سَوفَ أطلُبُ مِنكُم مَرَّةً أخرى أن تَفتَحُوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ في هذا الصَّباحِ على الأصحاحِ الرَّابعِ مِن إنجيلِ يُوحَنَّا. إنجيل يوحنَّا والأصحاح الرَّابِع. وَنَصُّنا هُوَ الأعدادُ مِن 20 إلى 24. وَهذهِ هِيَ عِظَتُنا السَّابِعَةُ عَن مَوضوعِ العِبادَةِ مِن خِلالِ التَّأمُّلِ في هَذا المَقطَعِ الكِتابِيّ. وَأعتقدُ أنَّهُ مَا تَزالُ تُوجَدُ لَدى الرَّبِّ أُمورٌ يُريدُ أن يُعَلِّمَنا إيَّاها.
الحَقيقةُ هِيَ أنَّني لم أَكُن أَعلَمُ عندما ابتدأنا كَمِ الوَقتُ الَّذي سَتَستَغرِقُهُ هَذِهِ السِّلسِلَة. وَأودُّ أن أعتَرِفَ لَكُم بأنِّي مَا زِلْتُ أَتَعَلَّم. وَفيما يَستمرُّ الرَّبُّ في فَتْحِ قَلبي وَذِهني لأمورٍ جديدةٍ أسبوعًا بعدَ أسبوع، ويَومًا بَعدَ يَوم، أشعُرُ بأنِّي مُثَقَّلٌ بِإطالَةِ السِّلسِلَةِ إلى أن أشعُرَ بأنَّنا تَعَلَّمْنا مَا يُريدُ اللهُ أن يُعَلِّمَنا إيَّاه.
يَتحدَّثُ يَسوعُ هُنا مَعَ امرأةٍ سَامِرِيَّة؛ وَهِيَ المَرأةُ الَّتي التَقاهَا عِندَ البِئر. وفي مُنتَصَفِ حَديثِهِما، تُطْرَحُ فِكرةُ العِبادَة. فَهِيَ تَرغَبُ في أنْ تَعْبُدَ اللهَ عِبادَةً صَحيحَة. فَقَد كُشِفَتْ خَطيَّتُها. وَقد أَمَاطَ الرَّبُّ اللِّثَامَ عَن زِنَاهَا المُتَكَرِّر. وَأعتقدُ أنَّها فَهِمَتْ مِن كَلامِهِ أنَّهُ نَبِيٌّ مِن عِندِ اللهِ، وَفَهِمَتْ لاحِقًا أنَّهُ قَد يَكونُ المَسِيَّا. لِذا فإنَّها تَشعُرُ بِشُعورٍ رَهيبٍ بالخَطيَّةِ والرَّغبةِ في أن تَعبُدَ اللهَ، وبالرَّغبَةِ في المُثولِ أَمامَ اللهِ وَتَقويمِ حَياتِها.
والسُّؤالُ الَّذي يَخْطُرُ بِبالِها هُوَ: أيْنَ يُمكِنُها أن تَفعلَ ذلك؟ فِبِصِفَتِها سَامِرِيَّة، كَانَتْ تَعبُدُ اللهَ على جَبَلِ جِرِزِّيم. أمَّا اليَهودُ فَكانُوا يَعبُدونَ اللهَ في أورُشَليم. ولأنَّها أرادَت أن تَفعلَ ذلكَ بالطَّريقةِ الصَّحيحَة، أرادَتْ جَوابًا عَنِ المَكانِ الصَّحيحِ للعِبادَة. لِذا فإنَّها تَتكلَّمُ في العَدد 20 وتَقول:
"«آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»".
في هَذا الصَّباح، سَنَصِلُ إلى قَلبِ التَّعليمِ الحَقيقيِّ لهذا المَقطَعِ الكِتابِيّ. فَكُلُّ الأسابيعِ السِّتَّةِ المَاضِيَة كَانت في الحَقيقة تَمهيدًا طَويلاً لهذهِ الرِّسالةِ لأنَّها قَلبُ النَّصِّ. فَفي العَدد 21، يَقولُ يَسوعُ إنَّهُ سَيَأتي وَقْتٌ لَن يَعبُدوا اللهَ فيهِ لا في جِرِزِّيم، ولا في أورُشَليم. وَقد تَحَدَّثنا سَابِقًا عن ذلك، وَعَنْ زَوالِ النِّظامِ الطَّقسِيِّ، وعَن حَقيقةِ أنَّنا دُعينا إلى أن نَعبُدَ اللهَ في كُلِّ الأمكِنَةِ وكُلِّ الأزمِنَةِ، وَما إلى ذلكَ؛ وَلا سِيَّما في اجتِماعِ شَعبِهِ المَفدِيِّ.
ولكِنْ في العَدد 22، يَتكلَّمُ الرَّبُّ كَلامًا مُحَدَّدًا جِدًّا مُعَرِّفًا طَبيعَةَ العِبادَة. وَهَذا هُوَ ما أريدُ مِنكُم أن تَبتَدِئُوا في رُؤيَتِهِ في هذا الصَّباح: طَبيعَةَ العِبادَة، أو جَوهَرَها، أو حَقيقَةَ العِبادَةِ في صَميمِها.
وَقَدْ عَرَّفَ "ويليام تيمبل" (William Temple) قَبلَ سَنواتٍ العِبادَةَ بالكلماتِ التَّالية: "العِبادَةُ تَعني أن تَسْتَحِثَّ الضَّميرَ مِن خِلالِ قَداسَةِ اللهِ، وَأن تُغَذِّي العَقلَ بالحَقِّ الإلهِيِّ، وَأن تُطَهِّرَ المُخَيِّلَةَ بِجَمالِ اللهِ، وَأن تَفتَحَ القَلبَ لِمَحبَّةِ اللهِ، وَأن تُكَرِّسَ الإرادَةَ لِقَصْدِ الله".
فالأمرُ يَتَطَلَّبُ مِنَّا أن نُكَرِّسَ كُلَّ شَيءٍ فينا لِكُلِّ شَيءٍ فِيه. فَهِيَ تَتَطَلَّبُ مِنَّا أن نَسْكُبَ ذَواتِنا، وَأنْ نَتَجاوَبَ تَجاوُبًا سَليمًا تُجاهَ كُلِّ شَيءٍ فيه. وَقد تَحَدَّثنا عن أهميَّةِ العِبادَة. أليسَ كذلك؟ فَقد قُلنا إنَّ الآبَ يَطلُبُ عَابِدينَ حَقيقيِّين (في العَدد 23). وَهَذا يَجعَلُ العِبادَةَ مُهِمَّةٌ جدًّا. فَهذهِ هِيَ غَايَةُ خُطَّةِ الفِداءِ الإلهيَّة. فَاللهُ يَطلُبُ أُناسًا يَعبُدونَهُ. لِذا فَقد نِلْتُمُ الخَلاصَ حَتَّى تَعبُدوا اللهَ. لِذا فإنَّها أَهَمُّ شَيءٍ. فَهِيَ أَهَمُّ مِنَ الخِدمَة. فالشَّيءُ الأهَمُّ مِنَ الخِدمَةِ هُوَ العِبادَة. وَقد حَاوَلنا أن نَرى أهميَّةَ العِبادَةِ كَما يَراها الله. فالعِبادَةُ ليسَت شَيئًا نَحصُلُ عليهِ مِنهُ، بَل هِيَ شَيءٌ نُقَدِّمُهُ لَهُ.
وَقَدْ كَتَبَ "إيفيلين أندرهيل" (Evelyn Underhill) رِسالةً في سَنةِ 1928 إلى مُؤتَمَرٍ ضَمَّ رِجالَ الدِّينِ في كَنيسةِ إنجلترا قَالَ فيها: "نَحْنُ نَنْجَرِفُ وَراءَ دِيانَةٍ تُرَكِّزُ نَظَرَها، عَنْ وَعْيٍ أو دُونَ وَعْيٍ، على البَشَرِ؛ لا على الله". وَهذهِ جُملةٌ رَائِعَة. "نَحْنُ نَنْجَرِفُ وَراءَ دِيانَةٍ تُرَكِّزُ نَظَرَها، عَنْ وَعْيٍ أو دُونَ وَعْيٍ، على البَشَرِ؛ لا على الله". وَقد قِيلت تلكَ الجُملةُ في سَنةِ 1928. وفي سَنَة 1982، أعتقدُ أنَّها أكثرُ صِحَّةً.
فَحَتَّى إنَّ كَنيسةَ يَسوعَ المَسيحِ، وَحَتَّى إنَّ الكَنيسةَ الإنجيليَّةَ تَجِدُ أنَّها تُرَكِّزُ على الإنسان. فَنَحنُ مُجتَمَعٌ استِهلاكِيٌّ، ونَفْعِيٌّ، ومُجتَمَعٌ يُرَكِّزُ على الإنسانِ حَتَّى إنَّنا نَميلُ إلى تَوجيهِ كُلِّ شَيءٍ إلى أنفُسِنا. فَنحنُ نَتحدَّثُ عَنِ النَّاسِ، ونَتحدَّثُ عَن حَاجاتِ النَّاسِ، ومَشاكِلِ النَّاسِ. ونَحنُ نُفَكِّرُ في حَاجاتِنا وَمشاكِلِنا ونَتحدَّثُ عنها. ونَحنُ نَتحدَّثُ عَن بَرامِجِ البَشَر، وَأساليبِ البَشَر، وَجُهودِ البَشَر، وعِظاتِ البَشَر، وَتَرانيمِ البَشَر، وكُتُبِ البَشَر، وكَنائِسِ البَشَر، وَمُنَظَّماتِ البَشَر. وفي خِضَمِّ كُلِّ هذهِ الأحاديثِ فإنَّنا لا نَعودُ نَتذكَّرُ غَالِبًا حَقيقةَ أنَّهُ يَنبغي لنا أن نُدرِكَ إدراكًا وَاعِيًا وُجودَ اللهِ أكثرَ مِنَ البَشر. لِذا فقد تَحدَّثنا عن أهميَّةِ أن تَكونَ العِبادَةُ نَهْجَ حَياةٍ لَدينا.
وَقد تَحدَّثنا عن مَصدرِ العِبادَة. أليسَ كذلك؟ وَقد قُلنا إنَّ مَصدرَ العِبادَةِ هُوَ الخَلاص. فَطِلبَةُ اللهِ في العَدد 23 فَعَّالَة. بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَطلُبُ وَيُخَلِّصُ الأشخاصَ الَّذينَ يَطلُبُهم. وَهُوَ يَطلُبُهُم ويُخَلِّصُهُم لكي يَعبُدوه. لِذا، عِندَما نِلْتَ الفِداءَ صِرْتَ عَابِدًا.
وَكما قَالَ أَحَدُ الكُتَّاب: "لَقدِ استَيقَظْتَ مِن سُباتِكَ الأخلاقِيِّ في صَباحِ وِلادَتِكَ الجَديدةِ لكي تَبتَدِئَ في عِبادَةِ اللهِ". وَهَذا هُوَ المُؤمِنُ وَفْقًا لِما جَاءَ في رِسالةِ فيلبِّي 3: 3. فَهُوَ عَابِدٌ لِلَّه.
وَقد تَحَدَّثنا عَنِ الإلَهِ المَعبودِ وعَن حَقيقةِ أنَّهُ عندما نَجتَمِعُ مَعًا فإنَّ الهَدَفَ هُوَ أن نُرَكِّزَ على اللهِ وَأن نَعبُدَهُ... أن نَعبُدَهُ وَحْدَهُ. وَيَنبغي أن يُعبَدَ اللهُ بِصِفَتِهِ رُوْحًا، وَبِصِفَتِهِ أَبا رَبِّنا يَسوعَ المَسيح. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّنا نَعبُدُ اللهَ بِمِلْءِ ثَالوثِهِ. وَنَحنُ لا نُقَيِّمُ العِبادَةَ على أساسِ مَا تُقَدِّمُهُ لَنا. وَنحنُ لا نَأتي إلى هُنا لكي نَأخُذَ البَرَكة. وَنَحنُ لا نَأتي إلى هُنا لكي نَحصُلَ على شَيءٍ مَا. وَنحنُ لا نَأتي إلى هُنا مُتسائِلينَ: "كيفَ سَتَرْفَعُنا هَذِهِ العِبادَة؟"، أو: "كيفَ سَتَسُدُّ حَاجَتي؟"، أو: "كيفَ سَتَجعلُني أشعُرُ بمشاعِرَ طَيِّبة؟"، أو: "كَيفَ سَتُلهِمُني؟"، أو: "كيفَ سَتُبارِكُني؟". فإنْ فَعَلنا ذلكَ فإنَّنا نَستَعيضُ عَنِ المَشاعِرِ الحَقيقيَّةِ بِالمَنفعةِ الشَّخصيَّة. ولكِنَّنا نَأتي كَي نُقَدِّمَ شَيئًا للهِ: كَيْ نَعبُدَهُ. فَهُوَ الإلَهُ المَعبود.
والآن، أريدُ أن أتحدَّثَ اليومَ عَن نِطاقِ العِبادَةِ ... بإيجاز. فَينبغي لَنا أن نُوَضِّحَ هَذا الأمرَ في أذهانِنا في هذهِ المُراجَعَةِ المُقْتَضَبَة. فَفيما يَختَصُّ بِنِطاقِ العِبادَة، أَشَارَ يَسوعُ إلى أنَّهُ لن يَكونَ في أورُشَليم، ولَن يَكونَ على جَبَلِ جِرِزِّيم. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العَدد 24: "اللهُ رُوْحٌ". لِذا فإنَّ العِبادَةَ ليسَت مَحصورةً في مَكانٍ مُحَدَّد؛ بَل يَنبغي أن تَتِمَّ أين؟ في كُلِّ مَكان... في كُلِّ مَكان.
وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ قُلنا إنَّهُ مَا يَزالُ هُناكَ هَيكلٌ يَلتقي اللهُ فيهِ شَعْبَهُ. وَما هُوَ هَذا الهَيكَل؟ إنَّهُ اجتماعُ الكَنيسةِ الحَيَّةِ مَعًا. أليسَ كذلك؟ لِذا، في حين أنَّنا نَعبُدُ اللهَ في كُلِّ الأمكِنَةِ وكُلِّ الأزمِنَةِ، مَا يَزالُ هُناكَ شَيءٌ فَريدٌ في اجتِماعِ الحِجارةِ الحَيَّةِ مَعًا لِيَكونُوا مَسْكَنَ الرُّوحِ القُدُس. لِذا فإنَّ بُولسَ يَقولُ في رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ كُورِنثوس 11: 20 إنَّهُم كَانُوا يَجتَمِعونَ مَعًا في مَكانٍ واحِدٍ مِنْ أجلِ مَا يُسَمَّى "لاترُوُو" (latreuo) أو "ليتيرغيو" (leitourgeo)؛ أيْ مِن أجلِ تلكَ العِبادَةِ الرَّسمِيَّةِ الخَاصَّةِ المُوَحَّدَةِ عندما يَجتَمِعُ شَعبُ اللهِ المَفديّ مَعًا. فيَنبغي أن تَعبُدوا اللهَ في كُلِّ الأمكِنَةِ وكُلِّ الأزمِنَةِ؛ ولكِن يَنبغي لَكُم أن تَعبُدوهُ أيضًا في الاجتماعِ الجَماعِيِّ لِشَعبِهِ المَفدِيِّ، وَلا يَجوزُ أن تَترُكُوا ذلكَ الاجتماعَ مَعًا.
والآن، لِنَنظُر إلى طَبيعةِ العِبادة... طَبيعةِ العِبادَة. فَذلكَ مَذكورٌ ببساطَة في هذا المَقطَعِ الكِتابِيِّ. العَدد 22 – لِنَبتَدِئ مِن هُناك: "أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ". والآن، مَا الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ فَهُوَ يَقولُ للمَرأةِ السَّامِريَّة: "أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ". وَقبلَ كُلِّ شَيء، إنَّهُ إقرارٌ بأنَّها تَعبُدُ اللهَ. أليسَ كذلك؟ أنتِ تَتَعَبَّدينَ؛ ولكِنَّكِ لا تَعرِفينَ مَا تَعبُدين!
وَهَذِهِ سِمَةٌ مِن سِماتِ السَّامِرِيِّين. لِماذا؟ استَمِعُوا إلى ما يَلي: لأنَّهُم كَانُوا يَقبَلونَ فقط الأسفارَ الخَمسةَ الأوَّلى مِنَ العهدِ القديمِ، وَلا يَقبَلونَ أيَّةَ أسفارٍ أخرى. فَقد كَانُوا يَقبَلونَ فقط أسفارَ التَّوراةِ على أنَّها مِن عِندِ الله. لِذا فقد كانَت مَعرِفَتُهم مَحدودة. لِذا فَإنَّ الرَّبَّ يَقولُ لَهُم: "أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ". فَأنتُم لَديكُم التَّوراة. وَالتَّوراةُ تُخبِرُكُم أُمورًا عَنِ اللهِ؛ ولكِنَّها لا تَكفي لِحُصُولِكُم على الإعلانِ الكَامِلِ عَنِ الخَلاص. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّكُم لا تَعرِفونَ حَقًّا الإلَهَ الَّذي تَعبُدونَهُ بِكُلِّ مِلْئِه.
وَإليكُم مَا نَعرِفُهُ عَنِ السَّامِرِيِّين: لَقد كَانُوا يَعبُدونَ بِحَماسَةٍ مِن دُونِ مَعلوماتٍ صَحيحة. فَيُمكِنُكم أن تَرَوْا العِبادَةَ الجَادَّةَ، والحَماسِيَّةً، والمُندفعةَ، والأمينةَ لهؤلاءِ النَّاسِ؛ ولكِنَّهُم لا يَمْلِكونَ بالضَّرورةِ المُحتَوى الصَّحيح. لِذا، يُمكِنُنا أن نَقولَ في المَقامِ الأوَّلِ إنَّهُم كَانُوا يَعبُدونَ بالرُّوح؛ أيْ أنَّهُم كَانُوا يَعبُدونَ بِحَماسَة. أليسَ كذلك؟
والحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ بَعدَ آلافِ السِّنين، هَلْ تُريدونَ أن تَعلَمُوا أنَّهُ في هَذِهِ السَّنَةِ، أيْ في سَنَة 1982، مَا يَزالُ هُناكَ سَامِرِيُّونَ يَصعَدونَ إلى جَبَلِ جِرِزِّيم ويَفعلونَ ذلكَ الشَّيء؟ فقَد تَراجَعَ عَدَدُهم إلى نَحْوِ مِئَةٍ وسَبعينَ شَخصًا قبلَ بِضْعِ سَنوات. وَهُمْ يَتَناسَلونَ مِن جَديد الآن. لِذا، هُناكَ نَحوُ 400 سَامِرِيٍّ في العَالَم. وَإنْ ذَهبتُم إلى جَبَلِ جِرِزِّيم في أعيادِهِم المُقَدَّسَةِ، سَتَرَوْنَهُم يَذبَحونَ الحَيَواناتِ تَمامًا كَما كانَ يَحدُثُ في التَّدبيرِ المُوسَوِيِّ. فَهُمْ مَا زَالُوا يَفعلونَ ذلك. وَهُمْ لَنْ يَتَخَلَّوْا عَن ذلك. فَهُمْ مُتَحَمِّسونَ بشأنِ ذلك.
ولكِنَّهُم لا يَمْلِكونَ المَعلوماتِ الصَّحيحة. فَهُمْ مَحدودونَ جدًّا مِن جِهَةِ فَهْمِهم لأنَّهُم لا يَقبَلونَ سِوى الأسفارِ الخَمسةِ الأولى مِنَ العهدِ القديمِ. وهَذا يَعني أنَّهُم لا يَقبلونَ الأسفارَ الواحِدَ والسِّتِّينَ الأخرى المَوجودَةَ في الكتابِ المُقَدَّس.
وَالحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ تُوجَدُ لَديهِم مَعلوماتٌ كَافِيَةٌ لِيَعرِفوا عَنِ المَسِيَّا لأنَّهُ يَظهَرُ في سِفْرِ التَّكوين. أليسَ كذلك؟ فَهُناكَ حَديثٌ عَن نَسْلِ المَرأةِ وَعَنِ الصَّوْلَجان. لِذا فقد حَصَلُوا على جُزءٍ مِنَ المَعلوماتِ؛ ولكِنَّها ليست كَافِيَة. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَقولُ لَهُم: "أنتُم تَعبُدونَ بالرُّوحِ ولكِنَّكُم لا تَعرِفونَ الحَقَّ". أليسَ كذلك؟ فأنتُم تَفْتَقِرونَ إلى المَعلوماتِ الضَّروريَّةِ أوِ المُحتوى الضَّرورِيّ.
انظُروا إلى العَدد 22. فَهُوَ يَتحدَّثُ الآنَ عَنِ اليَهود: "أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ. لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُود". فَقد كَانَ مَوقِفُ اليَهودِ مُناقِضًا تَمامًا. فَقد قَبِلُوا كُلَّ أسفارِ العهدِ القديمِ؛ أيْ جَميعَ الأسفارِ التِّسعةِ والثَّلاثين؛ أيْ أنَّهُم قَبِلُوا كُلَّ إعلانِ الله. وَقد كَانُوا يَعرِفونَ الحَقَّ؛ ولكِنَّهُم كَانُوا يَفْتَقِرونَ إلى مَاذا؟ إلى الرُّوح.
وَما أعنيه هُوَ أنَّكُم إذا قَرأتُم الأصحاحَ السَّادِسَ مِن إنجيلِ مَتَّى سَتَجِدونَ أنَّهُ عندما كانَ الفَرِّيسيُّون يُصَلُّونَ، ويُعْطُونَ التَّقْدِماتِ، وَيَصُومونَ، لم يَكونُوا يَفعلونَ ذلكَ مِن صَميمِ قُلوبِهِم. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقولُ لَهُم: "أنتُم مُراؤونَ، وَأنتُم زَائِفونَ. وَقُلوبُكُم ليسَت مُكَرَّسَةً للعِبادَة". وَكَمْ مَرَّةً قَالَ فيها يَسوعُ للشَّعبِ تِلكَ الحَقيقةَ المَذكورةَ في العهدِ القديمِ وَهِيَ: "أنتُم تَتْبَعوني ظَاهِرِيًّا؛ ولكِنَّكُم لا تَفعلونَ ذلكَ مِن صَميمِ قُلوبِكُم"؟ ومَاذا قَالَ بُولُس؟ لَقَد تَرَكتُم الحَقائقَ الجَوهريَّةَ وَرَكَّزْتُم على الطُّقوسِ الدِّينيَّة. وَقَدْ دَانَ اليَهودَ مِرارًا وتَكرارًا على ذلك.
والآن، كَانَ هُناكَ يَهودٌ لَديهم حَماسَةٌ للهِ. فَقد كانَ يُوجَدُ يَهودٌ لَديهِم حَماسَةٌ دَاخِلِيَّةٌ حَقيقيَّة. فَالدِّيانَةَ الرَّئيسيَّةَ الَّتي كَانَـت مَوجودة في أورُشَليم، والأشياءَ الَّتي كَانَت تَجري هُناكَ على جَبَلِ المُرَيَّا كانت حَقًّا قَائِمًا على مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ؛ ولكِنَّ القُلوبَ كَانَت جَوْفاء. فَقَد مَلأوها بِتَقاليدِ البَشَر.
لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَقولُ إنَّ اليَهودَ في أورُشَليم يَعرِفونَ الحَقَّ ولكِنَّهُم لا يَعبُدونَ بالرُّوح. أمَّا السَّامِرِيُّونَ في جِرِزِّيم فإنَّهُم يَعبُدونَ بالرُّوحِ ولكِنَّهُم لا يَعرِفونَ الحَقَّ. وَهَذانِ هُما قُطْبَا العِبادَة. فَمِن جِهَة، هُناكَ جَبَلُ جِرِزِّيم (حَيْثُ تَجِدونَ تِلكَ الهَرطَقةَ الحَماسِيَّة). وَمِن جِهَةٍ أخرى، هُناكَ أورُشَليم (حَيثُ تَجِدونَ تلكَ الدِّيانَةِ القَويمةِ القَاحِلَةِ الَّتي لا حَياةَ فيها). وَهَذا هُوَ مَا يَراهُ يَسوعُ في أثناءِ حَديثِهِ إلى تلكَ المَرأة.
وَأودُّ أن أقولَ إنَّ هَذا هُوَ مَا نَراهُ يَحدُثُ اليَوم. فَأنتُم تَرَوْنَ نَفْسَ النَّقيضَيْنِ في الكنيسةِ اليوم. فَمِن جِهَة، هُناكَ الأشخاصُ الخَمسينيُّونَ والكَارِزماتِيُّونَ المُتَحَمِّسونَ دَائِمًا. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّهُم يَعبُدونَ اللهَ رُبَّما لِسَاعَاتٍ عَديدة، ورُبَّما اللَّيلَ كُلَّهُ. وَهُمْ يُمْسِكونَ بَعضُهُم بأيدي بَعضٍ، ويَتَمايَلونَ يَمينًا وَيَسارًا، ويُرَنِّمونَ، ويَتَكَلَّمونَ بألسِنَةٍ، ويَفعلونَ كُلَّ مَا يَفعلونَه. وَنَحنُ نَنظُرُ إليهِم ونَقول: "إنَّها هَرطَقَة! إنَّها هَرْطَقَة!" ولكِنَّنا لا نَستطيعُ أن نَسْخَرَ مِن حَمَاسَتِهم. وَما أعنيه هُوَ أنَّ بَعضًا مِنهُم يَسقُطُونَ أرضًا، ويَتَدَحْرَجُونَ، وَيَفعلونَ كُلَّ تلكِ الأشياءِ ويُرَنِّمون.
مِن جِهةٍ أخرى، هُناكَ العَقيدةُ القَويمةُ الجَافَّةَ الَّتي تُشبِهُ مَا نَحنُ عَليهِ الآن. فَنَحنُ لَدينا كُلُّ الحَقِّ في المَكانِ الصَّحيحِ؛ ولكِنَّنا لا نَستطيعُ أن نَتَحَمَّسَ بِشأنهِ. فَنَحنُ نَفْتَقِرُ إلى الحَماسَةِ بِشأنِهِ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّنا نَشْعُرُ بالضَّجَرِ بَعدَ نَحوِ ثَلاثينَ دَقيقة مِنْ بَدْءِ الخِدمَةِ، وَنَبتَدِئُ في النَّظَرِ إلى سَاعَتِنا أو نَعُدُّ حُروفَ "اليَاء" في نَشْرَةِ الكَنيسة (فَهَذا هُوَ مَا كُنتُ أفعَلُهُ عِندما كُنتُ صَغيرًا)، أو نَتَفَقَّدُ الرُّسُومَ على فُسْتَانِنا، أو نَنظُرُ إلى زَوْجِنا ونَقول: "أنا مُتَزَوِّجَةٌ مِن هَذا الرَّجُلِ مُنذُ عِشرينَ سَنَة وَما يَزالُ لا يُلَمِّعُ حِذاءَهُ!" بِعبارةٍ أخرى، هُناكَ الكَثيرُ والكَثيرُ مِنَ المُلْهِيات. فَمَعَ أنَّنا نَمْلِكُ المُحتَوى الصَّحيحَ، فإنَّنا لا نَعرِفُ كَيفَ نَجعَلُ القَلبَ مُلْتَهِبًا. هَذانِ هُمَا القُطْبان. والحَقُّ هُوَ التَّوازُن.
لِذا فإنَّهُ يَقول: "انُظري! تَأتي سَاعَةٌ حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِكِلْتا الطَّريقَتَيْن: بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ". أليسَ كذلك؟ بالرُّوحِ وبالقَلب. فَهَذا هُوَ مَا يَطلُبُهُ.
فَقد كانَ اليَهودُ يَمْلِكونَ كُلَّ المَعلوماتِ الصَّحيحةِ ولكِنَّ قُلوبَهُم لم تَكُن مُكَرَّسَةً. فَقد قَتَلُوا المَسِيَّا. أمَّا السَّامِرِيُّونَ فَكانُوا مُكَرَّسينَ في قُلوبِهم؛ ولكِنَّ مَعلوماتِهم لم تَكُن كَافِيَةً. فَهُم لم يَكونُوا يَعرِفونَ المَسِيَّا. ولكِنَّ الحَقَّ والرُّوحَ ضَرورِيَّان.
إنَّ عَدُوَّا العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ هُما جِرِزِّيم وأورُشَليم. فَلا يُمكِنُكم أن تَكْتَفوا بِهذا أو ذاكَ لأنَّكُم سَتُعانونَ بِسَببِ اختلالِ التَّوازُن. فالصِّدْقُ في العِبادَة شَيءٌ رَائِع. والحَماسَةُ في العِبادَةِ شَيءٌ رَائِع. والجِدِّيَّةُ في العِبادَةِ شَيءٌ رَائِع. ولكِنْ يَنبغي أن يَكونَ ذلكَ قَائِمًا على الحَقّ. فالحَقُّ رَائِعٌ. ولكِنْ إنْ لم يَصْدُرْ عَنْ قَلبٍ مُتَحَمِّسٍ، ومُتَشَوِّقٍ، وَمُلْتَهِبٍ، ومُمتَلِئٍ فإنَّ هُناكَ نَقصًا. وَما أكثرَ مَا تَرَوْنَ نُورًا مِن دُونِ حَرارَة، أو حَرارَةً مِن دُونِ نُور. ولكِنَّ يَسوعَ يَقولُ إنَّ الآبَ يُريدُ كِلا الأمْرَيْن... كِلا الأمْرَيْن.
هُناكَ رَاعي كَنيسة في السَّاحِلِ الشَّرقِيِ اسمُهُ "آل مارتن" (Al Martin). وَقد قَالَ الكلماتِ الصَّحيحةِ التَّاليةِ الَّتي أعتقدُ أنَّها تُعَبِّرُ عَمَّا في قَلبي وَقَلبِكُم. فَقد قَالَ مَا يَلي: "النَّاسُ يَعبُدونَ بِكُتُبٍ مُقَدَّسَةٍ مَفتوحَةٍ، وباسْمِ المَسيحِ، وبآياتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ عَلى شِفاهِهِم؛ في حِينِ أنَّ كُلَّ الرَّعِيَّةِ الَّتي تَجلِسُ أمامَهُم واقِعَةٌ في قَبْضَةِ الجُدوبَةِ، وانِعدامِ الحَياةِ، وانعِدامِ القُوَّةِ حيثُ إنَّهُ قَد مَضَتْ أسابيعُ وأشهرُ وَسَنواتُ دُونَ أن تَنتَعِشَ القُلوبُ بِرُؤيةِ مَجدِ اللهِ في وَجهِ يَسوعَ المَسيح، وَمَضَتْ سَنَواتٌ دُونَ أن يُرَنِّمُوا تَرنيمةً مِنَ القَلبِ، وَمَضَتْ سَنَواتٌ دُونَ أن تَنْهَمِرَ دَمعَةٌ على وَجْهِ عَابِدٍ، وَمَضَتْ سَنواتٌ دُونَ أنْ تَصْدُرَ كَلِمَة ’هَلِّلُويا‘ مِن قَلْبٍ يَفيضُ بالحَماسَة".
وَهُوَ مُحِقٌّ. وَنَحنُ مَذنِبونَ مِن جَانِبِ الجُدوبَةِ تِلكَ إذْ إنَّنا نَجلِسُ هُنا، وَنَفتَحُ كُتُبَنا المُقَدَّسَةَ، وَنَتَشِدَّقُ بِمَعرِفَتِنا اللاَّهُوتِيَّةِ؛ ولكِنَّنا لا نُبالي بِرُوحِ العِبادَة. لِذا، أريدُ أن أتحدَّثَ عَن هَذَيْنِ الجَانِبَيْن. فَسوفَ أتحدَّثُ اليومَ عَنِ الرُّوح، وَأتحدَّثُ في الأسبوعِ المُقبِلِ عَنِ الحَقّ. دَعونا نَتحدَّثُ عَنِ الرُّوح.
فَفي العَدَدَيْن 23 و 24، نَقرأُ أنَّهُ يَجبُ علينا أن نَعبُدَ الآبَ بالرُّوح. والآن، إنْ قَالَ يَسوعُ إنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَفعلَ ذلك، فَإنَّ هَذا يَعني أنَّهُ يَنبغي لنا أن نَفعلَ ذلك. وَإن كُنَّا سنَفعلُ ذلك، يَنبغي لنا أن نَعرِفَ مَعناه. فَكيفَ نَعبُدُ اللهَ بالرُّوح؟ وَكما تَعلَمونَ، مِنَ الصَّعبِ عَليَّ في هذا الأسبوعِ أن أتحدَّثَ عَنِ الرُّوحِ، وَأن أتحدَّثَ في الأسبوعِ القَادِمِ عَنِ الحَقِّ لأنِّي لا أستطيعُ أن أفصِلَ بَينَهُما لأنَّهُما وَثيقا الصِّلَةِ الواحِد بالآخرِ وَمَتَداخِلانِ كَثيرًا. لِذا فإنَّ الأمرَ صَعبٌ جدًّا. وَقَد قَصَدَ الرَّبُّ أن يَكونَ الأمرُ هَكذا. فَلا يُمكِنُكم أن تَتحدَّثوا عَنِ جانِبٍ دُونَ الآخر. وَعلى الرَّغمِ مِن ذلك، سَنُحاوِلُ أن نُرَكِّزَ على جَانِبٍ واحِدٍ في هَذِهِ المَرَّةِ، وَعلى الجَانِبِ الآخرِ في المَرَّةِ القَادِمَة.
ولكِن مَا مَعنى أن نَعبُدَ بالرُّوح؟ إنَّ هَذا يُشيرُ إلى الرُّوحِ البَشريِّ. فَهُوَ يُشيرُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ إلى الإنسانِ الدَّاخِلِيّ. فَيجبُ عَليكَ أن تَعبُدَ مِنَ الدَّاخِلِ إلى الخَارِج... مِنَ الدَّاخِلِ إلى الخَارِج. فَالأمرُ لا يَتوقَّفُ على أن تَكونَ في مَكانٍ مَا في المَكانِ المُناسِبِ والوَقتِ المُناسِبِ، وَلا على أن تَقولَ الكلماتِ المُناسِبَةَ بالطَّريقةِ المُناسِبَةِ وَأنتَ تَرتَدي المَلابِسَ المُناسِبَةَ وتَتْبَعُ إجراءاتٍ شَكليَّةً مُناسِبَةً وتُمارِسُ الأنشطةَ المُناسِبَةَ بوجودِ مُوسيقا مُناسِبَة وَحالةٍ مِزاجِيَّةٍ مُناسِبَة. لا! بَلْ إنَّ الأمرَ يَنبُعُ مِنَ الدَّاخِل؛ أيْ مِنَ الرُّوح. فَفي رِسالةِ رُومية 1: 9، يَقولُ بُولُسُ جُملةً مُهِمَّةً جدًّا. فَهُوَ يَقول: "فَإِنَّ اللهَ... شَاهِدٌ لِي". ثُمَّ استَمِعُوا إلى هَذا: "الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي". "لاترُوو" (latreuo). فَهُوَ يَعبُدُ اللهَ بِروحِهِ.
وَأنا أُحِبُّ المَزمور 103. وَأنتُم تَعرِفونَهُ جَيِّدًا. فَهُوَ يَقول: "بَارِكِي [يَا مَاذا؟] يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا [هُوَ أيْن؟] فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ". هَذا هُوَ مَا يَتحدَّثُ عَنهُ. فَهُوَ يَتحدَّثُ عَن تَمجيدِ اللهِ مِنَ الدَّاخِل... مِنَ الدَّاخِل.
والآن، اسَمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُن مَثَلاً إيضاحِيًّا رَائعًا عَن ذلكَ مِنَ المَزمورِ الحَادي والخَمسين. ويُمكِنُكُم أن تَستَمِعوا إليهِ وَحَسْب. اكتُبوهُ لكي تَتذكَّروا الشَّاهِد. فَفي المَزمورِ الحَادي والخَمسين، يَأتي دَاوُدُ بِما سَأُسَمِّيهِ في أسابيعَ لاحِقَة (عِندَما نَتأمَّلُ في هذا المَزمور) بِعِبادَةِ التَّوبَة. ولكِنَّهُ يَقولُ في العَدد 15 الكلماتِ التَّاليةَ الَّتي أعتقدُ أنَّها رائعةٌ جدًّا: "يَا رَبُّ افْتَحْ شَفَتَيَّ، فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ. لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى. ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اَللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ".
فَداودُ يَقول: "أنا أَعلمُ أنَّكَ لا تُريدُ عِبادَةً خَارِجيَّةً، وَأعلمُ أنَّ العِبادَةَ الخَارِجيَّةَ ليسَت مُهِمَّةً لأنَّها مُجَرَّدُ رَمْزٍ لِحقيقةِ أنَّكَ تُريدُ القَلبَ. لِذا، أنا أطلُبُ مِنكَ مَا يَلي: ’افْتَحْ شَفَتَيَّ، فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ‘". والآن، هَل تَعلَمونَ مَا مَعنى هَذا الكَلامِ بالنِّسبةِ إليَّ؟ إنَّهُ يُصَوِّرُ لي إنسانًا يَمتَلِئُ قَلبُهُ بالتَّسبيح. وكُلُّ مَا يُريدُهُ هُوَ أن يَفْتَحَ فَمَهُ وَيَدَعَ ذلكَ التَّسبيحَ يَخرُجُ مِنه.
وَهذهِ هِيَ العِبادَةُ بالرُّوح. فَحينئذٍ تَكونُ العِبادَةُ نَابِعَةً مِنَ الدَّاخِل. وَداوُدُ يَقول: "إنَّ أحوالي صَعبةً حَتَّى إنِّي لا أَمْلِكُ القُوَّةَ لِفَتْحِ فَمي. لِذا أرجوكَ أن تَفتَحَ فَمي لِكَيْ يَخرُجَ مِنهُ التَّسبيح". يَا لَها مِن صُورةٍ رَائعة! فَهذا هُوَ مَعنى أن نَعبُدَ بالرُّوح؛ أيْ أن يَكونَ القَلبُ يَفيضُ حَرفيًّا بالعِبادَة. والمَزمور 45: 1 يَقول: "فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ". فَعندَما يُفْتَحُ الفَمُ فإنَّ التَّسبيحَ يَصدُرُ عَنهُ وَحَسْب. العِبادَةُ والتَّسبيح.
والآن، أريدُ أن أتكلَّمَ عَمَلِيًّا. كَيفَ يُمكِنُنا أن نَفعلَ ذلك؟ كَيفَ يُمكِنُنا أن نَفعلَ ذلكَ مِن دَواخِلِنا؟ وَكيفَ نَسمَحُ لتلكَ الأشواقِ أن تَخرُجَ حَتَّى نَعبُدَ بالرُّوح؟ وَحَتَّى لا نَكونَ مِثلَ اليَهودِ الَّذينَ كَانُوا يَمْلِكونَ كُلَّ الحَقائِقِ، وكُلَّ المُعطَياتِ؛ ولكِنَّ قُلوبَهُم كانت بَارِدَةً، وَضَجِرَةً، وَغَيرَ مُبالِيَة. كَيفَ يُمكِنُنا أن نَفعلَ ذلك؟ إليكُم الطَّريقة: أوَّلاً... وَسوفَ أَذكُرُ لَكُم العَديدَ مِنَ المَبادِئ. أوَّلاً، يَنبغي أن يَسكُنُ فيكُم الرُّوحُ القُدُس. يَنبغي أن يَسكُنُ فيكُم الرُّوحُ القُدُس. فَقبلَ أن تَتَمَكَّنَ مِنْ عِبادَةِ اللهِ بِروحِكَ، يَنبغي أن يَكونَ الرُّوحُ القُدُسُ سَاكِنًا فيكَ لكي يُحَرِّضَكَ على ذلك. فَنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كُورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ الثَّاني أنَّهُ لا أَحَدَ يَعرِفُ أمورَ اللهِ إلاَّ رُوحُ الله.
وَإنْ لم يَكُن رُوحُ اللهِ يَسكُنُ فيكَ، وَيَحُضُّ قَلبَكَ، وَيَحْفِزُ قَلبَكَ، ويُطَهِّرُ قَلبَكَ، وَيُوَجِّهُ قَلبَكَ، لَن يَحدُثَ هَذا الأمر. فَلا يُمكِنُكَ أن تَعبُدَ اللهَ مِن دُونِ أن يَحْفِزَ اللهُ بِواسِطَةِ رُوحِهِ تلكَ العِبادَة. وَهذا مَبدأٌ رَئيسيٌّ وَحَسْب. فَهذا هُوَ الأساسُ كَما هُوَ وَاضِحٌ. فَينبَغي أن تَكونَ مَفْدِيًّا، ويَنبغي أن تَكونَ مُخَلَّصًا. وعندما تَنالُ الخَلاصَ فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَأتي ويَسكُنُ في قَلبِك. والرُّوحُ القُدُسُ يُوَجِّهُكَ إلى اللهِ، ويَقودُكَ إلى اللهِ، ويَحْفِزُكَ، ويَحُثُّكَ، ويُحَرِّضُكَ، ويُعَلِّمُكَ، ويُطَهِّرُكَ حَتَّى تَعبُد. فَتلكَ هِيَ خِدمَتُهُ. لِذا فإنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَبتَدِئُ بِسُكْنَى الرُّوحِ القُدُس.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عِندَما نَقرأُ في رِسالةِ فيلبِّي 3: 3 أنَّنا: "نَعْبُدُ اللهَ بِالرُّوح"، فإنَّ هُناكَ مَخطوطاتٌ تَقولُ إنَّنا "نَعْبُدُ اللهَ بالرُّوحِ القُدُس". ويُمكِنُكُم أن تُتَرجِموا هَذهِ الآيَةَ بِكِلْتا الطَّريقَتَيْن. فَنحنُ نَعبُدُ اللهَ بالرُّوحِ البَشريَّةِ لأنَّهُ تَمَّ تَحريضُنا على ذلكَ مِن قِبَلِ الرُّوحِ القُدُس.
وَكما تَعلَمونَ: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» [في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى] إِلاَّ [بِماذا؟] بِالرُّوحِ الْقُدُس". فَلا يُمكِنُكَ أن تُؤكِّدَ مِن ذاتِكَ رُبوبِيَّةَ المَسيح. وَلا يُمكِنُكَ أن تَعبُدَهُ بِصِفَتِهِ صَاحِبَ السُّلْطانِ إلاَّ بِحَفْزٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وَأنتَ تَحصُلُ على سُكْنَى الرُّوحِ القُدُسِ عِندَما تَقبَلُ يَسوعَ المَسيحَ مُخَلِّصًا وَرَبًّا. لِذا فإنَّكَ تَبتَدئُ مِن هُنا.
انظُر إلى قَلبِك. فإنْ كُنتَ تُواجِهُ صُعوبَةً في العِبادَة، رُبَّما أنتَ لستَ مُخَلَّصًا. وَما أعنيه هُوَ: رُبَّما يَرجِعُ سَببُ شُعورِكَ بالضَّجَرِ مِنَ الكَنيسةِ، ورُبَّما يَرجِعُ سَبَبُ استِعدادِكَ للمُغادَرةِ بعدَ نِصفِ سَاعَةٍ، ورُبَّما يَرجِعُ سَبَبُ عَدَمِ مَجيئِكَ إلى الكَنيسةِ إلى أنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تَخوضَ في هذا الأمرِ. والسَّببُ في أنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَخوضَ في هذا الأمرِ هُوَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يَسكُنُ فيكَ وَلا يُحَرِّضُ قَلبَك. وَهَذا سُؤالٌ مُنْصِفٌ. أليسَ كذلك؟ وَيجبُ عليكَ أن تَطرَحَهُ على نَفسِك.
لِنَنتقِل إلى النُّقطةِ الثَّانيةِ أوِ المَبدأِ الثَّاني. وأعتقدُ أنَّ هَذا المَبدأَ مُهِمٌّ جدًّا، وَهُوَ: يَنبغي تَركيزُ الأفكارِ على الله... يَنبغي تَركيزُ الأفكارِ على الله. وَهَذا مَبدأٌ بَسيطٌ جدًّا؛ ولكِنَّهُ عَميقٌ جدًّا. فالعِبادَةُ تَنْهَمِرُ مِنْ ذِهْنٍ اختَبَرَ التَّجديدَ بِواسِطَةِ الحَقِّ الإلهِيِّ. والتَّأمُّلُ في اللهِ هُوَ الشَّرارَةُ الَّتي تُفَجِّرُ العِبادَة. وَهُوَ المُحَرِّكُ الَّذي يُديرُ القُرْصَ الَّذي يُوَلِّدُ الحَرَكَة. لِذا، يَنبغي أن تَفْتَكِرُوا بأفكارٍ عَنِ الله.
والآن، يُمكِنُني أن أُعَبِّرَ عن ذلكَ بكلمةٍ مَألوفةٍ جدًّا وَهِيَ: "التَّأمُّل". فالعِبادَةُ الحَقيقيَّةُ تَنْبُعُ مِنَ التَّأمُّل... مِنَ التَّأمُّل. والآن، انْسوا كُلَّ شَيءٍ سَمِعتُموهُ يَومًا مِنَ العَالَمِ عَنِ التَّأمُّلِ الخَارِقِ للطَّبيعَةِ أو أيِّ نَوعٍ آخر. واسمَحُوا لي أن أقولَ لَكُم مَا هُوَ مَعنى التَّأمُّل. هَل أنتُم مُستَعِدُّونَ لِهذا؟ إنَّهُ تَركيزُ ذِهنِكَ كُلِّه على شَيءٍ وَاحِدٍ. هَذا هُوَ التَّأمُّل. تَركيزُ ذِهنِكَ كُلِّه على شَيءٍ وَاحِد. هَذا هُوَ تَعريفُ جون ماكآرثر؛ ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ تَعريفٌ صَحيح.
فَالتَّأمُّلُ يَعني أن تُرَكِّزَ كُلَّ ذِهنِكَ على شَيءٍ واحِد. والآن، إنْ وَجَدتُم ذلكَ صَعبًا فَهذا طَبيعيّ. فَمِنَ الصَّعبِ أن تَفعلُوا هذا الأمر. أليسَ كذلك؟ فَنحنُ نَعيشُ في عَالَمٍ شَارِدِ الذِّهن... في عَالَمٍ شَارِدِ الذِّهن. فَكما تَعلمونَ، نَحنُ نَتَعَرَّضُ اليومَ، بِسببِ وُجودِ وَسائلِ الإعلامِ وَغيرِها، لأشياءٍ تَغزُو عَقْلَنا أكثرَ مِن أيِّ شَيءٍ عَرَفَتْهُ أيَّةُ حَضارَة. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّنا نَتعرَّضُ للكَثيرِ جدًّا مِنَ الأشياءِ الَّتي تَتراكَمُ في أذهانِنا وَتَجعَلُ نِطاقَ تَركيزِنا مَحدودًا جدًّا... مَحدودًا جدًّا. ولكِنَّ التَّأمُّلَ يَعني أن تُرَكِّزَ كُلَّ ذِهنِكَ على شَيءٍ واحِد. واسمَحُوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا. هَذا هُوَ مِفتاحُ العِبادَةِ الفَعَّالَة. فَلا شَكَّ في أنَّ مَنطِقَكَ، وَمُخَيِّلَتَكَ، وَعاطِفَتَكَ يَنبغي أن تُرَكِّزَ جَميعُها على حَقيقةٍ واحِدَة.
وَإنْ رَجَعْنا خُطوةً واحِدَةً إلى الوَراء، رُبَّما نَتَعَمَّقُ أكثر في الفِكرة. هَل أنتُم جَاهِزون؟ التَّأمُّلُ يَقومُ على المَعلومات. فَإنْ أردتَ أن تُفَكِّرَ في مَوضوعٍ واحِد، يَنبغي أن يَكونَ هُناكَ مَوضوعٌ تُفَكِّرُ فيه. أليسَ كذلك؟ فَهذا أمرٌ أساسِيٌّ في نَظري. فَيجبُ أن يَكونَ لَديكَ شَيءٌ تُفَكِّرُ فيه. لِذا، اسمَعوني: سوفَ أَذكُرُ لَكُم كلمة. وَهِيَ كلمة يَنبغي أن تُدَوِّنوها في مَكانٍ مَا في مُقَدِّمَةِ أذهانِكُم حَتَّى لا تَنسَوْها.
إنَّ أفضلَ وَأنقى وَأصدقَ وَأروعَ تَأمُّلٍ وَأكثَرَهُ بَرَكَةً هُوَ ذاكَ الَّذي يُبنَى على الاكتشاف... الاكتشاف... الاكتشاف. بعبارةٍ أخرى، يَجِبُ عليكَ أن تَكتَشِفَ حَقيقةً عَظيمةً عَنِ اللهِ ثُمَّ تَبتَدِئُ في التَّأمُّلِ في تلكَ الحَقيقةِ إلى أنْ تَشْغَلَ كُلَّ جُزءٍ مِن عَمليَّةِ التَّفكيرِ لَديك. وَما يَفعلُهُ ذلكَ هُوَ أنَّهُ يُنشِئُ فِيكَ هذهِ العِبادَة. وعندما يُتيحُ لَكَ أحَدُهُم فُرصَةً، وتَجتَمِعُ مَعَ شَعبِ اللهِ المَفدِيِّ، وَتَفتَحُ شَفَتَيْكَ، فإنَّ العِبادَةَ تَخرُجُ مِنهُما وَحَسْب. ولكِنَّها لن تَخرُجَ إنْ لم تَكُن مَوجودةً في الأصلِ هُناكَ عِندَ وُصولِكَ، أو عِندَما تُريدُ أن تَتَعَبَّد.
لِذا، يُمكِنُنا أن نَرجِعَ خُطوةً قَبلَ ذلك. العِبادَةُ هِيَ تَجاوُبُ مَعَ التَّأمُّل. والعِبادَةُ قَائِمَةٌ على الاكتشاف. والاكتشافُ يَقومُ على... هَل أنتُم جَاهِزونَ لِسَماعِ مَا سَأقول؟ إنَّهُ يَقومُ على الوقتِ الَّذي تَصْرِفُهُ مَعَ الله... على الوَقتِ الَّذي تَصْرِفُهُ مَعَ اللهِ في الصَّلاةِ وَدِراسَةِ الكلمة... في الصَّلاةِ وَدِراسَةِ الكلمة. فأنتَ تَتَغَذَّى، وَتَتَغَذَّى، وَتَتَغَذَّى. ولكِنَّنا، وَيا للأسَف، نَنظُرُ إلى الصَّلاةِ على أنَّها وَسيلةٌ للحُصولِ على الأشياء. وَقَد فَقَدْنا مُنذُ وَقتٍ طَويلٍ جدًّا عُنْصُرَ الشَّرِكَةِ فيها؛ أيْ أنْ نَعيشَ حَياةً وَاعِيَةً في حَضرةِ اللهِ الرَّائعةِ وَأنْ نَكونَ في شَرِكَةٍ مَعَهُ هُناك.
وَكما تَرَوْنَ، فإنَّ يَسوعَ انْتَهَرَ تَلاميذَهُ، وَوَبَّخَ تَلاميذَهُ بالطَّريقةِ التَّاليةِ إذْ قَالَ لَهُم: "لَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ، وَلَكُمْ آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُونَ". بِعبارةٍ أخرى: إنَّ تَفكيرَكُم ضَحْلٌ جدًّا حَتَّى إنَّكُم بَليدون. وَما أعنيهِ هُوَ: إنْ جِئتَ إلى هُنا وَشَعرتَ بالمَلَل، أَوَدُّ أن أقولَ لكَ إنَّ هذا لا صِلَةَ لَهُ بالعِظَة، وَلا بالتَّرانيم؛ بَلْ لَهُ صِلَة بِقَلبِك. وَما أعنيه هُوَ: إنْ لم يَكُن لَديكَ شَيءٌ آخر، وَإنْ لم أَكُنْ جَديرًا البَتَّة بأن أُسمَع (وَقَد يَكونُ هَذا صَحيحًا)، وَإنْ لم يَكُن يُوجَدُ هُنا أيُّ شَيءٍ جَديرٌ بأن يُسمَع، يَكفي أن تَسْتَمِعَ إلى الحَقائقِ المُختصَّةِ باللهِ وَتَتأمَّلَ فيها لأنَّ ذلكَ يَنبغي أن يَكونَ أروعَ وَقتٍ في حَياتِك. أَتَرَوْن؟
هَل تَرَوْنَ مَدى بُعدِنا عَن ذلك؟ إنَّها فِكرةٌ تَصْعَقُنا صَعْقًا كَما لو أنَّها لم تَخطُر بِبالِنا يَومًا. فَإنْ جِئتَ إلى هُنا وَلم تَكُن مُهْتَمًّا، أو كُنتَ عَديمَ المُبالاةِ، فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ ليسَ نَحن، بَل أنتَ.
والآن، نَحنُ نُريدُ أن نَفعلَ كُلَّ مَا في وُسْعِنا لكي نُقَدِّمَ كلمةَ اللهِ بطريقةٍ مُفيدَة. فَأسوأُ شَيءٍ يُمكِنُكَ أن تَفعلَهُ هُوَ أنْ تُضْجِرَ النَّاسَ باستِخدامِ الكِتابِ المُقَدَّس. فَإنْ أردتَ أن تَفعلَ ذلك، لا تُعَلِّم الكتابِ المقدَّسَ، بَلْ عَلِّم قِصَصَ "الإوَزَّة الأُمّ" (Mother Goose) واضْجْرْهُم بِها. ولكِنْ لا تُضْجِرْهُم بالكِتابِ المُقَدَّس. فَهذهِ إساءَةٌ إلى الكتابِ المُقَدَّس. وَمِنَ المُدهِشِ كَيفَ أنَّ أُناسًا كَثيرينَ يَستطيعونَ القِيامَ بذلك، وَكَيفَ أنَّ مُعَلِّمينَ وَوُعَّاظًا كَثيرينَ يَستطيعُونَ أن يُضْجِرُوا النَّاسَ باستِخدامِ الكتابِ المقدَّس. وَيا لَهُ مِن أمرٌ مُريعٍ أن تَفعلَ شَيئًا كهذا بالكِتابِ المُقَدَّس. فَهُوَ أروعُ شَيءٍ في العَالَم.
وَما أعنيهِ هُوَ أنَّني أتَحَمَّسُ كَثيرًا لَهُ كَما تَعلَمون. وَأنا لا أَفهَمُ كَيفَ يَمْنَعُ النَّاسُ أنفسَهُم مِنَ الحُصولِ على تلكَ المُتعَة. ولكِنِّي أحصُلُ على المُتعَةِ مِن خِلالِ عِمليَّةِ الاكتشاف... الاكتشاف. وعندما أفتَحُ كلمةَ اللهِ، وَأصرِفُ وَقتًا في التَّحدُّثِ إلى الرَّبِّ، وَأفتَحُ قَلبي لَهُ، وَأبتدئُ في النَّظرِ إلى النَّصِّ، وَأنظُرُ نَظرةً عَميقةً إليهِ، وَأقولُ لَهُ: ’ أَرِني يا رَبُّ مَا تُريدُ مِنِّي أن أراهُ‘، وَأدخُلُ إلى الأعماقِ، وَأبتدِئُ في التَّأمُّلِ، وأبتَدِئُ في التَّفكيرِ في ذلك، أكتَشِفُ فجأةً حَقًّا عَظيمًا يُشبِعُ عَقلي. وَمِن خِلالِ ذلكَ يَنبُعُ الفَرَحُ وَتَسبيحُ الله.
يَقولُ "سبيرجن" (Spurgeon): "لِماذا يَذهبُ أُناسٌ إلى مَكانِ العِبادَةِ غَالِبًا ولكِنَّهُم لم يَتَقَدَّسُوا بَعد؟ لأنَّهُم يُهمِلونَ مَخادِعَهُم. فَهُم يُحِبُّونَ الحِنطَةَ ولكِنَّهُم لا يَطْحَنونَها. وَهُم يُحِبُّونَ الذُّرَةَ ولكِنَّهُم لا يَذهبونَ إلى الحَقْلِ لِجَمْعِها. والثَّمَرُ يَتَدَلَّى مِنَ الشَّجرةِ ولكِنَّهُم لا يَلتَقطونَهُ. والمَاءُ يَجري عِندَ أقدامِهِم ولكِنَّهُم لا يَنْحَنونَ لِشُربِهِ".
وَما أعنيه هُوَ: إنْ جِئتَ إلى هُنا وَقُلتَ: "أرجو أن يَقولَ جون ماكآرثر شَيئًا يَجعلُني أدخُلُ في حَالةِ العِبادَة"، فإنَّكَ قَد أَسَأتَ فَهْمَ العِبادَة. فَأنا أريدُ فقط أن أكونَ شَيئًا إضافِيًّا، وأريدُ مِنكُم أن تَأتوا إلى هُنا بِقلبٍ يَتوقُ جدًّا إلى العِبادَةِ حَتَّى إنَّكُم تُعَجِّلونَ في المَجيءِ إلى هُنا كَيْ تَبتَدِئُوا لأنَّكُم كُنتُم مُنْهَمِكينَ في التَّأمُّلِ فيما اكتَشَفتُموهُ في كلمةِ الله. هَذا هُوَ الفَرَح.
فعندما أفتَحُ كلمةَ اللهِ وأكتشفُ أشياءً، وعندما أكونُ في شَرِكَةٍ مَعَ اللهِ في رُوحي وَيُعَلِّمُني أُمورًا، ويَصيرُ الاكتشافُ تَأمُّلاً فإنَّ ذلكَ يَجْلِبُ فَرَحًا. وأعتقدُ أنَّهُ في يَومِ الجُمعةِ مِن هذا الأسبوع، شَعرتُ بِذلك. فَقد كُنتُ أدرُسُ النَّصَّ. وَأنا أُسَمِّي ذلكَ لَفًّا وَدَوَرانًا حَولَ النَّصّ. وَأنا لم أَصِلْ حَقًّا إلى لُبِّ النَّصّ. وَقد كانَت لديَّ تَفسيراتٌ وّكُلُّ شَيء. وَأخيرًا، حَصَرْتُ تَفكيري، وَأغلقتُ البابَ، وَجَلَستُ، وقُلتُ: "يا رَبّ، عَلِّمني مَا تُريدُ مِنِّي أن أراهُ في هَذا المَقطَع".
وفي السَّاعَةِ والنِّصف التَّالية، رَأيتُ حَقيقةً مِن أعظمِ الحَقائقِ الَّتي عَرَفْتُها يَومًا، وابتدأتُ في تَتَبُّعِ تلكَ الحَقيقةِ في ذِهني، وَمِن خِلالِ الكتابِ المقدَّسِ، وَرُحْتُ أتأمَّلُ وَأتأمَّلُ فيها. والنَّتيجةُ هِيَ أنَّ قَلبي امتَلأَ بالتَّسبيحِ وَما يَزال. لِذا، عِندَما جِئتُ إلى هُنا في هذا الصَّباح، وَفَتَحْتُ شَفَتَيَّ، خَرَجَتْ كُلُّ الأشياءِ الَّتي كانَتْ في قَلبي إلى الخَارِج. أَتَرَوْن؟
فالعِبادَةُ بالنِّسبةِ إليَّ هِيَ ليسَت شَيئًا مَحصورًا بِذاتِهِ في هذهِ السَّاعة، بَل إنَّ العِبادَةَ هُنا هِيَ مُجَرَّدُ تَعبيرٍ خَارِجِيٍّ عَنها. وَأنا لَستُ مَحصورًا في هذهِ الطَّريقةِ فقط؛ ولكِنَّها طَريقةٌ خَاصَّة. وَكما تَرَوْنَ، نَحنُ رَاسِخونَ وَمُتَأصِّلونَ في المَسيح؛ ولكِنَّ العُمْقَ الَّذي تَصِلُ إليهِ جُذورُنا، وَرَوْعَةَ الثَّمرِ الَّذي نَحمِلُهُ يَتوقَّفُ على كيفيَّةِ تَأمُّلِنا في عَمليَّةِ اكتشافِ الحَقِّ الإلهيِّ العَظيم. وَهَذا هُوَ الفَرَح.
وَمِنَ الصَّعبِ علينا أن نَتأمَّل. أليسَ كذلك؟ فَكما تَعلَمونَ، إنَّ واحِدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي يَتَعَلَّمُها الوَاعِظُ هُوَ أنَّ النَّاسَ لا يُصْغُونَ إلى كُلِّ شَيءٍ تَقولُهُ. فَهُمْ يُصْغُونَ حِيْنًا وَلا يُصْغُونَ حِيْنًا آخَر. وَهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم أَفاقُوا الآنَ مِنْ سُباتِهِم. أهلاً وَسَهلاً بِعَودَتِكُم. وَما أعنيه هُوَ: رُبَّما كُنْتَ شَارِدَ الذِّهنِ وَتُفَكِّرُ في كيفيَّةِ إعادَةِ تَرتيبَ غُرفةِ الجَلوسِ في بَيتِكَ، أو رُبَّما كُنتَ تُفَكِّرُ في مَتْجَرِ المَلابِسِ وفي المَلابسِ الَّتي سَتَرتَديها، أو رُبَّما كُنتَ تُفَكِّرُ في كيفيَّةِ عَقْدِ تلك الصَّفْقَةِ التِّجارِيَّةِ في الأسبوعِ القادِم، أو رُبَّما كُنتَ تُفَكِّرُ في رِحلَتِكَ القادِمَة، أو رُبَّما كُنتَ تُفَكِّرُ في الذِّهابِ في رِحلةٍ لِصَيدِ السَّمَك، أو في لَعِبِ الغُولف، أو في القِيامِ بِكُلِّ أنواعِ الأشياءِ في مُخَيِّلَتِكَ. وبينَ الحِينِ والآخر، قَدْ تَسْمَعُ كَلِمَةً تَلْمَسُ قَلبَك!
أو قَد تَلْكِزُكَ زَوجَتُكَ في أضلاعِكَ، أو قَد يَحدُثُ شَيءٌ ويَصْعَقُكَ، أو قد تَعودُ مِن شُرودِ ذِهنِكَ، أو قَد أقولُ شَيئًا يَجعَلُكَ تُفَكِّرُ في فِكرة، أو قَد يَجعلُكَ الرُّوحُ القُدُسُ تَتأمَّل في فِكرة مُعيَّنة فَتَنهَمِك في التَّفكيرِ فيها ثُمَّ تَعودُ فَجأةً وتُرَكِّزُ في مَا يَجري مِن حَولِكَ مَرَّةً أخرى. لِذا فإنِّي أُكَرِّرُ كَلامي لأنِّي أريدُ مِنكُم أن تُرَكِّزُوا مَعي بِكُلِّ أذهانِكُم. أَتَرَوْن؟ فَأنا أستَمِرُّ في التَّرحيبِ بالنَّاسِ طَوالَ الوقتِ الَّذي أتحدَّثُ فيه. وَكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جدًّا علينا أن نَتأمَّل.
وَمِنَ الصَّعبِ جدًّا عَلينا أن نُرَكِّزَ أذهانَنا على مَوضوعٍ مُحَدَّد. وَهَذهِ مَهارَةٌ يَنبغي أن تُدَرِّب نَفسَكَ عليها حَتَّى تَتَمَكَّنَ مِنَ القِيامِ بذلك. وأنا أُفَكِّرُ في هَؤلاءِ الأشخاصِ الحَمْقَى الَّذينَ يَتعلَّمونَ أن يَجلِسُوا في وَسْطِ حَشْدٍ هَائِلٍ مِنَ النَّاسِ في الهِندِ وَأن يَتَأمَّلُوا في سُرَّتِهِم أيَّامًا عَديدةً أحيانًا دُونَ أنْ يَشْرُدَ ذِهْنهُم. وَأنا أتساءَلُ لِماذا لا يَستطيعُ المَسيحيُّونَ أن يُفَكِّرُوا في اللهِ دُونَ أن يَشْرُدَ ذِهنُهم!
لِذا فإنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَبتَدِئُ بِسُكْنَى الرُّوحِ القُدُس، والأفكارِ المُرَكَّزَة على اللهِ والَّتي تَأتي مِن خِلالِ الصَّلاةِ، ودراسةِ الكتابِ المقدَّسِ، والاكتشافِ إذْ إنَّهُ مِن خلالِ ذلكَ الاكتشاف يأتي التَّأمُّل. وَمِن خِلالِ التَّأمُّل تَنبُعُ العِبادَة. وَهل يُمكِنُني أن أُبَسِّطَ ذلكَ جدًّا؟ مِن دُونِ اكتِشافٍ، لا يُوجَد تَأمُّل. وَمِن دُونِ تَأمُّل، لا تُوجَد عِبادَة. وَإنْ جِئتَ إلى هُنا بِقَلبٍ مُمتَلِئٍ بالاكتشافِ مِن خلالِ دِراسَتِكَ للكِتابِ المُقَدَّسِ، أو مِن خِلالِ شَيءٍ اكتَشَفتَهُ مِن شَخصٍ آخر، وَتَأمَّلتَ فيهِ، وَجَعَلْتَهُ اكتِشافًا خَاصًّا بِكَ، سَتَجِدُ أنَّهُ عِندَما تَفتَحُ فَمَكَ فإنَّهُ سَيَنْطُقُ بالتَّسبيح.
والآن، هُناكَ مَبدأٌ آخر. فأنتَ تَبتَدِئُ بِسُكنَى الرُّوحِ القُدُسِ في حَياتِك وتَركيزِ أفكارِكَ على اللهِ، ثُمَّ يَنبغي أن تَتَعَلَّمَ أن يَكونَ لَديكَ قَلْبٌ غَيرُ مُنقَسِمٍ... أو قَلبٌ غَيرُ مُنشَغِلٍ بأمورٍ أخرى. المَزمور 86. أَوَدُّ أن أُخَصِّصَ وَقتًا للنَّظرِ إلى المَزمور 86.
فَهُوَ مَزمورٌ رائعٌ يُوَضِّحُ هَذا المَبدأ. فَفي العَددِ الخَامِس، يَبتَدِئُ دَاوُدُ في عِبادَةِ الله. وَهُوَ يَقولُ في المَزمور 86: 5: "لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ صَالِحٌ وَغَفُورٌ". وَهَذا رَائِعٌ جدًّا لأنَّهُ لا يَعني فقط أنَّهُ سَيَغفِر، بَل يَعني أيضًا أنَّهُ يَتُوقُ إلى ذلك. فَهُوَ لا يَتَرَدَّدُ في ذلك، بَلْ هُوَ تَوَّاقٌ إلى ذلك. "لأَنَّكَ...غَفُورٌ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ". فَهُوَ ليسَ رَحيمًا فقط، بَل إنَّهُ كَثيرُ الرَّحمَة.
يُسَبِّحُ دَاوُدُ اللهَ حقًّا على فَضائِلِهِ. "لِكُلِّ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ". أنتَ صَالِحٌ. وَأنتَ لَستَ غَفورًا وَحَسْب، بَلْ إنَّكَ تَوَّاقٌ إلى الغُفران. وَأنتَ لستَ رَحيمًا فقط، بَل إنَّكَ كَثيرُ الرَّحمَة. وَأنتَ تُسْبِغُ ذلكَ على الجَميع. لِذا، يا رَبُّ، أَلاَ أَصْغَيْتَ إلِيَّ؟" فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّادِس: "اِصْغَ يَا رَبُّ إِلَى صَلاَتِي، وَأَنْصِتْ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعَاتِي. فِي يَوْمِ ضِيقِيْ أَدْعُوكَ، لأَنَّكَ تَسْتَجِيبُ لِي". فَهُوَ يَقولُ: "أنا أَعلَمُ أنَّكَ سَتَسمَعُني".
"لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ، وَلاَ مِثْلَ أَعْمَالِكَ". فَأنتُم تَجِدُونَ هُنا قَلبَ العِبادَةِ إذْ إنَّهُ يُمَجِّدُ اللهَ على شَخْصِهِ، وَعلى مَا صَنَعَهُ... على شَخصِهِ، وَعلى مَا صَنَعَهُ: "لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ، وَلاَ مِثْلَ أَعْمَالِكَ. كُلُّ الأُمَمِ الَّذِينَ صَنَعْتَهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ يَا رَبُّ، وَيُمَجِّدُونَ اسْمَكَ. لأَنَّكَ عَظِيمٌ أَنْتَ وَصَانِعٌ عَجَائِبَ. أَنْتَ اللهُ وَحْدَكَ".
والآن، إنَّ دَاوُدَ يَغوصُ في أعماقِ العِبادَةِ هُنا، وَيَسكُبُ قَلبَهُ إلى الله. فَهُوَ يُسَبِّحُ اللهَ على عَظَمَتِهِ وَفَضائِلِه. وَيُمكِنُنا جَميعًا أن نَفهَمَ ذلك. فَنحنُ نُريدُ أن نَفعلَ ذلك. وَنَحنُ نَتُوقُ إلى القِيامِ بذلك. ولكِنَّ دَاوُدَ يُواجِهُ مُشكلةً بِسَببِ طَبيعَتِهِ البَشريَّةِ؛ وَهِيَ مُشكلةٌ نُواجِهُها نَحنُ أيضًا. وَهِيَ مَذكورةٌ في العَددِ الحَادي عَشَر. فَهُوَ يَقولُ أوَّلاً: "يا رَبُّ، لَديَّ مُشكلةٌ رَئيسيَّةٌ. فَعِبادَتي تُعاقُ بسببِ عَدَمِ مَعرِفَتي للحَقّ. لِذا: "عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَكَ. أَسْلُكْ فِي حَقِّكَ". وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّهُ دَاوُدَ يَقولُ: هُناكَ عُنصُرٌ مَفقودٌ أُريدُ أن أكتَشِفَهُ. فَأنا أُريدُ مُتعَةَ الاكتشافِ، وَأريدُ أن أعرفَ مَا تَقولُهُ كَلِمَتُكَ، وَأُريدُ أن أراكَ.
وَأحيانًا لا يَكونُ الاكتشافُ اكتِشافًا لِشيءٍ مَا لم تَكُن تَعرِفُهُ مِن قَبل، بَل يَكونُ اكتشافًا لِشَيءٍ عَرَفْتَهُ مِن قَبل ولكِنَّكَ نَسَيْتَهُ، أوْ يَكونُ اكتِشافًا لِشَيءٍ عَرَفْتَهُ مِن قَبل وتَذَكُرُهُ؛ ولكِنَّكَ لَمْ تَرَهُ يَومًا بِهذا الوُضوح. ولكِنَّهُ يَقول: "أريدُ أن أعرِفَ طَريقَكَ، وَأُريدُ أن أفهَمَهُ؛ ولكنِّي أجهَلُهُ. لِذا، يَنبغي أن تُعَلِّمَني".
لِذا، أَوَدُّ أن أقولَ لَكُم إنَّهُ عندما تَجِدُ صُعوبةً في العِبادَة، وعِندَما تَجِدُ صُعوبةً في التَّأمُّلِ في كلمةِ اللهِ، وفي الدُّخولِ في عَمليَّةِ الاكتِشافِ، اسْمَحْ للهِ أن يَفتَحَ كَلِمَتَهُ وَيَلمَسَ حَياتَكَ وَقَلبَكَ، ويُخرِجَ مِنهُ التَّسبيحَ. فينَبغي لكَ أن تَتوقَّفَ وتَطلُبَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ أن يَكونَ مُعَلِّمَكَ لأنَّنا جَميعًا نُعاني بسببِ المُشكلةِ نَفسِها.
وَأنا أتَعَرَّضُ لِشُرودِ الذِّهْنِ كأيِّ شَخصٍ آخر. وَأنا أُعاني. وَأنا أقولُ أحيانًا... فأنا أنظرُ أحيانًا إلى النَّصِّ وَأقول: "يا رَبُّ، لَقد قَرأتُ هَذا النَّصَّ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّةِ ولكنِّي مَا زِلتُ عَاجِزًا عَن فَهمِه. عَلِّمني". وَهُنا، يُمكِنُكَ أن تُطالِبَ بالوَعدِ المَذكورِ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى بأنَّ لَنا مَسْحَة مِنَ اللهِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُعَلِّمُنا كُلَّ شَيءٍ حَتَّى لا نَحتاج إلى الاتِّكالِ على الحِكمةِ البَشريَّة. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ مُعَلِّمُنا.
وَهَذا هُوَ مَا قَصَدَهُ يَسوعُ حينَ قَالَ إنَّهُ سيُرسِلُ رُوحَهُ الَّذي سَيُعَلِّمُكُم كُلَّ شَيءٍ (في إنجيلِ يُوحَنَّا). وَيا لَهُ مِن وَعدٍ! فَسُكنَى الرُّوحِ القُدُسِ مَوجودٌ هُنا. لِذا فإنَّ دَاوُدَ يَقول: "عَلِّمْني الحَقَّ، يا رَبّ. اسْمَحْ لي أن أراهُ. اسْمَحْ لي أن أكتَشِفَهُ. اسْمَحْ لي أن أتأمَّلَ فيه". لِذا فإنَّ المُشكلةَ الأولى الَّتي قَد تُواجِهُها في العِبادَةِ هِيَ أنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَعرِفَ الحَقَّ. وَسوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ أكثر في المَرَّةِ القادِمَة. ولكي تَتمكَّنَ مِن رُؤيةِ ذلك، يَنبغي لكَ أن تَتَّكِلَ على الرُّوحِ القُدُس.
فَأنا أعلَمُ أنَّكُ قُلت: "حسنًا، سَوفَ أقرأُ الكِتابَ المُقَدَّسَ. وَسَوفَ أبتدِئُ بدراسةِ الكِتابِ المُقَدَّس". فَنَحنُ جَميعًا تَعَهَّدنا بذلك. أليسَ كذلك؟ سَوفَ أدرُسُ كلمةَ الله. وَأنتَ تَقرأُ قَليلاً ثُمَّ تَقول: "إنَّ هذهِ الدِّراسةَ ليسَت مُمتعةً جدًّا. فأنا أحاولُ أن أكتشفَ، ولكنِّي لا أكتَشِفُ أيَّ شَيءٍ سِوى أنَّني لا أفهَمُ النَّصَّ. لا يَبدو أنَّني أفهَمُ أيَّ شَيء. رُبَّما يَجدُرُ بِي أن أقرأَ كِتابًا آخرَ أو أستَمِعَ إلى شَيءٍ مَا".
والنَّاسُ يَقولونَ لي غَالِبًا: "عِندَما تَدرُسُ أنتَ الكتابَ المقدَّسَ فإنَّهُ يَكونُ مُمتِعًا جدًّا". والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يُمكِنُ أن يَكونَ كذلكَ بالنِّسبةِ إليكَ أنتَ أيضًا. فَكَلِمَةُ اللهِ تَستطيعُ أن تَلمَسَ حَياتَكَ أنتَ أيضًا. صَحيحٌ أنَّكَ قد لا تَملِكُ كُلَّ الأدواتِ الَّتي أملِكُها أنا. وَأرجو أن يَكونَ هُناكَ مَوْضِعٌ في المَلكوتِ في مَكانٍ مَا أَستَطيعُ فيه أن أَسُدَّ حَاجَةً كَهذِه؛ ولكِنَّكَ تَستطيعُ أن تَكتشفَ الحَقَّ الإلهيَّ لأنَّ الرُّوحُ سيُعَلِّمُكَ إنْ طَلَبتَ مِنهُ ذلك.
وَهُناكَ شَيءٌ آخر في العَددِ الحَادي عَشَر؛ وَهذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي أُريدُ مِنكُم حَقًّا أن تَرَوْه. فَهُوَ يَقولُ في نِهايَةِ العَددِ الحادي عَشَر: "هُناكَ مُشكلةٌ أُخرى لَديَّ. فأنا بِحاجَةٍ إلى أن يتوَحِّدَ قَلْبِي لِخَوْفِ اسْمِكَ. والعِبارةُ: "خَوْفِ اسْمِكَ" هِيَ مُرادِفٌ آخر للعِبادَة. "أُريدُ أن أعبُدَكَ، ولكنِّي أريدُ مِنكَ أن تُوَحِّدَ قَلبي".
والآن، مَا هُوَ نَقيضُ القَلبِ المُوَحَّد؟ الجَوابُ بَسيطٌ جدًّا. مَا هُوَ؟ القَلبُ المُنقَسِم. فأوَّلُ مُشكلةٍ تُواجِهُكَ في العِبادَةِ هِيَ أَلاَّ تَعرِفَ الحَقَّ. فأنتَ لا تَستطيعُ أن تَكتَشِفَهُ. وأنتَ لا تَملِكُ الشَّيءَ اللاَّزِمَ لكي تَتأمَّلَ فيه. لِذا: "أيُّها الرُّوحُ القُدُسُ، عَلِّمني الحَقَّ".
أمَّا المُشكلةُ الثَّانيةُ في العِبادَةِ فَهِيَ أن تَكونَ شَارِدَ الذِّهن. أليسَ كذلك؟ فَقَد يَكونُ قَلبُكَ مَنقَسِمًا، وَقد تَجلِسُ أحيانًا وتَقول: "سَوفَ أُصَلِّي. سَوفَ أصْرِفُ وَقتًا وَحَسْب مَعَ الرَّبّ". ثُمَّ إنَّكَ تَجلِسُ وتُصَلِّي مُدَّةَ دَقيقة فَتَزْدَحِمُ الأفكارُ في ذِهنِك – الأفكارُ السَّخيفة. وأنتُم تَفهَمونَ قَصدي. أينَ "أليس (Alice)؟" فالسَّاعَةُ كَذا وَكَذا. كَانَ يَنبغي أن تَكونَ هُنا الآن! ثُمَّ إنَّ الأطفالَ يَدخُلونَ إلى الغُرفةِ في تلكَ اللَّحظةِ الَّتي تَكْتَشِفُ فيها أعظمَ اكتشافٍ فَيَقْطَعونَ عَليكَ تَأمُّلَك. لِذا، مِنَ الصَّعبِ جدًّا عَلينا أن نُرَكِّزَ أذهَانَنا.
لِذا فقد كَانَ دَاوُدُ يَعرِفُ ذلك. فَفي نِهايَةِ المَطافِ، لَقد كَانَ مَلِكًا. وَأَلاَ تَعتَقِدونَ أنَّ المَلِكَ مُنْشَغِلٌ بالكَثيرِ مِنَ المَسؤوليَّات؟ فَقد كانَت هُناكَ أُمورٌ كَثيرةٌ يُفَكِّرُ فيها، وَيَقلَقُ بِشأنِها. وَهِيَ لم تَكُن فقط أُمورًا تَختصُّ بمملكتِه، بَل كانت هُناكَ أُمورٌ كَثيرةٌ تَجري في حَياتِهِ الشَّخصيَّةِ وتَحتاجُ إلى مُعالَجَة.
لِذا فقد كَانَ شَارِدَ الذِّهْنِ فَقال: "يا رَبُّ، أنا بِحاجَةٍ إلى شَيئَيْن: أنا بِحاجَةٍ إلى الحَقِّ والرُّوح. أنا بِحاجَةٍ إلى قَلبٍ غَيرِ مُنقَسِمٍ وَإلى تَعليمٍ سَليم. أُريدُ أن أكتَشِفَ، وَأُريدُ أن أتمكَّنَ مِنَ التَّأمُّلِ مِن دُونِ أن يَشرُدَ ذِهني".
وَهَذا هُوَ جَوهَرُ مَا يَقولُهُ رَبُّنا في الحَقيقةِ في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الرَّابع. فَينبغي لَنا أن نَكونَ قادِرينَ على تَركيزِ قَلْبِنا على اللهِ وَحَقِّه. وَقد طَلبتُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ مَرَّاتٍ كَثيرةً وعَديدةً نَفسَ الشَّيءِ الَّذي يَطلُبُهُ دَاوُدُ هُنا: يا رَبُّ عَلِّمني... عَلِّمني... عَلِّمني. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ في يُومٍ مَا في هَذا الأسبوعِ، كُنتُ أَدرُسُ فَوَجدتُ مَقطَعًا. وَسوفَ أُشارِكُ مَعَكُم هَذا المَقطَعِ بعدَ بِضعةِ أسابيع. وَمِنَ الصَّعبِ ألاَّ أُشارِكَهُ مَعَكُم اليومَ لأنَّهُ جَيِّدٌ جدًّا... وَرائعٌ جدًّا.
ولكنِّي وَجدتُ مَقطعًا في سِفْرِ إرْميا ولم أَفهَم مَعنى مَا جَاءَ فيه. فالآيةُ تَقولُ: "[مُوآبٌ] لَمْ يُفْرَغْ مِنْ إِنَاءٍ إِلَى إِنَاءٍ". فَفَكَّرْتُ قَائِلاً: "مَا مَعنى ذلك؟" لِذا فقد حَاولتُ أن أكتَشِفَ مَعنى هذهِ الآية فَعَرَفْتُ مَعناها. وَقَد تَبارَكْتُ جدًّا. وَسوفَ أُخبِرُكُم مَعناها بَعدَ بِضعةِ أسابيع.
فَقد تَبارَكْتُ جدًّا حَتَّى إنِّي فَتَحْتُ البَابَ وَخَرَجْتُ فَوجدتُ أمامي "بيل رُوجرز" (Bill Rogers) فأمسَكْتُهُ وَقُلتُ: "يَنبغي أن تَسمَعَ هَذا". وَهل تَعلَمونَ مَاذا حَدَث؟ لَقد تَبارَكَ هُوَ أيضًا كَما تَبارَكْتُ أنا. وَقد سَألني: "هَل سَتَستخدِمُ هذهِ الآيةَ يَومَ الأحَد؟" رُبَّما أفعلُ ذلك. ولكنِّي لَن أفعلَ الآن. فَهِيَ نُقطةٌ لاحِقَة. ولكنَّ هَذا هُوَ مَا اكتَشَفْتُهُ. وَقد تَوَجَّهْتُ إلى البيتِ، وجَلستُ في سَيَّارَتي، وكُلُّ مَا فَكَّرْتُ فيهِ في طَريقي إلى البيتِ هُوَ ذلكَ الحَقّ العَظيم. يَا لَهُ مِن حَقٍّ عَظيمٍ اكتَشَفْتُهُ! وَقد رُحْتُ أتأمَّلُ فيهِ فَامتلأَ قَلبي بالتَّسبيح.
وَلا أدري مَاذا تَفعَلونَ في هذهِ المُناسَباتِ، ولكنِّي أَجِدُ نَفسي أُرَنِّمُ عندما أفعلُ ذلك. فأنا أُطفِئُ المِذياعَ وَأُرَنِّمُ في السَّيَّارة. ولكنِّي أُحاوِلُ ألاَّ أُحَرِّكَ شَفَتَيَّ كَثيرًا حَتَّى لا يَظُنُّ النَّاسُ أنِّي أَتجادَلُ مَعَ زَوجَتي في غِيابِها لكي أَفوزَ في النِّقاش – كَما تَعلَمون! ولكنِّي أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّ الاكتشافَ هُوَ المِفتاح. وَهُوَ يَتطلَّبُ تَخصيصَ وَقتٍ مَعَ الله... وَقتٍ مَعَ اللهِ في الشَّرِكَةِ مَعَهُ، ووَقتٍ في دِراسةِ كَلِمَتِه، ووَقتٍ في الصَّلاة. فَحينئذٍ سَتَشعُرُ بِالفَرَحِ العَظيمِ الَّذي يَتمتَّعُ بِهِ القَلبُ غَيرُ المُنقَسِم.
وَأُريدُ أن أَختِمَ كَلامي بِفِكرة. سَوفَ تَكونُ هُناكَ مُعَوِّقاتٌ لِذلكَ عندما تُحاوِلُ أن تُرَكِّزَ رُوحَكَ على العِبادَة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ شَخصًا قَالَ لي في هذا الأسبوع: "لَقد تَحَدَّثتَ عَن أهميَّةِ العِبادَةِ، ومَصدرِ العِبادَةِ، وَنِطاقِ العِبادَةِ، وطَبيعَةِ العِبادَةِ، وكُلِّ تلكَ الأشياء. هَل فَكَّرْتَ في التَّحدُّثِ عَن مُعَوِّقاتِ العِبادَةِ، وفي أن تَذكُرَ كُلَّ مُعَوِّقاتِ العِبادَة؟" وَقد فَكَّرتُ قَائِلاً: "سَوفَ يَكونُ ذلكَ المَوضوعُ رَائِعًا". لِذا، فَقد جَلستُ وَأحْضَرْتُ قَلمًا وَوَرَقَةً، وفَكَّرْتُ، وفَكَّرْتُ، وَدَوَّنْتُها. وَقد كَتَبْتُ كلمةً واحِدَةً هِيَ: "الذَّات". ثُمَّ رُحْتُ أُفَكِّرُ: "والآن، مَا العَائِقُ الثَّاني؟" ولكنِّي لم أتمكَّن مِنَ العُثورِ على أيِّ شَيء. وَقد جَلَسْتُ هُناكَ وَقتًا طَويلاً دُونَ أن أعثُرَ على أيِّ شَيءٍ آخر.
هُناكَ شَيءٌ واحِدٌ فقط يُعيقُ العِبادَة وَهُوَ يَحدُثُ عندما تَأتي أمامَ الله. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّكَ قد تَأتي بِكُلِّ أنواعِ الأشياء؛ ولكِنَّ الشَّيءَ الَّذي يُعيقُ عِبادَتَكَ يَحدُثُ عِندَما تَأتي أمامَ الله. فَكما تَرَوْنَ، عِندَما تَأتي إلى هُنا مِن أجلِ الحُصولِ على مَا تُريدُهُ لِنفسِك، أو عندما تَفعلُ مَا تَفعل لكي تُشبِعَ رَغْباتِك، حِينئذٍ لن يَكونَ لَديكَ وَقتٌ للاكتشاف، أو وَقتٌ للصَّلاة، أو وَقتٌ للتَّأمُّل، أو وَقتٌ للعِبادَة فَلا تَستطيعُ أن تَحصُلَ على قَلبٍ غَيرِ مُنقَسِمٍ لأنَّكَ تُفَكِّرُ دَائِمًا في مَشاريعِكَ ونَشاطاتِكَ وَحَاجاتِك. وَكما تَرَوْنَ، إنَّها دَائِمًا الذَّات. أليسَ كذلك؟
فُهناكَ دَائِمًا شَيئان. أنتَ تَتعامَلُ فقط مَعَ شَيئَيْن: فإمَّا أنَّكَ تَتعامَلُ مَعَ اللهِ، أو مَعَ نَفسِكَ. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. وَلا يُمكِنُكَ حَقًّا أن تُخْلِي نَفسَكَ لِعبادَةِ اللهِ إلاَّ إنْ قَتلتَ نَفسَكَ أو ذَبَحْتَ نَفسَك.
فَيَنبغي لكَ أن تَتخلَّصَ مِن نَفسِكَ في أثناءِ ذلكَ، وَأن تَنسَى نَفسَكَ في أثناءِ عِبادَتِكَ لله. فالذَّاتُ هِيَ دَائِمًا عَائِقٌ في الطَّريق. وَأعتقدُ أنَّ أكبرَ مُشكلةٍ تُواجِهُنا مَعَ ذَواتِنا هِيَ أنَّنا في أغلبِ الأحيانِ، أيْ نَحْنُ الَّذينَ نُكَرِّسُ أنفُسَنا للقِيامِ بالأمورِ الصَّحيحَةِ كَما هِيَ الحَالُ هُنا في كَنيسةِ "النعمة" (Grace Church)، قَدْ نَكونُ كَسَالَى جدًّا وَلا نَبذُلُ الجُهدَ المَطلوب. فَقد نَكونُ مُنغَمِسينَ جدًّا في ذَواتِنا وَراحَتِنا حَتَّى إنَّنا لا نُكَلِّفُ أنفُسَنا عَناءَ البَحثِ والتَّفتيشِ بِعُمْقٍ حَتَّى "نَغْرفَ المِياهَ" [كَما قَالَ "سبيرجن" "Spurgeon"]، أو حَتَّى "نَجْمَعَ الحُبوب". لِذا فإنَّنا نَخسَر.
إنَّ واحِدًا مِن أعظمٍ الخِبراتِ في حَياتي القَصيرةِ هِيَ أنِّي قَرأتُ كِتابًا مِن تأليف "ستيفن شارنوك" (Stephen Charnock) بِعُنوان: "وُجودُ اللهِ وَصِفاتُه" (The Existence and Attributes of God). وَهُوَ كِتابٌ يَضُمُّ نَحوَ 700 أو 800 صَفحة. وَهُوَ قَد يَتَطَلَّبُ مِنكَ حَياتَكَ بأسرِها كَيْ تَستَوعِبَهُ. فَهُوَ يَضَعُ فيهِ كُلَّ أفكارِهِ عَنِ اللهِ؛ وَهِيَ أفكارٌ غَنِيَّةٌ وَرائعةٌ جدًّا. وفي نُقطةٍ مَا فإنَّهُ يَقولُ في ذلكَ الكِتاب: "إنْ كُنْتُ أَتظاهَرُ بأنِّي أُوَقِّرُ اللهَ ولكِنِّي لا أُبالي إلاَّ بِمَصْلَحَتي الشَّخصيَّةِ فإنَّني أَسْخَرُ مِنَ اللهِ عِوَضًا عَن أنْ أعبُدَهُ. فعندما نُؤمِنُ بأنَّهُ يَنبغي لَنا أنْ نَحصُلَ عَلى مَا نَحنُ بِحاجَةٍ إليهِ عِوَضًا عَن أنْ يَتَمَجَّدَ اللهُ فإنَّنا نَضَعُ اللهَ في مَكانَةٍ أَدنَى مِنْ مَكانَتِنا وَنَتَخَيَّلُ أنَّهُ يَنبغي أنْ يُخْضِعَ كَرامَتَهُ لِمَصلَحَتِنا".
وَهَذا يُعيقُ العِبادَة: أنْ تَضَعَ نَفسَكَ، وَحَاجَاتِكَ، وَمَصَالِحكَ، وَبَركاتِكَ، وَكُلَّ شَيءٍ آخرَ فَوقَ الله. لِذا، يا أحبَّائي، لِنَتَحرَّر مِن ذلكَ وَنأتي كَي نَعبُدَ اللهَ. وعندما نَجتمعُ مَعًا في اجتِماعِ شَعبِهِ المَفدِيِّ، ونَفتَحُ أفواهَنا، لَيْتَ التَّسبيحَ يَتَدَفَّقُ مِنها بسببِ التَّأمُّلِ والاكتشافِ حَتَّى تُقَدِّمَ أرواحُنا الدَّاخِلِيَّةُ العِبادَةَ لَهُ.
والآن، في المَرَّةِ القَادِمَة، سَوفَ نَتحدَّثُ عَن مَكانَةِ الحَقِّ وكيفَ أنَّهُ يَضَعُ الأساسَ للعِبادَةِ الصَّحيحَة. دَعُونا نُصَلِّي:
لَقد تَطَرَّقْنا إلى بِضعةِ أفكارٍ عَمليَّةٍ في هذا الصَّباحِ، يا رَبّ. وَنَحنُ نَعلَمُ أنَّكَ لا تَكشِفُ البتَّةَ لَنا عَن كَلِمَتِكَ حَتَّى نَبقى بَعيدينَ عَنكَ، أو حَتَّى نُفَكِّر فيها، أو نَتأمَّل بِها؛ بَل إنَّكَ تَفعلُ ذلكَ دائِمًا لكي نُمَارِسَها.
This article is also available and sold as a booklet.
