أرجو أن نَحنِي رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي ونَدعو الرَّبَّ أنْ يُبارِكَ دِراسَتَنا بَرَكَةً خَاصَّة:
يَا أَبَانا، نَأتي إليكَ الآنَ لأنَّنا لا نَجْتَمِعُ حَتَّى نَستَمِعَ إلى حِكمةٍ بَشريَّة، ولا نَجْتَمِعُ حَتَّى نَسْمَعَ مَا نُريدُ أنْ نَسْمَعَهُ، ولا أنْ نَسمَعَ ما يُوافِقُ أفكارَنا، بل نُريدُ مِنكَ أنتَ أن تُكَلِّمَنا. افتَحِ الكلمةِ لنا حَتَّى نَفهَمَها. أَنْعِشْ قُلوبَنا، واملأنا بالحَقِّ الَّذي يَستطيعُ أن يَسُدَّ كُلَّ احتياج، وَأَنعِش نُفوسَنا فيما نَتَعلَّمُ في هذا المَساء. نُصَلِّي أَلاَّ نَسمَعَ أيَّ صَوتٍ بَشريٍّ، بَل أنْ نَسمَعَكَ أنتَ تَتكلَّم. نَشكُرُكَ في اسمِ المَسيح. آمين!
نَحنُ نَتأمَّلُ في إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ الخَامِسِ في دِراسَتِنا هَذِهِ. وفي هذا المَساءِ سَنَتأمَّلُ في المَقطعِ المُمتدِّ مِنْ بِدايةِ العَدد 27 إلى نِهايةِ العَدد 30. إنجيل مَتَّى 5: 27-30. وفيما تَفتَحونَ على هذا المَقطعِ وتَستَعِدُّونَ لِدَرسِنا، اسمَحوا لي أن أقولَ إنَّ رَبَّنا أجابَ في الأصحاحِ الخامِسِ مِن إنجيل مَتَّى عنِ السُّؤالِ الَّذي كَانَ يَدورُ في أذهانِ النَّاسِ الَّذينَ شَاهَدوا مُعجِزاتِهِ، والنَّاسِ الَّذينَ سَمِعُوا مَا يَقولُهُ وكانوا يَتساءَلونَ إنْ كانَ هُوَ حَقًّا المَسِيَّا. فقد كانوا يَتساءلونَ عَمَّا إذا كانَ صَانِعُ المُعجِزاتِ هذا هُوَ في الحَقيقةِ مَنْ سَيَجلِبُ مَلكوتَ الله.
فقد كانت تُوجَدُ عَناصِرُ في تَعليمِ يَسوعَ وَحَياتِهِ وخِدمَتِهِ تَجعلُهم يَتساءَلونَ عَمَّا إذا كانَ المَسِيَّا. لِذا فقد كانوا فُضولِيِّين. وقد أرادوا أن يَعرِفُوا مَن هُوَ، وأرادُوا أن يَعرِفوا مَا هِيَ المَعاييرُ الَّتي وَضَعَها لِمَلَكُوتِه. وقد كانَ لَديهُم فُضولٌ ويُريدونَ أن يَعرِفوا أنَّهُ إنْ كانَ المَسيَّا، يَجِبُ عليهِ أن يَكونَ مُتوافِقًا مَعَ ما قَالَهُ مُوسَى. لِذا فقد كانوا يَنظرونَ بفُضولٍ إلى الطَّريقةِ الَّتي يَرى فيها الأشياءَ المُختصَّةَ بناموسِ الله، أوِ الأمورِ المُختصَّةِ بِمُوسَى.
وقد لَخَّصَ يَسوعُ رِسالَتَهُ لَهُم في إنجيل مَتَّى 5: 17-20 إذْ قَال: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ".
بِعبارةٍ أخرى، إنَّ مَا قَالَهُ هُوَ التَّالي: "أنا هُوَ المَسيَّا، ورِسَالَتي هي نَفسُ الرِّسالةِ الَّتي أعطاكُم إيَّاها مُوسَى وليست مُختلفة عَنها البَتَّة. فأنا لن أُغَيِّرَها، ولن أنقُضَها، ولن أُبَدِّلَها؛ بل إنِّي أَتيتُ لكي أُكَمِّلَها".
ثُمَّ إنَّهُ تَقَدَّمَ خُطوةً أخرى وقالَ: إنَّ مَعاييرَ مَلكوتي هِيَ أَسْمَى مِنَ المَعاييرِ الَّتي تَعيشونَ بِموجَبِها إذْ نَقرأُ في العَدد 20: "فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ".
فقد كانَ هُناكَ مِعيارٌ رَئيسيٌّ قَدَّمَهُ يَسوعُ إذْ إنَّهُ طَالَبَ مِن أجلِ الدُّخولِ إلى مَلكوتِهِ بِبِرٍّ يَزيدُ عَلى بِرِّ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسيِّين. وبالمُناسبَة، لقد كانَ هؤلاءِ أكثرَ أشخاصٍ مُتَديِّنينَ في المُجتمعِ اليَهوديِّ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "مَا أطلُبُهُ هُوَ أكثرُ مِمَّا يَطلُبُهُ هَؤلاء؛ ولكنَّهُ ليسَ أكثرَ مِمَّا طَالَبَ بِهِ مُوسَى، ولا يَختَلِفُ عَن مَطالِبِ نَاموسِ مُوسَى. فأنا لم آتِ لكي أُغَيِّرَ النَّاموسَ، ولا لكي أُبَدِّلَ النَّاموسَ، بل لكي أُكَمِّلَ النَّاموس. والنَّاموسُ ذَاتُهُ يُطالِبُ بِما هُوَ أكثر مِمَّا تُقَدِّمونَهُ الآن. فَهُوَ مِعيارٌ أَعلى".
ومِن وُجهةِ نَظرِ النَّاسِ، كانَ الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ أكثرَ النَّاسِ بِرًّا. لِذا فقد كانَ مِنَ الصَّعبِ عليهم أن يَستوعِبوا هذا الكَلام. فَقد عَجِزوا عَن فَهْمِ كيفَ أنَّهُ يَطلُبُ بِرًّا أكثرَ مِن بِرِّ الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّينَ ويَقولُ إنَّهُ يَقبَلُ نَاموسَ مُوسَى. فقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ الكَتَبَة والفَرِّيسيِّين يَعيشونَ نَاموسَ مُوسَى حَرفِيًّا. لِذا فقد كانَ سُؤالُهُم هُوَ: إن كُنتَ تُؤمِنُ بِمُوسَى... فقد كانَ هذا هُوَ السُّؤالُ الَّذي يَدورُ في أذهانِهم... وَإن كُنتَ تُؤمِنُ بِناموسِ مُوسَى، كيفَ تُطالِبُ بِبِرِّ أعلى مِن بِرِّ الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّينَ الَّذينَ يُعَلِّمونَنا نَاموسَ مُوسَى؟
وكما تَعَلَّمنا في الأسابيعِ المَاضيةِ، مَعَ أنَّ الكَتَبَةَ والفَرِّيسيِّينَ كَانُوا يَجلِسونَ مَكانَ مُوسَى، ويَدَّعُونَ أنَّهُم مُناصِرونَ لنَاموسِ مُوسَى، فإنَّ ما فَعَلوهُ في الحَقيقةِ هُوَ أنَّهُم خَفَّضُوا نَاموسَ مُوسَى إلى مُستواهُم ولم يَحفَظوا المِعيارَ الَّذي قَصَدَهُ اللهُ في الأصل. لِذا فقد جاءَ يَسوعُ لكي يُعيدَ المِعيارَ إلى مَكانِهِ الصَّحيحِ الَّذي كانَ عليهِ في البِدايَة.
وقد كانَ مِنَ الصَّعبِ على النَّاسِ أن يَسمَعوا هذا الكَلام. لِذا فقد رَاحَ الرَّبُّ يُقَدِّمُ لَهُم تَدريجيًّا في الآياتِ مِن 21 إلى 48 أمثلةً تَوضيحيَّةً عن كيفَ أنَّ الكَتَبَةَ والفَرِّيسيِّينَ (والشَّعبَ أيضًا) أَخْفَقُوا في تَطبيقِ مِعيارِ اللهِ الكَامِل. وقد أرادَ مِنهُم أن يَرَوْا أنَّ النَّاسَ لم يَكونوا يَعيشونَ وَفقًا لِمِعيارِ الله. فقد خَفَّضُوا المِعيارَ. وقد أرادَ أن يُعيدَ المِعيارَ إلى مَكانِهِ الصَّحيح.
والحقيقةُ هي أنَّكُم إذا كُنتُم مَعَنا في الدُّروسِ السَّابقةِ، لا بُدَّ أنَّكُم رأيتُم أنَّ ما يَفعَلُهُ هُنا هُوَ أنَّهُ يَهْدِمُ أيَّ نِظامٍ للبِرِّ الذَّاتِيِّ. فهذا هُوَ ما يَفعلُهُ الإنسان: فَإنْ لم يَرغَب في السُّلوكِ في طَريقِ اللهِ فإنَّهُ يَصْنَعُ إلَهًا خَاصًّا بِهِ، ويَبتَكِرُ نِظامًا دِينيًّا خَاصًّا بِهِ ويقول: "هذا هُوَ المَطلوب. وَهذا هُوَ ما سأفعلُهُ. لِذا، أنا مُبَرَّرٌ حينَ أفعلُ ذلك". فَهُوَ يُخَفِّضُ نَاموسَ اللهِ إلى المُستوى الَّذي يُلائِمُهُ، ويُطَبِّقُ ذلكَ، ثُمَّ يُقنِعُ نَفسَهُ بأنَّهُ على ما يُرام.
وهذا يُشبِهُ ما يَحدُثُ اليومَ عندما تُواجِهُ شَخصًا وتَقولُ لَهُ: "ماذا ستَفعلُ حينَ تَموت؟" فَيَرُدُّ قَائِلاً: "أرجو أن أذهبَ إلى السَّماء". "وعلى أيِّ أساسٍ ستَذهبُ إلى السَّماء؟" "أنا شَخصٌ صَالِحٌ. وإن كُنتُ صَالِحًا طَوالَ حياتي، لا بُدَّ أنَّ اللهَ سيَأخُذُني إلى السَّماء".
بعبارةٍ أخرى، أنتَ تَختَرِعُ الإلَهَ الَّذي تُريد، وتَضَعُ المِعيارَ الَّذي تَستطيعُ أن تَبلُغَهُ، وتُطَبِّقُ ذلكَ المِعيارَ، وَتُبَرِّرُ نَفسَك. وَمَا نَقولُهُ لِشَخصٍ كَهذا اليومَ هُوَ: "لا يَجوزُ أن تَفعلَ ذلكَ، بَلْ إنَّ مِعيارَ اللهِ عَالٍ جدًّا ولا يُمكِنُكَ أن تَبلُغَهُ". وهذا هُوَ تَمامًا مَا يَقولُهُ يَسوع. فقدِ وَضَعَ الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ مِعيارًا أَدنى مِنَ المِعيارِ الإلهيِّ، وفَكَّروا في كيفيَّةِ مُراعاتِهِ، وَحَفِظوهُ قَدْرَ استِطاعَتِهم. لِذا فقد أَقنَعُوا أنفسَهُم بأنَّهُم أبرار. ولكنَّ يَسوعَ يَقولُ: "هَذا غَيرُ جَائِز. إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ". وهذا لا يُعارِضُ مُوسَى، ولا يُضيفُ شَيئًا إلى مَا قَالَهُ مُوسَى، ولا يُغَيِّرُ مِن نَاموسِ مُوسَى؛ بل إنَّهُ يُعيدُ وَحَسْب ما قَالَهُ مُوسَى في البِداية. لِنُعيدَ نَاموسَ مُوسَى إلى مَكانِهِ السَّابِق. وَهذا هُوَ في الحَقيقةِ ما يَفعلُهُ يَسوعُ في كُلِّ الأصحاحِ الخَامِس.
وعندما نَصِلُ إلى الأعدادِ مِن 27 إلى 30 نَجِدُ أنَّهُ يُقَدِّمُ مَثَلاً إيضاحِيًّا آخرَ يُبَيِّنُ كيفَ أنَّ النَّاسَ خَفَّضُوا مِعيارَ نَاموسِ مُوسَى، وكيفَ أنَّهُ يَنبغي لَهُ أن يَرفَعَهُ مَرَّةً أخرى لكي يَهْدِمَ بِرَّهُم الذَّاتِيَّ. وما يَفعلُهُ في كُلِّ هذا الأصحاحِ هُوَ أنَّهُ يُبايِنُ بينَ البِرِّ الَّذي كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ لَهُم والمِعيارِ الإلهيِّ الحَقيقيّ. لِذا فإنَّهُ يُعَرِّي جَميعَ الرِّجالِ والنِّساءِ تَمامًا (بالمَعنى الرُّوحِيِّ للكلمة) أمامَ الله. فَهُمْ لا يَستطيعونَ البَتَّة أن يَتَذَرَّعُوا بِبِرِّهم الذَّاتِيِّ.
والآن، لِنَنظُر إلى المَثَلِ الإيضاحِيِّ في الأعداد مِن 27 إلى 30. فقد رأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ المَثَلَ الإيضاحِيَّ المُختصَّ بالقَتل. وَسنَرى هُنا مَثَلاً إيضاحِيًّا عَنِ الزِّنَى إذْ نَقرأُ في العَدد 27: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ...". والكلمة "لِلْقُدَمَاءِ" الَّتي تَظهَرُ في عَدَدٍ مِنَ التَّرجَماتِ ليست مَوجودةً في أَدَقِّ المَخطوطات، ولكِنْ رُبَّما ذُكِرَتْ هُنا لأنَّها كانتْ تُستخدَمُ مِرارًا في هذا الأصحاح. ولكِنَّ الآيَةَ تُقرَأُ هَكذا: "سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ". ولكِنَّهُ، بِكُلِّ تَأكيدٍ، يُشيرُ إلى مُعَلِّميهِم التَّقليديِّين. فالكلمة "للقُدَماءِ" تُشيرُ المُعَلِّمينَ القُدَماءَ الَّذينَ عَلَّموهُم. لِذا، يُمكِنُكم أن تَكتُبوا هذهِ الكلمة بِخَطٍّ مَائلٍ لأنَّهُ يُشيرُ في اعتقادي إلى ذلك.
ولكِنَّهُ يَقولُ: "سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ: لاَ تَزْنِ". أيْ: هَذا هُوَ مَا عَلَّمَكُم إيَّاهُ تَقليدُكم. وهذا هُوَ مَا قَالَهُ لَكُم أَحْبَارُ اليَهود. وَهذا هُوَ ما قَالَهُ لَكُم الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّون. وقد قِيلَ لَكُم إنَّ هذا هُوَ مِعيارُ الله. فقد قَالوا لَكُم إنَّكُم إنْ لَمْ تَزْنُوا فإنَّكُم أبرار.
ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 28: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ". بعبارةٍ أخرى فإنَّ يَسوعَ يَقولُ: "إنَّ مِعيارَ هَؤلاءِ مُنخفضٌ جدًّا. لِنُرجِع المِعيارَ إلى المُستوى الَّذي قَصَدَهُ الله. فاللهُ لم يَنظُر يَومًا إلى العَمَلِ فقط، بل إنَّهُ يَنظُرُ دَائِمًا إلى المَواقِفِ الكَامِنَةِ وَراءَ الأعمال.
وَهُوَ يُقَدِّمُ لَهُمُ الحَلَّ في العَدد 29 فيقول: "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ".
بِعبارةٍ أخرى، مِنَ الأفضلِ أن تَقْطَعَ ذِراعَكَ أو أن تَقْلَعَ عَينَكَ إنْ كَانت تَقودُكَ إلى اقترافِ الخطيَّة. والخطيَّةُ هي ليست فقط ما تَفعلُهُ، بل إنَّها ما تَشعُرُ بِهِ وتُفَكِّرُ بِهِ في قَلبِك. لِذا فإنَّ المَثَلَ الإيضاحِيَّ الثَّاني الَّذي يَستخدِمُهُ رَبُّنا هُوَ مَثَلُ الزِّنَى. وَهُوَ يَقولُ في الحَقيقةِ للشَّخصِ الَّذي يَتَّكِلُ على بِرِّهِ الذَّاتِيِّ: لا يُمكِنُكَ أن تَقولَ بِسببِ عَدَمِ اقترافِكَ للزِّنَى أنَّكَ على ما يُرام. فإنْ فَكَّرتَ في ذلكَ فإنَّكَ خَاطِئ. وإنِ اشتَهيتَ ذلكَ أو رَغِبْتَ في اقترافِ هذهِ الخَطيَّةِ فإنَّكَ خَاطِئٌ ولستَ بَارًّا. لِذا، لا يُمكِنُكَ أن تَدَّعِي أنَّكَ بَارّ.
فقد قَالوا في العَددَيْن 21 و 22: "لا تَقتُل"؛ ولكنَّ يَسوعَ قَالَ: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْم". فأنا أقولُ لَكُم إنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ على اقترافِ جَريمةِ قَتْلٍ، بل إنَّهُ يَتوقَّفُ على مَا تَشعُرُ بِهِ في قَلبِك. وَهُوَ يَقولُ هُنا الشَّيءَ نَفسَهُ تَمامًا باستخدامِ مَثَلٍ إيضاحِيٍّ آخر.
ففي العَدَدَيْن 21 و 22 كانَ مَثَلُهُ الإيضاحِيُّ يَختصُّ بالوَصِيَّةِ السَّادِسَة. أمَّا هُنا (في العَددَيْن 27 و 28) فإنَّ مَثَلَهُ الإيضاحِيَّ يَختصُّ بالوَصيَّةِ السَّابِعَة. والمَبدأُ الكَامِنُ وَراءَ الوَصِيَّةِ السَّادسةِ الَّتي تَقولُ "لا تَقتُل" هُوَ قَداسَةُ الحَياة. والمَبدأُ الكَامِنُ وَراءَ الوَصِيَّةِ السَّابِعَةِ الَّتي تَقولُ "لا تَزْنِ" هُوَ قَداسَةُ الوَحْدَةِ الأساسِيَّةِ للحَياة؛ أيِ: الزَّواج. لِذا فإنَّهُ يَختارُ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ الإيضاحِيَّيْن: "لا تَقتُل" (للتَّركيزِ على قَداسَةِ الحَياةِ)، وَ "لا تَزْنِ" (للتَّركيزِ على قَداسَةِ الزَّواج).
وَهُوَ يَقولُ إنَّكَ لستَ بَارًّا أمامَ اللهِ إن غَضِبْتَ يَومًا أو إنْ فَكَّرتَ يَومًا في الزِّنَى. وما يُحاوِلُ أن يَفعلَهُ هُوَ أنَّهُ يُريدُ أن يُبَيِّنَ لَهُم مَدى انغِماسِهم في الخَطيَّةِ بِغَضِّ النَّظرِ عن سُلوكِهم الخَارِجِيِّ. لِذا فإنَّهُ يُرَكِّزُ هُنا على قَداسَةِ الزَّواج.
ففي الأعدادِ مِن 27 إلى 30، يَتحدَّثُ عَن رُوحِ الزَّواج. وفي العَدَدَيْن 31 و 32، يَتحدَّثُ عن نَاموسِ الزَّواج. أيْ عن رُوحِ الزَّواجِ وَناموسِ الزَّواج. وفي هذا المَساء، سنَنظُرُ إلى رُوحِ الزَّواجِ في أثناءِ تَأمُّلِنا في مُلاحَظاتِهِ على خَطيَّةِ الشَّهوةِ واقترافِ الزِّنَى في القَلب.
واسمَحوا لي أن أقولَ شيئًا آخرَ بخصوصِ المَثَلَيْنِ الإيضاحِيَّيْنِ اللَّذَيْنَ يَبتَدِئُ بِهِما. فالغَضبُ والجِنسُ هُما أَمْرانِ قَويَّانِ جدًّا. فَهُما أمرانِ يَتَغلغلانِ عَميقًا في حَياةِ الإنسان. وَهُما يُوَضِّحانِ تَمامًا الطَّبيعةَ الخَاطِئَةَ للإنسان. والحقيقةُ هي أنَّني لا أَظُنُّ أنَّهُ يُوجدُ أيُّ مَثَلَيْنِ إيضاحِيَّيْنِ أَقوى مِن هَذينِ المَثَلَيْنِ على كَشْفِ ضَعْفِنا تَمامًا. فنحنُ جَميعًا اختبَرنا تَجربةَ الغَضبِ وتَجربةَ الشَّهوة. فَهُما أمرانِ شَائِعانِ جدًّا ويُوجَدانِ في أعماقِ طَبيعةِ الإنسانِ الخَاطِئَة.
وَكَانَ يَنبغي لهؤلاءِ اليَهودِ الَّذينَ يَجلسونَ على سَفْحِ ذلكَ الجَبلِ في الجَليلِ (كَما نَجلِسُ نَحنُ هُنا) ويَسمَعونَ الرَّبَّ يَسوعَ المسيحَ يُواجِهُهم بشأنِ غَضَبِهم والشَّهوةِ المَوجودةِ في قُلوبِهم أن يُقَرُّوا في ضَمائِرِهم بأنَّهُم خُطاةٌ في الحَقيقة، وبأنَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّهُم لم يَقتُلوا أحدًا، ولم يَزنُوا يَومًا، فإنَّ ذلكَ لا يُعفيهِم مِنَ الطَّبيعةِ الخَاطئةِ المَوجودةِ في قُلوبِهم.
فَيَسوعُ يُريدُ أن يَدخُلَ إلى أعماقِ قَلبِ البَشَرِ وأن يُرِيَهُم أنَّهُ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا يَفعلونَهُ فإنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَدخُلوا المَلكوت. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَضَعُ مِعيارًا عَالِيًا. والحَقيقةُ هي أنَّ مَا قَالَهُ بأنَّ "كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" هُوَ كَلامٌ قَوِيٌّ جدًّا لأيِّ شَخصٍ يَعيشُ في مُجتمعِنا اليوم؛ لا سِيَّما أنَّ التَّجاربَ كَثيرةٌ جدًّا.
والتَّجرِبَةُ مَوجودةٌ دَائمًا. فَمَعَ أنَّ المَرأةَ كانت مُغَطَّاةً مِن قِمَّةِ رأسِها إلى أخمَصِ قَدَمَيْها وتَرتدي ثَوبًا طَويلاً كَما هِيَ الحَالُ في الشَّرقِ في ذلكَ الوقتِ، وتَضَعُ بُرْقُعًا على وَجهِها، فإنَّ التَّجرِبَةَ كَانَتْ مَوجودةً لأنَّ الشَّيطانَ هُوَ المُحَرِّض. وهُناَكَ دَائِمًا أشياءُ يَستخدِمُها إبليسُ لإثارةِ الشَّهوة وَجَعْلِ الجَسَدِ يَتجاوبُ ويَقَعُ في تلكَ التَّجربة. ولكِن يبدو لي أنَّهُ في المُجتمعِ الَّذي نَعيشُ فيهِ فإنَّ التَّجاربَ مُتَفَشِّيَةٌ أكثرَ بِكَثير مِنَ السَّابق، ومَنظورةٌ أكثر بِكَثير، وشَائِعَةٌ أكثر بِكَثير مِن حَولِنا بسببِ المُجتَمَعِ المُنْحَلِّ الَّذي نَعيشُ فيه.
ومَا يَصْعَقُني هُوَ أنَّ الكَنيسةَ الَّتي تَزْعُمُ أنَّها كَنيسةُ يَسوعَ المَسيحِ تُغوي النَّاسَ في مَوضوعِ الجِنس. فقد قَرأتُ اليَومَ في صَحيفةِ "لوس أنجليس تايمز" (Los Angeles Times) مَقَالاً مِن صَفْحَتَيْنِ عن الجُهودِ الَّتي تَبذُلُها الكَنيسةُ الميثوديَّةُ لِتَعليمِ الجِنس. ويَتحدَّثُ المَقالُ عن صَفٍّ أعتقدُ أنَّهُ يُسَمُّونَهُ "صَفُّ النَّشاطِ الجِنسيِّ" أو شَيئًا مِن هذا القَبيلِ حيثُ يَتَعَرَّى الجَميعُ ويَستَلقونَ على سَريرٍ بِذَريعَةِ تَعليمِ النَّاسِ عن هذا المَوضوع.
ويَقولُ المَقالُ إنَّ الكَنيسةَ الميثوديَّةَ قَرَّرَت أن تُجري تَغييراتٍ على ذلكَ الصَّفِّ. لِذا فقد عَيَّنَتْ مُعَلِّمينَ للتَّعليم عَنِ الجِنسِ حيثُ إنَّهُم يَجُولونَ ويُعَلِّمونَ الجَميعَ كيفَ يُمارِسونَ الجِنس. وبصراحَةٍ، يا أحبَّائي: هَذا فُجور.
أنا أُوْمِنُ بأنَّ الجِنسَ في إطارِ الزَّواجِ، أيْ في الإطارِ الرَّائعِ الَّذي وَضَعَهُ اللهُ لَهُ، قُصِدَ أن يَكونَ اكتشافًا شَخصيًّا مَحْضًا، لا أن يُوضَعَ على الألواحِ التَّعليميَّةِ، ويُعَلَّمَ في الصُّفوفِ، ويُقَدَّمَ في الكُتُب. فأنا أعتقدُ أنَّهُ شَيءٌ خَاصٌّ جدًّا، وشَيءٌ مُمَيَّزٌ جدًّا، وشَيءٌ فَريدٌ جدًّا. وأعتقدُ أنَّ حَقيقَةَ أنَّنا جَعَلناهُ سِلْعَةً، وصِرْنا نُرَوِّجُ لَهُ، ونَبيعُهُ، ونُعَلِّمُهُ، ونَتحدَّثُ عنهُ دُونَ تَوَقُّفٍ في كُلِّ مَكانٍ هي أُمورٌ تُؤدِّي إلى رُدودِ فِعلٍ شِرِّيرةٍ في قَلبِ الرِّجالِ الشِّرِّيرِ وقَلبِ النِّساءِ الشِّرِّير. فَهِيَ أمورٌ لا تَفعَلُ أيَّ شَيءٍ يُساعِدُ في هذا المَوقِف.
فنحنُ نَسمَعُ عن نَدواتٍ جِنسِيَّةٍ صَريحةٍ، ونَرى كُتُبًا جِنسيَّةً مَحْضَةً تُنشَرُ في كُلِّ مَكان. والنَّاسُ يَعِظونَ باستمرار عن هذا المَوضوع، ويَتحدَّثونَ عنهُ، ويُدافِعونَ عن هذهِ الفِكرةِ أو تِلكَ. وقد سَمِعتُ أغربَ مَشورةٍ تَصْدُرُ عن أشخاصٍ يَدَّعونَ أنَّهُم خُدَّامُ اللهِ؛ وهي مَشوراتٌ صَدَمَتْني.
فقد سَمِعتُ خَادِمًا يُمَثِّلُ جَماعَةً مَسيحيَّةً يَتحدَّثُ ويقولُ إنَّهُ يَنبغي للشَّابِّ والفَتاةِ أن يَسْتَحِمَّا مَعًا قبلَ الزَّواجِ لكي يَتَعَرَّفَ كُلٌّ مِنهُما إلى الآخر. وهذا النَّوعُ مِنَ المَشورةِ هُوَ الشَّيءُ المُحَدَّدُ الَّذي يَقولُ يَسوعُ هُنا إنَّهُ خَطِيَّة، وإنَّهُ مُجَرَّدُ مَظهَرٍ مِن مَظاهِرِ الطَّبيعةِ الخَاطِئَةِ للإنسان. والشَّخصُ الَّذي يُصَدِّقُ هذا النَّوعَ مِنَ المَشورةِ لَديهِ مُشكلة. وليسَ مِنَ الصَّعبِ أن نَعرِفَ مَاهِيَّتَها.
ولا أعتقدُ أنَّنا رَأينا (طَوالَ تَاريخِ العَالَمِ الغَربيِّ مُنذُ اندِثارِ الوَثنيَّةِ اليونانِيَّةِ والرُّومانِيَّةِ) مِثلَ هَذا التَّشجيعِ على الانغماسِ الجَامِحِ في الشَّهوةِ الجِنسيَّةِ، ومِثلَ هذا التَّرويجِ، ومِثلَ هذا المَدحِ كَما نَراهُ اليوم. ورُبَّما تَرغبونَ في مَعرفةِ أنَّهُ في الأسبوعِ المَاضي رَفَعت نِقابَةُ الحُرِّيَّاتِ المَدنيَّةِ الأمريكيَّةِ، الَّتي تَقبَلُ كُلَّ قَضايا الحُقوقِ المَدنيَّةِ، رَفَعَتْ دَعْوى قَضائِيَّة تُطالِبُ فيها بإزالَةِ القُيودِ على الأفلامِ الإباحِيَّةِ لكي يَتمكَّنَ الأطفالُ مِن مُشاهَدَتِها لأنَّهُم يَشعرونَ أنَّ هذهِ هي سَنَةُ الطِّفلِ، وأنَّ الأطفالَ يَملِكونَ حُقوقًا كأيِّ شَخصٍ آخر.
ولن يَطولَ الأمرُ حَتَّى تُضطَرُّونَ إلى حَمْلِ جِهازِ التِّلفازِ خَاصَّتِكُم وَتَحطيمِه. فوَسائلُ الإعلامِ تُغْوي النَّاسَ باستخدامِ الجِنسِ مِن أجلِ دَفعِهِم إلى شِراءِ مُنتَجاتِها. وَهِيَ تُرَوِّجُ للمُتَعِ الحِسِّيَّة. وَالجَرائِمُ الجِنسِيَّةِ في ارتِفاعٍ مُستَمِرٍّ. والطَّلاقُ، والخِيانَةُ الزَّوجيَّةُ، والانحرافُ هي أُمورٌ تُمدَح. وَهِيَ مَواضيعٌ تَتَداوَلُها الألْسُنُ في مُجتمعِنا. وَفَلسفةُ "المُتعَة أوَّلاً" مُنتشرة جدًّا. ومَذهَبُ المُتعَةِ يَعملُ بكُلِّ قُوَّة. والزَّواجُ الأُحادِيُّ مُهَدَّدٌ. والإخلاصُ مَوضِعُ سُخرِيَةٍ وهُزْءٍ وَتَهَكُّم.
ويُمكِنُنا أن نَصرِفَ سَاعةً تِلوَ السَّاعةِ في ضَرْبِ أمثلةٍ على ذلك؛ ولكِنَّ هذا ليسَ ضَرورِيًّا. فأنتُم تَعرِفونَ أنَّ هذا يَحدُثُ في كُلِّ مَكانٍ مِن حَولِكُم. وأنا أَتَجَنَّبُ حَتَّى أن أنظُرَ إلى رَفِّ المَجَلاَّتِ. وحَتَّى إنِّي لم أَعُد أذهبُ لِشراءِ المَجلاَّتِ الآنَ لأنِّي لا أُريدُ أن أُلَوِّثَ ذِهني بتلكَ المَشاهِدِ المَعروضَةِ على أَغلِفَةِ المَجلاَّتِ؛ فَما بَالُكُم بِما تَحويهِ في الدَّاخِل!
فهُناكَ مَعاييرٌ أَخلاقِيَّةٌ جَديدةٌ مُنتشرة وأخلاقِيَّاتٌ فَضْفَاضَةٌ تَقولُ إنَّ الحَقَّ نِسْبِيٌّ، وإنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَفعلَ ما تَشعُرُ أنَّهُ صَوابٌ مَا دُمتَ لا تُؤذي الآخرين. ومُجتمعُنا بأسرِهِ مَهووسٌ حَرفيًّا بالجِنس. فَنَحنُ مُنهَمِكونَ جدًّا في الجِنسِ بطريقةٍ يَصعُبُ تَصديقُها.
وقد ضَرَبَ "سي. إس. لويس" (C. S. Lewis) مَثَلاً إيضاحِيًّا رائعًا على ذلك. فَهُوَ يَقولُ إنَّكَ تَستطيعُ أن تَحظَى بِجُمهورٍ كَبيرٍ إنْ أَقَمْتَ عَرْضَ تَعَرٍّ؛ أيْ عَرْضًا يُشاهِدُ النَّاسُ فيهِ فَتاةً تَخلَعُ مَلابِسَها على المَسرَح. وَهُوَ يَقولُ إنَّهُ إن لم يَكُن ذلكَ يُشيرُ إلى مِقدارِ انحِرافِ نَظرتِنا إلى الجِنسِ وإلى المَرأةِ، تَخَيَّلِ الأمرِ بالطَّريقةِ التَّالية. لِنَفترِض أنَّكَ ذَهبتَ إلى بَلَدٍ يُمكِنُكَ فيهِ أن تَملأَ مَسرَحًا بأُناسٍ يُشاهِدونَ طَبَقَ طَعامٍ مُغَطَّى ومَوضوعٌ على المَسرَحِ، ثُمَّ إنَّكَ تَرفعُ الغِطاءَ بِبُطءٍ لكي يَرى النَّاسَ الطَّعامَ الَّذي فيه. وقبلَ أن تُسْدَلَ السِّتارَةُ فإنَّهُم يَرَوْنَ أنَّهُ يَحوي قِطعةً مِن لَحْمِ الضَّأنِ أو قِطعةً مِن لَحمِ البَقر. أَلاَ تَعتقدُ أنَّ هُناكَ خَلَلاً مَا في شَهيَّةِ هؤلاءِ النَّاسِ للطَّعام؟ وما الَّذي يَجعلُكَ تَظُنُّ أنَّ هذا الأمرَ يَختَلِفُ عن مُجتمعِنا الَّذي يَفقِدُ فيهِ النَّاسُ عُقولَهُم لأنَّ فَتاةً نَزَعَتْ مَلابِسَها؟ فَفَلسفةُ شَرِكَة "بلاي بوي" (Playboy) هي مُجَرَّدُ عَقليَّةٍ تَنظُرُ إلى جَسَدِ الإنسانِ كَما لو أنَّهُ قِطعَةُ لَحْم. فَهِيَ عَقليَّةٌ مُنحرِفَة.
فهُناكَ عِلَّةٌ فينا. هُناكَ عِلَّةٌ عَميقةٌ فينا. وَهِيَ عِلَّةٌ تَمَّ استِغلالُها والتَّلاعُبُ بِها في مُجتمعِنا. فقد جَاءَ "هيو هيفنر" (Hugh Hefner) وقال: "لِماذا أنتُم مُنزعِجونَ هكذا مِنَ الجِنس؟ إنَّهُ مُجَرَّدُ حَاجَة بَيولوجيَّة كَالأكلِ والشُّربِ والنَّوم!" وهذا ليسَ فِكرًا جَديدًا. فهذا النَّوعُ مِنَ الفَلسفةِ يَنبُعُ مِن شَيءٍ قَديمٍ؛ وتَحديدًا مِنَ الوَثنيَّةِ اليُونانيَّةِ والرُّومانيَّة.
وفي رسالةِ كورِنثوسَ الأولى 6: 13، يَذكُرُ الرَّسولُ بولسُ تلكَ الفَلسفةَ عندما يُواجِهُ أهلَ كورِنثوسَ بشأنِ انشِغالِهم بهذهِ الأمورِ الجِنسيَّةِ الشِّرِّيرة. وَإليكُم ما كانوا يَقولونَهُ إذْ نَقرأُ في رسالة كورنثوسَ الأولى 6: 13: "الأَطْعِمَةُ لِلْجَوْفِ وَالْجَوْفُ لِلأَطْعِمَة". وقد كانَ هَذا قَولٌ شَائِعٌ مُتداوَلٌ على الألسِنَة. فَإن جَاءَ شَخصٌ وَقالَ لَهُم: "لا يَجوزُ أن تَفعلوا ذلكَ لأنَّهُ شَرٌّ"، كانوا يَرُدُّونَ عَليهِ قَائِلينَ: "الأَطْعِمَةُ لِلْجَوْفِ وَالْجَوْفُ لِلأَطْعِمَة". وَمَا كَانُوا يَقصِدونَهُ هُوَ أنَّ الجِنسَ هُوَ مُجَرَّدُ حَاجَةٍ بَيولوجِيَّة. فقد كانت تلكَ العِبارَةُ قَولاً مُتداوَلاً بينَ النَّاس.
فقد كانوا يَقولونَ إنَّ الجِنسَ هُوَ شَيءٌ بَيولوجِيٌّ وَحَسْب. "الأَطْعِمَةُ لِلْجَوْفِ وَالْجَوْفُ لِلأَطْعِمَة". فَهُوَ حَاجَةٌ بَيولوجِيَّةٌ وَحَسْب كَالأكلِ والنَّومِ والشُّرب. ثُمَّ نَقرأُ في الجُزءِ المُتَبَقِّي مِنَ الآية: "وَاللهُ سَيُبِيدُ هذَا وَتِلْكَ. وَلكِنَّ الْجَسَدَ لَيْسَ لِلزِّنَا بَلْ لِلرَّبِّ، وَالرَّبُّ لِلْجَسَد". فالجَسَدُ هُوَ ليسَ مُجَرَّدَ شَيءٍ بَيولوجِيٌّ، بَل هُوَ شَيءٌ رُوحِيٌّ ويَنتمي إلى اللهِ (كَما يَقولُ بولسُ لأهلِ كورِنثوس). فَلا يَجوزُ لَكُم أن تَفعلوا ذلكَ بأجسادِكُم وتَقولوا: "إنَّهُ مُجَرَّدُ شَيءٍ بَيولوجِيٍّ".
فهذهِ هي الفَلسفةُ الَّتي تَتعامَلُ معَ جَسَدِ الإنسانِ كما لو أنَّهُ قِطعَةُ لَحْم. وَهِيَ فَلسفةُ شَرِكَة "بلاي بوي" (Playboy). ولكِن لا يُمكِنُكم أن تَفعلوا ذلك. فالجَسَدَ لَيْسَ لِلزِّنَا بَلْ لِلرَّبِّ، وَالرَّبُّ لِلْجَسَد. "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ [في العَدد 15] أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟ أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟" أو عَاهِرَةٍ؟ فَهذا هُوَ مَا يَفعلُهُ أيُّ شَخصٍ يُمارِسُ الجِنسَ بهذهِ الطَّريقة. هل أفعلُ هذا؟
"أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ الْتَصَقَ بِزَانِيَةٍ هُوَ جَسَدٌ وَاحِدٌ؟... وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ". لِذا، إنْ ذَهبتَ إلى عَاهِرَةٍ فإنَّكَ تَدخُلُ في مَوقفِ زِنَا وتَجعلُ الرَّبَّ يَشترِكُ في تلكَ الخَطِيَّة.
فَلاَ صِحَّةَ لِما يُقالُ بأنَّ "الأَطْعِمَةَ لِلْجَوْفِ وَالْجَوْفَ لِلأَطْعِمَة". وَهُوَ يَقولُ في العَدد 18: "اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا". والكلمةُ اليونانيَّةُ المُستخدمَةُ هُنا هي "بورنيا" (porneia)، وَهِيَ تُشيرُ إلى أيِّ سُلوكٍ جِنسيِّ شِرِّير. فالنَّظرةُ الَّتي تَقولُ إنَّ الجِنسَ هُوَ مُجَرَّدُ حَاجَةٍ بيولوجيَّةٍ، وإنَّهُ يَنبغي لكَ أن تَعيشَ حَياتَكَ وتَستمتِعَ بِهِ، والأخلاقيَّاتُ الَّتي بِحَسَبِ المَوقِفِ، والرَّأيُ القَائِلُ: "لا تَكبُت نَفسَكَ، ولا تَمنَع نَفسَكَ، بل عِشْ وافعَل كُلَّ ما تُريد لأنَّ الجِنسَ هُوَ حَاجَةٌ بَيولوجيَّةٌ وَحَسْب"؛ إنَّ تلكَ الفَلسفةَ هي فَلسفةٌ جَرَّتْ مُجتمَعَنا حَرفِيًّا إلى مُستنقَعِ الانحِرافِ الجِنسيِّ.
فقد أَمْطَرَتْنا بِوابِلٍ مِنَ الدَّعاياتِ الَّتي حَطَّمَتِ البُيوتَ، وحَطَّمَتِ العَائلاتِ، وأفسَدَتْ حَياةَ الأفرادِ، وحَطَّمَت قُدرةَ الفَردِ على فِعْلِ الصَّوابِ مَا لم يُكَرِّس حَياتَهُ تَمامًا للرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ، وَأَفسَدَتِ المُجتمعَ بسُرعةٍ هَائلة. فالعَلاقاتُ الطَّبيعيَّةُ اخْتَفَتْ وَحَلَّتْ مَحَلَّها عَلاقاتٌ مُنحَرِفَة. والاهتمامُ اخْتَفَى وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ الشَّهوة. والمَحبَّةُ زَالَتْ وَحَلَّتْ مَحَلَّها الخَلاعَة. هَذا هُوَ ما حَلَّ بِمُجتمَعِنا.
مِن جَانبٍ آخر، عندما تَتحدَّثُ عَنِ الجِنسِ فإنَّكَ تَجعلُ أُناسًا مُعَيَّنينَ يُصغونَ إليكَ بانتباهٍ لأنَّهُ المَوضوعُ المُفَضَّلُ لَديهم؛ ولكِنَّكَ تَجعلُ أيضًا مَجموعَةً مِنَ المُؤمِنينَ يَحمِلونَ كِتابِهُم المُقدَّسَ ويُغادِرون. فَهُم يُفَضِّلونَ أن يَظَلُّوا مُتَحَفِّظينَ بخصوصِ هذا المَوضوع. وهذهِ هي النَّظرةُ المُتَزَمِّتَة. فَكَما تَعلمونَ، إنَّهُم يُريدونَ أن يَذهَبوا بَعيدًا قَدرَ الإمكانِ في الاتِّجاهِ الآخرِ حَتَّى إنَّهُم يَقولونَ إنَّ الجِنسَ عَارٌ، وإنَّهُ رَذالَةٌ، وإنَّهُ غير مُقَدَّس.
وبالمُناسَبة، مَا زَالَ هذا الشَّيءُ يَحدُثُ في وَقتِنا هَذا كَما كانَ يَحدُثُ في المَاضي. ولكِنَّ هذا ليسَ الحَلّ. فَلاَ يُمكِنُكَ أن تَتَطَرَّفَ وتَقولَ إنَّ الجِنسَ هُوَ مُجَرَّد حَاجَة بَيولوجِيَّة. ولا يُمكِنُكَ أن تَتَطَرَّفَ في الاتِّجاهِ الآخرِ وتَقولَ إنَّ الإخصاءَ أوِ استِئصالَ الغُدَدِ التَّناسُليَّةِ سَيَحُلُّ المُشكلة. فَهُوَ لن يَحُلَّها. وكُلُّ نَظريَّةٍ مِن هَاتَيْنِ النَّظرتينِ تُجانِبُ الصَّوابَ بِقَدْرِ الأخرى لأنَّ اللهَ صَمَّمَ الزَّواجَ بطريقةٍ رَائِعَةٍ ليكونَ جُزءًا مِن حَياةِ الإنسان.
وفي رسالة كورنثوسَ الأولى 7: 3، يُناقِشُ الرَّسولُ بولُسُ جُزءًا مِن هذا المَوضوعِ فَيَقول: "لِيُوفِ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ". وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَنِ العَلاقَةِ الجِنسيَّة. "وَكَذلِكَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا الرَّجُلَ. لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ. لاَ يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ، إِلَى حِينٍ، لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ".
بِعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ إنَّ الزَّوجَ والزَّوجَةَ يَملِكانِ كُلَّ الحَقِّ، وإنَّهُما مَسؤولانِ تَمامًا عن أنْ يَهَبَ كُلٌّ مِنهُما جَسَدَهُ للآخر لإشباعِ رَغبَتِهِ الجِنسيَّة. وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَمَّا يَنبغي أن يَحدُثَ في إطارِ الزَّواجِ لأنَّهُ خُطَّةُ الله.
وفي سِفرِ الأمثال، يَقولُ اللهُ الشَّيءَ نَفسَهُ إذْ نَقرأُ في الأصحاحِ الخامِسِ والعَدد 15: "اِشْرَبْ مِيَاهًا مِنْ جُبِّكَ، وَمِيَاهًا جَارِيَةً مِنْ بِئْرِكَ". بِعبارةٍ أخرى، تَمَتَّع بامتيازاتِكَ الزَّوجيَّة. وابتَعِد عَنِ الزَّانيةِ (أوِ المَرأةِ الأجنبيَّةِ الَّتي تَحَدَّثَ عنها سَابقًا في الأصحاحِ الخَامِسِ) لأنَّها سَتُدَمِّرُ حَياتَك. "اِشْرَبْ مِيَاهًا مِنْ جُبِّكَ، وَمِيَاهًا جَارِيَةً مِنْ بِئْرِكَ. لاَ تَفِضْ يَنَابِيعُكَ إِلَى الْخَارِجِ، سَوَاقِيَ مِيَاهٍ فِي الشَّوَارِعِ. لِتَكُنْ لَكَ وَحْدَكَ، وَلَيْسَ لأَجَانِبَ مَعَكَ". أيْ: لا تُمارِسِ الجِنسَ مَعَ امرأةٍ غيرِ زَوجَتِك. "لِيَكُنْ يَنْبُوعُكَ مُبَارَكًا، وَافْرَحْ بِامْرَأَةِ شَبَابِكَ، الظَّبْيَةِ الْمَحْبُوبَةِ وَالْوَعْلَةِ الزَّهِيَّةِ. لِيُرْوِكَ ثَدْيَاهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَبِمَحَبَّتِهَا اسْكَرْ دَائِمًا". فاللهُ هُوَ الَّذي جَعَلَ هذا الأمرَ مُتاحًا؛ أيِ العَلاقةَ الجِنسيَّة. وقد قَدَّسَها وَبَارَكَها.
وفي نَشيدِ الأنشاد، يَتحدَّثُ الرَّبُّ مِرارًا وتَكرارًا في تلكَ الرِّسالةِ الرَّائعةِ ويُخبرُنا بطريقةٍ رائعةٍ عن رَوعةِ المَحبَّةِ البَشريَّةِ في إطارِ الزَّواج. لذا فإنَّ الجِنسَ شَيءٌ طَاهِرٌ وَصَحيح؛ ولكِنَّ عَالَمَنا جَعَلَهُ شَيئًا مُبْتَذَلاً. فقد جَعَلْنا الجِنسَ شَيئًا مُنحَرِفًا وفَاسِدًا وخَليعًا.
وَهذا، بِكُلِّ تأكيدٍ، يَطِيْبُ لِقَلبِ الإنسانِ الخَاطِئِ الشرِّير. لِذا، عندما نَصِلُ إلى هذا المَقطعِ (في الأعدادِ مِن 27 ومَا يَليه)، نَجِدُ أنَّهُ يَقولُ كَلامًا صَحيحًا عَنِ المُجتمعِ الَّذي نَعيشُ فيه. ويجب علينا أن نَرى ما يَقولُهُ يَسوع.
فقد كانت لَدى الفَرِّيسيِّينَ وُجهةُ نَظرٍ خَاصَّةٍ بِهم إذْ نَقرأُ في العَدد 27: "لاَ تَزْنِ". وَلأنَّهُم لم يَكونوا يَقترفونَ تلكَ الخَطِيَّة، ظَنُّوا أنَّهُم أبرار. فقد ظَنُّوا أنَّهُم يَستحقُّونَ الدُّخولَ إلى المَلكوتِ وأنَّهُم جَديرونَ بأن يَجلِسوا في المَقاعِدِ الأولى. ورُبَّما تُفَكِّرُ أنتَ هَكذا أيضًا. فرُبَّما تَقولُ لنفسِك: "أنا لستُ شَخصًا رَديئًا. فأنا لم أَخُنْ زَوجَتي يَومًا. أنا لم أَزْنِ يَومًا. أنا لم أفعَل يَومًا شَيئًا مِن هَذا القَبيل".
ولكِنَّ يَسوعَ يَقولُ: "إن نَظَرتَ يَومًا إلى امرأةٍ لِتَشتَهيها، فَقَد زَنَيْتَ بِها في قَلبِك. وَهَذا كَفيلٌ بإدانَتِكَ في جَهَنَّمَ إلى الأبد". هذا هُوَ تَطبيقُ الآيَتَيْن 29 و 30. لِذا فإنَّ ثِقَتِكَ بنفسِكَ قد تَحَطَّمَتْ هُنا. أَتَرَوْن؟ فالنِّظامُ الخَارِجيُّ للنَّاموسِ لا يَكفي لأنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى المَوقِف. وكَما تَرَوْنَ، فإنَّ مَا يُريدُ يَسوعُ أن يَفعلَهُ هُوَ أنَّهُ يُريدُ أن يُبَيِّنَ لَهُم أنَّهُم لا يَستطيعونَ مُساعَدَةَ أنفسِهم. فكما تَرَوْنَ، لقد كانَ بِمَقدورِهم أن يَتعامَلوا مَعَ المَظاهِرِ الخارجيَّةِ بِكُلِّ تأكيد. فقد كانَ بمقدورِهم أن يَمتَنِعوا عَنِ الزِّنا؛ ولكنَّهُم لم يَكونوا قَادِرينَ على فِعلِ أيِّ شَيءٍ بخصوصِ الدَّاخِل. لِذا فإنَّ يَسوعَ يُصيبُهم في النُّقطةِ الَّتي يَشعُرونَ فيها بالضَّعفِ، وانعِدامِ الرَّجاءِ، وانعِدامِ القُوَّة على أَمَلِ أن يَقودَهُم شُعورُهُم باليأسِ إلى اللهِ لأنَّهُ الوَحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يُغَيِّرَ القَلبَ. فقد كانُوا بِحاجَةٍ مُلِحَّةِ إلى الشُّعورِ بأنَّهُم على مَا يُرام. ولكِنَّ يَسوعَ يُبَيِّنُ لَهُم أنَّهُم لَيْسُوا كذلك.
بعدَ أن فَهِمنا ذلك، أريدُ أن أَخرُجَ عَنِ المَوضوعِ قَليلاً وأن أتحدَّثَ عن نِقاطٍ أخرى. وفي الأسبوعِ القَادِمِ، سَوفَ نَعودُ إلى التَّفاصيلِ الدَّقيقةِ لهذا المَقطَع. ولكِن لاحِظوا بِدايةَ العَدَدَيْن 27 و 28. فالبِدايةُ جَعَلتني أُفَكِّرُ في هذا الأمرِ الَّذي أعتقدُ أنَّكُم ستَجِدونَهُ مُفيدًا. فيسوعُ يَبتدئُ بالقول: "قَد سَمِعتُم"، ثُمَّ يَقولُ في العَدد 28: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُول". وَهذا التَّبايُنُ مُهِمٌّ جدًّا. وسوفَ أُقَدِّمُ لَكُم دَرسًا شَامِلاً في اللاَّهوتِ الكِتابِيِّ في هذا المَساء. لِذا، أريدُ مِنكُم أن تَفهَموا هذا لأنَّهُ سيُجيبُ عنِ الكَثيرِ مِن أسئلتِكُم.
"قَد سَمِعتُم...وَأَمَّا أَنَا فَأَقُول". إنَّها نَفسُ الصِّيغةِ الَّتي رأيناها في العَدد 21 إذْ نَقرأُ: "قَد سَمِعتُم". وَفي العَدد 22: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُول". وفي العَدد 31: "وَقِيْلَ". وفي العَدد 32: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُول". وفي العَدد 33: "سَمِعتُم". وَفي العَدد 34: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُول". فَهِيَ نَفسُ الصِّيغةِ في كُلِّ هذا المَقطَعِ هُنا. وَهُوَ يُشيرُ إلى سُوءِ فَهمِهِم لِناموسِ الله. "قَد سَمِعتُم مِن أَحْبَارِ اليَهودِ، أو مِنَ المُعَلِّمينَ التَّقليديِّينَ، أو مِنَ الكَتَبَةِ والفَرِّيسيِّينَ، أو مِن أولئكَ الَّذينَ فَسَّروا النَّاموس. "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُم" الحَقَّ المُختصَّ بالنَّاموس. فَما سَمِعتُموهُ ليسَ صَحيحًا. وَهُوَ ليسَ كَافِيًا. فقد اخْتَصَروا نَاموسَ اللهِ وجَعلوهُ مُجَرَّدَ وَصَايا خَارجيَّة، وَلَم يُطلِعوكُم على الأمرِ بِجُملَتِه. فقد قَالوا لَكُم إنَّهُ لا يَجوزُ لَكُم أن تَزْنُوا، وإنَّهُ إن لَم تَفعلوا ذلكَ فإنَّكُم ستَكونونَ على ما يُرام. ولكنِّي أقولُ لَكُم إنَّ هُناكَ مَا هُوَ أكثر مِن ذلك.
ويُمكنُكم أن تَرَوْا مَرَّةً أخرى مَا قُلتُهُ لَكُم في البِداية. فيُمكُنكم دائمًا أن تَبتَكِروا نِظامًا تَستطيعونَ العَيشَ بِموجِبِهِ، ثُمَّ أن تُقنِعوا أنفسَكُم بأنَّكُم أبرار. فقد كانَ بِمَقدورِهم أن يَتَجَنَّبوا الزِّنَا، ولكنَّهُم لم يَكونوا قَادِرينَ على فِعلِ أيِّ شَيءٍ بخصوصِ حَياتِهم السِّريَّة. لِذا فقد أَساءُوا فَهمَ النُّقطةِ الجَوهريَّةِ مِنَ العهدِ القديم. فعندما قَالَ اللهُ: "لا تَقتُل"، وعندما قَالَ اللهُ: "لا تَزْنِ"، وعندما أَعطَى اللهُ أيَّة وَصِيَّة أخرى في العهدِ القديمِ، كانَ يَتحدَّثُ عَن شَيءٍ أكبر بكثير مِنَ الفِعلِ ذاتِه. وَهذا هُوَ ما يُريدُ يَسوعُ مِنهُم أن يَفهَموه.
والآن، اسمَحوا لي أن أُريكُم ما أَعنيه. رَكِّزُوا مَعي وَحَسْب. لقد جَاءَ الإعلانُ الرَّئيسيُّ لِرِسالةِ اللهِ إلى الإنسانِ مِن خِلالِ مُوسَى. أليسَ كذلك؟ والحقيقةُ هي أنَّ التَّوراةَ، أيْ أسفارَ مُوسَى الخَمسةَ، هي في الأصلِ قَلبُ (أو مَركِزُ أو جَوهَرُ) العهدِ القديم. أمَّا الأسفارُ النَّبويَّةُ والأسفارُ الأخرى الَّتي جَاءَت بعدَ أسفارِ مُوسَى الخَمسة فكانت مُجَرَّدَ شُروحٍ أو تَفاسير أو تَوضيحاتٍ لما هُوَ مَكتوبٌ في نَاموسِ مُوسَى.
ومَا أكثَرَ ما تَجِدونَ في أثناءِ قِراءَتِكُم للأسفارِ النَّبويَّةِ أنَّ الأنبياءَ يَدينونَ الشَّعبَ لأنَّهُ لم يَحفَظ نَاموسَ مُوسَى. فأنتُم تَجِدونَ أنَّ الأنبياءَ يَرجِعونَ إلى الوَراءِ ويَقولونَ: "لقد قَالَ لَكُم مُوسَى"، أو: "هل نَسَيْتُم مَا قَالَهُ مُوسَى؟" أو: "هل نَسَيْتُم ما فَعَلَهُ اللهُ في زَمَنِ مُوسَى؟" بعبارةٍ أخرى، فإنَّ التَّوراةَ هي الأصل. فَفيها تَجِدونَ إنجيلَ مُوسَى، أو إنجيلَ اللهِ المُعطَى مِن خِلالِ مُوسَى. أمَّا بَقيَّةُ العهدِ القديمِ فَهُوَ شَرْحٌ للتَّوراة. فَهُوَ يَشرَحُ نَاموسَ اللهِ؛ أيْ تلكَ المَعاييرَ الَّتي أعطاها اللهُ مِن خِلالِ مُوسَى.
والآن، إنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَحدُثُ بالطَّريقةِ التَّالية: اللهُ يُعطِي التَّعريفاتِ الرَّئيسيَّةَ لِما يَطلُبُهُ مِن خِلالِ مُوسَى. وَهُوَ يُفَصِّلُها في النَّاموسِ والأنبياء. وَهُوَ يَستَوفيها في يَسوعَ المَسيح. لِذا فقد جَاءَ المَسيحُ لا لِيُغَيِّرَ أيَّ شَيءٍ، بَل لِيُوَضِّحَ مَسألةَ أنَّ النَّاموسَ (أو إنجيلَ مُوسَى) لَم يَتغيَّر.
والآن، إنَّ جَوهَرَ أو لُبَّ إنجيلِ مُوسَى مَوجودٌ في سِفْرِ التَّثنية. والآن، لِنَنظُر إلى الأمرِ مَعًا. فِسَفْرُ التَّثنيةِ هُوَ السِّفرُ الخامِسُ والأخيرُ في أسفارِ مُوسَى الخَمسَة. وفي هذا السِّفرِ نَجِدُ خُلاصَةَ نَاموسِ الله. وأعتقدُ، ولا أدري إن كُنتُم تُوافِقونَني الرَّأيَ في هَذا الأمرِ ولكِنْ رَكِّزُوا مَعي لأنَّكُم رُبَّما سَتُوافِقوني الرَّأيَ، أعتقدُ أنَّ سِفْرَ التَّثنيةِ هُوَ أَهَمُّ سِفْرٍ في العهدِ القديم.
إنَّ الكلمة "تَثْنِيَة" هي تَرجمة لكَلمتينِ يُونانِيَّتَيْنِ: الأولى هِيَ "ديوتيرو" (deutero) ومَعناها: "ثاني"، والكلمةُ الثَّانيةُ هي: "نوموس" (nomos) ومَعناها: "شَريعَة". لِذا فإنَّها "الشَّريعةُ الثَّانية" أو تَكرارُ الشَّريعةِ الَّتي أعطاها الله. فهي المُلَخَّص. في بِدايةِ سِفْرَ التَّثنيةِ، نَرى أنَّ الشَّعبَ يَستعدُّ لِدُخولِ أرضِ المَوعِد. فَقد كانوا على وَشْكِ دُخولِ أرضِ كَنعان. فقد تَحَرَّروا مِنَ العُبوديَّةِ في مِصْر. وَهُم شَعبُ اللهِ. وقد صَارُوا يُعرَفونَ بِشعبِ اللهِ، وَكانوا في تلكَ اللَّحظةِ على وَشْكِ أَخْذِ أرضِهم. فسوفَ يَأخذونَ الأرضَ الَّتي أعطاها اللهُ لَهُم.
وعندما يَدخُلونَ الأرضَ، يُذَكِّرُهُم اللهُ بكُلِّ ما يَنبغي لَهُم أن يَعرِفوه. لِذا فإنَّنا نَجِدُ هُنا خُلاصَةَ كُلِّ إنجيلِ مُوسَى، أو خُلاصَةَ كُلِّ مَعاييرِ العَيشِ في مَلكوتِ الله. فَهيَ مُدَوَّنَةٌ هُنا في سِفْر التَّثنية. والحقيقةُ هي أنَّ الوَصَايا العَشْرَ مُكَرَّرةٌ أيضًا في الأصحاحِ الخَامِسِ مِن سِفْر التَّثنية.
وهل تَعلَمونَ ما يَلي؟ هل تَعلمونَ أنَّ يَسوعَ اقتبسَ مِن سِفْرِ التَّثنيةِ أكثرَ مِمَّا أقتبسَ مِن أيِّ سِفْرٍ آخر مِن أسفارِ العهدِ القديم؟ وهل تَعلَمونَ مَا يَلي؟ أنَّ كُتَّابَ العهدِ الجديدِ اقتَبَسوا مِن سِفْرِ التَّثنيةِ أكثرَ مِمَّا اقتَبَسُوا مِن أيِّ سِفْرٍ آخر مِن أسفارِ العهدِ القديم؟ لِذا فإنَّهُ سِفْرٌ مُهِمٌّ جدًّا. فَهُوَ خُلاصَةُ كُلِّ العهدِ القديمِ لأنَّ كُلَّ ما جَاءَ بعدَ سِفرِ التَّثنيةِ هُوَ تَعليقٌ على التَّوراة. وَسِفْرُ التَّثنيةِ هُوَ مُلَخَّصٌ للتَّوراة. لِذا فإنَّهُ المِفتاحُ الحَقيقيُّ أو ذُروةُ العهدِ القديم.
وبالمُناسَبة، أعتقدُ أنَّ خُلاصَةَ كُلِّ العهدِ القديمِ... بَل في الحقيقةِ، أعتقدُ أنَّ خُلاصَةَ كُلَّ الكتابِ المقدَّسِ مَوجودةٌ في سِفْر التَّثنية 6: 5 إذْ نَقرأُ: "فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ". فهذهِ هي ذُروةُ كُلِّ الكتابِ المقدَّس. ونَقرأُ لاحِقًا في سِفْرِ التَّثنيةِ مَا مَعناهُ: "وَتُحِبُّ قَريبَكَ كَنفسِك". فَهُنا نَجِدُ خُلاصَةَ كُلِّ الحَقِّ الإلهيِّ.
والحقيقةُ هي أنَّ يَسوعَ قَال: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَنَفْسِكَ، وَفِكْرِكَ، وَقُدرَتِكَ. وتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ". والنَّاموسُ هُوَ مَا جَاءَ قبلَ سِفْرِ التَّثنية. والأنبياءُ هُوَ ما جَاءَ بَعدَهُ. وَكُلُّ شَيءٍ مُلَخَّصٌ في هذا السِّفْر.
والآن اسمَعوني. أريدُ مِنكُم أن تَسمَعوا ما يَلي لأنَّهُ مُهِمٌّ حَقًّا: عندما نَنظُرُ إلى العهدِ القديمِ نَجِدُ المِفتاحَ في التَّوراة. وعندما نَنظُرُ إلى التَّوراةِ نَجِدُ المِفتاحَ في سِفْرِ التَّثنية. وعندما نَنظُرُ إلى سِفْرِ التَّثنيةِ نَجِدُ المِفتاحَ في الأصحاح السَّادسِ والعَددِ الخَامِس: "تُحِبُّ الرَّبَّ إلَهَكَ". والآن، اسمَعوني: إنَّ العهدَ القديمَ لا يُؤسِّسُ عَلاقَةً قائمةً على النَّاموس، بل يُؤسِّسُ عَلاقَةً قَائمةً على مَاذا؟ المَحبَّة.
والنَّاسُ لا يَفهمونَ هَذهِ النُّقطة. فَهُم يَظُنُّونَ أنَّ تَدبيرَ العهدِ القديمِ كانَ تَدبيرًا قَائِمًا على النَّاموس. ولكنَّهُ ليسَ كذلك، بل هُوَ تَدبيرٌ قَائمٌ على المَحبَّة. فالعَلاقَةُ هِيَ الشَّيءُ الَّذي يَسعَى إليهِ الله. فالمَحبَّةُ هي المِفتاحُ للعَلاقَةِ بالله. وفي كُلِّ سِفْرِ التَّثنيةِ، يَستمِرُّ اللهُ في القَول: "أريدُ مِنكُم أن تُحِبُّوني... أريدُ مِنكُم أن تُحِبُّوني... أريدُ مِنكُم أن تُحِبُّوني... أريدُ تَكريسًا قَلبيًّا... أريدُ تَخصيصًا قَلبيًّا... أريدُ عَاطِفَةً حَقيقيَّةً مِن كُلِّ قُلوبِكُم لي".
والآن اسمَعوني: لقد قالَ مُوسَى في كُلِّ سِفْرِ التَّثنية... ولو كانَ لَدينا وَقتٌ كَافٍ لَرَاجَعْنا السِّفْرَ كُلَّهُ، ولكِن يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ بِنفسِك... فَهُوَ يَقولُ المَرَّةَ تِلوَ الأخرى، تِلوَ الأخرى، تِلوَ الأخرى للشَّعبِ عندما دَخَلوا الأرضَ: "يَجِبُ عليكُم أن تُحِبُّوا الرَّبَّ... يَجِبُ عليكُم أن تُحِبُّوا الرَّبَّ... يَجِبُ عليكُم أن تُحِبُّوا الرَّبَّ". لماذا؟ لأنَّ عَلاقَةَ المَحبَّةِ هي العَلاقَةُ الَّتي يُريدُها اللهُ دَائِمًا معَ الإنسان... دائمًا.
والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم شَيئًا سيُساعِدُكم. قَبْلَ أن يُعطي اللهُ النَّاموسَ الَّذي نَعرِفُهُ، أيِ الوَصايا العَشْر، وَكُلَّ الوَصايا والتَّشريعاتِ الأخرى، اسمَعوا ما سأقول: قبلَ أن يَفعلَ اللهُ ذلك، أَنْشَأَ عَلاقَةً مَعَ إسرائيل. فقد أَحَبَّ أوَّلاً إسرائيل. وسوفَ نَرى ذلكَ لاحقًا في الأصحاحِ العَاشِر، ولكِنَّهُ أحَبَّ أوَّلاً إسرائيل.
ولأنَّهُ أَحَبَّ إسرائيل فإنَّهُ أَخْرَجَ إسرائيلَ مِن مِصْر. فقد خَلَّصَ إسرائيل، وفَدَى إسرائيل. وبعدَ أنْ أَنْشَأَ عَلاقةَ المَحبَّةِ تلكَ، وبعدَ ذلكَ الفِداء، أعطاهُم النَّاموس. هَل تَفهَمون؟ فالنَّاموسُ لم يَكُن سَبَبَ العَلاقَة، بَل إنَّهُ نَجَمَ عَنها. فاللهُ يَسعَى إلى العَلاقَة. ويجب عليكُم أن تَفهموا هذهِ النُّقطة لأنِّي سأَبني كَلامي عَليها. لِذا، أرجو أن تَكونوا قد فَهِمتُموها.
فمَحبَّةُ اللهِ كانت قد ظَهَرَتْ للأجيالِ السَّابقةِ عندما تَمَّ تَحريرُهم مِن مِصْر. وعندما تَمَّ تَحريرُهم مِن مِصْرَ، فَداهُمُ الرَّبُّ. فقد خَلَّصَهُم الرَّبُّ. وقد جَعَلَهُم اللهُ شَعبًا لَهُ. وبسببِ تلكَ العَلاقَةِ قالَ لَهُم بعدَ ذلك: "يجبُ عليكُم أن تَعيشوا بالطَّريقةِ التَّالية".
لِذا فإنَّ العهدَ الجديدَ يَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ. فإنجيلُ مُوسَى، وإنجيلُ يَسوعَ، وإنجيلُ بولُس، وإنجيلُ بُطرس، وإنجيلُ يَعقوب، وإنجيلُ يُوحَنَّا هُوَ الإنجيلُ نَفسُهُ. فنحنُ نُحِبُّهُ لأنَّهُ ماذا؟ أَحَبَّنا أوَّلاً. فاللهُ أَحَبَّ إسرائيل. وقد كانت هذهِ هي نُقطةُ البِداية. واللهُ أَحَبَّنا. فقد كانت هذهِ هي نُقطةُ البِداية. فقد نَشَأت أوَّلاً عَلاقَةُ مَحبَّة، ثُمَّ صَارَ يَنبغي لنا أن نَتجاوَبَ بِطاعَةٍ مَعَ نَاموسِه.
انظُروا مَعي الآنَ إلى الأصحاحِ العَاشِرِ مِن سِفْر التَّثنية حيثُ سَأُريكُم ذلك. وقد قَرأتُ هذا المَقطَعَ في هذا الصَّباحِ في الخِدمة. وسوفَ أقرأهُ مَرَّةً أخرى. وما يَقولُهُ مُوسَى هُنا: "حسنًا أيُّها الشَّعبُ. سوفَ تَدخُلونَ إلى الأرض. سوفَ تَدخُلونَ إلى الأرض. وأريدُ مِنكم أن تَتذكَّروا هذا الشَّيءَ الواحِد: ’أَحِبُّوا الرَّبَّ إلَهَكُم مِن كُلِّ قَلبِكُم ونَفسِكُم وفِكرِكُم وقُدرَتِكُم‘".
وما أقولُهُ لَكُم، يا أحبَّائي، هُوَ أنَّ المَوقِفَ القَلبيَّ هُوَ الشَّيءُ الَّذي يَسعَى إليهِ اللهُ دَائمًا. اسمَعوني: إنَّ اللهَ لا يُريدُ مِنهُم أن يَحفَظوا مَجموعةً مِنَ القوانينِ الخَارجيَّة، بل إنَّهُ يُريدُ مِنهُم أن يُحِبُّوهُ مِنَ الدَّاخِل. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقولُ إنَّ المسألةَ ليست مُتوقِّفةً على أنَّكُم لم تَقتُلوا، وليست مُتوقِّفةً على أنَّكُم لم تَزْنُوا؛ بل إنَّ المَسألةَ تَتوقَّفُ على مَوقِفِكُم القَلبيّ. أَتَرَوْن؟
وقد كانت هذهِ هي دَائمًا النُّقطةُ الرَّئيسيَّة. فهذا الأمرُ لا يَقتَصِرُ فقط على العهد الجديد. انظروا إلى سِفْرِ التَّثنيةِ 10: 12: "فَالآنَ يَا إِسْرَائِيلُ، مَاذَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلهُكَ؟" مَا الَّذي يَطلُبُهُ مِنكَ الرَّبُّ إلَهُكَ؟ قد تَقول: "أنْ نَلْتَزِمَ بِتَطبيقِ تلكَ الوَصايا العَشْر". إنَّهُ لا يَبتَدِئُ بِها، بل يَقولُ: "إِلاَّ أَنْ تَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَكَ لِتَسْلُكَ فِي كُلِّ طُرُقِهِ، وَتُحِبَّهُ، وَتَعْبُدَ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَتَحْفَظَ وَصَايَا الرَّبِّ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ لِخَيْرِكَ".
وهذا لا يَختَلِفُ عَمَّا تَقولُهُ الأناجيل، ولا يَختلِفُ عَمَّا يَقولُهُ بولُس؛ بل إنَّهُ مُوافِقٌ تَمامًا لما يَقولُهُ العهدُ الجديد. فينبغي لَكُم أن تُحِبُّوا الرَّبَّ وأن تَفعلُوا مَا يُوصيكُم بِهِ. لماذا؟ لأنَّ رسالةَ يوحنَّا الأولى تَقولُ إنَّهُ إنْ قُلتَ إنَّكَ تُحِبُّ اللهَ ولكِنَّكَ لا تَحفَظُ وَصاياهُ فإنَّكَ كَاذِبٌ. أليسَ كذلك؟ ولكنَّ المَحبَّةَ تَأتي أوَّلاً، ثُمَّ تَأتي الطَّاعَة. فهي عَلاقَة. وَهذا هُوَ ما يَتحدَّثُ يَسوعُ عنهُ في كُلِّ هذا المَقطَع.
وفي العَدد 19، يُضيفُ يَسوعُ بُعدًا آخرَ. فَهُوَ لا يَتحدَّثُ فقط عن ضَرورةِ أن نُحِبَّ اللهَ، بل إنَّهُ يَقولُ أيضًا: "فَأَحِبُّوا الْغَرِيبَ لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ". لِذا فإنَّ هَذِهِ هِيَ خُلاصَةُ الأمرِ كُلِّه: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ.... وتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ".
"الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي [في العَدد 20]. إِيَّاهُ تَعْبُدُ، وَبِهِ تَلْتَصِقُ". وأنا أُحِبُّ هذهِ الآية. ونَقرأُ في الأصحاحِ الحَادي عَشَر والعَددِ الأوَّل... استَمِعوا إلى الكَلِماتِ التَّالية: "فَأَحْبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ وَاحْفَظْ حُقُوقَهُ وَفَرَائِضَهُ وَأَحْكَامَهُ وَوَصَايَاهُ كُلَّ الأَيَّامِ". أَتَرَوْن؟ إنَّها المَحَبَّة. إنَّهُ يَسعَى إلى المَحَبَّة. والمِفتاحُ مَوجودٌ في الأصحاحِ العَاشِرِ والعَدد 16: "فَاخْتِنُوا غُرْلَةَ [ماذا؟] قُلُوبِكُمْ"... قُلوبِكُم. فهذا هُوَ مَا يُريدُهُ الرَّبُّ. فَهُوَ يَسعَى دَائِمًا إلى العَلاقَةِ القَلبيَّةِ، ويَسعَى دَائِمًا إلى المَوقِفِ القَلبِيِّ. فَهُوَ لا يَرْضَى البَتَّة بالأشياءِ الخَارجيَّةِ، بل يُريدُ مَحَبَّةً مِنَ القَلب.
لِذا فإنَّ خُلاصَةَ كُلِّ شَيءٍ مَوجودةٌ في الأصحاحاتِ الأَحَدَ عَشَرَ الأولى مِن سِفْرِ التَّثنية. فَيُمكِنُكم أن تَجِدوا أنَّ خُلاصَةَ كُلِّ شَيءٍ في أوَّلِ أحدَ عَشَرَ أصحاحًا هِيَ التَّالية: أَحْبِبْ اللهَ، وأَحْبِبْ قَريبَكَ. فهذا هُوَ ما يَطلُبُهُ اللهُ مِنكُم. وهذا هُوَ تَمامًا مَا قَالَهُ يَسوعُ في العهدِ الجديد. وَهذا هُوَ ما تَقولُهُ الرَّسائِل: أَحْبِبُوا الرَّبَّ. أَحِبُّوهَ مَحَبَّةً تَدفَعُكُم إلى إِطَاعَتِه. أَحِبُوا بَعضُكُم بَعضًا. أَحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا. إنَّها نَفسُ الرِّسالةِ دُونَ أيِّ تَغيير.
ثُمَّ نَقرأُ في سِفْرِ التَّثنية والأصحاحات 12-26، في ذلكَ المَقطعِ الكَبيرِ... وَلا حَاجَةَ إلى أن تَفتَحوا عَليه... بَلِ اسمَعوا وَحَسْب. في سِفْرِ التَّثنية والأصحاحات 12-26، يُفَسِّرُ مُوسَى ويُطَبِّقُ هَذَيْنِ المَبدأيْنِ الرَّئيسيَّيْن. ثُمَّ إنَّهُ يَأخُذُ مَبدأَ مَحبَّةِ اللهِ وَمَبدأَ مَحبَّةِ قَريبِكَ ويُطَبِّقْهُما على كُلِّ مَوقِفٍ يَومِيٍّ، وعلى كُلِّ شَأنٍ مِن شُؤونِ الحَياةِ، وعلى كُلِّ شَيءٍ يَجري في الحَياة. وَهُوَ يَفعلُ ذلكَ إلى نِهايةِ الأصحاح 26.
وأخيرًا، عندما يَصِلُ إلى الأصحاح 26، يُقَرِّرُ أنَّهُ بعدَ أن قَالَ كُلَّ مَا قَالَهُ، وبعدَ أن قَالَ إنَّ المِفتاحَ هُوَ أن تُحِبَّ الرَّبَّ وتُحِبَّ قَريبَكَ، وبعدَ أن أعطاهُم الوَصايا الَّتي تَجعلُ ذلكَ يَسْري على كُلِّ مَوقِفٍ حَياتِيٍّ، وبعدَ أن أعطاهُم الوَصايا الَّتي تُبَيِّنُ كَيفيَّةَ تَطبيقِ كُلِّ شَيءٍ مِن هذهِ الأشياءِ في الحَياةِ، بعدَ أن فَعلَ ذلكَ قَرَّرَ أنْ يَقومَ بِخِدمةِ تَكريسٍ عَظيمة.
لِذا فقد جَمَعَ مُوسَى كُلَّ الشَّعبِ في الأصحاحِ السَّادسِ والعِشرينَ فاعترَفوا بِخَطاياهُم، وكَرَّسُوا حَياتَهُم، وأعادُوا تَأكيدَ مَحَبَّتِهم للهِ، وجَدَّدُوا تَكريسَهُم القَلبيَّ للرَّبِّ. فقد كانَ الأصحاحُ السَّادِسُ والعِشرونَ وَقتًا مُناسِبًا لِتَكريسِ قُلوبِهم للرَّبِّ، وَوَقتًا مُناسِبًا لِتَسبيحِهِ تَسبيحًا عَظيمًا، وَوَقتًا مُناسِبًا للعِبادَةِ، وَوَقْتًا مُناسِبًا للتَّعَهُّدِ بأنَّهُم سيَعبُدونَ اللهَ مِن قُلوبِهم.
لِذا، سَوفَ يَكونونَ مُطيعين. ونَجِدُ المِفتاحَ في العَدد 26: 16: "هذَا الْيَوْمَ قَدْ أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ أَنْ تَعْمَلَ بِهذِهِ الْفَرَائِضِ وَالأَحْكَامِ، فَاحْفَظْ وَاعْمَلْ بِهَا مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ". أَتَرَوْن؟ فَهُوَ يَنُظُرُ إلى القَلب. وهَذهِ هِيَ خُلاصَةُ الأمرِ كُلِّه.
حسنًا! لِنَنتقِل إلى الأصحاحِ السَّابعِ والعِشرين. هَل تَعلَمونَ مَاذا حَدَث؟ لقد قالَ لَهُم مُوسَى: "انظُروا! عندما تَدخُلونَ الأرضَ، سوفَ يَعبُرُ بِكُم يَشوعُ إلى الأرض. فأنا لن أتمَّكَنَ مِنَ القِيامِ بذلك". فقد أخطَأَ مُوسَى، وَلَم يَكُن بِمَقدورِهِ أن يَفعلَ ذلك. لِذا فإنَّهُ يَقول: "سوفَ يَعبُرُ بِكُم يَشوعُ إلى الأرضِ. وعندما تَدخُلونَ الأرضَ، أريدُ مِنكُم أن تَفعلوا هذا الأمرَ أوَّلاً. عندما تَدخُلونَ الأرضَ، اجتَمِعُوا مَعًا مَرَّةً أخرى وَجَدِّدُوا هذا التَّكريسَ نَفسَهُ بأنَّكُم سَتُحِبُّونَ الرَّبَّ، وبأنَّكُم سَتُحِبُّونَ بَعضُكُم بَعضًا. جَدِّدوهُ عندما تَدخُلونَ الأرضَ".
ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاحِ الثَّامِنِ والعِشرينَ لَهُم: "والآن، هُناكَ خِيارانِ أمامَكُم... خِياران. إمَّا أنْ تَختارُوا البَرَكَةَ، وإمَّا أنْ تَختارُوا اللَّعنَة. انظروا إلى ذلكَ إذْ نَقرأُ في العَدد 28: 3: "مُبارَكًا"، وفي العَددِ الرَّابع: "مُبارَكَةً"، وفي العَددِ الخَامِسِ: "مُبارَكَةً"، وفي العَددِ السَّادِس: "مُبارَكًا". ثُمَّ انظُروا إلى العَدد 16: "مَلعُونًا"، وفي العَدد 17: "مَلعُونَةً"، وفي العَدد 18: "مَلعُونَةً"، وفي العَدد 19: "مَلعُونًا". فَهُوَ يُقَدِّمُ لَهُم خِيارَيْن.
وَما يَقولُهُ هُوَ التَّالي: إذا دَخَلتُم الأرضَ واختَرتُم أن تُحِبُّوا الرَّبَّ إلَهَكُم مِن كُلِّ قَلبِكُم، وإذا دَخَلتُم الأرضَ واختَرتُم أن تُحِبُّوا قَريبَكُم، ستَكونونَ حِينئذٍ مَاذا؟ مُبَارَكين. أمَّا إذا دَخلتُمُ الأرضَ واختَرتُم أَلاَّ تُحِبُّوا الرَّبَّ إلَهَكُم، واختَرتُم أَلاَّ تُحِبُّوا قَريبَكُم، ستَكونونَ حِينئذٍ مَاذا؟ مَلعُونين. لِذا فإنَّهُ يُقَدِّمُ لَهُم هَذينِ الخِيارَيْن: طَريقَ البَرَكَةِ، وطَريقَ اللَّعنَة. وهذا يَستَمِرُّ حَتَّى نِهايةِ الأصحاحِ الثَّامِنِ والعِشرين.
ثُمَّ إنَّهُ يَطلُبُ مِنهُم في الأصحاحِ التَّاسِعِ والعشرينَ أن يُقَرِّرُوا. فَهُوَ يَطلُبُ مِنهُم أن يُقَرِّروا، وأن يُكَرِّسُوا أنفسَهُم، وأن يَختاروا ما سَيَفعلون. وهذا يَستَمِرُّ مِن بدايةِ الأصحاح 29 إلى نِهايةِ الأصحاح 30. لِنَقرأ ابتداءً مِنَ الأصحاح 30 والعَدد 11:
"إِنَّ هذِهِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ لَيْسَتْ عَسِرَةً عَلَيْكَ وَلاَ بَعِيدَةً مِنْكَ. لَيْسَتْ هِيَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى تَقُولَ: مَنْ يَصْعَدُ لأَجْلِنَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَأْخُذُهَا لَنَا وَيُسْمِعُنَا إِيَّاهَا لِنَعْمَلَ بِهَا؟ وَلاَ هِيَ فِي عَبْرِ الْبَحْرِ حَتَّى تَقُولَ: مَنْ يَعْبُرُ لأَجْلِنَا الْبَحْرَ وَيَأْخُذُهَا لَنَا وَيُسْمِعُنَا إِيَّاهَا لِنَعْمَلَ بِهَا؟ بَلِ الْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدًّا، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ لِتَعْمَلَ بِهَا".
بِعبارةٍ أخرى، يَجِبُ عليكُم أن تَختاروا في ضَوْءِ المَعلوماتِ المُتوفِّرةِ لَديكُم. فأنتُم تَمْلِكونَ كُلَّ المَعلوماتِ اللازِّمَةِ لاتِّخاذِ قَرار. يُمكِنُكم أن تَختاروا البَرَكَةَ، ويُمكنُكم أن تَختاروا اللَّعنة. يُمكِنُكم أن تَختاروا أن تُحِبُّوا اللهَ بِكُلِّ قَلبِكُم وأن تُحِبُّوا قَريبَكُم كَنَفسِكُم؛ أو يُمكِنُكم أن تَختاروا عَدَمَ القِيامِ بذلك.
ولكِن لا تَتذمَّروا قَائِلينَ إنَّهُ لم تَتوفَّر لَديكُم المَعلوماتُ الكَافِيَة. وَلا تَقولوا لي إنَّ المَعلوماتِ لم تَكُن مُتاحَةً لَكُم. هَا هِيَ: فَهُوَ يَقولُ "اُنْظُرْ" [في العَدد 15]. "قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ". فَقَدْ أعطيتُكُم القُدرةَ على الاختيار. لِذا، عندما تَدخُلونَ الأرضَ، اختاروا. "بِمَا أَنِّي أَوْصَيْتُكَ الْيَوْمَ [في العَدد 16] أَنْ تُحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْلُكَ فِي طُرُقِهِ وَتَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ وَأَحْكَامَهُ لِكَيْ تَحْيَا وَتَنْمُوَ، وَيُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا. فَإِنِ انْصَرَفَ قَلْبُكَ وَلَمْ تَسْمَعْ، بَلْ غَوَيْتَ وَسَجَدْتَ لآلِهَةٍ أُخْرَى وَعَبَدْتَهَا، فَإِنِّي أُنْبِئُكُمُ الْيَوْمَ أَنَّكُمْ لاَ مَحَالَةَ تَهْلِكُونَ. لاَ تُطِيلُ الأَيَّامَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ عَابِرٌ الأُرْدُنَّ لِكَيْ تَدْخُلَهَا وَتَمْتَلِكَهَا".
وَهُوَ يَقول: "أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ". لِتَشْهَدِ السَّماءُ على ذلك. "قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ". وَما هُوَ الخِيارُ؟ "إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ وَتَلْتَصِقُ بِهِ، لأَنَّهُ هُوَ حَيَاتُكَ وَالَّذِي يُطِيلُ أَيَّامَكَ لِكَيْ تَسْكُنَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفَ الرَّبُّ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ إِيَّاهَا".
هَذِهِ هِيَ خُلاصَةُ كُلِّ العهدِ القديم: أَحِبُّوا اللهَ. وهذا هُوَ الخِيار. فاللهُ يُريدُ دَائمًا عَلاقَةً قَلبيَّة. اسمَعوني يا أحبَّائي: إنَّ الشَّخصَ الَّذي كانَ يَعيشُ في زَمنِ العهدِ القديمِ ويَحفَظُ الوَصايا العَشْرَ آلِيًّا لم يَكُن يُطَبِّقُ خُطَّةَ الله. فالوَصَايا العَشْرُ أُعطِيَتْ فقط لتَنظيمِ عَلاقةٍ قائمةٍ على المَحبَّة. أمَّا إن لم تَكُن تلكَ العَلاقةُ قَائِمَةً فإنَّ التَّنظيمَ لا يَعني أيَّ شَيء. هذا هُوَ المَعنى المَقصود. والأصحاحاتُ الأخيرةُ مِن سِفْرِ التَّثنية (أيِ الأصحاحاتُ مِن 31 إلى 34) تَتحدَّثُ عنِ انتقالِ القِيادَةِ مِن مُوسَى إلى يَشوع.
والآن، بعدَ أن قُلنا هَذا كُلَّهُ، وأرجو أن تَكونوا قَد رَكَّزتُم مَعي في هذا لأنَّهُ مُهِمٌّ حَقًّا، اسمَحوا لي أن أقولَ مَا يَلي. فهذهِ هِيَ خُلاصَةُ النَّاموس. وإن لم تَفهَموا هذهِ النُّقطةَ سَتُضَيِّعونَ القَصدَ مِمَّا قُلناهُ خِلالَ الدَّقائقِ الخَمسَ عَشرةَ الأخيرة. لِذا، إنْ فَقَدتُم تَركيزَكُم، رَكِّزُوا مَعي مَرَّةً أخرى. حسنًا؟
إنَّ النَّقطةَ الجَوهريَّةَ مِمَّا نَتَعَلَّمُهُ هِي التَّالية: أنَّ الشَّيءَ الرَّئيسيَّ الَّذي يُرَكِّزُ اللهُ عَليهِ هُوَ القَلب. أَتَرَوْن؟ فَهُوَ لا يُرَكِّزُ على الأشياءِ الخَارجيَّة. فَهُوَ لم يَفعل ذلكَ مَعَ مُوسَى ولا يَفعلُ ذلكَ مَعَنا. ولكِنَّ الفَرِّيسيِّينَ كانوا رَاضينَ بالأشياءِ الخارجيَّةِ فقط. لِذا فقد أَسَاؤُوا فَهْمَ قَصدِه. لِذا فقد قالَ يَسوعُ: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ". فَأنتُم مُنشَغِلونَ جدًّا بالأشياءِ الخارجيَّةِ. وأمَّا الرَّبُّ فَمُهْتَمٌّ بالدَّاخِل. فَعَلاقَةُ المَحبَّةِ هي الشَّيءُ الَّذي يُريدُهُ الله. والنَّاموسُ يُنَظِّمُ تلكَ العَلاقَة وَحَسْب على غِرارِ مَعاييرِ العهدِ الجديدِ الَّتي تُنَظِّمُ عَلاقَةَ العهدِ الجَديدِ مَعَ الرَّبّ.
لِذا، عندما تَأتونَ إلى العهدِ الجديدِ في إنجيلِ مَتَّى، وتَصِلونَ (كَما قُلتُ) إلى الأصحاح ِالثاني والعِشرينَ مِن إنجيلِ مَتَّى، تَسمَعونَ رَبَّنا يُعيدُ الشَّيءَ نَفسَهُ المَذكورَ في سِفْرِ التَّثنية. فَهُوَ يَقولُ مَا يَلي. "أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوس؟ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى". وَهَذا هُوَ ما تَقولُهُ الآية تَثنية 6: 5. "وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". وَهَذِهِ أيضًا نَجِدُها في كُلِّ سِفْرِ التَّثنية؛ ولكِنْ تَحديدًا في الأصحاحِ العَاشِر. وَهُوَ يَقولُ: "بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ".
وَمَا يَقولُهُ هُناكَ (في إنجيل مَتَّى والأصحاح 22) هُوَ التَّالي: أنا لا أُبالي بِما تَفعلونَهُ، وَلا أُبالي بِأدائِكُم لأنَّكُم إنْ لم تَكونوا تُحِبُّونَ اللهَ وَقَريبَكُم فإنَّكُم قد أَسَأتُمْ فَهْمَ الأمرِ كُلِّه. لقد أَسَأتُمْ فَهْمَ الأمرِ كُلِّه.
لِذا فقد قالَ يَسوعُ للشَّابِّ الغَنِيِّ: "مِنَ الرَّائعِ أنَّكَ حَفِظْتَ كُلَّ الوَصَايا مُنذُ حَداثَتِكَ، ولكِنْ هل تَعْلَمُ مَا الشَّيءُ الَّذي لم تَفعلُه؟" والحقيقةُ هي أنَّهُ قالَ لَهُ: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ". لماذا؟ لأنَّكَ لم تُظْهِر مَوقِفًا قَلبيًّا سَليمًا لأنَّكَ لم تُحِبّ مَن؟ قَريبَك. أَتَرَوْن؟ وهذا يُؤكِّدُ حَقيقةَ أنَّهُ في حينِ أنَّهُ كانَ هُناكَ سُلوكٌ خَارِجيٌّ، لم يَكُن هُناكَ شَيءٍ في الدَّاخِل. فَهُوَ مُجَرَّدُ رِياء. لِذا، هذا هُوَ مِعيارُ اللهِ الدَّاخليِّ الَّذي لا يَستطيعُ أحدٌ أن يَبلُغَهُ.
واسمَحوا لي أن أُخبِرَكُم كيفَ يَتِمُّ الأمر. والآن، رَكِّزُوا مَعي كي تَفهَموا العهدَ القديمَ فَهْمًا أفضَل. في العهدِ القديمِ، كَما تَعلمونَ، وَضَعَ اللهُ هذا المِعيارَ: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ... وَتُحِبُّ قَريبَكَ كَنَفسِك". وكانَ النَّاسُ في العهدِ القديمِ يَقولونَ: "هَذا هُوَ مِعيارُ الله. مَا هَذا! لا يُمكِنُنا أن نَبْلُغَ ذلكَ المِعيار". وهذا هُوَ تَمامًا ما أرادَ مِنهُم أن يَقولوه.
وقد تَقول: "ولكِن إنْ لم يَكُن بمقدورِكَ أن تَبلُغَ المِعيارَ، مَا الَّذي سيَحدُث؟" ستَكونُ مُذنِبًا، وَسَتَشعُرُ بالتَّبكيت، وسَتَشعُرُ بأنَّكَ خَاطِئ. وهل تَعلَمونَ شَيئًا؟ لَم يَترُكهمُ اللهُ يُعانونَ بسببِ تَأنيبِ الضَّمير، وَلَم يَترُكهمُ اللهُ يُعانونَ بسببِ خَطيَّتِهم، وَلَم يَتركُهم اللهُ مُحْبَطينَ بسببِ شُعورِهم بالذَّنب؛ بل إنَّهُ أعطاهُم لا فقطِ المِعيارَ، بل أعطاهُم نِظامًا للتَّعامُلِ مَعَ عَجزِهِم عن بُلوغِ ذلكَ المِعيار.
وَما هُوَ ذلكَ النِّظام؟ إنَّهُ نِظامُ الذَّبائِح. فقد أُعطِيَ نِظامُ الذَّبائِحِ مِنْ قِبَلِ اللهِ لكي يُوَفِّرَ للإنسانِ طَريقةً للتَّعامُلِ مَعَ عَجزِهِ. فعندما كانَ الرَّجُلُ يَقولُ، أو عندما كانتِ المرأةُ تَقولُ: "لا يُمكِنُني أن أحفَظَ نَاموسَ اللهِ، وأنا غَارِقٌ في خَطايايَ"، كانَ اللهُ يَقولُ: "إذًا اعتَرِف بِخَطاياكَ لي، وَبَرْهِنْ على صِدْقِ اعتِرافِكَ ذاكَ مِن خِلالِ تَقديمِ ذَبيحَة". ولم يَكُن نِظامُ الذَّبائِحِ هُوَ الَّذي يُصالِحُ البَشَرَ مَعَ اللهِ، بل كانَ يُشيرُ وَحَسْب إلى أنَّ اللهَ هُوَ الوَحيدُ القادِرُ على جَعْلِهِم يَتَصالَحونَ مَعَهُ. فقد كانَ يُشيرُ إلى حَاجَتِهم إلى ذَبيحة. وقد كانَ يُشيرُ إلى عَجزِهِم.
لِذا، هذا هُوَ ما كَانَ يَحدُثُ في العهدِ القديم. فقد أعطَى اللهُ مِعيارًا. والمِعيارُ هُوَ عَلاقَةُ المَحبَّة. ولم يَتمكَّن البَشَرُ مِنَ الوَفاءِ بكُلِّ ما يَطلُبُهُ ذلكَ المِعيار. لِذا فقد كَانُوا يَشعُرونَ بالذَّنبِ والتَّبكيتِ بسببِ الخطيَّة. ومِن أجلِ مُعالَجَةِ ذلك، وَفَّرَ اللهُ نِظامَ الذَّبائِح. وقد كانَ نِظامُ الذَّبائِحِ في ذاتِهِ عَقيمًا. فنِظامُ الذَّبائِحِ لم يَكُن قادِرًا على إعطاءِ الإنسانِ سَلامًا دَائِمًا. ولم يَكُن نِظامُ الذَّبائِحِ قَادِرًا على إراحَةِ ضَميرِ الإنسانِ مِنَ الشُّعورِ بالذَّنب.
وبسببِ عُقْمِ ذلكَ النِّظامِ، كانَ يُشيرُ إلى حَقيقةِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ يَومٍ مَا، أو مَكانٍ مَا، أو طَريقةٍ مَا لتقديمِ ذَبيحةٍ كَاملةٍ ونِهائيَّةٍ ومُطلَقَةٍ تُعالِجُ مَرَّةً وإلى الأبد مُعضلةَ الخَطيَّةِ هَذِه. أَلاَ تَرَوْن؟ فالأمرُ كُلُّهُ كانَ يُشيرُ إلى مَن؟ إلى يَسوعَ المَسيح. لِذا فإنَّ إنجيلَ مُوسَى كَانَ هُوَ إنجيلُ المَسيح. فَمُوسَى قَدَّمَ مِعْيارَ عَلاقَةِ المَحبَّةِ الَّذي لم يَتمكَّنِ الإنسانُ، بسببِ قَلبِهِ الشرِّيرِ، مِن بُلوغِه.
وبسببِ التَّبكيتِ الَّذي شَعَرَ بهِ الإنسانُ نَتيجةَ عَجزِهِ عن بُلوغِ ذلكَ المِعيار، كانَ يَنبغي لَهُ أن يُقَدِّمَ الذَّبائِحَ للتَّكفيرِ عن ذَنبِهِ الَّذي يُعَذِّبُ قَلبَهُ. ولكِنَّ تَقديمَ الذَّبائِحِ كانَ شَيئًا عَقيمًا لأنَّهُ لا يَنتَهي، ولأنَّهُ لا يُحَقِّقُ أيَّ شَيءٍ في الحَقيقة. لِذا فقد كانَ كُلُّ شَيءٍ يُشيرُ إلى أنَّهُ في يَومٍ مَا سيأتي الذَّبيحُ النِّهائيُّ الَّذي سَيُذبَح. لِذا فقد كانَ الأمرُ بِرُمَّتِهِ يُشيرُ مُنذُ البِدايَةِ إلى يَسوعَ المَسيح.
فَيَسوعُ المَسيحُ لم يَأتِ مُتأخِّرًا عن مَعاييرِ بَني إسرائيل، بل إنَّ يَسوعَ المَسيحَ هُوَ تَحقيقُ كُلِّ شَيءٍ عَلَّمَهُ مُوسَى يَومًا. فالتَّسلسُلُ كُلُّهُ يُشيرُ وَحَسْب إلى وُجودِ مُخَلِّصٍ لأنَّهُ الوَحيُدُ الَّذي كانَ بِمَقدورِهِ أن يَتعامَلَ مَعَ الإنسانِ مِنَ الدَّاخِل. فالعَهدُ القَديمُ كُلُّهُ كانَ يَرْمِي إلى إظهارِ إحباطِ الإنسانِ، وإلى إظهارِ شُعورِهِ باليَأس، وإلى التَّأكيدِ لَهُ بأنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يُخَلِّصَ نَفسَهُ بِنَفسِهِ بِغَضِّ النَّظرِ عَن أفعالِهِ؛ أيْ بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا قد يَفعلُهُ في الخَارِج. فَإنْ لم تَكُنِ العَلاقةُ القَلبيَّةُ سَليمةً فإنَّهُ ليسَ على ما يُرام.
ولكِنْ في الوقتِ الَّذي جَاءَ فيهِ يَسوعُ، كانوا قد خَفَّضُوا المِعيارَ وَأَهمَلُوا كُلَّ الأشياءِ المُختصَّةِ بالعَلاقَةِ القَلبيَّة. ويَكفي أنْ نَقرأَ السُّؤالَ الَّذي طُرِحَ عليهِ وَهُوَ: "أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟" حَتَّى نَعلمَ المُستوى المُنْحَطَّ الَّذي انحَدَروا إليه. أليسَ كذلك؟ فقد نَسَوْا مَا هي تلكَ الوَصيَّة. "اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ...". فقد كَانوا يَعرفونَ هذهِ الآيَةَ مُنذُ قُرون؛ ولكِنَّهُم أَهْمَلوهَا باختيارِهم. فقد أَهْمَلُوا الجُزءَ الَّذي لم يَتَمَكَّنُوا مِنْ حِفْظِهِ ورَكَّزوا فقط على المَظاهِرِ الخَارجيَّة.
والآن، قد تَقول: "جون! وما دَورُ الوَصايا العَشْر؟" الجَوابُ سَهلٌ. فالوَصايا العَشْرُ هي مُجَرَّدُ وَسيلةٍ لِتَنظيمِ المَحبَّة. هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. أجل. هل تَعلمونَ أنَّ الوَصايا العَشْر هي تَعريفٌ للمَحبَّةِ وَحَسْب؟ قَد تَقول: "لا، هذا غيرُ مَعقول! لقد سَمِعتُ أنَّ الوَصايا العَشْرَ هي شَريعَة: لا تفعل كَذا، لا تَفعل كَذا. إنَّها مُجَرَّدُ شَريعَة". لا، إنَّها مَحبَّة. فهي مُجرَّدُ طَريقة لِتَنظيمِ المَحبَّة. هَل تُريدونَ أن أُثبِتَ لَكُم ذلك؟ مِنَ السِّهلِ جدًّا القيامُ بذلك.
أوَّلاً، اسمَعوا ما يَلي: لقد جَاءَ الفِداءُ قَبْلَ إعطاءِ الوَصايا العَشر. فقد تَمَّ إنقاذُ الشَّعبِ أوَّلاً مِن مِصْر. فقد تَمَّ فِداؤُهم. وقد عُيِّنُوا بِصِفَتِهم شَعبَ الله. فقد أعلَنَ مَحبَّتَهُ لَهُم. وقد أعَلَنَ مَشاعِرَهُ مِن نَحوِهم. فقد جاءَ تَأسيسُ العَلاقَةِ أوَّلاً، ثُمَّ جاءَتِ الشَّريعةُ الأدبيَّة. فقد تَمَّ تَأسيسُ العَلاقةِ أوَّلاً، ثُمَّ تَمَّ وَضْعُ المَبادئِ السُّلوكيَّة.
ولكِن لا تَنْسَوْا هذهِ النُّقطةَ البَتَّة: أنَّ الفِداءَ سَبَقَ الشَّريعةَ لأنَّ اللهَ يَهتمُّ دائمًا بالعَلاقَة. فالعَلاقَةُ سَبَقَتِ النَّاموسَ أوِ الوَصايا العَشر. والآن، افهَموا ما يَلي: أنَّ النَّاموسَ لم يُؤسِّس العَهدَ، بَل إنَّ المَحبَّةَ هي الَّتي أَسَّسَتِ العَهدَ. وأمَّا النَّاموسُ فَعَمِلَ تَحديدًا على تَنظيمِ السُّلوكِ في إطارِ ذلكَ العَهد.
فبالنِّسبةِ إلى بَني إسرائيلَ الَّذينَ سَمِعوا اللهَ يَتحدَّثُ مِن عَلى جَبَلِ سِيْناء، والَّذينَ سَمِعوا الرَّعدَ، والَّذينَ رَأَوْا ذلكَ الإصبَعَ النَّارِيَّ يُنْقُشُ النَّاموسَ، كانت هُناكَ أصلاً عَلاقَة. فالفِداءُ كانَ قد تَمَّ أصلاً عندما تَمَّ إنقاذُهم مِن مِصْر. فقد كانُوا يَتمتَّعونَ بعَلاقةٍ بالرَّبِّ. وكانَ لَديهم أساسٌ عَقلانِيٌّ للإيمانِ والمَحبَّة. وكانَ النَّاموسُ هُوَ مُجَرَّدُ تَنظيمٍ لمَبادئِ المَحبَّة. لِذا فإنَّ الوَصايا العَشرَ لم تَكُن سِوى لائِحَةٍ تُوَضِّحُ كيفَ تُحِبُّ اللهَ وكيفَ تُحِبُّ قَريبَك.
هَل تَعلمونَ أنَّ الوَصايا الأربعَ الأولى تَختصُّ باللهِ، وأنَّ الوَصايا السِّتَّ الَّتي تَليها تَختصُّ بِقَريبِك؟ فالوَصايا الأربعُ الأولى تُخبِرُكَ كيفَ تُحِبُّ اللهَ، والوَصايا السِّتُّ الَّتي تَليها تُخبِرُكَ كيفَ تُحِبُّ قَريبَك. لِنَنظُر إلى تلكَ الوَصايا في سِفْر الخُروج والأصحاح 20. سِفر الخُروج والأصحاح 20. سَوفَ أَقرأُ هذهِ الوَصايا بِسُرعة لأنِّي أُريدُ أن أَختِمَ بِسُرعة.
ففي سِفْرِ الخُروج والأصحاح 20، لاحِظوا ما يَلي وَرَكِّزا مَعي: نَجِدُ لائِحَةً بالوَصايا العَشْر. وأريدُ مِنكُم أن تَرَوْا كيفَ أنَّ هذهِ الوَصايا هي مُجرَّدُ تَعبيرٍ عنِ المَحبَّة. فهي صِفاتُ المَحبَّة. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الثَّالثِ الوَصيَّةَ الأولى: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي". هَل تَعلَمونَ مَعنى ذلك؟ المَحبَّةُ مُخْلِصَةٌ. هذا هُوَ مَعناها. المَحبَّةُ مُخْلِصَةٌ.
فإن قُلتُ لِزوجَتي: "عَزيزَتي، أنا أُحِبُّكِ"، ثُمَّ قُلتُ لَها: "هُناكَ ثَلاثُ أو أربعُ نِساءٍ أُخرَياتٍ أُحِبُّهُنَّ أيضًا" فإنَّها لن تُبالي بِذلكَ النَّوعِ مِنَ المَحبَّة. فالمَحبَّةُ مُخلِصَة. وهذا هُوَ كُلُّ ما يَقولُهُ الرَّبُّ هُنا. فالمَحبَّةُ مُخلِصَةٌ لَهُ. فَلا يَجوزُ أنْ يَكُونَ لَكَ آلِهَةٌ أُخرى أمَامَهُ". وَلا يَجوزُ أن تَقول: "لا شَكَّ في أنِّي شَخصٌ بَائِس لأنِّي أعبُدُ إلَهًا وَاحِدًا في حينِ أنَّ جَميعَ النَّاسِ في العَالَمِ يَعبُدونَ آلِهَةٌ كَثيرة". لا، لا.
وَهُناكَ أشخاصٌ يَعبُدونَ إلهًا واحِدًا لأنَّهُم يَشعُرونَ أنَّهُم على حَقٍّ في القِيامِ بذلك. وهُناكَ أشخاصٌ آخرونَ يَعبُدونَ إلهًا واحِدًا لأنَّهُم يُحِبُّونَهُ جدًّا ولأنَّهُم أوفياء. فأنا لا أعبُدُ الرَّبَّ فقط لأنِّي أُحاوِلُ أن أُكْمِلَ وَاجِبًا دِينيًّا، بل أنا أعبدُ إلهًا وَاحِدًا لأنَّهُ الإلَهُ الوَحيدُ الَّذي أُحِبُّهُ. أليسَ كذلك؟ فالمَحبَّةُ مُخلِصَة.
ثَانِيًا: المَحبَّةُ أَمينَة. فنحنُ نَقرأُ في العَددِ الرَّابِعِ عَن نِطاقِ هذا الوَلاء: "لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ، وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ".
هَل تَرَوْنَ ذلكَ هُناك؟ إنَّها مَرَّةٌ أخرى: المَحبَّة. بعبارةٍ أخرى، النُّقطةُ الجَوهريَّةُ هي أنَّ المَحبَّةَ أَمينَة. فالمَحبَّةُ لَنْ تَصْنَعَ تِمثالاً مَنحوتًا لأيِّ إلَه. والمَحبَّةُ لن تَنْحَتَ صُورةً لِشَيءٍ هُوَ ليسَ إلَهًا في الأصل. بل إنَّ المَحبَّةَ تَتَّسِمُ بالوَلاء. وَهذا الوَلاءُ يَستمرُّ في المُستقبلِ إلى مَا لا نِهايَة ويَصيرُ أَمانَةً تُجاهَ الله. لِذا، إنْ أَحْبَبْنا الرَّبَّ إلَهَنا مِن كُلِّ قَلبِنا ونَفسِنا وفِكرِنا وقُوَّتِنا، سَنُحِبُّهُ هُوَ فقط. وإنْ أَحْبَبْنا الرَّبَّ إلهَنا، سَنُحِبُّهُ بأمانَة.
ثَالثًا: الوَصيَّةُ الَّتي تَليها تَقولُ إنَّ المَحبَّةَ تَتَّسِمُ بالوَقار إذْ نَقرأُ في العَددِ السَّابع: "لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً". اسمَعوني: إنْ كُنتَ تُحِبُّ الرَّبَّ، هَل يُعقَلُ أن تَنطِقَ باسمِهِ باطِلاً؟ إن كُنتَ تُحِبُّ الرَّبَّ إلَهَكَ مِن كُلِّ قَلبِكَ ونَفسِكَ وفِكرِكِ وقُوَّتِكَ، هَل يُعقَلُ أن تُجَدِّفَ على اسمِهِ؟ لا. لِذا، كَما تَرَوْنَ فإنَّ المَحبَّةَ مُخلِصَةٌ، وَوَلاءُ المَحبَّةِ يَمتدُّ إلى الأمانَة. والمَحبَّةُ تَتَّسِمُ بالوَقار. هذا هُوَ كُلُّ ما يَقولُهُ.
ثُمَّ إنَّ الوَصيَّةَ الرَّابعةَ تَختصُّ باللهِ أيضًا إذْ نَقرأُ في الأعدادِ مِن 8 إلى 11: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ".
هَل تَعلمونَ مَعنى ذلك؟ أنَّ المَحبَّةَ مُخَصَّصَة أو مُفْرَزَة. هَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ إنْ كُنتُ أُحِبُّ شَخصًا مَا تَمامًا، سَأُخَصِّصُ نَفسي لَهُ فقط. أليسَ كذلك؟ فإن قُلتُ إنِّي أُحِبُّ الرَّبَّ إلَهي مِن كُلِّ قَلبي ونَفسي وفِكري وقُوَّتي ولكنِّي سآخذُ اليَومَ الوَحيدَ الَّذي يُفتَرَضُ بِي أن أُخَصِّصَهُ لِعِبادَتِهِ لكي أفعَلَ شَيئًا آخرَ، فإنَّ ذلكَ لا يُعَبِّرُ كَثيرًا عن مَحبَّتي. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ كُلَّ مَا يَقولُهُ هُنا (وَهذا أمرٌ بَسيطٌ جدًّا يا أحبَّائي) هُوَ أنَّ المَحبَّةَ مُخلِصَةٌ، وأنَّ المَحبَّةَ أَمينةٌ، وأنَّ المَحبَّةَ تَتَّسِمُ بالوَقار، وأنَّ المَحبَّةَ تَدْفَعُنا إلى تَكريسِ أنفُسِنا. فالمَحبَّةُ تَجعلُنا نَفْرِزُ أنفسَنَا تَمامًا لله.
وكما تَعرِفونَ أيُّها الرِّجالُ، عندما تُحِبُّ فَتاةً فإنَّكَ تَذهبُ إليها ذَاتَ يَومٍ وتَقول: "أنا أريدُ أن تَكوني زَوجَتي". فَما الَّذي تَقصِدُهُ بذلك؟ أنتَ تَقصِدُ: "أنا أُحِبُّكِ كثيرًا جدًّا وأريدُ أن أُخَصِّصَ نَفسي لَكِ. هَذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فأنا لستُ مُهتَمًّا بأيَّةِ امرأةٍ أخرى. وأنا لستُ مُهتمًّا بأيَّةِ عَلاقَةٍ أخرى، بل إنَّكِ مَوْضِعُ كُلَّ اهتِمامي". هذهِ هي المَحبَّة. لِذا، كَما تَرَوْنَ، هذهِ ليست شَريعَة نَاموسيَّة تَهتمُّ فقط بالأمورِ الخَارجيَّة، بل إنَّها طَريقَةٌ وَحَسْب لتَعريفِ المَحبَّةِ تُجاهَ الله.
والآن، تُرَكِّزُ الوَصايا السِّتُّ الأخيرةُ على مَحَبَّتِكَ لِقَريبِك. هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 12 على سَبيلِ المِثالِ أنَّ المَحبَّةَ تَتَّسِمُ بالاحترام: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ". فإنْ كُنتَ تُحِبُّ قَريبَكَ، قَريبُكَ الأوَّل، مَنْ هُوَ أوَّلُ قَريبٍ تَتلامَسُ مَعَهُ في حَياتِك؟ إنَّهُما الأبُ والأُمّ. أليسَ كذلك؟ فأنتَ تَأتي إلى العَالَمِ وتَجِدُ أنَّ أوَّلَ أقرباءٍ لَكَ هُما أبوكَ وأُمُّك. والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ ببساطَةٍ: "أَحْبِبْهُما". والكلمةُ "أَحْبِبْهُما" تَعني: "احْتَرِمْهُما وَأَكْرِمْهُما". هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فالمَحبَّةُ تَتَّسِمُ بالاحترام. فالمَحبَّةُ ليست جَامِحَةً، وليسَت فَوضويَّةً، بل إنَّها تَتَّسِمُ دَائِمًا بالاحترامِ قبلَ كُلِّ شَيءٍ لأوَّلِ فِئَةٍ مِنَ الأقرباء وَهِيَ: العَائِلَة.
كذلكَ فإنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ على أنَّ المَحبَّةَ تَتَّسِمُ بالاحترامِ، بل إنَّها إنسانيَّة إذْ نَقرأُ في العَدد 13: "لا تَقتُل". اسمَعوني: إذا كُنتَ تُحِبُّ شخصًا، هَل سَتَقتُلُهُ؟ لا. فإنْ كُنتَ تُحِبُّ شَخصًا لن تَقتُلهُ. وإن كُنتَ تُحِبُّ قَريبَكَ لن تَقتُلهُ. لِذا فإنَّ بُولسَ يَقول: "الْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوس". فإن كُنتَ تُحِبُّ الرَّبَّ إلهَكَ ستَكونُ مُخلِصًا. وإن كُنتَ تُحِبُّ الرَّبَّ إلهَكَ ستَكونُ أمينًا. وإن كُنتَ تُحِبُّ الرَّبَّ إلهَكَ سَتُظهِرُ التَّوقيرَ اللاَّزِم. وإن كُنتَ تُحِبُّ الرَّبَّ إلهَكَ ستَكونُ مُكَرَّسًا لَهُ. وإن كُنتَ تُحِبُّ الآخرينَ ستَحترِمُهم. وإن كُنتَ تُحِبُّ الآخرينَ سَتُعامِلُهم مُعامَلةً إنسانيَّةً ولن تُزْهِقَ حَياتَهُم.
ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "لا تَزْنِ". اسمَعوني: إن كُنتَ تُحِبُّ شخصًا مَا مَحبَّةً حَقيقيَّةً، لن تَفعلَ ذلك لأنَّ المَحبَّةَ طَاهرةٌ. هَذا هُوَ مَا يَقولُه. فَهِيَ تَتَّسِمُ بالاحترام. وَهِيَ إنسانِيَّة. وَهِيَ طَاهِرَة. فالمَحبَّةُ لا تُدَنِّس. فإن كُنتَ تُحِبُّ شَخصًا مَا - وأنا أرى ذلكَ كَثيرًا إذْ إنَّ شَابًّا يَقولُ لِفَتاةٍ: "أنا أُحِبُّكِ"، ثُمَّ إنَّهُ يُحاولُ أن يُمارِسَ الجِنسَ مَعَها قبلَ أن تَصيرَ زَوجَةً لَهُ. ولكِنَّ هَذِهِ لَيسَت مَحبَّة.
فالمَحبَّةُ تَسعَى إلى الطَّهارَة. لا تَقُل لزوجتِكَ إنَّكَ تُحِبُّها ثُمَّ تَذهبُ وتَنامُ مَعَ امرأةٍ أخرى. فإن فَعلتَ ذلكَ فإنَّكَ لا تُحِبُّ زَوجتكَ، بل تَكذِب. والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هي أنَّ المَحبَّةَ طَاهِرَة. فهي لا تُدَنِّس، بل هي تَسْمو بالعَلاقَةِ وتُحافِظُ على طُهْرِها.
كَذلكَ فإنَّهُ يَقولُ إنَّ المَحبَّةَ ليست أنانِيَّةً إذْ نَقرأُ في العَدد 15: "لا تَسْرِق". ما مَعنى ذلك؟ هذا يَعني أنَّكَ إن كُنتَ تُحِبُّ شَخصًا مَا هَل سَتَأخُذَ الأشياءَ الَّتي لَهُ؟ لا، لن تَأخُذَ الأشياءَ الَّتي لَهُ. فأنتَ لن تَسرِقَ مِن أيِّ شَخصٍ إنْ كُنتَ تُحِبُّهُ. فالمَحبَّةُ ليست أنانِيَّة.
كذلكَ فَإنَّ المَحبَّةَ صَادِقَةٌ إذْ نَقرأُ في العَدد 16: "لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ". فَهَل سَتَشهَدُ شَهادَةَ زُورٍ على الآخرينَ إن كُنتَ تُحِبُّهم؟ وَهل سَتُرَوِّجُ الإشاعاتِ عَنهُم؟ وهل ستَقولُ أمورًا غير صَحيحة في المَحكمة عَنهُم؟ وَهل سَتَبذُلُ كُلَّ جُهدٍ مُمكنٍ لِقولِ الأكاذيبِ إن كُنتَ تُحِبُّ الآخرينَ؟ قَطعًا لا.
وأخيرًا، المَحبَّةُ للآخرينَ لا تَتَّسِمُ فقط بأنَّها مُحتَرَمَة، وإنسانيَّة، وطَاهِرَة، وغير أنانيَّة، وصَادِقَة، بل إنَّها أيضًا قَنوعَة. فعندما تُحِبُّ الآخرينَ حَقًّا فإنَّكَ تَكونُ قَنوعًا. لِذا فإنَّكَ لن تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ، وَلاَ امْرَأَتَهُ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لَهُ. لِماذا؟ لأنَّكَ تُحِبُّهُ وتَفرَحُ بِأنَّ اللهَ بَارَكَهُ بِكُلِّ تِلكَ الأشياء.
هَل تَرَوْنَ القَصدَ مِنَ الوَصايا العَشر؟ إنَّها تَهْدِفُ وَحَسْب إلى تَنظيمِ المَحبَّة. هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فَقد أَنشأَ اللهُ عَلاقَةً بِبَني إسرائيلَ، وَأخرَجَهُم مِن مَصْرَ أوَّلاً. فقد كانتِ العَلاقَةُ قَائمةً. وقد كانَ النَّاموسُ طَريقةً وَحَسْب لِتَوضيحِ كيفيَّةِ عَملِ المَحبَّة. وهي مَحبَّةٌ ثُنائيَّة. فَهِيَ مَحبَّةُ تُجاهَ اللهِ، وَمَحبَّةٌ تُجاهَ قَريبِك. وهذهِ هِيَ خُلاصَةُ العهدِ القديمِ في سِفْرِ التَّثنية. فهذا هُوَ إنجيلُ مُوسَى. وَهُوَ لا يَختلِفُ عَمَّا قَالَهُ يَسوعُ، ولا يَختَلِفُ عَمَّا تُعَلِّمُهُ رَسائِلُ العهدِ الجديد.
هَل تَرَوْنَ النُّقطةَ الجَوهريَّة؟ إنَّ النَّاموسَ كُلَّهُ يَتَمَحوَرُ حَولَ مَحَبَّتِكَ للهِ ومَحَبَّتِكَ لقَريبِك. وهذهِ المَحَبَّةُ تُعَبِّرُ عن ذَاتِها تُجاهَ اللهِ مِن خِلالِ كَونِها مُخلِصَةً، ومُوَقِّرَةً، وَمُكَرَّسَةً. وَهِيُ تُعَبِّرُ عن ذَاتِها تُجاهَ قَريبِكَ مِن خِلالِ احترامِ السُّلطةِ الَّتي وَضَعَها اللهُ، واحترامِ الحَياةِ الَّتي خَلَقَها على صُورَتِهِ، ومِن خِلالِ الطَّهارَةِ، وعَدَمِ الأنانيَّةِ، والصِّدقِ، والقَناعَة.
وَاسمَحوا لي، يا أحبَّائي، أن أقولَ لَكُم شَيئًا: كُلُّ سِمَةٍ مِن هذهِ السِّماتِ هي مَوقِفٌ قَلبِيٌّ. أليسَ كذلك؟ كُلُّ سِمَةٍ مِنها. فالوَصيَّةُ "لا تَقتُل"، وَالوَصيَّةُ "لا تَزْنِ" هُما وَصِيَّتانِ أعمقُ وأشمَلُ جدًّا مِمَّا كانَ الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّونَ يَنظرونَ إليهِما. أَتَرَوْن؟ فَقد كانتا ببساطَةٍ جُمْلَتَيْنِ تُنَظِّمانِ المَوقِفَ القَلبيَّ.
والشَّيءُ المُحزِنُ الَّذي حَدَثَ في إسرائيلَ هُوَ أنَّ بَني إسرائيلَ ابتدأوا في التَّركيزِ فقط على الأشياءِ الخَارجيَّةِ، وعلى الطُّقوسِ، وعلى مُمارسةِ الأعمالِ الدِّينيَّةِ، وعلى الأشياءِ الخَارجيَّةِ حَتَّى إنَّ الأخلاقَ صَارت مُرتبطةً بما تَفعلُهُ عِوَضًا عن أن تَكونَ مُرتبطة بعَلاقَةِ المَحبَّة. وبهذا فقد أَساؤُوا فَهْمَ الأمرِ بِرُمَّتِه.
والآن، إن كُنتُم تَفهمونَ مَا قُلتُهُ للتَّوّ في الدَّقائقِ الثَّلاثين أوِ الأربَعين أوِ الخَمسين الأخيرة (لأنِّي لم أشعُر بمُرورِ الوقت)، إن كُنُتم تَفهَمونَ ذلكَ سَتَفهمونَ خَلفيَّةَ العِظَةِ على الجَبل. أَتَرَوْن؟ فسوفَ تَفهمونَ ما يَقولُهُ يَسوع. لِذا، عندما يَقولُ في إنجيل مَتَّى 5: 21: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" فإنَّهُم تَوَقَّفوا هُناكَ وَقَالوا: "إنْ لم تَقتُل ستَكونُ على مَا يُرام". "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ". لماذا؟ لأنَّكَ لا تُحِبُّ أَخاكَ. وَهذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي يَنظُرُ إليهِ الله.
وفي العَدد 27: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ". لِماذا؟ لأنَّ مَوقِفَكَ تُجاهَ أخيكَ مَغلوطٌ. فأنتَ لستَ طَاهِرًا، بل إنَّكَ تَشْتَهي شَيئًا ليسَ لَكَ.
هذهِ هي الخَلفيَّةُ كَامِلَةً. لِذا فإنَّ رَبَّنا يَقودُهُم إلى نُقطةٍ عَميقةٍ تَختصُ بالقَلبِ ويَقول: "هذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي أَنظُرُ إليه". فقد عَمِلَ تَقليدُهم على طَمْسِ الرِّسالةِ الحَقيقيَّةِ وَتَشويهِها. وقد أرادَ المَسيحُ أن يُعيدَ تَأكيدَها. وعندما يُعْطي النَّاموسَ هُنا للكَتبةِ والفَرِّيسيِّينَ، ماذا سيَكونُ رَدُّ فِعلِهم؟ سوفَ يَقولونَ الشَّيءَ نَفسَهُ الَّذي كانَ يَقولُهُ اليهودُ في القَديم: "لا يُمكِنُنا أن نَحفَظَ ذلكَ النَّاموس. إنَّها مَهَمَّةٌ مُستحيلة. لا يُمكِنُنا القيامُ بذلك. نَحنُ لَسنا أبرارًا إلى هذا الحَدّ. لا يُمكِنُنا أن نُحِبَّ كذلكَ طَوالَ الوقت. نحنُ بحاجةٍ إلى المُساعَدة. نحنُ لا نَستطيعُ أن نَحفَظَ مِعيارَكَ يا رَبّ". وهذا هُوَ تَمامًا ما يُريدُ مِنهُم أن يَقولوه.
فَفي العهدِ القديمِ عندما لم يَتمكَّنوا مِنْ حِفْظِ النَّاموسِ كانوا يَلتَجِئونَ مُباشَرةً إلى نِظامِ الذَّبائح. أليسَ كذلك؟ وفي النِّهاية، اكْتَمَلَ نِظامُ الذَّبائِحِ بيسوعَ المَسيحِ الَّذي ذُبِحَ بِصِفَتِهِ حَمَلَ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيَّةَ العَالَمِ، والَّذي قَالَ عَنهُ كَاتِبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين إنَّهُ: "بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِين".
وَقَد قَالَ عَنهُ كاتِبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين إنَّهُ فَعَلَ مَا لا تَستطيعُ دِماءُ الثِّيرانِ والتُّيوسِ أن تَفعلَهُ إذْ إنَّهُ رَفَعَ الخَطيَّة. لِذا، يا أحبَّائي، بعدَ أن مَاتَ يَسوعُ على الصَّليبِ ودَفَعَ أُجرةَ الخَطيَّةِ النِّهائيَّةِ، جَلَبَ يَسوعُ الدَّينونَةَ على مَدينةِ أورُشليم. فقد جَاءَ الجُنودُ الرُّومانُ في غُضونِ نَحوِ ثَلاثينَ سَنةٍ إلى مَدينةِ أورُشليم وَدَمَّروا المَدينةَ تَمامًا. وقد دَمَّروا الهيكلَ الَّذي كانَ حِجابُهُ قد شُقَّ إلى نِصْفَيْنِ في الأصلِ لأنَّ نِظامَ الذَّبائِحِ كانَ قدِ انتَهي بِمَوتِ يَسوع.
ولكِن في سَنة 70 مِيلاديَّة، جَاءَ الرُّومانُ إلى المَدينةِ ودَمَّروا الهَيكلَ، وهَدَموا مَدينةَ أورُشَليم. ومنذُ ذلكَ الوقتِ إلى هذهِ السَّاعَةِ في سَنةِ 1979، لم يَعُد هُناكَ نِظامُ ذَبائِحٍ في إسرائيلَ مُنذُ ذلكَ الحِين. لِماذا؟ لأنَّهُ انتَهى لأنَّ الشَّخصَ الَّذي كانت تَرْمِزُ إليهِ قد جَاء. فقد جَاءَ في شَخصِ يَسوعَ المَسيح. وقد كانتِ ذَبيحةُ يَسوعَ المَسيحِ الأخيرة هي الَّتي رَفَعَتِ الخَطيَّةَ الَّتي لم يَكُن كُلُّ نِظامِ الذَّبائحِ قادِرًا على رَفْعِها، بل رَمَزَتْ إليها فقط.
وَقَد تَقولُ: "إذًا كيفَ كَانَ ذلكَ الشَّخصُ الَّذي يَعيشُ في العهدِ القديمِ يَخلُص؟" لأنَّ فَاعِليَّةَ مَوتِ المَسيحِ في الوقتِ الَّذي مَاتَ فيهِ كانَتْ تَسري عَلينا في المُستقبَل، وتَسري عَليهِم في المَاضي. فَإن كانوا يُؤمِنونَ باللهِ عندما كَانوا أحياء، وإن كانوا يَتطلَّعونَ إلى حَقيقةِ أنَّ اللهَ سَيَرفَعُ خَطاياهُم بِقُدرَتِهِ، وإن كَانُوا يَعلَمونَ أنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَفعلوا ذلكَ بأنفسِهم، وإنْ كَانُوا يُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ سَيُقَدِّمُ ذَبيحةً عَنهُم؛ فإنَّهُ سَيَجعلُ ذَبيحَةَ المَسيحِ تَسري عَليهم مَعَ أنَّهُ لم يَكُن قَد قَدَّمَها بَعد.
وَمَاذا عَنَّا نَحنُ؟ مِن جَانِبِنا نَحنُ، على الرَّغمِ مِن أنَّ المَسيحَ مَاتَ قبلَ ألفَيِّ سَنَة فإنَّ ذَبيحَتَهُ تَسري عَلينا اليومَ إنْ آمَنَّا بِهِ وقَبِلناهُ. لِذا فإنَّ يَسوعَ يُريدُ أن يَقودَنا إلى نُقطةِ الإحباطِ والعَجزِ لكي يُحَافِظَ على سُمُوِّ نَاموسِ اللهِ حَتَّى نَطلُبَ الرَّحمةَ مِن يَسوعَ المَسيحَ لأنَّهُ الوَحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يَمْنَحَنا بِرًّا لا يُمكِنُنا أن نَحصُلَ عليهِ بأنفسِنا.
وفي رسالة كورنثوس الثَّانية 5: 21، يُلَخِّصُ بولسُ ذلكَ في الكَلِماتِ التَّالية: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً..." – وَمَنْ يَكونُ هَذا؟ المَسيح. "...خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ". بِعبارةٍ أخرى، نَحنُ لا نَستطيعُ أن نَكونَ أبرارًا لأنَّنا خُطاة. ولكِنَّهُ صَارَ خَطِيَّةً لكي يُبَرِّرَنا. فقد حَمَلَ خَطايانا لكي يَجعلَنا أبرارًا.
لِذا، يا أحبَّائي، أريدُ أن أقولَ لَكُم ما يَلي: إنَّ كَلماتِ هذا العَهدِ الَّتي شَكَّلَتِ العَلاقةَ في العهدِ القديمِ لم تَكُن نَاموسِيَّةً. فالوَصايا العَشرُ لم تَكُن نَاموسيَّةً، بل إنَّها وَضَعَتْ مِعيارًا يُنَظِّمُ عَلاقةَ المَحبَّةِ بينَكَ وبينَ اللهِ وبَينَكَ وبينَ قَريبِكَ. ولكِنْ كانَ يَنبغي لهذهِ العَلاقةِ أن تُوجَدَ أوَّلاً؛ وإلاَّ فإنَّ كُلَّ حِفْظِ النَّاموسِ لا يَعني أيَّ شَيءٍ البَتَّة.
وَهَل تَعرِفونَ شَيئًا؟ هُناكَ أشخاصٌ اليومَ في مُجتمعِنا يَعيشونَ بِمُوجَبِ أخلاقيَّاتِ العهدِ الجديد. هل تَعلَمونَ ذلك؟ فهُناكَ آباءٌ صَالِحونُ، وأُمَّهاتٍ صَالِحاتٍ، وأشخاصٌ لُطَفاء، وجِيرانٌ طَيِّبونَ يَتبرَّعونَ للجَمعيَّاتِ الخَيريَّةِ، ويَذهبونَ إلى الكَنيسةِ، ولا يَقتُلونَ النَّاسَ، ولا يَزْنونَ، وَيَحفَظونَ النَّاموسَ الخَارِجيَّ. وَبَعضٌ مِن هَؤلاءِ يُدْعَوْنَ "المُورمون" (Mormon). وَهُناكَ أشخاصٌ غَيرُهم. ولكِن هل تَعلمونَ شَيئًا؟ إنَّهُم لا يَتمتَّعونَ بِعلاقَةٍ بالرَّبِّ. لِذا فإنَّ النَّاموسَ لا يَعني أيَّ شَيءٍ لأنَّهُ ليسَ تَطبيقًا للمحبَّة.
فَالموقفُ الدَّاخليُّ هُوَ الشَّيءُ الَّذي يُبالي بِهِ اللهُ دَائمًا سَواءَ كُنتَ تَعيشُ في العهدِ القديمِ أَمْ في العهدِ الجديد. لِذا فقد قالَ يَسوعُ: "مَا جِئْتُ لأنقُضَ الأنبياءَ. وَما جِئْتُ لأنقُضَ مُوسَى. وَما جِئتُ لِتَغييرِ أيِّ شَيء؛ بل جِئتُ لكي أُعيدَ الأمورَ إلى مَكانِها الصَّحيح. وَما لَم تَرْتَقُوا إلى ذلكَ المُستوى الَّذي هُوَ أعلى مِنْ مُستوى الكَتبةِ والفَرِّيسيِّينَ، لن تَدخُلوا بأيِّ حَالٍ مِنَ الأحوالِ مَلكوتي".
ولا شَكَّ في أنَّنا نُدركُ أنَّنا لا نَستطيعُ ذلك. وَهذا يُرغِمُنا على اللُّجوءِ إلى المَسيح. لِذا فقد كانَ مُوسَى يَقودُ النَّاسَ إلى يَسوع كِما أنَّ المَسيحَ كَانَ يَقودُ النَّاسَ إلى الإيمانِ بِه. والحَقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في إنجيل لُوقَا 16: 15 عَنِ الفَرِّيسيِّينَ الَّذينَ كانوا يَستَهزِئونَ بِيسوعَ في قُلوبِهم، نَقرأُ أنَّهُ قَالَ لَهُم: "أَنْتُمُ..." - استَمِعوا إلى هذهِ الكلماتِ لأنَّها رَائعة: "أنتُم الَّذِينَ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ! وَلكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ". أليست هذهِ الكلماتُ رائعةً؟ ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "إِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ". فَهُوَ رِجْسٌ عِندَ اللهِ أن تَحفَظُوا النَّاموسَ الخَارجيَّ مِن دُونِ عَلاقَةٍ قَلبيَّة. فاللهُ يَعرِفُ قُلوبَكُم. فَلَمْ يَتَغَيَّر شَيءٌ في النَّاموسِ والأنبياء، بل إنَّ الأمرَ مَا زَالَ يَتوقَّفُ على القَلب.
لِذا فإنَّ رَبَّنا يُعيدُ [ببساطَةٍ] تَعريفَ المِعيارِ الأصليِّ. وبِقيامِهِ بذلكَ فإنَّهُ يُعيدُ تَعريفَ البِرِّ والخَطيَّةِ بألفاظٍ كِتابيَّةٍ سَليمَة. وهذا مُهِمٌّ جدًّا. فما يَفعلُهُ يَسوعُ في الحَقيقةِ هُوَ أنَّهُ يَعِظُ عَنِ الخَطيَّة. وفي الأسبوعِ القَادِمِ، سَنُتابِعُ دِراسَتَنا عن مَقْطَعِ الزِّنَى هَذا وأُريكُم لِماذا يُرَكِّزُ يَسوعُ على عَقيدةِ الخَطيَّة. وسوفَ أُقَدِّمُ لَكُم فِكرةً سَريعةً عن ذلك. فإن لم تَفهَموا الخَطيَّةَ، لن تَفهَموا يَومًا أيَّ شَيءٍ آخرَ في الكتابِ المقدَّس. فيسوعُ يَصرِفُ وَقتًا طَويلاً جدًّا في التَّحدُّثِ عَن مُشكلةِ الخطيَّة.
اسمَعوني: عندما ضَعُفَت ذَاكِرَةُ "جون نيوتن" (John Newton) وصَارَ رَجُلاً مُسِنًّا، لم يَتمكَّن رَجُلُ اللهِ القدِّيسِ ذاكَ مِنَ الاستمرارِ في الوَعظ. فقد كانَ يَنسَى أمورًا كثيرةً جدًّا حَتَّى إنَّهُ كانَ يَعجَزُ عن مُواصَلَةِ التَّحدُّثِ معَ الآخرين. ولكِنَّهُ قَالَ مَا يَلي. فقد قال: "يَبدو أنَّ هُناكَ شَيئَيْنِ فقط يُمكِنُني أن أتذكَّرهُما. الأوَّلُ هُوَ أنِّي خَاطِئٌ جدًّا، والثَّاني هُوَ أنَّ يَسوعَ المَسيحَ هُوَ مُخَلِّصٌ عَظيم". هذهِ هي النُّقطةُ الجَوهريَّة. وَهذا هُوَ ما أرادَ يَسوعُ مِنَ الفَرِّيسيِّينَ أن يَرَوْه. وهذا هُوَ ما يُريدُ مِنَّا أن نَراه. فقد كُنتَ إنسانًا خَاطِئًا جدًّا لا يَستطيعُ أن يُكَفِّرَ عن خَطاياه. وقد فَعَلُ هُوَ ذلكَ لأجلِك.
وقد قَرأتُ في هذا الأسبوعِ عن صَبِيٍّ عَضَّتْهُ حَيَّةٌ سَامَّة. وكانتِ الأُمُّ هُناكَ عندما عَضَّتْهُ الحَيَّة. وقد كانتِ الأُمُّ تُحِبُّ ابنَها حُبًّا جَمًّا. لِذا فقد وَضَعَتْ شَفَتَيْها على الجُرحِ وَقامَتْ بامتِصاصِ السُّمِّ. وقد نَجَحَتْ في القيامِ بذلكَ وَأَنقذَت حَياةَ ابنِها. ولكِنْ كانَ يُوجَدُ جُرْحٌ صَغيرٌ في شَفَتِها. لِذا فقد سَرَى السُّمُّ فيها وَماتَت.
وكذلكَ هي الحَالُ مَعَ يَسوعَ المَسيحِ الَّذي امْتَصَّ مِنَّا سُمَّ الحَيَّةِ [إنْ جَازَ التَّعبيرُ] فَماتَ بَدَلاً عَنَّا. فنحنُ خُطاةٌ جدًّا، ولكِنَّهُ مُخَلِّصٌ عَظيم. آمين؟ دَعونا نُصَلِّي:
نَشكُرُكَ يا أبانا مَرَّةً أخرى على الشَّرِكَةِ الَّتي تَمَتَّعنا بها في هذا المَساء، وعلى إعطائِنا هذهِ النَّظرة إلى كَلِمَتِكَ الثَّمينة. سَاعِدنا على أن نَعرفَ أنَّكَ تُريدُ عَلاقَةً، لا مَجموعَةً مِنَ القَوانين. وَهِيَ عَلاقَةٌ لا يُمكِنُنا أن نُحافِظَ عليها بقُدرتِنا؛ لِذ فإنَّنا نَلْتَجِئُ إلى يَسوعَ المَسيحِ كي يُسبِغَ علينا نِعْمَةً وَرَحْمَةً وغُفرانًا وبِرًّا لا يَستطيعُ أحدٌ سِواهُ أن يُسبِغَهُ.
نَشكُرُكَ على النِّعمةِ الَّتي هي أعظمُ مِن كُلِّ خَطايانا، وعلى المَحبَّةِ الَّتي هي أكبرُ مِنَّا وتَستطيعُ أن تُطَهِّرَنا وَتُنَقِّينا، والتَّي تَستطيعُ أن تَرى رَجاءً يَفوقُ شَرَّنا، وأنْ تَرى أنَّ هُناكَ فِداءً لَنا. ونَشكُرُكَ، يا رَبُّ، على العَلاقةِ الَّتي أَنشأتَها. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ أعطيتَنا مَعاييرَ تَضْبُطُ عَلاقَةَ المَحبَّةِ تِلك.
لَيتَنا نَسلُكُ في طُرُقِكَ، ونَحفَظُ وَصاياكَ، ونُطيعُ وَصاياكَ، ونُظْهِرُ للعَالَمِ أنَّنا نُحِبُّكَ، وأنَّنا نُحِبُّ أقرباءَنا أيضًا. ويا رَبُّ، إنْ كانَ يُوجَدُ أشخاصٌ في هذا المَكانِ في هذا المَساءِ لم يَأتُوا بعد إلى يَسوعَ المَسيح، أو إنْ كَانَ يُوجَدُ أشخاصٌ يَتَّكِلونَ على بِرِّهم الذَّاتِيِّ، ويَتَّكِلونَ على قُوَّتِهم الشَّخصيَّةِ، نُصَلِّي أن تُحَرِّرَهُم مِن ذلكَ الوَهْم، وأن تُرِيَهُم أنَّهُ على الرَّغمِ مِن يَأسِهِم فإنَّهُ باستِطاعَتِهم أن يَركُضُوا إلى يَسوعَ المَسيحِ لأنَّهُ الوَحيدُ الَّذي يَستطيعُ أن يَرفَعَ الخَطيَّةَ والذَّنبَ المُتَأصِّلَ عَميقًا في أعماقِهم وأنْ يُعالِجَ ذلك.
لِذا، يا أبانا، نَشكُرُكَ على ما سَتَفعَلُهُ وعلى مَا فَعَلتَهُ لأجلِنا نَحنُ المُؤمِنين. باسمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
