Grace to You Resources
Grace to You - Resource

دَعونا نَحني رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي: يا أبانا، فيما نَأتي الآنَ إلى دِراسةِ كلمةِ اللهِ، نُصَلِّي أن يَفْتَحَ لنا رُوحُ اللهِ بَابَ الحَقِّ حَتَّى نَرى، ونَسمَعَ، وَنَفهَمَ، وَنَتجاوَبَ بِقُلوبٍ مُطيعَة. باسمِ المَسيح. آمين!

أرجو أن تَفتَحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ وَتَنظُروا مَعي إلى إنجيلِ يُوحَنَّا والأصحاحِ الرَّابع... إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح الرَّابع. وَأودُّ أن أقرأَ الأعدادَ مِن 20 إلى 24. وسوفَ يَكونُ هَذا النَّصُّ حَجَرَ الأساسِ لِدِراسَتِنا عَنِ العبادَة. فَسَوفَ نَعودُ إليهِ بينَ الحِينِ والآخرِ وَنَدْرُسُهُ في النِّهايةِ دِراسةً عَميقةً جدًّا لأنَّنا نُؤمِنُ بأنَّ الآياتِ يُوحَنَّا 4: 20-24 هِيَ أَهَمُّ مَقطَعٍ في العهدِ الجديدِ عَنِ العِبادَة، وَبأنَّهُ يَنبَغي لنا أن نَفهمَ الحَقائقَ الَّتي يُعَلِّمُها إن أردنا أن نَفهَمَ مَوضوعَنا هَذا. والحِوارُ يَدورُ بينَ المرأةِ السَّامِرِيَّةِ وَرَبِّنا يَسوعَ المَسيح. وَهِيَ تَقولُ: "آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»". والكلمة "سَجَدَ" تَظْهَرُ [بِصيغَةٍ أو بأخرى] ثَماني مَرَّاتٍ في ذلكَ النَّصّ. وَمِنَ المُهِمِّ أن نَفهَمَ مَا يَقولُهُ رَبُّنا هُنا. وَسوفَ نَفهمُ ذَلِكَ عَلى مَا أرجو مَعَ نِهايَةِ سِلسِلَتِنا.

والآن، عندما جِئتُم إلى هُنا في هذا الصَّباحِ فإنَّكُم جِئتُم إلى شَيءٍ نُسَمِّيهِ "شَرِكَة العِبادَة". وَقَد جِئتُم إلى بِنايَةٍ نُسَمِّيها: "مَركَز العِبادَة". وقبلَ أربعِ سَنَواتٍ تَقريبًا، عندما كُنَّا عَاكِفينَ على بِناءِ هَذهِ البِنايَة، وَأكْمَلْنا البِناءَ، كُنتُ أُحاوِلُ أن أُقَرِّرَ الاسمَ الَّذي سَنُطْلِقُهُ عليها. وَقَدْ تَمَّ تَقديمُ اقتراحاتٍ كَثيرة. فَقد كانَ بِإمكانِنا أن نُسَمِّيها: "قَاعَةُ الاجتِماعات"؛ ولكِنَّ هذا الاسمَ لا يُمَيِّزُ هذا المَبنَى في شَيء. وَكانَ بِإمكانِنا أن نُسَمِّيها: "المَسْكَن"؛ ولكِنَّ هَذا الاسمَ ليسَ مُلائِمًا لأنَّ اللهَ لا يَسكُنُ هُنا. وَكانت هُناكَ اقتراحاتٌ أخرى لن أَذْكُرَها بخصوصِ الاسمِ الَّذي يُمكِنُنا أن نُطلِقَهُ عَلى هذا المَبنَى. ولكِنِّي ارتأيتُ أنَّ أفضلَ اسمٍ هُوَ: "مَركَزُ العِبادَة" لأنَّهُ عِندَما تَأتونَ إلى هُنا فإنَّكُم تَأتونَ لِغايَةٍ رَئيسيَّةٍ هِيَ: عِبادَةُ الله. وَأنتُم تَأتونَ لا فقط إلى مَركَزِ العِبادَة، بَل تَأتونَ أيضًا إلى شَرِكَةِ العِبادَة. وعندما تُرَنِّمُ الجَوْقَةُ، وتُعزَفُ المُوسيقَا، وَتُقَدَّمُ العِظَةُ، فإنَّ تلكَ الأشياءَ ليست غَايَةً في ذَاتِها، بَل إنَّها مُجَرَّدُ مُحَفِّزات. فَالغَايَةُ وَالقَصدُ مِنها هُوَ أن تُساعِدَكُم على عِبادَةِ الله. وَإن كُنتُم تَفْتَكِرونَ في شَيءٍ مُختَلِفٍ عَن ذلكَ في أذهانِكُم، تَكونونَ قَد أَسَأتُم فَهْمَ الغَايَةِ مِن هَذا المَكان.

وَأخشَى أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يَأتونَ إلى الكنيسةِ بسببِ مَا يُمكِنُهم الحُصولُ عليهِ مِنها. فَكما تَعلَمونَ، هُناكَ أشخاصٌ يَتَصَفَّحونَ صَفْحَةَ الكَنيسةِ لِيَرَوْا مَنْ سَيَعزِفُ وَفي أيَّة سَاعَة في يَومِ الأحَدِ وَيَذهَبونَ إلى الخِدمَةِ الَّتي تَرُوقُ لَهُم أوْ إلى الخِدْمَةِ الَّتي يَقولونَ إنَّها "تُبارِكُهم". ولكِن إنْ كُنتَ تَأتي إلى الكَنيسةِ مِن أجلِ الأشياءِ الَّتي يُمكِنُكَ الحُصولُ عَليها مِنَ المُوسيقَا، أوِ الأشياءِ الَّتي يُمكِنُكَ الحُصولُ عَليها مِنَ العِظَة، أو كُنتَ تَأتي إلى الكَنيسةِ لكي تَتَبارَكَ، فإنَّكَ قَد أَسأتَ الفَهم. فَقَد أَسأتَ الفَهمَ حَقًّا لأنَّنا نَأتي إلى هُنا مِن أجلِ عِبادَةِ اللهِ. وَهَذا عَطاءٌ وَليسَ أَخْذٌ. فَنحنُ نَأتي كَي نُقَدِّمَ لَهُ شَيئًا، لا لِنَأخُذ. وَالشَّيءُ المُؤكَّدُ هُوَ أنَّنا إنْ قَدَّمْنا لَهُ التَّسبيحَ الَّذي يَليقُ باسْمِهِ فإنَّنا سَنَحصُلُ على البَرَكَةِ مِن يَدِهِ لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ على لِسانِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذ". لِذا، هُناكَ بَرَكَةٌ في العَطاءِ، بَلْ إنَّها تَفوقُ البَرَكَةَ الَّتي سَتَحصُلُ عَليها إنْ جِئْتَ فقط مِن أجلِ الأخذ. فَإن جِئتَ فقط مِن أجلِ تَحليلِ المُوسيقَا، أو فقط مِن أجلِ تَحليلِ العِظَة، وَإنْ كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِكَ هِيَ أنَّكَ سَمِعْتَ شَيئًا أفضلَ مِن ذلك، وَأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّكَ سَمِعتَ شَيئًا أفضل؛ ولا سِيَّما مِن جِهَةِ العِظَة، تَكونُ قَد أَسأتَ فَهْمَ الغَايَةِ مِن مَجيئِكَ إلى هُنا. فَكُلُّ مَا نَفعَلُهُ هُنا هُوَ أنَّنا نَحْفِزُ قَلبَكَ على عِبادَةِ الله. وَإنْ كانَ قَلبُكَ مُشتاقًا إلى اللهِ، لن تَحتاجَ سِوى إلى حَافِزٍ صَغيرٍ... صَغيرٍ جدًّا.

العِبادَة! هَل تَعْبُدُ اللهَ حينَ تَأتي إلى هُنا؟ بِعبارةٍ أخرى: هَل هَذا هُوَ مَا تُفَكِّرُ فيه؟ هَل تُهَيِّئُ قَلبَكَ للعِبادَة؟ فعندَما تَرتَدي مَلابِسَكَ، وَتَجلِس في سَيَّارَتِكَ، وَتَقودُها إلى هَذا المَكانِ يَومَ الأحد، هَل يَكونُ قَلبُكَ مُتَشَوِّقًا لِعبادَةِ الله؟ هَل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا هَذا السُّؤال؟ الحقيقَةُ هِيَ أنَّكَ سَتُضْطَرُّ إلى طَرْحِ هَذا السُّؤالِ على نَفسِكَ في هذهِ السِّلسِلَة. وأَوَدُّ أن أقولَ لَكُم مُنذُ البِدايَة مَا هُوَ هَدَفي: أريدُ في الحَقيقةِ أن أَحْشُرَكُم في الزَّاوِيَةِ وَأنْ أُرْغِمَكُم على اتِّخاذِ قَرارٍ بشأنِ مَا إذا كُنتُم سَتَعبُدونَ اللهَ أَمْ لا. وَهَذا هُوَ، في الحَقيقةِ، هَدَفُ كُلِّ رَاعٍ: أنْ يُرْغِمَ النَّاسَ على اتِّخاذِ قَرارات.

فَهُناكَ آراءٌ كَثيرةٌ بخصوصِ الواعِظ. وَسوفَ أُخبِرُكُم كَيفَ أنظُرُ أنا إلى نَفسي في مَعْرِضِ تَفسيري لِهَذهِ النُّقطة. النَّظرةُ الأولى هِيَ أنَّ الوَاعِظَ هُوَ شَخصٌ يُمارِسُ طُقوسًا. فَهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم جَاؤوا رُبَّما مِن كَنيسَةٍ طَقسِيَّةٍ يَقْتَصِرُ فيها دَوْرُ الوَاعِظِ على عَشْرِ دَقائِق فقط في فَترةِ العِبادَة. فَهُوَ يَقومُ بِدورِهِ كَأيِّ شَخصٍ آخر. أمَّا النَّظرةُ الثَّانِيَةُ فَتَقولُ إنَّ الوَاعِظَ هُوَ مُشرِف. فَهُوَ يَأتي وَحَسْب ويُراقِبُ الجَميعَ وَيُرعِبُ الجَميع. وَهُناكَ مَن يَنظُرونَ إلى الوَاعِظِ كَما لَو أنَّهُ مَندوبُ تَسويقٍ يَستخدِمُ المِنبَرَ لِتَسويقِ أَحْدَثِ مُنْتَجاتِه، أو للتَّرويجِ لأحدَثِ مُنتَجاتِه. وَهُناكَ مَن يَنظُرُ إلى الوَاعِظِ كَما لو أنَّهُ أُستاذٌ جَامِعِيٌّ يُقَدِّمُ مَعلوماتٍ لا صِلَةَ لَها بالحَياة.

ولكنِّي أُحِبُّ أن أُفَكِّر في نَفسي بِصِفَتي شَخصًا يُقْنِعُ الآخَرين. والغَايَةُ مِن هذهِ السِّلسِلَةِ هِيَ أن أَحْفِزَكُم على التَّفكيرِ أوَّلاً في مَاهِيَّةِ العِبادَةِ؛ وَثانِيًا في مَا إذا كُنتُم تَعْبُدونَ اللهَ أَمْ لا؛ وَثالِثًا في أنَّكُم إن لم تَكونوا تَعبُدونَ اللهَ، هَل سَتَعبُدونَهُ؟ وَإن لم تَكونوا سَتَعبُدونَه، فإنَّ هَذا يَعني أنَّكُم تُنكِرونَ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. هَذهِ هِيَ الغَايَةُ مِنَ الوَعظ: أن يَحْشُرَكُم في الزَّاوِيَةِ حَتَّى لا تَجِدُوا مَنَاصًا مِنَ القِيامِ بِما يَقولُهُ اللهُ، أو ألاَّ تَفعَلوا مَا يَقولُهُ فَتَعلَمون بوضوحٍ مَا فَعَلتُموه. لِذا فإنَّ العِبادَةَ وَاجِبٌ عَلينا. وَأنا أُوْمِنُ بأنَّنا سَنَرى أُمورًا رُبَّما لَم نَرَها بِهَذا الوُضوحِ مِن قَبل.

والآن، مَا هِيَ العِبادَة؟ اسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم تَعريفًا في البِداية لا سِيَّما أنَّني جَذَبْتُ انتِباهَكُم على مَا أرجو. مَا هِيَ العِبادَة؟ إنَّهُ تَعريفٌ بَسيطٌ جدًّا. هَل أنتُم مُستَعِدُّونَ لِسَماعِه؟ إجْلالٌ لِكَائِنٍ أَسْمَى مِنَّا. إجْلالٌ لِكَائِنٍ أَسْمَى مِنَّا. هَذهِ هِيَ العِبادَة. فَهِيَ كلمة يَسهُلُ جِدًّا تَعريفُها. فَهِيَ تَعني أنْ نُظْهِرَ التَّقديرَ، والإكرامَ، والتَّبجيلَ، والاحترامَ، والتَّوقيرَ، والتَّسبيحَ، والتَّمجيدَ لِكائِنٍ أَسْمَى مِنَّا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هذهِ الكلمةَ تُستخدَمُ في الكتابِ المقدَّسِ دُونَ تَمييزٍ. فَهِيَ تُستخدَمُ للإشارةِ إلى النَّاسِ الَّذينَ يُظْهِرونَ ذلكَ التَّوقيرَ لأيِّ إلَهٍ. وَهِيَ تُسْتَخْدَمُ للإشارةِ إلى النَّاسِ الَّذينَ يُظْهِرونَ ذلكَ التَّقديرَ للأشياءِ المَادِّيَّةِ، وَأيضًا للهِ الحَيِّ. لِذا فإنَّ الكلمةَ في ذَاتِها ليسَت كَلِمَةً مُقَدَّسَة، بَل هِيَ تَصِفُ التَّقديرَ الَّذي نُظْهِرُهُ لِكائِنٍ أسمَى مِنَّا. والكلمةُ المُستخدَمَةُ عَادَةً في العهدِ الجديدِ (وَهُناكَ العَديدُ مِنَ الكلماتِ الَّتي تُشيرُ ضِمْنِيًّا إلى فِكرةِ العِبادَةِ)؛ ولكِنَّ الكلمةَ المُستخدمةَ أكثرَ مِن غَيرِها هِيَ الكلمة "بروسكونيئو" (proskuneo) وَمَعناها: "يُقَبِّل". وَهِيَ كلمةٌ تُشيرُ إلى عَادَةٍ قَديمةٍ وَهِيَ تَقبيلُ يَدِ الشَّخصِ الَّذي يَفوقُكَ مَكانَةً إذْ إنَّكَ تَسْجُدُ إلى الأرضِ، وتَحني رَأسَكَ، وَتُقَبِّلُ يَدَهُ. وَهِيَ تُستخدَمُ أيضًا للتَّعبيرِ عَن فِكرةِ الانحناءِ أوِ السُّجود. فَهِيَ تُشيرُ إلى فِكرةِ سُجودِكَ أمامَ شَخصٍ أَعلى مِنْكَ مَقامًا تَعبيرًا عَنِ الاحترامِ، والتَّوقيرِ، والتَّبجيلِ، والإكرامِ، وَالطَّاعَة.

وفي الإطارِ المَسيحيِّ فإنَّنا نُطَبِّقُ ذلكَ ببساطَةٍ على الله. فَنحنُ نَنحَني أمامَ اللهِ، وَنَسجُدُ أمامَ اللهِ، وَنُقَبِّلُ يَدَهُ [إنْ جَازَ التَّعبيرُ] إذْ إنَّ المُرَنِّمَ يَقولُ: "قَبِّلوا الابنَ". فَنحنُ نَنْحَني احتِرامًا وتَقديرًا للهِ، ونُقَدِّمُ لَهُ المَجْدَ الَّذي يَستَحِقُّهُ لِسُمُوِّهِ.

إذًا، بِصورةٍ أساسيَّة: العِبادَةُ هِيَ عَطاءٌ. فَهِيَ إعطاءُ الكَرامَةِ والاحترامِ للهِ. وَهَذا هُوَ سَبَبُ اجتِماعِنا هُنا. فَنحنُ لا نَجتمِعُ لِتَقديمِ الاحترامِ للواعِظ، أو حَتَّى للأشخاصِ الَّذينَ يُشارِكونَ في العَزفِ؛ مَعَ أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نُظهِرَ الاحترامَ بَعضُنا لِبَعض. ولكِن في هذهِ النُّقطةِ مِن خِبرَتِنا المَسيحيَّةِ فإنَّنا جَميعًا نَتَوارَى عَنِ الأنظارِ وَنَجتَمِعُ مَعًا لِغايةٍ واحِدَةٍ وَهِيَ أنْ نُعطي المَجدَ لله. ومِن خِلالِ كُلِّ مَا يَجري، يَنبغي أن يَحْفِزَ ذلكَ تلكَ الرَّغبةَ في قُلوبِنا على تَمجيدِ الله. لِذا، إنْ كُنتَ تَأتي إلى هُنا مِن أجلِ مَا يُمكِنُكَ الحُصولُ عليه، أو إن كُنتَ تَأتي إلى هُنا لكي تَنالَ بَرَكَةً، فإنَّكَ قَدْ أَسَأتَ فَهْمَ الغَايَةِ مِنَ المَجيءِ إلى هَذا المَكان. فَيَجِبُ عليكَ أن تَأتي لِتُعطي، لا لِتَأخُذ. والعِبادَةُ هِيَ رَغْبَةٌ شَديدةٌ في تَقْديمِ الإجْلالِ لله. وَهِيَ تَبتَدِئُ بِأنْ نُقَدِّمَ لَهُ أنفسَنا، ثُمَّ أنْ نُقَدِّمَ لَهُ مَواقِفَنا القَلبيَّةَ، ثُمَّ أنْ نُقَدِّمَ لَهُ أموالَنا.

واسمَحُوا لي أن أرى إنْ كَانَ باستِطاعَتي أن أَسْتَشْهِدَ بِبِضعَةِ آياتٍ مِنَ الكتاب المقدَّس تُوَضِّحُ هذهِ الفِكرة. فالأصحاحُ الثَّلاثون مِن سِفْرِ الخُروج يُقَدِّمُ مَثَلاً تَوضيحيًّا جَيِّدًا، مِن وُجهَةِ نَظري، على العِبادَة. فَفي الأصحاحِ الثَّلاثين مِن سِفْرِ الخُروج، نَسْمَعُ التَّعليماتِ المُقَدَّمةَ مِنَ اللهِ للعِبادَةِ في خَيمةِ الاجتِماع. فَقَدْ أعطاهُمُ اللهُ تَعليماتٍ واضِحَةً بخصوصِ كيفيَّةِ مُمارَسَةِ العِبادَةِ في خَيمةِ الاجتِماعِ. وَالكَثيرُ مِنَ الأشياءِ التي ذُكِرَتْ في التَّعليماتِ لَها قِيمَةٌ رَمزيَّةٌ إذْ إنَّها كَانَت أدواتٍ تَعليميَّةٍ رَائِعَة. فَقَدْ كانَت وَسائِل إيضاحٍ بَصريَّة. وَواحِدٌ مِنها مَذكورٌ في الأصحاحِ الثَّلاثين والعَدد 34. وَأعتقدُ أنَّ هذهِ فِكرة رَائعة جدًّا جدًّا: "وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «خُذْ لَكَ أَعْطَارًا: مَيْعَةً وَأَظْفَارًا وَقِنَّةً عَطِرَةً" – وَقَد كانت هَذِهِ العَناصِرُ مَوجودةً في ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالَم. "خُذْ لَكَ أَعْطارًا... وَلُبَانًا نَقِيًّا. تَكُونُ أَجْزَاءً مُتَسَاوِيَةً". أيْ أربَعَةُ أجزاءٍ مُتساوِيَة. "فَتَصْنَعُهَا بَخُورًا عَطِرًا صَنْعَةَ الْعَطَّارِ". أيِ استَخدِم كُلَّ المَهاراتِ اللاَّزِمَةِ لأخذِ تلكَ الأعطارِ كَيْ تَصْنَعَ مِنها بَخُوْرًا عَطِرًا. "مُمَلَّحًا نَقِيًّا مُقَدَّسًا". والكلمة "مُقَدَّس" تَعني أنَّهُ فَريدٌ، ومُفْرَزٌ، وَلم يُلامِس أيَّةَ عَناصِرَ أخرى. "وَتَسْحَقُ مِنْهُ نَاعِمًا، وَتَجْعَلُ مِنْهُ قُدَّامَ الشَّهَادَةِ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ حَيْثُ أَجْتَمِعُ بِكَ".

والآن، يَقولُ اللهُ: خُذْ هَذا البَخُورَ الَّذي صَنَعْتَهُ وَضَعْهُ في خَيمةِ الاجتِماعِ حيثُ أجتَمِعُ بِكَ. "قُدْسَ أَقْدَاسٍ يَكُونُ عِنْدَكُمْ". إذًا، كانَ يَنبغي لَهُ أنْ يُعِدَّ هذهِ الخَلْطَةَ، أو هَذا العِطْرَ، أو هَذا البَخُورَ طَيِّبَ الرَّائِحَة. فَهُوَ بَخُورٌ. ويَنبغي أن يَكونَ مُقَدَّسًا؛ أيْ أنْ يُستَخدَمَ فقط لهذهِ الغَايَةِ في خَيمةِ الاجتِماع. ثُمَّ انظُروا إلى العَدد 37: "وَالْبَخُورُ الَّذِي تَصْنَعُهُ عَلَى مَقَادِيرِهِ لاَ تَصْنَعُوا لأَنْفُسِكُمْ. يَكُونُ عِنْدَكَ مُقَدَّسًا لِلرَّبِّ". فَلا يُمكِنُكُم أنْ تَصْنَعُوا هَذا العِطْرَ لاستِخدامِكُم الشَّخصيِّ. لا يُمكِنُكُم أن تَصْنَعُوا هَذا العِطْرَ تَحديدًا للاستِعمالِ الشَّخصيِّ. ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 38: "كُلُّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَهُ لِيَشُمَّهُ يُقْطَعُ مِنْ شَعْبِهِ".

والآن، هَل كُنتُم تَعرِفونَ أنَّهُ تُوْجَدٌ خَلْطَةٌ عِطْرِيَّةٌ في الكتابِ المقدَّس؟ وَهَل كُنتُم تَعلَمونَ أنَّهُ رُبَّما كانَ أجملَ عِطْرٍ في الوُجود؟ وَأنَّ اللهَ قَالَ إنَّ الأمرَ قَدْ يُكَلِّفُكَ حَياتَكَ إنْ صَنَعْتَ هَذا العِطْرَ لاستِخدامِكَ الشَّخصِيّ؟ وَقَد تَقول: وَما الغَايَةُ مِن ذلك؟ الغَايَةُ هِيَ التَّالية: كانَ هَذا العِطْرُ مُعَدًّا فَقَط لله. وعِندَما كَانَ هَذا البُخورُ يَصْعَدُ إلى أنْفِ اللهِ، كَانَ فَريدًا بالنِّسبةِ إليه. وَقد تَقول: "وَما الَّذي يَرمِزُ إليهِ ذلك؟" إنَّهُ يَرمِزُ إلى العِبادَة. فتلكَ التَّقْدِمَةُ الفَريدة، أو ذلكَ البَخورُ الَّذي يَصْعَدُ مِنَ القَلبِ إلى اللهِ الحَيِّ المُمَجَّدِ هُوَ شَيءٌ لا يَجوزُ أن يُقَدَّمَ إلى أيِّ شَخصٍ آخر، وَلا يَجوزُ أن يُستخَدَمَ لأيِّ غَرَضٍ آخر؛ بَل يَنبغي أن يَكونَ عَمَلاً فَريدًا، ومُفْرَزًا، وَمُكَرَّسًا، وَمُقَدَّسًا يَصْعَدُ مِن قَلبِ الشَّخصِ إلى أنفِ الله. وَهُوَ يَرمِزُ إلى العِبادَة. "عِندَما تَأتونَ لِلِقائي هُناكَ، قَدِّمُوا شَيئًا مُقَدَّسًا وَمُفْرَزًا لي أنا وَحْدي".

والآن، صَدِّقوني يا أحبَّائي أنَّ هُناكَ أُمورًا كَثيرةً تَحدُثُ وَيَظُنُّ النَّاسُ أنَّها عِبادَة؛ ولكِنَّها ليست كَذلك. فَهُناكَ مُوسيقا مُعَيَّنة تَجعَلُنا نَشعُرُ أنَّنا نَعْبُدُ بسببِ إيقاعِها أو بسببِ أسلوبِها. وَهِيَ تُعطينا شُعورًا بالسَّلامِ ورُبَّما تَجْعَلُ أجسادَنا تَقْشَعِرّ. ولكِنَّ الحَقيقةَ هِيَ أنَّهُ إنْ عَزَفْنا ذلكَ النَّوعَ مِنَ المُوسيقا، أو ذلكَ اللَّحْنَ، مَعَ كَلِماتٍ لا صِلَةَ لَها البَتَّةَ باللهِ فإنَّهُ قَد يُؤثِّرُ فينا بنفسِ الطَّريقة. وهذهِ ليست عِبادَة. فالعِبادَةُ هِيَ شَيءٌ مُخَصَّصٌ وَمُفْرَزٌ فقط للهِ. وَإنْ كَانَتْ تُؤثِّرُ في أعمَقِ مَشاعِرٍ لَدينا فإنَّها تَفعلُ ذلكَ مِن خِلالِ أَعْمَقِ حَقٍّ إلَهِيٍّ. فَيَجِبُ أن تَكونَ عِبادَتُنا للهِ رَائِحَةَ بَخورٍ عَطِرَة. وَقد كَانَ يَنبغي التَّعبيرُ عَن ذلكَ رَمْزِيًّا في مَوْضِعِ العِبادَةِ في القَديم؛ أيْ في خَيمَةِ ا لاجتِماع.

والآن، في العهدِ الجديد، أريدُ مِنكُم أن تَفتَحوا على إنجيل يُوحنَّا 12: 1. وَأريدُ أن أُريكُم فِكرةً مُشابِهَةً. فَعِندَما تَصْعَدُ رَائِحَةُ البَخُورِ العَطِرَة إلى أنفِ اللهِ فإنَّها تُشيرُ إلى العِبادَة. وَهُنا، لَدينا تَقْدِمَةٌ عَطِرَةٌ أخرى في العِبادَة. وَهِيَ تُقَدَّمُ إلى اللهِ في هذهِ المَرَّة في هَيئَةٍ بَشريَّة: في هَيئةِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن إنجيلِ يُوحَنَّا: "ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ، وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ". وَكَمْ كَانَ سِعْرُهُ؟ رُبَّما أَجْرَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ مُقابِلَ تلكَ الكَمِّيَّة. "وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ".

وَنَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ الحَادي عَشَر أنَّ مَجْدَ المَرأةِ هُوَ شَعرُها. لِذا، فَقدِ استَخدَمَتْ مَجْدَها لأَحَطِّ مَهَمَّةٍ يُمْكِنُ لأيِّ عَقْلٍ أن يَتَخَيَّلَها. فَأيُّ شَخصٍ في ذلكَ الجُزءِ مِنَ العَالَمِ يَغْسِلُ أَرْجُلَ النَّاسِ يُعطي الانطباعَ بأنَّهُ عَبْدٌ وَضيعٌ. وَقَدِ استَخدَمَتْ مَريَمُ مَجْدَها لِغَسْلِ قَدَمَيِّ يَسوعَ المُوْحِلَتَيْنِ وَالمُتَّسِخَتَيْن. وَهِيَ لم تَستَخدِمِ المَاءَ فَقط، بَل سَكَبَتْ أَغلى طِيْبٍ لَديها. وَهَذا هُوَ جَوْهَرُ العِبادَة. فالعِبادَةُ هِيَ اتِّضاعٌ ذَاتِيٌّ. والعِبادَةُ سَخِيَّةٌ في عَطائِها. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ مَريمَ وَمَرثا كانتا مُختَلِفَتَيْن. فَمَرثا كانَت تَخدِمُ دَائِمًا؛ في حينِ أنَّ مَريَمَ كَانَت تَجلِسُ عِندَ قَدَمَيِّ يَسوع. وَقَد قالَ يَسوعُ إنَّ مَريَمَ اخْتارَتْ مَاذا؟ النَّصيبَ الصَّالِح. وَقَد قَالَ يَهوذا: "مَهْلاً! كَانَ يُمْكِنُ أنْ يُباعَ هذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطى لِلْفُقَرَاء". وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يُبالي حَقًّا بالفُقراءِ؛ بَلْ كَانَ أَمينَ الخَزْنَةِ ويُريدُ أنْ يَخْتَلِسَ أكبرَ قَدْرٍ مِنَ المَال. ولكِنَّ يَسوعَ قَالَ: "اتْرُكُوهَا!" دَعُوها وَشَأنَها. العِبادَةُ أفضَلُ مِنَ الصَّدَقَة. وَهَذا صَحيح. فَما تُقَدِّمونَهُ للهِ أفضَلُ جدًّا مِمَّا تُقَدِّمونَهُ للإنسان؛ أيِّ إنسان. وَهَذا لا يَعني أنَّهُ ليسَ مِنَ المُهِمِّ أن نُعطِي النَّاسَ، بَل يَعني أنَّ مَا نُقَدِّمُهُ للهِ أَهَمُّ بكثير. وَنَحْنُ نَميلُ إلى الجِدالِ كثيرًا بِهَذا الشَّأن. فَنَحْنُ جِيْلٌ يُشْبِهُ مَرْثَا. أليسَ كذلك؟ وَما أعنيهِ هُوَ أنَّ الكَنيسةَ مُعْتادَةٌ على نِظامٍ مُعَيَّن، وَأنَّنا مُعْتادونَ على البَرامِجِ والأنشِطَة. فَنحنُ أُناسٌ مُنْهَمِكُونَ بالمَهامّ؛ ولكِنَّنا لَسنا جِيلاً يُشْبِهُ مَرْيَم.

وَنَحْنُ حَريصُونَ جدًّا على عَدَمِ هَدْرِ مَوارِدِنا، بَلْ إنَّنا نَحْسِبُ بِدِقَّةٍ مُتَناهِيَةٍ كُلَّ شَيءٍ بِما في ذلكَ مَا نُقَدِمُهُ للهِ عَوِضًا عَن أنْ نُقَدِّمَ لَهُ أَجْرَ سَنَةٍ، وَعِوِضًا عَنِ التَّواضُعِ وَمَسْحِ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِنا. ولكِنَّ هذهِ هي العِبادَة. وَقَدْ كَانَتْ تَنْبَعِثُ مِن تلكَ الرَّائِحَةِ العَطِرَةِ رَائِحَةَ قَلْبٍ عَابِدٍ. وَهَذا هُوَ مَا يُريدُهُ اللهُ. فالعِبادَةُ الحَقيقيَّةُ أفضَلُ مِنَ الصَّدَقَة. والعِبادَةُ الحَقيقيَّةُ أفضلُ مِنَ الأنشطةِ الدِّينيَّةِ حَتَّى وَإنْ كَانَتْ جَيِّدة. والصَّدَقَةٌ مُهِمَّةٌ، والأنشطةُ مُهِمَّةٌ؛ ولكِنَّ العِبادَةَ أفضَل.

وَمَعَ ذلكَ، أَخشَى أنَّ كَثيرينَ مِنَّا لا يَعْرِفونَ مَا هِيَ العِبادَة. وأعتقدُ أنَّهُ يُمْكِنُنا أن نُقارِنَ بينَ العِبادَةِ والخِدمَةِ على أَمَلِ التَّمييزِ بَينَ الاثنينِ قَليلاً. فَنَحْنُ نُرَكِّزُ كَثيرًا على الخِدمَة. أليسَ كذلك؟ فَنحنُ نَتحَدَّثُ عَنِ الخِدمَة، وَنَعْمَلُ في الخِدمَة. وَنَحْنُ مَشغولونَ وَمُنْهَمِكونَ جدًّا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا كُنَّا نَتحدَّثُ قبلَ أيَّامٍ عَن السَّبَبِ في أنَّ كَنيسَتَنا نَمَتْ، وَأنَّها مُستَمِرَّةٌ في النُّمُوِّ، وَأنَّ سِتِّينَ أو سَبعينَ عُضْوًا جَديدًا يَنْضَمُّونَ إلى الكَنيسةِ كُلَّ شَهْرٍ، وَأنَّ المَزيدَ وَالمَزيدَ مِنَ النَّاسِ مَا زَالُوا يَأتون. ولكِنْ يَبدو أنَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّنا نَنْمُو عَدَدِيًّا، وَأنَّهُ يُوْجَدُ لَدينا أشخاصٌ أكثر مِن أيِّ وَقْتٍ مَضَى، فإنَّنا لا نَرى أُناسًا أكثرَ بالضَّرورةِ هُنا يَومَ الأحَد. والجَوابُ الَّذي لا مَفَرَّ مِنْهُ هُوَ أنَّهُم مُنْهَمِكونَ جدًّا في الأنشِطَة. فَهُمْ يَذهَبونَ إلى دُروسِ الكِتابِ المُقَدَّسِ البَيتيَّة، ويَفعلونَ هَذا الشَّيءَ، وَذاكَ الشَّيءَ. لِذا فإنَّ لَدينا أشخاصًا كَثيرينَ يُشْبِهونَ مَرْثَا. ولكِنْ أينَ هُمْ هَؤلاءِ الَّذينَ يَجلِسونَ عِندَ قَدَمَيِّ يَسوعَ؟ أيْنَ هُمُ العَابِدون؟

فَمِنَ السَّهلِ جدًّا أن أقول: "لَقَد أَتَيْتُ إلى الكَنيسةِ ثَلاثَة أسابيع مُتَتالِيَة. وَقَدْ حَصَلْتُ على مَا يَكفي، وَسَوْفَ أَحْصُلُ عَلى مَا أحتاجُ إليهِ مِنَ العِظاتِ المُسَجَّلَة. حَقًّا؟ هَلْ هَذا هُوَ مَا تَفعَلُهُ هُنا؟ أنْ تَأخُذ؟ هَلْ تَأتي إلى هُنا حَتَّى تَأخُذَ مِن جُون مَكآرثر؟ إذًا، لَقَد أَخْفَقَ جُون مَكآرثر لأنَّني مَوجودٌ هُنا حَتَّى أُعطي المَجدَ لله. فَهَذا هُوَ وَقْتُ عِبادَتِهِ في كَنيسَتِهِ. وَلا يُمْكِنُكُم أن تَحصُلوا على ذلكَ مِن عِظَةٍ مُسَجَّلَة. صَحيحٌ أنَّكُمْ قَد تَحْصُلونَ على التَّشجيعِ؛ ولكِن ليسَ كَما تَحصُلونَ عَليهِ مِنَ الاجتماعِ مَعَ بَقِيَّةِ المُؤمِنين. لِذا فإنَّنا مَشغُولونَ جدًّا حتَّى إنَّنا لا نَعبُدُ اللهَ كَما يَنبغي. وأعتقدُ أنَّنا لَسنا مَشغولينَ وَحَسْب، بَلْ إنَّنا مُهْمِلونَ جدًّا وَلا نُبالي بالعِبادَةِ الحَقيقيَّة. وَسَوفَ نَرى ذلكَ في أثناءِ دِراسَتِنا.

ولكِنْ لِنُقارِن فِكرةَ الخِدمَةِ بالعِبادَة. فالخِدمَةُ مُهِمَّةٌ جدًّا. ويَنبغي لَنا أنْ نَخْدِم. ولكِنْ يُمْكِنُنا أنْ نَنْظُرَ إلى الخِدمَةِ بالطَّريقةِ التَّالِيَة: الخِدمَةُ هِيَ مَوهِبَةٌ يُعطينا إيَّاها اللهُ الآبُ مِن خِلالِ الابنِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ كَيْ يَخْدِمَ بَعضُنا بَعضًا. فاللهُ يُعطينا، بِواسِطَةِ المَسيحِ، ومِن خِلالِ الرُّوحِ، مَواهِبَ رُوحِيَّةً يَخْدِمُ بِها بَعضُنا بَعضًا. أمَّا العِبادَةُ فَهِيَ على النَّقيضِ مِن ذلك. فالعِبادَةُ تَنْبُعُ مِنَّا مِنْ خِلالِ الرُّوحِ القُدُسِ، وبواسِطَةِ الابنِ، وَهِيَ مُوَجَّهَةٌ إلى الآب. ونَحْنُ نَفْعَلُ كِلا الأمْرَيْنِ بِتَوازُنٍ تَامٍّ. فَينبغي أن تَكونَ هُناكَ عِبادَة. فاللهُ يَطلُبُ مِنَّا عِبادَةً رُوحِيَّةً حَقيقيَّةً مَرْضِيَّةً. هَل فَهِمتُم تلكَ الجُملَة؟ اللهُ يَطلُبُ مِنَّا عِبادَةً رُوحِيَّةً حَقيقيَّةً مَرْضِيَّةً. وَكُلُّ كلمةٍ مِن هذهِ الكلماتِ مُهِمَّة جدًّا. وسوفَ تَفهَمونَ، عَلى مَا أرجو، كُلَّ كلمةٍ مِنها عندما نُنْهِي دِراسَتَنا لَها. فاللهُ يَطلُبُ مِنَّا عِبادَةً رُوحِيَّةً حَقيقيَّةً مَرْضِيَّةً.

فَنَحنُ نَقرأُ في إنجيلِ يُوحَنَّا والأصحاحِ الرَّابعِ (وَهُوَ النَّصُّ الَّذي قَرأناهُ في البِداية)، وَتَحديدًا في العَدد 23: "وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ..." – ضَعُوا خَطًّا تَحْتَ ذلك. فَالسَّاجِدونَ الحَقيقيُّونَ هُمْ مَوضوعُ هَذا النَّصّ. "...يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ". "لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ". فاللهُ يَطلُبُ عِبادَةً رُوحِيَّةً حَقيقيَّةً مَرْضِيَّةً. والآن، إنْ أردنا أن نُقَدِّمَ لَهُ تلكَ العِبادَة، يَنبغي لَنا أن نَعرِفَ مَا هِيَ. وَنَحنُ نَسألُ أنفسَنا: مَا هِيَ العِبادَةُ الرُّوحيَّةُ الحَقيقيَّةُ المَرْضِيَّة؟ وأريدُ مِنكُم أن تَسألوا أنفسَكُم ذلكَ السُّؤال: هَل أَعبُدُ اللهَ؟ وَهَل هَذهِ العِبادَة أولَوِيَّة لَدَيَّ؟ وَهَل آتي بأمانَةٍ، وبانتظامٍ، وَبِقَلبٍ مُكَرَّسٍ حَقًّا لِعبادَةِ اللهِ؟ لا لِكَي أَسمَعَ عِظَةً. فَيُمكِنُكُم أن تَشتَروا عِظَةً مُسَجَّلَةً، وأن تَبقَوْا في البيتِ؛ ولكِنْ هَلْ تَأتونَ لِعبادَةِ الله؟ وَهَل أنا مُتَشَوِّقٌ جدًّا لعِبادةِ اللهِ حَتَّى إنَّني أُسْرِعُ إلى الاجتماعِ مَعَ شَعبِهِ؟ للتَّعبيرِ عَن عِبادَتي لَهُ؟

وَأنا أَعلَمُ أنَّكُم تَأتونَ، وَأنَّكُم حَاضِرونَ بأجسادِكُم هُنا. فأنا أَراها. فَهُناكَ مَجموعَةٌ كَبيرةٌ مِنَ الأجسادِ هُنا. وأنا لا أُقَلِّلُ مِن أهميَّةِ ذلك. فأجسادُكُم مَوجودَةٌ هُنا، ولكِنِّي أتساءَلُ إنْ كانَت أرواحُكُم هُنا وَتَعْبُدُ اللهَ حَقًّا!

وَهَذا يُذَكِّرُني بالقِصَّةِ الَّتي قَرأتُها عَن مُرْسَلٍ كَانَ يَخْدِمُ في غَاباتِ الأمازون العُليا. وَقد كانَ هَذا المُرْسَلُ تَحديدًا شَغُوفًا بِتَوصيلِ الإنجيلِ إلى قَبيلةٍ أخرى في مِنطقةٍ أخرى. لِذا فقد طَلَبَ مِن مَجموعَةٍ مِنَ السُّكَّانِ المَحَلِّيِّينَ أن يَنقلوا كُلَّ أشيائِهِ وَحَاجِيَّاتِهِ إلى تلكَ المِنطقةِ الجَديدة. وبسببِ حَماسَتِهِ، كانَ يَدْفَعُهُم إلى العَمَلِ فَوْقَ طَاقَتِهم. وخِلالَ يَوْمَيْنِ، كانَ قَدْ سَارَ بِهِم في غاباتِ الأمازونِ العُليا وَهُمْ مُغْتَاظُونَ مِنه. وَقَد نَامُوا بِضْعَة سَاعاتٍ وَأفاقُوا في صَباحِ اليومِ الثَّالثِ؛ ولكِنَّ أَحَدًا مِنْ هَؤلاءِ السُّكَّانِ المَحَلِّيِّينَ لم يُحَرِّك سَاكِنًا. فَقال: "يَجِبُ علينا أن نَذهب. يَجِبُ علينا أن نَتحرَّك. انهَضُوا. لِنُتابِع طَريقَنا". ولكِنَّهُم لم يُحَرِّكُوا سَاكِنًا. لِذا فقد ذَهَبَ إلى رَئيسِهم وَقال: "أيُّها الرَّئيس، يَجِبُ عليكَ أن تَفعلَ شَيئًا. يَجِبُ علينا أن نَجْعَلَهُم يَتحرَّكون". فَقالَ الرَّئيسُ بطريقَتِهِ البَسيطةِ للمُرسَل: "يا صَديقي، إنَّهُم يَنْتَظِرونَ ببساطَةٍ أنْ تَلْحَقَ أَرْواحُهُمْ بأجسادِهم". وَرُبَّما كَانَ اللهُ يَنتَظِرُ مُنذُ وَقتٍ طَويلٍ أنْ تَلْحَقَ رُوحُكَ بِجَسَدِك. فَجَسَدُكَ مَوجودٌ هُنا. ولكِن هَل رُوحُكَ هُنا. هَلْ تَعْبُدُ بالرُّوح؟

وفي المَزمور 45: 1، نَجِدُ الجُملةَ التَّاليةَ المُدهشةَ جدًّا. وَلا حَاجَةَ إلى أنْ تَفْتَحُوا عَلى هذا المَزمور؛ فَهِيَ جُملةٌ بَسيطةٌ ويُمكِنُني أن أقرأَها عَلى مَسامِعِكُم. فَهِيَ تَقول: "فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ". وَهَذا مَزمورُ تَسبيح. ويُمكِنُكم أن تَقرأوا مَا يَقولُهُ حَتَّى العَددِ العاشِرِ أوِ الحَادي عَشَر مِن ذلكَ المَزمور. فَهُوَ مَزمورُ تَسبيحٍ رائِع. والمُرَنِّمُ يَقول: "فَاضَ قَلبي". والنَّصُّ العِبْرِيُّ يُشيرُ إلى فِكرةِ غَلَيانِ شَيءٍ مَا إلى أنْ يَفُور. وَهذهِ، في اعتقادي، طَريقةٌ رائعةٌ للتَّعبيرِ عَنِ العِبادَة. اسمَعوني: العِبادَةُ هِيَ قَلبٌ يَغْلي جدًّا بسببِ الحَقِّ الإلَهِيِّ إلى أنْ يَفورَ مُعَبِّرًا عَنِ التَّسبيح. أَتَرَوْن؟ العِبادَةُ هِيَ قَلبٌ يَغْلي جدًّا بسببِ الحَقِّ الإلَهِيِّ إلى أنْ يَفورَ مُعَبِّرًا عَنِ التَّسبيح. هذهِ هِيَ العِبادَةُ الحَقيقيَّة. وَأرجو أن يَكونَ هَذا التَّعريفُ تَعريفًا تَستَوعِبونَهُ. وَسَوفَ نُعَرِّفُهُ أكثرَ فأكثرَ في أثناءِ دِراسَتِنا.

والآن، أَوَدُّ أن نَأتي إلى نُقطةٍ رَئيسيَّةٍ، وَسَوفَ أُقَدِّمُ لَكُم بِضعَ نِقاطٍ رَئيسيَّة في هذهِ السِّلسِلَة. وَهذهِ هِيَ النُّقطةُ الرَّئيسيَّةُ الأولى: أَهَمِيَّةُ العِبادَة... أَهَمِيَّةُ العِبادَة. فَسوفَ نَتحدَّثُ عنْ مَوضوعِ عِبادَتِنا، وَعَن طَبيعَةِ العِبادَة، وَعَن تَأثيرِ العِبادَة، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنَّنا سَنَتحدَّثُ في البِداية عَن أهميَّةِ العِبادَة. وأريدُ أن أُحَدِّثَكُم عن ذلكَ في هذا الصَّباحِ وَمَرَّةً أخرى في هَذا المَساء. فَأنا أريدُ مِنكُم أن تَفهَموا أهميَّتَها، وَأريدُ أنْ أُرَسِّخَ ذلكَ في ضَمائِرِكُم حَتَّى لا تَقَعُوا في فَخِّ عَدَمِ المُبالاةِ بالعِبادَةِ دُونَ أن تَشْعُروا بالتَّبكيتِ بِسَببِ إساءَتِكُم المُباشِرَةِ إلى الله.

والآن، العِبادَةُ مُهِمَّةٌ لأربعةِ أسباب... لأربَعَةِ أسباب. السَّببُ الأوَّل: لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُطالِبُنا بذلك... لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُطالِبُنا بذلك في آياتٍ كَثيرِةٍ جدًّا. وَحَتَّى إنَّهُ يُمْكِنُنا القَولُ إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَزْخُرُ بمِثلِ تلكَ الآيات. فالعِبادَةُ مُهِمَّةٌ لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَزْخُرُ بِها. ثَانِيًا: لأنَّ كُلَّ الحَياةِ تَتأثَّرُ بها... لأنَّ كُلَّ الحَياةِ تَتأثَّرُ بها. ثَالِثًا: لأنَّها الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ لِتَاريخِ الفِداء... لأنَّها الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ لِتَاريخِ الفِداء. رَابِعًا: لأنَّ اللهَ يُوصِينا بذلك... لأنَّ اللهَ يُوصِينا بذلك. وَهذهِ طَريقةٌ مُباشِرَةٌ لِلتَّعبيرِ عَنِ السَّببِ الأوَّل.

لِنَنظُر إلى السَّببِ الأوَّل. وَفي هَذا المَساءِ سَنَتحدَّثُ عَنِ الأسبابِ الأخرى. السَّببُ الأوَّلُ الَّذي ذَكَرْناهُ لأهميَّةِ العِبادَةِ هُوَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ كَثيرًا عَنها. فكلمةُ اللهِ تَتَحَدَّثُ حَرفيًّا مِئاتِ وَمِئاتِ المَرَّاتِ عَن أهميَّةِ العِبادَة. ويُمكِنُنا أن نَقرأُ بِضْعَةَ مَقاطِعَ مِنهُ. وَهَذِهِ مُقْتَطَفاتٌ وَحَسْب مِن آياتٍ لا حَصْرَ لَها في الكتابِ المقدَّس. فَكُلُّ سِفْرِ المَزامير يُمْكِنُ أن يَكونَ نُقْطَةَ انطِلاقٍ جَيِّدة.

ولكِن لِنَرجِع قَليلاً إلى الأصحاحِ العِشرين مِن سِفْرِ الخُروج ونَرى عِندَما ابتدأَ اللهُ في وَضْعِ بِضْعَةِ مَعايير، وَمَبادِئ، وَإرشاداتٍ، وَوَصَايا، وَتَعليماتٍ، وَتَوجيهاتٍ، وَشَرائِعِ، وَنَواميس، مَا الشَّيءُ الَّذي كَانَ مُهِمًّا جدًّا لَديه؟ عندما أَعطَى اللهُ الوَصايا العَشْر، كانتِ الأولويَّةُ الأولى لَديهِ تَختصُّ بطَاعَةِ الإنسان. وَهَذا هُوَ مَا يَبتَدِئُ بِهِ إذْ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّاني مِن سِفْرِ الخُروج والأصحاحِ العِشرين: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ، وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ".

إذًا، الوَصِيَّةُ الأولى هِيَ أنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ. هذهِ هِيَ الوَصِيَّةُ الأولى. وَفي الأصحاحِ الرَّابِعِ والثَّلاثين مِن سِفْرِ الخُروج والعَدد 14، نَجِدُ الوَصِيَّةَ نَفسَها مَذْكورَةً بِوضوحٍ أكبر إذْ إنَّها تَقول: "فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لإِلهٍ آخَرَ، لأَنَّ الرَّبَّ اسْمُهُ غَيُورٌ. إِلهٌ غَيُورٌ هُوَ". إذًا، العِبادَةُ هِيَ الوَصِيَّةُ الأولى. لِذا فإنَّها أولويَّةٌ لَدينا. وَفي إنجيل مَتَّى 22: 37، جَاءَ شَابٌّ إلى يَسوعَ وَقال: "أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟" فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ [وَقُدْرَتِكَ]. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى". إذًا، مَا هِيَ الوَصِيَّةُ الأولى؟ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَنَفْسِكَ وَفِكْرِكَ وَقُدْرَتِك. هَذهِ هِيَ الصِّيغَةُ الإيجابِيَّةُ لصِّيغَةِ النَّفْيِ المَذكورةِ في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 20. فَصيغَةُ النَّفيِ في خُروج 20 تَقول: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي". وَالصِّيغَةُ الإيجابِيَّةُ في الأصحاحِ الثَّاني والعِشرين مِن إنجيل مَتَّى تَقول: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَنَفْسِكَ، وَفِكْرِكَ، وَقُدْرَتِكَ". هَذِهِ هِيَ الأولويَّةُ في حَياةِ الإنسان. فَالإنسانُ خُلِقَ لِكَي يَعبُدَ اللهَ.

والآن، عندما دَعَا اللهُ شَعبَهُ، أَقامَ في وَسْطِهِم مَوْضِعًا للعِبادَةِ لكي يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّركيزِ على ذلك. انظُروا قَليلاً إلى الأصحاحِ الخَامِسِ والعِشرين مِن سِفْرِ الخُروج. فَقَدْ أعطاهُمُ اللهُ كُلَّ تلكَ التَّعليماتِ لِبناءِ ذلكَ المَكان. هَلْ دَرَسْتُم يَومًا التَّعليماتِ المُختصَّةِ بِبناءِ خَيمةِ الاجتِماع؟ إنَّها دِراسَةٌ مُمتِعَةٌ جدًّا. فعِندَما خَرَجُوا مِن مِصْر وابتدأوا في التِّيهِ في البَريَّة، دَعَاهُمُ اللهُ إلى العِبادَة. لِذا فقد وَضَعَ اللهُ في وَسْطِ المَحَلَّة خَيمَةَ الاجتِماعِ هَذِهِ، أو هذهِ الخَيمَة. وَقَدِ اقْتَضَى الأمرُ تَخصيصَ سَبعة أصحاحات مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، وَمِئَتَيْنِ وَثلاثٍ وأربَعينَ آية، كَيْ يُعْطي اللهُ كُلَّ المَعاييرِ، وكُلَّ المَقاييسِ، وكُلَّ التَّجهيزاتِ الَّتي يَنبغي أن تَكونَ جُزءًا مِن ذلكَ المَكان. 243 آيَة! وَمِنَ المُدهِشِ أنْ نَعلَمَ أنَّ اللهَ ذَكَرَ كُلَّ قِصَّةِ خَلْقِ الكَونِ في إحْدى وثَلاثينَ آيةٍ فَقط. فاللهُ مُهْتَمٌّ جدًّا بالعِبادَة.

وعِنْدَ إعْطاءِ كُلِّ ذلكَ الوَصفِ المُفَصَّلِ للعِبادَة، كَانَ كُلُّ القَصْدِ مِن ذلكَ هُوَ أنْ يُرَكِّزُوا على الله. فَالخَيمَةُ نَفسُها كَانَت قَبيحَةً. لَقد كانَت قَبيحَةً. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّها لم تَكُن مُبْهِجَة للنَّظَر. ولكِن كانَ يُوجَدُ فيها مِنَ الدَّاخِلِ مَوْضِعٌ يُسَمَّى القُدْس. وَفي دَاخِلِ القُدْسِ كَانَ يُوْجَدُ مَوْضِعٌ يُسَمَّى "قُدْسَ الأقداس"؛ وَهُوَ مَوْضِعٌ مُكَعَّبُ الشَّكلِ تَمامًا. وَفي دَاخِلِ قُدْسِ الأقداسِ كانَ يُوجَدُ تَابوتُ العَهد. وَفَوقَ تَابوتِ العَهدِ كَانَ يُوْجَدُ غِطاءٌ يُسَمَّى "كُرْسِيُّ الرَّحْمَة" الَّذي يَرُشُّ عَليهِ رَئيسُ الكَهَنَةِ الدَّمَّ مَرَّةً كُلَّ سَنَة للتَّكفيرِ عَن خَطايا الشَّعب. وَفوقَ غِطاءِ التَّابوتِ كَانَتْ تَسْتَقِرُّ سَحابَةُ المَجْدِ الإلهِيِّ. لِذا، كَانَتْ خَيْمَةُ الاجتِماعِ تُسَمَّى كذلكَ في الحَقيقةِ لأنَّها كانَتِ المَوضِعَ الَّذي يَحِلُّ فيهِ مَجْدُ الله: خَيمَةُ الاجتِماع. وكانت مَحَلَّةُ إسرائيل مَوجودة حَولَ تلكَ الخَيمَة. وَكانت حَياتُهُم بأسرِها تَتَمَحْوَرُ حَولَ خَيمَةِ الاجتِماعِ تِلك. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عِندَما اكْتَمَلَ بِناءُ خَيمةِ الاجتِماعِ، نَزَلَ مَجْدُ اللهِ مِنَ السَّماءِ وَحَلَّ وَسَكَنَ هُناكَ لكي يَعْلَمَ الشَّعبُ أنَّ مَجْدَ اللهِ حَالٌّ هُناك.

والآن، نَقرأُ في سِفْرِ الخُروج 25: 22 مَا يَلي: "وَأَنَا أَجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ وَأَتَكَلَّمُ مَعَكَ، مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ، بِكُلِّ مَا أُوصِيكَ بِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ". فَقد أعطاهُمُ اللهُ مَوْضِعًا للعِبادَة. وَهَل تَعلَمونَ أنَّهُ لم يَكُن يُوجَدُ في خَيمةِ الاجتِماعِ أيُّ مَقعَد؟ فَأنتُم لا تَدخُلونَ إلى هُناكَ لِكَي تَخدِمُوا. وأنتُم لا تَدخُلونَ إلى هُناكَ لِكَي تَستَمِعُوا إلى المُوسيقَا. وَأنتُم لا تَدخُلونَ إلى هُناكَ لأيِّ سَبَبٍ آخَرَ سِوى عِبادَةِ الله. فَإنْ كَانَ لَديكُم اجتِماعٌ فإنَّكُم تَعقِدونَهُ في مَكانٍ آخر. فَقد كانت خَيمةُ الاجتِماعِ مَكانًا مُخَصَّصًا للعِبادَة. وَكَانَ وُجودُ مَكانٍ للعِبادَةِ أَهَمّ مِن وُجودِ مَكانٍ للاجتِماع. وَفي وَسْطِ مَكانِ العِبادَةِ ذاكَ كَانَ اللهُ حَاضِرًا أوْ يُعْلِنُ عَنْ حُضورِهِ مِن خِلالِ سَحابَةِ المَجدِ الَّتي تَسْتَقِرُّ على غِطاءِ التَّابوتِ بينَ أجْنِحَةِ الكَروبَيْنِ. واللهُ يَقولُ: "سَوفَ أجْتَمِعُ بِكَ هُناكَ". فالعِبادَةُ كَانَت هِيَ الأولويَّةُ الأولى. فَقد كانَ اللهُ يَجتَمِعُ بِشَعبِهِ هُناك.

وَإنْ قَرأتُم سِفْرَ العَددِ، تَجِدونَ في الأصحاحِ الأوَّلِ، أوْ في نِهايَةِ الأصحاحِ الأوَّلِ وبِدايَةِ الأصحاحِ الثَّاني، كيفَ أنَّ اللهَ كَانَ يَصُفُّ النَّاسَ حَولَ خَيمةِ الاجتِماعِ. وَهذا أمرٌ مُدهِشٌ جدًّا. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يُخبِرُنا (أعتقد في سِفْرِ العَدَد والعَدد 52 أو 53) أنَّهُ خَارِجَ خَيمةِ الاجتِماعِ، كَانَ أَقْرَبُ أُناسٍ إلى خَيمةِ الاجتِماعِ هُمُ الكَهَنة. فَهذهِ هِيَ المَحَلَّةُ الَّتي كَانَ يُخَيِّمُ فيها بَنو إسرائيلَ طَوالَ سَنَواتِ التِّيهِ الأرْبَعينَ في البَرِّيَّة. فَقد كانَ الكَهَنَةُ يُخَيِّمونَ في أقربِ مَكانٍ حَوْلَ خَيمَةٍ الاجتِماعِ. وبَعدَ الكَهَنَةِ يَأتي اللاَّوِيُّون. وَكانَ الكَهَنَةُ مَسؤولينَ عَن ماذا؟ عَنِ العِبادَة. وَكانَ بَقِيَّةُ اللاَّوِيِّينَ مَسؤولينَ عَنِ الخِدمَةِ والاعتناءِ بِخَيمةِ الاجتِماع. لِذا، كَانَ الكَهَنَةُ هُمُ الأقرَبُ إلى خَيمةِ الاجتِماعِ، ثُمَّ يَأتي بَعدَهُم اللاَّوِيُّونَ، ثُمَّ في الدَّائِرَةِ الخَارجِيَّةِ أوِ الأبعَدِ كَانَ يَنْزِلُ أسباطُ بَني إسرائيلَ الاثنا عَشَر. وَكانَ كُلُّ التَّركيزِ في حَياتِهِم مُنْصَبًّا على العِبادَة. وَكانَ هَذا هُوَ أعظَمُ إعلانٍ أَعْلَنَهُ اللهُ في وَسْطِهم: يَنبغي أنْ تَعبُدوني.

وَحَتَّى إنَّنا نَقرأُ عَنْ عُمْرِ الكَهَنَة. فَبِحَسَبِ مَا جَاءَ في سِفْرِ العَدد 1: 3، كَانَ يَنبغي للجُنديِّ أنْ يَكونَ ابْنَ عِشرينَ سَنة. فَعِندما يَبلُغُ الشَّابُّ سِنَّ العِشرين، يُمكِنُهُ أنْ يَخْدِمَ بِصِفَتِهِ جُنديًّا. وفي سِفْرِ العَدد 8: 24، نَقرأُ أنَّ اللاَّوِيَّ يَستَطيعُ أنْ يَبتَدِئَ في الخِدمَةِ في خَيمةِ الاجتِماعِ والهَيكلِ عندما يَبلُغُ سِنَّ الخَامِسَةِ والعِشرين. ولكِنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ العَدد 4: 3 أنَّ الكَاهِنَ يَنبغي أنْ يَكونَ قَد بَلَغَ سِنَّ الثَّلاثين. إذًا، يَنبغي للجُنديِّ أنْ يَبلُغَ سِنَّ العِشرين، ويَنبغي للخَادِمِ أنْ يَبلُغَ سِنَّ الخَامِسَةِ والعِشرين، ويَنبغي للكَاهِنِ أنْ يَبلُغَ سِنَّ الثَّلاثين. لماذا؟ الجَوابُ بَسيطٌ جدًّا: لأنَّ العِبادَةَ كَانتِ الأولويَّةُ الأولى، وَكانت تَتطلَّبُ أعلى مُستَوى مِنَ النُّضْجِ الرُّوحيِّ لأنَّها كانت أعظَمُ مَسؤوليَّة. فَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ مُنْهَمِكونَ في الأنشطة. وَهُناكَ أُناسٌ كَثيرينَ يُحارِبونَ في المَعارِك. وهُناكَ مُستوىً آخر للأشخاصِ الَّذينَ يَخدِمونَ. وَأعلى مُستَوى مَحفوظٌ للأشخاصِ الَّذينَ يَقودونَ الشَّعبَ في عِبادَةِ اللهِ.

وأعتقدُ أنَّهُ يُوجَدُ شَيءٌ آخرُ يُرينا أهميَّةَ العِبادَةِ في الكتابِ المقدَّسِ وَهُوَ التَّقْدِمات. هَل تَذكُرونَ مَا جَاءَ في سِفْرِ اللاَّوِيِّينَ عَن كيفَ أنَّ اللهَ بَيَّنَ في الجُزءِ الأوَّلِ مِن هَذا السِّفْرِ أنواعَ الذَّبائِحِ والتَّقدِماتِ الَّتي يَنبَغي للشَّعبِ أن يُقَدِّموهَا لَهُ؟ وأوَّلُ ذَبيحَةٍ مِنْ بَيْنِ كُلِّ الذَّبائِحِ هِيَ ذَبيحَةُ المُحْرَقَة... ذَبيحَةُ المُحْرَقَة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ المَذبَحَ نَفسَهُ، أيِ المَذْبَحَ النُّحاسِيَّ، صَارَ يُعْرَفُ بِمَذْبَحِ المُحْرَقَة بِحَسَبِ مَا جَاءَ في سِفْرِ الخُروج 30: 28. لِذا فَقَدْ صَارَ يُسَمَّى باسمِ تلكَ الذَّبيحَة. وَكانَتْ هُناكَ ذَبائِحُ عَديدة مِثلَ ذَبيحَة الإثْم، وَذَبيحَة الخَطِيَّة. وَكانَتْ هُناكَ تَقْدِمَةُ الدَّقيقِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنَّ أوَّلَ ذَبيحَةٍ ذُكِرَتْ هِيَ ذَبيحَةُ المُحْرَقَة. والشَّيءُ الرَّائِعُ بخصوصِ ذلكَ هُوَ ببساطَةٍ مَا يَلي: عندما كانَ اليَهودِيُّ يُحْضِرُ ذَبيحَتَهُ إلى اللهِ، في بَقِيَّةِ الذَّبائِحِ، كانَ جُزءٌ مِن تلكَ الذَّبيحَةِ يُقَدَّمُ على المَذبَحِ، وجُزءٌ آخرُ مِنها يُؤكَل. ولكِن عندَ تَقديمِ ذَبيحةِ مُحْرَقَة، كَانَ كُلُّ جُزءٍ مِنها يُحْرَقُ لأنَّها كَانَتْ كُلُّها للرَّبّ. فَلَم يَكُنِ الكَاهِنُ يَأخُذُ جُزءًا مِنها. ولم يَكُنِ الخَاطِئُ أوِ التَّائِبُ يَأخُذُ جُزءًا مِنها أيضًا. وأعتقدُ أنَّ السَّببَ في أنَّ ذَبيحَةَ المُحْرَقَةِ تُذْكَرُ أوَّلاً هُوَ لأنَّ الأولويَّةَ الأولى تُعْطَى دائِمًا للعِبادَة... للعِبادَة حيثُ إنَّ الكُلَّ يُقَدَّمُ لله. فَهَذا هُوَ جَوْهَرُ العِبادَة. فَهُوَ شَيءٌ مُخَصَّصٌ بالتَّمامِ والكَمالِ لله. وعندما بُنِيَ الهَيكَلُ، أيْ عِنْدَما تَمَّ بِناءُ الهَيكَلِ الدَّائِمِ في أورُشَليم، كانَتِ العِبادَةُ كُلُّها تَتِمُّ دَاخِلَ ذلكَ الهَيكَل. وكانَ التَّركيزُ مُنْصَبًّا مَرَّةً أخرى على العِبادَة... على العِبادَة.

وَفي سِفْرِ التَّثنية 12: 5، مَا الَّذي يَقولُهُ اللهُ؟ "بَلِ الْمَكَانُ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِكُمْ لِيَضَعَ اسْمَهُ فِيهِ، سُكْنَاهُ تَطْلُبُونَ وَإِلَى هُنَاكَ تَأْتُونَ". تَعالَوْا إلى مَوضِعِ العِبادَة. هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ اللهُ. تَعالُوا إلى المَكانِ الَّذي وَضَعَ اللهُ اسْمَهُ فيه. وَهذا المَكانُ هُوَ، بِكُلِّ تَأكيدٍ: أورُشَليم. وَبِصورَةٍ أكثرَ تَحديدًا: قُدْس الأقداس. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ السَّادس: "وَتُقَدِّمُونَ إِلَى هُنَاكَ: مُحْرَقَاتِكُمْ". فَهَذِهِ تُقَدَّمُ أوَّلاً، ثُمَّ تَأتي الذَّبائِحُ الأخرى. "وَعُشُورَكُمْ وَرَفَائِعَ أَيْدِيكُمْ وَنُذُورَكُمْ وَنَوَافِلَكُمْ وَأَبْكَارَ بَقَرِكُمْ وَغَنَمِكُمْ، وَتَأْكُلُونَ هُنَاكَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ، وَتَفْرَحُونَ بِكُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ أَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ وَبُيُوتُكُمْ كَمَا بَارَكَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ". فَهُوَ يَقولُ: "تَعَالَوْا إلى الهَيكل". تَعالَوْا وَقَدِّمُوا كُلَّ الأشياءِ المَذكورةِ في تلكَ الوَصايا الطَّقسِيَّةِ؛ ولكنِ ابتَدِئوا بِذَبيحَةِ المُحرَقَة.

وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ مَا جاءَ في سِفْرِ إشَعْياء والأصحاحِ السَّادِسِ إذْ يَقولُ إشَعْياءُ: "فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَال وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهَل تَذكُرونَ أنَّهُ رَأى فَوقَ عَرْشِ اللهِ كَروبيم؟ أو مَلائِكَة؟ أو بالَحَرِيِّ: السَّرَافِيم؟ فَقد رَآهُم هُناك. وَنَقرأُ أنَّهُ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُم "سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ". وَمِنَ المُدهِشِ أنْ نَقرأَ أنَّهُ كَانَ لِكُلٍّ مِنهُم أربعةُ أجنِحَةٍ للعِبادَةِ، وَجَناحانِ للخِدمَة.

فالعِبادَةُ هِيَ الأولويَّةُ الأولى. فَقد كانوا يُغَطُّونَ أرْجُلَهُم لأنَّهُ حُضورٌ مُقَدَّس. وَكانُوا يُغَطُّونَ وُجوهَهُم لأنَّهُ لم يَكُن بِمَقدورِهم أن يَنظُروا إلى مَجْدِهِ القُدُّوس. وَكانُوا يَستخِدمونَ جَناحَينِ فقط للقيامِ بالمَهامِّ الأخرى. فالعِبادَةُ هِيَ الأولويَّة. لِذا، لاَ عَجَبَ أنَّ المُرنِّمَ يَقولُ في المَزمور 95: "هَلُمَّ نَسْجُدُ وَنَرْكَعُ وَنَجْثُو أَمَامَ الرَّبِّ خَالِقِنَا، لأَنَّهُ هُوَ إِلهُنَا". وَهَذا يُذَكِّرُكُم وَحَسْب بِما قِيلَ في المَزاميرِ مَزمورًا تِلوَ الآخَرِ، تِلوَ الآخَر.

وَقد تَقول: ولكِن يا جُون (John)، هَذا كُلُّهُ في العهدِ القديم. حسنًا! لِنَنتقِل إلى العهدِ الجديدِ؛ وَتَحديدًا إلى رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الثَّاني عَشَر حَتَّى نَرى مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ في العهدِ الجديدِ عَن أولويَّةِ العِبادَة. والآيتانِ رُومية 12: 1 و2 هُما آيَتانِ مَألوفَتانِ جدًّا. فَبولسُ تَحَدَّثَ طَوالَ أَحَدَ عَشَرَ أصْحاحًا عَنِ إنجيلِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ المَجيد، وَقَصْدِهِ الفِدائِيِّ، وخُطَّتِهِ للعَالَم، وَرَحْمَتِهِ الَّتي أَسْبَغَها على الخُطاة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني عَشَر: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ"؛ أيْ أنَّني أَتَوَسَّلُ إليكُم. هَذا هُوَ مَا أُريدُ مِنكُم أن تَفعَلوهُ وَفْقًا لِكُلِّ الحَقِّ المُعلَنِ في الأصحاحاتِ الأحدَ عَشرَ الأولى. وَما الَّذي سَيَطلُبُهُ اللهُ؟ "أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ [ماذا؟] الْعَقْلِيَّةَ"، أو "عِبادَتَكُم الرُّوحِيَّةَ" (لوغيكين لاتريان" – "logiken latreian"). "عِبادَتَكُم الرُّوحِيَّة". يُمكِنُكُم أن تُدَوِّنُوا ذلكَ في الهَامِش.

والآن، استَمِعُوا إليَّ جَيِّدًا جدًّا. لَقد تَحَدَّثَ طَوالَ أَحَدَ عَشَرَ أصحاحًا عَنِ العَقيدة. فَقد كانَ بولسُ يُعَرِّفُ المُؤمِنَ وَكُلَّ مُعتَقداتِهِ. وَهُوَ يَقولُ الآنَ: في ضَوْءِ ذلك، مَا الَّذي يُريدُهُ اللهُ؟ مَا الَّذي يَطلُبُهُ اللهُ مِنكُم؟ فَهَذا هُوَ مَا صَنَعَهُ. والآن، مَا الَّذي يُريدُه؟ مَا يُريدُهُ هُوَ عِبادَةٌ رُوحِيَّة. هَلْ تَرَوْنَ ذلكَ هُناك؟ فهذهِ هِيَ العِبادَةُ المَرْضِيَّةُ عِنْدَهُ. والكلمة "مَرْضِيَّة" هِيَ كلمةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا. فَهِيَ كلمةٌ تُسْتَخْدَمُ لِوَصْفِ الذَّبيحَة. وَهِيَ كلمةٌ تُسْتَخْدَمُ لِوَصْفِ العِبادَة. فَأيُّ شَخصٍ يَعبُدُ أيَّ إلَهٍ يَسعَى إلى أنْ يُقَدِّمَ لَهُ شَيئًا مَرْضِيًّا. فَهَذا شَيءٌ مُلازِمٌ للعِبادَة. والكلمة "مَرْضِيَّة" تَرِدُ مَرَّةً أخرى في نِهايةِ العَددِ الثَّاني: "إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ". فَما الَّذي يَطْلُبُهُ اللهُ مِنَ المُؤمِن؟ إنَّهُ يَطلُبُ عِبادَةً رُوحِيَّةً مَرْضِيَّةً. وَتِلكَ العِبادَةُ تَبْتَدِئُ بِتَقديمِ الجَسَدِ ذَبيحَةً حَيَّةً. فالأمرُ يَبتَدِئُ بِتَقديمِ الجَسَد. وَأعتقدُ أنَّ الكلمةَ "جَسَد" هُنا تُشيرُ إلى الإنسانِ كُلِّه. فالأمرُ يَبتَدِئُ بتَقديمِ الجَسَدِ ذَبيحَةً حَيَّةً. وَهُناكَ أشخاصٌ يَقولونَ: "إنَّهُ جَسَدٌ مَادِّيٌّ وَحَسْب. لِذا، لا يُمْكِنُ أنْ تَكونَ هَذِهِ عِبادَة رُوحِيَّة لأنَّ تَقديمَ الجَسَدِ المَادِّيِّ ليسَ عِبادَةً رُوحِيَّة". ولكِنَّ الجَسَدَ هُنا يُشيرُ إلينا بِجُمْلَتِنا. فَهُوَ الجَسَدُ الَّذي يَضُمُّ كُلَّ كِيانِنا.

لِذا، بسببِ رَحْمَةِ اللهِ العَظيمَةِ لَنا فإنَّ اللهَ يَطْلُبُ مِنَّا أن نُقَدِّمَ أنفَسَنا مِنْ خِلالِ تَقديمِ أنفُسِنا بالعِبادَةِ عَلى المَذْبَحِ؛ أيْ أنْ نَضَعَ أنفُسَنا هُناكَ مِن خِلالِ العِبادَةِ الرُّوحيَّة. والآن، اسمَحُوا لي أن أقولَ ببساطَة: إنَّ السَّبَبَ في تَخليصِ اللهِ لَكُم وَلِي هُوَ أنْ نُقَدِّمَ لَهُ عِبادَةً مَرْضِيَّةً حَقًّا. هذا هُوَ القَصْد. والآن، لِنَنظُر إلى نَصٍّ آخر وَهُوَ: رِسالة بُطرس الأولى 2: 5 – رِسالة بُطرس الأولى 2: 5. وَسَوفَ تَجِدونَ سِياقًا مُشابِها هُنا. فَفي الأصحاحِ الأوَّلِ، تَقرأونَ عَن عَجائِبِ نِعْمَةِ الفِداء. كَما أنَّكُم تَقرأونَ تِلكَ الجُملةَ الرَّائعةَ في العَدد 19 عَن دَمِ المَسيحِ الكَريم: "كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ". فالعَددُ الثَّامِن عَشَر يَتحدَّثُ عَنِ الفِداء. والعَددُ 23 يَتحدَّثُ عن وِلادَتِنا الجَديدةِ؛ أيْ أنَّنا قَدْ وُلِدْنا ثَانِيَةً. والعَدَدُ الثَّاني مِنَ الأصحاحِ الثَّاني يَتحدَّثُ عَنِ الأطفالِ المَولودينَ ثَانِيَةً والَّذينَ ذَاقُوا أنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ. والآن، بَعدَ أنْ نِلْنا الخَلاصَ، كَما يَقولُ، وَبَعدَ أنْ صِرْنا أشخاصًا مُخَلَّصينَ، فإنَّهُ يَقولُ في العَددِ الخَامِسِ إنَّنا صِرْنَا "مَبْنِيِّينَ ­كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ­ بَيْتًا رُوحِيًّا". فَقَد صِرْنا بَيْتًا رُوحِيًّا يَسْكُنُ اللهُ فيه. فاللهُ لا يَسْكُنُ في بَيْتٍ مَصْنوعٍ بأيْدي، واللهُ لا يَسْكُنُ في مَبْنَى مِنَ الحِجارَةِ والطِّين؛ بَلْ هُوَ يَسْكُنُ في حِجارَةٍ حَيَّةٍ هِيَ شَعبُهُ. لِذا فقد صِرْنا بَيْتَ اللهِ وَكَهَنوتًا مُقَدَّسًا. وَما هِيَ دَعْوَتُنا؟ يَنْبَغي لَنا بِصِفَتِنا كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا أنْ نُقَدِّمَ [لاحِظُوا مَا يَقول]: "ذَبَائِحَ رُوحِيَّةً. فَهَذِهِ عِبادَةٌ "مُرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ". وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ الكلمة "مَرْضِيَّة" تَنْطَوِي على فِكرةِ الذَّبيحَة. فَهِيَ عِبادَةٌ رُوحِيَّةٌ مَرْضِيَّة، أو عِبادَةٌ رُوحِيَّةٌ حَقيقيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ على أساسِ عَمَلِ اللهِ المُغَيِّرِ الَّذي عَمِلَهُ مِن خِلالِ المَسيح.

لِذا، يُمكِنُكم أن تَرَوْا مِنْ خِلالِ هَذِهِ النَّظرةِ الخَاطِفَةِ أنَّ العِبادَةَ مُهِمَّة. وَهِيَ مُهِمَّةٌ [أوَّلاً] لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ كَثيرًا عَنها. ثَانِيًا، وَسَوفَ أكْتَفي وَحَسْب بالتَّمهيدِ لهذهِ النُّقَطَة. فالسَّبَبُ الثَّاني لأهميَّةِ العِبادَةِ هُوَ أنَّ كُلَّ الحَياةِ الحَاضِرَةِ والأبديَّةِ تَتَوَقَّفُ عليها. فالعِبادَةُ ليسَت شَيئًا ثَانَوِيًّا في الحَياةِ، بَلْ إنَّ العِبادَةَ هِيَ جَوهَرُ الحَياة. وَكَما تَرَوْنَ فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَعْبُدونَ اللهَ عِبادَةَ مَرْضِيَّةً يَدْخُلونَ إلى الحَياةِ الأبديَّة. والأشخاصُ الَّذينَ لا يَعْبُدونَ اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً يَدخُلونَ إلى المَوتِ الأبديَّ. لِذا فإنَّ العِبادَةَ هِيَ أَهَمُّ شَيءٍ في الوُجود. والعِبادَةُ هِيَ الجَوهَر. فالمَصيرُ الأبديُّ يَتقَرَّرُ وَفْقًا لِطَبيعَةِ عِبادَةِ الإنسان. فَعِبادَتُكَ تَنْعَكِسُ عليكَ وَتُقَرِّرُ مَصيرَكَ الأبديَّ. والآن، هُناكَ نَوعانِ فقط مِنَ العِبادَةِ في الحَقيقة. فإمَّا أنْ تُقَدِّمَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً، وَإمَّا أنْ تُقَدِّمَ مَاذا؟ عِبادَةً غَير مَرْضِيَّة. وَأغلبيَّةُ النَّاسِ يُقَدِّمونَ عِبادَةً غَير مَرْضِيَّة. واللهُ لَنْ يَقْبَلَها. والكِتابُ المُقَدَّسُ وَاضِحٌ تَمامًا في هَذا الخُصوص. وَهُناكَ أشخاصٌ اليومَ يُريدونَ أن يُقْنِعونا بأنَّ جَميعَ النَّاسِ سَيَخلُصونَ في نِهايَةِ المَطاف، وَأنَّ جَميعَ النَّاسِ سَيَكونونَ مَقبولينَ عِندَ اللهِ في النِّهاية. ولكِنَّ هَذا غَير صَحيح. فَهذا غَيرُ صَحيح. فالكِتابُ المقدَّسُ لا يَقولُ ذلك؛ بَل إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ تُوْجَدُ عِبادَةٌ مَرْضِيَّةٌ، وَإنَّهُ تُوْجَدُ عِبادَةٌ غَيرُ مَرْضِيَّة.

والآن، لِنَتحدَّث عَنِ العِبادَةِ غَيرِ المَرْضِيَّة. فَهُناكَ أربَعَةُ أنواعٍ مِنها. وَسَوفَ أتحدَّثُ عَنْ نَوعٍ واحِدٍ مِنها فقط في هذا الصَّباح. وَسَوْفَ أَذكُرُ البَقِيَّةَ في هَذا المَساء. أوَّلاً: النَّوعُ الأوَّلُ مِنَ العِبادَةِ غَيرِ المَرْضِيَّةِ هُوَ عِبادَةُ الآلِهَةِ الزَّائِفَة... عِبادَةُ الآلِهَةِ الزَّائِفَة. فهذهِ عِبادَةٌ غَيرُ مَرْضِيَّة. والنَّاسُ يَقولون: "هُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ مَساكين يَعْبُدونَ آلِهَتَهُم الزَّائِفَة. وَهُمْ سَيَكونونَ على مَا يُرام في النِّهاية لأنَّهُم كانُوا مُخْلِصين". لا، إنَّهُمْ لَنْ يَكونوا عَلى مَا يُرام. فَمِنْ غَيْرِ المَقبولِ عِنْدَ اللهِ أنْ تَعبُدَ إلَهًا زَائِفًا لأنَّهُ ليسَ إلَهٌ آخَرُ سِوى الله. واللهُ إلَهٌ غَيور. وَهُوَ لَا يَسْمَحُ لَنا بأنْ نَعْبُدَ إلَهًا آخَر. فَهُوَ يَقولُ: "مَجْدي لا أُعطيهِ لآخَر". وَعلى الرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ العَالَمَ يَعْبُدُ آلِهَةً زَائِفَةً.

انظُروا إلى رِسالَة رُومية والأصحاحِ الأوَّل وَذَكِّرُوا أنفُسَكُم بِما تَعَلَّمناهُ في دِراسَتِنا لِرسالَة رُومية. فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 21: "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ..." وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَنِ الجِنسِ البَشريِّ. "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ". وَبِصَراحَةٍ، إنَّ المَقصودَ بذلكَ هُوَ أنَّهُم لم يَعبُدوه، وَلَمْ يُعطوهُ المَجد، وَلَم يُسَبِّحوه، ولَم يَشكُروه، ولَم يُظْهِروا لَهُ الاحتِرامَ والإجلال. فَقَد رَفَضُوا أنْ يَعْبُدوا اللهَ. وَاللهُ يَقولُ: "هَذا غَيرُ مَقبول". لِذا، نَقرأُ في العَدد 24: "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ"؛ أيْ إلى شُرورِهم وَطَبيعَتِهِم الخَاطِئَة. فَقد كانَ مَا فَعَلوهُ غَيرَ مَقبول. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ مَا الَّذي حَدَث؟ عندما رَفَضُوا أنْ يَعْبُدوا اللهَ (كَما جَاءَ في العَدد 23): "أَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ". فَقَد عَبَدُوا الأصنامَ. والآنْ، اسمَعوني: كُلُّ إنسانٍ يَعبُدُ شَيئًا مَا. وَكُلُّ إنسانٍ يَعْبُدُ في مَكانٍ مَا. فَحَتَّى إنَّ المُلْحِدينَ يَعْبُدونَ شَيئًا مَا. وَمَنْ هُوَ الإلَهُ الَّذي يَعْبُدُهُ الإنسانُ المُلْحِد؟ نَفسَهُ؟ فَهُوَ الكَائِنُ المُطلَق. فَكُلُّ إنسانٍ يَعبُدُ شَيئًا مَا.

وعندما يَرفُضُ النَّاسُ اللهَ فإنَّهُم في أغلبِ الأحيانِ يَعبُدونَ إلِهَةً زَائِفَةً. فَهُمْ يَخْتَرِعونَ آلِهَةً. وَلا شَكَّ في أنَّ هَذا هُوَ الشَّيءَ الَّذي نَهَى عَنْهُ اللهُ في الوَصِيَّةِ الأولى حينَ قالَ: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي"؛ ولكِنَّ النَّاسَ يَفعلونَ ذلك. وبِصورةٍ رَئيسيَّةٍ، هُناكَ أنواعٌ عَديدةٌ، أوْ نَوعانِ مِنَ الآلِهَةِ: الأوَّلُ هُوَ مَا يُسَمَّى بالآلِهَةِ المَادِّيَّةِ أوِ الآلِهَةِ الأرضِيَّة. وَالنَّاسُ لا يُفَكِّرونَ في هذهِ الأشياءِ بالضَّرورةِ على أنَّها آلِهَة؛ ولكِنَّهُم يَعبُدونَ العَالَمَ المَادِّيَّ. وأعتقدُ أنَّ هَذا يَتَّضِحُ تَمامًا في سِفْرِ أيُّوب؛ وَتَحديدًا في العَددِ الرَّابع والعِشرين مِنَ الأصحاحِ الحَادي والثَّلاثين. فَنَحنُ نَقرأُ مَا يَلي: "إِنْ كُنْتُ قَدْ جَعَلْتُ الذَّهَبَ عَمْدَتِي، أَوْ قُلْتُ لِلإِبْرِيزِ: أَنْتَ مُتَّكَلِي". فَهُوَ يَتحدَّثُ عَنْ إنسانٍ يَعبُدُ الذَّهَبَ، ويَعبُدُ المَالَ، ويَعبُدُ ثَرْوَتَهُ المَادِّيَّة. "إِنْ كُنْتُ قَدْ فَرِحْتُ إِذْ كَثُرَتْ ثَرْوَتِي وَلأَنَّ يَدِي وَجَدَتْ كَثِيرًا. إِنْ كُنْتُ قَدْ نَظَرْتُ إِلَى النُّورِ حِينَ ضَاءَ، أَوْ إِلَى الْقَمَرِ يَسِيرُ بِالْبَهَاءِ، وَغَوِيَ قَلْبِي سِرًّا، وَلَثَمَ يَدِي فَمِي، فَهذَا أَيْضًا إِثْمٌ يُعْرَضُ لِلْقُضَاةِ، لأَنِّي أَكُونُ قَدْ جَحَدْتُ اللهَ مِنْ فَوْقُ". فَإنْ عَبَدْتُ مُمْتَلَكاتي، أوْ إنْ عَبَدْتُ عَالَمي الصَّغيرَ، أوْ إنْ رُحْتُ أُقَبِّلُ يَدِي، أكونُ قَدْ جَحَدْتُ اللهَ. ولكِنَّ النَّاسَ يَفعَلونَ ذلك. فَهُمْ يَعْبُدونَ آلِهَةً مِنْ صُنْعِ أيديهِم؛ أيْ آلِهَةَ العَالَمِ المَادِّيّ.

وَنَقرأُ في سِفْرَ حَبَقُّوق، كَما تَعلَمونَ، عَنْ الكَلْدانِيِّينَ الأشرار. وَهَذا مُدْهِشٌ إذْ نَقْرَأُ في سِفْرِ حَبَقُوق 1: 16: "لِذلِكَ تَذْبَحُ لِشَبَكَتِهَا، وَتُبَخِّرُ لِمِصْيَدَتِهَا". وَما مَعْنى ذلك؟ لَقَدْ قَالَ في مَقْطَعٍ آخَر إنَّهُم كَانُوا يُعامِلونَ النَّاسَ كَما يُعامِلُ الصَّيَّادونَ الأسماكَ في البَحر. فَهُمْ يَخْرُجونَ بِجُيوشِهم ويَصْطَادُونَ النَّاسَ بِشِباكِهِم، ويَجْمَعونَ الشِّباكَ وَيَجُرُّونَها وَيَسْحَبونَها، وَإنَّهُم يَسْجُدونَ لِشِباكِهِم. بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُم يَعْبُدونَ إلَهَ القُوَّةِ الفَتَّاكَة. فَهُمْ يَعْبُدونَ إلَهَ القُوَّة. لِذا فإنَّ النَّاسَ قَدْ يَصْنَعونَ آلِهَةً مِنَ القُوَّة. وَهُمْ قَدْ يَصْنَعونَ آلِهَةً مِنَ الذَّهَبِ أوِ الثَّروة. وَهُمْ قَدْ يَصْنَعونَ أنفسَهُم إلَهًا وَيُقَبِّلونَ يَدَهُم طَوالَ الوقتِ، وَيُوَقِّرونَ أنفسَهُم. هَذهِ هِيَ آلِهَةُ الأرضِ أوِ الآلِهَةُ المَادِّيَّة. ولكِنْ عندما يَرفُضُ النَّاسُ اللهَ الحَقيقيَّ فإنَّهُم يَعبُدونَ إلَهًا آخَر.

ثُمَّ إنَّ بَعضًا مِنهُم يَتَخَيَّلونَ آلِهَةً خَارِقَةً للطَّبيعَة، أو آلِهَةً... آلِهَةً مَزْعومَة. وَقَد قَالَ اللهُ: "هَذهِ عِبادَةٌ غَيْرُ مَقبولَة". فَنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ التَّثنية 4: 14: "وَإِيَّايَ أَمَرَ الرَّبُّ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ أَنْ أُعَلِّمَكُمْ فَرَائِضَ وَأَحْكَامًا..." [كَما يَقولُ مُوسَى] "...لِكَيْ تَعْمَلُوهَا فِي الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكُوهَا". فَقَدْ قَالَ لي اللهُ مَا يَنبغي أن أقولَهُ لَكُم. فَهُوَ يَقولُ: "فَاحْتَفِظُوا جِدًّا لأَنْفُسِكُمْ". وَهُوَ يَقولُ: الآن، أريدُ مِنكُم أن تَحْذَرُوا مِن شَيءٍ وَاحِدٍ. استَمِعُوا إلى مَا يَقولُهُ لأنَّهُ مُدهِشٌ جدًّا: "فَإِنَّكُمْ لَمْ تَرَوْا صُورَةً مَّا يَوْمَ كَلَّمَكُمُ الرَّبُّ فِي حُورِيبَ مِنْ وَسَطِ النَّار". وَالآن، هَل تَذكُرونَ اليومَ الَّذي تَكَلَّمَ اللهُ فيهِ مِنْ وَسَطِ النَّارِ عَلى جَبَلِ حُوريب؟ فَأنتُم لَمْ تَرَوْا صُورَةً لَهُ. بِعبارةٍ أخرى: أنتُم لَمْ تَرَوْا صُورَةً للهِ، ولم تَرَوْا هَيئةً للهِ، ولم تَرَوْا شَكلاً للهِ – البَتَّة. لِماذا؟ لأنَّ اللهَ لا يُريدُ أنْ يَظْهَرَ بأيَّةِ صُورة – البَتَّة. وَهُوَ يَقولُ: عِندَما ظَهَرَ اللهُ لم يَظْهَرْ في أيَّةِ صُورةٍ لأنَّهُ لا يُريدُ مِنكُم أن تَتَخَيَّلوهُ بتلكَ الطَّريقة.

والآن، إنْ كُنتُم تَظُنُّونَ في أذهانِكُم أنَّ اللهَ رَجُلٌ عَجُوزٌ لَهُ لِحْيَةٌ وَيَجلِسُ في كُرسِيٍّ فإنَّ ذلكَ سَيِّء. وَقد قَالَ أحدُ الأشخاصِ: "عِبادَةُ الأصنامِ لا تَبْتَدِئُ بِمِطرقةٍ، بَلْ تَبْتَدِئُ بالذِّهْن". وعندما تَبْتَدِئونَ في تَخَيُّلِ اللهِ بِصُورةٍ غَيرِ لائِقَة فإنَّكُم تَجْعَلونَ اللهَ في النِّهاية يُشَكَّلُ عَلى هَيئةٍ غَيرِ لائِقَة. وَعَابِدُ الأصنامِ الَّذي يَأخُذُ مِطرَقَتَهُ وَإزْميلَهُ ويَصْنَعُ صَنَمًا مِنْ خَشَبَةٍ، فإنَّهُ يُشَكِّلُهُ على الصُّورَةِ المَوجودَةِ في ذِهنِه. لِذا، عندما أُفَكِّرُ في اللهِ فإنِّي لا أُفَكِّرُ فيهِ بأيَّة صُورة. فَلا تُوجَد لَديَّ صُورةٌ ذِهنيَّةٌ للهِ. وَقَد سَألَني النَّاسُ هذا السُّؤال: عِندَما تُفَكِّرُ في اللهِ، مَا الصُّورةُ الَّتي تَتَخَيَّلُها؟ أنا لا أتَخَيَّلُ أيَّ شَيءٍ البتة. فَليسَت لديَّ صُورةٌ ذِهنيَّةٌ للهِ. وَليسَ لَديَّ تَصَوُّرٌ بَصَرِيٌّ للهِ. وَأنا أقولُ بِنعمةِ اللهِ إنَّهُ لا يَجوزُ لي أن أَحُطَّ مِن شَأنِ اللهِ مِن خِلالِ تَخَيُّلِهِ في صُورةٍ مَا.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ: لا تَسمَحُوا لأنفسِكُم بالتَّفكيرِ باللهِ بِتِلكَ الطَّريقة. وَنَقرأُ في العَدد 16: "لِئَلاَّ تَفْسُدُوا وَتَعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا". وَهَذا هُوَ تَمامًا مَا كَانُوا يَفعلونَهُ: "صُورَةَ مِثَال مَّا، شِبْهَ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، شِبْهَ بَهِيمَةٍ مَّا مِمَّا عَلَى الأَرْضِ، شِبْهَ طَيْرٍ مَّا ذِي جَنَاحٍ مِمَّا يَطِيرُ فِي السَّمَاءِ، شِبْهَ دَبِيبٍ مَّا عَلَى الأَرْضِ، شِبْهَ سَمَكٍ". وَكَما تَعلمونَ فإنَّ كُلَّ الأُمَمِ المُحيطَةِ بِهِم كَانَتْ تَعْمَلُ تلكَ الآلِهَة. وَهَل تَعلَمونَ أنَّ الفِلِسطينيِّينَ كَانُوا يَعْبُدونَ إلَهًا نِصْفُهُ على هَيئةِ إنسانٍ وَنِصفُهُ الآخَرُ عَلى هَيئةِ سَمَكة؟ فَقد كانَ يُشْبِهُ الحُورِيَّةَ ولكِنَّهُ ذَكَر. وَهذا شَيءٌ تَفعَلُهُ الأُمَمُ عَادَةً. ولكِن لا تَفعَلوا ذلك "لِئَلاَّ تَرْفَعَ عَيْنَيْكَ إِلَى السَّمَاءِ، وَتَنْظُرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، كُلَّ جُنْدِ السَّمَاءِ الَّتِي قَسَمَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّتِي تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ، فَتَغْتَرَّ وَتَسْجُدَ لَهَا وَتَعْبُدَهَا". وَقد كَانُوا يَفعلونَ ذلك. فَقد كانُوا يَعبُدونَ الشَّمسَ والنُّجومَ والمَلائكةَ. ولكِنَّهُ يَقولُ: لا تَفعلوا ذلك.

لِذا، لم يَكُن يُوجَدٌ مَكانٌ لذلك. وفي العهدِ الجديد، نَقرأُ أنَّ مَا كَانَ الأُمَمُ يَذبَحونَهُ (بِحَسَبِ مَا جَاءَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ العَاشِرِ) إِنَّمَا كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِلشَّيَاطِين. فَإنْ عَمِلْتَ مِثلَ تلكَ الآلِهَةِ فإنَّكَ سَتَنْتَهي بِعبادةِ الشَّياطينِ المُمَثَّلَةِ بتلكَ الآلِهَةِ الَّتي تَظُنُّ أنَّها مَوجودَة.

إذًا، هُناكَ عِبادَةٌ للهِ غَيرُ مَرْضِيَّة. وأوَّلُ نَوعٍ مِنَ العِبادَةِ غَيرِ المَرْضِيَّة هُوَ عِبادَةُ آلِهَةٍ زَائِفَة. وَفي كُلِّ العهدِ القديمِ نَرى أنَّ هَذا النَّوعَ مِنَ العِبادَةِ قَدْ دِيْن. وَأودُّ أنْ ألَخِّصَ مَا قُلناهُ بأنْ أطلُبَ مِنكُم أن تَفتَحُوا على سِفْرِ إشَعْياء 2: 6. وَنَجِدُ هُنا تَعليقَ إشَعياء عَلى مَا كَانَ يَحدُثُ في وَسْطِ شَعبِه. فَقد رَفَضَ اللهُ الشَّعبَ، بَيْتَ يَعقوب. فَقَدِ امتَلأوا [بِحَسَبِ مَا جَاءَ في العَدَدِ السَّادِسِ مَنَ الأصحاحِ الثَّاني مِن سِفْرِ إشَعْياء] "مِنَ الْمَشْرِقِ"؛ أي أنَّهُمْ سَمَحُوا للفَلسفاتِ والدِّياناتِ الزَّائفةِ في الشَّرقِ أنْ تَتَسَلَّلَ إليهِم. "وَهُمْ عَائِفُونَ كَالْفِلِسْطِينِيِّينَ"؛ أيْ أنَّهُمْ يَلْتَجِئونَ إلى العَرَّافاتِ وَاستِشارَةِ الأرواحِ الشِّرِّيرة، وَما إلى ذلك. "وَيُصَافِحُونَ أَوْلاَدَ الأَجَانِبِ". فَعِوَضًا عَنْ أنْ يَظَلُّوا مُفْرَزينَ وَطَاهِرينَ فإنَّهُمْ سَمَحُوا لكُلِّ الأجانِبِ وَآلِهَتِهم الغَريبةِ أنْ يَغْزُوا تَفكيرَهُم وَعِبادَتَهُم. "وَامْتَلأَتْ أَرْضُهُمْ فِضَّةً وَذَهَبًا وَلاَ نِهَايَةَ لِكُنُوزِهِمْ، وَامْتَلأَتْ أَرْضُهُمْ خَيْلاً وَلاَ نِهَايَةَ لِمَرْكَبَاتِهِمْ". فَهُمْ لَم يَفْعَلُوا كُلَّ تلكَ الأشياءِ لأنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا بَرَكَةً مِنَ اللهِ، ولا لأنَّهُم لَمْ يَكونوا مُزْدَهِرين. "وَامْتَلأَتْ أَرْضُهُمْ أَوْثَانًا. يَسْجُدُونَ لِعَمَلِ أَيْدِيهِمْ لِمَا صَنَعَتْهُ أَصَابِعُهُمْ. وَيَنْخَفِضُ الإِنْسَانُ، وَيَنْطَرِحُ الرَّجُلُ، فَلاَ تَغْفِرْ لَهُمْ". ثُمَّ إنَّهُ يُحَذِّرُهم: "اُدْخُلْ إِلَى الصَّخْرَةِ وَاخْتَبِئْ فِي التُّرَابِ مِنْ أَمَامِ هَيْبَةِ الرَّبِّ وَمِنْ بَهَاءِ عَظَمَتِهِ".

فَقد كَانُوا عَبَدَةَ أصْنام. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّامنِ مِن سِفْر حِزْقيال أنَّهُم عَبَدوا الشَّمسَ؛ أيْ شَعْبَ اللهِ. وَقَدْ كَانَ الوَثنيُّونَ يَعبُدونَ كُلَّ شَيءٍ قَدْ يَخْطُرُ بِبالِكُم. فَقد كانتِ الآلِهَةُ مُنتشرةً في كُلِّ مَكان. وَمَا يَزالُ هَذا الأمرُ صَحيحًا اليوم. فَكُلُّ دِيانَةٍ لا تُمَيِّزُ اللهَ الحَقيقيَّ إنَّما تَعْبُدُ آلِهَةً زائِفَةً. وكُلُّ شَخصٍ مَادِّيٍّ، وكُلُّ مُلْحِدٍ غَيرِ مُتَدَيِّنٍ، وكُلُّ شَخصٍ وُجودِيٍّ لا يَنْتَمي إلى أيَّةِ دِيانَة إنَّما يَعْبُدُ إلَهًا مَادِّيًّا مِنَ اختِراعِه؛ حَتَّى إنَّهُ قَدْ يَعْبُدُ نَفسَهُ. وَهَذا غَيرُ مَقبولٍ عِندَ اللهِ. وَهُوَ يَدينُ النَّفس.

وإنْ قَرأتُم سِفْرَ أعمالِ الرُّسُل، سَتَجِدونَ تلكَ الجُملةَ الرَّائعةَ الَّتي قَالَها بُولُس في الأصحاحِ السَّابع عشر والعَدد 29. فَهُوَ يَقولُ: كَيفَ تَظُنُّونَ أنَّ اللهَ مَصْنوعٌ مِن فِضَّةٍ أو حَجَرٍ أو خَشَبٍ في حين أنَّكُم مِنَ الله؟ فأنتُم لَستُم فِضَّةً، وَلا حَجَراً، وَلا خَشَبًا. أليسَ كذلك؟ إذن، كَيفَ تَظُنُّونَ أنَّ خَالِقَكُم هَكذا؟ ألاَ تَعْلَمونَ أنَّ الأشياءَ تُنْتِجُ مِنْ ذَاتِ جِنْسِها؟ فَهذا أمرٌ بَديهيٌّ في الفَلسفة. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر والعَدد 27 إنَّ العَالَمَ كُلّهُ يَعْبُدُ الإلَهَةَ "دَيانا" (Diana)؛ تلكَ الآلَهَةَ القَبيحَةَ الَّتي كَانَتْ عَلى شَكْلِ بَقَرَةٍ سَوداء قَبيحةٍ وَكانُوا يَعبُدونَها. وَقد كَانُوا يَزْعُمونَ أنَّها سَقَطَتْ مِنَ السَّماءِ، وَأنَّهُ كَانَ يَجِبُ على العَالَمِ كُلِّهِ أنْ يَسْتَمِدَّ حَياتَهُ مِنْ ضُروعِها. ويُمكِنُكم أن تَقرأوا في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاح 13 كَيفَ أنَّهُم سيَعبُدونَ الوَحشَ والنَّبيَّ الكَذَّاب، وَأنَّهُم سيَعبُدونَ لاحِقًا الزَّانيةَ العَظيمةَ الَّتي تَجلِسُ على الوَحش. وفي وَقتٍ لاحِقٍ، سَوفَ يَعبُدونَ النِّظامَ الاقتصادِيَّ الزَّائِفَ الَّذي يُدعَى "بَابِل". فَسوفَ يَعبُدونَ اقتِصادَهُم، وَأموالَهُم، وَسِياسَتَهُم؛ ولكِنَّ كُلَّ ذلكَ سَيَنهار.

لِذا فإنَّ عِبادَتَكَ تُقَرِّرُ مَصيرَكَ الأبديَّ. وأوَّلُ نَوعٍ غَيرِ مَقبولٍ مِنَ العِبادَةِ هُوَ عِبادَةُ الآلِهَةِ الزَّائِفَة. والنَّوعُ الثَّاني مِنَ العِبادَةِ غَيرِ المَقبولَةِ هُوَ عِبادَةُ اللهِ الحَقيقيِّ بطَريقَةٍ مَغلوطَة... عِبادَةُ اللهِ الحَقيقيِّ بطَريقَةٍ مَغلوطَة. وَسَوفَ نَرى ذلكَ في هذا المَساء، وَنَرى أمورًا أخرى كَثيرة. وأرجو أن تَأتُوا إلى هُنا لأنِّي أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ يَتكلَّمُ إلينا بطريقةٍ خَاصَّةٍ مِن خِلالِ هذهِ الحَقائِق. دَعونا نُصَلِّي:

يَا أبانا، نَحنُ نَعلَمُ أنَّهُ يَنبغي أنْ تُعْبَدَ، وَأنَّ عِبادَتَنا لَكَ يَنبغي أن تَكونَ الأولويَّةَ الأولى في حَياتِنا. فَهذا لَيسَ خِيارًا، وَهَذا ليسَ شَيئًا يُمكِنُنا أن نَختارَهُ أوْ نَنْتَقيه. فَقد دَعَوْتَنا إلى عِبادَتِك. وَيا رَبُّ، نَسألُكَ أنْ تَغْفِرَ لَنا تِلكَ المَرَّاتِ الكَثيرةَ الَّتي نَأتي فيها إلى هَذا المَكانِ دُونَ أنْ نَعْبُدَكَ، أوِ المَرَّاتِ الَّتي لا نَأتي فيها، والمَرَّاتِ الَّتي لا نُبالي فيها، والمَرَّاتِ الَّتي نُفَكِّرُ فيها فقط في الأشياءِ الَّتي قَدْ تُبارِكُنا، أوْ تُطْعِمُنا، أو تَمْلأُنا؛ لا في الأشياءِ الَّتي تُمَجِّدُكَ. واغفِر لَنا تلكَ المَرَّاتِ الَّتي نَسعَى فيها إلى فَرَحِنا نَحنُ، لا إلى تَمجيدِكَ. واغفِر لنا تِلكَ المَرَّاتِ الَّتي نَسعَى فيها إلى مَا يُبْهِجُنا، لا إلى إجْلالِكَ. واغفِر لنا تِلكَ المَرَّاتِ الَّتي نَقومُ فيها بطريقَتِنا المَسيحيَّةِ الخَاصَّةِ بِعبادَةِ أنفُسِنا عَوِضًا عَن عِبادَتِكَ أنتَ. سَاعِدنا على أن نَعرِفَ أهميَّةَ العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ الرُّوحيَّةِ المَرْضِيَّةَ الَّتي تَطلُبُها. وَصَلاتُنا هِيَ أن تَكونَ العِظاتُ القادِمَةُ مُغَيِّرَةً لِحَياتِنا. وَإنْ كَانَ يُوجَدُ هُنا، يا رَبُّ، أشخاصٌ لا يَعرِفونَ المَسيحَ ولا يَقدِرونَ البَتَّةَ أن يَعبُدوكَ، بَلْ يَعْبُدونَ آلِهَةً زَائِفَةً، أو يَعبُدونَ اللهَ الحَقيقيَّ بطريقةٍ مَغلوطَةٍ، أو بأيِّ شَكلٍ آخرَ غَير مَقبول، نُصَلِّي أنْ يَأتُوا اليومَ إلى يَسوعَ المَسيحَ، وَأنْ يَتَطَهَّرُوا ويَتَنَقَّوْا، وَأنْ يَصِيروا عَبَدَةً حَقيقيِّينَ عَلى غِرارِ هَؤلاءِ الَّذينَ يَطلُبُهم الآبُ. نُصَلِّي هَذا باسمِ المَسيح. آمَين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize