كَما ذَكَرتُ في هذا الصَّباح، سَوفَ نُتابعُ في هَذا المَساء دِراسَتَنا للأصحاحِ الرَّابِعِ لرِسالةِ كُولوسي ونَنظُرُ تَحديدًا إلى آياتٍ مُدهشةٍ جدًّا جدًّا تَتحدَّثُ على أَقَلِّ تَقديرٍ عَن جَانِبٍ واحِدٍ مِنَ الصَّلاةِ أَوَدُّ أن أُرَكِّزَ عليه. والعُنوانُ الَّذي اختَرتُهُ لِهذا المَقطَعِ هُوَ: "كَلامُ الإنسانِ الجَديد". عِندما كُنتُ في بِدايةِ الأسبوعِ أدرُسُ هَذا الجُزءَ المُحَدَّدَ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، وَجَدْتُ صُعوبةً في مَعرفةِ إن كانَ يُوجَدُ شَيءٌ واحِدٌ يَربِطُ بَيْنَ كُلِّ هَذِهِ الآيات. فَغالبًا، في نِهايةِ رَسائلِ بولُسَ نَجِدُ أنَّهُ يَذكُرُ بِسُرعة أمورًا عَديدةً فيَذكُرُ هَذا الشَّيءَ، وَذاكَ الشَّيءَ، وَذاكَ الشَّيءَ حَتَّى إنَّهُ مِنَ الصَّعبِ عَليكَ أحيانًا أن تُتابِعَهُ.
ولكِنْ عندما قَرأتُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّةِ الآياتِ مِن 2 إلى 6، وَاستَمرَّيْتُ في تَقليبِها في ذِهني، وَجدتُ أنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ الَّتي يُرَكِّزُ عليها هُنا تَختَصُّ بالكَلام. فَهِيَ تَتَحَدَّثُ عَمَّا يَتَفَوَّه بِهِ المُؤمِن. وَقد فَكَّرتُ قَائِلاً: "حَسَنًا! هَذا وَثيقُ الصِّلَةِ جدًّا بِما يَقولُهُ لأنَّهُ يَتحدَّثُ في كُلِّ الأصحاحِ الثَّالثِ عَن صِفاتِ الإنسانِ الجَديد. لِذا فإنَّهُ يَستَمِرُّ في التَّحَدُّثِ عَن ذلكَ قَليلاً في الأصحاحِ الرَّابعِ ويَتحدَّثُ عَن فَمِ الإنسانِ الجَديد. فالمُؤمِنُ يَتكلَّمُ بطريقةٍ مُختلفةٍ عنِ النَّاسِ الآخرين. والآن، في إنجيل مَتَّى 12: 34، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّهُ "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ".
وَما قَصَدَهُ رَبُّنا بذلكَ بَسيطٌ. فَما قَصَدَهُ هُوَ أنَّ صِفاتِنا الدَّاخِليَّةَ الحَقيقيَّةَ تَظْهَرُ مِن خِلالِ مَا نَتَفَوَّهُ بِهِ. وَهَذا هُوَ حَقًّا مِفتاحُ هَذا المَقطَع. فالرَّسولُ بُولُسُ يَقولُ إنَّكَ إن كُنتَ إنسانًا جَديدًا في المَسيحِ، وَإنْ كُنْتَ قَد قُمْتَ إلى الحَياةِ الجَديدة (كَما تَقولُ الآياتُ الأربعُ الأولى مِنَ الأصحاحِ الثَّالِث)، وإن كُنتَ قَد قُمتَ مَعَ المَسيحِ، لا بُدَّ أن يَكونَ لِذلكَ تَأثيرٌ على فَمِكَ؛ أيْ على الأشياءِ الَّتي تَقولُها. وَهَذِهِ هي فِكرةُ بُولسَ الرَّئيسيَّة في خِتامِ رِسالَتِهِ إلى أهلِ كولوسي؛ أيْ أنَّ الإنسانَ الجَديدَ مُختَلِفٌ. هَل تَذكُرونَ أنَّهُ تَحدَّثَ في الأصحاحِ الثَّالثِ والأعداد مِن 5 إلى 9 عن حَقيقةِ أنَّ الإنسانَ الجَديدَ يَخْلَعُ أنماطَ حَياتِهِ العَتيقَة؟ ثُمَّ إنَّنا رَأينا في الآياتِ مِن 9 إلى 14 أنَّ الإنسانَ الجَديدَ يَلبَسُ أنماطَ الحَياةِ الجَديدة.
ثُمَّ إنَّنا رَأينا في العَدد 15 كيفَ أنَّ الإنسانَ الجَديدَ يَسْمَحُ لِسَلامِ اللهِ أن يَمْلِكَ في قَلبِه. وَقد رأينا في العَدد 16 أنَّ الإنسانَ الجَديدَ يَدَعُ كَلِمَةَ المَسيحِ تَسكُنُ فيه. وَرأينا في العَدد 17 أنَّ الإنسانَ الجَديدَ يَعْمَلُ كُلَّ شَيءٍ باسمِ الرَّبِّ؛ أيْ أنَّهُ يَفعلُ كُلَّ شَيءٍ يُمَجِّدُ اللهَ. لِذا فَإنَّهُ يَذكُرُ لَنا مَجموعَةً مِنَ الأنماطِ الحَياتِيَّةِ للإنسانِ الجَديد. والآن، لَقد لاحَظتُ عندما تَأمَّلتُ في هذهِ الآياتِ مَرَّةً أخرى أنَّهُ حَتَّى نِهايَةِ العَدد 17 (أيْ مِنْ بِدايَةِ العَددِ الخَامِسِ إلى نِهايَةِ العَددِ السَّابِع عَشَر) فإنَّ بولُسَ يَتحدَّثُ عَنِ الحَياةِ الشَّخصيَّةِ للإنسانِ الجَديدِ؛ لا عَن عَلاقَتِهِ بأيِّ شخصٍ آخر. فيجبُ على الإنسانِ الجَديدِ أن يَهتمَّ بأمورٍ مُعَيَّنةٍ في حَياتِهِ الشَّخصيَّة. ولكِنِ ابتداءً مِنَ العَدد 18 (وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ هَذا مِن دَرْسِنا السَّابِقِ قَبلَ أُسبوعَيْن) ابتداءً مِنَ العَدد 18 إلى نِهايةِ العَددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ، نَرى أنَّ الإنسانَ الجَديدَ يَخْتَبِرُ تَغييراتٍ جَديدةً فيما يَختصُّ بِعلاقَاتِهِ بالأشخاصِ الآخرينَ في عَائِلَتِه.
إذًا في المَقامِ الأوَّل، تَتحدَّثُ هذهِ الآياتُ عَنِ صِفاتِ الإنسانِ الجَديدِ الشَّخصيَّة. ثُمَّ إنَّها تَتحدَّثُ عَنِ الإنسانِ الجَديدِ مِن جِهَةِ عَلاقَتِهِ بالأشخاصِ الآخرينَ في عَائلتِه. والآن، إذْ نَصِلُ إلى الأصحاحِ الرَّابعِ والعَددِ الثَّاني، نَرى البُعدَ الثَّالِثَ للإنسانِ الجَديد وَهُوَ: عَلاقَةُ الإنسانِ الجَديدِ بالنَّاسِ مِن حَولِهِ خَارِجَ نِطاقِ عَائلتِه. والحَقيقةُ هي أنَّ المَفعولَ بِهِ الرَّئيسيَّ هُنا هُوَ الأشخاصُ غَيرُ المُؤمِنين. لاحِظوا العَددَ الخَامِس: "اُسْلُكُوا بِحِكْمَةٍ مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ". لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ عَنِ الإنسانِ الجَديدِ شَخصيًّا، وَعَنِ الإنسانِ الجَديدِ مِن جِهَةِ عَلاقَاتِهِ في العَائلةِ (أيْ عَلاقَةِ المُؤمِنينَ بِزوجَاتِهم، وَعَلاقَةِ المُؤمِناتِ بأزواجِهِنَّ، وَعَلاقَتِهم بأبنائِهم، وَآبائِهم، وَبِعَبيدِهم وَبِسادَتِهم). والآن، نَرى الإنسانَ الجَديدَ مِنْ زَاويةٍ مُحَدَّدَةٍ وَهِيَ: كَيفَ يَتحدَّث. وعلى أَقَلِّ تَقديرٍ، نَرى أنَّ الفِكرةَ الرَّئيسيَّةَ في هذهِ الآياتِ تَختصُّ بالطَّريقةِ الَّتي يَتكلَّمُ بها أمامَ العَالَمِ الَّذي يُراقِبُ المَسيحيَّةَ وَيُقَيِّمُها مِن خِلالِ مَا يَراهُ وَيَسمَعُهُ مِن هَذا الإنسانِ الجَديد.
لِذا، هَذا هُوَ التَّركيزُ هُنا. فَهُوَ يَقولُ في العَددِ السَّادِسِ: "لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحًا بِمِلْحٍ، لِتَعْلَمُوا كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُجَاوِبُوا كُلَّ وَاحِدٍ". ونَجِدُ هُنا مَرَّةً أخرى الفِكرةَ ذَاتِها وَهِيَ كَيفيَّة تَصَرُّفِ الإنسانِ الجَديدِ أمامَ النَّاسِ مِن حَولِه؛ وتَحديدًا فِيما يَختصُّ بِالطَّريقةِ الَّتي يَتكلَّمُ بها. وَيُمكِنُكم أن تَقولوا إنَّ هذهِ الآياتِ تَقولُ إنَّ الإنسانَ الجَديدَ حَصَلَ على فَمٍ جَديد. وأنا أَعلمُ أنَّكُم اختَبرتُم هَذا الأمرَ؛ أو على الأقلِّ العَديدُ مِنكُم. فواحِدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي تَحدُثُ عندما تَصيرَ مُؤمِنًا هُوَ أنَّكُم تُدهَشونَ مِنَ الطَّريقةِ الَّتي يُغَيِّرُ فيها الرَّبُّ الأشياءَ الَّتي تَتكلَّمونَ عَنها. أليسَ كذلك؟ فَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ قَالوا لي: "أتَعلمُ أنَّهُ مُنذُ أن آمَنْتُ بالمَسيحِ لم أَعُد أَشْتُمُ! وَأنَّهُ مُنذُ أن آمَنْتُ بالمَسيحِ صَارَ كَلامي مُختلفًا!"
وأحيانًا يُلاحِظُ فَرْدٌ في العَائلةِ هَذا الأمرَ بشأنِ فَرْدٍ آخر في العَائلة جَاءَ إلى يَسوعَ المَسيح فَيَقول: "إنَّهُ يَتكلَّمُ بطريقةٍ مُختلفة!" وَهَذا صَحيح لأنَّهُ "مِن مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ". وَإنْ كُنتَ قَد حَصلتَ على قَلبٍ جَديد، لا بُدَّ أنَّكَ حَصلتَ على فَمٍ جَديد. والآن، في رِسالةِ أفسُس والأصحاحِ الرَّابعِ، هُناكَ مَقطعٌ مُشابِهٌ إذْ إنَّ بُولُسَ يُناقِشُ فيهِ نَفسَ المَبدأ. انظروا إلى رِسالةِ أفسُس 4: 24. فَفي رِسالة أفسُس 4: 24 سَنَرى نَفسَ الفِكرة. وَقَد قُلتُ لَكُم سَابِقًا أنَّ رِسالةَ أفسُس ورِسالةَ كولوسي مُتشابِهَتانِ جدًّا. نَقرأُ في رِسالة أفسُس 4: 24: "وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ".
والآن، إنَّهُ يَتحدَّثُ مَرَّةً أخرى عن نفسِ الفِكرة: الإنسان الجَديد. البَسُوا الإنسانَ الجَديد. فأنتَ إنسانٌ جَديدٌ وَيَجِبُ عليكَ أن تَتصرَّفَ وَفقًا لِذَلِك. كيف؟ لاحِظُوا أنَّهُ يَنتقلُ حَالاً للتَّحدُّثِ عَن فَمِه: "لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ". وَفي العَدد 26: "اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا". وفي العَدد 29: "لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ". والآن، سَوفَ تُلاحِظونَ أنَّهُ بَعدَ أن يَتحدَّثَ في العَدد 24 عَنِ الإنسانِ الجَديدِ فإنَّهُ يُتابِعُ حَالاً التَّحَدُّثَ مُطَوَّلاً عَنِ الفَم. فَينبغي أن تُؤثِّرَ المَسيحيَّةُ تَأثيرًا عَميقًا في فَمِنا. ويَنبغي لِكلامِ الإنسانِ أن يَتغيَّرَ تَغييرًا جَذريًّا بعدَ حُصولِهِ على الخَلاصِ، أو بَعدَ حُصولِهِ على الفِداء.
والكِتابُ المُقدَّسُ يُرَكِّزُ كَثيرًا على هذهِ النُّقطة. فالفَمُ مُهِمٌّ جدًّا. فليسَ مِنَ السَّهلِ أن تَضبُطَ لِسانَكَ. لِذا فإنَّهُ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُرَكِّزُ عليهِ الكتابُ المقدَّسُ أكثرَ مِن أيِّ عُضْوٍ بَشَرِيٍّ آخر أو مَقدِرَةٍ بَشريَّةٍ أخرى. كانَ واحِدٌ مِنَ الحُكَماءِ السَّبعةِ القُدماء في اليُونان يُدعى "بَيَاس" (Bias). والسَّببُ في أنَّهُ حُسِبَ وَاحِدًا مِن أعظمِ الحُكماءِ في كُلِّ اليُونانِ هُوَ أنَّ شَخصًا أرسَلَ إليهِ ذَاتَ مَرَّةٍ عِجْلاً هَدِيَّةً وطَلَبَ مِنهُ أنْ يَذْبَحَ العِجْل. ولكِنْ قَبلَ أنْ يَذبَحَ العِجلَ، يَنبغي لَهُ أن يُرسِلَ أفضلَ وَأسوأَ جُزءٍ في ذلكَ العِجْلِ إلى الشَّخصِ الَّذي أرسَلَ إليهِ الهَدِيَّة. وَقد أَرسَلَ اللِّسان. وبسببِ ذلكَ حُسِبَ وَاحِدًا مِن أحكَمِ الرِّجال.
فاللِّسانُ هُوَ أفضلُ وَأسوأُ جُزءٍ فيكَ. وَهُوَ أفضلُ وَأسوأُ جُزءٍ فِيَّ بِطَرائِقَ عَديدة وَكثيرة. انظروا إلى رِسالةِ يَعقوب والأصحاحِ الثَّالثِ في مَعْرِضِ حَديثِنا عَنِ اللِّسان. رِسالةُ يَعقوب والأصحاحِ الثَّالث. وَكَما تَعلَمونَ، أنا أنظرُ غَالبًا إلى المُراهِقينَ وأُفَكِّرُ قَائِلاً: "لو أنَّ الأُمَّ والأبَ بَذَلاَ عِنايةً أكبر في تَقويمِ كَلامِنا كَما يَفعلونَ في تَقويمِ أسنانِنا لَخَرَجُوا على الأرجحِ بِنَتيجةٍ أفضل وَطويلةِ الأمَد". هَل فَكَّرتُم يَومًا في ذلك؟ فأنتُم تَرَوْنَ أبناءً كَثيرينَ يَضَعونَ جِهازَ تَقويمٍ لأسنانِهم ولكِنَّ كَلامَهُم بَذيءٌ جدًّا. وعلى أيَّةِ حَالٍ فإنَّ تَقويمَ فَمِ ابنِكَ في أثناءِ تَقويمِ أسنانِهِ هُوَ الفِكرة. لِنَرجِع إلى رِسالةِ يَعقوب 3: 3. لم يَكُنِ الحَديثُ عَن تقويمِ الأسنانِ جُزءًا مِن عِظَتي؛ ولكنَّ الفِكرة خَطَرَتْ بِبالي الآنَ وَحَسْب.
نَقرأُ في رِسالةِ يَعقوب: "هُوَذَا الْخَيْلُ، نَضَعُ اللُّجُمَ فِي أَفْوَاهِهَا لِكَيْ تُطَاوِعَنَا، فَنُدِيرَ جِسْمَهَا كُلَّهُ. هُوَذَا السُّفُنُ أَيْضًا، وَهِيَ عَظِيمَةٌ بِهذَا الْمِقْدَارِ، وَتَسُوقُهَا رِيَاحٌ عَاصِفَةٌ، تُدِيرُهَا دَفَّةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا إِلَى حَيْثُمَا شَاءَ قَصْدُ الْمُدِيرِ". بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يُرَكِّزُ على حَقيقةِ أنَّ شَيئًا صَغيرًا قَد يَترُكُ تَأثيرًا هَائِلاً جدًّا. "هكَذَا اللِّسَانُ أَيْضًا، هُوَ عُضْوٌ صَغِيرٌ..." [صَغيرٌ جدًّا] "...وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا. هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ؟ فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ.
يا لَهُ مِنْ وَصْفٍ قَويٍّ! فَإنْ سَيْطَرَتْ جَهَنَّمُ على لِسانِ إنسانٍ مَا فإنَّها تَستطيعُ أن تُضْرِمَ نَارًا قَادِرَةً على إضْرامِ النَّارِ في الكَونِ كُلِّه. "لأَنَّ كُلَّ طَبْعٍ لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَالزَّحَّافَاتِ وَالْبَحْرِيَّاتِ يُذَلَّلُ، وَقَدْ تَذَلَّلَ لِلطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ". فيُمكِنُكم أن تَذهبوا إلى حَديقةِ الحَيَواناتِ، أو أن تَذهَبوا إلى "عَالَمِ البِحارِ" (Sea World)، أو أن تَذهَبُوا إلى "مُتَنَزَّهِ الحَيَواناتِ" (Animal Park)، أو أن تَذهَبوا إلى أيِّ مَكانٍ وَتَروا ذلكَ كُلَّهُ. "وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا. بِهِ نُبَارِكُ اللهَ الآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ النَّاسَ الَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ اللهِ. مِنَ الْفَمِ الْوَاحِدِ تَخْرُجُ بَرَكَةٌ وَلَعْنَةٌ! لاَ يَصْلُحُ يَا إِخْوَتِي أَنْ تَكُونَ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا! أَلَعَلَّ يَنْبُوعًا يُنْبِعُ مِنْ نَفْسِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ الْعَذْبَ وَالْمُرَّ؟
"هَلْ تَقْدِرُ يَا إِخْوَتِي تِينَةٌ أَنْ تَصْنَعَ زَيْتُونًا، أَوْ كَرْمَةٌ تِينًا؟ وَلاَ كَذلِكَ يَنْبُوعٌ يَصْنَعُ مَاءً مَالِحًا وَعَذْبًا!" بِعبارةٍ أخرى، فإنَّ يَعقوبَ يُشيرُ ببساطَةٍ إلى قُدرةِ اللِّسانِ، والدَّمارِ الَّذي يَستطيعُ اللِّسانُ أنْ يُحْدِثَهُ، وتَناقُضِ اللِّسان. فاللِّسانُ نَفسُهُ الَّذي يُبارِكُ قَد يَلعَنُ بَعدَ قَليل. وأودُّ أن أقولَ شَيئًا أعتقدُ أنَّكُم تُوافِقونَني الرَّأيَ فيه لأنَّهُ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ وَهُوَ أنَّ الفَمَ رُبَّما كانَ أَصْدَقَ مُؤَشِّرٍ على الحَالةِ الرُّوحيَّةِ للإنسانِ بِلا أدنَى شَكٍّ. فَهَذا هُوَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ بِصورةٍ رَئيسيَّة. وكما تَرَوْنَ فإنَّ الفَمَ الَّذي لم يَخْتَبِر الفِداءَ هُوَ البَوَّابَةُ الَّتي يَخْرُجُ مِنها الفَساد.
فَعَلى سَبيلِ المِثالِ، عندما أرادَ إشَعْياءُ أن يُعَبِّرَ عَن خَطِيَّةِ شَعبِهِ قَالَ بِبساطَةٍ مَا يَلي في سِفْرِ إشَعْياء 6: 5: "وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ [مَاذا؟] نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ". وَقد كانَ يَقولُ ببساطَةٍ إنَّ الفَسادَ يُمكِنُ إثباتُهُ مِن خِلالِ الكَلام، ومِن خِلالِ مَا يَخرُجُ مِنَ الفَم. وفي إنجيل مَتَّى 12: 37 قَالَ يَسوعُ إنَّ الإنسانَ يُدانُ بِكلامِهِ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الفَمَ هُوَ البَوَّابَةُ الَّتي يَخرُجُ مِنها الفَسادُ. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَتحدَّثُ كَثيرًا عن مَعنى الفَمِ الفَاسِد. وَسوفَ أُقَدِّمُ لَكُم دَرسًا لاهُوتِيًّا صَغيرًا وَأُخبرُكم عَنِ الوَصفِ الكِتابِيِّ للفَمِ الَّذي لم يَخْتَبِر الفِداء. إليكُم مَا يَقولُه:
فإنِ استَمتعُتُم إلى فَمٍ لم يَختَبِر الفِداءَ، هَذا هُوَ مَا سَتَسمَعونَهُ: أولاً، الشَّرّ. فَهُوَ يَتكلَّمُ بالشَّرّ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 15: 28: "فَمُ الأَشْرَارِ يُنْبعُ شُرُورًا". ثَانِيًا، الشَّهوة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 5: 3: "لأَنَّ شَفَتَيِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ تَقْطُرَانِ عَسَلاً، وَحَنَكُهَا أَنْعَمُ مِنَ الزَّيْتِ" دَلالةً على الإغواءِ والشَّهوة. وإذا استَمعتُم إلى فَمِ شَخصٍ لم يَختَبِر الفِداءَ ستَسمَعونَ غِشًّا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إرْميا 9: 8: "لِسَانُهُمْ سَهْمٌ قَتَّالٌ يَتَكَلَّمُ بِالْغِشِّ. بِفَمِهِ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ بِسَلاَمٍ، وَفِي قَلْبِهِ يَضَعُ لَهُ كَمِينًا". وَفَمُ الشَّخصِ الَّذي لم يَختبِرِ الفِداءَ يَنْطِقُ باللَّعَنات. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 10: 7: "فَمُهُ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً". وَهُوَ يَنْطِقُ بالظُّلْم. فنحنُ نَقرأُ في المَزمورِ العاشِرِ أيضًا: "فَمُهُ مَمْلُوءٌ...ظُلْمًا". وَهُوَ يَنطِقُ بالأكاذيب. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 12: 22: "كَرَاهَةُ الرَّبِّ شَفَتَا كَذِبٍ".
واللِّسانُ الَّذي لَم يَختَبِرِ الفِداءَ يَلْوي الحَقائقَ ويُشَوِّهُها. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 6: 12: "الرَّجُلُ الأَثِيمُ يَسْعَى بِاعْوِجَاجِ [أوْ نَميمَةِ] الْفَمِ". والفَمُ الَّذي لَم يَختَبِرِ الفِداءَ يَتكلَّمُ بالهَلاك. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 11: 11 الكلماتِ التَّاليةِ المُدهشةِ جدًّا: "بِبَرَكَةِ الْمُسْتَقِيمِينَ تَعْلُو الْمَدِينَةُ..."، ثُّمَ اسمَعُوا مَا يَقول: "وَبِفَمِ الأَشْرَارِ تُهْدَمُ". فالفَمُ يَستطيعُ أن يَهدِمَ مَدينةً حَرفِيًّا، وَأن يُحْدِثَ فَوضىً سِياسِيَّة، وَأن يُشْعِلَ فَتيلَ الحَرْبِ، وَغيرَ ذلك. وهُناكَ شَيءٌ آخرُ تَسمَعونَهُ مِنَ الفَمِ الَّذي لَم يَختَبِرِ الفِداءَ وَهُوَ البُطْلُ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الثَّانِيَة 2: 18: " لأَنَّهُمْ إِذْ يَنْطِقُونَ بِعَظَائِمِ الْبُطْلِ، يَخْدَعُونَ..." كَما يَقولُ بُطرُس. وهُناكَ شَيءٌ آخر يَفعلُهُ الفَمُ الَّذي لَم يَختَبِرِ الفِداءَ وَهُوَ أنَّهُ يَتَمَلَّقُ الآخَرين. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 26: 28: "وَالْفَمُ الْمَلِقُ يُعِدُّ خَرَابًا". وَالتَّمَلُّقُ هُوَ أن تُظْهِرَ بِلِسانِكَ مَا ليسَ في قَلبِكَ مِن أجلِ تَحقيقِ مُبْتَغاك.
وهُناكَ شَيءٌ يَنْطِقُ بِهِ الفَمُ الَّذي لم يَختَبِر التَّجديدَ وَهُوَ الحَماقَة. "وَفَمُ الْجُهَّالِ يُنْبِعُ حَمَاقَةً" (كَما جَاءَ في سِفْر الأمثال 15: 2). ونَقرأُ في سِفْر الجامِعَة 10: 12 و 13: "شَفَتَا الْجَاهِلِ تَبْتَلِعَانِهِ... وَآخِرُ فَمِهِ جُنُونٌ رَدِيءٌ". فَالفَمُ الَّذي لم يَختبِر التَّجديدَ يَتكلَّمُ بالجُنون. وتَقولُ إحدى التَّرجَماتِ إنَّ الفَمَ الَّذي لم يَختبِر التَّجديدَ يُثَرثِر. وَهل تَعلَمونَ مَا الشَّيءُ الآخرُ الَّذي لاحَظْتُهُ بخصوصِ الأفواهِ الَّتي لم تَختَبِر التَّجديد؟ أنَّها تَتكلَّمُ في أغلبِ الأحيانِ أكثرَ مِمَّا يَنبغي. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الجامِعَة 10: 14: "وَالْجَاهِلُ يُكَثِّرُ الْكَلاَمَ". سِفْرُ الجَامِعَة 10: 14 يَقولُ ذلك. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 12: 36 أنَّ الفَمَ الَّذي لم يَختبِر الفِداءَ يَتكلَّمُ بالبُطْل. "إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّين". ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى تِيطُس 1: 11 أنَّ الفَمَ الَّذي لَم يَختبِر التَّجديدَ يُعَلِّمُ تَعليمًا بَاطِلاً: "مُعَلِّمِينَ مَا لاَ يَجِبُ، مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ الْقَبِيح"؛ أيْ مِن أجلِ المَال.
ونَقرأُ في المَزمور 37: 12 أنَّ الفَمَ الَّذي لَم يَختبرِ التَّجديدَ يُحيكُ مُؤامَراتٍ شِرِّيرة: "الشِّرِّيرُ يَتَفَكَّرُ ضِدَّ الصِّدِّيقِ وَيُحَرِّقُ عَلَيْهِ أَسْنَانَهُ". فَنحنُ نَرى مَرَّاتٍ كَثيرةً في الكتابِ المقدَّسِ أنَّ الأشرارَ يَستخدِمونَ أفواهَهُم لِلتَّآمُرِ على الأبرار. وَنَقرأُ في سِفْر الأمثال 14: 3 أنَّ الفَمَ الَّذي لَم يَختبر التَّجديدَ يَتكلَّمُ بِكِبرياء إذْ نَقرأُ: "فِي فَمِ الْجَاهِلِ قَضِيبٌ لِكِبْرِيَائِهِ". ونَقرأُ في المَزمور 109: 3 أنَّ ذلكَ الفَمَ نَفسَهُ يَقولُ كَلامًا حَقودًا: "بِكَلاَمِ بُغْضٍ أَحَاطُوا بِي". ويَصِفُ الأصحاحُ الخَامِسُ مِن إنجيلِ مَتَّى خَطِيَّةً أُخرى للفَمِ الَّذي لَم يَختبِر الفِداءَ وَهِيَ خَطِيَّةُ الحَلْف. فقد قالَ يَسوعُ: "لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ... بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّير". ونَقرأُ في رِسالةِ أفسُس والأصحاحِ الرَّابعِ، الَّذي ذَكَرناهُ قبلَ قَليل، شَيئًا آخرَ عَنِ الفَمِ الَّذينَ لَم يَختبِر الفِداءَ وَهُوَ أنَّهُ يَتكلَّمُ بِكلامٍ بَذيء.
فَبولُسُ يَقول: "لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ" (في رِسالة أفسُس 4: 29). وهُناكَ شَيءٌ آخر يَتكرَّرُ المَرَّةَ تِلوَ الأخرى في الكتابِ المقدَّسِ بشأنِ الفَمِ الَّذي لم يَختَبِر الفِداءَ وَهُوَ النَّميمَة. فالآيةُ رُومية 1: 29 تَصِفُ الوَثَنِيِّينَ قَائلةً إنَّهُم نُمَّامُونَ مُفْتَرون. ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّادِسِ والعِشرينَ مِن سِفْرِ الأمثال: "كَلاَمُ النَّمَّامِ مِثْلُ لُقَمٍ حُلْوَةٍ فَيَنْزِلُ إِلَى مَخَادِعِ الْبَطْن". وَلِتَلخيصِ ذلك، إنْ كُنتَ تَقِفُ أمامَ شَخصٍ لم يَختبِر التَّجديدَ فإنَّكَ ستَسمَعُ كَلامًا مُوافِقًا لِذلك. والآيةُ رُومية 3: 13 تَصِفُ الشَّخصَ الَّذي لم يَختبِر التَّجديدَ بالكلماتِ التَّالية: "حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً".
وأكثرُ شَيءٍ مُدهشٍ بشأنِ ذلكَ الوَصفِ هُوَ أنَّهُ يَبتدئُ مِنَ الحَنْجرةِ ويَصِلُ إلى الشِّفاهِ مُبَيِّنًا فَسادَ العَمليَّةِ بأسرِها. ولا شَكَّ في أنَّكُم إذا دَرستُم سِفْرَ الأمثالِ ستَقرأونَ فيهِ آياتٍ كَثيرةً يَقولُ فيها سُليمانُ إنَّ لِسانَ الإنسانِ الشِّرِّيرِ أو فَمَهُ هُوَ الشَّيءُ الَّذي يُوْقِعُهُ في الفَخِّ أوِ العُبودِيَّة. فَهُوَ يَقَعُ في الفَخِّ بسببِ لِسانِه. وَمِنَ المُدهشِ أن تَعقِدُوا مُقارنةً. ورُبَّما تَرغَبونَ في دِراسةِ هَذا الأمرِ بأنفُسِكُم في وَقتٍ مَا. ولكِن إن لم تَتغيَّر أفواهُنا، إن لم تَتغيَّر أفواهُنا، سَنَسمَعُ الكَلامَ الَّذي سَيَصدُرُ عَن فَمِ المَسيح. فَنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر مِن سِفْر الرُّؤيا: "وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ [مَاذا؟] سَيْفٌ مَاضٍ". فَهُوَ سَيأتي بالدَّينونة.
لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ الكَثيرَ جدًّا عَنِ الفَمِ، وَعن نَوعِيَّةِ فَمِ الإنسانِ الَّذي لم يَختبِر الفِداء. وَلا يَجوزُ أن تَكونَ أيٌّ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتي ذَكرتُها لَكُم مَوجودةً لَدى الإنسانِ المُؤمِن-البَتَّة. وَقد تَقول: "حَسنًا! ولكِن مَا الَّذي يَنبغي أن يَتَفَوَّه بِهِ فَمُ الإنسانِ المُخَلَّص؟" سوفَ أَذكُرُ لَكُم بِضعَةَ أُمورٍ عَامَّة، ثُمَّ سَنَنظُرُ إلى نَصِّنا. ولكِنَّني سأُقَدِّمُ لَكُم بِضعةَ اقتراحاتٍ: أوَّلاً، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّهُ يَجِبُ عليكَ أن تَعترِفَ بخَطاياكَ. اقرأوا المَزمورَ الثَّاني والثَّلاثين. فَداوُدُ يَقولُ: "عندما لم أعتَرِف بِخطايايَ، أو عِندَما أَغلقتُ فَمي وبَقيتُ صَامِتًا، بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ. ولم أشعُر بأيِّ سَلامٍ إلاَّ عندما فَتحتُ فَمي وَاعتَرفتُ بخَطِيَّتي". ونَقرأُ في رِسالةِ رُومية 10: 9 و 10: "إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ...".
ونَقرأُ في رِسالةِ أفسُس أنَّهُ يجبُ علينا أن نَتَكَلَّمَ كَلامًا يَبْني. ونَقرأُ في سِفْر الخُروج 13: 9 أنَّهُ يجبُ علينا أن نَتكلَّمَ بِفَمِنا بِشَريعَةِ الله. ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْر التَّثنية أنَّهُ يجبُ علينا أن نَتكلَّمَ بها حِينَ نَقومُ، وَحينَ نَجلِسُ، وَحينَ نَنامُ، وَحينَ نَمشي في الطَّريق. لِذا، يَجِبُ على أفواهِنا أن تَعترِفَ بالخطيَّة، وَأن تَعتَرِفَ بالمَسيح، وَأن تَقولَ كَلامًا صَالِحًا، وَأن تَقولَ شَريعَةَ الله. وهُناكَ شَيءٌ آخر إذْ نَقرأُ في إنجيل لوقا 1: 64 أنَّهُ يَجِبُ على أفواهِنا أن تُسَبِّحَ اللهَ: فنحنُ نَقرأُ: "وَفِي الْحَالِ انْفَتَحَ فَمُهُ وَلِسَانُهُ وَتَكَلَّمَ وَبَارَكَ اللهَ". ويَجِبُ على أفواهِنا أن تُعَلِّمَ الحَقَّ. فاللهُ يَقولُ في سِفْر الخُروج 4: 15: "وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَان". وَيَجِبُ على أفواهِنا أن تُبارِك. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 3: 9: "غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرّ بِشَرّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ". بِعبارةٍ أخرى، يَجِبُ عَلينا أن نَستخدِمَ أفواهَنا لِلبَرَكة.
ونَقرأُ في المَزمور 77: 12 أنَّهُ يَجِبُ علينا أن نَستخدِمَ أفواهَنا للتَّكلُّمِ عَنِ الله. "وَأَلْهَجُ بِجَمِيعِ أَفْعَالِكَ" (كَما يَقولُ المُرَنِّم). ويَجِبُ على أفواهِنا أن تَتكلَّمَ بالحِكمةِ واللُّطف. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 31: 26: "تَفْتَحُ فَمَهَا بِالْحِكْمَةِ، وَفِي لِسَانِهَا سُنَّةُ الْمَعْرُوفِ". وَيَجِبُ على أفواهِنا أن تَجْلِبَ المُصالَحَةَ والسَّلام: "اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ [مَاذا؟] الْغَضَب" (في سِفْر الأمثال 15: 1). لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ الكَثيرَ عَمَّا يَنبغي للِّسانِ أن يَقولَهُ وَعَمَّا لا يَجوزُ أن يَقولَهُ. لِذا، بِصِفَتِنا خَليقَةً جَديدةً، يجبُ علينا أن نُقِرَّ بحقيقةِ أنَّهُ يَجِبُ على الإنسانِ الجَديدِ أن يَمْلِكَ فَمًا جَديدًا، وَأنَّهُ يَجِبُ على الفَمِ الجَديدِ أن يَتكلَّمَ كَلامًا جَديدًا. والآن، بعدَ هَذِهِ المُقدِّمةِ، نَأتي إلى نَصِّنا. وَهَذهِ هي العَقيدةُ الكَامِلَةُ المُختَصَّةُ باللِّسانِ. وقدِ لَخَّصتُها لَكُم وقَدَّمتُها لَكُم في عُجَالَة. ولكنِّي أريدُ أن أُبَيِّنَ لَكُم أهميَّتَها.
والآن، في نَصِّنا، يَنْتَقي بولسُ أربعةَ جَوانِبَ للفَمِ أو مَا يَصْدُرُ عَنه. فَهُوَ يَذكُرُ أربعَةَ أنواعٍ مِنَ الكَلامِ، وَهِيَ كَما يَلي: كَلامُ الصَّلاة، وَكَلامُ الإعلان، وكَلامُ الأداء، وكَلامُ الكَمال. فهُناكَ أربعةُ عَناصِرَ مُمَيَّزَة تَختصُّ بِالفَمِ في نَمَطِ الحَياةِ المَسيحيَّةِ وَهِيَ: كَلامُ الصَّلاة، وَكَلامُ الإعلان، وكَلامُ الأداء، وكَلامُ الكَمال. وَسوفَ نَتحدَّثُ عَنها تِباعًا. أوَّلاً، كَلامُ الصَّلاة. فَنَمَطُ الحَياةِ الجَديدةِ عندَ الإنسانِ الجَديدِ يَعني أن يَمْتَلِكَ فَمًا جَديدًا مَمْلُوءًا بنَوعٍ جَديدٍ مِنَ الكَلام. انظُروا إلى العَددِ الثَّاني. فنحنُ نَقرأُ في رِسالة كولوسي 4: 2: "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ".
والآن، عندَ التَّحدُّثِ عَنِ الصَّلاةِ، أعتقدُ أنَّنا رُبَّما تَطَرَّقنا إلى واحِدٍ مِن أَهَمِّ الجَوانِبِ في حَياةِ أيِّ مُؤمِن. فَنَحنُ جَميعًا نُدركُ ذلك. وَنحنُ جَميعًا نَفهَمُ عَقيدَتَنا ولَدينا فِكرة عَنِ الصَّلاةِ، ونَفهَمُ كيفَ يَنبغي لنا أن نُصَلِّي. ولكِن اسمَحُوا لي أن أُوَسِّعَ أُفُقَكُم قَليلاً. فالصَّلاةُ هِيَ أَهَمُّ كَلامٍ تَتَفَوَّهُ بِهِ أَفواهُكُم. والصَّلاةُ هِيَ أَهَمُّ كَلامٍ يُمكِنُ أن تَقولوه، وَأهَمُّ تَعبيرٍ عَنِ الحَياةِ الجَديدة. وَكَما تَرَوْنَ فإنَّ الصَّلاةَ هِيَ السِّلاحُ الَّذي أعطانا اللهُ إيَّاه لِصَدِّ الهَجَماتِ الضَّارِيَةِ الَّتي يَشُنُّها إبليسُ وأعوانُه. والصَّلاةُ هِيَ وَسيلةُ الاعترافِ بالخطيَّة.
والصَّلاةُ هِيَ الوَسيلةُ الَّتي تَسْكُبُ فيها النَّفسُ الشَّكورةُ حَمْدَها العَفْوِيَّ أمامَ عَرشِ اللهِ. والصَّلاةُ هِيَ صَوْتُ النَّفسِ البَاكِيَةِ الَّتي تَدعُو رَئيسَ الكَهنةِ الرَّحيم في وقتِ الحَاجَة. والصَّلاةُ هِيَ شَفاعَةُ المُؤمِنِ الَّذي يَشْفَعُ في أخيهِ وَيَطلُبُ العَونَ الإلهِيَّ نِيابَةً عن أخيهِ الَّذي يَمُرُّ في ضِيق. والصَّلاةُ هِيَ حَديثٌ بَسيطٌ بينَ ابنِ مَحبوبٍ وَأبيهِ المُحِبّ فيما يَتحدَّثانِ بِمَحبَّة. وماذا يُمكِنُنا أيضًا أن نَقولَ عَنِ الصَّلاة؟ وَهَل هُناكَ شَيءٌ يَنبغي أن أقولَهُ وَلَمْ أَقُلْهُ في السَّنواتِ الثَّماني المَاضِيَة؟ فقد عَلَّمناكُم كُلَّ ما يُمكِنُ تَعليمُهُ على مَا يَبدو. فَالصَّلاةُ تُوَجَّهُ إلى الله. وَالصَّلاةُ يَنبغي أن تَكونَ مُنسَجِمَةً مَعَ الرُّوحِ القُدُس.
فَيَجِبُ علينا أن نُصَلِّي في الرُّوح، وَأن نُصَلِّي بِما يُوافِقُ فِكرَهُ وَمَشيئَتَهُ. ويجبُ علينا أن نُصَلِّي دائمًا بِحَسَبِ مَشيئةِ اللهِ. وقد تَحَدَّثنا عن هذا كُلِّه. وقد تَحدَّثنا عَن مَعنى أن نُصَلِّي باسمِ المَسيحِ صَلواتٍ تَنْسَجِمُ مَعَهُ. ولكنِّي أريدُ أن أتأمَّلَ فيما يَقولُهُ بولُسُ هُنا مِن زَاويةٍ مُختلفةٍ قَليلاً، وَأن أتوسَّعَ في ذلكَ وَأنظُرَ إلى بُعْدٍ مِنَ النَّادِرِ أن نَنظُرَ إليه. لاحِظُوا الجُزءَ الأوَّلَ مِنَ العَددِ الثَّاني: "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَة". أعتقدُ أنَّهُ إن كانَ هُناكَ جَانِبٌ أُخفِقُ فيهِ، وَجَانِبٌ تُخْفِقونَ فيهِ، فَهُوَ هَذا الجَانِبُ المَذكورُ هُنا. فَهُوَ لا يَقولُ: "صَلُّوا"، بَل يَقولُ: "وَاظِبُوا على الصَّلاةِ"، أوِ "استَمِرُّوا في الصَّلاة". والتَّركيزُ هُنا يَنْصَبُّ على المُواظَبَة. ولا شَكَّ في أنَّكُم ستَتذكَّرونَ حَالاً مَا جاءَ في رِسالة أفسُس 6: 18: "مُصَلِّينَ...كُلَّ وَقْتٍ".
وَلا شَكَّ في أنَّكُ سَتَتَذَّكرونَ قَولَهُ: "صَلُّوا بِلاَ [مَاذا؟] انْقِطَاعٍ" (في رِسالَتِهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي والأصحاحِ الخَامِس). لِذا، سَواءَ كانَ يَقولُ "صَلُّوا كُلَّ وَقْتٍ" (في الأصحاحِ السَّادسِ مِن رِسالةِ أفسُس)، أو "صَلُّوا بِلا انقِطاعٍ" (في الأصحاحِ الخَامِسِ مِن رسالةِ تسالونيكي الأولى)، أو مَا جَاءَ في إنجيل لُوقا 21: 36 إذْ إنَّ يَسوعَ قَالَ: "تَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ"، أو مَا قَالَهُ الرُّسُلُ الأوائِلُ الَّذينَ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل أنَّهُم كانُوا يُواظِبونَ على الصَّلاةِ، أو مَا ذُكِرَ عَن كَرنيلِيُوس الَّذي كانَ يُصَلِّي إِلَى اللهِ فِي كُلِّ حِينٍ، أو مَا جَاءَ في رِسالة رُومية 12: 12 إذْ نَقرأُ: "مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ"، أو مَا جاءَ في الأصحاحِ الرَّابع مِن رِسالةِ فيلبِّي: "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ [بِماذا؟] بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاء"، فإنَّ الفِكرةَ في كُلِّ هذهِ الآياتِ هِيَ نَفسُها: "استَمِرُّوا في الصَّلاةِ" أو "وَاظِبُوا عَليها". وَما مَعنى ذلك؟ نَحْنُ نُرَجِّحُ المَعنى البَديهيَّ وَهُوَ أنْ نَكونَ مُدْرِكينَ لِوُجودِ اللهِ دَائِمًا.
فَلا يُمكِنُنا أن نَصرِفَ كُلَّ وَقْتِنا في الصَّلاةِ كَما تَعلَمون. فَإن فَعلتُم ذلكَ لن أتمكَّنَ مِنَ التَّحَدُّثِ إليكُم. فَهذا لا يَعني أن تَحمِلَ كِتابَ الصَّلواتِ الخَاصّ بِكَ وَأن تُصَلِّي طَوالَ الوقتِ، ولا يَعني أنْ تَعيشَ وَأنتَ تَحْمِلُ سُبْحَةً وَتُتَمْتِمُ الصَّلواتِ طَوالَ الوقت. وَهَذا لا يَعني أن تُصَلِّي بِصَوتٍ عَالٍ طَوالَ الوقتِ؛ بَل إنَّ المَعنى المَقصودَ هُنا (وَهُوَ أمرٌ تَحَدَّثنا عَنهُ في السَّابقِ) هُوَ أن تَكونَ مُدرِكًا لِحُضورِ اللهِ دَائِمًا حَتَّى إنَّكَ تَرى كُلَّ شَيءٍ يَحدُثُ مِن حَيث صِلَتِهِ بالله. فَهُناكَ على سَبيلِ المِثالِ ذلكَ الحَادِثُ الَّذي تَعَرَّضَ لَهُ شَابٌّ في كَنيستِنا، وَهُوَ طَالِبٌ في المَرحلةِ الثَّانَويَّة. فَقد يَأتي شَخصٌ دُونَ أَدنى شَكٍّ، أو يَمُرُّ بِسَيَّارَتِهِ ويَقول: "يا لَهُ مِن شَابٍّ مِسكين. كانَ يَنبغي لَهُ أن يَكونَ حَذِرًا في قِيادَةِ دَرَّاجَتِهِ النَّارِيَّة"، أو: "يا لَهُ مِن حَادِثٍ مُؤسِفٍ جدًّا".
وَلكِن قَد يَأتِ شَخصٌ ويَخرُجُ مِن سَيَّارَتِهِ، ويَذهبُ إليهِ لأنَّهُ مَسيحيٌّ، ويَركَعُ ويُصَلِّي لأنَّهُ يَرى كُلَّ مَا حَدَثَ نَظرةً مُختلفةً تَمامًا عَن أيِّ شخصٍ آخر لأنَّهُ إنسانٌ يُدرِكُ وُجودَ اللهِ، وَلأنَّ أيَّ شَيءٍ يَحدُثُ وَكُلَّ شَيءٍ يَحدُثُ يَصيرُ سَبَبًا للتَّخاطُبِ مَعَ الله. فإدراكُ وُجودِ اللهِ يَعني أنِّني إنْ رَأيتُ شَيئًا سَيِّئًا فإنِّي أُصَلِّي لأجلِ الأشخاصِ المَعْنِيِّين. وَإن رَأيتُ شَيئًا جَيِّدًا فإنِّي أُسَبِّحُهُ على قِيامِهِ بذلك. وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّهُ إدراكٌ وَاعٍ لِوُجودِ الله. ولكن عِندما فَكَّرتُ في ذلكَ قُلتُ: "هَذا رَائعٌ، وَأنا أَفهمُ ذلكَ، ولكنَّ ذلكَ قَد يَصيرُ حُجَّةً للتَّمَلُّصِ مِن كُلِّ فِكرةِ المُواظَبَةِ على الصَّلاةِ، والاكتفاءِ بالقَول: ’مِنَ الواضِحِ أنَّني لا أستطيعُ أن أُصَلِّي كُلَّ حِيْن. واللهُ ليسَ أَصَمًّا وَلا يَنسى الأشياء‘".
فَيَكفي أن تَقولَ لَهُ مَا تُريد وأن تُكمِلَ يَومَكَ كَالمُعتاد. والحَقيقةُ هي أنَّني أَظُنُّ أنَّ الأغلبيَّةَ مِنَّا يَتصرَّفونَ هَكذا قَائِلينَ: "حسنًا يا رَبّ، إليكَ حَاجَتي. وَأنا أُريدُ أن أُذَكِّرَكَ بالحاجة. والحَقيقةُ هيَ أنَّنا قُمنا بِتَدوينِ تلكَ الحَاجاتِ على هذهِ الوَرَقةِ مُنذُ يَومِ الأربعاء مَساءً يا رَبّ. هَا هِيَ. أَلاَ أَخَذْتَ نُسْخَةً مِن هَذِهِ الوَرَقَةِ بِواسِطَةِ آلَةِ التَّصويرِ الكَوْنِيَّةِ المَوجودةِ لَديكَ؟" وَنحنُ نَقولُ: "حسنًا، لقد حَصَلَ اللهُ على المَعلوماتِ. وَاللهُ مُطْلَقُ السِّيادَة. واللهُ سَيَفعلُ مَا طَلَبْناهُ مِنهُ. لِذا، يُمكِنُنا أن نَتوقَّفَ عَنِ الصَّلاةِ لهذا الأمرِ وَنُفَكِّر في شَيءٍ آخر". لِذا فإنَّ هَذا التَّفسيرَ المُختصَّ بإدراكِ وُجودِ اللهِ فيما يَختصُّ بالمُواظَبَةِ على الصَّلاةِ قَد يَصيرُ تَهَرُّبًا. وَهذا لا يَعني أنَّ هَذا التَّفسيرَ مَغلوطٌ، ولكِن يَجِب أن تَعلَموا أنَّ هَذا يَجعَلُنا نُرَكِّزُ على جَانِبٍ مُحَدَّدٍ وَلا يَسْمَحُ لَنا بالتَّركيزِ على الجانِبِ الآخر.
لِذا، أريدُ أن أُكَلِّمَكُم عَنِ الجَانِبِ الآخر؛ وَقد يُؤدِّي ذلكَ إلى تَوتيرِكُم قَليلاً في هذا المَساء. فَقد فَكَّرتُ في ذلكَ وَوَجدتُ أُمورًا مُدهشةً. فقدِ ابتدأتُ بالبَحثِ عَن مَعنى الكلمة "وَاظِبُوا" فيما يَختصُّ بالصَّلاةِ وَوَجدتُ أنَّ أَصْلَ الكلمة هُوَ كلمة يُونانِيَّة واحِدَة: "كارتيريئو" (kartereo). وَهِيَ كلمة مُدهشة جدًّا. وَهِيَ مُشتقَّةٌ في الأصلِ مِن اسْمٍ يَعني "قَوِيّ" – قَوِيّ. والفِعلُ يُشيرُ إلى "الثَّباتِ" أوِ "الاحتِمالِ" أوِ الصُّمود. هذا هُوَ مَعنى الكلمة "كارتيريئو". ولكِنَّ الكلمة المُستخدمة هُنا هِيَ: "بروسكارتيريئو" (proskartereo). وَكما قُلتُ لَكُم سَابِقًا، في أيَّةِ مَرَّةٍ تُضيفونَ فيها حَرْفَ جَرٍّ أمامَ فِعْلٍ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ فإنَّكُم تُشَدِّدونَ على مَعنى ذلكَ الفِعلِ اليُونانِيّ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "إن كانتِ الكلمةُ كارتيريئو تَعني أن تَكونُوا أقوياءَ أو صَامِدينَ، فإنَّ هَذهِ الكلمة تَعني أن تَكونُوا أقوياءَ جدًّا وَصَامِدينَ جدًّا، وَأنْ تَثْبُتوا حَقًّا هُناكَ. لِذا فإنَّها تُشيرُ إلى فِكرةِ الثَّبات.
وفي الرِّسالةَ إلى العِبرانِيِّين 11: 27، تُستخدَمُ الكلمةُ هُنا بالإشارةِ إلى مُوسَى: "بِالإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ، لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى". لأنَّهُ ثَبَتَ هُناكَ أوْ بَقِيَ صَامِدًا. فَهُوَ التِزامٌ قَوِيٌّ بِشيءٍ مَا حيثُ تَبقى ثَابِتًا، وتَتَشَدَّدُ، وَلا تَضعُف، وَلا تَستسلِم، وَلا تَنسَحِب. ويُمكنُكم أن تَرَوْا أمثلةً إيضاحِيَّةً على تلكَ الكلمةِ نَفسِها وتلكَ الفِكرةِ نَفسِها في كُلِّ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فقد صَلَّى كَرنيلِيُوس كُلَّ حِيْن. وَهَذا هُوَ مَا تَعنيه. وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الأوَّل، نَقرأُ هذهِ الكلمةَ إذْ إنَّ التَّلاميذَ "كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَة". فَهُنا، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ هَؤلاءِ التَّلاميذَ كَانُوا يَجتمِعونَ جَميعًا، المِئَةُ والعِشرونَ، في العِلِّيَّةِ ويُواظِبونَ على الصَّلاة.
وَما أعنيهِ هُوَ أنَّهُم لم يَكونوا يَجيئونَ وَيَذهبونَ. والمَعنى هُنا لا يُشيرُ إلى إدراكِ وُجودِ الله، بَلْ إنَّهُم كَانُوا يُواظِبونَ فِعليًّا على التَّضَرُّعِ، ويَصرِفونَ سَاعاتٍ عَديدةٍ وَأيَّامًا عَديدةً في الصَّلاةِ إلى أن جَاءَ رُوحُ اللهِ. ويُمكِنُكم أن تَجِدُوا في الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 42 نَفسَ الكلمة: "وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَات". وَهُنا مَرَّةً أخرى، لا تَعني هذهِ الكلمة بالضَّرورة أنَّهُم كانُوا يُدرِكونَ وُجودَ اللهِ، بل إنَّها تَعني أنَّهُم استَمَرُّوا في الصَّلاةِ وَكانُوا يَطلُبونَ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّةِ تِلْوَ المَرَّةِ مِنَ اللهِ أنْ يَسُدَّ حَاجَاتِهم. لِذا، كَما تَرَوْنَ، عندما تَتَعَمَّقونَ في هَذهِ الكلمةِ ستَجِدونَ أنَّ الفِكرةَ هُنا هِيَ ليست أن نُدرِكَ بِسهولةٍ حُضورَ اللهِ، بل إنَّها تُشيرُ إلى الثَّباتِ بِقُوَّة، وإلى الصُّمودِ، وَإلى الاحتمالِ، وَإلى الجِهادِ بِثَباتٍ مِن أجلِ مَسألةٍ أنتَ مُقتَنِعٌ بها.
ويَقولُ "مكلارين" (McClaren) إنَّ الكلمة تَعني ضِمنيًّا لا الاستمرارَ وَحَسْب، بَلِ إلى الجِدِّيَّة. ويَقولُ "كيتل" (Kittel)، الَّذي أَلَّفَ الكِتابَ الكلاسيكيَّ الرَّئيسيَّ في تَعريفِ المُفرداتِ اليُونانِيَّةِ، إنَّ الكلمة "كارتيريئو" (kartereo) تَعني أن تَكونَ قَوِيًّا أو شُجاعًا، وَإنَّ الكلمة "بروسكارتيريئو" (proskartereo) تَعني أن تَكونَ مُواظِبًا بشجاعَة، أو أن تَتَمَسَّكَ، وَألاَّ تَنسَحِب. وَهَذا بُعْدٌ مُدهِشٌ في الصَّلاة. واسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم بِضعةَ أمثلةٍ إيضاحِيَّة. فَقد تَقول: "يا ماك آرثر، لا أدري إن كانَ هَذا يُوافِقُ عَقيدَتي". حسنًا! اسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا على ذلك مِن إنجيلِ لُوقا والأصحاح 18... مِن إنجيل لُوقا والأصحاح 18. وَهَذا أعظَمُ فَرَحٍ لَدى أيِّ مُعَلِّمٍ للكِتابِ المُقَدَّسِ؛ أيْ ألاَّ يَحْصُرَ نَفسَهُ في قَالَبٍ مُعَيَّن لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَفعلُ ذلك.
فأنتَ تَجْمَعُ كُلَّ شَيءٍ في زَاويةٍ صَغيرةٍ، وَفجأةً يَظْهَرُ شَيءٌ مَا في هَذا النَّقيضِ وَذاكَ النَّقيض. ويَنبغي لكَ أن تَنظُرَ إلى الجَانِبِ الآخر. "وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلاً". حَسَنًا، مَا هُوَ قَصْدُكَ يا رَبّ؟ لِماذا تَقولُ هَذا المَثَل؟ لأنَّهُ "يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ". فالغَايَةُ مِنَ المَثَلِ يا أحبَّائي هِيَ أن يَفعلَ تَمامًا مَا قالَهُ بولُس. فَالقَصْدُ مِنهُ هُوَ أن تَستَمِرُّوا في الصَّلاةِ وَلا تَنامُوا، وَلا تَنسَحِبوا؛ لا فقط أن تَكتُبوا لائِحَةً وَتَضَعُوها أمامَ اللهِ. فَهُوَ يَقولُ: "كَانَ فِي مَدِينَةٍ قَاضٍ لاَ يَخَافُ اللهَ وَلاَ يَهَابُ إِنْسَانًا. وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَرْمَلَةٌ. وَكَانَتْ تَأْتِي إِلَيْهِ قَائِلَةً: أَنْصِفْنِي مِنْ خَصْمِي!" فَقَد ظَلَمَني شَخصٌ مَا وَأُريدُ أن أشتَكيهِ للمَحكمةِ وَأنْ أحصُلَ على حُكْمٍ عَادِلٍ، وَأريدُ أنْ أُنْصَفَ مِنْ خَصْمي.
"وَكَانَ لاَ يَشَاءُ إِلَى زَمَانٍ". فَقَدْ رَفَضَ القَاضي أنْ يُنْصِفَها. "وَلكِنْ بَعْدَ ذلِكَ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَخَافُ اللهَ وَلاَ أَهَابُ إِنْسَانًا، فَإِنِّي لأَجْلِ أَنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ تُزْعِجُنِي، أُنْصِفُهَا، لِئَلاَّ تَأْتِيَ دَائِمًا فَتَقْمَعَنِي!" حَسَنًا، حَسَنًا! لَقَدْ طَفَحَ الكَيلُ. والآن، قَد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! مَهلاً مِن فَضلِك! هَل تَعني أنَّ لِهَذا الكَلامِ تَطبيقٌ إلَهِيٌّ؟" بِكُلِّ تَأكيد. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّادسِ: "وَقَالَ الرَّبُّ: «اسْمَعُوا مَا يَقُولُ قَاضِي الظُّلْمِ". اسمَعُوا: "أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُنْصِفُهُمْ سَرِيعًا!" فاللهُ سَيَفعلُ أمورًا لِتَقويمِ الأخطاءِ، وَلِحِفْظِ كَرامَتِهِ، ولإسباغِ البَرَكَةِ عَليكُم عندما تَصْرُخونَ إليهِ نَهارًا وَليلاً.
استَمِعُوا إلى الرَّسولِ بولُس: "مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَارًا، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ" (في الأصحاحِ العِشرين مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل). "ثَلاثَ سِنين لَيلاً وَنَهارًا". فالنَّاسُ يَقولونَ: "كيفَ بَارَكَ اللهُ خِدمَتَهُ؟" وَاحِدٌ مِنَ أسبابِ ذلكَ هُوَ أنَّهُ لم يَكُن يَنَمْ بِقَدرِ مَا كَانَ يُصَلِّي. "ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَارًا...بِدُمُوعٍ". وَقَد تَقول: "ولكِنَّ اللهَ كَانَ يَعلَمُ طِلباتِهِ! فقد كانَ اللهُ يَعرِفُها قَبلَ حَتَّى أن يَطلُب". هَذا لم يُغَيِّر يَومًا مَوقِفَ بُولُسَ مِنَ الصَّلاة. فَقد كانَ يَسكُبُ حَقًّا قَلبَهُ. ونَقرأُ في إنجيل لُوقا 11: 5 قِصَّةً أخرى تُبَيِّنُ الحَقَّ نَفسَهُ. وَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ يَسوع: "مَنْ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ صَدِيقٌ، وَيَمْضِي إِلَيْهِ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُولُ لَهُ يَا صَدِيقُ، أَقْرِضْنِي ثَلاَثَةَ أَرْغِفَةٍ؟" أنا جَائِعٌ يا صَديقي. والمَتاجِرُ مُغلَقَةٌ.
وُهناكَ صَديقٌ سيَأتي لِزيارَتي، وَأودُّ أن أُعطيهِ شَيئًا أيضًا. "لأَنَّ صَدِيقًا لِي جَاءَنِي مِنْ سَفَرٍ، وَلَيْسَ لِي مَا أُقَدِّمُ لَهُ. فَيُجِيبَ ذلِكَ مِنْ دَاخِل...". فَها هُوَ ذلكَ الرَّجُلُ في بَيتِهِ وَأنتَ تَصْرُخُ عَليهِ مِنَ الخَارِج. ولم يَكُن هُناكَ زُجاجٌ في تلكَ الأيَّام. لِذا فقد سَمِعُوه. "وَيَقُولَ: لاَ تُزْعِجْنِي! اَلْبَابُ مُغْلَقٌ الآنَ، وَأَوْلاَدِي مَعِي فِي الْفِرَاش". وَلا شَكَّ في أنَّهُم كَانُوا يَنامونَ بتلكَ الطَّريقةِ في تلكَ الأيَّام إذْ لم تَكُن هُناكَ مَدافِئ. لِذا فقد كانتِ العائِلَةُ كُلُّها تَنامُ في سَريرٍ واحِد. "لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَقُومَ وَأُعْطِيَكَ". لا يُمكِنُني حَتَّى أن أَقوم. وأنا أَعرِفُ ذلكَ الشُّعور. فَهُناكَ ثَلاثةُ أطفالٍ في السَّريرِ مَعي، ولا يُمكِنُني أن أَقومُ مِن بَينِهم. فَهُوَ يَقولُ: "لا أَقدِرُ أن أَقوم".
"أَقُولُ لَكُمْ: وَإِنْ كَانَ لاَ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ لِكَوْنِهِ صَدِيقَهُ، فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ لَجَاجَتِهِ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ". أَتَعلَمونَ مَا هِيَ اللَّجاجَة؟ فَصَديقُهُ يَستَمِرُّ في الصُّراخِ عَليهِ إلى أن يَقومَ أخيرًا مِنَ السَّريرِ لأنَّهُ لا يَمْلِكُ أيَّ خِيارٍ آخرَ إن أرادَ أن يَنام. فَصَديقُهُ يَستَمِرُّ في القَرْعِ على البَاب. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ يَقول: "اسْأَلُوا تُعْطَوْا، اُطْلُبُوا تَجِدُوا، اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ". بعبارةٍ أخرى، فإنَّ اللهَ يَقولُ: "كُنْ لَجُوجًا". واظِبْ على القَرعِ وَلا تَستسلِم. ولا أدري إن كُنتُم تُفَكِّرونَ في الأمرِ هَكذا، ولكِنِ أحيانًا... أحيانًا عندما تُؤمِنُ بأنَّ شَيئًا مَا سيُمَجِّدُ اللهَ، وتُؤمِنُ بأنَّهُ يُمكِنُ أن يُمَجِّدَ يَسوعَ المَسيحَ، يَنبغي لكَ أن تَستمرَّ في قَرعِ بَوَّاباتِ السَّماء. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَبقى ثابِتًا هُناكَ وَقتًا أطولَ وَأن تُجاهِد.
لَقد كَتَبَت "فيرجينيا ستيم أوينز" (Virginia Stem Owens) مَقالةً مُدهشةً جدًّا في عَدَدٍ جَديدٍ مِن مَجَلَّةِ "المَسيحيَّةُ اليَوم" (Christianity Today) قَالَت فيها مَا يَلي. وأريدُ أن أقرأَ لَكُم جُزءًا مِن هَذهِ المَقالةِ لأنِّي أعتقدُ أنَّها وَثيقةُ الصِّلَةِ بِمَوضوعِنا. فَقد قالت: "إنَّهُ ليسَ دُمْيَةً كَوْنِيَّةً نَتَشَبَّثُ بها" – مُشيرةً إلى الله. "أو كَما وَصَفَهُ وَاحِدٌ مِنَ الأولادِ في قِصَّةِ ’سي. أس. لويس‘ (C.S. Lewis) ’حِكاياتُ نَارْنِيا" (Chronicles of Narnia): ’إنَّهُ ليسَ أَسَدًا وَديعًا". وَقد قالَ الفَيلسوف "جاك إيلول" (Jacques Ellul) إنَّهُ مُقتَنِعٌ "بأنَّ صَلاةَ الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ في العَصْرِ التِّكنولوجِيِّ يَنبغي أن تَكونَ جِهادًا. وَهِيَ ليست جِهادًا فقط مَعَ الشِّرِّير، أو مَعَ المُجتمعِ الَّذي يَعيشُ فيهِ المَرءُ، أو حَتَّى مَعَ ذاتِهِ المُنقَسِمَة؛ على الرَّغمِ مِن أنَّهُ جِهادٌ مَعَ كُلِّ هَذِهِ الأمورِ؛ ولكِنَّهُ بالحَرِيِّ جِهادٌ مَعَ الله. فيجبُ علينا أن نُجاهِدَ مَعَهُ كَما جَاهَدَ يَعقوبُ في فَنِيئِيل وَصَارَ يُدعَى إسرائيل. وَالاسمُ ’إسرائيل‘ يَعني: ’الَّذي يُجاهِدُ مَعَ الله‘. لِذا، يجبُ علينا نَحنُ أيضًا أن نَستَعِدَّ للقول: ’لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي‘".
فَكِّروا في مُوسَى الَّذي تَشَفَّعَ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ للحَيلولَةِ دُونَ تَعَرُّضِ بَني إسرائيلَ لِغَضَبِ اللهِ إذْ إنَّهُ كَانَ يَسْكُبُ قَلبَهُ. واسمَعوا إبراهيمَ وَهُوَ يُصَلِّي لأجلِ سَدوم ويَقولُ للهِ: ’مَاذا إِنْ وَجَدْتُ فيها خَمْسِينَ بَارًّا؟‘ ثُمَّ: ’مَاذا إنْ وَجَدْتَ فيها ثَلاثينَ بَارًّا؟‘ ثُمَّ: ’مَاذا إنْ وَجَدْتَ فيها عشرينَ بَارًّا؟‘ ثُمَّ: ’مَاذا إنْ وَجَدْتَ فيها عَشَرَةَ أبرار؟‘ وَأخيرًا قَالَ اللهُ: ’حَسَنًا، حَسَنًا! إن وَجَدْتُ فيها عَشَرَة أبرار لَن أُهلِكَها‘. ولكِنَّهُ لم يَجِد فيها عَشَرة. إذًا، لقد راحَتِ الأرمَلَةُ تَطلُبُ الإنصافَ مِن قَاضي الظُّلْم. "والآن، في هَذا الجِهادِ مَعَ اللهِ..." [كَما تَقولُ "أوينز" – "Owens"] يُحَذِّرُ "جاك إيلول" مِن أنَّهُ يَنبغي لَنا أن نَكونَ مُستعدِّينَ لِتَحَمُّلِ العَواقِب. فَقد خُلِعَ مِفْصَلُ فَخْذِ يَعقوب فمَضَى عَارِجًا مِنْ فَخْذِهِ. فَأيُّ شَخصٍ يُجاهِدُ مَعَ اللهِ في الصَّلاةِ يَضَعُ حَياتَهُ بأسرِها على المِحَكّ.
وَهِيَ تَقولُ: "مَا أَسهَلَ أنْ نَزيدَ الرِّهانَ، وَأن نَجعلَ الصَّلاةَ مُجَرَّدَ سِلعةٍ استِهلاكِيَّةٍ أخرى. وَكَمْ هُوَ مُحْرِجٌ أن نَعتَرِفَ لا فقط بأنَّ الصَّلاة قَد تُدْخِلُكَ السِّجنَ كَما فَعَلَتْ بإرْميا، بَل إنَّكَ في أثناءِ تَمَرُّغِكَ في طِيْنِ المُستَنقَعِ، قَد تَكْتُبُ لائِحَةً طَويلةً مِنَ المَراثي والطِّلباتِ غَيرِ المُستَجابَةِ لِتَقديمِها إلى رَبِّك. وكيفَ سَنُخبِرُهم أنَّهُم رُبَّما يَخرُجونَ مِن هُناكَ وَهُمْ يَعْرُجونَ أو أنَّهُم سيَعيشونَ مُشَرَّدينَ إنْ تَمَسَّكُوا بالله؟ ولكِنَّ أيَّ شَيءٍ أَقَلُّ مِن ذلكَ هُوَ دِعايَةٌ زَائِفَة". [نِهايةُ الاقتباس]. وأنا أُحِبُّ ذلك. وَما المَقصودُ بِهذا الكَلامِ كُلِّه؟ المَقصودُ بهذا الكَلامِ كُلِّه هُوَ أن نُحاوِلَ أن نَقولَ شَيئًا صَحيحًا: فالصَّلاةُ هِيَ مسألةُ جِهادٍ وَلَجاجَةٍ مَعَ الله. والصَّلاةُ تَعني أن تُثْبِتَ للهِ أنَّ مَا تُصَلِّي لأجلِهِ مُهِمٌّ جدًّا لَديكَ.
فالصَّلاةُ تَعني أن تَسكُبَ أمامَ اللهِ طِلْبَتَكَ الَّتي تَعتَقِدُ أنَّهُ سَتُمَجِّدُه. فأنتُم تَسمَعونَ دَاودَ في المَزامير، وتَسمَعونَهُ يُعَبِّرُ عَن أعمَقِ مَكنوناتِ كِيانِهِ، وَيَسكُبُ قَلبَهُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ تِلوَ المَرَّةِ، ويَصرُخُ إلى اللهِ لِكَي يَفعلَ شَيئًا مَا، ولِكَي يَستَجيب. فالصَّلاةُ يَنبغي أن تَكونَ لَجوجَةً، وَأن تَكونَ جِهادًا مُفْعَمًا بالشَّجَاعَة. وَقد تَخرُجُ مِن هَذا الصِّراعِ وَأنتَ تَعرُجُ قَليلاً. وَقد قالَ لي شَخصٌ في هَذا الأسبوع: "هُناكَ الكَثيرُ مِنَ المَشاكِلِ في حَياتي. فَهُناكَ مَشاكِل طَوالَ الوقت". وَقد قَالَ: "ولكنِّي أُصَلِّي وأقولُ: ’يا رَبُّ، كُلُّ مَا أُريدُهُ هُوَ مَشيئَتُكَ. فأنا أُريدُ فقط أن أكونَ مَا تُريدُ مِنِّي أن أكون. يا رَبُّ، اجعَلني على الصُّورةِ الَّتي تُريد‘. وَكُلُّ مَا أحصُلُ عليهِ هُوَ المَشاكِل".
قُلتُ: "أجل! إنَّها صَلاةٌ مَحفوفَةٌ بالمَخاطِر. فأنتَ تَقول: ’يا رَبُّ، اجعَلْني على الصُّورَةِ الَّتي تُريد‘. وَهُوَ يَقولُ: ’حَسَنًا! ولكنِّي سَأفعلُ ذلكَ بِطَريقَتي. وَقَدْ تَخْرُجُ مِنْ هُنا وَأنتَ تَعرُج‘". وَأنا أَعلَمُ أنَّهُ يُوجَدُ صِراعٌ بينَ اللَّجاجَةِ في الطَّلَبِ مِنَ اللهِ والاتِّكالِ على قُدرَتِهِ ونِعمَتِهِ، وبينَ أن تَنتَظِرَ مَشيئَتَهُ في الوَقتِ نَفسِه. ولكن اسمَعوا مَا سَأقول: إنَّ الحَلَّ يَكْمُنُ لا في لَجاجَتِكَ، بَل في قَبولِ جَوابِه. وَهَذا أمرٌ مُهِمٌّ. والحَقيقةُ هِيَ أنِّي أشعُرُ بالتَّوتُّرِ بسببِ ذلك. أنا أَعلمُ أنِّي أشعُرُ بالتَّوتُّر. فَالأمرُ يَتطلَّبُ الكَثيرَ مِنَ المُواظَبَةِ على الصَّلاة؛ ولكِنَّ هَذا هُوَ مَا يَقولُه. لِنَعُد إلى رِسالة كُولوسي 4: 2. فَضلاً عَن ذلكَ، انظُروا إلى مَا يَقول. وأريدُ أن أُشيرَ إلى فِكْرَتَيْنِ هُنا، ثُمَّ نَخْتِمُ حَديثَنا. ورُبَّما لن نَتمكَّنَ مِنْ تَجاوُزِ الآيةِ الثَّانِية.
"وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ..." وَكَمْ أُحِبُّ مَا يَقولُهُ بَعدَ ذلك! "...سَاهِرِينَ فِيهَا". فَهُناكَ شَيءٌ لا يُمكِنُكم أن تَفعَلوهُ وَهُوَ أن تُصَلُّوا مِن دُونِ أن تَسهَروا. وَهَل تَعلَمونَ مَا الَّذي يَعنيهِ ذلكَ ببساطَة؟ وَما أعنيهِ هُنا هُوَ المَعنى البَسيط جدًّا؟ أنْ تَبْقى يَقِظًا. فَلا يُمكِنُكَ أن تُصَلِّي وَأنتَ نَائِم. فَهَذا صَعبٌ جدًّا. ونَجِدُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعِشرين مِن إنجيلِ مَتَّى مَثَلاً إيضاحِيًّا جَيِّدًا على ذلك. فَقد نَامَ التَّلاميذُ في أثناءِ اجتِماعِ صَلاة. ونَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعِشرين مِن إنجيلِ مَتَّى القِصَّة: فَقد جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بُسْتانٍ، ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي [أيْ: يَعقوب ويُوحَنَّا]، وَكَانَ يُصَلِّي. ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 40: "ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: «أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟" لِذا فإنَّ الكلمة "سَاهِرينَ" هُنا تَعني أن تَبقَوا مُستيقِظين. "مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟"
"اِسْهَرُوا وَصَلُّوا"... "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ". لا تَنامُوا في أثناءِ الصَّلاة. فَكما تَعلَمونَ، مِنَ السَّهلِ جدًّا أن تَفعلوا ذلك. وَما أكثرَ مَا فَعلتُ ذلك. أجل! إنَّهُ أمرٌ مُحرِجٌ جدًّا، ولا سِيَّما إنْ كَانَ هُناكَ اجتِماعُ صَلاةٍ في الصَّباحِ البَاكِرِ وَكُنتُم تُصَلُّونَ الوَاحِدَ تِلوَ الآخر بالتَّرتيب، وفجأةً تَسْمَعُ شَخيرًا فتَنظُرُ حَولَكَ وَتَجِدُ شَخصًا يَغِطُّ في نَومٍ عَميق. وَما زِلتُ أَذكُرُ عِندَما كُنتُ في الجَامِعَةِ أنَّهُ كانت هُناكَ اجتماعاتُ صَلاةٍ تَنْتَهي في مُنتصفِ اللَّيلِ مَعَ أنَّها كانت تَبتَدِئُ في السَّاعةِ العَاشِرَةِ والنِّصف لأنَّنا كُنَّا نَنامُ في السَّاعَةِ الحادِيَةَ عَشْرةَ إلاَّ رُبْع وَلا يَنْهَضُ أَحَدٌ مِنَّا إلاَّ بَعدَ نَحوِ سَاعَةٍ ونِصف. اسهَروا. وَهَذا سَبَبٌ جَيِّدٌ للحُصولِ على قِسْطٍ مِنَ الرَّاحَة. لِذا، صَلُّوا في أوقاتِ صَحْوِكُم. وَصَلُّوا في أوقاتِ يَقَظَتِكُم.
ولكِنَّ الفِكرةَ هُنا أَوسَعُ نِطاقًا مِن ذلك. فَهِيَ لا تَتحدَّثُ فقط عن هَذا الأمر. فَهذهِ النُّقطةُ وَاضِحَةٌ جدًّا. ولكِن عندما يَقولُ: "سَاهِرِينَ فِيهَا"، أعتقدُ أنَّهُ يَقولُ نَفسَ مَا قَالَهُ بُطرسُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 4: 7: "وَإِنَّمَا نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَتَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ". وَما يَعنيهِ بُطرسُ هُنا هُوَ أنَّ العَقْلَ اليَقِظَ يُشيرُ إلى مَعرفةِ الأولويَّات. وعندما يَقولُ: "سَاهِرِينَ فِيهَا" فإنَّهُ يَعني بذلكَ: رَكِّزُوا على الأشياءِ الَّتي تُصَلُّونَ مِن أجلِها. وَأنا مُقَصِّرٌ في هَذا الأمر. وَنحنُ جَميعًا مُقَصِّرونَ فيه. فَنحنُ مُذْنِبونَ لأنَّنا نَميلُ إلى الصَّلاةِ بشأنِ تلكَ العُمومِيَّاتِ الَّتي لا طَائِلَ مِنها طَوالَ الوقتِ قَائِلين: "يا رَبُّ، بارِك الكَنيسةَ، وَبارِك الهَيئاتِ الإرسالِيَّةَ، وَبارِك كَذا"، كَما تَعلَمون. وَقد قُلتُ لَكُم سَابِقًا كيفَ أنَّ ابنَتَنا الصَّغيرةَ "مارسي" (Marcy) كانت تُصَلِّي قَائِلةً: "يا رَبُّ، بَارِك العَالَمَ كُلَّهُ".
وَقد كانت تُصَلِّي ذلكَ كُلَّ لَيلة. وَأنتُم تَعرِفونَ ذلكَ عَنها. وأعتقدُ أنَّها كَانَت تَعني شَيئًا مَا؛ لا أدري! أو رُبَّما كَانت مُجَرَّدَ كَلِماتٍ تَتَفَوَّهُ بِها لِمَلْءِ الفَراغِ إلى أن تُفَكِّرَ في شَيءٍ آخرَ تُصَلِّي مِن أجلِه. وَعلى أيِّ حَالٍ فإنَّنا نُصَلِّي لأجلِ العُمومِيَّاتِ. ولكِنَّ مَا يَقولُهُ هُنا هُوَ: "اسهُروا". فإن أردتَ أن تَكونَ لَجُوجًا، وإن أردتَ أن تَسكُبَ قَلبَكَ، وَإن أردتَ أن تُصَلِّي حَقًّا لأجلِ شَيءٍ مَا، يَجِبُ عليكَ أن تَعرِفَ شَيئًا تُريدُ أن تُصَلِّي لأجلِه. لم يَكُن قَد مَضَى عَلى مَجيئي للخِدمَةِ في كَنيسةِ غريس (Grace Church) وَقتًا طَويلاً عندما جاءَ إليَّ رَجُلٌ وَقال: "أَوَدُّ أن أُصَلِّي مِن أجلِك". قُلتُ: "حَسَنًا! هَذا رَائِع! أنا أُقَدِّرُ لَكَ ذلك". قال "أجل". ثُمَّ إنَّهُ أَخرجَ كُرَّاسَةً وَفَتَحَها وَقال: "حسنًا! لِمَ لا تُذكُر لي أربعةَ أشياءٍ تُريدُني أن أُصَلِّي لأجلِها؟"
قُلتُ: "حَسَنًا". وَقد رَاحَ يُتَمْتِمُ وَيَكتُبُها في كُرَّاسَتِه. وَقد كانَ قَد رَسَمَ خَطًّا في مُنتَصَفِ تلكَ الصَّفحةِ وَكَتَبَ عَليها الطِّلبات. فَقد كَتَبَ كُلَّ طِلْباتِي ثُمَّ غَادَرَ المَكان. وَقد قُلتُ في نَفسي: "هَذا غَريب!" فَكما تَعلَمونَ، نَحنُ لَسنا مُعتادينَ على ذلك. وَبعدَ أُسبوعَيْن، التَقيتُهُ خَارِجَ الكَنيسةِ مَرَّةً أخرى، وكُنَّا في بِنايَةٍ أخرى. وَقدِ التَقيتُهُ في الخَارِج. وَقد جَاءَ إليَّ وَقال: "بالمُناسَبة، لَقد كَتَبْتُ تلكَ الطِّلباتِ الأربَع، وأنا أُصَلِّي لأجلِكَ مُنذُ أسبوعَيْن. هَل يُمكِنُكَ أن تُخبرَني مَا الَّذي حَدَثَ بِشأنِها؟" قُلتُ: "أجل". قَال: "لَحظة! مَاذا كَانَ التَّاريخُ في ذلكَ اليوم؟ أجل، لَقد كانَ الثَّاني عَشَر مِن شَهرِ شباط/فبراير".
لَقد كَتَبَ كُلَّ شَيءٍ في العَمودِ الأيمَن. وَكانَ يَحمِلُ كُرَّاسَةً كَبيرة. وَقد زُرْتُهُ لاحِقًا في مَنزِلِهِ وَأُتيحَت لي فُرصةُ النَّظرِ إلى كُرَّاسَتِه. هَل تُريدونَ أن تَسمَعوا شَيئًا مُدهشًا؟ كانَتْ تُوجَدُ لَديهِ ثَلاثُ عَشَرةَ كُرَّاسَةٍ أخرى في مَكتَبَتِهِ مَلأها بالصَّلوات! وَكانت تلكَ هِيَ كُرَّاسَتُهُ الرَّابعة عَشرة! هَذا هُوَ مَعنى السَّهَر في الصَّلاة. فَإن قُلتَ لَهُ: "مَا رأيُكَ يا فرانك، هل تَعتَقِدُ أنَّ اللهَ يُجيبُ الصَّلوات؟" فإنَّهُ سيَقولُ: "أجل، مَا نَوعُ الصَّلواتِ الَّذي تُريدُ أن تَعرِفَ عَنهُ؟ فَقد أَجابَ 485 صَلاة مِن هَذا النَّوع، وَأجابَ 796 صَلاة مِن ذلكَ النَّوع". وَكما تَرَوْنَ، هَذا هُوَ مَعنى السَّهَر في الصَّلاة. فأنتَ لن تَكونَ لَجُوجًا في الصَّلاةِ إلى اللهِ بشأنِ شَيءٍ لا تُبالي بِهِ، وَلن تُبالي يَومًا بِشَيءٍ مَا إلاَّ إذا كُنتَ تَعلَمُ الشَّيءَ الَّذي يَنبغي أن تُبالي بِه. ويجبُ علينا أن نَسهَر.
وَهُوَ يُضيفُ فِكرةً أخيرة: "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْر". وَهَذا مُهِمٌّ. فَهَذا هُوَ المَوقِفُ السَّليم. فعندما تُجاهِدُ مَعَ اللهِ، يَنبغي أن تَكونَ شَكورًا لأنَّهُ سَيَفعلُ الأفضَل. وَهَذهِ هِيَ المَرَّةُ الخَامِسَةُ في الرِّسالة إلى أهلِ كُولوسي الَّتي تُذكَرُ فيها الكلمة "شُكْر". وَهَذا شَيءٌ رَائِعٌ لَنا في هَذا الوقتِ مِنَ السَّنة. انظروا إلى العَدَدِ الثَّاني عَشَر مِنَ الأصحاحِ الأوَّل: "شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ". فَهُوَ يَقولُ هُنا: اشكُروا اللهَ على الخَلاص. اشكُروهُ على الخَلاص.
ثُمَّ انظُروا إلى الأصحاحِ الثَّاني والعَددِ السَّادس: "فَكَمَا قَبِلْتُمُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ الرَّبَّ اسْلُكُوا فِيهِ، مُتَأَصِّلِينَ وَمَبْنِيِّينَ فِيهِ، وَمُوَطَّدِينَ فِي الإِيمَانِ، كَمَا عُلِّمْتُمْ، مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ بِالشُّكْر". اشكُروهُ على خَلاصِكُم، واشكُروهُ على نُمُوِّكُم. ثُمَّ انظُروا إلى الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 15: "وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ دُعِيتُمْ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَكُونُوا شَاكِرِينَ". كُونوا شَاكِرينَ على شَرِكَتِكُم مَعَ المَسيح، وَمعَ جَسَدِ المَسيح. إذًا، اشكُروهُ على خَلاصِكُم، واشكُروهُ على نُمُوِّكُم، واشكُروهُ على شَرِكَتِكُم مَعَ المَسيحِ وَجَسَدِه.
ونَقرأُ في العَدد 17: "وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْل أَوْ فِعْل، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اللهَ وَالآبَ بِهِ". اشكُروهُ لأنَّهُ مَنَحَكُم هَذا الامتيازَ بأن تَخدِموه، ولأنَّ كُلَّ ما تَفعلونَهُ يُمكِنُ أن تَفعلوهُ باسمِه. إذًا، اشكُروهُ على خَلاصِكُم، وَاشكُروهُ على نُمُوِّكُم، واشكُروهُ على شَرِكَتِكُم، واشكُروهُ على خِدمَتِكُم. وَهُوَ يَقولُ هُنا (في العَدَدِ الثَّاني مِنَ الأصحاحِ الرَّابع): "كُونُوا شَكورينَ". كُونوا شَكورينَ حَتَّى تَتَيَقَّنُوا عِندَما تُصَلُّونَ مِن أنَّ اللهَ سَيَستَجيبُ ويَفعلُ مَا هُوَ أفضَل بالنِّسبةِ إليكُم. كُونوا شَاكِرين. وَكَما تَعلَمونَ، أيًّا كانتِ استِجابَةُ اللهِ للصَّلاةِ، يُمكِنُكم أن تَشكُروهُ عليها. فعندما تُصَلُّونَ... لَقد كُنتُ أحاولُ أن أُفَكِّرَ قَائِلاً: "مَا الأشياءُ الَّتي يُمكِنُني أن أشكُرَ اللهَ عَليها حينَ أُصَلِّي؟"
أوَّلاً، الشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي أشكُرُ اللهَ عَليهِ هُوَ حُضورُهُ لأنَّهُ لَو لم يَكُن مَوجودًا لَما استَفَدْتُ شَيئًا مِنَ الصَّلاة. لِذا فقد فَكَّرتُ قَائِلاً: "أيًّا كانَ مَا يَقولُهُ اللهُ أو يَفعلُهُ، أيْ سَواءَ قَالَ ’نَعَم‘ أو ’لا‘ أو ’رُبَّما‘ أوِ ’انتَظِر‘ أو أيَّ شَيءٍ آخر، سَوفَ أكونُ شَكورًا لأنَّهُ يَسمَعُني. فأنا شَكورٌ عَلى حُضورِه". وَقد فَهِمَ المُرَنِّمُ ذلك. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في المَزمور 75: 1: "نَحْمَدُكَ، يَا اَللهُ نَحْمَدُكَ". لِماذا؟ لأنَّ "اسْمَكَ قَريبٌ". فَأنا أشكُرُكَ وَحَسْب لأنَّكَ مَوجود. وَأيًّا كانَ جَوابُكَ، مِنَ الرَّائِعِ وَحَسْب أنْ أتحدَّثَ إليك.
الشَّيءُ الثَّاني الَّذي فَكَّرتُ فيهِ هُوَ أنِّي شَكورٌ ليسَ فقط على حُضورِ اللهِ، بَل إنِّي شَكورٌ على سَدِّهِ لاحتياجاتي. هَل تَعلَمونَ أنَّهُ لا تُوجَدُ صَلاةٌ لا يُجيبُها اللهُ؟ فَهُوَ يُجيبُ دَائِمًا... دَائِمًا... دَائِمًا. وأنا شَكورٌ على ذلك. فَهُوَ يُوفِّرُ لِي دائِمًا الخُبزَ، ويُوفِّرُ لي دَائِمًا مَكانًا أَنامُ فيه، ويُوَفِّرُ لي دَائِمًا حَاجِيَّاتي في الحَياة. وَهَذا هُوَ وَعدُهُ. وأنا شَكورٌ دَائِمًا. ورُبَّما أطلُبُ أشياءً خَارِجَ نِطاقِ حَاجَاتي، ولكِنِّي أشكُرُهُ في الوَقتِ نَفسِهِ على الحَاجاتِ الَّتي أَعلَمُ أنَّهُ سَيَسُدُّها. وحينَ أُصَلِّي فإنِّي أشكُرُهُ لا فقط على حُضورِهِ وَسَدِّهِ لِحاجاتي، بل إنِّي أشكُرُهُ أيضًا على غُفرانِهِ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ رُومية 6: 17: "فَشُكْراً للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ...صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ". فَأنا شَكورٌ لأنَّهُ خَلَّصَني.
ثُمَّ إنِّي فَكَّرتُ في شَيءٍ يُلَخِّصُ كُلَّ ذلك. فأنا شَكورٌ على كُلِّ تلكَ الأشياء، وَعلى كُلِّ الأشياءِ الَّتي ذَكَرتُها لَكُم في رِسالةِ كُولوسي، ولكنِّي أُفَكِّرُ في الشَّيءِ المُدهِشِ جدًّا والَّذي أشكُرُهُ حَقًّا عليهِ وَهُوَ وَعْدُهُ. فَأنا أَتَعَجَّبُ حَقًّا حينَ أقرأُ الآيةَ 1كورِنثوس 15: 57 والتَّي تَقول: "وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يُعْطِينَا [مَاذا؟] الْغَلَبَةَ". فَهذا رَائعٌ. فيُمكنُني أن أُصَلِّي. ومَهما كانتِ الإجابَةُ، ومَهما كَانَ الشَّيءُ الَّذي سيَفعلُهُ اللهُ، وَسَواءَ خَرَجْتُ مِن هُناكَ مِثلَما خَرَجَ يَعقوب (أيْ أنِّي خَرَجْتُ عَارِجًا)، أو كَلَّفَني ذلكَ حَياتي، أو حَياةَ شَخصٍ مَا مِن حَولي، يُمكنُني أن أخرُجَ وَأقول: "الغَلَبَةُ لِي" دَائِمًا لأنَّ "كُلَّ الأشياءِ تَعمَلُ مَعًا..." [كيف؟] "...للخَير". فَهَذا هُوَ قَصْدُ اللهِ لِي.
ونَقرأُ في رسالةِ كُورِنثوسَ الثَّانية 2: 14: "وَلكِنْ شُكْرًا للهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ... كُلَّ حِينٍ". فَلا يُمكِنُكَ أن تَخرُجَ مِنَ الصَّلاةِ خَاسِرًا. صَحيحٌ أنَّكَ قَد لا تَحصُلُ على الشَّيءِ الَّذي طَلَبتَهُ، ولكِنَّكَ لن تَخسَر لأنَّ اللهَ يَعرِفُ أنَّ الشَّيءَ الَّذي أعطاكَ إيَّاهُ أفضلُ مِن ذَاكَ الَّذي طَلَبتَهُ. لِذا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَحدُثُ فإنَّنا شَكورون. وَهذا شَيءٌ لا يَتغيَّر. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ لنا شَيئًا مُهِمًّا جدًّا عنِ الصَّلاة. فَهُوَ يَقولُ: "صَلُّوا. وَعِندَما أقولُ ’صَلُّوا‘ فإنِّي أعني أن تُصَلُّوا. أنا أعني أن تُصَلُّوا. اركَعُوا وَجَاهِدُوا مَعَ الله. اركَعُوا وَوَاظِبُوا على الصَّلاةِ. واستَمِرُّوا في القَرْعِ إلى أن يُعطيكُم الخُبزَ. وَتَشَبَّثُوا إلى أنْ تَنالُوا بَرَكَةً".
فإن كَانَ الجَارُ البَخيلُ، والأنانِيُّ، والمُتُحَجِّرُ القَلبِ، والَّذي يُفَكِّرُ في رَاحَتِهِ القَليلةِ الأنانِيَّةِ أكثرَ مِمَّا يُفَكِّرُ في حَاجَةِ صَديقِهِ إلى الخُبزِ يُمْكِنُ أنْ يُحْفَزَ على التَّجاوُبِ مَعَ حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ بِسببِ اللَّجاجَةِ، وَإنْ كَانَتْ لَجاجَةُ الأرمَلَةِ الَّتي لا حَوْلَ لَها وَلا قُوَّة تَستطيعُ أن تَحصُلَ مِن قَاضٍ مُتَحَجِّرِ القَلبِ وعَديمِ الضَّميرِ على سُؤْلِ قَلْبِها، كَمْ بالحَرِيِّ سَتَجِدُ طِلْباتُنا، الَّتي نَطلِبُها بِنَفسِ الأمانَةِ واللَّجاجَةِ، استِجابَةً مِنَ اللهِ الَّذي نَعلَمُ أنَّهُ على النَّقيضِ تَمامًا مِنَ الجَارِ عَديمِ المُبالاةِ، وَعلى النَّقيضِ تَمامًا مِنَ القَاضي غيرِ التَّقِيِّ؟ والتَّعليمُ الوَاضِحُ لِهذا المَثَلِ هُوَ أنَّ المُعضِلَةَ تَجِدُ الحَلَّ لأنَّ اللهَ يَسْمَعُ عَبْدَهُ الأمين.
لَقد حَصَلَ الإنسانُ الجَديدُ على فَمٍ جَديد. والفَمُ الجَديدُ للإنسانِ الجَديدِ يَتكلَّمُ كَلامًا جَديدًا. والكَلامُ الجَديدُ هُوَ لُغَةُ الصَّلاة. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، نَأتي إلى حَضْرَتِكَ في هَذا المَساءِ بِجَسارَةٍ عَظيمةٍ لا بِسَبَبِنا نَحنُ، بَل إنَّنا نَأتِي بِدَمِ يَسوعَ المَسيحِ الَّذي قَالَ إنَّنا نَستطيعُ المُثولَ في حَضْرَتِكَ. لِذا فإنَّنا نَأتي في هَذا المَساءِ يا أبانا ونُصَلِّي قَبلَ كُلِّ شَيءٍ آخرَ أنْ نَرى حَياتَنا تَتغيَّر وَتَصيرَ مُشابِهَةً لِصُورَةِ يَسوعَ المَسيح. ويا أبانا، أيَّا كَانَ الشَّيءُ الَّذي يَتَطَلَّبُهُ ذلك، وَأيًّا كانَ الثَّمَنُ، نَسألُكَ أن تَفعلَ ذلك. فَحَتَّى إنْ خَرَجْنا وَنَحْنُ نَعرُجُ، وَحَتَّى إنْ خَرَجْنا بِكُسورٍ، وَحَتَّى إنْ خَرَجْنا بِخَسارَةٍ شَيءٍ عَزيزٍ على قُلوبِنا ولكِنَّنا تَغَيَّرنا وَصِرْنا مُشابِهينَ ليسوعَ المَسيح، فإنَّ الأمرَ يَستَحِقُّ العَناء.
يا أبانا، نُصَلِّي أن تُعَلِّمَنا مَرَّةً أخرى أن نُواظِبَ على الصَّلواتِ. عَلِّمنا أنْ نَرى مَا كانَ بولُسُ يُحاولُ أن يُساعِدَنا على رُؤيَتِهِ؛ أيْ أنَّهُ يَنبغي أن يَكونَ هُناكَ تَكريسٌ كَامِلٌ للصَّلاةِ، وأنَّهُ يَنبغي لنا أن نُصَلِّي بِلَجاجَة، وَأنَّهُ يَنبغي لنا أن نَسكُبَ قُلوبَنا سَاعَةً بَعدَ سَاعَة، ويَومًا بَعدَ يَوم، مُتَضَرِّعينَ لأجلِ الآخرينَ، وطَالِبينَ في المَقامِ الأوَّلِ مَجْدَكَ أنت. يا أبانا، نَحنُ نُدركُ، بَلْ أنا أُدركُ أنَّ السَّببَ في عَدَمِ لَجاجَتي في الصَّلاةِ هُوَ أنِّي لا أُبالي كَثيرًا بِتَمجيدِكَ، وَلا أُبالي بِسَدِّ حَاجاتِ قَريبي. خَلِّصني مِنْ عَدَمِ الجِدِّيَّةِ في الصَّلاةِ، وعَلِّمني كيفَ أُبالي حَقًّا، وكيفَ أُصَلِّي حَقًّا كَي أراكَ تُظْهِرُ نَفسَكَ بِكُلِّ جَلالِكَ وَبِكُلِّ مَجدِكَ بِصِفَتِكَ اللهَ المُنْعِمَ والمُحِبَّ والرَّحيمَ الَّذي يُصغي إلى صُراخِ أولادِه.
يا أبانا، عَلِّمنا أن نُراقِبَ وَنَرى الحَاجاتِ في حَياةِ النَّاسِ مِن حَولِنا، وَأن نَرى الاحتياجاتِ حَولَ العَالَم، وَأن نَرى الاحتياجاتِ هُنا في كَنيسةِ غريس (Grace Church)، وَأن نَرى احتياجاتِ الإخوةِ والأخَواتِ في الكَنائسِ الأخرى في مُجتمعِنا وَبَلَدِنا وَعَالَمِنا، وَأن نُبالي، وَأن نُصَلِّي. فَنحنُ لَدينا مَعلوماتٌ كَثيرةٌ في الكتابِ المقدَّسِ؛ ولكِنَّنا نَشعُرُ بِما شَعَرَ بِهِ التَّلاميذُ على أرضِ الوَاقِعِ فَنقولُ: "عَلِّمنا أن نُصَلِّي" مِن جَديد، يا رَبّ. فَلِسَبَبٍ مَا، لَقَدْ نَسَيْنا كَيفَ نَفعلُ ذلكَ في خِضَمِّ عَيْشِنا في هَذا المُجتمَعِ المُنغَمِسِ في المَلَذَّاتِ وَرَفاهِيَةِ العَيش. عَلِّمنا أن نَعيشَ مِن دُونِ ذلكَ لكي نَطلُبَ وَجْهَكَ. نَشكُرُكَ، يا أبانا، لأَّنكَ أعطَيتَنا فَمًا جَديدًا لكي نَتكلَّمَ كَلامًا جَديدًا، ونَتخَاطَبَ مَعَكَ. نُصَلِّي هذا باسمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
