أَلاَ أَحْنَيْنَا رُؤوسَنا في كَلمةِ صَلاةٍ قَبلَ أن نَتأمَّلَ في المَقطعِ الكِتابِيِّ في هَذا المَساء؟ أبَانَا المُنْعِم، نَسألُكَ في هَذِهِ اللَّحظةِ تَحديدًا أن تَجعلَنا نَنظُرُ إلى أعماقِ قُلوبِنا. وَإنْ كانَ هُناكَ أيُّ شَيءٍ فِينا ليسَ مَرْضِيًّا عِندَكَ، نَسألُكَ أن تُرينا إيَّاه لكي نَعرِفَ أينَ أخطأنا، وَلكي نُطَهِّرَ أيدينا وَقُلوبَنا حَتَّى نَسْمَعَ بآذانٍ مُصْغِيَةٍ، وَنَرى بِعُيونٍ مُبْصِرَةٍ، وحَتَّى نَفهَمَ مَا تُريدُ أن تُعَلِّمْنا إيَّاه في هذا المَساء؛ عَالِمينَ يَقينًا أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَطرَحَ كُلَّ إثْمٍ، وَأنْ نَشْتَهي الكلمةَ كَما يَشتَهي الطِّفْلُ الرَّضيعُ اللَّبَن. لِذا يا أبانا، نَحْنُ نَبْتَدِئُ بِطَرْحِ كُلِّ خَطِيَّة، وبالاعترافِ لَكَ بأنَّنا خُطاةٌ، وبالتَّضَرُّعِ إليكَ كَيْ تَغْسِلَنا وَتُطِّهرَنا حَتَّى لا يَقِفَ أيُّ شَيءٍ عَائِقًا في طَريقِ استيعابِنا وَتَكريسِنا لِحَقِّك. وَنَحنُ نَشكُرُكَ على ما سَتُعَلِّمُنا إيَّاه في هَذا المَساءِ وَعلى مَا ستَفعلُهُ فينا بِروحِكَ القُدُّوس. باسْمِ المَسيح. آمين!
لَقدِ ابتدأنا سِلسِلةً دِراسيَّةً مُهمَّةً جدًّا عنِ العِبادةِ الرُّوحيَّةِ الحَقيقيَّةِ المَقبولَة. فَلا يُوجَد شَيءٌ أَهَمُّ مِن ذلكَ في حَياةِ المُؤمِن. فَلا يُوجَد شَيءٌ أَهَمُّ في حَياةِ أيِّ رَجُلٍ أوِ امرأةٍ مِن أنْ تَكونَ حَياتُهُ (أو حَياتُها) مُرَكَّزَة عَلى عِبادةِ الله. فَعبادةُ اللهِ هِيَ النَّشاطُ الأسمَى في الكَون. لِذا فَإنَّنا نَتأمَّلُ في عَدَدٍ مِنَ العَناصِرِ المُهِمَّةِ جدًّا في العِبادةِ الحَقيقيَّة. وَقد ذَكَرْنا مَرَّاتٍ عَديدة أنَّ نَصَّنا الكِتابِيَّ هُوَ إنجيلُ يُوحَنَّا والأصحاح الرَّابع؛ ولا سِيَّما الأعداد مِن 20 إلى 24. وَقد قَرأنا هَذا النَّصَّ مَرَّاتٍ عَديدةً وَرَكَّزْنا في المَقامِ الأوَّلِ على الجُملةِ المُحَدَّدةِ الوَارِدَةِ في نِهايةِ العَدد 23 والَّتي تَقولُ إنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. فاللهُ يَطلُبُ عَابِدينَ حَقيقيِّين.
وَفي ضَوْءِ هَذا النَّصِّ نَاقَشْنا باستِفاضَةٍ فِكرةَ أهميَّةِ العِبادَة. وَقد قُلتُ لَكُم إنَّهُ تُوجَدُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ أربعةُ أسبابٍ لأهميَّةِ العِبادَة: أوَّلاً، لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَزْخُرُ حَرْفِيًّا بالحَقِّ المُختصِّ بالعِبادَة. ثَانِيًا، لأنَّ مَصيرَ الإنسانِ يَتوقَّفُ على العِبادَة. ثَالِثًا، لأنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ للأبديَّةِ وتَاريخِ الفِداءِ قَائِمَةٌ على العِبادَة. رَابعًا، لأنَّ المَسيحَ يُوْصينا بالعِبادَة. فالكِتابُ المُقَدَّسُ، والمَصيرُ، والأبديَّةُ، وَوَصِيَّةُ المَسيحِ تُخبرُنا بأهميَّةِ العِبادَة.
وَفي مُحاولةٍ لِتَلخيصِ أفكارِنا وَفَهْمِ الزُّبْدَةِ مِمَّا قُلناه قَبلَ أن نُتابِعَ تَأمُّلَنا في النُّقطةِ الرَّئيسيَّةِ التَّاليةِ في النَّصِّ، أرجو مِنكُم أن تُلاحِظُوا مَرَّةً أخرى العَدد 23؛ أيْ أنَّ الآبَ "طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ". فَهذهِ هِيَ الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ في تلكَ الآيةِ المُهِمَّةِ جدًّا. وَما تُخبِرُنا بِهِ هُوَ الحَقُّ المُهِمُّ جدًّا الَّذي يَقولُ إنَّ غَايَةَ الخَلاصِ هِيَ العِبادَة. ويَجِبُ عَليكُم أن تَكتُبوا ذلكَ في مَكانٍ مَا. فَغايَةُ الخَلاصِ هِيَ العِبادَة. فالسَّببُ الَّذي يُخَلِّصُ اللهُ النَّاسَ لأجْلِهِ هُوَ أنْ يَصِيروا عَابِدين. وَفي رِسالةِ بولُسَ الثَّانية إلى أهلِ كُورِنثوس 4: 14، يَقولُ بولُس: "لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنْ أَجْلِكُمْ..."؛ أيْ جَميعَ المَشَقَّاتِ الَّتي يَحْتَمِلُها في سَبيلِ الكِرازَةِ بالإنجيل. "...لِكَيْ تَكُونَ النِّعْمَةُ وَهِيَ قَدْ كَثُرَتْ بِالأَكْثَرِينَ، تَزِيدُ الشُّكْرَ لِمَجْدِ اللهِ". بِعبارةٍ أخرى: إنَّ كُلَّ مَا نَفعلُهُ إنَّما نَفعلُهُ لكي تَحصُلوا عَلى نِعمةِ اللهِ فَتَشكُروهُ وَتُمَجِّدوه. فَكُلُّ شَيءٍ يَرْمِي في نِهايةِ المَطافِ إلى حَفْزِنا على العِبادَة. وَهَذا هُوَ مَا يَطلُبُهُ اللهُ (بِحَسَبِ الآية 23). وَهُناكَ مُلاحَظةٌ للاَّهُوتِيِّينَ وَهِيَ أنَّني أُوْمِنُ بأنَّ طِلْبَةَ الآبِ فَعَّالَة وَتُشيرُ إلى قَصْدِهِ وَسِيادَتِهِ بأنْ يُخَلِّص.
وَهَذا يَعني أنَّ العِبادةَ المَقبولَةَ شَيءٌ مُهِمٌّ جدًّا. فَهِيَ النَّتيجةُ الجَوهريَّةُ والمُباشِرَةُ لِعَملِ المَسيحِ الخَلاصِيّ. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَ الرَّبَّ قَالَ إنَّهُ جَاءَ إلى العَالَمِ لِكَي يَطلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَد هَلَك. وَإنْ قَرَأتُمْ تِلكَ الآيَةِ في ضَوْءِ مَا جَاءَ في الآية 23، تَحصُلونَ على الصُّورةِ الكَامِلَةِ لمَجيءِ المَسيح. فالآبُ يَطلُبُ عَابِدينَ حَقيقيِّينَ، والابنُ جَاءَ لكي يَطلُبَ ويُخَلِّص. لِذا فإنَّ طَلَبَ الآبِ لِعابِدينَ حَقيقيِّينَ، وَمَجيءَ الابنِ لِتَخليصِ البَشَر يَسيرانِ جَنْبًا إلى جَنْب. فاللهُ يَطلُبُ عَابِدينَ حَقيقيِّينَ. والطَّريقةُ الوَحيدةُ الَّتي يُمْكِنُ لهؤلاءِ أنْ يَعْبُدوهِ مِن خِلالِها هِيَ الخَلاص. وَعَدَمُ عِبادةِ اللهِ هُوَ التَّعَدِّي المَذكورُ في رِسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّلِ حيثُ إنَّهُ يَصِفُ النَّاسَ جَميعًا بأنَّهُم رَافِضونَ للمَسيح.
والآن، اسمَحُوا لي أن أُوَضِّحَ هذهِ الفِكرة لَكُم بأنْ أطلُبَ مِنكُم أن تَفتَحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ على المَزمورِ الثَّاني والعِشرين. وَقَدْ يَبدو هَذا المَوضِعُ مَكانًا غَريبًا نَبْتَدِئَ مِنْهُ حَديثَنا عَن هذا المَوضوعِ، ولكنِّي أعتقدُ أنَّكُم سَتَرَوْنَ أهميَّةَ ذلكَ الآن. فالمَزمورُ الثَّاني والعِشرون هُوَ صُورةٌ نَبويَّةٌ لِمَوتِ المَسيح. وَهُوَ ليسَ غَامِضًا، وليسَ رَمزيًّا، بَل هُوَ وَاضِحٌ. وَهُوَ نُبوَّةٌ بِصورةٍ درامِيَّة جدًّا. والكَثيرُ مِنَ الأشياءِ المَذكورة في المَزمور 22 تَحَقَّقَتْ حَرفيًّا على الصَّليب. فمثلاً، نَقرأُ في العَددِ الأوَّل: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" فَهذهِ النُّبوَّةُ عَنْ رَدَّةِ فِعْلِ المَسِيَّا عَلى مَوتِهِ تَحَقَّقَتْ حَرفيًّا مِنْ خِلالِ المَسيحِ الَّذي نَطَقَ بهذهِ الكلماتِ نَفسِها.
ثُمَّ إنَّكُم تَجِدونَ في المَقْطَعِ المُمْتَدِّ حَتَّى العَدد 21 وَصْفًا للصَّلْبِ مِنْ خِلالِ العِباراتِ الَّتي تَصِفُ المِحْنَةَ الَّتي كَانَ يَختَبِرُها دَاوُدُ المُرَنِّمُ نَفسُهُ. فَمثلاً، نَقرأُ في العَدد 13 إشارةً واضِحَةً إلى الصَّلْب: "فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ مُزَمْجِرٍ". وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّنا قَرأنا في الأصحاحِ السَّابعِ والعِشرينَ مِن إنجيلِ مَتَّى أنَّ الحَشْدَ فَغَرُوا أفواهَهُم حَقًّا كَأسَدٍ زَائِرً وَصَرَخُوا: "اصْلُبْهُ". وَيَقولُ المُرَنِّمُ في العَدد 14: "كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي". وَهَذا هُوَ مَا حَدَثَ تَمامًا عِنْدَ صَلْبِ المَسيحِ بسببِ تَعليقِهِ وَجِراحِهِ الأربعةِ الكَبيرة إذْ إنَّ عِظامَ جِسْمِهِ كُلَّها قَدِ انفَصَلَت. "يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي، وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي". وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ ذلكَ تَحَقَّقَ حَرفيًّا في إنجيل يُوحَنَّا 19: 28 إذْ نَقرأُ إنَّ يَسوعَ قَالَ: "أَنَا عَطْشَان". ثُمَّ إنَّ العَدد 16 يَتحدَّثُ عَنْ ثَقْبِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْه، ويَتحدَّثُ عَنْ أنَّهُ أَحاطَتْ بِهِ كِلابٌ (إشارَةً إلى الجُنودِ المُتَوَحِّشين). ونَقرأُ في العَدد 18 عن تَقْسيمِ ثِيابِ المَسيحِ، وَعَنْ إلقاءِ قُرْعَةٍ عَلى ثَوبِهِ.
فَكُلُّ تلكَ الأشياءِ وَاضِحَةٌ جدا. أيْ أنَّ المَسيحَ سَيُصلَبُ، وَأنَّهُ سَيتألَّمُ بهذهِ الآلام. ولكِنْ مِنْ أجلِ مَاذا؟ هَذا يَبتَدِئُ مِنَ العَدد 22، وَأعتقدُ أنَّهُ مُدهِشٌ جدًّا: "أُخْبِرْ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي. فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ أُسَبِّحُكَ. يَا خَائِفِي الرَّبِّ سَبِّحُوهُ! مَجِّدُوهُ يَا مَعْشَرَ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ، وَاخْشَوْهُ يَا زَرْعَ إِسْرَائِيلَ جَمِيعًا! لأَنَّهُ لَمْ يَحْتَقِرْ وَلَمْ يُرْذِلْ مَسْكَنَةَ الْمِسْكِينِ، وَلَمْ يَحْجُبْ وَجْهَهُ عَنْهُ، بَلْ عِنْدَ صُرَاخِهِ إِلَيْهِ اسْتَمَعَ". بِعبارةٍ أخرى: لَقد كانَتْ رَدَّةُ الفِعْلِ المُباشِرَة على عَمَلِ المَسيحِ هِيَ مَاذا؟ التَّسبيح. أليسَ كذلك؟ التَّسبيح. "يَأْكُلُ الْوُدَعَاءُ وَيَشْبَعُونَ. يُسَبِّحُ الرَّبَّ طَالِبُوهُ. تَحْيَا قُلُوبُكُمْ إِلَى الأَبَدِ". وَهَذا يُشيرُ إلى الحَياةِ الأبديَّةِ المُتَأتِّيَةِ مِن خِلالِ مَوتِ المَسيح.
والآن، لاحِظُوا مَا جَاءَ في العَدد 27: "تَذْكُرُ وَتَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ كُلُّ أَقَاصِي الأَرْضِ. [وَماذا سَتَفعلُ] كُلُّ قَبَائِلِ الأُمَمِ؟ "تَسْجُدُ قُدَّامَكَ". هَذِهِ هِيَ الذُّروَة. وهَذا هُوَ أَهَمُّ مَا سَيَحدُثُ عِندَما تَدخُلونَ المَلكوت. لِذا، تَجِدونَ في ذلكَ المَزمورِ الرَّائع إشارةً واضِحَةً إلى أنَّ غَايَةَ الفِداءِ هِيَ العِبادَة... العِبادَة.
انظُروا قَليلاً إلى سِفْرِ الخُروج والأصحاح 19 – سِفْرِ الخُروج 19: 7: "فَجَاءَ مُوسَى وَدَعَا شُيُوخَ الشَّعْبِ وَوَضَعَ قُدَّامَهُمْ كُلَّ هذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَوْصَاهُ بِهَا الرَّبُّ". فَعِندَما تَسَلَّمَ مُوسَى العَهدَ مِنَ اللهِ، أَبْلَغَهُ للشَّعبِ وَأخبَرَهُم بِكُلِّ مَا قَالَهُ اللهُ. "فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ مَعًا وَقَالُوا" – وَهَذهِ أوْضَحُ صُورةٍ لأُمنياتِ النَّاسِ في كُلِّ العَالَم: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ". وَهِيَ فِكرةٌ رَائِعَة. "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ".
هَل تُريدونَ أن تَعلَمُوا شَيئًا؟ إنَّ اللهَ لم يُصَدِّق ذلكَ وَلو قَليلاً. فاللهُ يَعلَمُ أنَّهُم لَن يَفعلُوا ذلك. فَقد كانَ يَعلمُ أنَّهُم لن يَتمكَّنُوا يَومًا مِنَ الاقترابِ مِنهُ على أساسِ حِفْظِ نَاموسِهم. وَقد كانَ يَعلمُ أنَّهُم لن يَتمَكَّنُوا يَومًا مِنَ الاقترابِ مِنهُ على أساسِ بِرِّهِم الذَّاتِيِّ. وَقد كانَ يَعلَمُ أنَّهُم لن يَتمَكَّنُوا يَومًا مِنَ الاقترابِ مِنهُ بِأيْدٍ طَاهِرَةٍ وَقُلوبٍ نَقِيَّةٍ لأنَّهُم طَهَّرُوا أيدِيَهُم وَنَقَّوْا قُلوبَهُم بأنفُسِهم. فَقد كانَ يَعلَمُ ذلك. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في أعقابِ ذَلِكَ مَا جَاءَ في الأصحاحِ العِشرين. فَبعدَ أن أعطاهُم تَفاصيلَ العَهدِ المُوسَوِيِّ المُدهِش، نَقرأُ أنَّ الرَّبَّ قَالَ لِمُوسَى في العَدد 22: "هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ أَنَّنِي مِنَ السَّمَاءِ تَكَلَّمْتُ مَعَكُمْ. لاَ تَصْنَعُوا مَعِي آلِهَةَ فِضَّةٍ، وَلاَ تَصْنَعُوا لَكُمْ آلِهَةَ ذَهَبٍ. مَذْبَحًا مِنْ تُرَابٍ تَصْنَعُ لِي وَتَذْبَحُ عَلَيْهِ مُحْرَقَاتِكَ وَذَبَائِحَ سَلاَمَتِكَ، غَنَمَكَ وَبَقَرَكَ. فِي كُلِّ الأَمَاكِنِ الَّتِي فِيهَا أَصْنَعُ لاسْمِي ذِكْرًا آتِي إِلَيْكَ وَأُبَارِكُكَ. وَإِنْ صَنَعْتَ لِي مَذْبَحًا مِنْ حِجَارَةٍ فَلاَ تَبْنِهِ مِنْهَا مَنْحُوتَةً. إِذَا رَفَعْتَ عَلَيْهَا إِزْمِيلَكَ تُدَنِّسُهَا". فَاللهُ لم يَشَأ أنْ يَصْنَعَ النَّاسُ المَذبَح بِحِرَفِيَّةٍ عَالِيَةٍ، بَلْ قَالَ لَهُمْ إنَّ مَذْبَحًا بَسيطًا مِنَ الحِجَارَةِ يَفي بالحَاجَة. "وَلاَ تَصْعَدْ بِدَرَجٍ إِلَى مَذْبَحِي كَيْلاَ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُكَ عَلَيْهِ". فَهُوَ لم يَشَأ أنْ يَكونَ المَذبَحُ مُرتَفِعًا حَتَّى عِندَما يَصْعَدُ النَّاسُ إليهِ لا يَنظُرُ الآخرونَ في الأسفَل إليهِم وَيَرَوْا عَوْرَتَهُم.
فَقد كانَ يَنبغي أن يَكونَ مَذبَحًا مُتواضِعًا مَبْنِيًّا على الأرض. وَقد تَقول: "وَما المَعنَى المَقصودُ مِن ذلك؟ المَعنَى المَقصودُ هُوَ التَّالي: لَقد كانَ اللهُ يَعلَمُ أنَّ البَشَرَ لا يَستطيعونَ، وَلا يَمْلِكونَ أيَّ حَقٍّ في الاقترابِ مِنهُ وَتَقديمِ العِبادَةِ لَهُ لأنَّهُ لم يَكُن بِمَقدورِهم أن يَحفَظُوا نَاموسَهُ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مُحاوَلاتِهم. لِذا فقد أَسَّسَ اللهُ مَذبحًا لِيَكونَ أَساسَ العِبادَة. والمَغزى الضِّمنِيُّ هُوَ أنَّهُ يَنبغي لَكَ أنْ تُحْضِرَ إلى ذلكَ المَذبحِ ذَبائِحَ؛ أيْ خُرْفانًا، وَثِيرانًا، وَذَبائِحَ سَلامَة، وَمُحْرَقاتٍ. لِذا فَقد صَارَ قِوامُ أو أساسُ العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ هُوَ الذَّبائِح. أَتَرَوْن؟ فالذَّبائِحُ أَتاحَتِ التَّواصُلَ بينَ الإنسانِ والله. وَإنْ كَانَ ذلكَ الأمرُ صَحيحًا، لا بُدَّ أنَّ الذَّبيحَةَ الأخيرَةَ أَتاحَتْ أفضلَ تَواصُلٍ مُمكِن. لِذا فإنَّنا نَقولُ إنَّ مَوتَ المَسيحِ كَانَ يَهْدِفُ إلى إشْباعِ رَغْبَةِ اللهِ في وُجودِ عَابِدينَ حَقيقيِّين. وَهَذا يَعني أنَّهُ عِندَما نَجتَمِعُ عِندَ الصَّليبِ، وتُغفَرُ خَطايانا، ونَتَطَهَّرُ بِدَمِ يَسوعَ المَسيحِ، فإنَّنا نَصيرُ عَابِدينَ مَقبولينَ قُدَّامَ الآب. لِذا فإنَّ العِبادَةَ هِيَ دَائِمًا مَسألةُ خَلاص. وَأساسُ العِبادَةِ هُوَ الذَّبيحَة.
والآن، لِكَيْ نَنظُرَ إلى هَذا الأمرِ مِن زاوِيَةٍ أخرى، انظُروا مَعي إلى نِهايةِ نُبوءةِ إشَعْياء، أيْ إلى الأصحاحِ السَّادِسِ والسِّتِّينَ... إلى الأصحاحِ الأخير... الأصحاحِ الأخير. وانظُرُوا وَحَسْب إلى الفِقْرةِ الأخيرةِ في ذلكَ الأصحاحِ الأخير. فَقد استَعْرَضَ إشَعْياءُ كُلَّ تَاريخَ الخَلاصِ استِعراضًا رَائِعًا فَتَحَدَّثَ عَنِ الدَّينونَةِ في النِّصفِ الأوَّلِ مِنَ السِّفْرِ؛ أيْ في الأصحاحاتِ التِّسعةِ والثَّلاثين الأولى، وَتَحَدَّثَ عَن عِقابِ اللهِ للأُمَمِ وَتَأديبِهِ لِشَعبِ اللهِ أيضًا. ثُمَّ إنَّهُ انتَقَلَ إلى المُستقبَلِ المَجيد. وَقد تَحدَّثَ عَن مَجيءِ المَسِيَّا. وَهُوَ يَتحدَّثُ عَن مَجيءِ المَلكوتِ الآن في الأصحاح 66، وَعَنِ المُستقبلِ المَجيدِ الرَّائعِ لَدى اللهِ، وَعَنِ المُلْكِ الألفِيِّ الَّذي سَيأتي. فَنحنُ نَقرأُ مَا يَلي في العَدد 22: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ الْجَدِيدَةَ وَالأَرْضَ الْجَدِيدَةَ..."، وَهُوَ يَمْضِي الآنَ إلى مَا وَراءِ المَلكوتِ، ويَتحدَّثُ عَنِ المَلكوتِ الأبديِّ والحَالةِ الأبديَّة. واللهُ يَقولُ: "كَمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ الْجَدِيدَةَ وَالأَرْضَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي أَنَا صَانِعٌ تَثْبُتُ أَمَامِي، يَقُولُ الرَّبُّ، هكَذَا يَثْبُتُ نَسْلُكُمْ وَاسْمُكُمْ. وَيَكُونُ [لاحِظُوا مَا جَاءَ هُنا] مِنْ هِلاَل إِلَى هِلاَل وَمِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ، أَنَّ كُلَّ ذِي جَسَدٍ يَأْتِي لِيَسْجُدَ أَمَامِي، قَالَ الرَّبُّ". يُمكِنُكم أن تَتوقَّفُوا هُنا.
مَا المَعنى المَقصودُ مِن ذلك؟ أنتُمْ تَبْتَدِئونَ سِفْرَ إشَعْياء بالدَّينونة. ثُمَّ إنَّكُمْ تَقرأونَ حَقائِقَ عَظيمةً عنِ المَسِيَّا وَعَمَلِه. وَفي الأصحاحَيْنِ 52 و53، نَقرأُ عَن آلامِ المَسِيَّا الَّذي يَدْفَعُ أُجرةَ الخطيَّة، والَّذي يَموتُ على الصَّليب. لماذا؟ لكي يُنْجِبَ جِيلاً مِنَ العَابِدينَ الأبديِّين (كَما هُوَ مَذكورٌ هُنا). لِذا فإنَّ نَصَّ سِفْرِ إشَعْياء يُخبرُنا أنَّ المَسِيَّا سَيأتي لِيُنْجِبَ عَابِدينَ أبديِّينَ يُمْكِنُهم أنْ يَعبُدوا بِحَقّ الإلَهَ الحَقيقيَّ الحَيَّ.
انظُروا مَعي إلى رِسالةِ كُورِنثوسَ الأولى والأصحاح 14؛ وَهُوَ أصْحاحٌ يَقْرِنُهُ الأغلبيَّةُ مِنَّا بالتَّكلُّمِ بالألسِنَة؛ وَهَذا صَحيح. ولكنِّي أريدُ أن أَلْفِتَ أنظارَكُم إلى العَددِ الثَّالِثِ والعِشرين مِن رِسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاح 14. وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ اجتماعِ المُؤمِنينَ في الكنيسةِ وَما يَجري فيها؛ أيْ في كَنيسةِ كورِنثوس. وَهُوَ يَقولُ في العَدد 23: "فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟" أيْ أنَّكُمْ قَدْ فَقَدْتُمْ عُقولَكُم أوْ أنَّكُمْ قَدْ جُنِنْتُم؟ "وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَنَبَّأُونَ..."؛ أيْ تَنْطِقونَ بالحَقِّ الإلهِيِّ بِلُغَةٍ مَفهومَة، "...فَدَخَلَ أَحَدٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ أَوْ عَامِّيٌّ، فَإِنَّهُ يُوَبَّخُ مِنَ الْجَمِيعِ. يُحْكَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمِيع".
والآن، لاحِظُوا بِعناية مَا يَقولُهُ العَدد 25: "وَهكَذَا تَصِيرُ خَفَايَا قَلْبِهِ ظَاهِرَةً". والآن، إنْ أردتُم حَقًّا أن تَفتَحُوا قَلبَ شَخصٍ مَا، لا تَتَكَلَّمُوا بألسِنَة، بَلْ تَكَلَّمُوا بِلُغَةٍ يَستطيعُ أن يَفهَمَها. فإنْ أردتُم أن تَفتَحُوا قَلبَ شَخصٍ مَا، تَكَلَّمُوا كَلامًا يُبَكِّتُهُ، وكَلامًا يَدينُهُ، وكَلامًا يَكشِفُ حَالَةَ قَلبِهِ لَهُ. فَهَكَذا يُمْكِنُكُم أن تُبَشِّرُوه. وعندما يَشعُرُ بالتَّبكيتِ والإدانَةِ، وعندما تَلْمَسونَ قَلبَهُ وَعَقلَهُ، إليكُمْ مَا سَيَفْعَلُهُ: "وَهكَذَا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ [وَيَفعَلُ مَاذا؟] وَيَسْجُدُ لله".
وَيا أحبَّائي، هَل تَعلَمونَ مَا الَّذي أُوْمِنُ بِه؟ أنا أُوْمِنُ بأنَّكُم تَجِدونَ في تلكَ الآيةِ رَدَّةَ الفِعلِ الرَّئيسيَّة على الخَلاص. فَهذهِ هِيَ طَريقةُ بُولُس في الإشارةِ إلى أنَّ ذلكَ الشَّخصَ اهْتَدَى إلى المَسيح. فَهُوَ سَيَسجُدُ للهِ ويَقولُ إنَّ اللهَ بالحَقيقَةِ فِيكُم. لِذا فإنَّكُمْ تَرَوْنَ هُنا كِرازَةً تُؤدِّي إلى مَاذا؟ العِبادَة. فهذا هُوَ هَدَفُ الكِرازَة. وَهَذا هُوَ هَدَفُ الخَلاص. وَنَحنُ نَرى ذلكَ في كُلِّ هَذهِ المَقاطِعِ الكِتابِيَّة. وَأعتقدُ، كَما ذَكرتُ في هذا الصَّباح، أنَّني سَأُشيرُ إلى رِسالةِ فيلبِّي 3: 3 حيثُ يُعَرِّفُ بُولُسَ المُؤمِنَ بالطَّريقةِ التَّالية: "إنَّهُ إنسانٌ يَعْبُدُ اللهَ بِالرُّوحِ، وَيَفْتَخِرُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَلاَ يَتَّكِلُ عَلَى الْجَسَدِ". فالمُؤمِنُ هُوَ إنسانٌ يَعبُدُ اللهَ بالرُّوح.
إذًا، العِبادَةُ هِيَ الشَّيءُ الَّذي يَطلُبُهُ اللهُ. وأرضِيَّةُ العِبادَةِ، أوِ أساسُ العِبادَةِ، أوِ المِفتاحُ الَّذي يَفْتَحُ البابَ ويَجعلُ العِبادةَ مُتاحَةً، أوِ الشَّيءُ الَّذي يَنْقِلُكَ مِن عَابِدٍ غَيرِ مَقبولٍ إلى عَابِدٍ مَقبولٍ هُوَ الخَلاص... الخَلاصُ بِيسوعَ المَسيح.
وَقد كَتَبَ "روبرت ميدلين" (Robert Midlane):
"بِرُّ اللهِ الكَامِلِ يُرَى
مِنْ خِلالِ دَمِ المُخَلِّص.
فَفي صَليبِ المَسيحِ نَرى
لا بِرَّهُ وَحَسْب، بَل أيضًا نِعمَتَهُ.
فَاللهُ لم يَكُنْ لِيَغفِرَ للخاطِئِ،
لأنَّ خَطيئَتَهُ تَستوجِبُ المَوتَ.
ولكِنْ في صَليبِ المَسيحِ نَرى
كيفَ أنَّ اللهَ يَستطيعُ أن يُخَلِّصَ وَيكونَ بَارًّا.
فَالخَطِيَّةُ وُضِعَتْ على المُخَلِّصِ،
وَمِنْ خِلالِ دَمِهِ تَمَّ الوَفاءُ بالدَّيْن.
وَمَعَ أنَّ العَدالَةِ لا تَستطيعُ أنْ تَطلُبَ مَا هُوَ أكثر مِن ذلك،
فَإنَّ النِّعمَةَ تَستطيعُ أن تُعطي كُلَّ مَا لَديها.
وَحينئذٍ يَتحرَّرُ الخَاطِئُ الَّذي يُؤمِنُ،
وَيقول: ’لَقد مَاتَ المُخَلِّصُ عَنِّي‘".
هَذا هُوَ، يا صَديقي، أساسُ العِبادَة: أنَّنا، نَحنُ الخُطاة، يَنبغي أنْ نُفْدَى مِنْ قِبَلِ المَسيحِ المُسْتَحِقّ.
لِذا، أعتقدُ أنَّكُم تَفهَمونَ أنَّ العِبادَةَ مُهِمَّة. فَهِيَ الشَّيءُ الَّذي يَطْلُبُهُ اللهُ مِن خِلالِ الفِداء. فَإنْ كُنتَ شَخصًا مَفْدِيًّا وَلا تَعبُدُ اللهَ عِبادَةً لائِقَةً فإنَّكَ تُنكِرُ ذَلِكَ الشَّيءَ الَّذي افْتُديتَ مِن أجلِه. أَتَرَوْن؟ هَذا هُوَ الجَوهَر. فَأنتُم لا تَتحدَّثونَ عَن شَيءٍ ثَانَوِيٍّ.
والآن، لِنَعُد إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الرَّابع... إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الرَّابع. فعندما جَاءَ يَسوعُ إلى الأرضِ، كَانَ النَّاسُ يَعبُدون. وَكانَ السَّامِرِيُّونَ يَعبُدون. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ المَرأةَ السَّامِريَّةَ قَالَت في العَدد 20: "آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَل". وَقد أَشارَتْ إلى جَبَلِ جِرِزِّيم. وَكانَ اليَهودُ يَعبُدونَ [بِحَسَبِ العَدد 20] في أورُشَليم. فَقد كانُوا يَعبُدون. ولكِنَّ عِبادَتَهُم تِلكَ لم تَكُن مَقبولَة. صَحيحٌ أنَّهُم كانُوا يَعبُدونَ اللهَ الحَقيقيَّ؛ ولكِنَّهُم كانُوا يَعبُدونَهُ بالطَّريقةِ الخَطأ وبالمُوقِفِ الخَطأ. وَبسببِ ذلكَ فإنَّ رَبَّنا يَتحدَّثُ عَنِ العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ المَقبولَة. وَهَذا يُخْبِرُنا أنَّ عِبادَتَهُم لم تَكُن مَقبولَة. وَإنْ جَاءَ يَسوعُ إلى الأرضِ اليَومَ وَنَظَرَ إلى المَسيحيَّةِ عَامَّةً، أتساءَلُ مَا الأشياءُ الَّتي سَيَقولُها عَنِ العِبادَةِ المَسيحيَّةِ اليَوم.
وَقد قَالَ أَحَدُ الكُتَّابِ: "الكَثيرُ مِمَّا يُسَمَّى بالعِبادَةِ الجُمهورِيَّةِ في العَالَمِ المَسيحيِّ هُوَ مُجَرَّدُ شَكلٍ مِن أشكالِ اليَهوديَّةِ الَّتي تَأخُذُ شَكلاً مَسيحيًّا، وَهِيَ في حَالاتٍ عَديدةٍ وَثنيَّة مُقَنَّعَة. فَمثلاً، في اليَهوديَّةِ، كَانت تُوجَدُ مَجموعَةٌ مِنَ الكَهَنَةِ المُفْرَزينَ الَّذينَ يُمكِنُهم دُونَ سِواهُم أنْ يَقودوا العِبادَةَ في إسرائيل. وَفي العَالَمِ المَسيحيِّ، نَرى نِظامًا كَهَنوتِيًّا مِنْ صُنْعِ الإنسانِ يُسَمَّى القائِمونَ عليهِ ’كَهَنة‘؛ وَهُوَ مُهِمٌّ في العبادَةِ على الرَّغمِ مِنَ التَّعليمِ الصَّريحِ للعَهدِ الجَديدِ بأنَّ جَميعَ المُؤمِنينَ كَهَنة. وَكانَ الكَهَنةُ في اليَهوديَّةِ يَرْتَدونَ ثِيابًا مُمَيَّزَةٍ كَما هِيَ حَالُ الكَهَنَةِ في العَديدِ مِنَ الكَنائِس. وَكانتِ اليَهوديَّةُ تُرَكِّزُ على الهَيْكَلِ الأرِضِيِّ أوِ المَبنَى. كذلكَ فإنَّ الكَنائِسَ تُقيمُ العَديدَ مِنَ أماكِنِ العِبادَةِ المُكَرَّسَةِ وَتُسَمِّيها خَطأً: "بَيت الله". وَكانَ يُوجَدُ لَدى الكَهنةِ اليَهودِ مَذْبَحٌ يُقَدِّمونَ عليهِ الذَّبائِحَ للهِ. وَقد أقامَتِ الكَنائسُ مَذابِحَ في تلكَ المَباني المُزَخْرَفَةِ تُوْقَدُ عَليها الشُّموعُ ويُقَدَّمُ عَليها البَخُورُ، وَفي حَالاتٍ كَثيرةٍ يُحْفَظُ فيها الخُبْزُ المُقَدَّسُ الَّذي يَدَّعُونَ أنَّهُ جَسَدُ المَسيح. لِذا، لا حَاجَةَ إلى القَولِ إنَّ كُلَّ هَذا التَّقليدِ الأعمَى لليَهوديَّةِ بَعيدٌ كُلَّ البُعدِ عَن تَعليمِ العهدِ الجديد. وَعليهِ فإنَّ الكَنائِسَ ابْتَدَعَتْ كَهَنَتَها المُدَرَّبينَ والمَرسُومينَ وَأَقَرَّتْ أنَّ وُجودَهُمْ لا غِنَى عَنْهُ لِلحِفاظِ على مَا تُسَمِّيهِ بأسرارِ الكَنيسة. وَهؤلاءِ الرِّجالُ الَّذينَ يَرْتَدونَ أثوابًا فَاخِرَةً يَقِفونَ أمامَ المَذبحِ الخَالي مِنَ الدِّماءِ، والَّذي تُوْقَدُ عليهِ الشُّموعُ وَتُعَلَّقُ عَليهِ الصُّلْبانُ، وتَنْبَعِثُ مِنْهُ رَائِحَةُ البَخورِ، ويُمارِسونَ طُقوسَ العِبادَةِ نِيابَةً عَنِ الشَّعب. وباستِخدامِ طُقوسٍ مُعَدَّة مُسَبَّقًا، وَصَلَواتٍ رُوتينيَّة يُكَرِّرُها شَعبُ الكَنيسةِ مِن وَرائِهم، فإنَّ الخِدمةَ بأسرِها تَجري بانسيابٍ وَدِقَّةٍ مُتناهِيَة. وَهِيَ وَاحِدَةٌ مِن ابتِكاراتِ الإنسانِ وَإبداعاتِهِ المُدهشةِ الَّتي تُراعِي الجَوانِبَ الجَمالِيَّةَ؛ ولكِنَّها بَديلٌ مَأساوِيٌّ وَمُحْزِنٌ للعِبادةِ الرُّوحيَّةِ الَّتي أَعْلَنَ رَبُّنا أنَّ أبَاهُ يَطلُبُها مِنْ أولادِهِ المَفدِيِّين" [نِهايةُ الاقتباس].
فَإنْ جَاءَ رَبُّنا اليومَ، هَذا هُوَ مَا قَد يَفعلُهُ: قَدْ يَدينُ هَذا النَّوعَ مِنَ العَبادَةِ لأنَّها شَبيهَةٌ بالعِبادَةِ اليَهوديَّة. أو رُبَّما يَدينُ أيضًا العِبادَةَ في الكَنائسِ البروتستنتيَّةِ الأكثر التِزامًا بالتَّقاليدِ لأنَّها أَشْبَهُ بالعِبادَةِ السَّامِريَّة: فَهِيَ ليسَت مُبَهْرَجَةً كَثيرًا، ولا تَعْتَني بالمَظاهِرِ كَثيرًا، وليسَت مُتَكَلِّفَةً كَثيرًا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ السَّامِريِّينَ في ذلكَ الوَقتِ الَّذي تَكَلَّمَ فيهِ يَسوعُ مَعَ تلكَ المَرأةِ لم يَكُنْ لَديهم مَبنى لأنَّهُ كَانَ قَد هُدِمَ قَبلَ وَقتٍ طَويل. ولكِنَّها كانَت عِبادَةً ضَحلَة، وَعبادَةً غَيرَ مُبالِيَةٍ، ولم تَكُنْ مُنْسَجِمَةً مَعَ الوَصفِ الكِتابِيِّ للعَبادَة. لِذا فقد كانَت بِحاجَةٍ إلى تَقويم. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ العِبادَةَ في عَصْرِها اليَهوديِّ والعِبادَةَ في عَصْرِها السَّامِرِيِّ كَانَتْ تَسْتَوْجِبُ الإزالَةَ تَمامًا وَكُلِّيًّا مِن أجلِ تَأسيسِ عِبادَةٍ حَقيقيَّة.
والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم خَلفيَّةً عَمَّا كَانَ يَجري هُنا ابتِداءً مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ الرَّابع. وَهَذا هُوَ حَقًّا سَبَبُ ذَهابِ يَسوعَ إلى ذلكَ المَكان: "وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ". فَقد كَانَ هُناكَ مَوْعِدٌ إلَهِيٌّ مَعَ امرأةٍ خَاصَّة. فَقد كانَت هذهِ امرأةً يَطلُبُ اللهُ مِنها أن تَكونَ عَابِدَةً حَقيقيَّة. وَكما قُلتُ، فإنَّ طَلَبَ اللهِ فَعَّالٌ. وَها هُوَ يَطلُبُها وَيُخْرِجُ يَسوعَ مِنْ طَريقِهِ الاعتِيادِيِّ لِيَجْتازَ السَّامِرَة. "فَأَتَى إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ يُقَالُ لَهَا سُوخَارُ، بِقُرْبِ الضَّيْعَةِ الَّتِي وَهَبَهَا يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ ابْنِهِ. وَكَانَتْ هُنَاكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ. فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ، وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ". وَبِحَسَبِ التَّوقيتِ الرُّومانِيِّ كانَتِ السَّاعَةُ السَّادِسَة مَساءً. "فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ لِتَسْتَقِيَ مَاءً، فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَعْطِينِي لأَشْرَبَ» لأَنَّ تَلاَمِيذَهُ كَانُوا قَدْ مَضَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبْتَاعُوا طَعَامًا. فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ: «كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟» لأَنَّ الْيَهُودَ [بِحَسَبِ النَّصِّ الحَرفِيِّ] لاَ يَستخدِمونَ نَفسَ الآنِيَةِ الَّتي يَستخدِمُها السَّامِرِيُّونَ". فَاليَهودُ لا يَشرَبونَ مِنْ كُؤوسِنا. وَليسَت هُناكَ أيَّةُ عَلاقاتٍ تَربُطُنا باليَهود. ولكِن كَيفَ حَدَثَ هَذا الأمر؟ كَانَ الشَّعبُ في تلكَ الأرضِ مُوَحَّدًا في عَهْدِ شَاوُل ودَاوُد وَسُليمان. وعندما انقَسَمَتِ المَملكةُ، صَارتِ مَملكةُ إسرائيل الشَّمالِيَّة، وَمَملكةُ يَهوذا الجَنوبيَّة مُستَقِلَّتَيْن. وبِمُرورِ الوَقتِ، دَانَ اللهُ المَملكةَ الشَّمالِيَّةَ بسببِ شَرِّها وَإثْمِها. وَفي سَنة 722 قَبلَ المِيلاد، تَمَّ احتِلالُ مَملكةِ إسرائيلَ الشَّماليَّة عَلى يَدِ "سَرْجُون" (Sargon). وَتَمَّ سَبْيُ أغلبيَّةِ شَعبِها إلى أَشور وأماكِنَ عَديدةٍ أخرى، وَفي مُدُنِ مَادي. ويُمكِنُكم أن تَقرأوا عَن ذلكَ في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني والأصحاح 17. فَقد تَمَّ تَرحيلُهم فَصارُوا عَبيدًا وَخَدَمًا لَدى الأشورِيِّين.
والأشخاصُ الوَحيدونَ الَّذينَ سُمِحَ لَهُم بالبَقاءِ في الأرضِ هُمُ الفُقراء. فَقد كانُوا عِبْئًا عَلى الأشورِيِّينَ، ولم يَكُن هُناكَ أيُّ مَنْطِقٍ في أَخْذِ كُلِّ هَؤلاءِ الفُقراءِ مَعَهُم. لِذا فقد تَرَكوهُم هُناك. ثُمَّ إنَّ الأجانِبَ مِنَ المَناطِقِ المُجاوِرَةِ [وَلا سِيَّما مِن بَابِل] ابتدأوا بالهِجرةِ إلى المَملكةِ الشَّمالِيَّة. وعندما جَاؤوا إليها، اخْتَلَطَ هَؤلاءِ الأجانِبُ الأُمَمِيُّونَ بِاليهودِ الفُقراءِ الَّذينَ بَقَوْا في الأرض. والجِنْسُ الهَجينُ الَّذي أَنْجَبوهُ نَتيجةَ ذلكَ الاختلاط كانَ يُعرَفُ بالسَّامِرِيِّينَ – نِسْبَةً إلى مَدينةِ السَّامرةِ الَّتي كانَتِ عَاصِمَتَهُم. لِذا فقد صَارَ هُناكَ خَلْطٌ بينَ اليَهوديَّةِ والوَثنيَّةِ أدَّى إلى ظُهورِ مَا يُعرَفُ بالدِّيانَةِ التَّوفيقيَّة. فَقد أرادَ هَؤلاءِ النَّاسُ أن يَحتَفِظوا بِتُراثِهم اليَهودِيِّ، وَحَتَّى إنَّهُمْ التَمَسُوا مِنَ المُحْتَلِّينَ أنْ يَسْمَحُوا لَهُم بوجودِ كَاهِنٍ إسرائيليٍّ يُعَلِّمُهُم أن يَعبُدوا اللهَ الحَقيقيَّ؛ ولكِنَّ طَلَبَهُمْ قُوبِلَ بالرَّفض. وَعِندما عَادَتِ البَقيَّةُ، كَما تَذكرونَ؛ أيْ أولئكَ الَّذينَ تَعَرَّضُوا للسَّبيِ مِنْ مَملكةِ يَهوذا الجَنوبيَّةِ إلى بَابِل وَظَلُّوا في السَّبيِ سَبعينَ سَنَة، عِندما عَادُوا، هَل تَذكُرونَ أنَّهُم ابتدأوا حَالَ عَوْدَتِهِم بِإعادَةِ بِناءِ الأسوارِ وَإعادَةِ بِناءِ المَدينة؟ وَمَنِ الَّذي جَاءَ وَأرادَ أن يُساعِدَهُم؟ مَجموعَةٌ مِنَ السَّامِرِيِّين. ولكِنَّ اليَهودَ العَائِدينَ مِنَ السَّبيِ رَفَضُوا مُساعَدَتَهُم بسببِ جِنْسِهِم الهَجين. وَكانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ السَّامِرِيِّينَ على ذلكَ الرَّفضِ هِيَ أنَّهُم فَعلُوا كُلَّ مَا في وُسْعِهم لِوَقْفِ عَمليَّةِ البِناء.
فَقد قَالوا: "لِنَبْنِ مَعَكُم لأنَّنا نَطلُبُ اللهَ كَما تَطلُبونَهُ أنتُم". ولكِنَّ اليَهودَ قَالوا: "لا يُمكِنُكُم أن تَشترِكُوا مَعَنا في إعادَةِ بِناءِ بَيْتٍ لإلهَنِا". لِذا فقد تُرِكُوا في دِيانَتِهم التَّوفيقيَّةِ تِلك. وَلم يَبْقَ أمامَهُم سِوى خِيارٍ واحِدٍ فقط وَهُوَ أنْ يَبْنُوا مَوْضِعًا خَاصًّا بِهِم للعِبادَة. لِذا فقد ذَهبوا إلى جَبَلِ جِرِزِّيم وَبَنَوْا هَيكَلَهُم وابتدأوا بالعِبادَةِ بِطريقَتِهم.
وَقدِ استَمرُّوا في القِيامِ بِذلكَ مُدَّةً طَويلة. وَفي سَنَة 128 قَبلَ الميلاد؛ أيْ قَبلَ مِئةٍ وثَماني وعِشرينَ سَنَة مِن مَجيءِ المَسيحِ، قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الحُكَّامِ المَكابِيِّينَ يُدعَى "جون هيركانوس" (John Hyrcanus) بِتَدميرِ هَيكَلِهِم. وَلم تَتِمَّ إعادَةُ بِناءِ ذلكَ الهَيكلِ بعدَ ذلك. ولكِن هَل تَعلَمونَ أنَّهُ حَتَّى هَذا اليَوم، وَعلى الرَّغمِ مِن أنَّهُ لم يَبْقَ هُناكَ سِوى قِلَّةٍ مِنَ السَّامِرِيِّينَ لا يَتجاوَزُ عَدَدُهم المِئَتَيْنِ على وَجْهِ الكُرةِ الأرضيَّةِ، فإنَّهُم مَا زَالوا يَجتَمِعونَ على ذلكَ الجَبَلِ الفَارِغِ وَيُمارِسونَ العِبادَة بَعيدًا عَن أورُشَليم؟ والفَرقُ الوَحيدُ هُوَ أنَّهُم لا يُؤمِنونَ إلاَّ بالأسفارِ الخَمسةِ الأولى مِنَ العهدِ القديم؛ أيْ بالتَّوراةِ فقط. فَهُم لا يُؤمِنونَ ببقيَّةِ العهدِ القديم. وَقد كَانَتْ هَذِهِ هِيَ عَلاقَتُهم باليَهودِ في زَمَنِ يَسوع. فَقد كَانُوا مُحْتَقَرينَ وَمَنبوذينَ ومَكروهينَ مِنْ قِبَلِ اليَهود. ولم يَكُن هُناكَ أيُّ تَعامُلٍ بينَ الفَريقَيْن.
لِذا فإنَّ هَذهِ الخَلفيَّةَ مُهِمَّةٌ جدًّا لِفَهْمِ العَدد 20. انظُروا إليه. فَقد قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: "آبَاؤُنَا [أيِ السَّامِرِيُّونَ] سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ [أيْ في جَبَلِ جِرِزِّيم]، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ [أيُّها اليَهودُ] إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ". والمَعنى المَقصودُ هُوَ: مَنْ مِنَ الفَريقَيْنِ عَلى صَواب؟ أينَ يَنبغي لَنا أنْ نَعبُد؟ وَقد تَقولُ: "مَا الَّذي دَفَعَها إلى طَرْحِ هَذا السُّؤال؟" سَوفَ أقولُ لَكُم مَا الَّذي دَفَعَها إلى طَرحِ هَذا السُّؤال. بِسَبَبِ مَا حَدَث. ارجِعُوا إلى العَددِ العَاشِر: "أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَها: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا»". يا امرأة، لَو كُنتِ تَعلمينَ مَنِ الَّذي يُكَلِّمُكِ، وَمَا الَّذي يُمكِنُهُ أن يُعطيكِ إيَّاه، لَطَلَبْتِ ذلك. "قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ، لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟" مِنْ أينَ سَتَحصُلُ عَليه؟ "أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟»" بِعبارةٍ أخرى، إنْ كَانَ لَديكَ مَاءٌ أفضلُ مِن هَذا المَاء، هَل أنتَ أعظَمُ مِن يَعقوب؟ "أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ»"... أبديَّة. "قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هذَا الْمَاءَ، لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ وَلاَ آتِيَ إِلَى هُنَا لأَسْتَقِيَ»".
ثُمَّ إنَّ يَسوعَ انتَقَلَ إلى صُلْبِ المَوضوع. يُمكِنُني أن أُعطيكِ هَذا المَاء، ولكِنْ لَديكِ مُشكلة. وَإليكُم كَيفَ طَرَحَ تِلكَ المُشكلة. "اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ". "أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ وَقَالتْ: «لَيْسَ لِي زَوْجٌ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ». قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ!»". إنَّهُ تَفكيرٌ سَليم! وَلماذا أدرَكَتْ ذلك؟ لِسَبَبَيْن: الأوَّلُ هُوَ أنَّهُ قَالَ حَقًّا خَارِقًا للطَّبيعة. لِذا، أعتقدُ أنَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ يَبدو أنَّها تُجيبُهُ بالمَعنى الحَرفِيِّ، أعتقدُ أنَّها فَهِمَت مَا قَالَهُ لَها إلى حَدٍّ مَا. فَهُوَ يَتحدَّثُ عَن أُمورٍ أبديَّة. وَهُوَ يَتحدَّثُ عَن أمورٍ رُوحِيَّة. ثَانِيًا، لأنَّهُ تَكَلَّمَ في صُلْبِ المَوضوعِ وَدَانَها على خَطيَّتِها. ويُمكِنُكم أن تُضيفوا سَببًا ثَالِثًا وَهُوَ: لأنَّهُ كَانَ يَعرِفُ أسرارًا لا يُمكِنُ لأحدٍ سِوى اللهِ أنْ يَكشِفَها. فَهِيَ تَرى أمامَها رَجُلاً يَتكلَّمُ بحقائقَ رُوحِيَّة، وَتَرى أمامَها رَجُلاً يُواجِهُها بِخطيَّتِها، وَتَرى أمامَها رَجُلاً يَعرِفُ أمورًا لا يُمكِنُ لأحدٍ سِوى اللهِ أنْ يَكشِفَها. فَهذا، يَا صَديقي، نَبِيٌّ.
وَقد كانَتْ رَدَّةُ فِعلِها هِيَ: يَنبغي أنْ أُصْلِحَ حَياتي! هَذا هُوَ اعتقادي. فهذا هُوَ ما يُشيرُ إليهِ كَلامُها. وحَتَّى إنِّي أعتقدُ أنَّها رُبَّما شَعَرَتْ في أعماقِها بِتَبكيتٍ شَديدٍ في هذهِ النُّقطة لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ عندما كَانَ يَسوعُ يَقولُ شَيئًا لأيِّ شَخصٍ عَلى انفِرادٍ، لم يَكُن مِنَ السَّهلِ على ذلكَ الشَّخصِ أنْ يُنْكِرَ ذلك. فَقد كَانَ حُضورُ يَسوعَ قَويًّا جدًّا. وَأعتقدُ أنَّ رَدَّةَ فِعلِها هِيَ: أريدُ أنْ أُقَوِّمَ حَياتي، وَأريدُ أن أعبُدَ اللهَ؛ ولكنيِّ أريدُ أن أسألَكَ سُؤالاً مُهمًّا: لا أدري إلى أينَ أذهب! أليسَ كذلك؟ لا أدري إلى أينَ أذهب! لا أدري إلى أينَ أذهبُ للعبادَة! فَشَعبي يَقولُ إنَّهُ يَنبغي أنْ أذهبَ إلى هُنا، وَشَعبُكَ يَقولُ إنَّهُ يَنبغي لي أن أذهَبَ إلى هُناك! إلى أينَ أذهبُ للعِبادَة؟ وَهُوَ يَقول: "يا امرأة، بَعدَ قَليلٍ، لَن تَكونَ هُناكَ عِبادَةٌ هُنا وَلا عِبادَةٌ هُناكَ. لِذا فإنَّ ذلكَ ليسَ مُهِمًّا؛ بَلْ إنَّ الشَّيءَ المُهِمَّ هُوَ أنْ تَعبُدي الآبَ بالرُّوحِ وَبِمَاذا؟ وبالحَقّ. وَهذهِ هِيَ الخَلفيَّةُ الَّتي تَقودُنا إلى هَذا التَّعليمِ الرَّائعِ عَنِ العِبادةِ الرُّوحيَّةِ الحَقيقيَّة. فَقد وَخَزَها ضَميرُها. وَقَدْ شَعَرَتْ بالتَّبكيتِ في نَفسِها. وَقد اضْطُرَّتْ إلى الإقرارِ بِخَطيئَتِها. وَقد أرادَتْ أنْ تُعالِجَها؛ ولكِنَّها لم تَكُنْ تَدري إلى أينَ تَذهب. فَقد كانَت تَعتَقِدُ، عَلى غِرارِ بَقيَّةِ الشَّعبِ، في تِلكَ الفَترةِ الدِّينيَّةِ المُشَوِّشَةِ، أنَّ العِبادَةَ هِيَ شَيءٌ تَفعَلُهُ، أو مَكانٌ تَذهبُ إليهِ في وَقتٍ مَا، أو مَوضعٍ مَا تَذهبُ إليهِ في وَقتٍ مُحَدَّد. وَهِيَ لم تَكُن تَدري أيّ مَكانٍ هُوَ الصَّحيح. لِذا فَقد قَالَ المَسيحُ هَذهِ الجُملةَ العَظيمة.
وَأوَّلُ شَيءٍ أُريدُ مِنكُم أن تُلاحِظوه عندما نَتأمَّلُ في الأعدادِ مِن 20 إلى 24 هُوَ الإلَهُ الَّذي تُوَجَّهُ إليهِ العِبادَة. لاحِظُوا بِعنايَةٍ مَا يَقولُهُ النَّصُّ. فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 21، في نِهايةِ العَدد، الكَلِمَتَيْنِ التَّالِيَتَيْن: "تَسْجُدُونَ لِلآب". وَفي مُنتصفِ العَدد 23 الكَلِمَتَيْنِ التَّالِيَتَيْن: "يَسْجُدُونَ لِلآب". وَفي مُنتصفِ العَدد 24: "يَسْجُدُونَ لَهُ". إذًا، مَنْ يَنبَغي أنْ نَعبُد؟ الآبَ، الآبَ، اعبُدوه. ولكِنَّهُ يَقولُ مَا هُوَ أكثر مِن ذلك. فَالنَّصُّ يُخبِرُنا في العَدد 24 مَنْ هُوَ: "اَللهُ رُوحٌ".
والآن، يا أحبَّائي، هَذا يُرِيْنا بُعْدَيْنِ للإلَهِ الَّذي يُعْبَد. فَهُوَ يُرينا [أوَّلاً] اللهَ بِصِفَتِهِ رُوحًا؛ وَيُرينا [ثَانِيًا] اللهَ بِصِفَتِهِ الآب. هَل فَهِمْتُم هَذَيْنِ البُعْدَيْن؟ فَنحنُ نَعبُدُ اللهَ بِصِفَتِهِ رُوْحًا. وَنَحنُ نَعبُدُ اللهَ بِصِفَتِهِ الآب. والآن، اسمَعوني جَيِّدًا جدًّا: البُعدُ الأوَّلُ يُشيرُ إلى طَبيعَتِهِ الجَوهريَّة، والبُعدُ الثَّاني يُشيرُ إلى عَلاقَتِهِ الجَوهريَّة. فَطَبيعَتُهُ الجَوهريَّةُ هِيَ أنَّهُ مَاذا؟ رُوح. وَعَلاقَتُهُ الجَوهريَّةُ بِنا هِيَ أنَّهُ مَاذا؟ أَبونا. وَكِلا البُعْدَيْنِ مُهِمٌّ للعِبادَةِ الحَقيقيَّة.
لِنَبتَدِئ بالبُعدِ الأوَّلِ المُخْتَصِّ باللهَ بِصِفَتِهِ رُوحًا في طَبيعَتِهِ الجَوهريَّة. وأعتقدُ أنَّكُم سَتَجِدونَ هَذهِ النُّقطةَ مُدهشةٌ جدًّا. وَصَدِّقوني أنَّهُ عِندَما تُحاوِلونَ أن تَصِفُوا اللهَ بأنَّهُ رُوْحٌ، سَتَجِدونَ أنفسَكُم عَاجِزينَ عَنِ التَّعبير. لِذا، سَوفَ أُغامِرُ قَليلاً وَأرى مَاذا يُمكِنُنا أن نَفعل. فَنحنُ نَعبُدُ اللهَ في المَقامِ الأوَّلِ بِصِفَتِهِ رُوحًا. فَنحنُ نَعبُدُهُ بِصِفَتِهِ رُوحًا. فَهُوَ الرُّوحُ الوَاحِدُ المَجيد. انظُروا إلى العَدد 24 مَرَّةً أخرى. والنَّصُّ العِبريُّ في هذهِ الآيةِ مُدهشٌ جدًّا. فَإليكُم مَا يَقولُهُ: "الرُّوحُ اللهُ"... "الرُّوحُ اللهُ". فَهُوَ يَدْمِجُ الكلمتَيْنِ مَعًا: "الرُّوحُ اللهُ؛ أوِ: "اللهُ الرُّوحُ" جَاعِلاً الواحِدَةَ مُساويةً للأخرى. فاللهُ رُوحٌ. والرُّوحُ هُوَ اللهُ. فَهُوَ رُوحٌ مَجيدٌ وَاحِد. وَما هُوَ الرُّوح؟ لَقد قَالَ يَسوعُ: "الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ..." [مَاذا؟] "...لَحْمٌ وَعِظَامٌ". "الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ".
انظُروا مَعي قَليلاً إلى سِفْرِ إشَعْياء والأصحاحِ الأربَعين... سِفْرِ إشَعْياء 40: 18. وأعتقدُ أنَّ هَذا النَّصَّ سَيُساعِدُنا في فَهْمِ مَا نَتحدَّثُ عَنهُ بخصوصِ أنَّ اللهَ رُوح. فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 18: "فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ اللهَ؟" بِعبارةٍ أخرى، إنْ كُنْتُم عَاجِزينَ عَنِ التَّعامُلِ مَعَ اللهِ بِصِفَتِهِ رُوحًا، وَكُنتُم تَحُطُّونَ مِنْ شَأنِ اللهِ مِن خِلالِ تَصويرِهِ في هَيئةٍ أخرى، مَا الهَيئةُ الَّتي تَظُنُّونَ أنَّها تُشبِهُه؟ فَهل يُمكِنُكُم أن تَرسُموا صُورةً للرُّوح؟ وَهَل يُمكِنُكم أن تَنْحَتُوا تِمثالاً للرُّوح؟ وَهل يُمكِنُكم أن تُذيبوا الفِضَّةَ وَأنْ تَصنَعُوا مِنها تِمثالاً للرُّوح؟ على أيَّةِ هَيئةٍ سَتَصنَعونَهُ؟ "وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟ اَلصَّنَمُ يَسْبِكُهُ الصَّانِعُ، وَالصَّائِغُ يُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ وَيَصُوغُ سَلاَسِلَ فِضَّةٍ. الْفَقِيرُ عَنِ التَّقْدِمَةِ يَنْتَخِبُ خَشَبًا لاَ يُسَوِّسُ، يَطْلُبُ لَهُ صَانِعًا مَاهِرًا لِيَنْصُبَ صَنَمًا لاَ يَتَزَعْزَعُ!" فَهُوَ سَيَأخُذُ خَشَبَةً ويُحاوِلُ أنْ يَنْحَتَ مِنْها صَنَمًا. "أَلاَ تَعْلَمُونَ؟ أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ أَلَمْ تُخْبَرُوا مِنَ الْبَدَاءَةِ؟ أَلَمْ تَفْهَمُوا مِنْ أَسَاسَاتِ الأَرْضِ؟ الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ...". بِعبارةٍ أخرى: أنتُم تُحاوِلونَ أنْ تَحُطُّوا مِن شَأنِ اللهِ الأبديِّ. "وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ. الَّذِي يَنْشُرُ السَّمَاوَاتِ كَسَرَادِقَ، وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ". فَهَذا إلَهُ الكَونِ؛ ولكِنَّكُمْ تَصْهَرونَ مَعْدِنًا مَا وتُحاوِلونَ أنْ تَصْنَعُوا مِنْهُ صَنَمًا لَهُ، أوْ تَنْحَتونَ صَنَمًا مِنْ قِطْعَةٍ صَغيرةٍ مِنَ الخَشَب.
"الَّذِي يَجْعَلُ [في العَدد 23] الْعُظَمَاءَ لاَ شَيْئًا، وَيُصَيِّرُ قُضَاةَ الأَرْضِ كَالْبَاطِلِ. لَمْ يُغْرَسُوا بَلْ لَمْ يُزْرَعُوا وَلَمْ يَتَأَصَّلْ فِي الأَرْضِ سَاقُهُمْ. فَنَفَخَ أَيْضًا عَلَيْهِمْ فَجَفُّوا، وَالْعَاصِفُ كَالْعَصْفِ يَحْمِلُهُمْ". بِعبارةٍ أخرى فإنَّهُ يَقولُ إنَّ الأُمَراءَ، أوِ العُظَماءَ، أوِ الأشخاصَ المُهِمِّينَ جدًّا، أوْ أصْحابَ النُّفوذِ في العَالَم هُمْ لا شَيء أَمامَ الله.
لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 25: "فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟ يَقُولُ الْقُدُّوسُ. ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ". ثُمَّ إنَّهُ يَمْضِي في التَّحدُّثِ عَن كيفَ أنَّ اللهَ لا يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا، وَهَلُمَّ جَرَّا. بِعبارةٍ أخرى، عندما تُفَكِّرُ في اللهِ أوْ تَرْسُمُ في عَيْنِ ذِهْنِكَ، أوْ تَصيغُ بألفاظٍ لاهُوتِيَّةٍ أو كِتابِيَّةٍ فِكرةَ اللهِ، لا يُمكِنُكَ أنْ تَحْصُرَهُ في صُورةٍ، وَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَحْصُرَهُ في بِنايةٍ، وَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَحْصُرَهُ في صَنَمٍ، وَلا في أيِّ شَيءٍ. فَهُوَ رُوحٌ ويَنبَغي أنْ يُعْبَدَ في مِلْءِ وَمُطْلَقِ كَوْنِهِ رُوحًا أبديًّا.
وَما الَّذي يَعنيهِ هَذا الأمر؟ هَذا يَعني أنَّكَ لَستُ مُضطرًّا إلى الذَّهابِ إلى مَكانٍ مُحَدَّدٍ في وَقتٍ مُحَدَّدٍ مِن أجلِ الاقترابِ إلى الله. فَكِتابُ التَّعليمِ المَسيحيِّ المُختَصَر يَقول: "اللهُ رُوحٌ مُطْلَقٌ، وَأبديٌّ، وَلا يَتَغَيَّر في كِيانِه". وَلكِنْ تُوْجَدُ هَرْطَقاتٌ تُعَلِّمُ أنَّ اللهَ إنسانٌ. ولكِنَّ هَذِهِ كِذْبَةٌ مَصْدَرُهُا جَهَنَّم. فاللهُ لَيسَ إنسانًا، بَلْ إنَّهُ رُوحٌ. فَنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 23: 23: "أَلَعَلِّي إِلهٌ مِنْ قَرِيبٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلَسْتُ إِلهًا مِنْ بَعِيدٍ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّ مَا يَقولُهُ هُوَ... استمِعُوا إلى هَذا: "هَل أنا إلَهٌ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ فقط؟" لا. فاللهُ ليسَ إلَهًا في مَكانٍ مُعَيَّنٍ فقط، بَل هُوَ اللهُ في مَاذا؟ في كُلِّ مَكان. فَلا يُمكِنُكُم أنْ تَحْصُروني في مَكان. "إِذَا اخْتَبَأَ إِنْسَانٌ فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةٍ أَفَمَا أَرَاهُ أَنَا؟ وَأنا أُحِبُّ الكَلماتِ التَّالية: "أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟" والآن، استَمِعُوا إلى مَا يَلي: اللهُ ليسَ صَنَمًا مَحصورًا في مَكانٍ مُعَيَّن، بَل إنَّ اللهَ مَوجودٌ في كُلِّ مَكانٍ وَلا يُمكِنُكُم أن تَحصُروهُ في مَكانٍ مُعَيَّن أو في وَقتٍ مُعَيَّن. والآن، هَلْ تَرَوْنَ أهميَّةَ ذلك في العِبادَة؟ فَنحنُ لا نَذهبُ إلى مَكانٍ مُعَيَّن لأنَّ اللهَ مَوجودٌ في ذلكَ المَكانِ فَنَذهبُ إلى هُناكَ حَتَّى نَعبُدَهُ.
والآن، لَقد كانَ الوَثنيُّونَ يُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ مَوجودٌ في مَكانٍ مُحَدَّد. فَنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّل والأصحاحِ الخَامِسِ أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ لَدى الفِلسطينيِّينَ مَعْبَد، وَأنَّ إلَهَهُمْ "دَاجُون" كَانَ في ذلكَ المَعبَد. وعندما سَرَقُوا تَابوتَ العَهدِ ظَنُّوا أنَّ ذلكَ التَّابوتَ هُوَ صَنَمٌ لإلَهِ الإسرائيليِّين. لِذا فقد أخذوا تَابوتَ العَهدِ وَوَضَعوهُ في بَيتِ دَاجُون. فَقد ظَنُّوا أنَّ هَذا المَكانَ هُوَ المَكانُ الَّذي تَسْكُنُ فيهِ الآلِهَة؛ أيْ في ذلكَ المَعبَد. لِذا فقد وَضَعوا التَّابوتَ هُناك. وَهَل تَذكُرونَ مَاذا حَدَثَ في صَباحِ اليَومِ التَّالي؟ لَقد عَادُوا إلى ذلكَ المَعبَدِ فَوجدوا أنَّ إلَهَهُم "دَاجُون"، الَّذي كَانَ عَلى هَيْئَةِ سَمَكَة، سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ إلى الأَرْضِ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ". لِذا فَقَدْ أَقامُوهُ في مَكانِه. ثُمَّ إنَّهُم بَكَّرُوا صَبَاحًا فِي الْغَدِ وَإِذَا بِدَاجُونَ سَاقِطٌ عَلَى وَجْهِهِ مَرَّةً أخرى؛ ولكِنَّ يَداهُ وَرَأسَهُ في هَذِهِ المَرَّةٍ كَانَتْ مَقْطُوعَة. فَقد أَجْرى اللهُ عَمليَّةً جِراحِيَّةً خَارقةً للطَّبيعةِ لذلكَ الصَّنَم. ولكِنَّ المَغزى هُوَ أنَّهُم كانُوا يَقْرِنونَ ذلكَ الإلَهَ بِذلكَ المَكان. هذهِ هِيَ النُّقطةُ الجَوهريَّة. ولكِنَّ اللهَ رُوحٌ. وَما يَقولُهُ يَسوعُ للمَرأةِ هُوَ: "اسمَعي! المَسألةُ هِيَ ليست هُنا أو هُناكَ لأنَّ اللهَ لا يُوجَدُ هُنا أو هُناك. فَهُوَ رُوحٌ. إنَّهُ رُوح".
والآن، ارجِعُوا قَليلاً إلى إنجيل يُوحنَّا والأصحاحِ الرَّابع. ولنَنظُر كيفَ يَرُدُّ تَحديدًا على هذهِ السَّيِّدة في العَدد 21. فَقد قَالَت: "آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ". بِعبارةٍ أخرى: أينَ هُوَ الله؟ هَلِ اللهُ هُنا أمْ أنَّهُ هُناكَ؟ أنا أُريدُ أنْ أُقَوِّمَ حَياتي. لِذا، أيْنَ يَنبغي أنْ أذهب؟ ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ في العَدد 21: "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي [فَأنا أَقولُ لَكِ الحَقَّ] أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ". والآن، إنَّ هَذهِ الجُملةَ مُحَمَّلَةٌ جدًّا بالمَعاني حَتَّى إنَّهُ يُمكِنُكُم أن تُفَسِّروها تَفسيرًا عَامًّا. أمَّا إنْ نَظرتُم إليهَا نَظرةً فَردِيَّةً... إنْ نَظرتُم إليها نَظرةً فَرديَّةً، فإنَّها يُمكِنُ أن تَعني: "أيَّتُها السَّيِّدة، أنتِ على وَشْكِ الدُّخولِ في عَلاقةٍ مَعَ اللهِ مِن خِلالي تَجْعَلُكِ لا تَعبُدينَ اللهَ لا في هَذا المَكانِ وَلا في ذَاك، بَلْ في قَلبِكِ". وَيُمكِنُ لهذهِ الجُملةِ أن تَعني تَاريخيًّا: "سَوفَ يَأتي وَقتٌ يُؤدِّي فيهِ دَمارُ أورُشَليم إلى مَسْحِ ذلكَ المَكانِ حَتَّى لا يَعودُ بِمَقدورِكِ أنْ تَجدي شَيئًا على ذلكَ الجَبل بأيَّةِ حَال". وَيُمْكِنُ لهذهِ الجُملةِ أنْ تُفْهَمَ بأوسَعِ مَعانيها المُحتملةِ على أنَّهُ يَقولُ لَها: "سَوفَ أَجْلِبُ عَملاً فِدائِيًّا عَلى صَليبِ الجُلجُثَة يَمْحُو كُلَّ شَيءٍ مُقْتَرِنٍ بالعَهدِ القَديمِ سَواءَ كَانَ صَحيحًا أَم مَغلوطًا". ويُمكِنُكُم أن تُفَسِّروا هذهِ الآية بِكُلِّ تلكَ الطَّرائِق.
وأعتقدُ حَقًّا أنَّ مَا يَقولُهُ هُوَ: "أيَّتَهُا السَّيِّدة، سَوفَ تَأتي نِهايةُ تِلكَ الأنظمةِ سَريعًا جدًّا جدًّا". فَفي الحَقيقةِ أنَّ يَسوعَ يَقولُ في العَدد 23: "تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآن". وَهذهِ جُملةٌ رَائِعَة. فالأمرُ مُستقبليٌّ ولكِنَّهُ حَاضِرٌ. مَا الَّذي قَصَدَهُ بِقولِهِ: "تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ"؟ لَقد كَانَ يَقولُ: "أنا أَقِفُ في المَرحلةِ الانتقالِيَّةِ. فَمِن جِهَة هُناكَ العَهدُ القَديم، وَمِنْ جِهةٍ أُخرى هُناكَ العَهدُ الجَديد. "تَأتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ" لأنَّني هُنا حيثُ سَيَنتَهي العَهدُ القَديمُ وَيَكونُ العَهدُ الجَديدُ حَاضِرًا. وَفي ذلكَ المَكانِ، أوْ بالحَرِيِّ: في ذلكَ العَهدِ الجَديدِ، لَن يَكونَ هُناكَ مَكانٌ، وَلَن تَكونَ هُناكَ أورُشَليم. وللتَّحَقُّقِ مِن عَدَمِ وُقوعِ أيِّ شَخصٍ في التَّشويشِ، قَامَ اللهُ في سَنَةِ 70 مِيلاديَّة بِمَسْحِ أورُشَليم. فَقَدْ مَسَحَها مَسْحًا.
لِذا فإنَّ العِبادَةَ هِيَ عِبادَةُ اللهِ بِوَصفِهِ رُوحًا. ولأنَّهُ رُوحٌ فإنَّهُ مَوجودٌ في كُلِّ مَكان. فَهُوَ مَوجودٌ في كُلِّ مَكان. واستَمِعُوا إلى مَا يَلي: إنَّهُ مَوجودٌ في كُلِّ مَكانٍ مُتاحٍ للعَابِدِ الحَقيقيِّ... في كُلِّ مَكان. وَيَتَنَبَّأُ يَسوعُ هُنا عَن زَوالِ النِّظامِ الطَّقسِيِّ. وأعتقدُ أنَّهُ صَوَّرَ ذلكَ بأسلوبٍ درامِيٍّ رَائعٍ مِن خِلالِ حَدَثٍ ذُرْوِيٍّ عَظيمٍ عندما مَاتَ يَسوعُ على الصَّليب. مَا هُوَ ذلكَ الحَدَث؟ مَا الَّذي حَدَثَ لِحِجابِ الهَيكَل؟ لقد انْشَقَّ مِن أعلى إلى أسفَل وانْتَهى بذلكَ كُلُّ ذلكَ النِّظام. فَقَدِ انكَشَفَ قُدْسُ الأقداس. وَقدِ انتَهى النِّظامُ الطَّقسِيُّ. وَهذا، في اعتقادي، هُوَ مَا كَانَ يَدورُ في ذِهْنِ رَبِّنا عندما كَانَ يَتحَدَّثُ إلى هذهِ المرأة.
وَفي الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 10: 19، نَقرأُ بِلُغَةِ هَذا السِّفْرِ العَظيم أنَّهُ بِسببِ مَا فَعَلَهُ المَسيحُ فإنَّنا حَصَلنا على نَوعٍ جَديدٍ مِنَ العِبادَة. وَهَذا رَائِعٌ جدًّا. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ العَاشِرِ والعَددِ الرَّابع: "لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا". فَلَمْ يَكُن بِمَقدورِ نِظامِ الذَّبائِحِ أن يَفعلَ ذلك. فَهذا لم يَكُن مُمْكِنًا. ولكِنِّي أُحِبُّ مَا جَاءَ في العَددِ الثَّاني عَشَر: "وَأَمَّا هذَا [الرَّجُلَ]...". فَكَما تَرَوْنَ، فإنَّنا نَقرأُ في العَددِ الحَادي عَشَرَ أنَّ "كُلَّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأمَّا هَذا [الرَّجُلُ] فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ". وَما مَعنى أنَّهُ جَلَسَ؟ إيْ أنَّهُ جَلَسَ لأنَّ عَمَلَهَ مُاذا؟ قَدْ أُكْمِل. ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 14: "لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ... هذَا هُوَ الْعَهْدُ [في العَدد 16] "هَذا هُوَ العَهْدُ الَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَهُمْ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي قُلُوبِهِمْ وَأَكْتُبُهَا فِي أَذْهَانِهِمْ وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ. وَإِنَّمَا حَيْثُ تَكُونُ مَغْفِرَةٌ لِهذِهِ لاَ يَكُونُ بَعْدُ قُرْبَانٌ عَنِ الْخَطِيَّة". أليسَ كذلك؟ لِذا فقدِ انتَهى نِظامُ الذَّبائِحِ عندما مَاتَ المَسيح. فَقد أَكْمَلَ كُلَّ شَيء.
ونَقرأُ في العَدد 19: "فَإِذْ لَنَا...". فَإذْ لَنا؟ مَا المُبَرِّرُ لاستِعمالِ فَإذْ لَنا؟ لأنَّهُ سيَنتقلُ في حَديثِهِ إلى شَيءٍ آخر بِسببِ مَا فَعَلَهُ المَسيح: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى «الأَقْدَاسِ»". وَلم يَكُن أيُّ يَهودِيٍّ يَجرُؤُ على الاقترابِ مِنَ الأقداسِ لأنَّهُ كَانَ يَخشَى أن يَموت. ولكِنَّهُ يَقولُ: "ادخُلوا إلى الأقداس". والآن، لاحِظُوا مَا يَلي في العَدد 20: "طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا...". فَهُوَ ليسَ الطَّريقَ المَيِّتَ للذَّبائحِ المَيِّتَةِ، وَليسَ الطَّريقَ القَديمَ للطُّقوسِ؛ "بَلْ طَريقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ، وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ، لِنَتَقَدَّمْ". أليسَت هذهِ الكلماتُ رائعةً؟ لِنَتَقَدَّم.
وَكما تَرَوْنَ، بِسببِ عَملِ المَسيحِ على الصَّليبِ فإنَّنا نَصيرُ شَعبًا عَابِدًا. فالعِبادَةُ لا تَحدُثُ على جَبَلِ جِرِزِّيم، وَلا تَحدُثُ في أورُشَليم. فَتلكَ الأنظمةُ الطَّقسيَّةُ القَديمةُ قَد مَضَتْ، وَلا يُوجَد مَكانٌ اليومَ لِكَهنوتٍ خَاصٍّ لِفئةٍ مُعَيَّنة. وَلا يُوجَد مَكانٌ اليومَ للمَذابِح، وَلا للذَبائِحِ الحَيَوانِيَّةِ، وَلا للمَناراتِ المُشتَعِلَة، وَلا للبَخُورِ المُحتَرِق. فاليَهوديَّةُ والوَثنيَّةُ زَاغَتا عَنِ الحَقِّ، وَتَجاهَلَتا الطَّريقَ الجَديدَ الحَيَّ وَمَلكوت كُلِّ المُؤمِنين. ولكِنَّ ذلكَ النِّظامَ قَدِ انتَهى.
لِذا فإنَّ رَبَّنا يَقولُ: "انظُري أيَّتُها السَّيِّدة، إنَّ مَكانَ العِبادَةِ ليسَ مُهِمًّا. فَمَكانُ العِبادةِ ليسَ مُهِمًّا؛ بَلْ إنَّ الإلَهَ الَّذي تَعبُدينَهُ هُوَ المُهِمّ". أليسَ كذلك؟ فَالمُهِمُّ هُوَ الإلَهُ الَّذي تَعبُدونَهُ. وَفي المَقامِ الأوَّلِ، أنتُم تَعبُدونَ اللهَ بِصِفَتِهِ رُوْحًا. فَهُوَ رُوح.
والنَّاسُ يَقولونَ دَائِمًا: "حَسَنًا! ولكِن مَاذا عَنْ قَوْلِ الكِتابِ المُقَدَّسِ: "هَا إِنَّ يَدَ الرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ"، وَإنَّ "عَيْنَيِ الرَّبِّ تَجُولاَنِ فِي كُلِّ الأَرْضِ"، وَإنَّهُ "لَمْ تَثْقَلْ أُذُنُهُ عَنْ أَنْ تَسْمَعَ"، وَإنَّهُ "يَمُدُّ ذِراعَهُ اليُمنَى"، وَما إلى ذلك؟" إنَّ هَذا الأسلوبَ في الكَلامِ يُعْرَفُ بالتَّأنيس؛ أيِ التَّحدُّث عَنِ اللهِ بِألفاظٍ بَشريَّة وَمَادِّيَّة؛ وَإلاَّ فإنَّنا لَن نَفهمَ مَا يَتحدَّثُ عَنهُ لأنَّ الشَّيءَ الوَحيدَ الَّذي يُمكِنُنا أن نَستوعِبَهُ هُوَ أنَّهُ إنْ كَانَ هُناكَ شَخصٌ يَرى، لا بُدَّ أنَّهُ يَمْلِكُ عَيْنَيْن. أليسَ كذلك؟ وَما أعنيه هُوَ: لو أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ قَالَ: "اللهَ يَنظُرُ إلى الأرضِ بِبُرْجِسَيْه"، لَما فَهِمنَا مَا يَتكلَّمُ عَنهُ. لِذا فإنَّهُ يَذكُرُ العَينينِ لأنَّكُم تَفهَمونَ أنَّ العَينينِ تُبصِران. والنَّاسُ يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ إنسانٌ بسببِ ذلك. ولكِنَّهُم عَلى خَطأ. فَكَما تَعلمَونَ، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ اللهَ يُظَلِّلُنا بِريشِهِ. وَقد يَستنتِجُ أُناسٌ أنَّهُ طَائِر! وَإنْ استَمرَّيْتَ في ذِكْرِ مَا يَفعلُهُ فإنَّهُم قَد يَتَشَوَّشونَ لأنَّهُم سيَظُنُّونَ أحيانًا أنَّهُ أَسَد، وَأحيانًا أنَّهُ حَمَل، وَأحيانًا أنَّهُ زَنْبَقَة. ولكِنَّ هَذِهِ كُلَّها هِيَ ألفاظٌ تَأنيسيَّة.
وَقد تَقولُ: "حسنًا يا جون! ولكِن كيفَ تَقولُ إنَّهُ كَانَ يَنبغي لِهؤلاءِ أن يَعبُدوا اللهَ بالرُّوحِ في كُلِّ مَكانٍ في حين أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ لَديهِم هَيكَل؟" اسمَعوني: لَقد كانَ الهَيكلُ فقط رَمْزًا حَاضِرًا وَمَكانًا للحَضِّ على العِبادَةِ كأسلوبِ حَياة. هَل تَفهمونَ ذلك؟ فإنْ لم تَفهموا ذلكَ سَتُسيئونَ فَهْمَ الغَايَةِ مِن وُجودِ الهَيكَل. فالهَياكِلُ رُموزٌ وليسَت أشياءَ حَقيقيَّة. وَقد تَقولُ: "ولكِن ألم يَكُنْ مَجْدُ الرَّبِّ يَسْتَقِرُّ بينَ أجنِحَةِ الكَروبيم وَفَوقَ كُرسِيِّ الرَّحمةِ وَتَابوتِ العَهدِ وَقُدسِ الأقداس؟ بِكُلِّ تَأكيد. ولكِن هَل تَظُنُّونَ أنَّ اللهَ كَانَ حَاضِرًا هُناكَ فقط، وَأنَّ هَذا هُوَ المَكانُ الوَحيدُ الَّذي يُوجَدُ فيه؟ فَهل كَانَ هُناكَ فقط؟ وَهَلْ بَقِيَ في تلكَ الخَيمةِ الصَّغيرة؟ لا. بَلْ إنَّ ذلكَ المَكانَ كَانَ رَمْزًا لِحُضورِه. ولكِنَّ اليَهودَ الجَهَلَةَ فقط هُمُ الَّذينَ كَانُوا يَحْصُرونَ اللهَ في الهَيكلِ وَحدِهِ.
وَقَدْ دَعَا الأشورِيُّونَ إلَهَ بَني إسرائيلَ إلَهَ الجِبالَ لأنَّ آلِهَتَهُم كانَت آلِهَةَ الأودِيَة. وَقد ظَنُّوا أنَّ إلَهَ بَني إسرائيلَ يَسكُنُ في الجِبالِ، وَأنَّ آلِهَتَهُم تَسكُنُ في الأودية. وَكانَ هُناكَ وَثَنِيُّونَ يَظُنُّونَ أنَّ آلِهَتَهُم تَسكُنُ في البَساتينِ لأجلِهِم تَحديدًا. ولكِنَّ إلَهَنا هُوَ دَائِمًا رُوحٌ وَمَوجودٌ في كُلِّ مَكان. والسَّبَبُ الوَحيدُ في وُجودِ هَيكلٍ هُوَ الحَضُّ على عِبادَتِهِ في كُلِّ مَكان. وَقَد يُعَبِّرُ اللهُ عَن نَفسِهِ في مَكانٍ. وَقد يُظهِرُ نَفسَهُ في مَكانٍ. فَعلى سَبيلِ المِثالِ، كَانَ اللهُ في أغلبِ الأحيانِ يَلتقي واحِدًا مِنَ الآباءِ الأوائِلِ في مَكانٍ فَريدٍ. وَحينئذٍ، كانَ ذلكَ الأبُ يَبني مَذبَحًا هُناكَ. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّ ظُهورَ اللهِ في مَكانٍ مُحَدَّدٍ مَرَّةً، أو في مُناسبةٍ خَاصَّةٍ، لا يَعني أنَّهُ لم يَكُن مَوجودًا في كُلِّ مَكانٍ آخر في الوقتِ نَفسِه. لا! فَقد كانَ الهَيكلُ يَرْمِي إلى الحَضِّ على حَياةِ العِبادَةِ لَهُ. لِذا، لا يَهُمُّ أينَ تَعبُدُ اللهَ، وَلا يَهُمُّ مَتى تَعبُدُهُ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ الرَّسولَ بولسَ يَقولُ: "أريدُ أن أقولَ لَكُم وَحَسْب إنَّكُم لَستُم بِحاجَةٍ إلى أيَّةِ أَهِلَّةٍ جَديدة، وَلا إلى أيَّةِ أعيادٍ جَديدة، وَلا إلى أيَّةِ سُبوتٍ جَديدة، وَلا إلى أيِّ شَيءٍ مِن هَذا القَبيل" (في رِسالةِ غَلاطِيَّة 4: 10، وَرسالةِ كُولوسي 2: 16). فهذا ليسَ مُهِمًّا. فاللهُ رُوحٌ، ويَنبغي أنْ يُعبَدَ بِطريقةٍ رُوحِيَّة.
لِذا، يا أحبَّائي، كانَ يَجِبُ عَلينا أن نَتحدَّثَ عَن هذهِ الأمورِ الرَّئيسيَّة. وَسوفَ أتوقَّفُ عِندَ هذهِ النُّقطة. ولكنِّي أعتقدُ أنَّ كَثيرينَ جِدًّا مِنَّا يَشعرونَ أنَّ كُلَّ مَسؤوليَّتِنا تَنْحَصِرُ في عِبادَةِ اللهِ عندما نَأتي إلى هُنا. ولكِنَّ هَذا غَير صَحيح. وأعتقدُ أنَّنا تَحدَّثنا عن ذلكَ في هذا الصَّباحِ بِما يَكفي على ما أرجو. ولكِنَّ العِبادَةَ ليست شَيئًا يَحدُثُ لأنَّكَ في هَذا المَكانِ وَحَسْب. وَنَحنُ نُحاوِلُ أن نُرَكِّزَ على ذلكَ مِن خِلالِ عَدَمِ وُجودِ الكَثيرِ مِنَ الزَّخارِفِ المُعَلَّقَةِ في كُلِّ أرجاءِ المَكانِ، والكَثيرِ مِنَ الرُّموزِ لِكُلِّ شَيءٍ، وَالزُّجاجِ المُلَوَّنِ والنَّوافِذِ المُلَوَّنَةِ، وكُلِّ تلكَ الأشياءِ، كَيْ لا تَظُنُّوا أنَّ اللهَ يَسْكُنُ في هَذا المَكان. فَهُوَ لا يَسكُنُ هُنا. فَلا يُمكِنُكُم أن تَحصُروا عِبادَتَكُم هُنا. صَحيحٌ أنَّ اللهَ حَاضِرٌ بطريقةٍ فَريدةٍ في وَسْطِ شَعبِهِ. وَسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ لاحِقًا. وَسوفَ أُريكُم أمورًا أعتقدُ أنَّها مُدهِشةٌ حَقًّا. بَعدَ أُسبوعَيْنِ... بَعدَ أُسبوعَيْنِ مِنَ الآن. ولكنَّنا لا نَأتي إلى هُنا لأنَّ اللهَ مَوجودٌ هُنا وَأنَّنا نَعبُدُهُ هُنا. فاللهُ مَوجودٌ في كُلِّ مَكان. ويَنبغي لَنا أن نَعبُدَهُ في كُلِّ مَكان. لِذا فقد قُلتُ لَكُم في هذا الصَّباحِ إنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَعيشوا حَياةَ عِبادَة. وَحينئذٍ، عندما تَأتونَ إلى هُنا وتَجتمعونَ بِشَعبِهِ، فإنَّ التَّسبيحَ يَصيرُ تَعبيرًا فَيَّاضًا عَن حَياةِ العِبادَة. اللهُ رُوحٌ، ويَنبغي لَنا أن نَعبُدَهُ بِصِفَتِهِ رُوحًا. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا حتَّى نُصَلِّي:
يا رَبّ، إنَّ هَذهِ الحَقائِقَ هِيَ حَقائِقُ عَظيمةٌ، وَيَبدو أنَّها تَفوقُ قُدرَتَنا المُتواضِعَةَ على الاستيعاب. ويا رَبُّ، يَبدو أنَّنا لا نَستطيعُ دَائِمًا أن نَقولَ كُلَّ شَيءٍ مَوجود في قُلوبِنا وَنَرغَبُ في قَولِهِ؛ ولكِنَّنا نَشكُرُكَ لأنَّكَ أَرَيْتَنا مَا أَرَيْتَنا إيَّاه. نَحنُ نُريدُ أن نَعبُدَكَ. وَنحنُ لا نُريدُ أن نُرَكِّزَ على الرُّموزِ، بَل على الحَقِّ، وَعلى اللهِ الحَيِّ، وَعلى الرُّوحِ الحَيّ. نَحنُ نُريدُ أن نَعبُدَ الرُّوحَ المَجيدَ، واللهَ الحَيَّ الأبديَّ. وَليتَنا نَتذكَّرُ أنَّكَ مَوجودٌ في كُلِّ مَكان. فَأنتَ مَوجودٌ في كُلِّ مَكانٍ، وَلا يُمكِنُنا أن نَحصُرَكَ في مَكانٍ مُحَدَّدٍ حَتَّى نأتي وَنَكونَ في حَضرَتِكِ عِندَما نَشتاقُ إلى ذَلِك، وَنُغادِرِ المَكانَ عِندَما نَضْجَرُ مِن ذَلِك. بَلْ إنَّنا مَوجودونَ دائِمًا في حَضرَتِكَ. لَيْتَنا نَعْبُدُكَ عِبادَةً حَقيقيَّة. لِذا فإنَّ عِبادَتَنا لَكَ، يا رَبُّ، حَصْريَّة. وَكما قَالَ رَبُّنا: "نَحنُ نَعبُدُكَ أنتَ فَقط". وَهِيَ بِمَعنى مِنَ المَعاني عِبادَةٌ شَامِلَةٌ بِمَعنى أنَّها يُمكِنُ أنْ تَجري في كُلِّ الأمكِنَةِ وكُلِّ الأزمِنَة لأنَّنا مَوجودونَ دائِمًا وَأبدًا في حَضرَتِكَ. وَكما قَالَ بولُس: "أنتَ هُوَ الإلَهُ الَّذي بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ". لِذا يا أبانا، لَيتَنا نَعبُدُكَ لا بِصِفَتِكَ إلَهًا يُوْجَدُ في أوقاتٍ مُحَدَّدةٍ وأماكِنَ مُعَيَّنة، بَل بِصِفتِكَ الرُّوحَ الأبديَّ الحَيَّ؛ عَالِمينَ أنَّنا افتُدينا لِكَي نَعبُدَكَ، وَلا نُنكِرُ أنَّ المَسيحَ مَاتَ عَنَّا لكي يَجعلَنا عَابِدينَ حَقيقيِّينَ لأنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
