل" أو "مُطابِق". فهي تُشيرُ إلى شيءٍ مُماثِل. وما يَقولُهُ هو إنَّهُ صَارَ مُماثِلاً للبشر. فقد كانَ مِن جَميعِ الأوجُهِ مُشابِهًا للبَشر. فقد كانَ إنسانًا حَقيقيًّا. وقد كانَ يَمْلِكُ كُلَّ الصِّفاتِ الجَوهريَّةِ للبشر. فهو لم يَكُنِ اللهَ في قِشرة بَشريَّة، بل كانَ إنسانًا كاملاً بكُلِّ أجزائِهِ وأبعادِه، وإنسانًا حَقيقيًّا بجسمٍ بشريٍّ حَقيقيٍّ. وكانَ يَملِكُ كُلَّ شيءٍ يَملِكُهُ جَميعُ البشرِ باستثناءٍ واحدٍ فقط وهو ماذا؟ الخطيَّة. ولكنَّ ذلكَ لم يَكُن يَعني أنَّهُ لم يَكُن إنسانًا. فقد كانَ آدَمُ إنسانًا قبلَ أن يَكونَ خاطئًا. وأنا وأنتُم سَنَصيرُ بَشرًا مُمَجَّدينَ طَوالَ الأبديَّةِ عندما تُطرَحُ خَطايانا خَلفَنا. وهُناكَ أوقاتٌ في حَياتِنا لم نَكُن نُخطِئُ فيها.
لِذا فإنَّ كَونَكَ إنسانًا لا يَعني بالضَّرورةِ أن تُخطِئ. والمسيحُ لم يُخطِئ. فالكِتابُ المُقدَّسُ واضحٌ في القولِ إنَّهُ كانَ بِلا خَطيَّة؛ ولكنَّهُ كانَ إنسانًا كاملاً. والحقيقةُ إنَّني أتَجرَّأُ على القولِ إنَّهُ كانَ كُلَّ ما يُمكِنُ للإنسانِ أن يَكونَ عليهِ حَتَّى إنَّهُ لا يُمكِنُنا أن نَتخيَّلَ إنسانًا كهذا بسببِ عَدَمِ وُجودِ خَطيَّة فيه. لِذا فقد كانَ إنسانًا حَقيقيًّا. وقد كانَ إنسانًا كامِلاً في جَوهَرِ بَشريَّتِهِ وبأعمقِ مَعنىً مُمكِن. فقد كانَ إنسانًا. ولكنِ انظروا إلى العددِ الثَّامِن: "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ". فالأمرُ لم يَقتصِر على أنَّهُ كانَ إنسانًا حَقيقيًّا، وأنَّهُ كانَ يَملِكُ في أعماقِ وصَميمِ شَخصِهِ كُلَّ الصِّفاتِ الَّتي يَملِكُها الإنسانُ، ولكنَّهُ أيضًا وُجِدَ في الهيئةِ كإنسان. ونَجِدُ هُنا الكلمة "سكيما" (schema): "هَيْئَة إنْسَان". فهو لم يأتِ في القرنِ الميلاديِّ الأوَّلِ بهَيئةِ شخصٍ مِنَ القَرنِ العِشرين ويَتحدَّثُ بلُغةِ القرنِ العِشرين. وهو لم يَنزِل كما لو كانَ زائِرًا مِنَ الفَضاءِ الخَارجيِّ.
بل إنَّهُ وُلِدَ مِن أُمٍّ يَهوديَّة، وعاشَ في قَريةٍ صَغيرةٍ تُدعَى النَّاصِرَة. وكانَ يأكُلُ كما يأكُلون، ويَتحدَّثُ اللُّغةَ الَّتي كانوا يَتحدَّثونَ بها، ويَمشي كما كانُوا يَمْشون، ويَرتدي المَلابسَ الَّتي يَرتَدونَها، ويَعتني بنفسِهِ بالطَّريقةِ الَّتي كانوا يَعتَنونَ فيها بأنفسِهم. وكانَ يأكُلُ ما يأكلونَهُ، ويَشرَبُ ما يَشربونَهُ. بعبارةٍ أخرى، لقد أخذَ نَفسَ شَكلِ حَياتِهم، وتَبَنَّى نَفسَ عاداتِهِم الثَّقافيَّة. لِذا، مِنْ خِلالِ الخِبرةِ الشَّخصيَّةِ، تَأقلَمَ معَ الهَيئةِ الخارجيَّةِ للزَّمانِ الَّذي عَاشَ فيه. فقد كانَ إنسانًا في أعمقِ مُستوى مِن طَبيعتِه. وقد تَأقلمَ معَ البشرِ في تلكَ البيئةِ، وتلكَ الثَّقافةِ، وذلكَ الوقتِ، واختبرَ كُلَّ شَيءٍ اختبروه، وكانَ إلهًا كامِلاً، وإنسانًا كامِلاً، وسِرَّ التَّجسُّدِ، وبلا خَطيَّةٍ كُلَّ الوقت.
لا تُفَكِّروا في أنَّ يَسوعَ لم يَكُن إنسانًا كامِلاً. فقد كانَ إنسانًا كامِلاً. أَلَمْ يأتِ البشرُ إلى هذا العالَمِ مِن خلالِ عَمليَّةِ الولادةِ الطَّبيعيَّةِ مِن رَحْمِ أُمِّهم؟ وكذلكَ فَعَلَ هُوَ. أَلَمْ يَكُنِ الأطفالُ يُقَمَّطونَ بقطعةِ قُماش؟ وكذلكَ تَمَّ تَقميطُهُ هُوَ أيضًا. أَلَمْ يَكبُر الآخرونَ. وكذلكَ فَعَلَ هُوَ. أَلَمْ يَكُن للآخرينَ إخوةٌ وأخوات؟ وكذلكَ هو. أَلَمْ يَتعلَّمِ الآخرونَ التِّجارةَ والعمل؟ وكذلكَ هو. أَلَمْ يَشعُر الآخرونَ أحيانًا بالجُوعِ والعَطشِ والتَّعبِ والنُّعاس؟ وكذلكَ هو. أَلَمْ يَحزنِ الآخرونَ ويَغضبون؟ وكذلكَ هُوَ. أَلَمْ يَبْكِ الآخرونَ؟ وكذلكَ هُوَ. أَلَمْ يَفرحِ الآخرونَ؟ وكذلكَ هُوَ. أَلَمْ يَكُنْ مَصيرُ الآخرينَ أن يَموتوا؟ وكذلكَ هُوَ. ألَم يَتألَّم الآخرونَ؟ وكذلكَ هُوَ؟ ألَم يَشعُرِ الآخرونَ بالمحبَّةِ والكَراهِيَة؟ وكذلكَ هُوَ. فقد كانَ إنسانًا مِنَ الدَّاخلِ والخارِج.
أعتقدُ أنَّ تَرتيلةَ عيدِ الميلادِ المَجيد "مُضْجَعًا في مِذوَد" (Away in A Manger) هي الَّتي تَقولُ الكلماتِ التَّالية: "الأبقارُ تَخُورُ فيَصحو الطِّفلُ مِن نَومِهِ. ولكنَّ الطِّفلَ يَسوعَ المَسيحَ لا يَبْكِ". هل يَقصِدُ كاتبُ التَّرنيمةِ أنَّهُ لأنَّهُ اللهُ فإنَّهُ لم يَبْكِ؟ إنَّ جَميعَ الأطفالِ يَبكون. وهذهِ ليست بالضَّرورة عَلامَة على الخطيَّة. فقد بَكى عندما كانَ رَجُلاً، لِذا ما الَّذي سيَمنَعُهُ مِنَ البُكاءِ عندما كانَ طِفلاً؟ هُناكَ تَرنيمةٌ تَقول: "هل جُعْتَ يا بُنَيَّ؟ وأنا أيضًا احتجتُ إلى الخُبز. وقد بَقيتُ أربعينَ يَومًا لم أَذُقْهُ إلى أنْ أطعمتني المَلائكةُ. هل عَطِشْتَ؟ لقد عَطِشْتُ على الصَّليبِ لأجلِكَ. فقد وَعَدتُ بأن أسُدَّ حَاجاتِكَ يا بُنَيّ. تَعالَ إليَّ! وعندما تَحزَنُ وتَنهَمِرُ دُموعُكَ سَريعًا فإنَّ قَلبي يَنْفَطِرُ عليكَ لأنِّي بَكيتُ على أورُشَليمَ العَزيزة على قلبي. وعندما جئتُ إلى قَبْرِ لِعازَر بَكيتُ. فقد كانَ قَلبي حَزينًا. لِذا فإنِّي سأُعَزِّيكَ عندما تَبكي إلى أن تَزولَ الأحزان". مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ بَكى. فقد كانَ إنسانًا بكُلِّ ما تَعنيهِ الكلمة.
لِذا فقد تَنازَلَ عن سِيادَتِه، وأخذَ مَكانَ عَبْدٍ، وجاءَ إلى أُناسٍ خُطاةٍ. وقد صارَ واحِدًا مِنَّا. يَسرُدُ "بول هارفي" (Paul Harvey) قِصَّةً جميلةً جدًّا تُبيِّنُ هذا الحَقَّ. كانَ الوقتُ هو عَشيَّةُ عيدِ الميلادِ المَجيدِ في الجُزءِ الغَربيِّ الأوسَط. وكانَ هناكَ رَجُلٌ يَعيشُ معَ عائلتهِ. وكانت زوجتُهُ وأبناؤُهُ مُؤمِنينَ؛ في حين أنَّهُ لم يَكُن كذلك. فقد رَفضَ ذلك. وكانَ يَجلسُ عَشيَّةَ عيدِ الميلادِ المَجيدِ ذاكَ أمامَ نَارِ المَوقِد. كانَ الطَّقسُ بارِدًا والثَّلْجُ يَنهمِر. وكانَت زَوجتُهُ وأولادُهُ الصِّغار قد ذَهبوا إلى الكنيسةِ في القريةِ المُجاورةِ لحُضورِ خِدمةِ عَشيَّةِ عيدِ الميلادِ المَجيد لإكرامِ المسيحِ الَّذي يُحبُّونَهُ. أمَّا هُوَ فجَلَسَ أمامَ النَّارِ يَقرأُ الجَريدة. وفجأةً، سَمِعَ صَوتًا عاليًا مُتكرِّرًا.
ظَنَّ أنَّ هُناكَ شخصًا يَطرُقُ على الباب. وعندما ذهبَ إلى البابِ وفَتَحَهُ لم يَجِد أيَّ شخصٍ هُناك. وما إن جَلَسَ في مِقعدِهِ مَرَّةً أخرى حتَّى سَمِعَ الصَّوتَ مُجَدَّدًا ومُجَدَّدًا. وقد راحَ يتساءلُ عن مَصدرِ ذلكَ الصَّوت إلى أن أدركَ أنَّ هُناكَ شيئًا يَرتَطِمُ بالنَّافذة. لِذا فقد ذَهبَ إلى السِّتارةِ وفَتَحها. ولدهشتِه، رأى سِرْبًا مِنَ الطُّيورِ الَّتي تَرتَطِمُ بتلكَ النَّافذة. فقد هَبَّتْ عاصِفَةٌ ثَلجيَّة وعَلِقَت الطُّيورُ فيها بعيدًا عن أعشاشِها فلم تَتمكَّن مِنَ العُثورِ عليها. فقد عَلِقَت في العاصِفة. وقد رأتِ النافذةَ المُضيئةَ فجذبها دِفْءُ الضَّوء. ولكنَّ تلكَ الطُّيورَ كانت تَطيرُ وتَرتَطِمُ حَرفيًّا بالزُّجاج مُحاولةً أن تَصِلَ إلى مَصدرِ الضَّوءِ لكي تَتدفَّأ. فقد كنت ستَتجمَّدُ مِنَ الموت إن لم تَجِد لها مَلاذًا.
لِذا فقد وَجَدَ هَذا الرَّجُلَ الَّذي رَفَضَ أن يَذهبَ معَ عائلتِهِ إلى خِدمةِ عَشيَّةِ عيدِ الميلادِ المَجيدِ لأنَّهُ لم يَكُن مُهتمًّا بمسيحِ عيدِ الميلادِ، وَجَدَ نَفسَهُ فجأةً مُتعاطفًا معَ هذهِ الطُّيور المِسكينة. لِذا فقد راحَ يَتساءلُ كيفَ يُمكِنُهُ أن يُساعِدَها. وقد فَتَحَ البابَ وخَرجَ في الجَوِّ البارِد، وحاولَ أن يُطارِدَها لِئَلاَّ تَقتُلَ نَفسَها بسببِ ارتِطامِها بالنَّافذة. ثُمَّ إنَّهُ رَكَضَ إلى الحَظيرة وفَتَحَ البابَ وراحَ يُصَفِّرُ لها ويُلَوِّحُ ويَفعلُ كُلَّ ما في استطاعَتِهِ لِجَعلِها تَطيرُ إلى الحَظيرة؛ ولكنَّها لم تَفعل ذلك. وَحَتَّى إنَّهُ أخذَ حُفْناتٍ مِنَ الذُّرة والخُبز وألقاها على الثَّلجِ على امتدادِ المسافةِ مِنَ النَّافذةِ إلى الحَظيرة؛ ولكنَّها لم تَلْحَق بِهِ.
وبسببِ يأسِهِ راحَ يَقولُ لنفسِهِ: آهِ لو كانَ بمقدوري أن أتكلَّمَ مَعَها! ولو كانَ بمقدوري أن أُخبرَها أنَّني لا أريدُ أن أُؤذيها، وأنَّ هُناكَ مَكانًا دافئًا، ومَأوىً لها، وأنَّهُ لا حاجةَ إلى الارتطامِ حَتَّى الموتِ بذلكَ الزُّجاج. ولكنِّي إنسانٌ وهي طُيور. ونحنُ لا نَتكلَّمُ نَفسَ اللُّغة! آهِ لو كانَ بمقدوري أن أصيرَ طَائِرًا لكي أتمكَّنَ مِنْ إخبارِها!" وفجأةً، انتَبَهَ إلى حَقيقةٍ مُدهشة! في تلكَ اللَّحظةِ، كما يَقولُ "بول هارفي" أدركَ ذلكَ الرَّجُلُ المَعنى الحَقيقيَّ لعيدِ الميلادِ المَجيد. فقد كانَ البشرُ يَرتطِمونَ حَتَّى المَوتِ بذلكَ الحاجِزِ الَّذي يَحُوْلُ دُونَ حُصولِهم على دِفْءِ المَحبَّةِ الإلهيَّة إلى أن جاءَ إنسانٌ ذاتَ يَومٍ وأخبرنا عنِ الطَّريق. هذه هي قِصَّةُ عيدِ الميلادِ المَجيد. فذاكَ الَّذي كانَ إلهًا كاملاً لم يَتشَبَّثْ بامتيازاتِهِ، بل نَحَّاهَا جانبًا، وصارَ عَبدًا، وجاءَ إلى أُناسٍ خُطاة.
رابعًا، بعدَ أن تَخلَّى عن سِيادَتِهِ، وبعدَ أن قَبِلَ مَكانَ عَبْدٍ، وبعدَ أن جاءَ إلى أُناسٍ خُطاةٍ، أنكَرَ نَفسَهُ... أنكَرَ نَفسَهُ. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثامنِ أنَّهُ: "وَضَعَ نَفْسَهُ". ويا لها، يا أحبَّائي، مِن جُملة! يا لها مِن جُملة! هل فَكَّرتُم يَومًا في اتِّضاعِ المَسيح؟ وما أعنيهِ هو أنَّني أراهُ. فها هُوَ هذا الصَّبيُّ الصَّغيرُ أوِ الشَّابُّ يُساعِدُ يُوسُف على صُنْعِ نِيْرٍ في وَرشَةِ النِّجارَة كي يَضَعَهُ على ثَوْرَيْنِ خَلَقَهُما هُوَ نَفسُه. وأنا أعني أنَّهُ غَسَلَ أرجُلَ التَّلاميذِ الاثني عشر مَعَ أنَّهُ هُوَ الَّذي صَمَّمَ عُقولَهُم. وقد جاعَ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ الكَون. فقد وَضَعَ نَفسَهُ – لقد أنكرَ نَفسَهُ.
وقد فَعلَ ذلكَ لأجلِنا، يا أحبَّائي. فالاتِّضاعُ هُوَ المَغزَى مِن عيدِ الميلادِ المَجيد. الاتِّضاع. فقد وُلِدَ في حَظيرةٍ قَذِرَة. وقد زارَت عائلتُنا واحدةً مِن تلكَ الحَظائرِ في هذا الصَّيف وغُصْنا في تلكَ الحَظيرةِ إلى الكَاحِل في الوَسَخِ والقَذارةِ في يومٍ لم يَطلَع فيهِ نُورُ نَهارٍ ولا أشرَقَت فيهِ شَمس. وكانتِ الرَّائحةُ القذرةُ تَملأُ أُنوفَنا فيَكادُ يُغمَى علينا. إنَّهُ الاتِّضاع. وقد كَتَبَ القِدِّيس أُغسطينوس هذهِ الكلماتِ البَديعةِ عنِ اتِّضاعِ المَسيح... إنَّها كلماتٌ جَميلةٌ جدًّا قالَ فيها: "لقد صَارَ كلمةُ اللهِ الَّذي بواسطتِهِ خُلِقَ كُلُّ الزَّمانِ جسدًا، ووُلِدَ في الزَّمانِ لأجلِنا. وهو، الَّذي مِن دُونِ إذنِهِ لا يُمكِنُ لأيِّ يَومٍ أن يُكْمِلَ مَسارَهُ، تَمَنَّى أن يَحْظَى بواحدٍ مِن تلكَ الأيَّامِ كي يُولَدَ كإنسان. وقد كانَ مَوجودًا في حِضْنِ أبيهِ قبلَ كُلِّ الدُّهور. وقد وُلِدَ مِن أُمٍّ أرضيَّة ودَخَلَ التَّاريخَ في ذلكَ اليومِ عَينِه.
لقد صارَ خالِقُ البشرِ إنسانًا لكي يَتَغذَّى بالرَّغمِ مِن أنَّهُ رَبُّ النُّجومِ مِن صَدْرِ أُمِّهِ، ولكي يَشعُرَ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ خُبْزَ الحياةِ بالجُوعِ، ولكي يَشعُرَ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ نَبْعَ الحَياةِ بالعَطشِ، ولكي يَنامَ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ النُّور، ولكي يَتعَبَ في الرِّحلةِ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ الطَّريق، ولكي يُتَّهَمَ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ الحَقَّ مِنْ قِبَلِ شُهودِ زُور، ولكي يُساقَ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ دَيَّانُ الأحياءِ والأمواتِ إلى المُحاكَمَةِ مِن قِبَلِ قَاضٍ زَائِل، ولكي يُدانَ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ العَدلُ نَفسُهُ مِن قِبَلِ أُناسٍ ظَالِمين، ولكي يَتعرَّضَ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ مُؤدِّبَ الكَونِ إلى الجَلْدِ بِالسَّوْط، ولكي يُعَلَّقَ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ الأساسَ على صَليبٍ، ولكي يَصيرَ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ مِعيارَ الشَّجاعةِ ضَعيفًا، ولكي يَصيرَ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ الضَّمانَ نَفسَهُ مَجروحًا، ولكي يَموتَ بالرَّغمِ مِن كَونِهِ الحَياةَ نَفسَها". إنَّهُ الاتِّضاع!
وكم كانَ مُتواضعًا؟ انظروا إلى العددِ الثَّامن: لقد "وَضَعَ نَفْسَهُ". إلى أيِّ حَدٍّ؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ صَارَ عُرْضَةً للموتِ؛ ولكنَّ الأمرَ تَخَطَّى ذلك. فقد صارَ أيضًا مُطيعًا حَتَّى المَوت. وكما تَرَوْنَ، لقد كانَ عَمَلَ طَاعَة. فقد تَعَلَّمَ الطَّاعةَ [كما جاءَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 5: 8 و9] مِمَّا تَألَّمَ بِه. فقد كانَ أعظمُ عَملٍ قامَ بهِ مُظهِرًا طَاعَتَهُ للآبِ هُوَ أنَّهُ مَات. فقد كانت تلكَ هي مَشيئةُ الله. وحتَّى في البُستانِ عندما قالَ: "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأسُ"، كانَت بَشريَّتُهُ تَصرُخُ مُطالبةً بعدمِ مَوتِه. وكانَ لاهوتُهُ يَصرُخُ ضِدَّ حَمْلِهِ للخَطيَّة. ولكنَّهُ قالَ: "وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ". فقد كانَ مُطيعًا حتَّى المَوت. وهو لم يَصِرْ عُرْضَةً للموتِ فَحَسْب، بل إنَّهُ مَاتَ. وهذا أسوأُ شَيءٍ قد يَحتَمِلُهُ الإنسانُ يَومًا طَوالَ حَياتِهِ حتَّى القَبر. وهو لم يَمُتْ وَحَسْب أيضًا. انظروا إلى نِهايةِ العَددِ الثَّامن: "مَوْتَ الصَّلِيب".
فالمَوتُ شَيءٌ؛ ولكنَّ الشَّيءَ الَّذي يَفوقُ ذلكَ بكثير هو أن تَموتَ مَوتَ الصَّليب. فقد كانَ الكُتَّابُ القُدماءُ يَقولونَ إنَّ المَوتَ على الصَّليب يَعني أن تَموتَ ألفَ مَرَّة قبلَ أن تَلفُظَ نَفَسَكَ الأخير. فقد كانَ الألمُ مُبَرِّحًا ويَصعُبُ تَخَيُّلُه. وكانَ اختِناقُ الأعضاءِ عندما يَكونُ الجِسمُ مُعَلَّقًا مِن أربعة جُروح كبيرة أكثرَ مِن قُدرتِكُم على التَّخيُّل. وكانَ الألمُ، الألمُ المُبَرِّحُ، الَّذي يَسري في كُلِّ الجِسمِ أكثرَ مِن قُدرتِنا على الاستيعاب. فقد كانت مِيْتَةً مُؤلمةً، ومِيتةً مُخزية. وكانت تلكَ المِيْتَةُ مَحفوظةً لأشنعِ وأشَرِّ المُجرِمين. وكانَ الشَّخصُ المَصلوبُ يُعَلَّقُ في الهَواءِ عَارِيًا أمامَ الرُّعاعِ المُتَفَرِّجينَ المُحَدِّقينَ السَّاخِرين. فقد كانت مِيْتَةً مَلعونَة. فقد قالَ اللهُ نَفسُهُ: "مَلعونٌ كُلُّ مَن عُلِّقَ على خَشَبَة". وكانت مِيْتَةً مُوْحِشَةً. فلم يَكُن هُناكَ رَفيق. وحَتَّى إنَّ اللهَ تَرَكَهُ.
وأنا أتَعجَّبُ كثيرًا عندما أسمعُ الكلمات: "اسكُني يا نَفسي وانظُري أعجبَ شَيءٍ على مَرِّ العُصور: فَها هُوَ المَسيحُ إلَهُكِ، رَبُّ المَجدِ، مُعَلَّقٌ على الصَّليبِ لأجلِكِ!". فهو اتِّضاعٌ لا يُمكِنُنا أن نَستوعِبَهُ. ولكنَّ الشَّيءَ المُدهشَ جدًّا هو أنَّهُ حَتَّى في مَوتِهِ... حَتَّى في مَوتِهِ، وحتَّى في عُمْقِ أَلَمِهِ البَشريِّ فإنَّهُ ما زَالَ يَتنازلُ عن قُوَّتِهِ الإلهيَّةِ لكي يَفدي الجِنسَ البَشريَّ. فقد كانَ قادِرًا على القيامِ بذلكَ مِن خلالِ مَوتِه. كانت هُناكَ مَعركةٌ تُخاضُ مُنذُ وقتٍ طَويل. وقد سَمِعَ المَلِكُ خَبرًا يَقولُ إنَّ جُنديًّا واحدًا يَحمِلُ سَيفًا أَهْلَكَ بمُفردِهِ جيشَ العَدُوّ. قالَ الملِكُ لواحدٍ مِن جُنودِه: "أحضِروا لي ذلكَ السَّيف. أريدُ أن أرى السَّيفَ الَّذي يَستطيعُ أن يُحْدِثَ كُلَّ هذا الضَّرَر".
جَلبَ الجُنديُّ السَّيفَ، وأحضرهُ، وقَدَّمَهُ إلى المَلِكِ الَّذي نَظرَ إليهِ وقال: "خُذْهُ! إنَّهُ سَيفٌ عَادِيٌّ وحَسْب!" قالَ الجُنديُّ: "يا صَاحِبَ الجَلالة! يجب أن تَرى الذِّراعَ الَّتي تُلَوِّحُ بها". فأنتَ نَنظُرُ إلى يسوعَ المسيحَ وتَرى بَشريَّتَهُ فتقول: "كيفَ يُمكِنُ لإنسانٍ أن يَفدي الجِنسَ البَشريَّ؟" "إنَّهُ مُجرَّدُ شَخصٍ عَاديٍّ". هذا صَحيح، ولكن يجب عليكَ أن تَرى الذِّراعَ الإلهيَّةَ الَّتي تَستخدِمُ ذلكَ الإنسانَ حَتَّى إنَّهُ في مَوتِهِ فَدى الجِنسَ البشريَّ! وهذا حَقٌّ عَظيمٌ جدًّا. لِذا، ماذا نَرى إذًا؟ وما هي قِصَّةُ عيدِ الميلادِ المَجيد؟ أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ تَنازلَ عن سِيادَتِهِ، وارْتَضى أنْ يَصيرَ عَبْدًا، وجاءَ إلى بَشَرٍ خُطاة، وَوَضَعَ نَفسَهُ. هذه هي قِصَّةُ عيدِ الميلادِ المَجيد. ولكن بَقِيَت نُقطةٌ واحدة.
خامسًا، لقد رَفَّعَهُ اللهُ. لقد رَفَّعَهُ اللهُ. فما هُوَ رَدُّ فِعلِ اللهِ على ذلك؟ وماذا ينبغي أن يَكونَ رَدُّ فِعلنا نَحنُ؟ نَقرأُ عن رَدِّ فِعلِ اللهِ [أوَّلاً] في العَددِ التاسع: "لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا..." أو لَقَبًا أو مَكانَةً أو رُتْبَةً "...فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ" أو لَقَبٍ أو مَكانَةٍ أو رُتبةٍ. فقد رَفَّعَهُ اللهُ. اسمَعوني يا أحبَّائي: هذا حَقٌّ رُوحيٌّ عظيمٌ جدًّا. وقد قالَهُ يَسوعُ شَخصيًّا في إنجيل لوقا 14: 11 إذْ نَقرأ: "مَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ [ماذا؟] يَرْتَفِع". وهذا هو الحَقُّ الرُّوحيُّ الَّذي يَنبغي لنا أن نَتعلَّمَه. فعندما نَضَعُ أنفسَنا فإنَّ اللهَ يَرفعُنا ويُعَلِّي مَكانَتَنا. وهذا هو ما حَدَثَ تَمامًا. فقد وَضَعَ المسيحُ نَفسَهُ فارتفَع. ثُمَّ إنَّهُ صَارَ أعظمَ مَثَلٍ على هذا المَبدأ المُختصِّ بالمَلكوت: إنْ نَزَلتَ إلى أدنى درجةٍ مِنَ الاتِّضاعِ المُضَحِّي والخالي مِنَ الأنانيَّة فإنَّ اللهَ سيَرفَعُكَ إلى ذُرَى المَجد.
ونحنُ نَرى ذلكَ في التَّطويبات. ونَرى ذلكَ في كُلِّ تَعليمِ المَسيحِ والرُّسُل. فالاتِّضاعُ يأتي أوَّلاً، ثُمَّ يأتي الارتفاع. الاتِّضاعُ ثُمَّ الارتفاع. فقد كانَ يَسوعُ في مَعموديَّتِهِ مُتَّضِعًا إذْ إنَّهُ تَعَمَّدَ على يَدِ يُوحَنَّا. وفي اتِّضاعِهِ قَرَنَ نَفسَهُ بخَطايا أُمَّتِه. ولكنَّ ارتفاعَهُ حَدَثَ عندما جاءَ صَوتُ اللهِ مِنَ السَّماءِ قَائِلاً: "هَذا هُوَ ابني الحَبيبُ الَّذي بِهِ سُرِرْتُ". ونحنُ نَراهُ في التَّجربة. فقد اتَّضَعَ إذْ بَقِيَ أربعينَ يَومًا دُونَ أن يأكُل. فقد جَرَّبَهُ الشَّيطانُ. وقد صَامَ في تَوبَةٍ لأنَّهُ اقترنَ بخطايا الأُمَّة. وباتِّضاعٍ، وَثَقَ بأنَّ الآبَ سيَعتني بِه ولم يَستخدِم يَومًا قُدرتَهُ لِسَدِّ حَاجاتِهِ الشَّخصيَّة. ثُمَّ جاءَ الارتفاعُ المَجيد عندما حانَ الوقتُ المُناسبُ إذْ إنَّ الآبَ أرسلَ الملائكةَ فجاؤوا وأطعَموه.
وفي اتِّضاعِهِ، أعلنَ صَراحَةً لتلاميذِهِ أنَّهُ سيَموت. وبعدَ قليل، صَعِدَ إلى الجَبلِ مَعَهُم وحَجَبَ جَسَدَهُ فَرَأَوْا مَجدَهُ. ونحنُ نَراهُ على الصَّليبِ في اتِّضاعٍ قبلَ أن يَخرُجَ مِنَ القبرِ في ارتفاع. فهذا هو النَّمَطُ السَّائِد: الاتِّضاعُ ثُمَّ التَّمجيد. فقد رَفَّعَهُ اللهُ. لقد كانَ هذا هو رَدُّ فِعلِ الله. فقد رَفَّعَهُ اللهُ وأعطاهُ اسمًا فَوقَ كُلِّ اسم. لماذا؟ نَقرأُ في العدد 10: "لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ". كُلُّ رُكبةٍ. وهذا يَسري علينا وعلى جَميعِ الكائِناتِ الأخرى. فكُلُّ رُكبةٍ ستَنحني. كُلُّ رُكْبَةٍ "مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ". وَمَن يَكونُ هَؤلاء؟ إنَّهُم المَلائكةُ القِدِّيسون، والمُؤمنونَ الَّذينَ نَالُوا الفِداءَ وذَهبوا إلى السَّماء. "وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ"؛ أيْ كُلَّ الأحياء. "وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ"؛ أيِ الأرواحُ الشرِّيرةُ، والشَّيطانُ، وكُلُّ أعوانِه.
فكُلُّ المَخلوقاتِ الَّتي في السَّماءِ، وعلى الأرضِ، وتَحتَ الأرضِ ستَسجُدُ لذلكَ الاسمِ المُرتفِع. فهو [كما جاءَ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الأوَّل]: "فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى". فقد أُعطِيَ مَكانةً عاليةً وجَلَسَ عَن يَمينِ الله. لاحِظوا أنَّهُ أُعطيَ اسمًا فَوقَ كُلِّ اسمٍ. وقد تَقول: "وما هو ذلكَ الاسم؟" هذا واضحٌ جدًّا إذْ نَقرأُ في العَددِ العاشرِ أنَّهُ الاسمُ يَسوع. فكُلُّ ما يُمَثِّلُهُ كَامِنٌ في ذلكَ الاسم. فكُلُّ ما يُمَثِّلُهُ مَوجودٌ فيه. فهو لا مَثيلَ لَهُ. فهو مُخَلِّصُ وَرَبُّ العَالَمِ والكَون. وأمامَ ذلكَ الاسمِ، كُلُّ رُكبَةٍ ستَنحني. وهل تَعلَمونَ شَيئًا؟ كُلُّ رُكبةٍ ستَنحني. أجل. كُلُّ رُكبةٍ ستَنحني. وإنْ لم تَكُن ستَنحني مِن أجلِ العِبادةِ فإنَّها ستَنحني عندَ الدَّينونة. أليسَ كذلك؟ فإن لم تَكُن ستَنْحَني مِن أجلِ العِبادةِ فإنَّها ستَنحني عندَ الدَّينونة. فكُلُّ رُكبةٍ ستَنحني. وحتَّى إنَّ الشَّيطانَ سيُطرَحُ في الحُفرةِ إلى الأبد. فسوفَ يَحني رُكبتَهُ لسُلطانِ المسيح.
ولكنِ انظروا إلى العدد 11 وفَكِّروا في التَّجاوُبِ الشَّخصيِّ. فالعددُ العاشِرُ يُقدِّمُ الصُّورةَ العامَّة: "كُلُّ رُكبةٍ ستَنحني". أمَّا العددُ الحادي عشر فيُقدِّمُ الصُّورةَ الفَرديَّة: "وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ". فكُلُّ شيءٍ حَيٍّ، وكُلُّ مَخلوقٍ حَيٍّ في هذا العالَم سيَعترِف أنَّ يَسوعَ المسيحَ هُوَ رَبٌّ. فالشَّياطينُ، وغيرُ المُؤمنينَ، والمَفديُّونَ، والملائكةُ القِدِّيسونَ سيَنحَنونَ جَميعًا، وسيَعترفونَ جَميعًا عَاجِلاً أَم آجِلاً. ولكنَّ السُّؤالَ المُهِمَّ هُوَ: مَتى؟ فإنِ انتظرتَ إلى أن تأتي الدَّينونة، سيكونُ الوقتُ قد فَات. أمَّا إذا اعترفتَ الآنَ بأنَّ يَسوعَ رَبٌّ فإنَّكَ ستَدخُلُ إلى مَلكوتِهِ وتَنعُمُ بخلاصِه. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 10: 9 و10: "لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ"، ماذا سيَحدُثُ لَكَ؟ سَتَخلُص. فهذهِ هي رسالةُ الإنجيل.
فيسوعُ المسيحُ هُوَ الرَّبُّ. هذا هو ما نَقولُهُ. فهو اللهُ. فهو في صُورةِ للهِ. وَهُوَ اللهُ الحَقيقيُّ ويَملِكُ كُلَّ صِفاتِ اللهِ، وجاءَ إلى العالَمِ في هَيئةِ إنسانٍ كاملٍ. وقد صَارَ عَبدًا إذْ إنَّهُ اتَّضَعَ. وقد مَاتَ حَتَّى مَوت الصَّليب. وفي وَسْطِ ذلكَ المَوتِ اشترى خَلاصَنا. وقد وَافقَ اللهُ على ذلكَ ورَفَّعَهُ إلى المَكانِ الَّذي كانَ لَهُ. ثُمَّ إنَّ اللهَ دَعا كُلَّ الكَونِ المَخلوقِ قائلاً: "اسجُدوا لَهُ، واعترفوا بِرُبوبيَّتِه". وإن لم تَفعل ذلكَ الآن، ستَفعل ذلكَ في وقتٍ لاحِق. ولكنَّكَ ستَفعلُ ذلكَ عندَ مَجيءِ القَضاءِ والدَّينونة. إمَّا الآنَ، وإمَّا لاحِقًا. الخِيارُ لَكَ. فيُمكنكَ أن تَحني رُكبتَكَ الآنَ مُعبِّرًا عن عِبادَتِكَ ومَحبَّتِكَ لَهُ. ويُمكنُكَ أن تَعترف بهِ رَبًّا الآنَ وأن تَدخُلَ إلى فَرحِ الخَلاصِ إلى الأبد.
أو يُمكنكَ أن تُقاوِمَ وتقول: "لا". ولكنَّكَ ستَحني ذاتَ يَومٍ رُكبتكَ لأنَّكَ ستُرغَم على ذلكَ ولن يَكونَ لديكَ خِيار. وسوفَ تُدانُ حِينئذٍ. وَصَلاتُنا هي أنَّكَ ستَعترفُ بيسوعَ رَبًّا. وهل مِن هَديَّةِ عيدِ مِيلادٍ مَجيدٍ أعظمُ مِن هذه؟ فحينئذٍ ستَنالُ الحياةَ الأبديَّة. لِماذا أنتَ مُصِرٌّ على حَماقَتِك؟ فَمَن هوَ الإنسانُ الأحمقُ الَّذي يَرفُضُ ذلك؟ هذا أمرٌ لا يَستوعِبُهُ عَقْلٌ! ولكن هل هُناكَ رسالةٌ للمُؤمِنينَ هُنا؟ إنَّ الأغلبيَّةَ مِنَّا مُؤمنون. فهل هُناكَ رسالةٌ لنا؟ بِكُلِّ تأكيد. هل تُريدونَ أن تَعلَموا شَيئًا؟ لقد كُتِبَ هذا المَقطعُ للمؤمنين. أجل. فهذا المَقطعُ لم يُكتَب لغيرِ المُؤمنين، بل كُتِبَ للمُؤمِنين. وكيفَ نَعلَمُ ذلك؟ لأنَّ كُلَّ المَقطعِ هو تَوضيحٌ لمبدأ آخر. ارجِعوا إلى العددِ الخامِس. فكُلُّ المَقطعِ هو، ببساطَة، تَوضيحٌ لمبدأ آخر.
وما هو هذا المَبدأ؟ نَقرأُ في العددِ الثَّالث: "لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا. فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ..."، ثُمَّ إنَّكُم تَدخُلونَ في ذلكَ المَقطَع. ما الَّذي يَقولُهُ بولُس؟ كُونوا مُتواضِعين. ولا تَكونوا أنانيِّين. كونوا مُتواضِعين. وإن أردتُم مَثَلاً إيضاحيًّا، لِيَكُن فيكُم هذا الفِكرُ الَّذي في المَسيحِ الَّذي كانَ شَيئًا ثُمَّ صَارَ لا شَيء لكي يَجعلَهُ اللهُ شَيئًا مَرَّةً أخرى. فهو مَثَلٌ حَيٌّ للمُؤمِن. فإن تَواضَعتُم فإنَّ اللهَ سيَرفَعُكم.
وهل تَعلمونَ يا أحبَّائي أنَّ النَّاسَ يَسألونَ في وقتِ عيدِ الميلادِ المَجيدِ السُّؤالَ التالي: "ما الَّذي يُحاولُ الرَّبُّ أن يَقولَهُ لي؟ ما هي الغايَةُ مِن عيدِ الميلادِ المَجيد؟" أعتقدُ أنَّ الغايةَ مِن عيدِ الميلادِ المَجيدِ هي هذه. فلا يوجد وقتٌ أفضل مِن عيدِ الميلادِ المَجيدِ في السَّنة لتَعليمِنا دَرسَ التَّواضُع. فالمسيحُ لم يَكُن أنانيًّا. وقد كانَ مُتواضعًا. وقد تَنازَلَ عن حُقوقِه. وبولسُ يُشَجِّعُ الكنيسةَ على تَبَنِّي ذلكَ الفِكرِ، وعلى إظهارِ الاستعدادِ للتَّألُّمِ والاتِّضاعِ والإيثارِ والتَّضحيةِ لكي يَرفَعَنا اللهُ. والشَّيءُ الَّذي يَنبغي لنا أن نَتعلَّمَهُ، يا أحبَّائي، هو أَلاَّ نَنظُرَ دائمًا إلى ما لأنفسِنا، وألاَّ نُدافعَ عن أنفسِنا، وألاَّ نَرفَعَ مِن شأنِ أنفُسِنا؛ بل أن نَتواضعَ ونَتخلَّى عنِ الأنانيَّة. هذه هي رسالةُ عيدِ الميلادِ المَجيدِ لنا.
استَمِعوا إلى كَلماتِ "بول ريس" (Paul Rees): "بالنِّسبةِ إلينا نحنُ المَسيحيِّين، ليسَ هُناكَ مَكانٌ يَظهَرُ فيهِ مَبدأُ عَدمِ التَّفكيرِ في الذَّاتِ في سَبيلِ التَّفكيرِ في الآخرينَ أكثر مِمَّا يَظهرُ في يَسوعَ المسيح. فهو اللهُ الَّذي أَخلى نَفسَهُ ولكنَّهُ بَقِيَ الله. فهو اللهُ الَّذي خَلَعَ ثَوْبَ المَلِكِ وارتَدى ثَوْبَ عَبْد. إنَّهُ اللهُ الَّذي قَامَ عَنِ الكُرسيِّ الَّذي كانَ يَجلِسُ فيهِ دَيَّانًا وذهبَ إلى الصَّليبِ المُخَصَّصِ للمُجرِمين. إنَّهُ اللهُ الَّذي تَنازلَ عن امتيازاتِهِ، وتَنازَلَ عن غِناه، وعَرَّضَ نَفسَهُ للشَّرِّ، والعَداوةِ، والبَصقِ، ولم يُنَجِّ نَفسَهُ إلى أن جَعَلَ صَليبَ العَارِ على تلكَ التَّلَّةِ في أورُشليم العَلامةَ الواضحةَ على بَذلِهِ لنفسِه". يا لها مِن كلماتٍ رائعة!
وما الَّذي يَعنيه ذلك بالنِّسبةِ إلينا؟ "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ". هذه هي الرِّسالة. تَواضَعوا في عيدِ الميلادِ المَجيدِ هذا. ولا تَكونوا أنانيِّينَ. ساعِدوا شخصًا لديهِ حَاجَة. فقد فعلَ يسوعُ ذلك. وقد قالَ "بنجامين وورفيلد" (Benjamin Warfield)، اللاَّهوتيُّ العَظيمُ، ما يَلي: "نحنُ نَراهُ بينَ آلافِ أهلِ الجَليلِ مَمسوحًا مِنَ اللهِ بالرُّوحِ القُدُسِ والقُوَّة، يَجُولُ يَصنَعُ خَيرًا، دُونَ أن يَفتخِرَ بنسبِهِ معَ أنَّهُ كانَ مَلِكًا، ودُونَ أن يَفتخِرَ بذكائِهِ معَ أنَّهُ كانَ عَالِمًا بكُلِّ شيءٍ، ودُونَ أن يَفتخِرَ بقُدرتِهِ معَ أنَّ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ وعلى الأرضِ كانَ في يَدِه، ودُونَ أن يَفتخِرَ بمكانَتِه معَ أنَّ كُلَّ مِلْءَ اللاَّهوتِ كانَ يحِلُّ فيهِ جَسديًّا، ودُونَ أن يَفتخِرَ بصَلاحِهِ الفائِقِ، بل إنَّهُ كانَ مُتواضعًا ويَحسَبُ الجَميعَ أفضَلَ مِن نَفسِهِ ويَشفي المَرضَى.
"وقد أخرجَ الشَّياطينَ. وقد أطعَمَ الجِياعَ. وفي كُلِّ مَكانٍ، كانَ يَكسِرُ للبشرِ خُبْزَ الحَياةِ معَ أنَّهُ كانَ يمَضي دُونَ أن يأكُل. ونحنُ نَراهُ في كُلِّ مَكانٍ يَبذُلُ للنَّاسِ حَياتِهِ مِن أجلِ خَلاصِ نُفوسِهم. وعندما احتشَدَتْ في النِّهايةِ قُوى الشَّرِّ ضِدَّهُ، بَقِيَ يَمشي كالمُعتاد دُونَ استعراضٍ أو هَلَعٍ في طَريقِ الألمِ المُعيَّن لَهُ، وبَذَلَ حَياتَهُ في الجُلجُثة حَتَّى يَستطيعَ العالَمُ مِن خلالِ مَوتِهِ أن يَحيا". إنَّهُ إنْكارُ الذَّاتِ... إنْكارُ الذَّات. هذه هي الرِّسالة المُوَجَّهة إلينا. إنَّها رسالةُ التَّواضُع. دَعونا نُصَلِّي:
عَلِّمنا يا أبانا أن نُنكِرَ ذَواتِنا. وعندما يَتألَّمُ النَّاسُ، ليتَنا نَكونُ هُناكَ لتَعزيتِهم. وعندما يُعاني النَّاسُ، لَيتَنا نَكونُ هُناكَ لمُساعدتِهم. وعندما يَسقُطُ النَّاسُ، لَيتَنا نَكونُ هُناكَ لِرَفعِهم. وعندما يَنجَحُ النَّاسُ، لَيتَنا نَكونُ هُناكَ لِنَفرَح مَعَهُم. عَلِّمنا أنَّهُ لا يَجوزُ لنا أن نَكونَ مُحبِّينَ لذواتِنا وأنانيِّينَ. فلا يُمكِنُنا أن نَكونَ أنانيِّينَ في تَوَجُّهِنا. عِلِّمنا أن نَسلُكَ باتِّضاعٍ كما سَلَكَ المَسيحُ، وأن نَسيرَ في دَرْبِ التَّضحيةِ بالذَّاتِ لأنَّهُ دَربُ المَجد. يا لَيتَنا نَتعلَّمُ ذلك. ويا أبانا، نُصَلِّي أيضًا لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعرفونَ الرَّبَّ عَسَى أن يَرَوْا في اتِّضاعِهِ مَحَبَّتَهُ الفائقةَ وأن يَنجذبوا إليه. نُسَبِحُكَ يا رَبُّ على عَطِيَّةِ ابنِكَ.
ونحنُ نُرَدِّدُ كلماتِ الشَّاعِرِ الَّذي قَال: "هُناكَ، في مَجْدِ القِيامةِ، أنتَ جَالِسٌ على عَرشِكَ في السَّماء، تَسكُنُ في مِلْءِ مَحبَّةِ اللهِ الآبِ الَّتي لا تَتغيَّر. والمَحبَّةُ تَنسَكِبُ عليكَ بلا حُدود مُنذُ بِدايةِ خَلْقِ السَّماء، مَحبَّةُ اللهِ الأبديَّةِ لابنِهِ الأبديّ. والآن، سوفَ تَحصُلُ يا دَهْرَ الدُّهورِ المُكَلَّلَ بالكَرامَةِ على كُلِّ المَجدِ الَّذي يَستطيعُ جُنْدُ السَّماءِ أن يُمَجِّدَكَ بِه. إنَّهُ مَجْدٌ لا يَزول، وبَهاءٌ مَلَكِيٌّ اشتريتَهُ بدَمِكَ الثَّمين؛ لكَ التَّسبيحُ مِن كُلِّ خَليقةٍ، يا ابنَ اللهِ القُدُّوس ومَسيحَ الله". لكَ كُلُّ الحَمدِ والتَّسبيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
