Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أرجو مِنكُم أن تَفتَحُوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ مَرَّةً أخرى، مِن فَضلِكُم، على إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الرَّابعِ في هذه العِظَةِ الأخيرةِ في سِلْسِلَةِ العِبادَة. وهذه هي العِظَة الثَّامِنَة. ورُبَّما كانت هذه اكثرَ عُمْقًا مِن كُلِّ العِظاتِ السَّابقةِ على مَا أرجو.

وأودُّ أن أُذَكِّرَكُم بالنَّصِّ الَّذي نَتأمَّلُ فيهِ مِن خلالِ قِراءةِ العَدَدَيْن 23 و24. فيسوعُ يَقولُ: "وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا".

أنا مُهْتَمٌّ جدًّا، كما تَعلَمونَ، بموضوعِ العِبادَة. وَقد كُنتُ أتساءَلُ إن كانَ هذا الموضوعُ فَريدًا في عَصرِنا هذا. لِذا فقد رُحْتُ في الأسبوعِ الماضي أقرأُ ما كَتَبَهُ شُرَّاحٌ قُدَماء للكِتابِ المُقَدَّس، وعَددٌ مِن قِدِّيسي اللهِ السَّابِقين لكي أرى ما إذا كانُوا هُم أيضًا قَد اختبَرُوا فَتراتٍ مُشابهةً فَقَدَتْ فيها الكنيسةُ نَظرَتَها السَّليمةَ للعِبادَة. وقد وَجدتُ أنَّ الأمرَ كذلكَ حَقًّا.

والحقيقةُ هي أنَّهُ طَوالَ تاريخِ الكنيسة، يَبدو أنَّ هناكَ صَرْخَةً دائِمَةً تَدعو شَعبَ اللهِ إلى حَياةِ العِبادَة. فعلى سَبيلِ المِثال، قَالَ القِدِّيس "أنسِلم" أُسقُف كانتربري (St. Anselm of Canterbury) قبلَ سَنواتٍ طَويلة: "استَيقِظ أيُّها الإنسانُ الغَافِل. اهرُب قَليلاً مِن أشاغيلِك. أَرِحْ نَفسَكَ قليلاً مِن الأفكارِ الَّتي تُزعِجُكَ. انْسَ الآنَ هُمومَكَ الَّتي تُتعِبُكَ، وَضَع جَانِبًا أعمالَكَ المُرهِقَة. اترُك مَجالاً لِصَرْفِ وقتٍ معَ اللهِ، واسْتَرِحْ قَليلاً فيه. في مَخدَعِكَ الصَّغير، اطرُد كُلَّ الأفكارِ ولا تَترُك إلاَّ الأفكارَ المُختصَّةَ باللهِ والأشياءَ الَّتي قَد تُساعِدُكَ في عِبادَتِه. تَحَدَّث الآنَ إلى اللهِ وَقُل: ’أنا أَطلُبُ وَجهَكَ. وَجْهَكَ يا رَبُّ أطلُب‘". لِذا فقد دَعَا شَعبَهُ إلى العِبادَة.

وَقد كُنتُ أقرأُ على مَتْنِ الطَّائرةِ في رِحلةِ العَودةِ مِن دالاس يومَ الأربعاء "يَومِيَّات أندرو بونار" (The Diary of Andrew Bonar)، وَهُوَ قِدِّيسٌ عَظيمٌ عَاشَ في القَرنِ التَّاسع عَشَر. وَقد دَوَّنَ التَّأمُّلاتِ والأفكارَ والدُّروسَ الَّتي عَلَّمَهُ اللهُ إيَّاها، ودَوَّنَ انطباعاتَهُ كُلَّ يَوم. وقد ابتدأتُ مِن بِدايةِ الكِتابِ، وتَصَفَّحْتُهُ، وَقَرأتُ كُلَّ شَيءٍ كَتَبَهُ عَن يَومِ الرَّبِّ؛ أيْ عَن يَومِ الأحد. والكثيرُ مِمَّا كَتَبَهُ يَتَمَحوَرُ حَولَ فِكرةِ العِبادَة. وَقَد لَمَسَني أحدُ المَقاطِعِ لَمسةً خَاصَّةً إذْ إنَّهُ كَتَبَ في يَومِ الرَّبِّ السَّادِسِ والعِشرينَ مِن سَنة 1881: "طَوالَ اليَومِ كُلِّه وفي كُلِّ خِدمَةٍ، شَعرتُ أنِّي أَتَقَوَّى وَأتَشَجَّعُ بِحُضورِ الرَّبِّ في الرُّوحِ أكثرَ مِنَ المُعتاد. فقد كانت هُناكَ لَحَظاتٌ مِنَ القُرْبِ الشَّديد".

وقَد تَوقَّفتُ عندَ تلكَ العِبارَة: "لَحَظاتٌ مِنَ القُرْبِ الشَّديد" وقُلتُ لنفسي: "أنا أَتُوقُ إلى اختبارِ تِلكَ اللَّحَظاتِ؛ اللَّحظاتِ الَّتي أشعُرُ فيها بِقُوَّة بالقُربِ مِنَ الله". وأنا أتساءَلُ إنْ كانَ أغلبيَّةُ المَسيحيِّينَ قَدِ اختَبَروا حَقًّا ذلك! وأنا أتساءَلُ إن كانَ بِمَقدورِكُم أن تَرجِعُوا بِذاكِرَتِكُم إلى الوراءِ وتَعثُروا على لَحَظاتٍ مِنَ القُربِ الشَّديد؛ أيْ لَحَظاتٍ اقتَربتُم فيها مِنَ اللهِ وشَعرتُم كَما جَاءَ في رِسالةِ يَعقوب 4: 8 أنَّ اللهَ اقتَرَبَ هُوَ أيضًا إليكُم؛ أيْ لَحظاتٍ شَعرتُم فيها بِقُوَّة بحُضورِ اللهِ، أو لَحظاتٍ صَارَ فيها قُرْبُ اللهِ شَبيهًا بِأيديكُم وأرجُلِكُم وأنفاسِكُم! أيْ بذلكَ القُرْبِ الشَّديد!

وطَوالَ هذهِ السِّلسِلَة، كانَ هَذا هُوَ حَقا القَصد والهَدف مِنها: أنْ نَقتَرِبَ إلى اللهِ ونُغمَر حَقًّا بحُضورِه. وأنا أَعِظُ نَفسي قَبلَ أن أعِظَ بِكُم، وَأتحدَّثُ إلى قَلبي أنا شَخصيًّا. فكيفَ أتوقَّعُ مِنكُم أن تَقترِبُوا هَكذا إلى اللهِ إن لم أفعل أنا ذلك؟ ولكِنَّ شَوقَ قَلبي هُو أن آتي وَأتكلَّمَ إليكُم، وأَعِظَ بِكُم، وأُعَلِّمَكُم، وأنقِلَ إليكُم مِن خِلالِ ذلكَ الوَعظِ والتَّعليمِ قُوَّةَ اللهِ الَّتي لا يَحصُلُ عليها سِوى الأشخاصِ الَّذينَ هُم في حَضرَتِه لأنِّي أعلَمُ أنَّ مَا تَسمَعونَهُ مِن عَلى هذا المِنبَرِ إمَّا سَيُساعِدُكم في عِبادَتِكُم أو سَيُدَمِّرُها.

وَقد قَالَ "ريتشارد فوستر" (Richard Foster) قبلَ سَنواتٍ: "الوَعظُ الَّذي يَخلُو مِنَ القُوَّةِ الإلهيَّةِ سيَنزِلُ كالصَّقيعِ على العِبادَة. أمَّا الوَعظُ النَّابِعُ مِنَ القَلبِ [كَما يَقولُ] فإنَّهُ يُضْرِمُ رُوحَ العِبادَة. والوَعظُ النَّابِعُ مِنَ الرَّأسِ يُخْمِدُ الجَمَراتِ المُتَّقِدَة".

لِذا فإنِّي أَتَحَمَّلُ مَسؤوليَّةً عَظيمة. وأعتقدُ أنَّنا اختَبَرْنا وَسَمِعْنا جميعًا وَعظًا كِتابِيًّا يُفَسَّرُ تَفسيرًا صَحيحًا ويَستَنِدُ إلى الكتابِ المقدَّسِ؛ ولكِنَّهُ وَعْظٌ جَافٌّ، وَبَارِدٌ، ومُثَلِّجٌ، ويَنزِلُ مِثلَ الصَّقيعِ على عِبادَتِنا. مِن جِهَةٍ أخرى، لقد اختَبَرنا قُوَّةَ اللهِ العَظيمة الَّتي تَمْسَحُ خَادِمَ اللهِ، والأوقاتَ الَّتي يَتكلَّمُ فيها كَما لو أنَّهُ قَد جَاءَ مِن مَحضَرِ اللهِ ذَاتِه. لِذا، مَعَ أنَّ هذهِ السِّلسِلَةَ مُوَجَّهَةٌ إليكُم جَميعًا، فإنَّها مُوَجَّهَة تَحديدًا إليَّ أنا شَخصيًّا.

والآن، في نَظرَتِنا هَذِهِ إلى العِبادَة، لم نَتَمَكَّنْ بِكُلِّ تأكيدٍ مِنَ الإحاطَةِ بِكُلِّ جَوانِبِها، ولكِنَّنا لَمَسْنا أطرافَها على رَجاءِ أنْ يَبتَدِئَ اللهُ بِتَعليمِنا. وَقد نَظرنا إلى تَعريفِ العِبادَة، وتَحَدَّثنا عن أهميَّةِ العِبادَة، وعَرفْنا أهميَّتَها لأنَّها تَحْتَلُّ الأولويَّةَ الأولى عِندَ اللهِ. فَهُوَ يَطلُبُ عَابِدينَ حَقيقيِّينَ (كَما نَقرأُ في هَذا المَقطَعِ الكِتابِيِّ). وَقد تَحَدَّثنا عن مَصدرِ العِبادَةِ وَقُلنا إنَّهُ الخَلاص. فقد افتُدينا حَتَّى نَعبُدَ اللهَ. وقد تَحَدَّثنا عن الإلَهِ المَعبودِ وقُلنا إنَّهُ اللهُ بِصِفَتِهِ الرُّوحَ، وأبَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح. وَقد تَحَدَّثنا عن نِطاقِ الصَّلاةِ إذْ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نَعبُدَ اللهَ في كُلِّ الأمكِنَةِ وكُلِّ الأزمِنَةِ؛ وَتَحديدًا في اجتِماعِ شَعبِ اللهِ المَفدِيِّ. والآن، سَوفَ نَتحدَّثُ عن طَبيعَةِ أو جَوهرِ العِبادَة؛ أيْ عَنْ مَاهِيَّتِها.

لِذا فقد قَرأتُ العَدَدَيْن 23 و24 حيثُ نَقرأُ مَرَّتَيْنِ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نَعبُدَ اللهَ "بالرُّوحِ والحَقّ". فيجبُ علينا أن نَعبُدَ اللهَ بالرُّوحِ والحَقّ. فهذا هُوَ التَّوازُنُ الكَامِل. فلا يَجوزُ لنا أن نَعبُدَهُ بالرُّوحِ فقط؛ أيْ ليسَ بِحماسَةٍ فقط، بل أيضًا بالحَقّ. وليسَ بالرُّوحِ فقط، بل بِحَماسَة. فَنَحنُ نَعبُدُ اللهَ مِنَ الجُزءِ الدَّاخِلِيِّ مِن نُفوسِنا ونُعَبِّرُ عن أنفُسِنا بِحَسَبِ الحَقِّ الَّذي يُعلِنُهُ اللهُ لَنا.

ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّني أريتُكُم أنَّ السَّامِرِيِّينَ كَانُوا يَعبُدونَ اللهَ بالرُّوحِ ولكِن ليسَ بالحَقّ، وَأنَّ اليَهودَ كَانُوا يَعبُدونَ اللهَ بالحَقِّ ولكِن ليسَ بالرُّوح. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقول: "لا يَنبغي أن يُعبَدَ اللهُ في جِرِزِّيم، وَلا في أورُشَليم، بَل يَنبغي أن يُعبَدَ بالرُّوحِ والحَقّ". فَالعِبادَةُ الحَقيقيَّةُ تَستوجِبُ كِلا هَذَيْنِ الجَانِبَيْنِ مَعًا. فلا يَجوزُ أن تَعبُدوا اللهَ بِحماسَةٍ إنْ كانَـت عَقيدَتُكُم بِدعَة، وَلا يُمكِنُكم أن تَعبُدوهُ أيضًا عِبادَةً قَويمةً جَافَّةً في الوقتِ نَفسِه إنْ كُنتُم تَسْعَوْنَ إلى عِبادَتِهِ عِبادَةً حَقيقيَّة. فَينبغي أن يَكونَ هُناكَ دَمْجٌ بينَ الجَانِبَيْن. فَلا يَجوزُ أن تَكونَ لَديكُم حَرارَة مِن دُونِ نُور، وَلا يَجوزُ أن يَكونَ لَديكُم نُورٌ مِن دُونِ حَرارة؛ بَل يَنبغي أن يَكونَ الجَانِبانٍ مُتوازِنَيْن.

ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّنا تَحَدَّثنا في المَرَّةِ السَّابقةِ عن فِكرةِ الرُّوح وَقُلنا إنَّ عِبادَةَ اللهِ بالرُّوح تَعني أن نَعبُدَ اللهَ مِن كِيانِنا الدَّاخِلِيّ. فهي ليست عِبادة سَطحيَّة، وليسَت عِبادَة خَارِجيَّة، وليست عِبادَة شَكليَّة، وليسَت عِبادَة طَقسيَّة، بَل عِبادةٌ مِنَ القَلب. وَهذا هُوَ مَا قَصَدَهُ المُرَنِّمُ في المَزمور 103 حينَ قَال: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوس". وَهذا هُوَ مَا قَصَدَهُ بولسُ في رِسالة رُومية 1: 9 حينَ قال: "أنا أعبُدُ اللهَ بِروحِي".

وقد قُلنا لَكُم إنَّ هُناكَ العَديدَ مِنَ العَناصِر الضَّروريَّة لِعبادةِ اللهِ بالرُّوح. أوَّلاً، الحياةُ الرُّوحِيَّة. فينبغي أن نَكونَ أحياءً رُوحِيًّا؛ أيْ أحياءَ لله. فيَنبغي أن نَكونَ أشخاصًا يَسكُنُ فيهم الرُّوحُ القُدُس. وَهذا شَيءٌ يَحدُثُ عِندَ الخَلاص. إذًا، في البداية، لكي نَعبُدَ اللهَ بالرُّوح، يَجبُ علينا أن نَتغيَّرَ مِنَ الدَّاخِل مِن خِلالِ سُكْنَى رُوحِ اللهِ فينا.

ثَانيًا، يجب علينا أن نُرَكِّزَ أذهانَنا على الله. فالعِبادةُ تَنبُعُ مِنَ القلبِ الَّذي يُفَكِّرُ في الله.

ثَالثًا، أفكارُنا عَنِ اللهِ تَتوقَّفُ على اكتشافِ كلمةِ اللهِ والتَّأمُّلِ فيها. فعندما نَنظرُ إلى كلمةِ اللهِ، ونَكتشفُ حَقائِقَها، ونَتأمَّلُ فيها سَنَجِدُ أنفسَنَا نَعبُدُ اللهَ.

ثُمَّ رَابِعًا، يجبُ أن نَملِكَ قَلبًا غَيرَ مُنقَسِم... قَلبًا غَيرَ مُنقَسِم. وكما قَرأتُ في بِدايةِ عِبادَتِنا في هذا الصَّباحِ مِنَ المَزمورِ التَّاسِعِ، فإنَّ المُرَنِّمَ يَقول: "أَحْمَدُ الرَّبَّ بِكُلِّ قَلْبِي". أَحْمَدُ الرَّبَّ بِكُلِّ قَلْبِي.

لِذا فإنَّ العِبادةَ بالرُّوحِ تَعني أن يَكونَ رُوحُنا قَد تَغَيَّرَ مِن خِلالِ التَّجديدِ وَصارَ يُفَكِّرُ في اللهِ، ويُرَكِّزُ كُلَّ حَواسِّهِ عليهِ وَعلى عَمَلِه. وتلكَ الأفكارُ تَنبُعُ مِنَ اكتشافِ كلمةِ اللهِ والتَّأمُّلِ فيها، وتَنْهَمِرُ عَائِدَةً إلى اللهِ مِن خِلالِ القَلبِ غَيرِ المُنقَسِم.

وكَما تَعلَمونَ، فإنَّ هَذا مَذكورٌ مَرَّاتٍ كَثيرة جدًّا في العهد القديم، ويُمكِنُكم أن تَقرأوا عَنهُ في سِفْرِ إشَعْياء، ويُمكِنُكُم أن تَقرأوا عَنهُ في سِفْرِ إرْميا وَسِفْرِ حِزْقِيال. ويُمكِنُكم أن تَرَوْهُ في العهدِ الجديدِ في إنجيلِ مَتَّى. فالرَّبُّ يَدينُ النَّاسَ لأنَّهُم يَعبُدونَهُ خَارِجِيًّا في حينِ أنَّ قَلبَهُم بَعيدٌ عنهُ. وهذهِ عِبارَةٌ مَألوفَةٌ جدًّا. فهؤلاءُ النَّاسُ يَعبُدونَني بالشَّكلِ فقط؛ ولكِنَّ قَلبَهُم بَعيدٌ عَنِّي. وهذا مُناقِضٌ جدًّا لِما يُريدُهُ اللهُ. فَهُوَ يُريدُ قَلبًا قَريبًا مِنهُ.

لِذا فإنَّ العِبادَةَ الحَقيقيَّةَ يُعَبَّرُ عنها بوضوحٍ تَامٍّ، على سبيلِ المِثالِ، في المَزمور 108 إذْ إنَّنا نَقرأُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ في بِدايةِ المَزمور: "ثَابِتٌ قَلْبِي يَا اَللهُ. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ". وَفي العَددِ الثَّاني: "اسْتَيْقِظِي أَيَّتُهَا الرَّبَابُ وَالْعُودُ. أَنَا أَسْتَيْقِظُ سَحَرًا. أَحْمَدُكَ بَيْنَ الشُّعُوبِ يَا رَبُّ". بِعبارةٍ أخرى فإنَّ تَرانيمَ الحَمْدِ تَنبُعُ مِن قَلبٍ ثَابِتٍ، وقَلبٍ غَيرِ مُنقَسِمٍ، وقَلبٍ رَاسِخٍ يُرَكِّزُ تَحديدًا وَفَقَط على الله.

وفي المَزمور 112 نَجِدُ مَزمورَ حَمْد. وَهُوَ يَبتَدِئُ هَكذا: "هَلِّلُويَا". وَهُوَ يُسَبِّحُ الرَّبَّ. وكيفَ يَستطيعُ القلبُ أن يُسَبِّحَهُ؟ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "قَلْبُهُ ثَابِتٌ"، ثُمَّ في العَددِ الثَّامن: "قَلْبُهُ مُمَكَّنٌ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّ القَلبَ الثَّابِتَ، والقَلبَ المُمَكَّنَ، والقَلبَ الَّذي يُرَكِّزُ كُلِّيًّا على عَجائِبِ اللهِ هُوَ قَلبٌ يَصْدُرُ عَنهُ تَسبيح.

وفي المَزمور 57، نَجِدُ مَرَّةً أخرى نَفسَ الفِكرة إذْ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "ثَابِتٌ قَلْبِي يَا اَللهُ، ثَابِتٌ قَلْبِي. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ. اسْتَيْقِظْ يَا مَجْدِي! اسْتَيْقِظِي يَا رَبَابُ وَيَا عُودُ! أَنَا أَسْتَيْقِظُ سَحَرًا. أَحْمَدُكَ بَيْنَ الشُّعُوبِ يَا رَبُّ. أُرَنِّمُ لَكَ بَيْنَ الأُمَمِ. لأَنَّ رَحْمَتَكَ قَدْ عَظُمَتْ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى الْغَمَامِ حَقُّكَ. ارْتَفِعِ اللَّهُمَّ عَلَى السَّمَاوَاتِ. لِيَرْتَفِعْ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ مَجْدُكَ".

وَكما تَرَوْنَ، فإنَّهُ مَرَّةً أخرى قَلبٌ ثَابِتٌ، وقَلبٌ رَاسِخٌ، وقَلبٌ مُمَكَّنٌ، وقَلبٌ يُرَكِّزُ تَمامًا على الله. لِذا، يَنبغي أن يَسكُنَ فيكُم رُوحُ اللهِ، وَأن يَتغيَّرَ قَلبُكُم، وَأن تَتَرَكَّزَ أفكارُكُم على اللهِ، وَأن تُرَكِّزُوا على كلمةِ اللهِ مِن خلالِ اكتشافِ الحَقِّ والتَّأمُّلِ فيه، وَأنْ تَملِكُوا قَلبًا ثَابِتًا وغَيرَ مُنقَسِم.

ونَحنُ نَسألُ أنفسَنَا السُّؤالَ التَّالي: هَل نَحنُ كذلكَ حقًّا عندما نَأتي لِعِبادةِ الله؟ هُناكَ أوقاتٌ كثيرةٌ نَظُنُّ فيها أنَّنا كذلكَ في حين أنَّنا لَسنا كذلك. وَهُنا يَأتي المَزمورُ 139. وأنا أرى أنَّهُ مَزمورٌ مُدهشٌ جدًّا. وأنتُم تَعرِفونَ هذهِ الكلمات. استَمِعُوا وَحَسْب إليها. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 139: 23-24: "اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا".

والآن، إنَّ دَاوُدَ يَقول: "اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. وَإنْ وَجَدْتَ شَيئًا ليسَ على مَا يُرام، عَالِجْهُ". وَهذا إقرارٌ بأنَّ حَتَّى داوُدَ لم يَكُن يَفهمُ تَمامًا قَلبَهُ. فَرُبَّما شَعَرَ بأنَّهُ عَالَجَ كُلَّ شَيءٍ. لِذا فإنَّهُ يَقول: "يا رَبُّ، قَد تَكونُ هُناكَ أشياءٌ لا أراها". وَقد يَكونُ العَائِقُ في قُلوبِنا وَحَياتِنا، أوِ السَّببُ وَراءَ صُعوبَةِ تَخَلِّينا عَن ذَواتِنا عندما نَعبُدُ اللهَ، والسَّببُ في أنَّنا لا نَختَبِرُ قُربَ اللهِ كَما نُحِبُّ أن نَختَبِرَهُ هُوَ أنَّهُ تُوجَدُ جَوانِبٌ في حَياتِنا لم تُعالَج، أو رُبَّما تَوجَدُ جَوانِب لا نَراهَا وَلا يَعرِفُها أحدٌ سِوى الله. لِذا، عندما يَخْتَصُّ الأمرُ بِموضُوعِ العِبادَةِ هَذا والقَلبِ غَيرِ المُنقَسِم، يجب علينا أن نَأتي بِروحٍ مُنفَتِحٍ وَتائِب. وَهذا هُوَ العُنصُرُ الخَامِسُ في العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ بالرُّوح.

فَلا بُدَّ مِن أن يَكونَ هُناكَ انفِتاحٌ. وَلا بُدَّ مِن أن يَكونَ هُناكَ استِعدادٌ للقَول: "يا رَبّ، سَلِّطْ مِصْباحَ الفَحْصِ. وَإنْ وَجَدْتَ أيَّ شَيءٍ مُختَبِئًا في رُكْنٍ مَا، اكْشِفْهُ لي". وَإنْ وَجدتَ أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جدًّا عليكَ أن تَعبُدَ اللهَ، وَإنْ جِئتَ إلى هُنا وَرَجعتَ إلى البيتِ، وَأدركتَ أنَّ هُناكَ تَغييرًا طَفيفًا في حَياتِكَ، وَأنَّ هُناكَ إحساسًا وَلَو ضَئيلاً بِقُربِ اللهِ، وَأنَّ هُناكَ إحساسًا وَلَو ضَئيلاً بالدُّخولِ إلى الحَضرةِ الإلهيَّةِ، قَد يكونُ السَّببُ في ذلكَ هُوَ أنَّ هُناكَ جَوانِبَ في حَياتِكَ كُنتَ تَتَجاهَلُها مُنذُ وقتٍ طَويلٍ ولا يَعرِفُها أحدٌ سِوى اللهِ، وَأنَّكَ تَضَرَّعتَ إليهِ حَتَّى يَبْحَثَ عَنها وَيَكشِفَها لكَ، ثُمَّ اعتَرَفْتَ بها بِروحِ الانكسارِ والنَّدَم.

فَكما تَرَوْنَ، يَنبغي لنا أن نُعالِجَ هذهِ الأمور. ففي كُلِّ مَرَّةٍ نَتحدَّثُ فيها عَن موضوعِ العِبادَةِ في الكتابِ المقدَّسِ، يَنبغي أن نَتحدَّثَ عنِ التَّطهيرِ، والتَّنقيةِ، والتَّزكِيَةِ، والاعترافِ، والتَّوبةِ لأنَّ الشَّخصَ الوَحيدَ الَّذي يَستطيعُ أن يَدخُلَ تَمامًا وكُلِّيًّا في شَرِكَةٍ مَعَ اللهِ القُدُّوسِ تَمامًا هُوَ الشَّخصُ الَّذي غُفِرَت خَطاياهُ تَمامًا. ونحنُ لا نُريدُ أن نُسرِعَ إلى الدُّخولِ إلى حَضرةِ اللهِ في نَجاسَتِنا ظَنًّا مِنَّا أنَّ كُلَّ شَيءٍ على مَا يُرام. فَيجبُ عَلينا أن نَفعلَ مَا فَعَلَهُ إشَعْياءُ وَأنْ نَعتَرِفَ أمامَ اللهِ بخطايانا، وَأنْ نَسمَحَ لَهُ بأنْ يَلمَسَ بتلكَ الجَمْرَةِ المُشتعلةِ والمُلتَهِبَةِ شِفاهَنا إنْ دَعَتِ الضَّرورةُ إلى ذلكَ كَي يُطَهِّرَنا.

لِذا فإنَّنا نَعبُدُهُ بالرُّوحِ عِندما يَسكُنُ رُوحُ اللهِ فينا، وعندما نُبدِي استِعدادَنا لِتَركيزِ أفكارِنا على اللهِ، وعندما نَغوصُ في أعماقِ كلمةِ اللهِ، ونَكتَشِفُها، ونَتأمَّلُ فيها بِقلبِ غَيرِ مُنقَسِمٍ، ونَسْمَحُ للهِ أنْ يَفْحَصَ قَلبَنا وَيَكشِفَ أيَّ شَيءٍ يَقِفُ عَائِقًا بينَنا وَبينَهُ. فهذهِ هِيَ العِبادَةُ بالرُّوح.

والآن، لقد كَتَبَ "تشارنوك" (Charnock) قبلَ سَنواتٍ طَويلة الكلماتِ التَّالية: "مِن دُونِ القَلبِ لا تُوجَد عِبادة، بَل هِيَ مَسرحيَّة. فهي تَمثيلٌ لِشخصيَّة دُونَ أن تَكونَ ذلكَ الشَّخصَ حَقًّا. إنَّهُ رِياءٌ وَحَسْب". ثُمَّ استَمِعوا إلى مَا يَلي: "فيُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّنا نَعبُدَ اللهَ مَعَ أنَّنا نَفتَقِرُ إلى الكَمال، ولكِن لا يُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّنا نَعبُدُ اللهَ إنْ كُنَّا نَفتَقِرُ إلى الصِّدق".

وَهذا صَحيحٌ تَمامًا. فقد نَعبُدُ اللهَ حَتَّى إنْ لم نَكُن كَامِلين، ولكِن لا يُمكِنُنا أن نَعبُدَهُ مِن دُونِ صِدق. لِذا، عندما نَأتي لِنَعبُدَ اللهَ، ينبغي أن نَعبُدَهُ مِن أعماقِ كِيانِنا؛ أيْ عِبادَةً صَادِقَةً لله. لِذا فإنَّنا نُخْضِعُ أرواحَنا للرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يَملأُنا بِحُضورِهِ وقُوَّتِه. ونحنُ نَطلُبُ مِنهُ أن يُطَهِّرَ كُلَّ رُكْنٍ مِن حَياتِنا. وَحينئذٍ فقط يُمكِنُ للعِبادَةِ أن تَحدُث. فَلا يُوجَد شَيءٌ سَطحِيٌّ في ذلك.

والآن، لِنَنظُر إلى العُنصُرِ الثَّاني في هَذَيْنِ العُنْصُرَيْنِ المُتوازِنَيْن: نَحنُ نَعبُدُ اللهَ بالحَقّ. نَحنُ نَعبُدُ اللهَ بالحَقّ. وَقد تَحَدَّثنا قَليلاً عن ذلكَ في المَرَّةِ السَّابقةِ في مَعرِضِ حَديثِنا عَن فِكرةِ اكتشافِ الكلمةِ والتَّأمُّلِ فيها. ولكِن اسمَحُوا لي أن أتوسَّعَ فيها إنْ أَمْكَنَني ذلك. فكُلُّ العِبادَةِ هِيَ تَجاوُبٌ مَعَ الحَقّ. كُلُّ العِبادَةِ هِيَ تَجاوُبٌ مَعَ الحَقّ. فَلا تُوجَد عِبادَة ليست مُرتبطة ارتباطًا وَثيقًا بالحَقّ. فالعِبادَةُ ليسَت شَيئًا عَاطِفِيًّا يَختصُّ بكلامِ اللهِ ويُنشِئ مَشاعِر؛ بل إنَّ العِبادَةَ تَجاوُبٌ قَائِمٌ على الحَقّ.

لَقد طَرَحَ بيلاطُس سُؤالاً مُهِمًّا جدًّا: "مَا هُوَ الحَقّ؟" وقد أَجابَ يَسوعُ عَن هذا السُّؤال في إنجيل يُوحَنَّا 17: 17 حينَ قَال: "كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ"، أو نَقرأُ في المَزمور 119 أنَّ شَهاداتِ الرَّبِّ حَقّ.

والآن، إن أردنا أن نَعبُدَ بالحَقّ، وكانت كلمةُ اللهِ حَقّ، إذًا يجبُ علينا أن نَعبُدَ مِن خِلالِ فَهمِنا لكلمةِ الله. فإن أردنا أن نَعبُدَ اللهَ بالحَقِّ، يجب علينا أن نَفهَمَ مَن هُوَ. والمَكانُ الوَحيدُ الَّذي أعلَنَ فيهِ عن ذاتِهِ هُوَ في كلمتِه.

وفي رِسالة رُومية 1: 18، نَقرأُ أنَّ "غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ". وَهَذا يُشيرُ إلى الحَقِّ بِمَعنى الضَّمير، أوِ الحَقِّ الَّذي يُسَمَّى "الإعلانَ العَامّ". ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 19: "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ".

فاللهُ، قَبلَ كُلِّ شَيء، أعلَنَ عَن ذَاتِهِ إعلانًا عَامًّا في الضَّميرِ وفي الخَليقَة. والنَّاسُ يُدركونَ ذلكَ الحَقَّ المُختصَّ بالله. ولكِنَّ العَدد 25 يَقولُ إنَّهُم: "اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِق". فَقد كَانَ كُلُّ قَصدِ اللهِ هُوَ أن يُعلِنَ نَفسَهُ. وقد أعلَنَ نَفسَهُ أوَّلاً في الخَليقةِ والضَّمير، ثُمَّ أعلَنَ نَفسَهُ بوضوحٍ تَامٍّ في صَفَحاتِ كلمةِ الله. وإن أردنا أن نَعبُدَ اللهَ بالحَقِّ، يجب علينا أن نَعبُدَهُ بالحَقِّ كَما يَنبغي أن يُعبَد.

والمَكانُ الوَحيدُ الَّذي نَجِدُ فيهِ حَقَّ اللهِ مُفَصَّلاً هُوَ في الكتابِ المقدَّس. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يُوَضِّحُ إلَهَ الخَليقةِ وَإلَهَ الضَّمير. فكُلُّ شَيءٍ نَعرِفُهُ عَنِ اللهِ مَوجودٌ في كلمةِ الله. لِذا، لكي نَعبُدَ اللهَ بالحَقِّ فَإنَّ هَذا يَعني أن نَعبُدَهُ مِن خِلالِ فَهمِنا لكلمةِ الله. فلا يُمكِنُكَ أن تَعبُدَ اللهَ في الفَراغ. وَلا يُمكِنُكَ أن تَعبُدَ اللهَ بِمَعزِلٍ عَن إعلانِه.

وَهُناكَ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ على ذلكَ في الأصحاحِ الثَّامِنِ مِن سِفْرِ نَحَمْيا حيثُ نَقرأُ أنَّ عَزْرَا "فَتَحَ... السِّفْرَ أَمَامَ كُلِّ الشَّعْبِ"؛ أيْ أنَّهُ فَتَحَ كَلِمَةَ اللهِ. وَقَدْ فَتَحَهَا وَهُوَ وَاقِفٌ "فَوْقَ كُلِّ الشَّعْبِ" على مِنْبَرٍ. "وَعِنْدَمَا فَتَحَهُ وَقَفَ كُلُّ الشَّعْبِ [عِنْدَ فَتْحِ كَلِمَةِ اللهِ]. وَبَارَكَ عَزْرَا الرَّبَّ الإِلهَ الْعَظِيمَ. وَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «آمِينَ، آمِينَ!» رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ، وَخَرُّوا وَسَجَدُوا لِلرَّبِّ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْضِ". فَمُجَرَّدُ فَتْحِ كلمةِ اللهِ جَعَلَ جَميعَ الشَّعبِ يَخِرُّونَ على رُكَبِهِم ويَسجُدونَ للرَّبّ.

كُلُّ العِبادَةِ [اسمَعُوا الآن] هِيَ تَجاوُبٌ مَعَ حَقٍّ يَخْتَصٌّ بالله. وَكُلُّ الحَقِّ المُختصِّ باللهِ مُعلَنٌ في كَلِمَتِه. لِذا، إنْ كُنَّا قَدْ دُعينا إلى عِبادَةِ اللهِ، يجبُ علينا أن نَعبُدَ اللهَ كَما هُوَ. وَإن أردنا أن نَعرِفَ اللهَ على حَقيقَتِه، يجبُ علينا أن نَنظُرَ إلى إعلانِهِ عَن ذَاتِه. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَكشِفُ الحَقَّ المُختصَّ باللهِ والَّذي نَستَرشِدُ بِهِ في عِبادَتِنا.

والحَقُّ هُوَ العَامِلُ المَوضوعِيٌّ في العِبادَةِ، والرُّوحُ هُوَ العَامِلُ الذَّاتِيُّ. ولكِنْ يَجِب أن يَتوافَرَ العُنصُرانِ مَعًا. وَهُناكَ جُملةٌ مُدهشةٌ جدًّا في المَزمور 47: 7 إذْ نَقرأُ بِحَسَبِ إحدى التَّرجَماتِ: "رَنِّمُوا للهِ بِفَهْمٍ". رَنِّمُوا للهِ بِفَهْمٍ. فكُلُّ العِبادَةِ يَنبغي أن تَكونَ قَائمةٌ على الحَقّ. فالعِبادَةُ لا تَعني أن يُمسِكَ بَعضُنا بأيدي بَعضٍ، وَلا أن نَتَمايَلَ يَمينًا وشِمالاً، وَلا أنْ نَختَبِرَ أشياءً غَريبةً، وَلا أنْ نَختَبِرَ أشياءً ليسَ لَها مَعنى أو مَضمون. فهذهِ ليسَت عِبادَة. والعِبادَةُ ليسَت حتَّى شُعورًا جَميلاً؛ مَعَ أنَّ المَشاعِرَ الجَميلةَ شَيءٌ جَيِّد.

فالعِبادَةُ تَعبيرٌ عَنِ التَّسبيحِ مِن أعماقِ القَلبِ لإلَهِ نَفهَمُ مَنْ هُوَ كَما أعلَنَ حَقًّا عن ذَاتِه. "رَنِّمُوا للهِ بِفَهْمٍ". فَلا تُوجَد أيَّةُ فَضيلةٍ في أن تَقولَ إنَّكَ تَعبُدُ اللهَ بطريقةٍ لا تَفهَمُها أنتَ وَلا يَفهَمُها أيُّ شَخصٍ آخر. وَلا تُوجَد عِبادَةٌ حَقيقيَّةٌ بِمَعزِلٍ عَنِ الفَهمِ الصَّحيحِ لله. وَأيَّة جَماعَة لا تَفهَمُ الحَقَّ المُختصَّ باللهِ لا تَعبُدُ اللهَ، ولا تَستطيعُ أن تَعبُدَ اللهَ لأنَّهُ يُعبَدُ بالرُّوحِ وَالحَقّ.

وفي رِسالةِ كُورِنثوسَ الثَّانية 4: 2، يَقولُ بُولُس: "بَلْ قَدْ رَفَضْنَا خَفَايَا الْخِزْيِ..." – أيْ أنَّنا لا نُمارِسُ الخِدَعَ. "...غَيْرَ سَالِكِينَ فِي مَكْرٍ، وَلاَ غَاشِّينَ كَلِمَةَ اللهِ...". بِعبارةٍ أخرى، نَحنُ لا نَستخدِمُها لِجَعلِ النَّاسِ يَختَبِرونَ مَشاعِرَ مُعَيَّنة، أو للحُصولِ على نَتائِجَ مُعَيَّنة أو تَجاوُبٍ مُعَيَّن. "...بَلْ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ، مَادِحِينَ أَنْفُسَنَا لَدَى ضَمِيرِ كُلِّ إِنْسَانٍ قُدَّامَ اللهِ". فَبولُس يَقول: لَن أستَخدِمَ يَومًا الكتابَ المقدَّسَ لِخِداعِ أيِّ إنسان. وَلَن أُحاولَ يَومًا أن أكذِبَ على أيِّ شخصٍ لكي أُحَقِّقَ غَاياتي الشَّخصيَّة. فكُلُّ ما أريدُ أن أفعلَهُ هُوَ أن أُظهِرَ الحَقَّ. وِبِقيامي بذلكَ فإنِّي أُزَكِّي نَفسي قُدَّامَ الله". فكُلُّ تَجاوُبٍ في العِبادَةِ هُوَ تَجاوُبٌ مَعَ كلمةِ الله.

وَمِنَ المُدهِشِ أنَّ أُناسًا كَثيرينَ لا يَفهمونَ ذلك. وَكما ذَكرتُ في وَقْتٍ مَضَى، فإنَّ النَّاسَ يَسألونَني في أغلبِ الأحيان: "كيفَ يُمكِنُكُم أن تُخَصِّصُوا فَترةَ عِبادَة في حينِ أنَّكَ تُقَدِّمُ عِظاتٍ طَويلة؟ مَتى يُتاحُ الوقتُ للرَّعيَّة أن تَعبُدَ اللهَ؟" وَالجَوابُ هُوَ أنَّكُم لا تَستطيعونَ أن تَعبُدوا اللهَ بِمَعزِلٍ عَنْ فَهْمِ مَن هُوَ. لِذا فإنِّي مُكَرَّسٌ جدًّا للوَعظِ التَّفسيريِّ. وَلِذا فإنِّي مُكَرَّسٌ تَمامًا للوَعظِ النِّظامِيِّ لكلمةِ اللهِ أسبوعًا تِلوَ الآخر. فَلا يُوجَد شَيءٌ آخر نَفعلُهُ.

فيُمكنُني أن أُقَدِّمَ لَكُم عِظاتٍ ذَكِيَّة تُحَرِّك مَشاعِرَكُم، وتُحَرِّك مَواقِفَكُم، ورُبَّما يُمكنني أن أجعَلَكُم تَبكونَ مِن خِلالِ سَرْدِ العَديدِ مِنَ القِصَصِ والأشياءِ الأخرى. ويُمكنُني أن أجعلَ العِظَةَ مُمتِعَةً ومُسَلِّيَةً ومُدهشةً. ولكِن في نِهايةِ المَطافِ قَد تَقولون: "يا للعَجَب! إنَّ جُون مَكآرثر بَارِعٌ في الوَعظ"؛ ولكِنَّكُم لن تَعبُدوا الله. لِذا فإنَّ التَّحَدِّي الأعظَمَ أمامي هُوَ أن أُعَلِّمَ كلمةَ اللهِ وَأدَعَها تُحَرِّضَكُم على التَّجاوبِ مَعَ اللهِ كَما أعلنَ اللهُ عَن ذَاتِهِ في هَذا الكِتاب – أي بِحَسَبِ إعلانِهِ عن ذَاتِه.

لِذا، أعتقدُ أنَّ أيَّ شَابٍّ يُريدُ أن يَخدِمَ دُونَ أن يَكونَ مُكَرَّسًا للوَعظِ التَّفسيريِّ سَيُؤذي نَفسَهُ في نِهايةِ الأمرِ لأنَّهُ يَنبغي للنَّاسِ أن يَتجاوَبُوا في الحَياةِ بِكُلِّ أبعادِها مَعَ الحَقِّ المُعلَنِ في كلمةِ الله. فيجبُ علينا أن نَعبُدَ اللهَ بالحَقّ. والحَقُّ مُعلَنٌ في هذهِ الكلمة. وهذا هُوَ مَصدَرُنا. لِذا فإنِّي مُكَرَّسٌ تَمامًا لحقيقةِ أنَّهُ ينبغي لنا أن نُعَلِّمَ كلمةَ الله.

عندما كانتِ الكنيسةُ الأولى تَجتَمِعُ مَعًا، كانَت تَجتَمِعُ كَي تُناقِشَ عَقيدةَ الرُّسُل، أو كَي تَتَعَلَّمَ عَقيدةَ الرُّسُلِ أو تَعليمِ الرُّسُل. وَما هِيَ تلكَ التَّعاليم؟ لَقد كانت إعلاناتٌ مِنَ اللهِ عَن ذَاتِه. فَهِيَ كَشْفٌ عَنِ الذَّاتِ جَعَلَهُ اللهُ ظَاهِرًا مِن خِلالِ كِتاباتِهم وَتَعاليمِهم. وَهِيَ مَادَّةُ الحَقِّ الَّتي يَستَنِدُ إليها النَّاسُ في عِبادَتِهم. لِذا فَقَد قالَ بولُسُ لتيموثاوُس: "إلى أن أجيءَ، اقرأِ النَّصَّ، وَفَسِّر النَّصَّ، وطَبِّق النَّصَّ. اثبُت في النَّصِّ، وعَلَمِّ العَقيدةَ القَويمَة". وَما هِيَ تلكَ العَقيدة؟ إنَّها الحَقُّ المُختصُّ بالله.

فَنحنُ لا نَجتَمِعُ هُنا لِكَي نَختَبِرَ أمورًا عَاطِفِيَّةً، بَل نَحنُ هُنا لكي نُعَلِّمَكُم عَنِ اللهِ مِن هذا الكِتاب. وَمِن ينبوعِ المَعرفةِ هَذا تَنبُعُ العِبادَة.

وإن أردتُم أن تَرَوْا مَثَلاً إيضاحِيًّا على ذلك، انظُروا إلى رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحِ الرَّابع عَشَر. فَهَذا مَثَلٌ إيضاحِيٌّ جَيِّد. فَقد كانَ النَّاسُ في كَنيسةِ كورِنثوس قدِ انجَرَفُوا وَراءَ النَّشاطاتِ الحَماسِيَّةِ المُتَطَرِّفَةِ الخَالِيَةِ مِنَ المُحتَوى. وَما أعنيه هُوَ أنَّهُم كَانُوا يَتكلَّمونَ بذلكَ الكَلامِ غَيرِ المَفهومِ، وَيُمارِسونَ كُلَّ تلكَ الأشياءِ الَّتي كَانُوا يُمارِسونَها في حَياتِهم الوَثنيَّةِ والَّتي تَسَلَّلَتْ إلى الكَنيسةِ، وَكانُوا يَضَعُونَ المُحتوى والحَقَّ جَانِبًا وَيَسْعَوْنَ إلى الأمورِ الَّتي تُلامِسُ مَشاعِرَهُم. لِذا فَقد كانَ مَا يَفعلونَهُ غَيرَ وَاضِحٍ، وَغيرَ مَفهومٍ، وَلا يُلامِسُ إلاَّ المَشاعِرَ فقط.

وَقد دَانَهُم بُولُسُ في العَدد 14 إذْ قَالَ لَهُم: "إِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِلِسَانٍ [أو لُغَةٍ]، فَرُوحِي تُصَلِّي، وَأَمَّا ذِهْنِي فَهُوَ بِلاَ ثَمَرٍ". وَهذا لا يَجوزُ لأنَّ اللهَ يَطلُبُ أن يُعبَدَ لا فقط بالرُّوحِ، بَل بماذا؟ بالحَقّ. والفَهْمُ الَّذي بِلا ثَمَر هُوَ شَيءٌ لا يُريدُهُ اللهُ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ أَيْضًا". وعِندَما أُرَتِّلُ فإنِّي: "أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا". بِعبارةٍ أخرى، حَتَّى يَفهَمَ النَّاسُ مَا يَرَوْنَهُ (كَما جَاءَ في العَدد 16).

والآن، انظُروا إلى العَدد 23 لِتَرَوْا هَذا المَثَلَ الإيضاحِيَّ: "فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟" فالنَّتيجةُ هِيَ أنَّهُم سيَقولونَ إنَّ هَؤلاءِ الأشخاصَ فَقَدُوا عُقولَهُم. "وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَنَبَّأُونَ" – وَهَذا هُوَ مَعنى النُّبوَّة: "أن تَتَكَلَّم". أيْ إنْ وَعَظْتُم وَقَدَّمتُم كلمةَ اللهِ: "فَدَخَلَ أَحَدٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ أَوْ عَامِّيٌّ، فَإِنَّهُ يُوَبَّخُ مِنَ الْجَمِيعِ. يُحْكَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمِيعِ. وَهكَذَا تَصِيرُ خَفَايَا قَلْبِهِ ظَاهِرَةً. وَهكَذَا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْجُدُ للهِ".

وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ تَأثيرَ الشَّيءِ العَاطِفِيِّ فقط هُوَ أنَّ النَّاسَ سيَشعُرونَ بِمَشاعِر طَيِّبة. أمَّا تَأثيرُ الحَقِّ فَهُوَ أنَّهُم سيَعبُدونَ اللهَ. لِذا، لا تَخلِطُوا البَتَّة بينَ المَشاعِرِ وَعِبادَةِ الله. فالحَقُّ يَكمُنُ في صَميمِ العِبادَة. ونَحنُ لا نُنكِرُ الحَماسَةَ والمَشاعِرَ، ولكِنَّها يَنبغي أن تَكونَ وَثيقَةَ الصِّلَةِ بالحَقّ. يَنبغي أن تَكونَ كذلك.

فَفي الكنيسةِ الأولى، كَانُوا يَعبُدونَ، وَيَستخدِمونَ المَزاميرَ، وَيَستخِدمونَ التَّسابيحَ، ويَستخدِمونَ الأغاني الرُّوحِيَّة، ويُرَنِّمُون. فَقد كَانُوا يُخَصِّصونَ أوقاتًا للتَّسبيحِ وأوقاتًا للشُّكر. وكُلُّ تلكَ الأشياءِ مَذكورة في رِسالةِ كُولوسي 3: 16 و17. ولكِنَّنا نَقرأُ في العَدد 16 قَبلَ ذلك: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ..." ("بلويوس" – "plouios")؛ أيْ "بِكَثُرة"، أو: "بِوَفْرَة"، أو: "بِغِنى". فَعندَما تُهيمِنُ كلمةُ اللهِ عَليكُم فإنَّ تَسبيحاتِكُم سَتَنْتَظِمُ، وتَصيرُ عِبادَتُكُم مُنسَجِمَةً مَعَ المِعيارِ الإلهيِّ.

لِذا، مَا هِيَ طَبيعةُ العِبادَة أو جَوهَرُ العِبادَة؟ مَا هُوَ؟ إنَّها تَعني أن نُقَدِّمَ للهِ عِبادَةً مِن أعماقِ كِيانِنا مِن خلالِ التَّسبيحِ، والصَّلاةِ، والتَّرنيمِ، والعَطاءِ، والسُّلوكِ؛ ولكِنَّ ذلكَ كُلَّهُ يَقومُ على حَقِّهِ المُعلَن. وَمِنَ الصَّعبِ جدًّا أن نُبقي الكَنيسةَ ثَابِتَة على ذلك لأنَّ الكَنيسةَ تَميلُ مِن جِهَة إلى أن تَصيرَ فَاتِرَةً، وعَديمةَ الحَياةِ، ومَيِّتَةً، وَبَارِدَةً؛ وَتَميلُ مِن جِهَةٍ أخرى إلى أن تَصيرَ عَاطِفِيَّةً، ومُتَطَرِّفَةً، وَتُرَكِّزُ على المَشاعِر. ولكِن يَنبغي أن يَكونَ هُناكَ تَوازُن. وَنَحنُ الَّذينَ نَميلُ إلى أن نَكونَ في الطَّرفِ البَارِدِ وَغيرِ العَاطِفِيِّ نَخافُ مِنَ الأشخاصِ العَاطِفِيِّينَ في الطَّرَفِ الآخر. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ لا يَجوزُ لَنا أن نَكونَ كذلكَ نَحنُ أيضًا. فينبغي أن يَكونَ هُناكَ تَوازُنٌ بينَ الأمْرَيْن. فَينبغي لنا أن نَعرِفَ الحَقَّ.

ويجب أن تَعلَموا أنَّهُ عندما ذَهَبَ بولسُ إلى "أَرِيُوس بَاغُوس" في أثينا في الأصحاحِ السَّابِع عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، لم تَكُن عِبادَتُهُم مَقبولةً. وَإدانَتُهُ لَهُم تَكفي لإخبارِنا بذلك... تَكفي لإخبارِنا بذلك. فَهُوَ يَقولُ شَيئًا بَسيطًا جدًّا لَهُم. استَمِعُوا فقط إلى مَا يَقولُهُ في العَدد 23: "لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». الَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ". هذِهِ هِيَ الإدانَة: "الَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ". وَهذا غَيرُ مَقبول. فَلا يُمكِنُكُم أن تَعبُدوا اللهَ في جَهالَة.

وَأودُّ أن أقولَ لَكُم إنَّهُ حَتَّى في النَّقيضِ البَارِدِ والمُتَمَسِّكِ بأُمورِ العَقيدةِ، والَّذي يُنظَرُ فيهِ إلى الطُّقوسِ والشَّكلِيَّاتِ والرُّوتينِ والتَّقاليدِ على أنَّها أنشطةٌ تَفتَقِرُ إلى العَقلِ والمَغزى، هُناكَ قَدرٌ مُماثِلٌ مِنَ الضَّياعِ مِن جِهَةِ العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ كَما هِيَ حَالُ الأشخاصِ الَّذينَ يَنْتَمونَ إلى النَّقيضِ الآخر. لِذا، أوَدُّ أن أقولَ لكم إنَّهُ إنْ أردتُم أن تَعبُدوا اللهَ، يَنبغي أن يَكونَ هُناكَ تَكريسٌ أمينٌ لكلمةِ الله. فَهذا لَن يَحدُثَ مِن خِلالِ رَعْدٍ عَظيمٍ يَخرُجُ مِنَ السَّماءِ؛ بَل يَنبغي لَكُم أن تَعبُدوا اللهَ نَتيجَةَ فَيْضِ فَهمِكُم لإعلانِ اللهِ عَن ذَاتِه. وَهَذا مُتاحٌ هُنا في هذا الكِتاب.

فَإنْ كُنتُم تَركُضونَ هُنا وَهُناكَ بانتظارِ أنْ تَصْعَقَكُم صَاعِقَةٌ مِنَ السَّماءِ، وَأن تَسقُطُوا في حَالَةٍ مِنَ النَّشوةِ المَجيدةِ فَتَعبُدوا اللهَ، فإنَّ ذلكَ لَن يَحدُثَ بِطريقَةٍ مَشروعَة. أمَّا عندما تَدرُسونَ كلمةَ اللهِ، وتَكتشفونَ الحَقائِقَ المُعلَنَة فيها، وَتَتأمَّلونَ في حَقائِقِها، وتُرَكِّزونَ أذهانَكُم على اللهِ، ويَكونُ قَلبُكُم غَيرَ مَنقَسِمٍ، ويَكونُ لَديكُم قَلبٌ تَائِبٌ وطَاهِرٌ ونَقِيٌّ، سَتَجِدونَ أنَّ ذلكَ القَلبَ يَفيضُ في أوقاتِ العِبادَة.

ويُمكِنُكم أن تَقرأوا المَرَّةَ تِلوَ الأخرى في العهدِ الجديدِ العِبارَةَ: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ [ماذا؟] تَجْهَلُوا". فَلا تُوجَد جَائِزةٌ في الكتاب المقدَّس للجَهل. "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَة". "تَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ". الحَقّ... الحَقّ... الحَقّ. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُوصِينا بأنْ نَعبُدَ اللهَ بالرُّوحِ والحَقّ.

والآن، أنا أرجُو وأُصَلِّي أن يُثَبِّتَ رُوحُ اللهِ هذهِ الأشياءَ في أعماقِنا. فَجَوهَرُ العِبادَةِ سَهلٌ جدًّا، ولكِنَّهُ عَميقٌ في تَوازُنِهِ الكامِل، ولا يُمكِنُ أن يَتحقَّقَ إلاَّ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. ولكِن يَجِب عَليكُم أن تَأتُوا باستِعدادٍ للتَّعَمُّقِ في كلمةِ اللهِ لكي تَفيضَ عِبادَتُكم مِن خِلالِ ذلكَ الاكتشافِ والتَّأمُّل.

والآن: نَتائِجُ العِبادَة... نَتائِجُها. فَنحنُ نَعلَمُ أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَعبُدَ اللهَ لأنَّ هَذا هُوَ مَا يُوصينا بِهِ الكتابُ المقدَّس. ولكِنَّنا جَميعًا نُحِبُّ النَّتائِجَ وَنَسألُ بِصورةٍ طَبيعيَّةٍ: إنِ ابتَدأنا حقًّا بالعِبادَةِ، مَا الَّذي سيَحدُث؟ وأعتقدُ أنَّ هَذا سيَحدُثُ في حَياتِنا وفي كَنيستِنا. فَما هِيَ نَتائِجُ العِبادَة. إنَّها بَسيطَةٌ جدًّا؛ ولكِنَّها عَميقةٌ جدًّا.

أوَّلاً، اللهُ سيَتمجَّد. اللهُ سيَتمجَّد. فكما تَرَوْنَ، إنَّهُ سيَتمَجَّد عندما يُعبَد. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 50: 23: "ذَابحُ الْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي". فعندما تَحْمَدُ اللهَ، وعندما تَعبُدُ اللهَ فإنَّهُ يَتَمَجَّد. وَهُوَ يَقولُ في سِفْر اللاَّويِّين 10: 3: "فِي الْقَرِيبِينَ مِنِّي أَتَقَدَّسُ، وَأَمَامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ أَتَمَجَّدُ". فاللهُ يُريدُ أن نُكَرِّسَ لَهُ أنفسَنا. لِذا، عندما نَأتي إليهِ فإنَّهُ يَتقدَّس في شَعبِه. فالهَدَفُ الأسمَى للحياةِ هِيَ تَمجيدُ الله. وَإن كانَ هذا هُوَ كُلُّ مَا نَفعلُهُ فإنَّهُ يَكفي. فعندما نَعبُدُ، يا أحبَّائي، عندما نَعبُدُ اللهَ كَما يَليقُ بِهِ أن يُعبَدَ، فإنَّه يَتمجَّد. وهذا هُوَ سَبَبُ وُجودِنا. فَيَكفي أنْ يَتَمَجَّدَ اللهُ.

ثَانيًا، أعتقدُ أنَّهُ عندما نَعبُدُ اللهَ كَما يُريدُ مِنَّا أن نَعبُدَهُ فإنَّ المُؤمِنينَ يَتَطَهَّرون. فالمُؤمِنونَ يَتطَهَّرون. فَلا شَكَّ في ذلكَ في اعتقادي. فعندما تَأتي إلى اللهِ كَي تَعبُدَهُ فإنَّكَ تَرى حَالاً الحَقيقةَ التَّاليةَ الَّتي ذُكِرَت في المَزمور 24، وهي أنَّ مَنْ يَأتي إلى حَضْرَتي يَنبغي أن يَأتي بِيَدَيْنِ طَاهِرَتَيْنِ وَماذا؟ وَقلبٍ نَقِيٍّ. لِذا فإنَّ الكَنيسةَ العَابِدَةَ هِيَ كَنيسةٌ نَقِيَّة. فَالعِبادَةُ تَقتَضِي ذلك.

فعندما نَأتي إلى حَضرةِ اللهِ فَإنَّنا نَعتَرِفُ بِخطيَّتِنا، ونُبدي استِعدادَنا لِتَركِ تلكَ الخطيَّة. وهُناكَ رَغبة شَديدة في أن نَكونَ أنقياء، وأن نَكونَ طَاهِرين. وكُلَّما دَنَوْنا أكثر مِنَ اللهِ، واقتَربنا أكثر إلى اللهِ، زَادَ إدراكُنا لخطيَّتِنا حَتَّى إنَّنا نَصرُخُ كَما صَرَخَ دَاوُدُ ونَقول: "اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي... وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ".

لِذا، أعتقدُ أنَّ اللهَ يَتَمَجَّدُ في العِبادَة. وَهَذا في حَدِّ ذَاتِهِ كَافٍ. ولكنِّي أعتقدُ أيضًا أنَّ المُؤمِنينَ يَتَطَهَّرون. وَأعتقدُ أنَّ مِفتاحَ تَقديسِ الكَنيسةِ هُوَ عِبادَةُ الكنيسة. لِذا، يَنبغي أن تَأتوا إلى هُنا. فعندما تَعبُدونَ اللهَ في اجتِماعِ شَعبِهِ المَفديِّ، وعندما تَأتونَ إلى حَضرةِ اللهِ مِن خِلالِ التَّرانيمِ، ومِن خِلالِ رِسالةِ كلمةِ اللهِ، ومِن خِلالِ الحَقِّ الَّذي تَسمَعونَهُ، وعندما تَمْثُلونَ في حَضرَتِهِ، ستُواجِهونَ حَالاً حَقيقةَ خَطاياكُم.

وَهذا هُوَ السَّببُ في أنَّ مَائِدَةَ الرَّبِّ مُهِمَّةٌ جدًّا جدًّا. وَهذا هُوَ السَّببُ في أنَّ الكنيسةَ الأولى كانَت تَشترِكُ كَثيرًا في مَائِدَةِ الرَّبِّ حَتَّى إنَّهُم كَانُوا يَفعلونَ ذلكَ كُلَّ يوم. ورُبَّما كَانَ هَذا السَّببُ كَافِيًا حَتَّى تَحرِصُوا في عَائِلَتِكُم واجتماعاتِ العِبادَةِ على أنْ تَشترِكُوا في مَائِدَةِ الرَّبِّ لكي تُدرِكُوا حَاجَتَكُم إلى التَّطهير.

ثَالثًا، أعتقدُ أنَّهُ عندما تَكونُ هُناكَ عِبادَةُ حَقيقيَّةٌ فإنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ على أنَّ اللهَ يَتَمَجَّد، وَعلى أنَّ المُؤمِنينَ يَتَطَهَّرونَ، بل إنَّ الكَنيسَةَ تُبنَى... بَل إنَّ الكَنيسةَ تُبنَى. فالكَنيسَةُ تُبْنَى. والكَنيسةُ تَتَغَيَّر.

وَكما تَعلَمونَ، عِندَما تَقرأونَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، مِنَ المُدهِشِ جدًّا أن تَرَوْا أنَّهُ عندما كانتِ الكنيسةُ تَعبُدُ اللهَ، كانَ المُؤمِنونَ يَجِدونَ نِعمَةً لَدى اللهِ، ونِعمَةً لَدى جَميعِ الشَّعبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُون. وَقَد مَلأوا المَدينَةَ بِتَعليمِهم. وَقَد فَتَنُوا كُلَّ المَسكونَة. فقد كانوا فَاتِنينَ، وكَانُوا جَذَّابينَ، وكانُوا دِينامِيكيِّين. وأعتقدُ أنَّ الكَنيسةَ العَابِدَةَ هِيَ كَنيسةٌ مَبْنِيَّة. وَهَل يُمكِنُني أن أقولَ مَا يَلي، مِن فَضلِكُم؟ عندما أقولُ "مَبْنِيَّة" فإنِّي لا أعني بذلكَ أنْ نَشعُرَ بمشاعِرَ أفضل، بَل أن نَحيا حَياةً أفضل... أن نَحيا حَياةً أفضل. فهذه هي النُّقطةُ المُهِمَّة: أن نَحيا حَياةً أفضل. فالرَّبُّ يُطَهِّرُ الكَنيسةَ، ويُنَقِّيها، ويَبنيها.

ونَقرأُ في رِسالةِ كُورنِثوسَ الأولى 14: 26: "فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَان". فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِبُنْيَانِ الكنيسة. والكنيسةُ تُبنَى مِن خِلالِ عِبادَتِها. فعندما تَجتمِعونَ مَعًا لعِبادةِ الرَّبِّ فإنَّكُم تَصيرونَ أقوى، وتَتَغيَّرون. واسمَحُوا لي أن أقولَ ذلكَ بطريقةٍ أخرى: العِبادَةُ تُغَيِّرُ النَّاسَ... العِبادَةُ الحَقيقيَّة. لِذا، إنْ مَضَى وَقتٌ طَويلٌ دُونَ أن تَتَغَيَّر، فإنَّكَ لا تَعبُدُ اللهَ عِبادَةً حَقيقيَّة. فإنْ لم تُغَيِّرْنا العِبادَةُ فإنَّها ليسَت عِبادَة. وما أعنيه هُوَ أنَّهُ عندما تَقتَرِبونَ إلى حَضرةِ اللهِ، يَنبغي أن يَحدُثَ تَغييرٌ. فلا يُمكِنُكُم أن تَخرُجوا مِنها كَما كُنتُم في السَّابِقِ كَما أنَّ بُولُسَ لم يَرجِع كَما كَانَ بعدَ أنِ اختُطِفَ إلى السَّماءِ الثَّالثة. فَهذا غَيرُ مُمكِن.

فإنْ لم تَدفَعْنا العِبادَةُ إلى طَاعَةٍ أكبر، يُمكِنُكم أن تُسَمُّوها مَا شِئتُم؛ ولكِنَّها لَيسَت عِبادَة. فَهِيَ ليسَت عِبادَة إلاَّ إذا خَرَجْنا مِنها بتَكريسٍ أعظَم للطَّاعَة. فعندما تَبتَدِئُ العِبادَةُ بِتَوَقُّعٍ مُقَدَّسٍ فإنَّها تَنْتَهي بِطَاعَةٍ مُقَدَّسَةٍ؛ وَإلاَّ فإنَّها ليسَت عِبادَة. فهي ليست كذلك لأنَّها يَنبغي أن تُغَيِّرَنا.

فنَحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الخُروج 33: 11 الجُملةَ المُدهشةَ التَّالية: "وَيُكَلِّمُ الرَّبُّ مُوسَى وَجْهًا لِوَجْهٍ، كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ". وَلا شَكَّ في أنَّ هَذِهِ عِبادَة. فَقد كانَ مُوسَى يُكَلِّمُ الرَّبَّ وَجْهًا لِوَجْه. وفي الأصحاحِ نَفسِه، أَجازَ اللهُ مَجْدَهُ قُدَّامَ مُوسَى وَسَمَحَ لَهُ بأنْ يَرى لَمْحَةً مِن مَجدِهِ. فَقد كَانَا قَريبَيْنِ... لَقد كَانَا قَريبَيْن.

وَهل تَعلَمونَ مَا الَّذي حَدَثَ نَتيجَةَ تلكَ العَلاقَةِ الحَميمةِ مَعَ الله؟ سَوفَ أُخبِرُكُم مَا الَّذي حَدَث، أو مَا تَفعَلُهُ العِبادَة. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 34 والعَددِ الثَّامِن: "فَأَسْرَعَ مُوسَى وَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ". وَما أعنيهِ هُوَ أنَّ هَذا هُوَ التَّجاوُبُ السَّليمُ تُجاهَ العَلاقَةِ الحَميمةِ مَعَ الله: السُّجود. ثُمَّ هَل تَعلَمونَ مَاذا كَانَ التَّجاوُبُ الَّذي أَعْقَبَ ذلك؟ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِعِ أنَّهُ قَال: "إِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ أَيُّهَا السَّيِّدُ فَلْيَسِرِ السَّيِّدُ فِي وَسَطِنَا، فَإِنَّهُ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ. وَاغْفِرْ إِثْمَنَا وَخَطِيَّتَنَا".

وَنَحنُ نَجِدُ هُنا أيضًا نَفسَ الشَّيءِ. أليسَ كذلك؟ فَقد تَقابَلَ وَجهًا لِوجهٍ مَعَ اللهِ مِن خِلالِ العِبادَةِ الحَميمةِ فَشَعَرَ حَالاً بِفَداحَةِ مَاذا؟ خَطيَّتِهِ وَخَطِيَّةِ شَعبِهِ. ويُمكِنُنا أن نَرى هُنا قَلبًا مُنكَسرًا ومُنسَحِقًا. وَفي الحَالِ، رَدَّ اللهُ رَدًّا رَائِعًا في العَددِ العَاشِرِ فَقال: "هَا أَنَا قَاطِعٌ عَهْدًا. قُدَّامَ جَمِيعِ شَعْبِكَ أَفْعَلُ عَجَائِبَ لَمْ تُخْلَقْ فِي كُلِّ الأَرْضِ وَفِي جَمِيعِ الأُمَمِ، فَيَرَى جَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي أَنْتَ فِي وَسَطِهِ فِعْلَ الرَّبِّ. إِنَّ الَّذِي أَنَا فَاعِلُهُ مَعَكَ رَهِيبٌ". فاللهُ يَقولُ: "يا مُوسَى، سَوفَ أُبارِكُكُم. وَسوفَ أفعلُ مِن خِلالِ حَياتِكُم أُمورًا عَجيبة".

لِذا، يَنبغي أن تَبتَدِئُوا في التَّقابُلِ وَجهًا لِوجهٍ مَعَ اللهِ الحَيِّ. وَفي تلكَ المُقابَلَةِ وَجهًا لِوَجه، سَتَسجُدونَ لَهُ، وتُدرِكونَ خَطيَّتَكُم، وسيتَجاوَبُ اللهُ بأنْ يَغفِرَ لَكُم، وَيَرُدَّكُم، ويَقطَعَ عَهْدًا بأنَّهُ سَيُبارِكُكُم وَيَصْنَعُ عَجَبًا مِن خِلالِكُم. والنَّتيجَةُ هِيَ أنَّكُم تَتَغَيَّرون.

ونَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والثَّلاثين والعَددِ التَّاسِعِ والعِشرين أنَّهُ عِندَما نَزَلَ مُوسَى مِنَ الجَبَلِ، كَانَ وَجهُهُ يَلمَع. فَقد كانَ وَجهُهُ يَلْمَعُ حَتَّى إنَّ تَمييزَهُ كَانَ صَعبًا. فَقد كانَ مُختلِفًا جدًّا حَتَّى إنَّهُ لم يَكُنِ الرَّجُل الَّذي كَانَ عَليهِ قَبلَ صُعودِهِ إلى هُناك. وَتلكَ عِبادَة. فالعِبادَةُ تُغَيِّرُ النَّاس. فَعِندَما تُلاقي اللهَ وَجْهًا لِوَجهٍ، وعِندَما تَأتي إلى هُنا وَتُلاقي اللهَ وَجهًا لِوَجهٍ، أو عِندَما تَدخُلُ إلى مَخْدَعِكَ في البيتِ وتَصرِفُ وَقتًا في الكلمة، وَتُلاقي اللهَ وَجهًا لِوَجهٍ، وَتَرى اللهَ، وَتَجِدُ نَفسَكَ مُرغَمًا على السُّجودِ إنْ كانت رُؤياكَ وَاضِحَة، وَإنْ كَانَ قَلبُكَ غَيرَ مُنقَسِمٍ، وَإنْ كُنتَ تَتَأمَّلُ، وتَكتَشِفُ، وتُرَكِّزُ، وَكانَ رُوحُ اللهِ يَعمَلُ في حَياتِكَ، سَوفَ تَجثُو على رُكبَتَيْكَ، وَتَرى خَطاياكَ، وتَصرُخُ إلى اللهِ كَي يُطَهِّرَكَ مِنَ الخَطايا الَّتي لا يُمكِنُكَ أن تَراها. وَسَوفَ تَقولُ لَهُ بخصوصِ الخَطايا الَّتي لا يُمكِنُكَ أن تَراها: "اخْتَبِرْني واعْرِف قَلبي". وَمِن خِلالِ ذلكَ النَّوعِ مِنَ الاعترافِ بالخطيَّة، سَوفَ يَقْطَعُ اللهُ لَكَ وُعُودًا رَائِعةً بأنَّ قُوَّتَهُ سَتَسري فيكَ. وَسوفَ تَخرُجُ مِن ذلكَ المَكانِ وتِلكَ العِبادَةِ شَخصًا مُختَلِفًا. فَهذا أمرٌ مَفروغٌ مِنه. فَلا يُمكِنُكَ أن تَكونَ في حَضرةِ اللهِ وتَخرُجَ مِن هُناكَ دُونَ أن يَلْمَعَ وَجهُك.

لِذا فإنَّ النَّتيجةَ لا تَقتَصِرُ على أنَّ اللهَ يَتَمَجَّد، وَلا على أنَّ المُؤمِنينَ يَتَطَهَّرون، بَل إنَّ الكَنيسةَ تُبنَى. وَهذا لا يَعني مَشاعِرَ أفضَل، بَل حَياةً أفضل.

وَهُناكَ نَتيجةٌ رَابِعَة وَهِيَ أنَّ الضَّالِّينَ سَيُبَشَّرُون... أنَّ الضَّالِّينَ سَيُبَشَّرُون. فالشَّهادَةُ العَميقةُ للكَنيسةِ العَابِدَةِ تَترُكُ أَثَرًا عَميقًا رُبَّما يَفوقُ تَأثيرَ أيَّةِ عِظَةٍ مُنفَرِدَة. هَل سَمِعتُم ذلك؟ فَهِيَ تَترُكُ أَثَرًا أعظمَ مِن أيَّةِ عِظَةٍ مُنفَرِدَة.

وَلا يُمكِنُني أن أنسَى السَّيِّدةَ اليَهوديَّةَ الَّتي ذَهبَت إلى الهَيكلِ في هذا الشَّارِعِ للحُصولِ على مَشورَة. فَقد كَانَ زَواجُها يَتَهَاوَى. وَقد قَالُوا لَها إنَّها لم تَكُن تَدفَعُ عُشورَها. وَلأنَّها لم تَدفَع عُشورَها، لا يُمكِنُهم أن يُقَدِّمُوا لها المَشورةَ إلاَّ إذا دَفَعَتْ عُشورَها. وَقد انزَعَجَتْ جِدًّا وَخَرجَتْ مِن هُناك. وَكانَ ذلكَ اليَومُ هُوَ يَومُ أحد. لِذا فقد مَشَتْ على الرَّصيفِ وَعَلقَتْ في الزِّحامِ وَانتَهى بها الأمرُ في كَنيسةِ "النعمة" (Grace Church) خِلالَ فترةِ العِبادَة.

وَقد عَمَّدْتُها بعدَ أسابيع قَليلة مِن تلكَ الحَادِثَة. وَقد قَالَت: "لا أَذكُرُ أيَّ شَيءٍ قُلتَهُ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّني لا أستطيعُ أن أُخبِرُكَ مَاذا كانَ مَوضوعُ العِظَة. ولكنِّي [كَما تَقولُ] كُنتُ مُندهشة جدًّا مِنَ الفَرَحِ والسَّلامِ والمَحَبَّةِ الَّتي رأيتُها بينَ النَّاسِ وَهُم يَعبُدون. فَلَم يَسبِق لي أن رأيتُ شَيئًا شَبيهًا بِهذا". ونَتيجة ذلك، صَارَت مَسيحيَّةً لِمُجَرَّدِ أنَّها رَأتْ الرَّعِيَّةَ تَعبُدُ اللهَ.

وَقد حَدَثَ هَذا المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة. وَهُوَ أوَّلُ انجذابٍ حَقًّا. فهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ حَاضِرونَ هُنا، أو رُبَّما يَزورونَ الكَنيسةَ أوَّلَ مَرَّة، يَشعُرونَ بمَزيدٍ مِنَ الفُضولِ بشأنِ مَا يَجري بينَ الرَّعِيَّةِ أكثرَ مِمَّا يَسمَعونَهُ مِن على هَذا المِنبَر. وَمِنْ حَقِّكُم أن تَشعُروا بذلك. فأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ حَيثُ تُوجَدُ مَجموعَةٌ مِنَ النَّاسِ تَعبُدُ اللهَ، وتَرفَعُ قُلوبَها للهِ، وتَختَبِرُ بَرَكاتِهِ الَّتي لا تُحصَى، وَيُشرِقُ وَجْهُها لأنَّهُم في حَضرَتِه، سيَكونُ هُناكَ تَأثيرٌ هَائِلٌ على العَالَم.

وَهُوَ يَقولُ في رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ كُورِنثوس: "إِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَنَبَّأُونَ" – وَقَد قَرأتُ هَذا المَقطَعَ عَلى مَسامِعِكُم في وَقتٍ سَابِق مِنَ الأصحاح 14 والعَددَيْن 23 و25: "إِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَنَبَّأُونَ [أيْ عَبَدتُم اللهَ كَما يَنبغي أن يُعبَد] فَدَخَلَ أَحَدٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ أَوْ عَامِّيٌّ، فَإِنَّهُ... يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْجُدُ لله". وَهَذا تَأثيرٌ عَظيمٌ على الضَّالِّينَ مِن خِلالِ الشَّعبِ الَّذي يَعبُدُ الله.

إذًا فَإنَّ نَتائِجَ العِبادَةِ هِيَ أنَّ اللهَ يَتَمَجَّد، وأنَّ المُؤمِنينَ يَتَطَهَّرون، وَأنَّ الكَنيسةَ تُبْنَى، وَأنَّ الضَّالِّينَ يُبَشَّرون.

والآن، أريدُ أن أُعطيكُم اختبارًا هُنا. وَأريدُ أن تَبْقَوْا مَعي. لا تَفقِدُوا تَركيزَكُم مَعي في الدَّقائِقِ العَشْرِ القَادِمَة. فَهذِهِ هِيَ خُلاصَةُ الأمرِ كُلِّه. فَقد يَقولُ بَعضٌ مِنكُم لِنَفسِه: "جون، أنا أفهَمُ العِبادَةَ الآن، وأفهَمُ أهميَّتَها. فَاللهُ يَطلُبُ عَابِدينَ. وَأنا أفهَمُ مَصدَرَها: أيْ خَلاصي. وَأنا أفهَمُ الإلَهَ المَعبودَ وَهُوَ الله. وَأنا أفهَمُ نِطاقَها وَهُوَ أنَّها مَطلوبَةٌ في كُلِّ الأمكِنَةِ وكُلِّ الأزمِنَةِ؛ وَلا سِيَّما في اجتِماعِ الشَّعبِ المَفدِيِّ. وَأنا أفهَمُ جَوهَرَ العِبادَةِ إذْ إنَّهُ يَنبغي أن يَكونَ هُناكَ تَوازُنٌ تَامٌّ بينَ أنْ نَعبُدَ بالرُّوحِ والحَقِّ؛ أيْ بكلمةِ اللهِ وبالقَلب. وَأنا مُستَعِدٌّ. فَقَد أَقْنَعْتَني الآن. ولكِن ماذا يَنبغي لي أن أفعل؟ كيفَ أُهَيِّئُ نَفسي حَقًّا للعِبادَة؟

سَوفَ تَنهَضُ يَومَ الأحد، وَتأتي إلى هُنا. فَما الَّذي ستَفعلُه؟ وكيفَ ستُهَيِّئُ نَفسَكَ للعِبادَة؟ كَيفَ سَيَحدُثُ ذلك؟ هُناكَ آيةٌ واحِدَةٌ يُمكِنُكُم أن تَستَعينُوا بها. ويَنبغي لَكُم أن تُدَوِّنوا هذهِ الآية في أوَّلِ صَفحةٍ مِن كِتابِكُم المُقَدَّس، وَأن تُدَوِّنُوا النِّقاطَ الأربَعَ المُختَصَرة الَّتي سأقولُها لَكُم، وأن تَستخدِموها للاستِعدادِ للعِبادَة.

عِبرانِيِّين 10: 22. عِبرانِيِّين 10: 22. فبالنِّسبةِ إليَّ، إنَّها أعظمُ مُلَخَّصٍ للاستِعداد. فالنُّقطةُ المُهِمَّةُ هُنا، يا أحبَّائي، استَمِعُوا إليَّ الآن... إنَّ النُّقطةَ المُهِمَّةَ عندما تَأتونَ إلى هُنا كَي تَعبُدوا اللهَ هِيَ ليسَت مَدى استِعدادِ جَوْقَةِ التَّرانيم، وَلا مَدى استِعدادِ الوَاعِظ؛ بَلْ إنَّ النُّقطةَ المُهِمَّةَ هِيَ: مَا مَدى استِعدادِكَ أنتَ لِعبادَةِ الله؟ وَنَحنُ نَقرأُ ابتِداءً مِنَ العَدد 22: "لِنَتَقَدَّمْ". ويُمكِنُكم أن تَتوقَّفُوا هُنا.

فَهذهِ دَعوةٌ إلى العِبادَة: تَقَدُّموا. إلى مَن؟ إلى الله. تَعالَوْا، فَقد حَانَ وَقتُ العِبادَة. لِنَتَقَدَم. لِنَقتَرِب إلى الله. وَقد تَقول: "هَذا هُوَ مَا أُريدُ أن أفعَلَهُ يا جُون. أنا أفهَمُ ذلكَ الآن. وأنا أرى ذلك. وَأنا أريدُ أن أقتَرِبَ إلى الله". ولكِنْ تُوجَدُ شُروطٌ... أربَعَةُ شُروط:

الشَّرطُ الأوَّل: "بِقَلْبٍ صَادِق". وَأنا أُسَمِّي ذلكَ: "الصِّدْق". هذا هُوَ الامتحانُ الأوَّل: الصِّدْق. هَل أنتَ صَادِقٌ حَقًّا؟ هَل قَلبُكَ ثَابِتٌ؟ هَل تَعبُدُ بِكُلِّ قَلبِك؟ هَل تُصَلِّي مَعَ دَاوُد قَائِلاً: "وَحِّدْ قَلبي يا رَبّ؟" هَل أنتَ صَادِقٌ حَقًّا وَتَمْلِكُ قَلبًا غَيرَ مَنقَسِم؟

الشَّرطُ الثَّاني: "لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَان". والآن، هَذا هُوَ مَا أُسَمِّيهِ: "الإخلاص". فَكما تَرَوْنَ، إنَّهُ يَكتُبُ إلى العِبرانِيِّينَ. وَقد كانَ هَؤلاءِ اليَهودُ مُعتادينَ جدًّا على العهدِ القديم. فَقد كَانُوا مُعتادينَ جدًّا على المِيثاقِ القَديم. وَقد جَاءَ المِيثاقُ الجَديدُ، أوْ لَقَد جَاءَ العهدُ الجديد. وَهُناكَ إعلانٌ جَديدٌ مِن خِلالِ يَسوعَ المَسيح. فَقَدْ كُشِفَتِ الأسرارُ. وَلِكَي يَتَمَكَّنُوا مِن عِبادَةِ اللهِ، كانَ يَنبغي لَهُم أن يَقولُوا "لا" للمِيثاقِ القَديم. أليسَ كذلك؟ فَلَم تَعُد هُناكَ طُقوسٌ، ولم تَعُد هُناكَ ذَبائِح، ولم تَعُد هُناكَ رُموزٌ، ولا صُوَر، وَلا أشكال. فَقَدِ انتَهى العَهدُ القَديمُ. وَقَد وُضِعَ جَانِبًا. وَقَدِ انتَهى.

فَهُناكَ عَهْدٌ جَديدٌ أفضَل قد أَتَى. ويَنبغي لَهُم أن يُبْدُوا الاستِعدادَ للقَول: "سَوفَ آتي إلى اللهِ بِثِقَةٍ تَامَّةٍ بالإيمانِ المُعلَنِ في العهدِ الجديد، وبِيَقينٍ تَامٍّ بأنَّهُ لَيسَ نِظامَ أعمالٍ، وَبأنَّهُ ليسَ نِظامًا طَقسِيًّا، بَل أنَّهُ شَيءٌ مُعلَنٌ مِن خِلالِ الإيمانِ بالعَهدِ الجَديد". فينبغي أن تَأتي بإيمانٍ تَامٍّ بذلكَ الشَّيءِ المُعلَن في يَسوعَ المَسيح. وَهَذا هُوَ الإخلاص.

لِذا فإنَّكَ تَعبُدُ اللهَ لا فقط بِصِدْقٍ، بَل تَعبُدُ أيضًا وَفقًا للحَقِّ. فَهَذا هُوَ مَعنى الإخلاص. فَهُوَ الحَقُّ المُعلَنُ في العهدِ الجديدِ، بِيَقينٍ تَامٍّ بأنَّهُ حَقٌّ مُخَلِّصٌ، وَبأنَّكَ لَستَ بِحاجَةٍ إلى الاتِّكالِ على أيٍّ مِن أعمالِكَ، وَأيٍّ مِنَ استِحقاقاتِكَ، وَأيٍّ مِن بِرِّكَ الشَّخصِيِّ، وَأيٍّ مِن طُقوسِكَ؛ بَل إنَّكَ وَاثِقٌ تَمامًا مِن أنَّكَ تَستطيعُ أن تَأتي إلى اللهِ فقط مِن خِلالِ الإيمانِ كَما هُوَ مُعلَنٌ في العهدِ الجديد.

الشَّرطُ الثَّالِث: "مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ". وَهَذا اتِّضاعٌ. فأنتَ تَأتي إلى اللهِ وَأنتَ تَعلَمُ بأنَّكَ لا تَستَحِقُّ أن تَأتي إليهِ لأنَّ قَلبَكَ مُمتَلِئٌ بِضَميرٍ شِرِّيرٍ، وَلأنَّهُ يَنبغي لَكَ أنْ تَتَطَهَّرَ مِن ذلكَ الشَّرّ. وَدَمُ يَسوعَ المَسيحِ الَّذي سُفِكَ على الصَّليبِ هُوَ الَّذي رَفَعَ خَطيَّتَنا.

لِذا فإنَّكَ تَأتي إلى اللهِ وَأنتَ تَعلَمُ أنَّكَ غَيرُ مُستَحِقٍّ، وَأنَّهُ لكي تَكونَ في حَضرَتِهِ يَنبغي تَطهيرُ قَلبِكَ الشِّرِّير. وَهذا اتِّضاع. لِذا، عندما نَعبُدُ، هُناكَ شُعورٌ بِعَدمِ الاستِحقاق، وشُعورٌ بأنَّ الصَّليبَ يُكَفِّرُ عن خَطايانا. ونَحنُ نَقول: "أنا أَعلَمُ يا رَبُّ أني لا أستَحِقُّ أن أكونَ هُنا إلاَّ لأنَّكَ غَسَلتَني وَطَهَّرتَني مِنَ الشَّرِّ الَّذي فِيَّ".

لِذا، لكي تَعبُدَ اللهَ، يَجِبُ عليكَ أن تَجتازَ فَحصَ الصِّدقِ، ويَجِبُ عليكَ أن تَجتازَ فَحصَ الإخلاصِ، ويَجِبُ عليكَ أن تَأتي تَحديدًا وَفَقَط على أساسِ مَا أعلَنَهُ اللهُ في العهدِ الجديدِ؛ أيْ ليسَ على أساسِ أيِّ صَلاحٍ فيكَ، وليسَ على أساسِ استِحقاقِكَ الشَّخصيِّ البَتَّة. فأنتَ تَأتي فقط بالإيمانِ بِيَقينٍ تَامٍّ بأنَّ ذلكَ هُوَ كُلُّ ما تَحتاجُ إليه. ثَالثًا، أنتَ تَأتي وأنتَ عَالِمٌ أنَّكَ لا تَمْلِكُ أيَّ حَقٍّ في أن تَكونَ هُناكَ. وَهذا اتِّضاعٌ. فأنتَ مَوجودٌ وَحَسْب في حَضرةِ اللهِ لأنَّكَ تَطَهَّرْتَ.

وَرابِعًا: "وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ". وَأنا أُسَمِّي ذلكَ "طَهارَة". فهُناكَ الصِّدْقُ، والإخلاصُ، والاتِّضاعُ، والطَّهارة. وَهذا الشَّرْطُ مُختَلِفٌ عَنِ الشَّرْطِ السَّابِق. فَهذا اغتِسالٌ يَومِيٌّ. هَل فَهِمتُم ذلك؟ وَهُوَ يَعني أنَّهُ قَبلَ أن تَأتي إلى العِبادة، يَنبغي أن تُعالِجَ الخَطيَّةَ في حَياتِك: أيْ أن تَعتَرِفَ بالخطيَّةِ، وَأن تَحصُلَ على التَّطهيرِ مِنَ الخَطيَّة. صَحيحٌ أنَّ قَلبَكَ قد تَطَهَّرَ على الصَّليب؛ ولكِنَّ رِجْلَيْكَ تَلتَقِطانِ أوساخَ العَالَم. أليسَ كذلك؟ لِذا، لا بُدَّ مِنَ الاعترافِ بالخطيَّة.

وَفي كُلِّ مَرَّةٍ تَعبُدونَ اللهَ فيها، يا أحبَّائي، أقتَرِحُ أنَّ هَذا هُوَ الامتحانُ الَّذي يَنبغي أن تَخضَعُوا لَهُ: هَل أنا صَادِقٌ؟ هَل قَلبي ثَابِتٌ؟ هَل قَلبي مُكَرَّسٌ تَمامًا لله؟ هَل أنا أُرَكِّزُ عليه؟ هَل أراهُ في الكَلِمَة مِن خِلالِ الاكتشافِ والتَّأمُّلِ حَتَّى إنَّ شَوقَ قَلبي كُلَّهُ هُوَ أن أقتَرِبَ مِنهُ؟ وَهل لَديَّ اليَقينُ بأنِّي أستطيعُ أن آتي إليهِ بالإيمانِ فقط، وأنْ يَكونَ لَديَّ اليَقينُ الكَامِلُ بأنَّ هَذا كَافٍ كَما هُوَ مُعلَنٌ في العهدِ الجديد؟ أيْ أنَّنا مُخَلَّصونَ بالإيمانِ، وَبأنَّنا نِلْنا طَريقًا جَديدًا وَحَيًّا بالإيمان؟

وَهل آتي وَأنا أَعلَمُ أنَّني لا أستَحِقُّ أن أكونَ في حَضرَةِ اللهِ إلاَّ بِسَبَبِ مَا فَعَلَهُ المَسيح؟ فينبغي أن آتي باتِّضاع. وَهل آتي بنَقاوَةٍ بعدَ أن اعتَرفتُ بأيَّة خَطيَّة في حَياتي؟ يُمكِنُني أن أقولَ لَكَ بِجُرأةٍ إنَّكَ إنْ خَصَّصْتَ وَقتًا إضافِيًّا في الصَّباحِ في يَومِ الرَّبِّ، وَفَتَحتَ كِتابَكَ المُقَدَّسَ على تِلكَ الآيةِ، وَفَحَصْتَ طَريقَكَ، سَوفَ تَفعلُ المَزيدَ لِتَهيئةِ قَلبِكَ للعِبادَةِ أكثرَ مِن أيِّ شَيءٍ آخرَ أعرِفُهُ. "حَينئذٍ يُمكِنُكَ أن تَأتي إليَّ..." [كَما يَقولُ] "...مِن خِلالِ الطَّريقِ الجَديدِ والحَيِّ؛ أيْ مِن خِلالِ يَسوعَ المَسيح".

هَل أنتَ صَادِقٌ؟ هَل أنتَ مُكَرَّسٌ للحَقِّ المُعلَنِ في العهدِ الجديد؟ هَل تُدرِكُ أنَّ كُلَّ حَقٍّ لَديكَ في المُثولِ في حَضرَةِ اللهِ يَقومُ على عَمَلِ المَسيحِ الكَامِل؟ وهل أنتَ طَاهِرٌ لأنَّكَ اعتَرَفْتَ بالخطيَّةِ في حَياتِك؟ إنْ كُنتَ كذلك، يُمكنُكَ أن تَقول: "لِنَقتَرِب إلى اللهِ، وَهُوَ [ماذا؟] سَيَقتَرِبُ إلينا".

وَهذا كُلُّهُ سيَعمَلُ في حَياتِكَ. وَهذا كُلُّهُ سيُغَيِّرُ حَياتَكَ. وأنا أُوْمِنُ بذلك – إلاَّ إذا كَانَتْ تُوجَدُ أشياءٌ تُعيقُك. وَأودُّ أن أختِمَ بِما يَلي، وأرجُو أن تَسمَعوني جَيِّدًا. هُناكَ أشخاصٌ مِنكُم يَأتونَ إلى الكنيسةِ مُنذُ سَنواتٍ ولكِنَّكُم لم تَشعُرون يَومًا بأنَّكُم تَستطيعونَ الاقترابَ إلى الله. فأنتُم لا تَشعُرونَ أنَّكُم قَريبونَ إلى الله. وَحَتَّى في حَياتِكَ، وفي فَترةِ عِبادَتِكَ الشَّخصيَّةِ وصَلاتِكَ وَما إلى ذلك، أنتَ لا تَشعُرُ بذلك. ورُبَّما تُوجَدُ أشياءٌ يَنبغي أن تَفعلَها لِتُهَيِّئَ قَلبَكَ للعِبادَة.

هُناكَ الكَثيرُ مِن أنماطِ العِبادَة، ولكنِّي سأقتَرِحُ عَليكُم ثَلاثَ عَقَباتٍ تَمنَعُ ذلكَ مِنَ الحُدوثِ في حَياتِكُم؛ ثُمَّ سَأختِمُ حَديثي. وأريدُ أن تَسمَعُوا جَيِّدًا.

يَنبغي أن تَبدأَ مِن نُقطةٍ مَا. فَلا يُمكِنُكَ أن تَأتي وَحَسْب إلى هُنا، وأن تَفتَحَ فَمَكَ وتَدَعَ التَّسبيحَ يَخرُجُ مِنهُ إنْ كانت تُوجَدُ في حَياتِكَ أمورٌ لم تُعالِجها. العَقَبَةُ الأولى هِيَ مَا سَأُسَمِّيها: "عِبادَةُ التَّوبَة"... عِبادَةُ التَّوبَة. فإن كانَت هُناكَ خَطِيَّة في حَياتِكَ لم تَعتَرِف بها، يَنبغي أن تَعتَرِف بِهَا. فيجبُ عليكَ أن تَقبَلَ المَسؤوليَّةَ عَنها وتَعتَرِف بها.

ففي سِفْرِ صَموئيلَ الثَّاني والأصحاحِ الثَّاني عَشَر، نَقرأُ عن دَاوُد. فقد أخطأَ دَاوُدُ خَطيئةً شَنيعَةً. يا لَها مِن خَطيئةٍ شَنيعَة! فقد أخطأَ مَعَ بَثْشَبَع بأنْ زَنَى. ثُمَّ إنَّهُ دَبَّرَ مَكيدَةً لِقَتلِ زَوجِها. ثُمَّ إنَّ دَاوُدَ الَّذي أخطأَ خَطيئةً جَسيمَةً ضِدَّ اللهِ رأى ذلكَ الطِّفلَ الصَّغيرَ الَّذي وُلِدَ مِن تِلكَ العَلاقَةِ غَيرِ المَشروعَةِ قَد مَاتَ فعَلِمَ أنَّ اللهَ يُعاقِبُهُ. وَهَذا هُوَ مَا قَالَهُ. هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس: "فَقَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ وَسَجَدَ".

هَل تَعلَمونَ مَا هذا الشَّيءُ الَّذي فَعَلَهُ؟ إنَّها عِبادَةُ تَوبَة. وَقد تَقول: "ماذا تَعني بِذلك؟" أعني أنَّهُ كَانَ هُنا في مَوقِفٍ مُحزِنٍ جدًّا لأنَّهُ فَقَدَ طِفلَهُ الرَّضيع. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ يَعبُدُ اللهَ لأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَنالُ مَا يَستَحِقُّهُ. ففي خِضَمِّ تَأديبِهِ، عَبَدَ اللهَ. وَفي التَّوبةِ فإنَّ النَّفسَ تَقولُ: "لَقد أخطأتُ وَأستَحِقُّ هذهِ المَصائِب. لقد أخطأتُ تُجاهَ الحَقِّ. وَقد أخطأتُ في المَقامِ الأوَّلِ تُجاهَ الله". لِذا فإنَّ عِبادَةَ التَّوبةِ تَعني أنَّهُ في خِضَمِّ التَّأديبِ فإنَّكَ تَسكُبُ قَلبَكَ للهِ، وتَعتَرِف بخطيئَتِكَ وتَقولُ: "أنا أستَحِقُّ مَا يَحِلُّ بِي".

فَهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم لا يَستطيعونَ أن يُسَبِّحُوا اللهَ لأنَّكُم لم تُعالِجُوا يَومًا خَطاياكُم، ولم تَسكُبوا يَومًا قَلبَكُم وَتَتوبوا إلى اللهِ. وَرُبَّما كُنتُم تَشعرونَ بالغَضَبِ أوِ المَرارةِ على أُمورٍ تَمَّ تَأديبُكُم عَليها. لِذا، قَد يَتَطَلَّبُ الأمرُ بالنِّسبةِ إلى جُزءٍ مِنكُم أن تَبتَدِئُوا بِعِبادَةِ التَّوبةِ على خَطاياكُم. فقد فَعَلَ دَاوُدُ ذلك. فنحنُ نَقرأُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى بَيتِ الرَّبِّ وَسَجَد. فَقد تَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ اللهِ حَتَّى عندما كانَ اللهُ يُؤدِّبُهُ. فقد كَانَ مُكَرَّسًا جدًّا للعِبادَة.

ثَانيًا، أنا أُسَمِّي هذهِ: "عِبادَة القَبول"... عِبادَة القَبول. ففي قِصَّةِ أيُّوب الشَّهيرة، سَمِعَ أيُّوبُ نَبَأَ فُقدانِهِ لكُلِّ شَيءٍ عَزيزٍ على قَلبِه. فقد خَسِرَ مُمتلكاتِهِ، وَمَواشِيه، وَأولادَهُ، وكُلَّ شَيء. وَهل تَعرِفونَ مَاذا يَقولُ الكتابُ المقدَّس؟ "فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ..."، ثُمَّ استَمِعُوا إلى هَذا: "...وَسَجَدَ". هَل تَظُنُّونَ أنَّه لَعَنَ اللهَ؟ لقد خَسِرَ كُلَّ شَيء: كُلَّ أبنائِه، وكُلَّ مَحاصيلِه، وكُلَّ مَواشِيه، وكُلَّ شَيء. ولكِنَّهُ سَجَدَ لله. وَأنا أُسَمِّي ذلكَ: "عِبادَة القَبول".

وَهُوَ لم يُخطِئ كَما أخطأَ دَاوُد. ولكِنَّ اللهَ فَعَلَ ذلكَ بِهِ لِغاياتٍ لَديهِ. وَقد قَالَ أيُّوب: "عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ..."، ثُمَّ مَاذا؟ "...فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا". وَهذهِ هِيَ عِبادَةُ القَبولِ دُونَ تَوجيهِ أسئِلَة. وهُناكَ أشخاصٌ مِنكُم، يا أحبَّائي، لا يَستطيعونَ أن يَعبُدوا اللهَ لأنَّكُم مَا زِلتُم لا تَقبَلونَ أُمورًا سَمَحَ اللهُ بِحُدوثِها في حَياتِكُم. وَقد جَعَلَكُم ذلكَ الأمرُ تَشعُرونَ بالمَرارةِ وتَعجَزونَ عَنِ العِبادَة. ومَا لم تَبلُغوا نُقطةَ القَبول، لن تَتمكَّنُوا يَومًا مِن عِبادَةِ الله.

وَقد عَبَّرَ "جُورج ميولر" (George Mueller) عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "لَقد جَاءَ يَومٌ مُتُّ فيه. فَقد مُتُّ عَنْ قَبولِ المَدْحِ والانتقادِ مِنَ البَشَر. وَقد مُتُّ عن كُلِّ شَيءٍ مَا خَلا مَشيئةَ الله". وَهَل يُمكِنُني أن أقولَ لَكُم إنَّ ذلكَ اليَومَ هُوَ اليَومُ الَّذي ابتدأَ يَعيشُ فيه؟

لَقد قَالَ أيُّوب: "لأَنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي. إِذَا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ كَالذَّهَبِ". إنَّها عِبادَةُ القَبول. أيْ أن تَكونَ مُستعدًّا لقَبولِ ظُروفِك، وأن تُبدي الاستِعدادَ لِقَبولِ مَكانِكَ في الحَياةِ، وَعَمَلِكَ، وَوظيفَتِكَ، وشَريكِ حَياتِكَ، وأبنائِكَ، وَكُلِّ ظُروفِكَ، وَأن تَقول: "يا رَبُّ، أنتَ تَعلَمُ كُلَّ هَذا"، وَأن تَقبَلَ فُقدانَ شَريكِ الحَياةِ، أو فُقدانَ طِفلِكَ، أو فُقدانَ عَمَلِكَ، أو آلامَ المَرَضِ وَتَقول: "يُمكِنُني أن أعبُدَكَ على الرَّغمِ مِن هَذا كُلِّه".

وَكما تَرَوْنَ، فإنَّ الخَطيَّةَ سَتَمنَعُكَ مِنَ العِبادَة. وكذلكَ المَرارَة، وعَدَمُ القُدرةِ على قَبولِ مَا يَسمَحُ اللهُ بِهِ في حَياتِكَ. ويجب عليكَ أن تَتذكَّر أنَّهُ عندما يَسمَحُ اللهُ بأمورٍ كهذهِ في حَياتِكَ فإنَّ لَهُ قَصْدٌ. أليسَ كذلك؟

لَقد كُنتُ أقرأُ آيةً أدهَشَتني في الأصحاحِ الثَّامِنِ والأربَعينَ مِن سِفْرِ إرْميا. وَلا حَاجَةَ إلى أن تَفتَحُوا عليها، ولكنِّي أريدُ فقط أن أُعَلِّقَ عليها بإيجازٍ شَديد. ففي سِفْرِ إرْميا 48: 11 نَقرأُ مَا يَلي. فَقد كانَ اللهُ مُزمِعًا على إدانَةِ مُوآب. وَنَقرأُ أنَّ السَّببَ هُوَ التَّالي: "مُسْتَرِيحٌ مُوآبُ مُنْذُ صِبَاهُ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقَعُ في المَتاعِبِ دُونَ دَاعٍ وَدُونَ أن تَكونَ لَديهِ مَشاكِل لأنَّهُ لا يَنضُجُ حقًّا. فَقد كانَ كُلُّ شَيءٍ يَسيرُ بِيُسرٍ وسُهولةٍ شَديدةٍ في حَياتِهِ. "وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى دُرْدِيِّهِ، وَلَمْ يُفْرَغْ مِنْ إِنَاءٍ إِلَى إِنَاءٍ... لِذلِكَ بَقِيَ طَعْمُهُ فِيهِ، وَرَائِحَتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ".

وَقد فَكَّرْتُ في ذلكَ وقُلتُ: "إنَّها جُملةٌ غَامِضَةٌ جدًّا!". "[مُوآبُ] مُسْتَقِرٌّ عَلَى دُرْدِيِّهِ، وَلَمْ يُفْرَغْ مِنْ إِنَاءٍ إِلَى إِنَاءٍ... لِذلِكَ [فَإنَّ] رَائِحَتَهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ". مَا الَّذي يَتحدَّثُ عَنهُ؟ هَل تَعلَمونَ مَا الَّذي يَتَحدَّثُ عَنهُ؟ إنَّهُ يَتحدَّثُ عَن عَمليَّةِ صُنْعِ الخَمْر. فَما كَانُوا يَفعلونَهُ هُوَ أنَّهُم كانُوا يُحضِرونَ وِعاءً مِن جِلدٍ يَضَعونَ فيهِ العِنَبَ المُعَدَّ للتَّخمير ويَتركونَهُ فيهِ مُدَّةً مُعَيَّنة. وفي النِّهايةِ فإنَّ المَرارَةَ والرَّواسِبَ تَتَجَمَّعُ وَتَستقرُّ في قَاعِ الوِعاء. وَهَذا هُوَ مَا يُسَمَّى "دُرْدِيّ".

وَبعدَ مُدَّة، عندما يَحدُثُ ذ لك، كانُوا يَسكُبونَ الخَمرَ في وِعاءٍ آخر إلى أنْ تَتَجَمَّعَ الرَّواسِبُ المُرَّةُ في قَاعِ الوِعاءِ فتُسَمَّى بالدُّرْدِيِّ أيضًا. ثُمَّ كَانُوا يَسكُبونَ الخَمرَ في وِعاءٍ آخرَ، وَآخَرَ، وَآخَرَ، وَآخَرَ، وَآخَرَ. وَكانُوا في هذهِ المُدَّةِ الطَّويلةِ يَستمرُّونَ في إفراغِ الخَمرِ مِن وِعاءٍ إلى وِعاءٍ إلى وِعاءٍ إلى وِعاءٍ إلى أن تَتَرَسَّبَ كُلُّ الحُثَالَةِ في القَاعِ، وَإلى أن تَزولَ كُلُّ تِلكَ المَرارة ويَصيرَ الخَمْرُ الَّذي يُفْرَغُ في الوِعاءِ الأخيرِ حُلْو المَذاقِ؛ وَهُوَ الشَّيءُ الَّذي يَتَرَقَّبُهُ صَانِعُ الخَمْر.

وَهل تَعلَمونَ مَا الَّذي يَقولُهُ النَّبِيُّ عَن مُوآب؟ كَما تَرَوْنَ، لم يَفقِد مُوآبُ مَرارَتَهُ يَومًا. فَهُوَ لم يُفْرَغ مِنْ ظَرْفٍ عَصيبٍ إلى ظَرْفٍ عَصيبٍ كَي تَزولَ المَرارةُ الَّتي فيه. وبالمُناسَبَة، إنَّ الدُّرْدِيَّ الَّذي يَبقى في قَعْرِ كُلِّ تلكَ الأوعِيَةِ هُوَ المَادَّةُ الَّتي يُصنَعُ مِنها الخَلُّ بِسببِ مَرارَتِه.

اسمَعوني: سَوفَ تَكونُ حَياتُكُم أفضَل إنْ قَامَ اللهُ بإفراغِكُم مِن إناءٍ إلى إناءٍ إلى إناءٍ إلى إناءٍ إلى إناء. فَفي كُلِّ مَرَّةٍ تَخُوضونَ فيها تَجربةً مُختلفة، وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَجِدونَ فيها أنفسَكُم في ظُروفٍ عَصيبة، اعلَمُوا أنَّ جُزءًا مِنَ المَرارةِ في حَياتِكُم قَد زَالَت. وفي النِّهاية، ذَاتَ يَومٍ، سَيُفرِغُكَ مِن ذلكَ الإناءِ الأخيرِ ويَكونُ كُلُّ مَا تَبَقَّى هُوَ تلكَ الرَّائحة الطَّيِّبة الَّتي كَانَ يَسعى إليها طَوالَ الوقتِ بعدَ أن يَزولَ كُلُّ طَعْمِ مَرارَةٍ. وكُلَّما تَعَلَّمتَ عِبادَةَ القَبولِ في وَقتٍ أسرَع، زَادَ تَحَرُّرُكَ حَتَّى تَرفَعَ قَلبَكَ في تَسبيحِ الله. وَقد قَالَ بولُس: لَقَدْ سَكَبْتُ القَطَراتِ الأخيرةَ مِن حَياتي رَائِحَةً طَيِّبَةً لله. فقد أُفْرِغَ مِن إناءٍ إلى إناءٍ إلى إناء.

وَأخيرًا، هُناكَ عِبادَةُ التَّكريسِ أوِ التَّخصيص. وَما يُدهِشُني هُوَ أنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ التَّكوين والأصحاحِ الثَّاني والعِشرين أنَّ إبراهيمَ صَعِدَ إلى جَبَلِ المُرَيَّا هُوَ وَإسحاق. وَهَذا مُدهِشٌ جدًّا. فقد قالَ اللهُ لَهُ: "اصعَد إلى هُناكَ واذبَح إسحاق. اقتُلهُ وقَدِّمْهُ قُربانًا". وهَل تَعلَمونَ ماذا جَاءَ في سِفْرِ التَّكوين والأصحاح 22؟ "وَقَامَ [إبراهيمُ] وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ... فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلاَمَيْهِ: اجْلِسَا أَنْتُمَا ههُنَا مَعَ الْحِمَارِ، وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ". وَهَذا مُدهِش! إنَّهُ في نَظري أمرٌ مُدهِش. أيْ أنْ نَرى حَقيقةَ أنَّهُ استَطاعَ أن يَرى في ذلكَ عِبادَةً للهِ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ كَانَ سَيَذبَحُ ابْنَهُ. وَكما تَرَوْنَ، هَذا هُوَ مَعنى أن تُكَرِّسَ نَفسَكَ للعِبادَةِ أيًّا كَانَ الثَّمن. أَتَرَوْن؟

وما أعنيهِ هُو أن تَرى مَا وَراءَ الألم، وأن تَرى مَا وَراءَ الضِّيق. فهُناكَ أشخاصٌ لا يَستطيعونَ أن يَعبُدوا اللهَ لأنَّهُم لا يُكَلِّفُونَ أنفسَهُم عَناءَ النُّهوضِ مِنَ السَّرير. وَما أبعَدَ ذلكَ عَنِ الاستعدادِ لطَعْنِ ابنِكَ الحَبيبِ بِسِكِّينٍ في صَدرِه! وَأنْ تَرْتَضي أنْ تُسَمِّي ذلكَ عِبادَة إنْ كَانَ هَذا هُوَ ما قَالَهُ الله.

وَهُوَ يَقولُ: "فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ". وَهُوَ لا يَستخدِمُ الكلمة "قُربان". لماذا؟ لأنَّهُ رَأى مَا وَراءَ ذلك. وقد رَأى مَا بَعدَ ذلك. فقد رأى مَا وَراءَ التَّقدمةِ والقُربان. وَقد نَظَرَ إلى مَا وَراءِ الثَّمَنِ والكُلْفَةِ وَرأى العِبادَة.

وَهُناكَ أشخاصٌ، كَما قُلتُ، لا يَستطيعونَ أن يأتُوا إلى هُنا وأن يَشعُروا بالحُريَّةِ في العِبادَةِ لأنَّهُ يَنبغي لَهُم أن يَبتَدِئُوا بِعبادَةِ التَّوبة، أو بِعبادَةِ القَبولِ، أو بِعبادَةِ التَّكريس. وَهُم لا يُبدونَ أيَّ استِعدادٍ لِمُعالَجةِ خَطيَّتِهم. وَهُم لا يُبدونَ أيَّ استِعدادٍ لِتَقَبُّلِ ظُروفِهم. وَهُم لا يُبدونَ أيَّ استِعدادٍ لِدَفعِ الثَّمن. ولكِنِّي أريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّكُم إنْ عَبَدْتُموه فإنَّكُم ستَنالونَ وَعدًا مِنَ اللهِ بأنَّهُ سَيَسكُبُ في حَياتِكُم بَرَكَةً عَظيمةً فَتَرَوْنَ عَجَبًا. وسَوفَ أختِمُ بِما يَلي:

لَقد طَرَحَ "تُوزَر" (A.W. Tozer) سُؤالاً مُدهشًا إذْ قَال: "هَل تَوَقَّفْنا عَنِ التَّعَجُّب؟" هَل تَوَقَّفْنا عَنِ التَّعَجُّب؟ "فَعِندَما يَسجُدُ القَلبُ في حَضرةِ اللهِ، ويَسمَعُ بِخَوفٍ وَدَهْشَةٍ أُمورًا لاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا، وَعِندَما يَستَسلِمُ الذِّهنَ وَتَصيرُ الكلماتُ الَّتي كَانَتْ طَوْعَ أَمْرِ صَاحِبِها ضَعيفةً وَغيرَ قَادِرَةٍ البَتَّة على التَّعبيرِ عَمَّا يَسمَعُهُ القَلبُ وَيَراه؛ في تلكَ اللَّحظةِ الرَّهيبةِ، لا يَسَعُ العَابِدَ إلاَّ أنْ يَقولَ: ’يا للعَجَب!‘" هَل تَوَقَّفْنا عَنِ التَّعَجُّب؟ أُصَلِّي أَلاَّ نَكونَ قَد تَوَقَّفنا عن ذلك.

يَا أبانا، نَشكُرُكَ على وَقتِنا في هذا الصَّباح. ونُصَلِّي أن تَسُدَّ حَاجَتَنا، وأن تَجعَلَنا عَابِدينَ حَقيقيِّينَ. باسمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize