لِنَفتَح كُتُبَنا المُقَدَّسَةَ في هذا الصَّباح على إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الرَّابع. وَأودُّ أن أَقرأَ مَرَّةً أخرى نَصَّنا الرَّئيسيَّ في هذهِ السِّلسِلَةِ القَصيرةِ عَنِ العِبادَة مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ والأعداد مِن 20 إلى 24. وَهَذا النَّصُّ مَذكورٌ في سِياقِ حَديثٍ دَارَ بينَ يَسوعَ المَسيحِ وَامرأةٍ سَامِرِيَّة. وَهِيَ تَتحدَّثُ في العَدد 20 فتَقول: "آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»".
قَالَ أَحَدُ الأشخاصِ إنَّ العِبادَةَ في الحَياةِ المَسيحيَّةِ تُشبِهُ النَّابِضَ الرَّئيسيَّ في سَاعَةِ اليَد. فَعِبادَةُ اللهِ هِيَ جَوْهَرُ تَجاوُبِ المُؤمِنِ، وقَلبُ نَشاطِ المُؤمِن. والعِبادَةُ تَعْني ببساطَةٍ أنْ نُدرِكَ استِحقاقَ اللهِ، وَجَدارَتَهُ، وَجَلالَهُ، وَكَرامَتَهُ، وَمَجدَهُ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الكلمة "عِبادَة" في اللُّغَةِ الإنجليزيَّة مُشتقَّةٌ مِنْ أَصْلٍ أنجلوسكسونِيّ (Anglo Saxon) يُشيرُ إلى جَدارَةِ المَعبودِ بَالعِبادَة. فَالواجِبُ الرَّئيسيُّ لِكُلِّ مُؤمنٍ هُوَ أنْ يُدرِكَ جَدارَةَ اللهِ بالعِبادَةِ، وَأنْ يُقَدِّمَ لَهُ الكَرامَةَ والمَجدَ الَّذي يَستَحِقُّه. وكَما رَأينا في المَزمور 45: 1، فإنَّ الكلمةَ المُستخدمَةَ هُناكَ بِمَعنى العِبادَةِ تُشيرُ إلى الغَلَيان. وَقد رَأينا أنَّهُ عندما تَجِيْشُ قُلوبُنا بمَعرفةِ اللهِ فإنَّها تَصيرُ سَاخِنَةً، وتَغلي، وتَتَدَفَّقُ بالعِبادة.
والآن، مِن خِلالِ تَركيزِنا على إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الرَّابِعِ نَكونُ قَدْ رَكَّزنا على أَهَمِّ مَقطَعٍ في العهدِ الجديدِ يَتحدَّثُ عَنِ بالعِبادَة. وقدِ ابتدأنا حَديثَنا بالتَّركيزِ على نُقطةٍ جَوهريَّةٍ واحِدَةٍ وَهِيَ: أهميَّةُ العِبادَة. وهذهِ النُّقطةُ ليسَت دَخيلَةً على هَذا النَّصِّ، بَل هِيَ في الحَقيقةِ جُزءٌ لا يَتَجَزَّأُ مِنه. فَإذا نَظرتُم إلى نِهايةِ العَدد 23، سَتَجِدونَ أنَّهُ يَقولُ إنَّ: "الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ". فالعِبادَةُ مُهِمَّةٌ جدًّا حتَّى إنَّها الشَّيءُ الَّذي يَطلُبُهُ اللهُ. فاللهُ يَهْتَمُّ بأنْ يَكْسَبَ عَابِدينَ لَهُ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ العِبادَةَ هِيَ أَهَمُّ شَيءٌ يُمكِنُ للإنسانِ أن يَفعلَهُ؛ أيْ أنْ يَعبُدَ اللهَ.
والآن، لَقد تَحَدَّثنا عَن أهميَّةِ العِبادَة. وَقد ذَكرتُ لَكُم إنَّهُ تُوجَدُ أربعةُ أسبابٍ لأهميَّةِ العِبادَة. وَأُريدُ أن أُراجِعَ الأسبابَ الَّتي تَحَدَّثْنا عَنها قَبلَ أنْ نُتابِع. السَّببُ الأوَّل: العِبادَةُ مُهِمَّةٌ لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ كَثيرًا جدًّا عَنها. فَإنْ فَتَحتُم على أيِّ جُزءٍ في الكتابِ المقدَّسِ سَتَجِدونَ أنَّ العِبادَةَ تُمارَسُ، وَأنَّ العِبادَةَ شَيءٌ يُوْصَى بِهِ. فَهِيَ مَوجودةٌ في كُلِّ أجزاءِ الكتابِ المقدَّس. وَقَد نَظرنا في يَومِ الرَّبِّ المَاضي، على سَبيلِ المِثالِ، مَا جاءَ في سِفْرِ الخُروج والأصحاحِ العِشرين حيثُ إنَّ أَوَّلَ وَصِيَّةٍ مِنَ الوَصايا العَشْرِ المُختصَّةِ بِناموسِ اللهِ هِيَ دَعْوَةٌ إلى العِبادَة. وَفي إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ الثَّاني والعِشرين، عِندَما سُئِلَ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ عَنِ الوَصيَّةِ الأولى أَجابَ بأنَّها الوَصِيَّةُ المُختصَّةُ بالعِبادَة. وَقد تَحدَّثنا عَن خَيمةِ الاجتِماعِ وَالهَيكلِ بِوَصْفِهِما رَمْزَيْنِ يُبَيِّنانِ أهميَّةَ العِبادَةِ في وَسْطِ شَعبِ اللهِ. وَقد تَحدَّثنا عَنِ الآباءِ الأوائِلِ الَّذينَ بَنَوْا مَذابِحَ لِعبادَةِ اللهِ. وَهَذا يَرْجِعُ إلى زَمَنِ قَايين وَهابيل.
ثُمَّ إنَّنا انتَقلنا إلى العهدِ الجديدِ وَنَظرنا إلى رِسالةِ رُومية 12: 1 و2، ورِسالةِ بُطرسَ الأولى 2: 5. وَعندَما نَظرنا إلى هَذينِ المَقطَعَيْنِ الكِتابِيَّيْنِ رَأينا أنَّنا نَحنُ المَسيحيِّينَ قَد دُعينا إلى عِبادَةٍ رُوحِيَّةٍ مَرْضِيَّةٍ عِندَ الله، وَعَنِ الذَّبائِحِ الرُّوحيَّةِ المَقبولَةِ عِندَ الله. لِذا، مُنذُ زَمَنِ قَايين إلى زَمَنِ الكَنيسة، كُلُّ شَخصٍ قَرَنَ نَفْسَهُ بِقِدِّيسي اللهِ دُعِيَ إلى العِبادَة وَصَارَ عَابِدًا.
إذًا أوَّلاً، العِبادَةُ مُهِمَّةٌ بِسَببِ حَقيقةِ أنَّها تُهَيمِنُ جدًّا على حَياةِ وَأزمِنَةِ الكتابِ المقدَّس. ثَانِيًا: العِبادَةُ مُهِمَّةٌ لأنَّ مَصيرَ الإنسانِ يَتقرَّرُ وَفْقًا للعِبادَة. فَهِيَ ليسَت مَوضوعًا كِتابِيًّا وَحَسْب، بَل هِيَ مَوضوعُ مَصيرٍ أيضًا. فَطريقةُ الإنسانِ في العِبادَةِ تُقَرِّرُ مَصيرَهُ الأبديَّ. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّنا قُلنا إنَّهُ يُوجَدُ نَوعانِ مِنَ العِبادَة: ِعِبادَةٌ غَيرُ مَقبولَة، وعِبادَةٌ مَقبولَة. والإنسانُ الَّذي يَعبُدُ عِبادَةً غَيرَ مَقبولَةٍ يُرْفَضُ مِنَ الله. والإنسانُ الَّذي يَعبُدُ عِبادَةً مَقبولَةً يُقْبَلُ مِنَ الله.
وَقد قُلتُ لَكُم أيضًا إنَّهُ تُوجَدُ أربعةُ أنواعٍ مِنَ العِبادَةِ غَيرِ المَقبولة. وَقد تَحَدَّثنا عَن ذلكَ أوَّلاً. فَهُناكَ عِبادَةٌ لآلِهَةٍ زَائِفَةٍ؛ وَهِيَ عِبادَةٌ غَيرُ مَقبولة. وَهُناكَ عِبادَةٌ للهِ الحَقيقيِّ بِأسلوبٍ مَغلوطٍ؛ وَلا سِيَّما إنْ جَعَلْنا اللهَ صَنَمًا. ثُمَّ إنَّ هُناكَ عِبادَةَ اللهِ الحَقيقيِّ بطَريقَةٍ مِنَ ابتِكارِنا. ثُمَّ إنَّ هُناكَ عِبادَةَ اللهِ الحَقيقيِّ بِمَوقِفٍ قَلبيٍّ غَيرِ سَليم. وكُلُّ هذهِ الأنواعِ غَيرُ مَقبولَة. فإنْ عَبَدْتَ إلَهًا زَائِفًا، أوْ إنْ عَبَدْتَ اللهَ الحَقيقيَّ بِشَكلٍ خَطأ، أوْ إنْ عَبَدْتَ اللهَ الحَقيقيَّ بِطَريقَتِكَ الشَّخصيَّةِ، أوْ إنْ عَبَدْتَ اللهَ الحَقيقيَّ بِمَوقِفٍ قَلبيٍّ غَيرِ سَليمٍ فإنَّ كُلَّ أنواعِ العِبادَةِ هَذِهِ مَغلوطَة.
فَقد عَبَدَ قَايينُ اللهَ الحَقيقيَّ؛ ولكِنَّ اللهَ أَوْصاهُ بأنْ يُقَدِّمَ ذَبيحَةً حَيَوانِيَّة. وعندما قَدَّمَ مِنْ أَثْمارِ الأرضِ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ بطريقةٍ مَغلوطَةٍ مِنَ ابتِكارِهِ. لِذا فإنَّ عِبادَتَهُ لم تَكُن مَرْضِيَّة. وَكما رَأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ في سِفْرِ مَلاخي والأصحاحِ الأوَّل، وَفي سِفْرِ عَامُوس والأصحاحِ الخَامِسِ، وَسِفْرِ هُوشَع والأصحاحِ السَّادِسِ، وسِفرِ إشَعْياء والأصحاحِ الأوَّل، فإنَّ بَني إسرائيلَ كَانُوا يَعبُدونَ اللهَ غَالِبًا بالشَّكلِ الصَّحيحِ والطَّريقةِ الصَّحيحةِ؛ ولكِنَّ مَوقِفَهُم القَلبيَّ لم يَكُن سَليمًا. لِذا فقد كانَت عِبادَتُهم غَيرَ مَرْضِيَّةٍ أيضًا. والعِبادَةُ غَيرُ المَرْضِيَّة تَعكِسُ مَصيرًا بِمَعزِلٍ عَنِ الله.
والآن، لَقد فَكَّرتُ في ذلكَ في هَذا الأمرِ في هذا الأسبوعِ؛ أيْ في كَيفيَّةِ تَوضيحِ العِبادَةِ غَيرِ المَقبولَةِ لَكُم. وَهُناكَ العَديدُ مِنَ الأمثلةِ الإيضاحِيَّةِ الَّتي يُمكِنُ أن أستَخدِمَها، ولكِنِّي اخْتَرْتُ هَذا المَثَلَ الإيضاحِيَّ لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ مُهِمٌّ لِتَوضيحِ المُعضِلَةِ اليوم. فَفي سَنة 1717، ظَهَرَتْ مَجموعَةٌ عُرِفَتْ على مُختَلَفِ الجَوانِبِ وَالأصْعِدَةِ باسمِ "المَحْفَلِ المَاسونِيّ"، أوِ "المَاسونِيِّين". وَعلى الرَّغمِ مِن أنَّهُم لا يُحِبُّونَ أن يُعْرَفوا بأنَّهُم دِيانَة، فإنَّهُم في الحَقيقةِ، وَمِن خِلالِ تَعريفِهم: دِيانَة. وَهُمْ، في اعتِقادي، مَثَلٌ كَلاسيكيٌّ، على العِبادَةِ غَيرِ المَقبولَة. وَقد قَالتِ "مَجَلَّةُ آيْوا الفَصلِيَّةُ" (The Iowa Quarterly Bulletin) في شَهْرِ نيسان/إبريل مِن سَنة 1917، وَهِيَ نَشْرَةٌ مِنْ إصْدارِهِم: "المَاسُونِيَّةُ هِيَ مُؤسَّسَةٌ عَيَّنَها اللهُ بِهَدَفِ جَذْبِ النَّاسِ إلى اللهِ، وَإعطائِهم فَهْمًا أفضلَ لِعلاقَتِهم السَّليمةِ باللهِ بِصِفَتِهِ أبيهِم السَّماوِيّ، وَلِعلاقَتِهم بالبَشَرِ بِصِفَتِهم إخوَتهم، وَللِمَصيرِ الأبديِّ للنَّفسِ البَشريَّة" [نِهايةُ الاقتباس].
إذًا، هَذِهِ دِيانَة. فَأيُّ شَيءٍ يَقولُ إنَّهُ مُؤسَّسَةٌ عَيَّنَها اللهُ بِهَدَفِ جَذْبِ النَّاسِ إلى اللهِ وَإعطائِهم فَهمًا أفضلَ لِعلاقَتِهِم السَّليمةِ باللهِ، وَلِعَلاقَتِهم بالبَشَرِ، وللمَصيرِ الأبديِّ لِنَفسِهِم البَشريَّةِ هُوَ دِيانَة. فالمَاسُونِيَّةُ دِيانَةٌ على الرَّغمِ مِن أنَّهُم لا يُريدونَ أن يُقِرُّوا بذلك.
والآن، هَل يَعبُدُونَ اللهَ؟ إنَّهُم يَقولونَ إنَّهُم يَعبُدونَهُ. فَهُم يَقولونَ إنَّهُم يَعبُدونَ اللهَ، ويَقولونَ إنَّهُم يَعبُدونَ اللهَ الحَقيقيَّ بالشَّكلِ السَّليمِ، وبالطَّريقةِ السَّليمةِ، وَبالمَوقفِ القَلبيِّ السَّليم. وَقَد كَتَبَ "ألبيرت بايك" (Albert Pike)، وَهُوَ يُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ رِفاقِهِ المَساونِيِّينَ بأنَّهُ واحِدٌ مِن أبرَزِ المَاسونِيِّينَ الَّذين أَنْجَبَهُم العَالَمُ الغَربِيُّ، كَتَبَ واحِدًا مِن أَهَمٍّ كُتُبِهِم، وَهُوَ بِعُنوان: "الأخلاقيَّاتُ والمُعتَقدات" (Morals and Dogmas). وَهُوَ مُهِمٌّ حَتَّى إنَّهُ يَظهَرُ في نُسَخِ الكِتابِ المُقَدَّسِ الَّتي يَستَخدِمونَها. فَهُناكَ نُسَخٌ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ مُخَصَّصَةٌ لاستِخدامِهم تُعرَفُ باسم "نُسْخَة هيرتل" (Hertel Bible). وَإليكُم مَا كَتَبَهُ: "المَاسونِيَّةُ تُبَجِّلُ كُلَّ المُصْلِحينَ العُظَماء. فَهِيَ تُوَقِّرُ مُوسَى الَّذي أعطَى الشَّريعةَ إلى اليَهودِ، وَتُوَقِّرُ كونفوشيوس وَزَرادِشْت، وَتُوَقِّرُ يَسوعَ النَّاصِرِيَّ، وَتُوَقِّرُ مُحَطِّم التَّماثيلِ العَربِيِّ، وَتُوَقِّرُ المُعَلِّمينَ الأخلاقِيِّينَ العُظَماء، وَتُوَقِّرُ المُصْلِحينَ الأفاضِل، وَغَيرَهُم، وَتَسْمَحُ لِكُلِّ أَخٍ ذِي رُتْبَةٍ أنْ يَنْسِبَ إلى أيِّ شَخصٍ مِن هَؤلاءِ مَكانَةً أعلى أو حَتَّى صِفَةً إلَهِيَّةً وَفْقًا لِمَا تَقْتَضيهِ عَقيدَتُهُ وَمُعتقداتُه. فَنحنُ لا نَحُطُّ مِن شَأنِ أيِّ حَقٍّ، وَنَحنُ لا نَتَفَوَّهُ بأيَّةِ كَلمةٍ قَد تُسيءُ إلى أيِّ شَخصٍ يَنتَمي إلى أيَّةِ عَقيدة. فَنحنُ لا نَقولُ للمُسلِمِ إنَّهُ يَكفي أنْ يُؤمِنَ بأنَّهُ يُوجَدُ إلَهٌ وَاحِدٌ، وَإنَّهُ لا يَهُمُّ البَتَّة إنْ كَانَ مُحَمَّدٌ رَسولَ الله. وَنَحنُ لا نَقولُ لليَهودِيِّ إنَّ المَسِيَّا الَّذي يَتَرَقَّبُ مَجيئَهُ قَد وُلِدَ في بَيْتِ لَحْمٍ قَبلَ نَحوِ ألفي سَنَة، وَإنَّهُ هَرْطُوقِيٌّ لأنَّهُ لا يُؤمِنُ بذلك. وَنَحنُ لا نَقولُ أيضًا للمُؤمِنِ المُكَرَّسِ إنَّ يَسوعَ النَّاصِرِيَّ لم يَكُن سِوى إنسانًا عَادِّيًا مِثلَنا، أو إنَّ تَاريخَهُ لم يَكُن سِوى نَهْضَةً غَيرَ حَقيقيَّة لأسطورةٍ قَديمة. فالقِيامُ بِذلكَ ليسَ مِنَ اختِصاصِنا. فالمَاسونِيَّةُ لا تَنْتَمي إلى عَصْرٍ واحِدٍ، بَلْ تَنْتَمي إلى كُلِّ العُصورِ، وَليسَت لَها دِيانَةٌ واحِدَةٌ، بَلْ هِيَ تَجِدُ حَقائقَ عَظيمةٍ في جَميعِ الدِّيانات. ففي نَظَرِ كُلِّ مَاسُونِيٍّ، يُوْجَدُ إلَهٌ، إلَهٌ عَظيمٌ لا حُدودٌ لِصَلاحِهِ، وَحِكمَتِهِ، وَعِلْمِهِ بالغَيبِ، وَعَدْلِهِ، وَإحسانِهِ. فَهُوَ الخَالِقُ والمُنْعِمُ وَالحَافِظُ لِكُلِّ الأشياء. أمَّا فيما يَختصُّ بالكيفيَّةِ الَّتي يَخلِقُ بها ويَعمَلُ بها، أو بالوَسائِطِ الَّتي يَخلِقُ مِن خِلالِها، وبالطَّرائقِ الَّتي يُعلِنُ فيها عَن نَفسِهِ فإنَّ المَاسونِيَّةَ تَتْرُكُ للعَقائدِ والدِّياناتِ مَهَمَّةَ الاستِقصاء" [نِهايةُ الاقتباس].
بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُم يَقولونَ إنَّهُم يُؤمِنونَ باللهِ؛ ولكِن يُمكِنُكَ أن تُقَرِّرَ مَنْ هُوَ اللهُ، وَما الَّذي يُريدُهُ، وَكيفَ تَصِلُ إليه. ثُمَّ إنَّهُم يُعْلِنونَ كُلَّ تلكَ الكلماتِ السِّريَّةِ، وَيُقالُ لَهُم عندما يَنْتَسِبونَ إلى المَاسُونِيَّةِ إنَّهُ لا يُسْمَحُ لَهُم بِنُطْقِ كلماتٍ مُعَيَّنة. وَإنْ عَرَفْتُمْ شَخصًا مَاسُونِيًّا مِن قَبل، رُبَّما تَعلَمونَ أنَّهُ لَنْ يُفْصِحَ عَن تِلكَ الكلمات. ولكنِّي أريدُ أن أَكْشِفَ تِلكَ الكلماتِ في هذا الصَّباح. فَأَقْدَسُ كَلمةٍ تُعطَى للسيِّدِ المَاسونِيِّ عندما يَقِفُ لِمُمارَسَةِ مَا يُسَمُّونَهُ "نِقاطُ الشَّرِكَةِ الخَمْس" (the five points of fellowship) حيثُ إنَّهُ يَقِفُ مَعَ الشَّخصِ الَّذي قَدَّمَهُ لِيَصيرَ سَيِّدًا. فَهُوَ يَقِفُ أمامَهُ بِحَيْث تُلامِسُ أصابِعُ قَدَمَيْهِ أَصابِعَ ذَاكَ، وتُلامِسُ رُكْبَتاهُ رُكْبَتَيْ ذَاكَ، ويُلامِسُ صَدرُهُ صَدْرَ ذاكَ، ويُلامِسُ خَدُّهُ خَدَّ ذاكَ، وَيُلامِسُ فَمُهُ أُذُنَ ذَاكَ فَيَهْمِسُ في أُذُنِهِ الكلمة: "ما-ها-بون" (Ma-ha-bone). ويُفْتَرَضُ بتلكَ الكلمةِ المُقَدَّسَةِ أنْ تَكونَ اسمَ الله. وَفي رُتْبَةٍ أُخرى مِنْ رُتَبِ المَاسُونِيِّين، هُناكَ كلمةٌ أخرى تُسْتَخْدَمُ مَعَ فُرْسانِ الهَيكل وَهِيَ الكلمة "جاهبولون" (Jahbulon)، وَهُمْ يَقولونَ إنَّها الثَّالوثُ المُقَدَّس. فالكلمة "جاه" (Jah) مُشتقَّة مِنَ الاسمِ "يَهْوَه"، والكلمة "بول" (Bul) مُشتقَّة مِنَ البَعْل، والكلمة "أون" (On) مُشتقَّة مِنَ اسمِ إلَهِ الشَّمسِ عِندَ المِصريِّين. وَيَقولُ "بايك" (Pike) أيضًا في كِتابِهِ "الأخلاقِيَّاتُ والمُعتقدات": "مِن أجلِ تَحقيقِ الخَلاصِ، يَجِبُ على المَاسونِيِّ أوَّلاً أن يَصِلَ إلى قَناعَةٍ رَاسِخَةٍ قائِمة على المَنطِقِ بأنَّهُ يَمْلِكُ في ذَاتِهِ طَبيعَةً رُوحِيَّة، وَنَفسًا لا تَموتُ عِندَما يَتَحَلَّلُ الجَسَدُ، بَل تَستمرُّ في الوُجودِ والتَّقَدُّمِ نَحوَ الكَمالِ طَوالَ كُلِّ الدُّهورِ وَالأبديَّةِ، وَتَستمرُّ أكثرَ فَأكثر كُلَّما اقتَرَبَتْ إلى اللهِ في رُؤيةِ نُورِ الحُضورِ الإلهِيِّ" [نِهايةُ الاقتباس].
وَهَذا كَلامٌ فَارِغٌ لا مَعنَى لَهُ في الحَقيقة. وَنَقرأُ في النُّسخَةِ المَاسُونِيَّةِ مِنَ الكتابِ المقدَّس: "عندَ افتِتاحِ المَحْفَلِ، يَنبغي أنْ يُعْبَدَ مُهَنْدِسُ الكَونِ العَظيم". هَذا هُوَ مَا يَقولونَهُ. يَنبغي أنْ يُعْبَدَ مُهَنْدِسُ الكَونِ العَظيم. ثُمَّ إنَّ "بايك" (Pike) يَقول: "عندَ المَذبَحِ المَاسُونِيِّ، يُمْكِنُ للمَسيحيِّينَ، أوِ اليَهودِ، أوِ المُسلِمينَ، أوِ الهِندوسِيِّينَ، أوْ أتباعِ كونفوشيوس وَزَرادِشت أنْ يَجتمِعُوا كَإخوةٍ، وَأن يَتَّحِدُوا في الصَّلاةِ إلى اللهِ الوَاحِد. فَكاهِنُ المَحفَلِ المَاسُونِيِّ الَّذي يُصَلِّي نِيابَةً عَنِ المَحفَلِ لا يُصَلِّي باسمِ نَجَّارِ النَّاصِرَةِ، أو باسمِ يَهْوَه، أو باسمِ اللهِ؛ بَل يُصَلِّي إلى الصَّانِعِ العَظيمِ أوِ المُهَندِسِ العَظيمِ للكَون. وَتَحتَ هَذا اللَّقَبِ، يُمْكِنُ لِكُلِّ إنسانٍ مِن أيَّة دِيانَة أنْ يَعثُرَ عَلى إلَهِهِ. وَعَدَمُ ذِكْرِ اسْمِ أيِّ إلَهٍ هُوَ ليسَ إنكارًا لَهُ، بَل فقط تَصَرُّفًا مُهَذَّبًا حَتَّى يَسْمَعَ كُلُّ مُصَلٍّ اسمَ إلَهِهِ مَشْمُولاً في اللَّقَبِ الشَّامِلِ للمُهندِسِ العَظيم" [نِهايةُ الاقتباس].
أعتقدُ أنَّكُم تَفهَمونَ الصُّورة. وَهَذا يَكَفي بصراحَةٍ لِإثارَةِ الشُّعورِ بالغَثَيانِ عِندَ أيِّ شَخصٍ لأنَّ هَذِهِ دِيانَة شَيطانيَّة زَائِفة. وَهِيَ غَيرُ مَقبولَة. وَهُناكَ الكَثيرُ مِنَ العِباداتِ غَيرِ المَقبولَة. وَمَصيرُ الإنسانِ يَتقرَّرُ وَفقًا لِذلك. فَرُبَّما تَظُنُّ أنَّكَ تَعبُدُ اللهَ؛ ولكِنَّكَ لا تَفعلُ ذلك.
وَفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 17، نَجِدُ في تَلِّ إلَهِ الحَرْبِ "مَارْس" (Mars) مَثَلاً تَوضيحيًّا كلاسيكيًّا... كلاسيكيًّا. فَقد كَانَ يُوجَدُ مَذْبَحٌ كُتِبَ عَليهِ "لإلَهٍ مَجهول". وبولُس يَقول: "إنَّ فِكرةَ وُجودِ اللهِ هِيَ فِكرةٌ صَائِبَة؛ ولكِنَّكُم لا تَعلَمونَ مَا تَفعلون. فأنتُم تَعبُدونَ في [ماذا؟] جَهْل". والآن، اسمَحوا لي أن أُخبِرَكُم عَنِ الله. فَلا فَائِدَةَ تُرجَى البَتَّة مِن عِبادَةِ اللهِ كَما تَتَخَيَّلونَهُ أنتُم. فَهذا يُشبِهُ مَا يُقالُ للمُدمِنينَ على الكُحولِ في جَلْساتِ العِلاجِ إذْ إنَّهُم يَقولونَ لَهُم: "يَنبغي أنْ تُنْشِئُوا عَلاقَةً باللهِ كَما تَتَخَيَّلونَهُ". اسمَعوني: إنَّ كَيفيَّةَ تَخَيُّلِكَ للهِ لا تَعني أيَّ شَيءٍ، بَل إنَّ طَبيعَتَهُ الحَقيقيَّةَ هِيَ المُهِمَّة. فهذهِ عِبادَةٌ غَيرُ مَقبولَة. فَقَدْ تَأخُذُ تلكَ العِبادَةَ شَكْلَ عِبادَةٍ أَثيمَةٍ وَشَنيعَةٍ للمَال. وَقَد تَأخُذُ شَكْلَ عِبادَةٍ لآلِهَةٍ زَائِفَة، أو قَد تَأخُذُ شَكْلَ عِبادَةٍ للهِ الحَقيقيِّ ولكِن بطريقةٍ غَير مَقبولة. لِذا فإنَّكَ لا تَعبُدُهُ البَتَّة.
والآن، اسمَحُوا لي أن أتحدَّثَ عَنِ العِبادَةِ المَرضِيَّة. وَهَذا هُوَ مَا أُريدُ مِنكُم أن تُفَكِّرُوا فيهِ مَعي تَحديدًا. فَمصيرُكَ الأبديُّ يَتقرَّرُ وَفْقًا للعِبادَةِ المَرْضِيَّة. وَأنتَ تَتَمَيَّزُ بأنَّكَ مُؤمِنٌ مِن خِلالِ عِبادَتِكَ المَرْضِيَّة. فَغايَةُ الخَلاصِ هِيَ أنْ يُهَيِّئَ عَابِدينَ حَقيقيِّين. وأعتقدُ [كَما لَمَّحْتُ في واحِدَةٍ مِن عِظاتي السَّابقةِ] أنَّ المَزمورَ 24: 3-6 رُبَّما كَانَ أَرْوَعَ صُورةٍ في العهدِ القديمِ للعَابِدِ المَرْضِيِّ. فَهُوَ يَقول: "مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ؟ وَمَنْ يَقُومُ فِي مَوْضِعِ قُدْسِهِ؟" أيْ: مَنْ يَمْلِكُ الحَقَّ في المُثولِ في حَضْرَةِ اللهِ؟ أو: مَن يَمْلِكُ الحَقَّ في المُثولِ أمامَ الله؟ أو: مَن يَمْلِكُ الحَقَّ في الاقتِرابِ مِنهُ؟ "اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَالنَّقِيُّ الْقَلْبِ". فَلا يُمكِنُكَ أن تَدخُلَ إلى حَضرةِ اللهِ مَا لَم تَكُن قَد تَطَهَّرتَ. "الَّذِي لَمْ يَحْمِلْ نَفْسَهُ إِلَى الْبَاطِلِ، وَلاَ حَلَفَ كَذِبًا. يَحْمِلُ بَرَكَةً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، وَبِرًّا مِنْ إِلهِ خَلاَصِهِ. هذَا هُوَ الْجِيلُ الطَّالِبُهُ". فالجِيلُ الَّذي يَطْلُبُهُ حَقًّا يَضُمُّ أولئكَ الأشخاصَ الأنقياءَ القَلبِ، والطَّاهِري اليَدَيْنِ، وَذَوي الدَّوافِعِ النَّقِيَّةِ، والطَّاهِرينَ، وَالأبرار، والمُقَدَّسين. والآن، كَيفَ تَعلَمُ أنَّكَ صِرْتَ كَذلك؟ يَنبغي أن تَكونَ مَفْدِيًّا. لِذا فإنَّ الفِداءَ يَصْنَعُ عَابِدينَ حَقيقيِّينَ يَعبُدونَ اللهَ عِبادَةً مَرضِيَّة.
والآن، ارجِعُوا إلى المَقطَعِ الكِتابِيِّ الَّذي تَوقَّفنا عِندَهُ في المَرَّةِ السَّابقةِ وَهُوَ: عِبرانِيِّين 12: 28. وَأريدُ أن أُتابِعَ حَديثي عَنهُ مِن هذهِ النُّقطة. عِبرانِيِّين 12: 28. فَكاتِبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين يَقولُ إنَّنا قَبِلْنا مَلَكوتًا لا يَتزَعزَعُ؛ خِلافًا للأرضِ الَّتي تَزَعزَعت. والمِثالُ الإيضاحِيُّ هُنا هُوَ تَزعزُعُ جَبَلِ سِيْناء. ولكِنَّهُ يَقولُ إنَّنا قَبِلنا مَلكوتًا لا يَتزعزَعُ أو لا يَهْتَزُّ. لِذا، "لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ اللهَ". والكلمة "نَخْدِمُ" هِيَ "لاتروُو" (latreuo)؛ وَهِيَ الكلمةُ الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "ليتيرجي" (liturgy) ومَعناها: عِبادَة. إذًا: "لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَعْبُدُ اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً". ضَعُوا خَطًّا تحتَ تلكَ العِبارَة. فهذهِ هي العِبارَةُ الَّتي تَعْنينا: "عِبادَةً مَرْضِيَّةً"... عِبادَةً مَرْضِيَّةً. "لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ [أو نَعْبُدُ] اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً". ثُمَّ إنَّهُ يَذكُرُ شَيئَيْنِ رَئيسِيَّيْن: "بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى. لأَنَّ «إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ»". فَإن كُنتَ تَعبُدُ اللهَ، يَنبغي أن يَكونَ هُناكَ في أعماقِ قَلبِكَ تَوازُنٌ بينَ الخُشوعِ والخَوْف. والخُشوعُ إيجابِيٌّ بِمَعنى أنَّهُ يُرَكِّزُ على استِحقاقِ اللهِ وَجَدارَتِهِ بالعِبادَة. والخَوفُ سَلبِيٌّ بِمَعنى أنَّهُ يُرَكِّزُ على الدَّينونَةِ والتَّأديبِ والعِقابِ المُعَبِّرِ عَنهُ بأنَّهُ نَارٌ آكِلَةٌ في العَدد 29.
لِذا فإنَّ العَابِدَ الحَقيقيَّ يَعْبُدُ اللهَ بِدافِعِ الخُشوعِ للهِ، وبِدافِعِ الخَوفِ مِنَ الله. وَهَذانِ الأمرانِ جَوهَرِيَّان. لِذا، يَنبغي لَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً. فَهَذا هُوَ مَا يُوصِي بهِ العَدد 28. فَإنْ كُنَّا قَدْ نِلنا الفِداءَ فإنَّنا عَابِدونَ حَقيقيُّون. وَبِصِفَتِنا عَابِدينَ حَقيقيِّينَ، يَنبغي لَنا أن نَعبُدَهُ عِبادَةً مَرْضِيَّة.
والآن، اسمَحُوا لي أن أقولَ في هذهِ النُّقطةِ إنَّني أُوْمِنُ بأنَّكَ إن كُنتَ عَابِدًا حَقيقيًّا فإنَّكَ سَتفعلُ ذلكَ ولكِن ليسَ كُلَّ الوقتِ، وليسَ دَائِمًا كَما يَنبغي لأنَّهُ مَا تَزالُ هُناكَ خَطِيَّةٌ بَاقِيَةٌ فِينا. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّ المَسيحيَّ الحَقيقيَّ هُوَ عَابِدٌ حَقيقيٌّ. ولكِنَّنا لا نَعبُدُ اللهَ دَائِمًا عِبادَةً حَقيقيَّةً كَما يَنبغي لَنا أنْ نَعْبُدَهُ، وَلا نَعبُدُهُ هَكذا دَائِمًا. لِذا فإنَّ كَاتِبَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين يَدعونا هُنا إلى أن نَعبُدَ اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً مِن خِلالِ التَّأكيدِ الإيجابِيِّ لِشَخصِهِ وَمَجْدِهِ، ومِن خِلالِ التَّأكيدِ السَّلبيِّ لِحَقيقةِ أنَّهُ نَارٌ آكِلَةٌ. وَهُناكَ أسبابٌ لِخَوفِنا إنْ لم نَعْبُدُهُ عِبادَةً مَرْضِيَّة. لِذا فإنَّ العِبادَةَ المَرْضِيَّةَ هِيَ مَا يَطلُبُهُ اللهُ مِن شَعبِه.
والآن، مَا مَعنى ذلك؟ مَا مَعنى ذلك؟ أرجو أن تُرَكِّزُوا مَعي لأنِّي سأُريكُم مَعنى ذلك. افتَحُوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الرَّابع عَشَر. وَأريدُ مِنكُم أن تُرَكِّزُوا أذهانَكُم على مَا سَأقولُهُ خِلالَ الدَّقائقِ الخَمْسِ أوِ العَشْرِ القادِمَةِ لأنَّ كُلَّ ذلكَ سَيَتَلَخَّص في جُمْلَتَيْنِ تَصْنَعانِ فَرْقًا كَبيرًا. لِذا، رَكِّزُوا مَعي جَيِّدًا فِيما نَقرأُ مِنَ الكتابِ المقدَّس. وَإنْ لم تَتَمَكَّنُوا مِنَ الفَتْحِ على الآياتِ بِسُرعَة، استَمِعُوا إليها وَاكتُبوا الشَّاهِد. نَقرأُ في رِسالةِ رُومية 14: 18: "لأَنَّ مَنْ خَدَمَ الْمَسِيحَ فِي هذِهِ فَهُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللهِ". مَا هِيَ هَذِه الأشياء؟ إنَّ هَذا الأصحاحِ بِمُجمَلِهِ يَتحدَّثُ عَن عَدَمِ إعْثارِ أَخٍ ضَعيفٍ، وَعَدَمِ إحْزانِ أَخٍ، وَعَدَمِ تَدميرِ أَخٍ، وَعَدَمِ استِخدامِ حُرِّيَّتِكَ لِجَعلِهِ يَعْثُر. وَهُوَ يَقولُ مَا يَلي: إنْ كُنتَ تَخدِمُ المَسيحَ في هَذهِ الأمورِ فَإنَّكَ تُقَدِّمُ عِبادَةً مَرْضِيَّة. لِذا فإنَّ العِبادَةَ [في المَقامِ الأوَّلِ] هِيَ أمرٌ يَختصٌّ بالطَّريقةِ الَّتي نُعامِلُ بِها المُؤمِنينَ الآخَرين. هَل فَهِمتُم ذلك؟ بالطَّريقةِ الَّتي نُعامِلُ بِها المُؤمِنينَ الآخَرين. فَهَذهِ عِبادَة. إنَّها عِبادَة. وَهِيَ تُمَجِّدُ اللهَ وَتُكَرِّمُ الله.
والآن، انظُروا إلى الأصحاحِ الخَامِس عَشَر والعَدَد 16 – رِسالة رُومية 15: 16. وَبولُسُ يَشكُرُ اللهَ، بِكُلِّ تَأكيدٍ، على النِّعمَةِ الَّتي دَعَاهُ مِن خِلالِها إلى الخِدمةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ جُملةً مُدهشةً جدًّا إذْ يَقولُ إنَّهُ يَخْدِمُ إنجيلَ الله. لِماذا يا بُولُس؟ "لِيَكُونَ [لاحِظُوا مَا يَقول] قُرْبَانُ الأُمَمِ مَقْبُولاً". وَالآن، هَذِهِ لُغَةُ ذَبائِح، وَهَذِهِ لُغَةُ عِبادَة. فَهُوَ يَقولُ: "أنا أُقَدِّمُ الأُمَمَ قُرْبانًا للهِ لِيَكونُوا قُرْبانًا مَقبولاً". مَا الَّذي تَعنيه؟ مَا يَلي: أنَّ رِبْحَ النَّاسِ لِيَسوعَ المَسيحِ هُوَ عِبادَةٌ مَقبولة. فَقد كانَ بُولُسُ يَنظُرُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَهْتَدونَ إلى المَسيحِ مِنْ خِلالِهِ بأنَّهُم قُرْبان مَقبول لله. أليسَت هَذهِ طَريقة رَائعة للنَّظرِ إلى الكِرازَة؟ فَأنتَ تَرْبَحُ نَفْسًا يُمكِنُ أن تُقَدَّمَ للهِ في هَيئةِ عِبادَةٍ مُقَدَّسَةٍ مَقبُولَة. لِذا فإنَّ العِبادَةَ هِيَ الطَّريقَةُ الَّتي تُعامِلُ بِها المُؤمِنينَ. والعِبادَةُ هِيَ رِبْحُ غَيرِ المُؤمِنين.
رِسالة فيلبِّي 4: 18 – رِسالة فيلبِّي 4: 18. فَبولُسُ يَكتُبُ رِسالَتَهُ إلى أهلِ فيلبِّي [مِنْ جِهَة] لِكي يَشكُرَهُم على التَّقْدِمَةِ المَالِيَّةِ الَّتي أرسَلوها إليه. فَقد فَرِحَ جدًّا بإرسالِها لأنَّها دَلَّتْ عَلى مَحَبَّتِهم. ولكِنَّهُ يَقولُ في العَدد 18: "وَلكِنِّي قَدِ اسْتَوْفَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَاسْتَفْضَلْتُ. قَدِ امْتَلأْتُ إِذْ قَبِلْتُ مِنْ أَبَفْرُودِتُسَ الأَشْيَاءَ الَّتِي مِنْ عِنْدِكُمْ، نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ". وَأنا أُحِبُّ ذلك. فَهُوَ يَقولُ: "إنَّ تَقْدِمَتَكُم المَالِيَّةَ، أو تَقدِمَتَكُم الَّتي أرسَلتُموها لِسَدِّ حَاجاتي كانَتْ عِنْدَ اللهِ ذَبيحَةً مَقبولةً اشْتَمَّ اللهُ مِنها رَائِحَةً طَيِّبة". اسمَعوني: العِبادَةُ هِيَ تَقديمُ المَالِ لِسَدِّ الحَاجات. فهذهِ عِبادَة. أجَل! وَهَذا يَعني أن تُقَدِّمَ مِنْ مَالِكَ للآخرين، وَأنْ تَدْعَمَ القِدِّيسينَ وَعَمَلَ الكَنيسةِ وَخِدمَةَ المَسيح. فهذهِ عِبادَة.
والآن، اسمَعوا جَيِّدًا: لَقد رأينا في رُومية 14 أنَّ العِبادَةَ هِيَ كَيفَ تُعامِلُ المُؤمِنينَ الآخرينَ، وَرأينا في رُومية 15 أنَّ العِبادَةَ هِيَ رِبْحُ غَيرِ المُؤمِنين، وَرأينا في فيلبِّي 4 أنَّ العِبادَةَ هِيَ العَطاءُ لِسَدِّ الحَاجات. فَالعِبادَةُ... اسمَعوني الآنَ... العِبادَةُ هِيَ مُشارَكَة. فَهذهِ هِيَ خُلاصَةُ هذهِ الأمورِ الثَّلاثَة. العِبادَةُ هِيَ مُشارَكَةٌ مَعَ الآخَرين: أيْ أنْ تُشارِكَ مَعَ الآخرينَ مَحَبَّتَكَ، وَأنْ تُشارِكَ مَعَ الآخرينَ الإنجيلَ، وَأن تُشارِكَ مَعَ الآخرينَ مُوارِدَكَ. فهذهِ عِبادَة. هَل فَهِمتُم ذلك؟ هذهِ عِبادَة. وَهِيَ تُسَبِّحُ اللهَ، وَتُكَرِّمُ اللهَ، وَتُمَجِّدُ اللهَ لأنَّها تَجْعَلُهُ مَنْظُورًا مِن خِلالِ حَياتِكَ وَتُبَيِّنُ أنَّكَ مُطيعٌ لَهُ. وَهِيَ تُبَيِّنُ أنَّكَ تُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ هُوَ. فَهُوَ يُحِبُّ القِدِّيسينَ، ويُحِبُّ الضَّالِّينَ، ويُحِبُّ المُحتاجينَ بطريقةٍ خَاصَّة. لِذا فإنَّ هَذِهِ عِبادَة.
والآن، اسمَعوني: افتَحُوا على رِسالةِ أفسُس 5: 10 – رِسالة أفسُس 5: 10. وَهَذا نَصٌّ آخر مُهِمٌّ جدًّا جدًّا. وَهُوَ يَقولُ: "مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ". وَنَجِدُ هُنا مَرَّةً أخرى لُغَةَ الذَّبائِح، وَلُغَةَ التَّقْدِماتِ، وَلُغَةَ العِبادَة. وَما هُوَ المَوضوعُ هُنا؟ نَقرأُ في العَددِ الثَّامِن: "اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ. لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ [لاحِظُوا هَذا:] هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ، مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ". وَهَذا هُوَ مَا يَقصِدُهُ: عندما يَكونُ هُناكَ صَلاحٌ في حَياتِكَ، وَبِرٌّ، وَحَقٌّ، فإنَّكَ تَكونُ مَرْضِيًّا. لِذا فإنَّ العِبادَةَ، الَّتي هِيَ تَقْدِمَةٌ حَقيقيَّةٌ للهِ، هِيَ في كُلِّ صَلاحٍ وَبِرٍّ وَحَقّ. وَهَذا يُشيرُ إلى القَداسَةِ الشَّخصيَّةِ والفَضيلَةِ الشَّخصيَّة.
والآن، افتَحُوا مَرَّةً أخرى على رِسالةِ فيلبِّي 1: 11. واسمَحُوا لي أن أُريكُم نَصًّا كِتابِيًّا آخَر. رِسالة فيلبِّي 1: 11: "مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ" – وَنَرى هُنا نَفسَ الفِكرةِ مَرَّةً أخرى: البِرّ وَثَمَر البِرّ. "الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ". وَنَرى مَرَّةً أخرى نَفسَ الشَّيءِ الَّذي رَأيناهُ في رِسالة أفسُس 5: 10؛ أيْ أنَّ البِرَّ، والقَداسَةَ، والصَّلاحَ، والتَّقوى هِيَ عِبادَةٌ مَقبولَة. فَهِيَ عِبادَةٌ مَقبولَة. وَلِتَلخيصِ ذلك، انظُروا إلى رِسالةِ تِيموثاوُس الأولى 2: 3 – إلى رِسالةِ تِيموثاوُس الأولى 2: 3 الَّتي تَقول: "لأَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ". وَما هُوَ هَذا الشَّيء؟ نَقرأُ في نِهايةِ العددِ الثَّاني: "حَيَاةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً فِي كُلِّ تَقْوَى وَوَقَارٍ". هَل رَأيتُم ذلك؟ تَقوى وَوَقار. فالبِرُّ، والصَّلاحُ، والحَقُّ، والقَداسَةُ هِيَ عِبادَة.
والآن، اسمَعوني: لَقد ذَكَرْتُ لَكُم ثَلاثَةً مَقاطِع كِتابِيَّة تُبَيِّنُ أنَّ العِبادَةَ مُشارَكَةٌ مَعَ الآخرين. وَقَدْ ذَكَرْتُ لَكُم ثَلاثَةَ مَقاطِع كِتابِيَّة تُبَيِّنُ أنَّ العِبادَةَ مُرتبطةٌ بِقَداسَتِنا، وَبِرِّنا، وَصَلاحِنا. فهذهِ عِبادَة. هَذِهِ عِبادَة. فَهِيَ تَختصُّ بالكَيفيَّةِ الَّتي تَعيشُ بها كُلَّ يَومٍ مِن حَياتِك. فالعِبادَةُ هِيَ نَهْجُ حَياة. فَهِيَ طَريقَةٌ في العَيْشِ تُظْهِرُ لا فقط القَداسَةَ الشَّخصيَّةَ والبِرَّ الشَّخصيَّ، بَل إنَّها تَضُمُّ أيضًا إظهارَ الحُبِّ للإخوة، وَالمُناداةِ بالإنجيلِ للضَّالِّينَ، وَتَقديمِ كُلِّ مَوارِدِنا لِسَدِّ الحَاجَات. فتلكَ عِبادَة.
ولكِن اسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم المَبدأَ الأساسِيَّ حيثُ إنَّ كُلَّ ذلكَ يَبلُغُ الذَّروةَ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 13 – الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 13: 15 إذْ نَقرأُ: "فَلْنُقَدِّمْ بِهِ..." – وَكَمْ أُحِبُّ ذلك! فَهُوَ يُشيرُ إلى يَسوعَ المَسيحِ المَذكور في العَدد 12. "فَلْنُقَدِّمْ بِهِ [أيْ: بيسوعَ المَسيحِ] فِي كُلِّ حِينٍ للهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ". وَهَذِهِ هِيَ في الحَقيقةِ الذُّروة. أليسَ كذلك؟ أيْ أنْ نُسَبِّحَ اللهَ وَنُمَجِّدَهُ بِشِفاهِنا، وَأنْ نَشْكُرَهُ في كُلِّ حِيْن. فهذهِ عِبادَة. وَهَذا هُوَ مَا نَفعلُهُ عندما نَجتَمِعُ مَعًا. فَنحنُ نُرَنِّمُ، وَنُسَبِّحُ اللهَ بِقُلوبِنا وَشِفاهِنا، وَنَقولُ لَهُ: "شُكرًا".
ولكِنِ انظُروا إلى العَدد 16: "وَلكِنْ لاَ تَنْسَوْا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هذِهِ [مَاذا؟] يُسَرُّ اللهُ". هَل فَهِمتُم ذلك؟ اسمَعوني: اللهُ يُريدُ مِنكُم أن تأتُوا إلى هُنا وَتَعبُدوه. وَهُوَ يُريدُ مِنكُم أن تَأتوا إلى هُنا وَتُسَبِّحُوا اسْمَهُ، وَتُمَجِّدُوا اسْمَهُ، وَتَشكُروه. ولكِنَّهُ لا يُريدُ مِنكُم أن تَنسَوْا أنَّ العِبادَةَ هِيَ نَهْجُ حَياةٍ حيثُ يَنبغي أن تَفْعَلوا الخَيرَ وَأن تُشارِكُوا مَعَ الآخرين. أَتَرَوْنَ ذلك؟ فَهاتانِ الآيَتانِ تُلَخِّصان كُلَّ مَا قُلتُهُ لَكُم. واسمَعوا جَيِّدًا مَا أقول: إن كُنتَ تَظُنُّ أنَّكَ تَستطيعُ أن تَعيشَ كَما يَحلُو لَكَ، وَأن تَأتي إلى هُنا يَومَ الأحدِ صَباحًا وَتَعبُدَ اللهَ فإنَّكَ عَلى خَطأ. فَلا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ لأنَّ العِبادَةَ لا تَحدُثُ في الفَراغ. والعِبادَةُ لا تُحْفَزُ مِنْ خِلالِ التَّحايُل. هُناكَ أشخاصٌ قَالوا لي إنَّهُ يَنبغي لَنا أنْ نَضَعَ لافِتاتٍ في كُلِّ مَكانٍ هُنا تَقول: "هَذا مَكانٌ مُقَدَّسٌ" أو: "هُدوء! الْزَمُوا الهُدوءَ في الكَنيسة"، أو أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نُخبِرَ النَّاسَ ألاَّ يَتكلَّمُوا عِندَما يَدخُلونَ الكَنيسة، أو أن أَضَعَ أجراسًا في بَذْلَتي عندما آتي إلى هُنا، عَلى غِرارِ الكَهَنَةِ في العهدِ القديمِ، حَتَّى تَسمَعُوا الرَّنينَ وَتَعلَمُوا أنَّ الوَقتَ قَد حَانَ للتَّصَرُّفِ بِقداسَة. اسمَعوني: إنَّ العِبادَةَ ليسَت شَيئًا يَقومُ على الحِيَلِ المُصْطَنَعَة. وَإنْ كُنتَ تَفعلُ ذلكَ، أو تُمارِسُ شَيئًا مُشابِهًا في التَّرنيمِ أو فَترةِ العِبادَةِ فإنَّ مَا تَفعلَهُ ليسَ عِبادَة. فَأنتُم لَستُم بِحاجَةٍ إلى التَّحايُل. فَيُمكنُني أن أعبُدَ اللهَ على الطَّريقِ السَّريعِ، أو في الاختِناقاتِ المُرورِيَّةِ. ويُمكِنُكَ أنتَ أيضًا أن تَفعلَ ذلكَ إنْ كَانَ قَلبُكُ مُستقيمًا.
وَكَما تَرَوْنَ، عندما تَجتَمِعونَ مَعًا في جَماعَةِ القِدِّيسينَ لكي تَعبُدوا اللهَ، إن لم تَكُن هذهِ العِبادَةُ امتِدادًا لِحَياةِ العِبادَةِ، لا يُمكِنُكم أن تَستمرُّوا فيها. لِذا فإنَّ النَّصَّ يَقولُ: "أجل! يَنبغي لنا أن نَجتَمِعَ مَعًا وَأنْ نُقَدِّمَ للهِ ذَبيحَةَ التَّسبيحِ؛ أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ؛ وَلكِنْ لاَ يُمْكِنُنا أنْ نَنسَى فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ كَنَهْجِ حَياةٍ؛ وَإلاَّ فإنَّنا لن نُقَدِّمَ العِبادَةَ الَّتي نُريدُها يَومَ الأحد. فَالعِبادَةُ نَهْجٌ حَياة.
وَهل يُمكِنُني أن أُضيفَ شَيئًا؟ أنتُم بِحاجةٍ أيضًا إلى يَومِ الأحدِ لكي تَأخُذوا نِعْمَةً تَكفيكُم طَوالَ الأسبوع. هَذا صَحيح. فَنحنُ نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ العاشِر: "لِنَتَقَدَّمْ [إلى اللهِ]". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ... اسمَعُوا جَيِّدًا: "غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا". لماذا؟ لأنَّنا نَستطيعُ أن نَأتي مَعًا حَتَّى نُشَجِّعَ أَحَدُنا الآخَر على مَاذا؟ على المَحبَّة. أيْ على الشَّرِكَةِ وَالأعمالِ الصَّالِحَةِ والبِرّ. فَيَجِبُ عَليكُم أن تُمارِسُوا تِلكَ الأشياءَ في العَالَمِ لكي تَعبُدوا اللهَ. ويَنبغي أن يَتِمَّ تَشجيعُكُم على مُمارَسَتِها في اجتماعاتِ العِبادَةِ كَيْ تُمارِسوها في العَالَم. هَل تَرَوْنَ الدَّائِرَة؟ فَكما تَرَوْنَ، فإنَّ هَذا الجَانِبَ يُغَذِّي ذَاكَ... هَذا الجَانِبُ يُغَذِّي ذَاك. اسمَعوني: يَجِبُ عليكُم أن تَأتوا إلى هُنا؛ أيْ إلى شَرِكَةِ قِدِّيسيه. وَيَجِبُ عَليكُم أن تَأتوا إلى هُنا في اجتماعِ الأبرارِ، وفي الهَيكلِ الحَيِّ حيثُ يَسكُنُ اللهُ في وَسْطِ شَعبِه. فالكَنيسةُ ليسَت مَبْنَى، بَلْ هِيَ شَعبُهُ الَّذي يَسكُنُ اللهُ بَينَهُم. فَهُنا تَجِدونَ التَّشجيعَ على المَحبَّةِ والأعمالِ الصَّالِحَة. وعندما يُؤثِّرُ هذا التَّشجيعُ في نُفوسِكُم فإنَّكُم ستَخرُجونَ وَتَعمَلونَ الصَّلاحَ وتُشارِكونَ. وعندما تَرجِعونَ إلى هُنا فإنَّ ذلكَ سَيُنشِئُ فيكُم تَسبيحًا وَقَلبًا يَفيضُ دَائِمًا بالعِبادةِ والشُّكر.
والآن، إنْ لم تَكُنْ في الدَّائرةِ في مَكانٍ مَا، يَنبغي أن تَدخُلَ فيها. وَقد تَقول: "وكيفَ أَدخُلُ فيها؟" اعتَرِف بِخطاياكَ. ابتَدِئ مِنَ الآن. فالنَّاسُ يَقولون: "هُناكَ الكَثيرُ مِنَ المَشاكِلِ في حَياتي المَسيحيَّة. فَيبدو أنِّي كَذا وَكَذا". وهَل تَعلَمونَ مَا الَّذي يَخْطُرُ بِبالي؟ مَا يَخْطُرُ بِبالي هُوَ أنَّ الأمرَ بِرُمَّتِهِ يَتَلَخَّصُ في شَيئَيْن: إمَّا أنَّهُم لا يَعبُدونَ اللهَ سِتَّةَ أيَّامٍ في الأسبوعِ؛ أيْ أنَّهُ لا تُوجَدُ لَديهِم حَياةُ عِبادَة، وَإمَّا أنَّهُم لا يَعبُدونَ اللهَ يَومًا في الأسبوعِ مَعَ جَماعَةِ القِدِّيسين. فأنتُم بِحاجَة إلى كِلا الأمْرَيْن. فإنْ جِئْتَ إلى الكَنيسةِ فقط عندما تَكونُ الأمورُ مُلائِمَةً لَكَ، لن تَعْبُدَ اللهَ عِبادَةً مَقبولَةً لأنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَفعلَ ذلكَ بِمُفرَدِك. فينبغي أن تَحصُلَ على ذلكَ التَّشجيعِ الحَقيقيِّ والدَّائِمِ على المَحبَّةِ والأعمالِ الصَّالِحَة؛ وَهُوَ أمرٌ تَفعَلُهُ جَماعَةُ المُؤمِنينَ في حَياتِك. وَنَحنُ نَعيشُ في مُجتَمَعٍ مُعْتادٍ على فِكرةِ أنَّ مَا يَأتي بِسُهولة يَضيعُ بِسهولة، وَفي مُجتمعٍ مُعْتادٍ على الأمورِ العَاديَّةِ والتَّافِهَةِ حَتَّى إنَّ النَّاسَ لا يُبالونَ بِتَكريسِ أنفسِهم بأمانةٍ وَبِصورةٍ دَائِمَة. ثُمَّ إنَّهُم يَتَساءلونَ عَنِ السَّببِ في أنَّهُم ليسوا قَادِرينَ على فِعْلِ مَا هُوَ مَطلوبٌ مِنهُم. أنتُم بحاجة إلى ذلك. فأنتُم بحاجة إلى المَجيءِ إلى هُنا والانضمامِ إلى جَماعَةِ العَابِدين. وَأنا لا أقولُ إنَّهُ يَنبغي لَكَ أن تَأتي إلى كَنيسةِ النعمة (Grace Church) تَحديدًا، ولكِنْ يُمكِنُني أن أقولَ لَكُم إنَّهُ تُوجَدُ كَنائِسُ كَثيرةٌ جدًّا في الجِوارِ لَديها خِدمَةٌ صَباحَ يَومِ الأحد؛ ولكِنْ لا تُوجَدُ فيها عِبادَة. وَحَتَّى إنَّ بَعضًا مِنها كَنائس إنجيليَّة. فَهِيَ تَصرِفُ وَقتًا طَويلاً جدًّا في التَّرويجِ لأحدثِ نَشاطاتِها حَتَّى إنَّكَ تَعجَزُ عَنِ العُثورِ على اللهِ في وَسْطِ بَرامِجِها. ولكِنْ يَجِبُ عليكَ أن تَعبُدَ اللهَ لأنَّ العِبادَةَ تَصيرُ حَافِزًا لَكَ على فِعْلِ الخَيرِ والمُشارَكَة. وَفِعلُ الخَيرِ والمُشارَكَةُ يَعْنيان أنَّكَ عِندما تَأتي إلى هُنا يَومَ الأحدِ فإنَّكَ لَستَ بحاجَةٍ إلى القَول: "يَجِبُ عَليَّ أنْ أَظْهَرَ بِمَظْهَرٍ مُعَيَّن، وَأنْ أرتَدي مَلابِسَ مُختلفةً حَتَّى أشعُرَ أنِّي إنسانٌ رُوحِيّ". لِذا فإنَّكَ تَرْتَدي قِناعًا وَتَأتي إلى هُنا للعِبادَة. لا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلك. فَهذهِ ليسَت عِبادَة.
وَإنْ وَجَدْتَ صُعوبَةً في عِبادَةِ اللهِ عندما تَأتي إلى هَذا المَكان فإنَّ السَّببَ لا يَرجِعُ إلى أنَّكَ لم تَجِدِ الحَافِزَ، وَلا لأنَّكَ بِحاجَةٍ إلى خُدعةٍ أخرى، بل لأنَّكَ لم تَكُن تَفعلُ ذلكَ خَارِجَ الكَنيسة. وَهَذا لا يَجوزُ أن يَحْدُثَ في سِياقِ حَياةِ العِبادة. إذًا، العِبادَةُ مُهِمَّةٌ جدًّا. وَكَما قُلْتُ، فإنَّها مُهِمَّةٌ جدًّا [أولاً] لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَتحدَّثُ عَنها كَثيرًا، [وَثانِيًا] لأنَّ مَصيرَكَ الأبديَّ يَتوقَّفُ عَليها.
واسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم سَبَبًا ثَالِثًا. العِبادَةُ مُهِمَّةٌ لأنَّها الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ للكَون. فَهِيَ الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ للكَون. وَهِيَ الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ للدُّهور. وَهِيَ الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ للأبديَّة. فعندما تَمَّ خَلْقُ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَوُضِعَا في هَذا العَالَمِ، كَانَا يَعْبُدانِ اللهَ، وَيَسيرانِ مَعَ اللهِ، ويَتكلَّمانِ مَعَهُ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَار. فَقد كَانَا يَعبُدانِه ويُمَجِّدانِ اسمَهُ القُدُّوس. وَقد جَاءَ السُّقوطُ لأنَّهُما لم يَعودَا يَعبُدانِه. أجل. فقدِ اختارَتْ حَوَّاءُ أنْ تَعْبُدَ مَن؟ مَنِ اختْارَتْ أنْ تَعبُد؟ الشَّيطان. وَقدِ اختارَ آدَمُ أن يَعبُدَ مَن؟ حَوَّاء. وعندما تَوَقَّفا عَن عِبادَةِ اللهِ سَقَطَا.
وَأوَّلُ خِصامٍ حَدَثَ بينَ البَشَرِ هُوَ ذاكَ الَّذي حَدَثَ بينَ قَايين وهَابيل. لماذا؟ لَقد حَدَثَ الخِلافُ بسببِ الطَّريقةِ الَّتي كَانَا يَعْبُدانِ اللهِ بِها. فَقد قَدَّمَ أحَدُهُما تَقْدِمَةً مَقبولَةً، وَقَدَّمَ الآخَرُ تَقْدِمَةً غَيرَ مَقبولَة. وعندما كانَ الآباءُ الأوائِلُ يَعبُدونَ اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً، كَانُوا يَتَبارَكون. وعندما كانُوا يَعبُدونَ اللهَ عِبادَةً غَيرَ مَرْضِيَّةٍ، كَانُوا يُؤدَّبُون. وَقَد تَمَّ إخراجُ بَني إسرائيلَ مِن مِصْرَ في سِفْرِ الخُروج. وَقَدْ تَاهُوا أربَعينَ سَنَةً في بَرِّيَّةِ سِيْناء إلى أنْ مَاتَ ذلكَ الجِيلُ بأسْرِه. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ ببساطَةٍ إنَّهُم تَاهُوا في البَرِّيَّةِ وَفَقَدُوا حَياتَهُم مِن دُونِ أن يَدخُلوا إلى أرضِ المَوعِدِ لأنَّهُم لم يَعبُدوا اللهَ عِبادَةً مَرْضِيَّةً. وَحَتَّى إنَّ مُوسَى أَخْفَقَ في القِيامِ بذلك ولم يَدخُل أرضَ المَوعِد. وعندما دَخَلُوا أخيرًا الأرضَ [بِحَسَبِ مَا جَاءَ في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل والأصحاح 29]، وَعَبَدوا اللهَ كَما يَنبغي أن يُعْبَدَ، تَبارَكُوا. ونَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 7: 42 و43 أنَّهُم عندما لم يَعبُدوا اللهَ كَما يَنبغي عُوقِبُوا وَتَشَتَّتُوا وَتَفَرَّقُوا في النِّهايةِ في جَميعِ أنحاءِ العالَم.
وعندما جَاءَ يَسوعُ وَوُلِدَ، جَاءُوا وَسَجدُوا لَهُ. وَأوَّلُ شَيءٍ فَعَلَهُ عندما ابتدأتْ خِدمَتُهُ هُوَ أنَّهُ ذَهَبَ إلى أورُشَليم. وَأوَّلُ شَيءٍ فَعَلَهُ عِندَما دَخَلَ أورُشَليم [بِحَسَبِ مَا جَاءَ في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح الثَّاني] هُوَ أنَّهُ ذَهَبَ إلى مَكانِ العِبادَةِ، وَصَنَعَ سَوْطًا، وَطَهَّرَ المَكان. وَبعدَ أن طَهَّرَ الهَيكلَ وَطَرَدَ العَابِدينَ الفَاسِدينَ في الأصحاحِ الثَّاني، نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ أنَّهُ دَعا العَابِدينَ الحَقيقيّين. فالعِبادَةُ هِيَ دَائِمًا المَسألةُ المُهِمَّة. وَهِيَ الفِكرةُ الرَئيسيَّةُ لِتاريخِ الفِداء.
وعِندَما تَأسَّسَتِ الكَنيسة، انظُروا إلى رِسالة فيلبِّي 3: 3؛ وَهِيَ آيَةٌ رُبَّما لم تَقرأوها يَومًا وَتَفهموهَا بهذهِ الطَّريقة. ولكِنَّها واحِدَة مِن أعظمِ الجُمَلِ عَنِ العِبادَةِ في الكتابِ المقدَّس. رِسالة فيلبِّي 3: 3. فَنحنُ نَجِدُ هُنا تَعريفَ الكَنيسة إذْ نَقرأُ: "لأَنَّنَا نَحْنُ الْخِتَانَ، الَّذِينَ نَعْبُدُ اللهَ بِالرُّوحِ، وَنَفْتَخِرُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى الْجَسَد". يا لَها مِن جُملةٍ رائعة! فَهذهِ جُملةٌ رائعةٌ جدًّا عَن هُويَّةِ الكَنيسة. ولا يُمكِنُني أن أُفَكِّرَ في جُملةٍ أروعُ مِن هذه. فما هِيَ الكنيسة؟ إنَّها الخِتانُ. بِعبارةٍ أخرى، إنَّها أولئكَ الأشخاصُ المَعروفينَ بأنَّهُم شَعبُ اللهِ؛ ولكِنَّهُ لَيسَ خِتانًا جَسَدِيًّا، بَل إنَّهُم يَعبُدونَ اللهَ بأرواحِهم، ويَفْتَخِرونَ في المَسيحِ يَسوعَ، وَلا يَتَّكِلونَ على الجَسَد.
فَما هِيَ الكَنيسة؟ الكَنيسةُ هِيَ أولئكَ الَّذينَ يَعبُدونَ اللهَ بالرُّوحِ وَيَفْتَخِرون في المَسيحِ يَسوعَ، وَلا يَتَّكِلونَ على الجَسَد. هَذا هُوَ المُؤمِن. هَذا هُوَ المُؤمِنُ. فَهُوَ عَابِدٌ للهِ. لِذا، يَنبغي للكَنيسةِ أن تَكونَ شَعبًا عَابِدًا. وطَوالَ سَنواتِ الكنيسةِ نَرى أنَّ اللهَ يَدعو أولئكَ الَّذينَ يَعبدونَهُ بالرُّوحِ وَلا يَتَّكِلونَ على الجَسَد.
وإذا نَظرتُم إلى المُستقبَل، انظُروا إلى سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الرَّابع حيثُ سَتَجِدونَ أنَّ التَّاريخَ يَكتَمِلُ بالعِبادَة. ففي سِفْرِ الرُّؤيا 4: 10، نَرى لَمحَةً خَاطِفَةً عَنِ المُستقبَلِ، وَعَنْ مَجْدِ الرَّبِّ الَّذي سيَأتي لِكي يُؤسِّسَ مَلكوتَهُ: "يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ: «أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ...". وَكما تَرَوْنَ، فإنَّ العِبادَةَ هِيَ الشَّيءُ الرَّئيسيُّ في السَّماء. ونَقرأُ في الأصحاحِ الخَامِسِ والعَددِ الرَّابع عَشَر: "وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ تَقُولُ: «آمِينَ». وَالشُّيُوخُ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ خَرُّوا وَسَجَدُوا لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ". ونَقرأُ في الأصحاحِ الحَادي عَشَر والعَدد 16: "قَد صَارَت مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا الْجَالِسُونَ أَمَامَ اللهِ عَلَى عُرُوشِهِمْ، خَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا لله قَائِلِينَ: نَشْكُرُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". ونَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابع عَشَر والعَددِ السَّابع: "ثُمَّ رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ، لِيُبَشِّرَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ وَكُلَّ أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ، قَائِلاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «خَافُوا اللهَ وَأَعْطُوهُ مَجْدًا، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ سَاعَةُ دَيْنُونَتِهِ، وَاسْجُدُوا لِصَانِعِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْبَحْرِ وَيَنَابِيعِ الْمِيَاهِ»". والآن، لاحِظُوا أنَّ هَذا المَلاكَ قَالَ ذلكَ وَمَعَهُ بِشارَةٌ أبديَّة. وَما هِيَ الرِّسالَةُ الأبديَّة؟ الرِّسالَةُ الأبديَّةُ هِيَ: اعْبُدُوا اللهَ. فهذهِ هِيَ رِسَالةُ البِشارةِ الأبديَّة. ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ الخامِس عَشَر والعَددِ الرَّابع: "مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ". ونَقرأُ في الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر والعَددِ الرَّابع: "وَخَرَّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتِ وَسَجَدُوا للهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ قَائِلِينَ: «آمِينَ! هَلِّلُويَا!»".
والآن، استَمِعُوا إلى آخِرِ مَقْطَعَيْنِ إذْ نَقرأُ في العَدَدِ العَاشِرِ مِنَ الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر: "فَخَرَرْتُ أَمَامَ رِجْلَيْهِ..." [أيْ أمامَ رِجْلَيِّ المَلاكِ الَّذي كَلَّمَ يُوحَنَّا]. "فَخَرَرْتُ أَمَامَ رِجْلَيْهِ لأَسْجُدَ لَهُ، فَقَالَ لِيَ: «انْظُرْ! لاَ تَفْعَلْ! أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ. اسْجُدْ للهِ!»". أَلاَ وَضَعْتُمْ خَطًّا تَحتَ هَاتينِ الكلمتَيْن: "اسْجُد للهِ". ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني والعِشرينَ والعَددِ الثَّامِنِ أنَّ يُوحَنَّا دُهِشَ جِدًّا في تلكِ الرُّؤيا مَرَّةً أخرى وَخَرَّ في العَددِ الثَّامِنِ لِيَسْجُدَ أمامَ رِجْلَيِّ المَلاكِ مَرَّةً أخرى؛ ولكِنَّ الشَّيءَ نَفسَهُ حَدَثَ إذْ إنَّ المَلاكَ قَال: "انْظُرْ لاَ تَفْعَلْ! لأَنِّي عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الأَنْبِيَاءِ، وَالَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَقْوَالَ هذَا الْكِتَابِ. اسْجُدْ للهِ". ضَعُوا خَطًّا تَحتَ هَاتينِ الكَلِمَتَيْنِ مَرَّةً أخرى. هَذهِ هِيَ، يا أحبَّائي، البِشارَةُ الأبديَّة. وَهَذِهِ هِيَ الرِّسالَةُ الَّتي أعطاها اللهُ مِنَ الأزَل إلى الأبد: "اعبُدونِي... اعبُدونِي". فهذهِ هي الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ للأبديَّةِ، والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ لتاريخِ الفِداءِ: أنْ نَعْبُدَ اللهَ الحَقيقيَّ الحَيَّ المَجيد.
لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَدعُونا إلى العِبادَة. ومَصيرُنا الأبديُّ يَدعُونا إلى العِبادَة. والأبديَّةُ تَدعُونا إلى العِبادَة. وَفي حَالِ أنَّ شَخصًا لم يَفهَم ذلكَ وَظَنَّ أنَّهُ لا ينبغي لَهُ أن يَعبُدَ اللهَ، هَل يُمكِنُني أن أَذْكُرَ لَكُم سَبَبًا رَابِعًا لأهميَّةِ العِبادَة: لأنَّ المَسيحَ أَوْصَى بِذلك. لأنَّ المَسيحَ أَوْصَى بِذلك. فَفي إنجيل مَتَّى 4: 10 قَالَ مَا يَلي مُلَخِّصًا الأمرَ كُلَّهُ: "لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". وَقد قَالَ ذلكَ للشَّيطان. وَعندما قَالَ ذلك، وَجَّهَ هَذهِ الوَصِيَّةَ إلى كُلِّ كَائِنٍ حَيٍّ خُلِقَ يَومًا. فَيَنبغي للجَميعِ أن يَعبُدوا اللهَ.
هَل تَعبُدُ اللهَ؟ وَهَلْ هَذا هُوَ نَهْجُ حَياتِك؟ هَذا هُوَ مَا يَطلُبُهُ. فَإنْ وَجَدْتَ صُعوبَةً في عِبادَةِ الرَّبِّ عندما تَأتي يَومَ الأحدِ فإنَّ السَّببَ في ذلكَ لا يَرجِعُ إلى أنَّ التَّرانيمَ ليسَت مُلائِمَةً، ولا لأنَّهُ تُوجَد ضَجَّةٌ كَبيرةٌ في القَاعَة عندما تَدخُل، وَلا لأنَّكَ لا تَجِدُ مَكانًا مُناسِبًا لِتَرْكنِ سَيَّارَتِك. لا! وإنْ لم تَكُن قادِرًا على العِبادَةِ فإنَّ السَّببَ لا يَرجِعُ إلى أنَّكَ مُشَتَّتَ الذِّهنِ، بل إنَّكَ إنْ كُنْتَ تَعْجَزُ عَنِ العِبادَةِ فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّكَ لم تَدْخُلْ فيها بَعْد. هَلْ تَفْهَمُ ذلك؟ فَكُلُّ شَيءٍ يَدعونا إلى العِبادَة... كُلُّ شَيء... كُلُّ شَيء. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يَدعونا إلى العِبادَة، وَمَصيرُنا الأبديُّ يَدعونا إلى العِبادَة، والأبديَّةُ تَدعونا إلى العِبادَة، والمَسيحُ يَدعونا إلى العِبادَة، والمَلاكُ قَالَ: "اعبُد اللهَ... اعبُد اللهَ". ولكِنَّ ذلكَ لا يُمكِنُ أن يَحدُثَ مَرَّةً فقط في الأسبوع، بَلْ هُوَ نَهْجُ حَياة. ولكِن عندما يَجتَمِعُ المُؤمِنونَ مَعًا مَرَّةً في الأسبوع، سَيَكونُ هُناكَ انفِجارٌ، وَغَلَيانٌ للتَّسبيحِ والعِبادَةِ الحَقيقيَّيْنِ مِنَ القَلب. فَعِندَما تَتَمَتَّعُ بالعِبادَةِ على الصَّعيدِ الفَردِيِّ وَتَأتي فَرِحًا إلى الاجتِماعِ فإنَّ ذلكَ سَيَزدادُ ويَتَعَزَّز. وَحِينئذٍ، سَتَصيرُ عِبادَتُنا مَجيدةً أكثر. دَعُونا نُصَلِّي:
اسمَعوني فيما تَحْنُونَ رُؤوسَكُم قَليلاً. في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الحَادي عَشَر، هُناكَ لائِحَةٌ رَائِعَةٌ بأسماءِ أبطالِ الإيمان. وَهِيَ تَقولُ: "بالإيمان فَعَلَ فُلانٌ كَذا، وبالإيمان فَعَلَ فُلانٌ كَذا، وبالإيمان فَعَلَ فُلانٌ كَذا، وبالإيمان فَعَلَ فُلانٌ كَذا. وَأنتُم تَعرِفونَ ذلكَ الأصحاح. وَهُوَ يَبتَدِئُ بِهابيل ويَقولُ عَن هَابيل إنَّهُ بالإيمانِ قَدَّمَ هَابيلُ ذَبيحَةً مَرْضِيَّةً. فَقَدْ عَبَدَ اللهَ. ويَأتي بعدَ هَابيل في تلكَ اللاَّئِحَةِ أَخْنُوخ حيثُ نَقرأُ إنَّ أخنوخَ سَارَ مَعَ الله. فَقد عَبَدَ هَابيلُ اللهَ، ثُمَّ إنَّ أخنوخَ سَارَ. ثُمَّ يأتي نُوح إذْ نَقرأُ أنَّ نُوحًا عَمِلَ مِئَةً وَعِشرينَ سَنَةً على بِناءِ فُلْكٍ. وأعتقدُ أنَّ هُناكَ تَشبيهًا رائعًا هُنا. فأوَّلاً، هُناكَ هَابيلُ والعِبادَة، ثُمَّ أخنوخُ والسَّيْر، ثُمَّ نُوحُ والعَمل. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّ هَذِهِ هِيَ الطَّريقَةُ الَّتي يَنبغي النَّظَرُ مِن خِلالِها إلى حَياةِ المُؤمِن. فَأوَّلاً، نَحنُ نَعبُدُ اللهَ، ثُمَّ إنَّنا نَسيرُ، ثُمَّ إنَّنا نَعمَلُ. هَذا هُوَ التَّسلسُل. هَذا هُوَ التَّسلسُلُ الإلهِيُّ. فيَنبغي لكَ أن تَدْخُلَ في العِبادَةِ في نُقْطَةٍ مَا لكي تَكونَ حَياتُكَ حَياةَ عِبادَة.
يا أبانا، نَسألُكَ في هَذا الوَقتِ وَهذا الصَّباحِ أنْ تَعْمَلَ عَمَلاً في قُلوبِنا. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ دَائِمًا إنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَعبُدَ؛ ولكِنَّ العِبادَةَ الحَقيقيَّةَ تَأتي مِن خِلالِ يَسوعَ المَسيح. إنْ كانَ هُناكَ أشخاصٌ في وَسْطِنا في هَذا الصَّباحِ لم يَعْبُدوكَ يَومًا لأنَّهُم لم يَدْخُلوا يَومًا في الدَّائرةِ، لَيتَهُم يَدخُلونَ فيها مِن خِلالِ الإيمانِ بالمَسيحِ لِكي يَصيروا عَابِدينَ حَقيقيَّين. كَلِّم قُلوبَهُم، يا رَبّ. وبالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ المُؤمِنينَ مِنَّا والَّذينَ لا يَستطيعونَ العِبادَة، أو لا يَرغَبونَ في العِبادَة، أو يُلاقونَ صُعوبةً في العِبادَة، سَاعِدنا على الدُّخولِ في تلكَ الدَّائرةِ في نُقطةٍ مَا، وَألاَّ نَترُكَ الاجتماعَ المُحَفِّزَ، والهَيكلَ الحَيَّ، ومَكانَ سُكْنَى اللهِ في وَسْطِ الحِجارةِ الحَيَّةِ لِشَعبِهِ، وَألاَّ يَتَخَلَّوْا عَن حَياةِ العِبادَةِ يَومًا فَيَومًا مِن خِلالِ القِيامِ بأعمالِ الخَيرِ وَالمُشارَكةِ لأنَّكَ تُسَرُّ بِمِثلِ هذهِ الذَّبائِح. لَيْتَكَ تُسَرُّ بِعِبادَتِنا، وَأنْ تَجعَلَ وَقتَنا مَعًا امتِدادًا وتَعبيرًا عَن حَياةِ العِبادَة. عَلِّمنا أن نَكونَ أُمناءَ في كُلِّ يَوْمٍ مِن أيَّامِ الرَّبِّ. وَعَلِّمنا أن نَكونَ أُمناءَ في كُلِّ يَومٍ آخرَ كَيْ نَعْبُدكَ فيه. وَليتَنا نَتَجاوَبُ مَعَ ذلكَ ونَعلَمُ أنَّ مِلْءَ البَرَكَةِ هُوَ مِنْ نَصيبِ الشَّخصِ الطَّاهِرِ اليَدَيْنِ والنَّقِيِّ القَلب الَّذي يَنتَمي إلى جِيْلِ الأشخاصِ الَّذينَ يَطلُبونَ الرَّبّ.
This article is also available and sold as a booklet.
