نَحنُ نَتأمَّلُ في دِراسَتِنا هَذِهِ في الأصحاحِ الخَامِسِ مِن إنجيلِ مَتَّى. وفي هَذا المَساء، أَوَدُّ أن أَجعَلَ هَذِهِ نُقطةَ بِدايةٍ أو نُقطةَ انطِلاقٍ لِما أَشعُرُ بِهِ في قَلبي وأَرغَبُ في قَولِهِ لَكُم.
إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخَامِس. وأُريدُ أن أقرأَ على مَسامِعِكُم الأعدادَ مِن 27 إلى 30. فَرَبُّنا يَقولُ ابتِداءً مِن إنجيل مَتَّى 5: 27: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ".
نَحنُ نَتأمَّلُ في هَذا المَقطَع. وفي هذا المَساء، سَتَكونُ هَذهِ في الحَقيقة العِظَة الثَّالثة المُختصَّة بهذا المَقطعِ العَامّ. وفي مَساءِ يَومِ الأحدِ القَادِم، سوفَ نَشترِكُ في مَائِدَةِ الرَّبِّ. وفي مَساءِ يَومِ الأحدِ الَّذي يَليهِ سَوفَ نَبتدئُ سِلسِلةً نَدرُسُ فيها العَدَدَيْنِ 31 و 32 عَنْ مَوضوعِ الطَّلاقِ والزَّواج. ولكِنْ في هذا المَساء، أريدُ أن أُشارِكَ مَعَكُم رِسالةً أخرى عن هذهِ الفِكرةِ تَحديدًا.
والآن، سَتُلاحِظونَ في هَذا المَقطعِ أنَّ رَبَّنا يَدينُ لا فقط فِعْلَ الزِّنَى، بل فِكرةَ الشَّرِّ كَما هِيَ الحَالُ في العَدَدَيْن 21 و 22 مِن نَفسِ هذا الأصحاحِ إذْ إنَّهُ يَدينُ لا القَتْلَ فقط، بل حَتَّى الكَراهِيَةَ والغَضبَ. وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ المَوقفِ الدَّاخِليِّ بِقَدرِ مَا يَتحدَّثُ عَنِ السُّلوكِ الخَارِجيِّ. والحَقيقةُ هي أنَّ مَا يَفعلُهُ رَبُّنا في كُلِّ هذا المَقطعِ مِنَ العِظَةِ على الجَبَلِ هُوَ أنَّهُ يُعطينا فِكرةً عن تَعريفِ الخطيَّة. فالخطيَّةُ هي ليست فقط ما نَفعلُهُ، بل إنَّها مَا نُفَكِّرُ فيهِ. فَهِيَ لا تَقتَصِرُ فقط على الفِعل، بل تَشْمَلُ المَوقفَ أيضًا.
والآن، يَتحدَّثُ رَبُّنا في هذا المَقطعِ إلى اليَهودِ في زَمانِهِ الَّذينَ كانُوا يَشعُرونَ أنَّهُم في ذَواتِهم أَبرار. فقد كانوا يَشعُرونَ أنَّهُم صَالِحونَ بِالقَدرِ الَّذي يُؤهِّلُهُم إلى الوُجودِ في مَلكوتِ اللهِ مِن دُونِ مُساعَدَةٍ مِنَ الله. وقد كانوا يَشعُرونَ أنَّهُم ليسوا بِحاجةٍ إلى المَسِيَّا، وأنَّهُم ليسوا بِحاجةٍ إلى مُخَلِّص، وأنَّهُم ليسوا بِحاجةٍ إلى شَخصٍ يَموتُ عَن خَطاياهُم لأنَّهُم كانوا يَشعُرونَ أنَّهُم كانوا قَادِرينَ على مُعالَجَتِها بأنفسِهم.
والسَّببُ في أنَّهُم كانُوا يَشعُرونَ أنَّهُم على مَا يُرام هُوَ أنَّهُم لم يَكونوا يَفهَمونَ حَقًّا المُشكلة. فقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم أبرار؛ ولكِنَّهم كانوا يَحسَبونَ أنفسَهُم كذلكَ بسببِ نَظرتِهم القَاصِرَةِ إلى الخطيَّة. فَلَو أنَّهُم عَرَفُوا عُمْقَ الخَطيَّةِ حَقًّا، ولَو أنَّهُم فَهِموا شَناعَةَ الخَطيَّةِ لَعَرَفوا أنَّهُ لا تُوجَدُ طَريقةٌ البَتَّة يُمكِنُهم مِن خِلالِها أن يُبَرِّروا أنفسَهُم بأنفسِهم.
لِذا فقد كانَ تَبريرُهُم لِذَواتِهِم يَنبُعُ في الحَقيقةِ مِن فَهمِهِم القَاصِرِ لعَقيدةِ الخطيَّة. لِذا، في العِظَةِ على الجَبَل، يُقَدِّمُ لنا الرَّبَّ يَسوعَ المَسيحَ نَظرةً شَامِلَةً للخطيَّةِ لكي نَفهمَ عُمْقَ مُشكلةِ الإنسانِ، ونُقْبِلُ بِدافِعِ يَأسِنا إلى عِلاجَ اللهِ الوَحيدِ المُتَمَثِّل في مَوتِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ وَقِيامَتِه.
وفي الآياتِ مِن 21-48 تَحديدًا مِنَ الأصحاحِ الخامِسِ مِن إنجيلِ مَتَّى، يَهْدِمُ يَسوعُ بِرَّهُم الذَّاتِيَّ. فَيسوعُ يُتيحُ لَهُم أن يَرَوْا الحَقَّ المُختصَّ بالخطيَّةِ لكي يَتوقَّفوا عَنِ تَصْديقِ أنَّهُم أبرار. فقد كَانُوا يَظُنُّونَ أنَّ البِرَّ خَارِجِيٌّ فقط، ولكِنَّهُ يُبَيِّنُ لَهُم أنَّهُ أعمقُ مِن ذلكَ بكثير. وفي أثناءِ دِراسَتِنا لِهذا النَّصِّ، دُهِشْتُ حَقًّا بالتَّركيزِ الهَائِلِ الَّذي يُوْلِيْهِ يَسوعُ لِبَشاعَةِ الخَطيَّةِ، وَعُمْقِها، وَعَرْضِها، واتِّساعِها. لِذا، قَرَّرتُ في هذا المَساءِ أنْ أُشارِكَ مَعَكُم قَدرَ استِطاعَتي نَظرةً عَامَّةً لكُلِّ مُشكلةِ خَطيَّةِ الإنسان.
والآن، كَما ذَكَرتُ في هذا الصَّباح، في عَدَدِ هَذا الأسبوعِ مِن مَجَلَّةِ "نيوزويك" (Newsweek)، قَالَ الرَّئيسُ "كَارتر" (President Carter) إنَّ أكبرَ مُشكلةٍ تُواجِهُ الإنسانَ اليومَ هِيَ محُادَثاتُ الحَدِّ مِنَ الأسلِحَةِ الاستراتيجيَّة (Strategic Arms Limitation Talks). ولكِنِّي أعتقدُ أنَّهُ على خَطَأ. فالمُشكلةُ الكُبرى الَّتي تُواجِهُ الإنسانَ اليَومَ لا صِلَةَ لَها بالأسلحة، ولا صِلَةَ لَها بالحَرب، ولا صِلَةَ لَها بالعَوامِلِ النَّوَويَّة؛ بَل إنَّ المُشكلةَ الكُبرى الَّتي تُواجِهُ الإنسانَ اليومَ هِيَ المُشكلةُ الكُبرى الَّتي تُواجِهُ الإنسانَ في كُلِّ تَاريخِه وَهِيَ: الخَطِيَّة. فهذهِ هي المُشكلة.
وفي النَّصِّ الَّذي أَمَامَنا، يُبَيِّنُ لَنا رَبُّنا العَديدَ مِنَ الجَوانبِ المُختصَّةِ بالخطيَّة. فأوَّلاً، في النَّصِّ الَّذي قَرأتُهُ للتَّوّ، نَرى عُمْقَ الخَطيَّة. فَهِيَ ليسَت فِعْلاً وَحَسْب، بل إنَّها مَوقِف. فَهِيَ أعمَقُ بِكَثير مِن مُجَرَّدِ الزِّنَى. فَهِيَ تَشْمَلُ حَتَّى النَّظَرَ إلى امرأةٍ لِتَشتَهيها. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يُرينا عُمْقَ الخطيَّة.
كذلكَ، أعتقدُ أنَّنا نَرى هُنا مَكْرَ الخطيَّة؛ أيْ أنَّها ليست بَسيطَةً كَما تَبدو في الظَّاهِر. فالخطيَّةُ تُريدُ أن تَجعلَنا نَظُنُّ أنَّنا إنْ رَاعَيْنا الأمورَ الخارجيَّةَ فإنَّنا على مَا يُرام. ولكِنَّ يَسوعَ يُرينا أنَّنا قَد نَبدو بِحالةٍ جَديرةٍ جدًّا بالاحترامِ مِنَ الخَارِج ونَكونُ فَاسِدينَ مِنَ الدَّاخِل.
ونحنُ نَرى لا فقط عُمْقَ الخَطيَّةِ ومَكْرَها، بل إنَّنا نَرى القُوَّةَ المُدَمِّرَةَ للخَطِيَّة. فَرَبُّنا يُرينا أنَّ الخطيَّةَ تَطرَحُ الإنسانَ في جَهَنَّم. وَهُوَ يَقولُ ذلكَ في نِهايةِ العَدد 29، وأيضًا في نِهايةِ العَدد 30. فَالخطيَّةُ مُدَمِّرَةٌ جدًّا حَتَّى إنَّها تَطرَحُ النَّاسَ في نِهايَةِ المَطافِ في جَهنَّمَ الأبديَّة.
هَذِهِ هِيَ القُوَّةُ المُدَمِّرَةُ للخطيَّة. فَهِيَ خَطيرةٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ مِنَ الأفضل لَنا أن نَبْتُرَ أعضاءً مِن جَسَدِنا إنْ كانَ هَذا يُساعِدُ في تَحْجيمِها. فَمِنَ الأفضلِ أن نُعامِلَ أنفسَنا بِقَسوةٍ شَديدةٍ وَحَزْمٍ شَديدٍ لِمَنعِ الخطيَّةِ بسببِ مَا يُمكِنُ للخطيَّةِ أن تَفعلَهُ.
لِذا فإنَّ رَبَّنا يُرينا عُمْقَ الخَطيَّةِ، وَمَكْرَها، وقُوَّتَها المُدَمِّرَة. وَالحَقيقةُ هي أنَّ هَذا جُزءٌ واحِدٌ فقط مِنَ الصُّورةِ الكَامِلةِ في هَذا المَقطعِ حيثُ يُبَيِّنُ رَبُّنا حَقًّا كَم أنَّ الإنسانَ خَاطِئٌ. وإنْ بَدَا أنِّي أتحدَّثُ كثيرًا عن هذا المَوضوعِ، يَنبغي أن تَعذُروني لأنِّي أَقْتَبِسُ كَلامَ المَسيحِ وَحَسْب.
وقد تَحَدَّثَ الدُّكتور "ج. ويلبر تشابمان" (Dr. J. Wilbur Chapman) عن خَادِمٍ مُمَيَّزٍ مِن أستراليا وَعَظَ بقوَّةٍ شَديدةٍ ذاتَ يَومٍ عن مَوضوعِ الخطيَّة. وبعدَ الخِدمة، جاءَ خَادِمٌ في الكَنيسةِ ليتحدَّثَ مَعَهُ في مَكتَبِه فقالَ لَهُ: "د. هُوارد، لا نُريدُ أن تَتحدَّثَ بهذا الوُضوحِ عن فَسادِ الإنسان لأنَّهُ إنْ سَمِعَ الشُّبَّانُ والفَتياتُ في كَنيستِنا أنَّكَ تَتحدَّثُ هَكذا عن هذا المَوضوعِ، قد يَظُنُّوا بِسُهولةٍ أنَّهُم خُطاة. سَمِّهَا ’غَلْطَة‘ أو شَيئًا مِن هَذا القَبيلِ مِن فَضلِك، ولكِنْ لا تَتحدَّث بهذا الوُضوحِ عَنِ الخَطِيَّة".
أَخْرَجَ الخَادِمُ زُجاجَةً صَغيرةً مِنَ الخِزانَةِ وَوَضَعَها أمامَ الضَّيفِ قَائِلاً: "هل تَرى هذا المُلصَق؟" قالَ الرَّجُل: "أجل". "لقد كُتِبَ عَليه: "ستريكناين" (stychnine)، وتَحتَ ذلكَ، يُمكِنُكَ أن تَقرأُ بالخَطِّ الأحمرِ الغَامِقِ الكلمة "سُمّ".
"هَل تَعلَمُ مَا الَّذي تَطلُبُ مِنِّي أن أفعلَهُ؟ أنتَ تَقتَرِحُ عَليَّ أن أُغَيِّرَ المُلصَق. افتَرِض أنِّي فَعَلتُ ذلكَ وَأَلْصَقْتُ فَوقَهُ مُلصَقًا آخرَ يَقول: ’خُلاصَة زَيت النَّعناع‘. هَل تَرى مَا قَد يَحدُث؟ فقد يَستخدِمُهُ شَخصٌ دُونَ أن يَدري الخَطَرَ المُحْدِقَ بِهِ ويَموت. وكذلكَ هي الحَالُ بالنِّسبةِ إلى الخطيَّة. فكُلَّما حَاولتَ أن تُلَطِّفَ مِنْ هَوْلِ الخَطيَّةَ، زَادَ خَطَرُ سُمِّها". لِذا، لا يُمكِنُنا أن نُلَطِّفَ مِن خَطرِ الخطيَّة، بل يَنبغي أن نَتحدَّثَ عن هذهِ المَسألة.
وَقَد قَالَ "يُوحنَّا فَمُ الذَّهَب" (Chrysostom)، وَهُوَ أَحَدُ آباءِ الكَنيسةِ الأولى: "لا أَخَافُ مِن أيِّ شَيءٍ سِوى الخَطيَّة". وأنا أَتَفَهَّمُ ذلكَ لأنِّي أشعُرُ بذلكَ أيضًا. فأنا لا أخافُ مِن أيِّ شَيءٍ في العَالَم، وَلا أَخافُ مِن أيِّ شَيءٍ في الكَنيسة، ولا أخافُ مِن أيَّ شَيءٍ بالمُطلَقِ سِوى الخَطيَّة. هذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. مِنَ الخَطيَّةِ فقط. فَالخطيَّةُ قادِرَةٌ على تَدميرِنا، وَسَلْبِنا قُوَّتِنا، وتَشويشِنا، وطَرْحِنا تَحتَ رَحْمَةِ الشَّيطان. وفي النِّهاية، الخَطيَّةُ تَدينُ الأشخاصَ الَّذينَ لم يَختَبِروا التَّجديدَ في جَهنَّمَ الأبديَّة.
ولا حَاجَةَ إلى أن تَكونَ نَابِغَةً لكي تَعلَمَ أنَّ أكبرَ مُشكلةٍ تُواجِهُ الإنسانَ هي ليسَت سِباقَ التَّسَلُّح، بل إنَّ أكبرَ مُشكلةٍ تُواجِهُ الإنسانَ، وأعظمَ بَلِيَّةٍ في حَياةِ البَشَرِ، وأعظمَ ظَاهِرَةٍ تَصُبُّ لَعْنَتَها عَلينا جَميعًا هي الخطيَّة. وَهِيَ تَجْتاحُ كُلَّ العَالَم. فَهِيَ بَلِيَّةٌ تُصيبُ الكَونَ كُلَّه. وبالمُناسَبَة، عندما تَزولُ الخَطيَّةُ، حِينئذٍ فقط يُمْكِنُ استِعادةُ الفِردَوْس مِن جَديد.
لِذا فإنَّنا نَجِدُ في نِهايةِ سِفْرِ الرُّؤيا، وحَتَّى في رِسالةِ بُطرسَ الثَّانيةِ والأصحاحِ الثَّالثِ أنَّ اللهَ سَيُطَهِّرُ الكَونَ كُلَّهُ مِنَ الشَّرِّ إنْ أرادَ أن يَستَرِدَّ الفِردوس. فَبِسَببِ الخطيَّةِ هُناكَ دُموع، وَبِسَببِ الخطيَّةِ هُناكَ أَلَم. وَبِسَببِ الخطيَّةِ هُناكَ حُروب. وَبِسَببِ الخطيَّةِ هُناكَ قِتال. وَبِسَببِ الخطيَّةِ هُناكَ هَلَعٌ. وَبِسَببِ الخطيَّةِ هُناكَ خِصامٌ، واضطرابٌ، وخَوفٌ، وقَلَقٌ، ومَرَضٌ، ومَوتٌ، ومَجاعاتٌ، وزَلازل، وأعشابٌ ضَارَّةٌ، وتَلَوُّثٌ، وكُلُّ شَيءٍ سَيِّءٍ آخَر.
وَالخطيَّةُ تَهْدِمُ كُلَّ عَلاقَةٍ مَوجودَةٍ في النِّطاقِ البَشريِّ. وبالمُناسَبَة، هُناكَ ثَلاثُ عَلاقاتٍ فقط: عَلاقةُ الإنسانِ باللهِ، وعَلاقةُ الإنسانِ بالطَّبيعةِ، وعَلاقةُ الإنسانِ بالإنسان. وكُلُّ هذهِ العَلاقاتِ هُدِمَتْ بسببِ الخطيَّة. فإن قَرأتُم الأصحاحَ الثَّالِثَ مِن سِفْرِ التَّكوين ستَقرأونَ عن دُخولِ الخَطيَّةِ وانهيارِ العَلاقةِ بينَ الإنسانِ والله، وبينَ الإنسانِ والطَّبيعةِ، وبينَ الإنسانِ والإنسان.
فَأوَّلاً، لقدِ انفَصَلَ الإنسانُ عَنِ الله. فقد مَاتَ رُوحِيًّا. ثَانيًا، لقد انفَصَلَ الإنسانُ عنِ الطَّبيعةِ لأنَّهُ صَارَ يَنبغي لَهُ أن يَتْعَبَ وَيَأكُلَ خُبْزَهُ بِعَرَقِ جَبينِه. وقد صَارَ يَنبغي لَهُ أن يُكافِحَ ضِدَّ أرضٍ حَلَّتْ عليها اللَّعنَة. وقدِ انفَصَلَ الإنسانُ عَنِ البَشَرِ الآخرينَ كما نَرى مِن خِلالِ اللَّعنةِ الَّتي حَلَّتْ على آدَمَ وحَوَّاء فَحَدَثَ خِلافٌ في عَلاقَتِهم الزَّوجيَّة.
وقد تَسَبَّبَتِ الخَطيَّةُ في حُدوثِ فَوْضَى كَونِيَّة. وَحَتَّى إنَّنا نَجِدُ صِراعًا بينَ المَلائكةِ القِدِّيسينَ والمَلائكةِ السَّاقِطينَ الَّذينَ يُعرَفونَ باسمِ الشَّياطين. فالخطيَّةُ تَكمُنُ للنَّاسِ لكي تَنْقَضَّ على كُلِّ طِفْلٍ يُولَد في العَالَم ابتداءً مِن لَحْظَةِ الحَبَلِ بِهِ. لِذا فإنَّ دَاودَ يَقول: "بالخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي". فالخطيَّةُ تَسودُ على كُلِّ قَلب. والخَطيَّةُ هِيَ السَّيِّدُ على الإنسان. والخَطيَّةُ هِيَ المَلِكُ على البَشريَّة. والخَطيَّةُ هِيَ الَّتي تَسودُ على النَّفس. ولا أَحَدَ يَنْجو مِنها.
فَكُلُّ مَن يَموتونَ في الوِلادة، وكُلُّ مِن يَموتونَ بسببِ أمراضِ القَلبِ أوِ السَّرطانِ أوِ الحَربِ أوِ القَتلِ أوِ الحَوادِثِ أوْ بسببِ تَقَدُّمِ العُمرِ أو أيِّ سَببٍ آخرَ إنَّما يَموتونَ ضَحايا للخطيَّة. "لأنَّ أُجْرَةَ الخَطِيَّةِ هِيَ [ماذا؟] مَوْت". فكُلُّ إنسانٍ على الأرضِ مُصابٌ بِفايروسِ الخَطيَّة. والشَّخصُ الوَحيدُ الَّذي جَاءَ إلى هذا العَالَمِ وَعاشَ فيهِ طَوالَ حَياتِهِ مِن دُونِ لَطْخَةِ الخطيَّةِ هُوَ يَسوعُ المَسيح. ولكِنَّ كُلَّ إنسانٍ آخرَ مُستعبَدٌ للخطيَّة. والخَطيَّةُ شَيءٌ مُدَمِّر.
فَالخطيَّةُ تُهاجِمُ كُلَّ شَخصٍ عندَ وِلادَتِهِ. وقبلَ أنْ تُنْهي عَمَلَها فإنَّها تُذِلُّهُ وَتُحَقِّرُهُ وتُهْلِكُهُ في جَهنَّمَ الأبديَّة. فكُلُّ زَواجٍ مُحَطَّم، وكُلُّ بَيتٍ مَهْدومٍ، وكُلُّ صَداقَةٍ مُحَطَّمَة، وكُلُّ مُجادَلَة، وكُلُّ خِلافٍ، وكُلُّ أَلَمٍ، وكُلُّ دَمعَةٍ يُمكِنُ أن تُنْسَبَ إلى الخطيَّة. والحقيقةُ هي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ عَنها في سِفْرِ يَشوع 7: 13 إنَّها شَيءٌ "حَرامٌ" (أو لَعِين).
وَهِيَ تُشَبَّهُ بِسُمِّ الحَيَّاتِ. وَهِيَ تُشَبَّهُ بِرائِحَةِ المَوتِ الكَريهَة. وأيُّ شَيءٍ يَتَّسِمُ بأنَّهُ خَبيثٌ وخَطيرٌ يَنبغي التَّخَلُّصُ مِنه. والخَطيَّةُ هي كذلك. لِذا، لا يُمكِنُنا أن نَتجاهَلَها، ولا يُمكِنُنا أنْ نَتغاضَى عَنها، ولا يُمكِنُنا أن نُغَيِّرَ المُلْصَقَ، بل يَجِبُ علينا أن نُواجِهَ الحَقيقة. وهَذا هُوَ تَمامًا ما يَقولُهُ يَسوع.
وقد كَتَبَ الدُّكتور "غَثري" (Dr. Guthrie): "مَنْ هِيَ العَجوزُ الشَّمطاءُ الَّتي تَحفُرُ للإنسانِ قَبْرَهُ؟ مَن هِيَ المَرأةُ الحَسناءُ الَّتي تَسْلُبُهُ فَضيلَتَهُ؟ مَن هِيَ القَاتِلَةُ الَّتي تُدَمِّرُ حَياتَهُ؟ مَنْ هِيَ السَّاحِرَةُ الَّتي تَخْدَعُهُ أوَّلاً ثُمَّ تَلعَنُ نَفسَهُ؟ إنَّها الخَطيَّة. وَمَنِ الَّذي يَنْفُثُ أَنفاسًا بَارِدَةً تُفْسِدُ نَضَارَةَ الشَّباب؟ وَمَنْ يَكسِرُ قُلوبَ الآباءِ والأُمَّهاتِ؟ وَمَنِ الَّذي يَقودُ المُسِنِّينَ الحَزانَى إلى القَبر؟ إنَّها الخَطيَّة.
"وَمَنِ الَّذي يَفوقُ الشَّاعِرَ ’أوفيد‘ في الحِيلةِ والدَّهاءِ حَتَّى إنَّهُ يَستطيعُ أن يَجعَلَ الأطفالَ الرَّقيقينَ حَيَّاتٍ، ويَجعلُ الأُمَّهاتِ الرَّقيقاتِ وُحوشًا، ويَجعلُ آباءَهُم أسوأَ مِن هيرودسَ الَّذي قَتَلَ بَراءَتَهُم؟ إنَّها الخَطيَّة. وَمَنِ الَّذي يُلقي بِذْرَةَ الشِّقاقِ في قُلوبِ أهلِ البيتِ الواحِد؟ وَمَنِ الَّذي يُشعِلُ فَتيلَ الحَربِ ويَجعلُها تَكتَسِح كُلَّ الأرض؟ وَمَنِ الَّذي يَصنَعُ الانقسامَ في الكنيسةِ ويُمَزِّقُ ثَوْبَ المَسيحِ الوَاحِد؟ إنَّها الخَطيَّة.
وَمَنْ هي دَليلة الَّتي تُغَنِّي للنَّذيرِ إلى أنْ يَنامَ ثُمَّ تُسَلِّمُ قُوَّةَ اللهِ لأيدي الأعداء؟ وَمَنِ الَّتي تَرسُمُ ابتسامَةً مُصطَنَعَةً على وَجهِا، وتَتكلَّمُ بِمَعسولِ الكَلامِ، وتَقِفُ في البَابِ مُرَحِّبَةً بِضُيوفِها أحلى تَرحيبٍ؛ ثُمَّ عِندما يَنامُ الشَّكُّ فإنَّها تَخونُنا وتَطْعَنُ أَصْداغَنا بِمِخْرَز؟ وَمَن هي الحُورِيَّةُ الحَسناءُ الَّتي تَجلِسُ على صَخرةٍ في بَحْرٍ مُميتٍ كَي تَخدَعَ البَحَّارةَ، وتُغَنِّي كَي تُغويهِم، وتُقَبِّلُهُم قُبُلاتٍ خَادِعَة، وَتَلُفُّ ذِراعَيْها حَولَ أعناقِنا لِتَقفِزَ وَتطرَحَنا في جَهَنَّم؟ إنَّها الخَطيَّة.
"وَمَنِ الَّذي يَجعل القلبَ الحَنونَ والرَّقيقَ حَجَرًا؟ وَمَنِ الَّذي يَجعلِ المَنطِقَ يَتَنازَلُ عن عَرشِهِ الرَّفيعِ، ويَجعلُ الخُطاةَ يَغضَبونَ ويَقفِزونَ كَما قَفَزَتِ خَنازيرُ كُورَةِ الجَدَرِيِّينَ مِن فَوقِ الجُرْفِ إلى بُحيرةِ النَّار؟ إنَّها الخَطيَّة". وهذا كُلُّهُ صَحيح. وحيثُ إنَّهُ صَحيحٌ، يَجبُ علينا أن نَفهمَ الخطيَّة.
وأَوَدُّ الآنَ أن أُجيبَ عن خَمسة أسئلة. السُّؤالُ الأوَّلُ: مَا هِيَ الخَطِيَّة؟ مَا هِيَ؟ فإن كانَ هُناكَ شَيءٌ خَطيرٌ إلى هَذا الحَدِّ فإنَّهُ يَحتاجُ إلى تَعريف. فيجب علينا أن نَفهمَ الخطيَّة لكي نَتجنَّبَها. والتَّعريفُ بَسيطٌ. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 4 - اسمَعُوا: "الْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي [على النَّاموس]". هذا هُوَ تَعريفُ الخطيَّة. "الْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي [على النَّاموس]". والنَّصُّ اليُونانيُّ يَقولُ حَرفِيًّا: "كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا" – "أنوميا" (anomia). فَالخَطيَّةُ تَعْصِي نَاموسَ اللهِ وتَتجاهَلُه.
والحَقيقةُ هي أنَّ التَّركيبَ اليُونانيَّ للآية 1يوحنا 3: 4 يَجعلُ الخَطيَّةَ والتَّعَدِّي شَيئًا واحِدًا. فيُمكِنُنا القولُ إنَّ الخطيَّة تَعني العَيشَ كما لو أنَّهُ لا يُوجَدُ إلَهٌ ولا يُوجَدُ نَاموس. فالخطيَّةُ هي الإثْمُ أوِ التَّعَدِّي. فَهِيَ تَعني عَدَمَ الالتزامِ بمَعاييرِ اللهِ. وَهِيَ تَعني أنْ تَعيشَ كَما تَشاءُ، وكَما يَحلُو لَكَ، وكَما تُريد.
والكِتابُ المُقدَّسُ يُقَدِّمُ تَعريفاتٍ أخرى للخطيَّة. فالآيةُ 1يوحنا 5: 17 تَقول: "كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ". ونَقرأُ في رِسَالة يَعقوب 4: 17: "فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ". لِذا فإنَّ الخطيَّةَ هي الإثْمُ. والخَطيَّةُ هي عَدَمُ القيامِ بالأشياءِ الحَسَنَةِ الَّتي تَعرِفُ أنَّهُ يَنبغي لكَ القيامُ بها.
وفي رِسَالة رُومية 14: 23، نَجِدُ تَعريفًا آخرَ للخطيَّة. فالرَّسولُ بولسُ يَقول: "كُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ". فعَدَمُ الإيمانِ خَطيَّة، والإثْمُ خَطِيَّة، وعَدَمُ القِيامِ بما يَنبغي القيامُ بِهِ خَطيَّة. ولكِنْ يُمكِنُ تَلخيصُ كُلِّ ذلكَ كَما يَلي: الخَطيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي. فهي تَعني عَدَمَ التَّجاوُبِ مَعَ نَاموسِ الله. وهي تَعني تَخَطِّي الحُدودَ الَّتي وَضَعَها اللهُ.
فَالإنسانُ يُشبِهُ حِصانًا يَرْعى في مَرْعى خِصْبٍ ولكِنَّهُ يَقفِزُ مِن فَوقِ الحَاجِزِ ويَسقُطُ في مُستَنقَعٍ قَذِرٍ. فالإنسانُ يَعيشُ في رِعايَةِ اللهِ، وَفي مَرْعَى اللهِ الخِصْبِ؛ ولكِنَّهُ يُريدُ أن يَخرُجَ مِن هُناك. لِذا فإنَّهُ يَقفِزُ مِن فَوقِ السُّورِ (أيْ يَتَعَدَّى على نَاموسِ اللهِ) ويَسقُطُ في رَوْثِ الخَطِيَّة. فقد أَعطى اللهُ نَاموسَهُ. وبِحَسَبِ ما جَاءَ في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الثَّاني، لَقَد كَتَبَ اللهُ نَاموسَهُ في قَلبِ الإنسان. وَقد أَعلَنَهُ في الكتابِ المُقدَّس.
وفي رِسالةِ رُومية 7: 12، يَقولُ بولُس: "وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ". "مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ". فَلا يُوجَدُ فيها أيُّ شَيءٍ غَير نَقِيّ؛ أيْ أنَّها مُقَدَّسَة. وَلا يُوجَدُ فيها أيُّ شَيءٍ ظَالِم؛ أيْ أنَّها عَادِلَة. وَلا يُوجَدُ فيها أيُّ شَيءٍ شِرِّير؛ أيْ أنَّها صَالِحَة. ولا يُوجَد سَبَبٌ واحِدٌ مَعقولٌ لِكَسرِ الوَصيَّةِ لأنَّها طَريقُ البَرَكةِ - كَما رَأينا في هَذا الصَّباح. ولكِنَّ الإنسانَ يَكسِرُها لأنَّهُ يُريدُ أن يَعيشَ بِدونِ نَاموسِ الله. لِذا، مَعَ أنَّنا قد نَتأمَّلُ في العَديدِ مِنَ الآياتِ الكِتابيَّةِ عنِ الخَطيَّةِ فإنَّها جَميعُها تَتَلَخَّصُ في أنَّ الخَطيَّةَ هِيَ التَّعَدِّي على نَاموسِ الله.
السُّؤالُ الثَّاني: مَا هِيَ طَبيعةُ الخَطيَّة؟ مَا هِيَ طَبيعَتُها؟ فقد تَحَدَّثنا عَن تَعريفِها، والآن أريدُ مِنُكُم أن تَنظُروا قَليلاً إلى طَبيعةِ الخَطيَّة. فَما هِيَ طَبيعَتُها؟ حسنًا! يُمكِنُنا أن نَرى طَبيعَتَها بأوضَح صُورة مُمكِنَة مِن خِلالِ سِماتِها.
السِّمَةُ الأولى... وسوفَ أَذكُرُ لَكُم العَديدَ مِنَ السِّمات: الخطيَّةُ مُدَنِّسَة. إنَّها مُدَنِّسَة. فالخطيَّةُ ليست مُجرَّدَ ارتِدادٍ أو عِصيانٍ لنَاموسِ اللهِ، بل إنَّ الخَطيَّةَ هِيَ دَنَسٌ. فَهِيَ تَفعلُ بالنَّفسِ مَا يَفعَلُهُ الصَّدَأُ بالمَعادِن. وَهِيَ تَفعلُ بالنَّفسِ ما يَفعلُهُ جُرْحٌ عَميقٌ بِوَجْهٍ جَميل. وَهِيَ تَفعلُ بالنَّفسِ مَا تَفعلُهُ لَطْخَةٌ بِثَوبٍ مِنَ الحَريرِ النَّاصِعِ البَياض. وَهِيَ تَفعلُ بالنَّفسِ مَا تَفعَلُهُ سَحابَةُ دُخانٍ كَثيفةٍ بِسَماءٍ زَرقاءَ صَافِيَة. وَهِيَ تَجعلُ النَّفسَ حَمراءَ بِفِعْلِ الذَّنبِ، وسَوداءَ بِفِعْلِ الخَطيَّة. فَهِيَ تُدَنِّس.
والحَقيقةُ هي أنَّ العهدَ القديمَ أَصابَ في اختيارِ تلكَ الألفاظِ التَّصويريَّةِ الَّتي لا يُمكِنُنا أن نَنساهَا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 30: 22: "وَتُدَنِّسُونَ كُلَّ أَصْنامِكُم الفِضِّيَّةِ والذَّهَبِيَّةِ، وَتُلْقونَ بِها بَعيدًا كَخِرْقَةٍ مُلَوَّثَةٍ بِدَمِ حَائِضٍ". اسمَعوني، لقدِ استَخدَمَ إشَعْياءُ هَذِهِ الكلماتِ لِوَصْفِ الخطيَّة. والعِبارةُ "خِرْقَة مُلَوَّثَة" تُشيرُ في اللُّغَةِ العِبريَّةِ إلى قِطعةِ قِماشٍ مُلَوَّثَةٍ بِدماءِ امرأةٍ في فَتْرَةِ حَيْضِها. فَهَكذا يَنظُرُ اللهُ إلى الخطيَّة. فهي شَيءٌ مُدَنِّس.
وفي سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 38، يُشَبِّهُ الكَاتِبُ خَطيَّةَ قَلبِ الإنسانِ بِقُروحٍ تَظْهَرُ على الجَسَدِ بِسببِ طَاعُونٍ مُميت. وفي سِفْرِ زَكَرِيَّا 3: 3، نَجِدُ أنَّ النَّبيَّ زَكَرِيَّا يَرى الخَطيَّةَ كَثِيابٍ قَذِرَةٍ يَرتديها رَئيسُ الكَهَنَةِ يَهوشَع. ونَجِدُ مِرارًا وتَكرارًا في الكتابِ المقدَّسِ أنَّ الخطيَّةَ يُنظَرُ إليها بِوَصْفِها شَيئًا شِرِّيرًا، أو شَيئًا نَجِسًا، أو شَيئًا فَاسِدًا، أو شَيئًا قَذِرًا يُلَوِّثُ كُلَّ مَا هُوَ طَاهِر.
وبالمُناسَبة، إنَّ الخَطيَّةَ مُدَنِّسَةٌ جِدًّا حَتَّى إنَّها تَجعلُ اللهَ يَشْمَئِزُّ مِنَ الخطيَّة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ زَكَرِيَّا 11: 8: "وَضَاقَتْ نَفْسِي بِهِمْ". وَمِنَ المُدهِشِ أنْ يَقولَ اللهُ ذلك. فاللهُ يَحْتَقِرُ دَنَسَ الخَطيَّةِ حَتَّى إنَّهُ يَشْمَئِزُّ مِمَّا تَفعَلُهُ بالخَاطِئ.
وَهَل تَعلَمونَ شَيئًا آخَر؟ في سِفْر حِزْقيال 20: 43، نَقرأُ أنَّهُ عندما يَرى الخَاطِئُ خَطِيَّتَهُ فإنَّهُ يَشمَئِزُّ مِن نَفسِه. فَهِيَ مُدَنِّسَةٌ جِدًّا حتَّى إنَّ اللهَ يُبغِضُها. وَكَذلِكَ الخَاطِئ. لِذا فإنَّ الخَطيَّةَ تُلَوِّثُ وتُدَنِّسُ كُلَّ شَيء. والرَّسولُ بولسُ يُسَمِّيها: " دَنَس الجَسَد وَالرُّوح" في رِسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس 7: 1. لِذا فإنَّنا نَجِدُ أنَّ الخطيَّةَ مُدِنِّسَةٌ. فَهذهِ هِيَ طَبيعَتُها.
ثَانيًا، الخَطيَّةُ هِيَ تَمَرُّدٌ. فَهِيَ تَمَرُّدٌ. ففي سِفْرِ اللاَّوِيِّينَ 26: 27، يَتحدَّثُ اللهُ عن أولئكَ الَّذينَ "يَسلُكونَ مَعي بالخِلاف". فالخَطيَّةُ تُدَنِّسُ اللهَ. وَهِيَ سُلوكٌ مُعارِضٌ، وَسُلوكٌ مُتَمَرِّدٌ، وسُلوكٌ في عَداوَةٍ تُجاهَ الله. فَهِيَ خَاطِئٌ يَدوسُ نَاموسَ اللهِ، أو خَاطِئٌ يَتَحَدَّى اللهَ، أو يُغيظُ اللهَ، أو يَصفَعُهُ عَلى وَجهِهِ، أو يَبصُقُ على يَسوعَ المَسيح.
وَهِيَ (بِحَسَبِ مَا جَاءَ في الأصحاحِ العَاشِرِ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين) شَخصٌ يَعرِفُ الحَقَّ ولكِنَّهُ يَتَعَمَّدُ أن يَدوسَ ابْنَ اللهِ، وَيَحْسَبُ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا. فالخطيَّةُ هِيَ تَمَرُّدٌ صَريحٌ وَواضِحٌ وَوَقِحٌ.
والحَقيقةُ هي أنَّهُ رُبَّما تَرغبونَ في مَعرفةِ أنَّ الكلمةَ العِبريَّةَ الَّتي تُتَرجَمُ "خَطيَّة" وَهِيَ "باشا" (pasha) تُشيرُ إلى التَّمَرُّد. فهذا هُوَ التَّعريفُ العِبرِيُّ للخَطيَّة. فَهُناكَ قَلبٌ مُتَمَرِّدٌ لدى كُلِّ رَجُلٍ وَلَدى كُلِّ امرأةٍ. وفي سِفْرِ إرْميا 44: 17، إليكُم مَا قَالَهُ الشَّعبُ: "بَلْ سَنَعْمَلُ كُلَّ أَمْرٍ خَرَجَ مِنْ فَمِنَا". بعبارةٍ أخرى، سوفَ نَفعلُ تَمامًا مَا نَشاء. هذا هُوَ تَمَرُّدُ الخَطيَّة.
فَلَو سَنَحَتِ الفُرصَةُ للخَطيَّةِ لِتَفعلَ مَا تُريد فإنَّها سَتَقتُلُ اللهَ. وقد فَعَلَتِ الخَطيَّةُ مَا تُريدُ وَقَتَلت يَسوعَ المَسيح. فالخطيَّةُ لا تُريدُ فقط أن تَخلَعَ اللهَ عَن عَرشِهِ، بل تُريدُ أن تَنزِعَ صِفَةَ الأُلوهيَّةِ عَنِ اللهِ لأنَّ الخَطيَّة هي تَمَرُّد. فإنْ فَعَلَ الخَاطِئُ مَا يَحلُو لَهُ لَما بَقِيَ اللهُ إلَهًا، وَلَما بَقِيَ المَسيحُ مَسيحًا. لِذا فإنَّ الخَطِيَّةَ تُدَنِّسُ، والخَطِيَّةُ هي تَمَرُّد.
ثَالثًا، الخَطيَّةُ هِيَ جُحودٌ. فَهِيَ نُكرانٌ للجَميل. فَكما تَعلَمونَ، فإنَّ الآيةَ أعمال الرُّسُل 17: 28 تَقول: "لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ". فَهَل تَعلَمونَ أنَّ حَقيقَةَ أنَّكُم على قَيدِ الحَياةِ وَمَوجودونَ تَعني أنَّكُم مَدينونَ لله؟ وهَل تَعلَمونَ أنَّ كُلَّ شَخصٍ مَوجودٍ في العَالَمِ اليومَ هُوَ شَخصٌ خَلَقَهُ اللهُ لِقَصْدٍ إلهِيٍّ وَغَايَةٍ إلهيَّة؟ فاللهُ خَلَقَكُم لِمَدْحِ ذَاتِهِ، ولِتَمجيدِ ذَاتِهِ. وهُناكَ قَصْدٌ إلَهِيٌّ مِن وُجودِكُم يَفوق أيَّ شَيءٍ يُمكِنُكم أن تَتَخَيَّلوه.
وعلى الرَّغمِ مِن ذلك، هُناكَ أشخاصٌ يَعيشونَ في جُحودٍ تَامٍّ، وَيَحقِدونَ على يَسوعَ المَسيحِ، ويَسخَرونَ مِنَ اللهِ، ويُديرونَ ظُهورَهُم لله. فَالخطيَّةُ وَقِحَةٌ جدًّا، وهي جُحودٌ عَنيف. ولكِنَّ اللهَ خَلَقَكُم لِمَجدِهِ. واللهُ خَلَقَ البَشَرَ لكي يَسكُنوا في مَملكةٍ أبديَّةٍ في سَعادَةٍ مَعَهُ. ولكِنَّ الإنسانَ لم يَكْتَفِ بأنَّهُ لا يُريدُ ذلك، بل إنَّهُ يَزْدَري بالإلَهِ الَّذي يُقَدِّمُ لَهُ ذَلك.
وفي إنجيل مَتَّى 5: 45، يَقولُ الكتابُ المُقدَّسُ إنَّ اللهَ: "يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ". وإنْ كَانَت هُناكَ بَهجَةٌ في هَذهِ الحَياةِ فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّ اللهَ وَهَبَها لَك. وإنْ كانَتْ هُناكَ شَمْسٌ تُشرِقُ في الحَياةِ فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّ اللهَ وَضَعَها هُناكَ. وإنْ كَانَ هُناكَ مَطَرٌ يَجعَلُ الحَياةَ مُنتَعِشَةً فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّ اللهَ يَجعَلُ السَّماءَ تُمطِرُ عَليكَ. فكُلُّ شَيءٍ لَديكُم هُوَ بِسَبَبِ نِعمَةِ الله.
فمَحَبَّةُ اللهِ العَجيبة انسَكَبَتْ على كُلِّ البَشَر. واللهُ ليسَ مَسؤولاً عَنِ الشَّرّ. فهي تَمَرُّدُ الإنسان. فاللهُ مَسؤولٌ عَنِ الصَّلاح. واللهُ هُوَ الَّذي يُقَدِّمُ كُلَّ الطَّعامِ الَّذي يَأكُلُهُ الخُطاة. واللهُ هُوَ الَّذي يُوَفِّرُ كُلَّ الأطعمةِ الشَّهيَّةِ الَّتي تَتَلَذَّذُ بِها. واللهُ هُوَ الَّذي جَعَلَ العَالَمَ مُلَوَّنًا ومُبهِجًا. واللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ المَحبَّةَ والمُوسيقا وكُلَّ الأشياءِ الَّتي تَجعَلُ الحَياةَ جَديرةً بأنْ تُعاش. واللهُ هُوَ الَّذي أعطاكَ الحَواسَّ الَّتي تَمْلِكُها. واللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَ كُلَّ جَمالٍ تَراهُ عَيناك.
واللهُ هُوَ الَّذي أعطَى حِكمةً لِجَسَدِكَ حَتَّى تَتمكَّنَ مِنَ التَّفكيرِ والشُّعورِ والعَملِ واللَّعِبِ والرَّاحَة، وحَتَّى تَكونَ حَياتُكَ نَافِعَةً. واللهُ هُوَ الَّذي أَوْجَدَ الحُبَّ والضَّحِك. واللهُ هُوَ الَّذي أعطَى كُلَّ فَردٍ مَوهبةً خَاصَّةً وقُدرةً على التَّميُّزِ في جَانِبٍ مُعَيَّن. واللهُ هُوَ الَّذي جَعَلَ البَشرَ يَهتمُّونَ بَعضُهُم بِبَعضٍ ويَتمتَّعونَ بالشَّرِكَةِ بَعضُهُم مَعَ بَعض. واللهُ هُوَ الَّذي يَحفَظُنا بِعِنايَتِهِ الإلهيَّةِ مِنَ الإصابَةِ بكُلِّ مَرَضِ وَمِنَ المَوتِ في كُلِّ حَادِثٍ. واللهُ هُوَ الَّذي يُحيطُ الخَاطِئَ حَرفيًّا بِالرَّحمَة.
ولكِنَّ الخَاطِئَ هُوَ الَّذي يَقولُ لا، وَهُوَ الَّذي يَعصيهِ ويَتمرَّدُ عَليهِ بكُلِّ صَلافَةٍ وَوَقاحَةٍ، ويَعصي وَصايا اللهِ، ويُدَنِّس نَفسَهُ، ويَتصرَّفُ بِجُحود. وَهُوَ بِذلكَ يُشبِهُ أبشالوم... أبشالوم بِنْ دَاوُد. فقد قَبَّلَهُ أبوهُ دَاوُدُ، وكَانَ دَاوُدُ أبوهُ قد عَانَقَهُ بِذراعَيهِ وَضَمَّهُ إلى صَدرِه. وبعدَ أن قَبَّلَهُ أبوهُ وعَانَقَهُ، خَرَجَ أبشالوم وَدَبَّرَ حَالاً تَمَرُّدًا ضِدَّ أبيه، وَتَآمَرَ لِقَتلِ أبيه.
كذلكَ فإنَّ الخَاطِئَ يَستمتِع بِنَعمَةِ اللهِ، وَيَحصُل على أفضلِ مَا يُقَدِّمُهُ العَالَم، وأفضَل ما يُمكِنُ للحَياةِ والمَحبَّةِ أن تُقَدِّمَهُ لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ يُديرُ ظَهرَهُ للهِ ويَسيرُ إلى مُعَسْكَرِ العَدُوِّ (أيْ إبليس) ويَنصِب خَيمَتَهُ في ذلكَ المَكان.
ورُبَّما نَطرَحُ نَفسَ السُّؤالِ المَطروحِ في سِفْرِ صَموئيلَ الثَّاني 16: 17: "أَهذَا مَعْرُوفُكَ مَعَ صَاحِبِكَ؟" وَهُوَ نَفسُ السُّؤالِ الَّذي طُرِحَ على يَهوذا: "يَهوذا! أَبِقُبلَةٍ تُسَلِّمُني؟" فاللهُ قَد يَسألُ الخَاطِئ: "هَل وَهَبْتُكَ حَياةً كَي تُخطِئ؟ هَل أَسْبَغْتُ عَليكَ نِعمَتي كَي تَخدِمَ إبليس؟"
لِذا فإنَّ الخَطِيَّةَ هِيَ جُحودٌ مُريع. فَهِيَ تَسعى إلى هَدْمِ وتَدميرِ مَصدَرِ كُلِّ الخَيرِ الَّذي حَصَلَ عليه. فأنتُم تَعلمونَ أنَّ حَتَّى الأشياءَ الَّتي يَستخدِمُها الخَاطِئُ استِخدامًا مَغلوطًا (سَواءَ كانَت مَالاً أو وَسائِلَ رَاحَةٍ أو مُتَعًا جِنسيَّةً) هِيَ كُلُّها مِن عِندِ اللهِ؛ ولكِنَّ الخُطاةَ يُحَرِّفُونَها ويُشَوِّهُونَها ويَستخدِمونَها لِلتَّجديفِ على اسمِهِ القُدُّوس. إذًا، ما هِيَ طَبيعةُ الخَطيَّة؟ الخَطيَّةُ تُدَنِّس. وَهِيَ تَمَرُّدٌ. وَهِيَ جُحُودٌ.
رَابعًا، الخَطيَّةُ لا يُمكِنُ عِلاجُها بوسائل بَشريَّة. فَطبيعَتُها هِيَ أنَّها دَاءٌ عُضَالٌ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إرْمِيا 13: 23: "هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟ فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ!" فإنْ كَانَ بِمَقدورِ النَّمِرِ أنْ يُغَيِّرَ رُقَطَهُ، أو إنْ كَانَ بِمَقدورِ الإثيوبِيِّ أنْ يُغَيِّرَ جِلْدَهُ فإنَّكَ تَستطيعُ أن تَصنَعَ خَيرًا مِنَ الشَّرّ. ولكِنَّ هَذا غيرُ مُمكِن. فالخَطيَّةُ هِيَ دَاءٌ عُضَالٌ. فالإنسانُ لا يَملِكُ المَصدرَ للتَّعامُلِ مَعَها.
ونَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 1: 4: "وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الإِثْمِ، نَسْلِ فَاعِلِي الشَّرِّ، أَوْلاَدِ مُفْسِدِينَ! تَرَكُوا الرَّبَّ، اسْتَهَانُوا بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، ارْتَدُّوا إِلَى وَرَاءٍ. عَلَى مَ تُضْرَبُونَ بَعْدُ؟ تَزْدَادُونَ زَيَغَانًا! كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ، وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ. مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ، بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ وَضَرْبَةٌ طَرِيَّةٌ لَمْ تُعْصَرْ وَلَمْ تُعْصَبْ وَلَمْ تُلَيَّنْ بِالزَّيْت". بِعبارةٍ أخرى، إنَّ الإنسانَ مُصابٌ بِمَرَضٍ مُريعٍ وَفَتَّاكٍ لا عِلاجَ لَهُ، وَلا سَبيلَ إلى مُدَاواتِهِ أوِ التَّعامُلِ مَعَهُ بَشريًّا.
ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى تِيطُس 1: 15 عَنِ البَشَر: "قَدْ تَنَجَّسَ...ضَمِيرُهُمْ". فالإنسانُ فَاسِدٌ مِنَ الدَّاخِل. والضَّميرُ أُعطِيَ للإنسانِ لكي يَضبِطَ سُلوكَهُ. ولكِنْ إنْ تَنَجَّسَ الضَّميرُ فإنَّ النَّتائِجَ سَتَتَنَجَّسُ أيضًا. وقد قالَ "جون فليفيل" (John Flavel): "كُلُّ دُموعِ الخَاطِئِ التَّائبِ الَّتي قَد يَسكُبُها بِعَدَدِ قَطْراتِ المَطَرِ الَّتي هَطَلَتْ مُنذُ الخَلْقِ لا تَقدِرُ أن تَغفِرَ الخَطيَّة. وَكُلُّ العَذابِ الأبديِّ في جَهَنَّم لا يَقدِرُ أن يُطَهِّرَ الضَّميرَ المُعَذَّبَ بِسببِ أصغَرِ خَطيَّة".
بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ يَقولُ إنَّ الخَطيَّةَ لا عِلاجَ لَها. فَلا يُوجَد عِلاجٌ بَشريٌّ لَها: لا الإرادَةُ البَشريَّةُ، وَلا الإصلاحُ، وَلا التَّعليمُ، ولا التَّشريعُ، ولا الكَلامُ، وَلا المُحادَثاتُ، وَلا المَشورةُ، ولا البِرُّ الذَّاتِيُّ. فالخَطيَّةُ مَرَضٌ مُسْتَفْحِلُ جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُمكِنُ أن يُعالَجَ إلاَّ بِدَمِ الطَّبيبِ الإلهيِّ فَقَط. وَبِدونِ سَفْكِ دَمٍ لا يُوجَد غُفرانٌ للخَطيَّة.
إذًا، مَا هِيَ طَبيعةُ الخطيَّة؟ لقد رأينا مَا هِيَ. فَهِيَ تَمَرُّدٌ على الله. وما هِيَ طَبيعَتُها؟ إنَّها مُدَنِّسَة، وَهِيَ تَمَرُّدٌ، وَهِيَ جُحودٌ، وَهِيَ دَاءٌ عُضَال.
وَهَذا يَقودُنا إلى جَانِبٍ خَامِسٍ للخطيَّة. فَهِيَ شَيءٌ يُبغِضُهُ اللهُ. وَهذا جُزءٌ مِن طَبيعَتِها. فَهِيَ على النَّقيضِ تَمامًا للهِ. والآن، أنا أَعلَمُ أنَّ هذا الأمرَ وَاضِحٌ، ولكِن اسمَحُوا لي وَحَسْب أنْ أُضيفَ بِضعةَ أفكارٍ يُمكِنُكم أن تَتأمَّلوا فيها.
فالخَطيَّةُ هي الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُبغِضُهُ اللهُ. إنَّها الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُبغِضُهُ اللهُ. وَهِيَ الشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي يُعادِيه. فَاللهُ لا يُقاوِمُ شَخصًا لأنَّهُ فَقيرٌ، بل إنَّهُ يُحِبُّ بِصورةٍ خَاصَّةٍ الفُقَراء. وَاللهُ لا يُقاوِمُ شَخصًا لأنَّهُ جَاهِلٌ، بَل إنَّهُ يَهْتَمُّ بِهؤلاء. وَاللهُ لا يُقاوِمُ شَخصًا لأنَّهُ مُعاقٌ. فَهُوَ الَّذي خَلَقَ العُمْيَ والصُّمَّ والمَشلولين. واللهُ لا يُقاوِمُ شَخصًا لأنَّهُ مَريضٌ. واللهُ لا يُقاوِمُ شَخصًا لأنَّهُ مُحْتَقَرٌ مِنَ العَالَم.
ولكِنَّ اللهَ يُعادي فقط الخطيَّة. وقد أَصابَ حَبَقُّوقُ حينَ قَال: "عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْر". وفي سِفْر إرْميا 44: 4، قَالَ اللهُ مِن خِلالِ النَّبيِّ إرْميا بِدُموعٍ وَقَلبٍ حَزين: "لاَ تَفْعَلُوا أَمْرَ هذَا الرِّجْسِ الَّذِي أَبْغَضْتُهُ". فاللهُ يُبغِضُ الخطيَّةَ لأنَّ الخطيَّةَ تَفصِلُ الإنسانَ عَنِ اللهِ، ولأنَّ الخطيَّةَ تَكسِرُ الشَّيءَ الَّذي لأجلِهِ خَلَقَ اللهُ الإنسانَ أَلاَ وَهُوَ: الشَّرِكَة. لِذا فإنَّ الخَطيَّةَ تُدَنِّس، وَهِيَ تَمَرُّدٌ، وَهِيَ جُحودٌ، وَهِيَ دَاءٌ عُضَالٌ، وَهِيَ شَيءٌ يُبغِضُهُ اللهُ.
سَادِسًا، الخَطيَّةُ مَشَقَّة. الخَطيَّةُ مَشَقَّة. فَكُلُّ ما تَفعَلُهُ هُوَ الألَم. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ مَا يُدهِشُني هُوَ مَدى انشغالِ النَّاسِ في فِعْلِها! فَكُلُّ ما تُقَدِّمُهُ لَهُم هُوَ الحُزنُ والمَوتُ وجَهَنَّمُ؛ ولكِنَّهُم يَجْتَهِدونَ جدًّا في القيامِ بها. ونَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 9: 5: "وَتَعِبُوا فِي الافْتِرَاء". "وَتَعِبُوا فِي الافْتِرَاء". وَهَذا مُدهش!
وفي الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر مِن سِفْرِ التَّكوين، نَقرأُ قِصَّةَ سَدوم وعَمُورَة؛ وهي مَدينةٌ كَانَتْ تَعِجُّ بالمِثليِّينَ الجِنسيِّين. وقد زَارَ مَلاكانِ لُوطًا. وقد رَأى رِجالُ المَدينةِ هَذَيْنِ المَلاكَيْنِ فَاشتَعَلوا مِنَ الدَّاخلِ بالشَّهوةِ تُجاهَ هَذَيْنِ المَلاكَيْنِ اللَّذَيْنِ جَاءَا في هَيئةِ رَجُلَيْن. وَقد أَرادَا أنْ يَعْتَدُوا على المَلاكَيْن. وكانَ المَلاكانِ قَد دَخَلاَ إلى بَيتِ لُوط.
وقد ظَنَّ لُوطٌ أنَّهُ سَيَتمَكَّنُ مِن حَلِّ المُشكلةِ بإرسالِ ابنَتَيْهِ خَارِجًا لأنَّ الرِّجالَ كَانوا يَقرَعونَ البَابَ ويَضرِبونَهُ ويُحيطونَ بالمَنزِل. لِذا فقد ظَنَّ أنَّهُ سيَتمكَّنُ مِن إنقاذِ المَلاكَيْنِ بإخراجِ ابنَتَيْهِ إلى الرِّجال. فقد آثَرَ أنْ يُضَحِّي بابنَتَيْهِ على أن يُضَحِّي بِمَلاكَيِّ الرَّبِّ المُقَدَّسَيْن. فَهُوَ لم يَكُن مُستعدًّا لِتَحَمُّلِ عَواقِبِ ذلك.
ولكِنَّ المَلاكَيْنِ قَالاَ: "لا تَفعل ذلكَ يا لُوط". وقد خَرَجَ المَلاكانِ وَضَرَبا جَميعِ الرِّجالِ في الخَارِجِ بالعَمَى. ثُمَّ هَل تَعلَمونَ ماذا يَقولُ الكتابُ المقدَّس؟ عِندَما أُصيبوا بالعَمى "عَجِزُوا عَنْ أَنْ يَجِدُوا الْبَابَ". أَلَمْ يَكُن مَا فَعلوهُ عَجيبًا؟ فالمَرءُ يَظُنُّ أنَّهُم بعدَ أن أُصيبوا بالعَمى سوفَ يَعودونَ إلى البيتِ ويَقلقونَ بِسببِ العَمَى الَّذي أَصَابَهُم إنِ استَطاعوا العُثورَ على طَريقِ العَودَة. ولكِنْ عِوَضًا عن ذلكَ فإنَّهُم غَارِقونَ في شَهوَةِ المِثليَّةِ الجِنسيَّةِ حَتَّى إنَّهُ على الرَّغمِ مِنَ العَمَى الَّذي أَصابَهُم فإنَّهُم لا يُفَكِّرونَ في شَيءٍ سِوى في كَسْرِ البَابِ والاعتداءِ على نَفسِ الرَّجُلَيْن. فَإلى هَذا الحَدِّ يَجْتَهِدُ النَّاسُ في شَرِّهِم.
وفي المَزمور 7: 14، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "هُوَذَا يَمْخَضُ بِالإِثْمِ". والكلمةُ "يَمْخَضُ" هي الكلمة الَّتي تُستخدَمُ لِوَصفِ آلامِ الوِلادَة؛ وَهُوَ أَشَدُّ أَلَمٍ بَشريٍّ كَانَ مَعروفًا لَديهم في ذلكَ الزَّمان. فقد كَانَتِ النِّسوةُ يَخْتَبِرْنَ آلامَ الوِلادَةِ مِن دُونِ مُخَدِّرٍ أو أيِّ شَيءٍ لِتَخفيفِ الألم. فَهُوَ أشَدُّ الآلامِ البَشريَّة. والنَّاسُ يَحْتَمِلونَ المَشَقَّةَ في سَبيلِ القيامِ بِشُرورِهم. ورُبَّما كَانَ هَذا المَزمورُ يُشيرُ إلى عَدُوِّ دَاوُد الَّذي يُدعَى "كُوْش" والَّذي كانَ يُطارِدُ دَاودَ وَيَحْتَمِلُ آلامًا شَديدةً بِسَبَبِ مُطارَدَتِهِ لَهُ؛ ولكِنَّهُ لم يَتوقَّف عن عَمَلِهِ الشِّرِّير.
ونَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 4: 16: "لأَنَّهُمْ لاَ يَنَامُونَ إِنْ لَمْ يَفْعَلُوا سُوءًا". فَهُم لا يَنامونَ إلاَّ إذا فَعَلُوا شَرًّا. فَهُم يَبقونَ مُستيقِظينَ للتَّخطيطِ لِشُرورِهم. ويَتحدَّثُ إشَعْياءُ عن ذلكَ في الأصحاحِ الخَامِس. وَإرْميا يَتحدَّثُ عن ذلك. ويَتحدَّثُ إشَعْياءُ أيضًا عن ذلكَ في الأصحاح 44، وعن كيفَ أنَّهُم يَكِدُّونَ ويَتعَبونَ في عَمَلِ الشَّرّ.
ونَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء: "بِمَشَقَّاتٍ تَعِبَتْ". المَعذرة، إنَّها آيَةٌ مِن سِفْرِ حِزقيال... سِفْرِ حِزْقيال والأصحاح 24: "بِمَشَقَّاتٍ تَعِبَتْ". والحَقيقةُ هي أنَّهُ أمرٌ مُدهِشٌ جدًّا! ولكِنَّ النَّاسَ يَذهبونَ إلى جَهَنَّمَ وَالعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنهُم. فَهُم يَتْعَبونَ حَقًّا. إنَّهُم يَعمَلونَ بِكُلِّ جِدٍّ لِكَي يَكونوا خُطاةً.
إذًا، مَا هِيَ طَبيعةُ الخطيَّة؟ إنَّها تُدَنِّس، وَهِي عِصْيانٌ، وَجُحودٌ، وَداءٌ عُضَالٌ، وَهي شَيءٌ يُبغِضُهُ اللهُ. وَهِيَ مَشَقَّة. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّكَ حينَ تأتي إلى يسوعَ المسيحِ فإنَّكَ تَستريح. "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا [أفعَلُ مَاذا؟] أُرِيحُكُمْ". تَرتاحونَ مِن مَاذا؟ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُم ستَرتاحونَ مِن شَيءٍ وَاحِدٍ على أَقَلِّ تَقدير: مِنَ المَشَقَّةِ الَّتي تَتَطَلَّبُها الخطيَّة. فَيا لَها مِن شَيءٍ بِغيضٍ جدًّا. فَشَرُّ الخَطيَّةِ بَغيضٌ، بَل بَغيضٌ جدًّا حَتَّى إنَّ مَلايينَ النَّاسِ يَخضَعونَ لِسُلطانِها. وَهِيَ بِغيضٌة جدًّا حَتَّى إنَّ الأمرَ تَطَلَّبَ مَوتَ اللهِ نَفسِهِ في المَسيحِ كَي يَرفَعَها مِن حَياةِ الإنسان.
السُّؤالُ الثَّالث: لا يَكفي أن نَسألَ: مَا هِيَ الخَطيَّة؟ ولا مَا هِيَ طَبيعةُ الخَطيَّة؟ بل أيضًا: كَم عَدَدُ النَّاسِ الَّذينَ تُؤثِّرُ فيهم الخطيَّة؟ فالنَّاسُ يَطرَحونَ دَائِمًا هذا السُّؤال: كَم عَدَدُ النَّاسِ الَّذينَ تُؤثِّرُ فيهم الخطيَّة؟ والجَوابُ بَسيطٌ جدًّا. والجَوابُ مَذكورٌ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. ولكِن اسمَحوا لي أن أقرأَ عَلى مَسامِعِكُم آيةً تُساعِدُكُم، وَهِيَ رسالة رُومية 5: 12: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ". "إذْ أخطأَ الجَميعُ". ونَقرأُ في رِسالة رُومية 3: 23: "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ". ونَقرأُ في رِسالة رُومية 3: 19: "لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ".
والآن، لقد دَخَلَتِ الخطيَّةُ إلى العَالَمِ بإنسانٍ واحِدٍ. والأُمَمُ لا يَفهمونَ ذلكَ أيضًا؛ ولكِنَّ العَقلَ اليهوديَّ يَفهَمُهُ. فالعَقلُ اليَهوديُّ يَفهمُهُ لأنَّ بَني إسرائيلَ يَنظرونَ إلى أنفسِهم لا كَفَرْدٍ، بل يَنظرونَ دَائِمًا إلى أنفسِهم بِصِفَتِهم جُزءًا مِن عَشيرةٍ أو عَائلةٍ أو أُمَّةٍ. وَبِمَعزِلٍ عَن تلكَ الهُويَّةِ فإنَّهُم لا يُوْجَدونَ كَأفراد.
فَعلى سَبيلِ المِثالِ، في سِفْرِ يَشوعَ والأصحاحِ السَّابع، عندما أخطأَ عَخَان، أَتَعلَمونَ مَا الَّذي حَدَث؟ لقد مَاتَت عَائِلَتُهُ كُلُّها، وانهَزَمَتْ كُلُّ أُمَّةُ إسرائيل في مَعرَكَتِهم الَّتي أَعْقَبَتْ ذلك. بِعبارةٍ أخرى، لقد كانَ يَتصرَّفُ نيابَةً عَنِ العَشيرةِ كُلِّها، بل حَتَّى عَن كُلِّ الأُمَّة.
وفي الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 7: 9 و 10، نَقرأُ أنَّ لاوي دَفَعَ عُشورًا لِمَلْكي صَادِق وَهُوَ مَا يَزالُ في صُلْبِ إبراهيم. فَلاوي لم يَكُن حَيًّا، وَحَتَّى لم يَكُن قَد وُلِدَ بَعْدَ عندما دَفَعَ إبراهيمُ العُشورَ لِمَلْكي صَادِق؛ ولكِنَّ اليهودَ يَرَوْنَ أنفسَهُم دَائمًا مُرتبطينَ بآبائِهم وأجدادِهم. والحَالُ كَذلكَ عندما يَكتُبُ بُولسُ هَذهِ الحُجَّةَ إذْ إنَّهُ يَقولُ: عندما أَخطأَ آدَمُ، صَارَ جَميعُ مَنْ هُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ (أيْ: جَميعُ البَشَرِ) خُطاةً.
لِذا فإنَّ خَطيَّةَ آدَمَ هِيَ خَطيَّتُنا نَحنُ أيضًا مِن خِلالِ التَّناسُل. لِذا فإنَّ الآيةَ أيُّوب 14: 4 تَقول: "مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ!" فإنِ ابتدأتَ بأبٍ شِرِّيرٍ وأُمٍّ شِرِّيرةٍ فإنَّكَ ستَحصُلُ على ابنِ شِرِّير. فالأمرُ بهذهِ البَسَاطَة. وَهُوَ يَستَمِرُّ هَكذا.
والمَزمور 58 يَقول: "زَاغَ الأَشْرَارُ مِنَ الرَّحِم". فَهَكَذا يُولَدون. ونَقرأُ في المَزمور 51: 5 الكلماتِ التَّالية الَّتي قَرأتُها قَبلَ قَليل: "وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي".
لِذا فإنَّ الأمرَ لا يَتوقَّفُ فقط على أنَّ خَطيَّةَ آدَمَ حُسِبَتْ عَلينا، بل إنَّ الطَّبيعةَ الشِّرِّيرةَ والفَاسِدَةَ للخَطيَّةِ انتقلَت إلينا. فَالسُّمُّ يَسري مِنَ الجَدوَلِ إلى البِئرِ ثُمَّ إلى النَّاسِ الَّذينَ يَشرَبونَ مِنه. وهَذا هُوَ ما يُسَمِّيهَ اللاَّهوتِيُّونَ: "الخَطيَّة الأصلِيَّة". فأنتَ لا تَأتي إلى هذا العالَمِ إلاَّ وأنتَ خَاطِئ.
وقد كانَ هُناكَ جَدَلٌ كَبيرٌ بهذا الشَّأن. فهُناكَ لاهُوتِيٌّ قالَ: "لا، أنتَ تَأتي إلى العَالَمِ بمَوقِفٍ مُحَايِدٍ ويُمكِنُكَ أن تَختارَ أن تَكونَ خَاطِئًا أَمْ لا". وَهَذا هُوَ رَأيُ "بيلاجيوس" (pelagius). ولكِنَّ "أُغسطينوس" رَدَّ عَليهِ قائلاً: "اعثُر لي على شَخصٍ واحِدٍ لم يَخْتَر الخطيَّةَ؛ وحينئذٍ، سَأُوْمِنُ بِما تَقول". وَلَكِنَّهُ لم يَجِد شَخصًا واحِدًا البَتَّة... البَتَّة.
فأنتَ تَأتي إلى هَذا العَالَمِ وأنتَ خَاطِئ. فجَميعُنا أخطأنا في آدَم. وجَميعُنا أَعْوَزَنا مَجدُ اللهِ. وجَميعُنا وُلِدنا في الفَساد. وجَميعُنا ذُرِّيَّةُ آدَم. وحيثُ إنَّنا ذُرِّيَّةُ آدَمَ فإنَّنا نَحمِلُ الفَسادَ الَّذي كَانَ فيه. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في رِسالَتِهِ إلى أهلِ رُومية 7: 25: بِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا أريدُ أن أفعلَهُ، وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَن قُوَّةِ إرادَتي فإنَّني أَخْدِمُ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّة لأنَّ الخَطيَّةَ مَوجودةٌ في طَبيعَتي. فَهِيَ مَنْسوجَةٌ في لُحْمَةِ وَسَداةِ حَياتي وَخِبرَتي.
إنَّ خَطيَّةَ آدَم... وأنا أُحِبُّ أن أُفَكِّرَ في الأمرِ بالطَّريقةِ التَّالية... إنَّ خَطِيَّةَ آدَمَ مُلْتَصِقَةٌ بِكُلِّ إنسانٍ كَما التَصَقَ بَرَصُ نُعْمانَ بِغُلامِهِ جِيحْزي. ارجِعُوا واقرأوا ما جَاءَ في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني والأصحاحِ الخَامِسِ، وانظُروا كيفَ أنَّ بَرَصَ نُعْمانَ التَصَقَ بِغُلامِهِ جِيحْزِي. لِذا فإنَّ بَرَصَ آدَمَ التَصَقَ بكُلِّ الَّذينَ جَاءُوا بعدَ آدَم. فَلَمْ يَنْجُ أَحَد. لَمْ يَنْجُ أَحَد. وإنْ كانتِ الجُذورُ عَميقةً هَكذا، يا أحبَّائي، فإنَّها مُشكلةٌ حَقيقيَّة.
وكما تَعلمونَ، عِندما تَصيرُ مُؤمِنًا فإنَّ جُذورَ الخطيَّةِ تَبقى هُناك. هل تَعلمونَ ذلك؟ فهي تَبقى هُناك. ونَحنُ نَستمرُّ في صِراعِنا مَعَها. أليسَ كذلك؟ فبولسُ يَقولُ في الأصحاحِ السَّابعِ مِن رِسالةِ رُومية: "أنا لا أَفعلُ الأشياءَ الَّتي يَنبغي أن أفعلَها، بل أفعلُ الأشياءَ إلى لا يَجوزُ لي أن أفعلَها. وأنا أَجِدُ أنَّ نَاموسَ الخَطيَّةِ هَذا يَشُنُّ حَرْبًا في أعضائي. فَهِيَ حَربٌ تَشُنُّها الخَطيَّةُ ضِدَّ البِرّ". وفي الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينِ والأصحاحِ 12 يَدعونا الكَاتِبُ قَائِلاً: "لْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا. وَ "لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ [الَّتي تَفعلُ مَاذا؟] الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ".
وَمَا الَّذي يَجعلُ الخَطيَّةَ تُحيطُ بِنا بسهولة؟ أنَّها عَميقةٌ جدًّا في طَبيعَتِنا. فنحنُ خُطاةٌ. ولا أَحَدَ يَنجو مِنها. هذهِ هي الخطيَّة. وهذهِ هي طَبيعَتُها. وَهؤلاءِ هُمُ الَّذينَ يَتأثَّرونَ بها.
السُّؤالُ الرَّابع: مَا هِيَ نَتيجةُ الخَطيَّة؟ مَا هِيَ نَتيجةُ الخَطيَّة، نَتيجَتُها الحَقيقيَّة؟ مَا العَواقِبُ الَّتي تَجلِبُها إلى حَياتِنا؟ أوَّلاً، الخَطيَّةُ تَجعلُ الشَّرَّ يَغلِبُنا. الخَطيَّةُ تَجعلُ الشَّرَّ يَغلِبُنا. هَذا هُوَ تَأثيرُها. فإنِ ابتدأنا مُنذُ البِداية فإنَّنا نَقرأُ أنَّ قَلبَ الإنسانِ "أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ [مَاذا؟] نَجِيسٌ" (إرْميا 17: 9). فالخَطيَّةُ تُهَيمِنُ على الذِّهن. إنَّها تُهَيمِنُ على الذِّهن. هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ إرْميا. فالخَطيَّةُ تُسيطِرُ على الذِّهن.
ونَقرأُ في رِسالة أفسُس 4: 17 أنَّ الأُمَمَ يَسْلُكونَ: "بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ. اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَة". بِعبارةٍ أخرى، لقد سَيطرتِ الخَطيَّةُ على أذهانِهم. وَقَد صَارَ ذِهنُهُم كُلُّهُ تَحتَ سَيطرةِ الشَّرِّ. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا". فَهُوَ مَيِّتٌ رُوحِيًّا (في رسالة كورنثوسَ الأولى 2: 14). فالشَّرُّ يُهَيمِنُ على الذِّهن.
كذلكَ فإنَّ الشَّرَّ يُهيمِنُ على الإرادَة. وَهَذا مَذكورٌ في سِفْرِ إرْميا والأصحاح 44 (كَما قَرأتُ على مَسامِعِكُم سَابقًا). فَنَحْنُ عَاقِدو العَزمِ على فِعْلِ مَا تُخبِرُنا قُلوبُنا أن نَفعلَهُ: "بَلْ سَنَعْمَلُ كُلَّ أَمْرٍ خَرَجَ مِنْ فَمِنَا". فالخَطيَّةُ تُهيمِنُ لا فقط على طَريقةِ تَفكيرِنا، بل تُهَيمِنُ أيضًا على إرادَتِنا الَّتي تَدفَعُنا إلى التَّصرُّفِ بطريقةٍ مُعيَّنة.
وَحَتَّى إنَّ الخطيَّةَ تُهَيمِنُ على عَواطِفِنا. أجل، إنَّها تُهَيمِنُ عَليها. فالخَطيَّةُ تُهيمِنُ على الأشياءِ الَّتي نُحِبُّها. لِذا فإنَّ يُوحَنَّا يَقولُ: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ" لأنَّهُ مِنَ السَّهلِ جدًّا أن نَقَعَ تَحتَ هَيمَنَةِ الخَطيَّة. والكِتابُ المُقدَّسُ يَقولُ في إنجيل يوحنَّا 3: 19: "إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً".
لِذا فإنَّ الخَطيَّةَ تُهَيمِنُ على العَواطِف. والخَطيَّةُ تُهَيمِنُ على الإرادَة. والخَطيَّةُ تُهَيمِنُ على الذِّهن. وفي نِهايةِ المَطافِ، إنْ كانَ ذِهنُكَ، وكانَت إرادَتُكَ، وكانَت عَواطِفُكَ تَحتَ هَيمنةِ الشَّرِّ، سَيَكونُ سُلوكُكَ شِرِّيرًا. وَهذهِ هي الخَطيَّةُ الأصليَّة. وَهِيَ تُشبِهُ الشَّجرةَ في سِفْرِ دَانِيال 4 والعَدد 23. فَمَعَ أنَّ الأغصانَ قَد قُطِعَت، وأنَّ الجِذْعَ قَد قُطِعَ، فإنَّ الأَصْلَ والجُذورَ تَبقى. وَمَعَ أنَّكَ قد تَصيرُ مُؤمِنًا، وأنَّ الكَثيرَ مِن أغصانِ الخَطيَّةِ قد قُطِعَت، فإنَّ الأصلَ سَيَبقى هُناكَ إلى أن يَأتي يَسوع. وَبِحَسَبِ مَا جَاءَ في الأصحاحِ الخَامِس عَشَر مِن إنجيل يوحنَّا، أعتقدُ أنَّ الآبَ مُنْهَمِكٌ في تَقليمِ الأغصانِ الَّتي تَستمرُّ في الظُّهورِ في حَياتِنا نَحنُ المَسيحيِّين.
لِذا، يَجِبُ على المَسيحيِّ (وَغيرِ المَسيحيِّ أيضًا) أن يُدركَ أنَّ الخَطيَّةَ مُستفحِلَةٌ جدًّا في طَبيعَتِنا، وبأنَّها كَأسَدٍ رَابِض؛ ولكِنَّ أَقَلَّ شَيءٍ يُمكِنُ أن يُثيرَ غَضَبَهُ. فَطَبيعَتُنا الخَاطِئةُ تُشبِهُ نَارًا خَامِدَةً على وَشْكِ الانتشارِ حَتَّى إنَّ أيَّ رِيحٍ مِنْ رِياحِ التَّجارِبِ قَد تَهُبُّ عَليها وتَجعلُها تَضْطَرِمُ بِشِدَّة. لِذا، إن لم تَكُن مُؤمِنًا، يجبُ عليكَ أن تَلتَجِئَ إلى يَسوعَ المَسيحِ كَي يَسْتُرَ خَطِيَّتَكَ. وإنْ كُنتَ مُؤمِنًا، يجبُ عليكَ أن تَتَيَقَّنَ مِن عَدَمِ فِعلِ أيِّ شَيءٍ قَد يُوقِظُها مِن سُباتِها. لِذا فإنَّ أوَّلَ نَتيجةٍ للخطيَّةِ هي أنَّها تُهيمِنُ عَلينا. وَهِيَ قُوَّةٌ لا يُمكِنُ التَّغلُّبُ عَليها إلاَّ مِن قِبَلِ المَسيح.
ثَانِيًا، النَّتيجةُ الثَّانيةُ للخَطيَّةِ في حَياتِنا هي أنَّها تَجعلُنا تَحتَ سُلطانِ الشَّيطان. وَمَنْ يَرغَبُ في أن يَكونَ خَاضِعًا للشَّيطان؟ وَمَنْ قَد يَختارُ أن يُهَيمِنَ عَليهِ ذلكَ الرُّوحُ الشِّرِّير؟ ومعَ ذلكَ فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ في رِسالة أفسُس 2: 2 إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ لا يَعرِفونَ يَسوعَ المَسيحَ يَسْلُكونَ "حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ". فإن كُنتَ لا تَعرِفُ يَسوعَ المَسيحَ فإنَّ الشَّيطانَ يَعملُ في حَياتِك.
وَقَد قَالَ يَسوعُ لأولئكَ الأشخاصِ المُتَدَيِّنينَ الَّذينَ اجتَمَعُوا حَولَهُ في الأصحاحِ الثَّامِنِ مِن إنجيلِ يوحنَّا: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". وَهُوَ يَقولُ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 5: 19: "وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّير". وَهُوَ يَقولُ في رِسالة رُومية 6: 16 في الحَقيقةِ: أنتُم عَبيدٌ للخَطيَّةِ والشَّيطان.
لِذا، مَا هُوَ تأثيرُ الخَطيَّةِ في حَياتِنا؟ وَمَا الَّذي تَفعلُهُ بِنا؟ أولاً، إنَّها تُهَيمِنُ عَلينا حَتَّى يَصيرَ تَفكيرُنا، وتَصيرَ مَشاعِرُنا، وتَصيرَ إرادَتُنا، ويَصيرَ سُلوكُنا خَاضِعًا لَها. ثانيًا، إنَّها تَجعلُنا تَحتَ هَيمنةِ العَدُوِّ الشِّرِّيرِ؛ أيِ الشَّيطان. فَليست هُناكَ حُرِّيَّة، بل هُناكَ فقط عُبوديَّة. وَلَيسَ هُناكَ انْعِتاقٌ، بل فقط قُيودٌ. ولكِنَّ الشَّيطانَ يَجعَلُكَ تَظُنُّ وَحَسْب أنَّكَ حُرّ.
أمَّا عِندما يَأتي الإنسانُ إلى يَسوعَ المسيحِ فإنَّ يَسوعَ يَقول: "إِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا". ولكِنْ لماذا يَقولُ ذلك؟ لأنَّ الشَّيطانَ يُرَوِّجُ لِحُريَّةٍ زَائِفَة. كَمْ عَدَدُ الحَرَكاتِ الَّتي تَسمَعونَ عَنها في وَقتِنا الحَاضِرِ وتُدْعَى "حَرَكات التَّحَرُّر"؟ ولكِنْ هَلِ الإنسانُ حُرٌّ؟ وَهَل تَمَّ تَحريرُهُ؟ لا، بل إنَّهُ عَبْدٌ للخَطِيَّة.
فَالرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَقدِرُ أن يُحَرِّرَنا. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 26: 18 أنَّ بُولُسَ دُعِيَ للكِرازَةِ بالمَسيحِ لِيَفتَحَ عُيونَهُم؛ أيْ عُيونَ الأُمَمِ "كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا...غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِين". بعبارةٍ أخرى، إنَّ الكِرازَةَ بالإنجيلِ تَفتَحُ العُيونَ، وتُرجِعُ النَّاسَ مِنَ الظُّلمةِ، وتُحَرِّرُهُم مِن سُلطانِ الشَّيطانِ لِيَرجِعُوا إلى الله. فالخَطيَّةُ تُهيمِنُ عَلينا وتَضَعُنا تَحتَ سُلطانِ الشَّيطان.
النَّتيجةُ الثَّالثةُ للخَطيَّة هي أنَّها تَجعَلُنا مُعَرَّضينَ لِغَضَبِ الله. فنحنُ نَقرأُ في رِسالة أفسُس 2: 3 (كَما قَرأتُ قَبلَ قَليل) أنَّنا تَحتَ غَضَبِ الله. وَهُوَ يَدعونا "أبناءَ الغَضَب". فَنَحْنُ تَحْتَ الغَضَبِ الإلهيِّ. وَهَذا أمرٌ خَطير. فَفِي المَزمور 90: 11، قَالَ المُرَنِّمُ: "مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ غَضِبَكَ؟" مَن يَستطيعُ أن يَقيسَهُ؟ مَنْ يَعرِفُهُ؟ فَغَضَبُ اللهِ مُطْلَقٌ. وبالمُناسَبَة، إنَّهُ ليسَ مُجَرَّدَ نَزوةٍ، بَل إنَّ غَضَبَ اللهِ هُوَ عَمَلٌ نَابِعٌ مِن إرادَتِهِ الطَّاهِرةِ والمُقَدَّسَةِ ضِدَّ الخَطيَّةِ الَّتي تُدَنِّسُ كَونَهُ.
وَيَجِبُ عليكَ أن تَسألَ نَفسَكَ (عندما تَقرأُ الكتابَ المقدَّسَ وَتَقرأُ عن غَضَبِ اللهِ) كيفَ أنَّ الخُطاةَ يَعيشونَ بِهَذا العَمَى بِخُصوصِ خَطاياهُم. فنحنُ نَقرأُ في رسالة غلاطيَّة 3: 10: "مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ". ثُمَّ نَقرأُ في الآيةِ الَّتي تَليها أنَّ: "الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا". وإنْ لم تَأتِ إلى اللهِ مِن خِلالِ الإيمانِ فإنَّكَ سَتَقَعُ تَحتَ اللَّعنَة.
فَيَسوعُ هُوَ مَوضوعُ مَحَبَّتِنا. واللهُ يَقولُ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 16: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا!" فَاللهُ جَادٌّ جِدًّا. فالخَطيَّةُ تُهَيمِنُ عَلينا، وتُسيطِرُ عَلينا، وتَجعَلُنا نَقَعُ تَحتَ غَضَبِ الله. وَلا أَدري كيفَ يَستطيعُ الخَاطِئُ أن يَأكُلَ، ويَشربَ، ويَبتَهِجَ في حينِ أنَّهُ يَعلمُ أنَّ تلكَ حَقيقة. فَهذا يُشبِهُ وَليمَةَ دَموقليس (Damocles) الَّذي على الرَّغمِ مِن أنَّهُ جَلَسَ لِيَأكُلَ في الوقتِ الَّذي كَانَ يُوجَدُ فيه سَيفٌ مُعَلَّقٌ فَوقَ رَأسِهِ بِخَيطٍ رَفيعٍ، فإنَّهُ استَطاعَ أن يَأكُل! فَسَيفُ غَضَبِ اللهِ مُعَلَّقٌ فَوقَ رَأسِ الخَاطِئِ؛ وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ يَذهبُ ليَأكُلَ ويَشربَ ويَمرَح.
اسمَعوني: إنَّ يَسوعَ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَستَطيعُ أن يُنقِذَنا مِنَ الغَضَبِ الآتي. وَهَذا هُوَ ما يَقولُهُ لَنا الأصحاحُ الأوَّلُ مِنَ الرسالةِ الأولى إلى أهلِ تِسالونيكي إذْ نَقرأُ إنَّنا نَنتَظِرُ ابْنَهُ "الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي". أَلَسْتُم سُعَداءَ لأنَّكُم مُؤمِنون؟ ولأنَّكُم نَجَوْتُم مِنَ الغَضَبِ الآتي؟
إذًا، الخَطيَّةُ تَجعلُ الشَّرَّ يُهَيمِنُ عَلينا. والخَطيَّةُ تَجعَلُ الشَّيطانَ يُسَيطِرُ علينا. والخَطيَّةُ تَجعلُنا تَحتَ غَضَبِ اللهِ. رابعًا، الخَطيَّةُ تُخْضِعُنا لِبُؤسِ الحَياة. فإنْ تَبِعْتَ طَريقَ الخَطيَّةِ فإنَّكَ سَتَختبِرُ البُؤسَ تِلوَ الآخَر. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أيُّوب 5: 7 أنَّ: "الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّة". أنَّ "الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّة".
وفي رِسالة رُومية 8: 20، يَقولُ بُولُسُ إنَّ الخَليقَةَ أُخْضِعَتْ لِلْبُطْل. بِعبارةٍ أخرى، لقد صَارَتْ عَديمَةَ النَّفْعِ، وجَوفاءَ. فَهُناكَ شَيءٌ مَفقودٌ فيها. وَهُناكَ قَلبٌ لا يَشبَعُ البَتَّة. وهُناكَ عَطَشٌ لا يَعرِفُ البَتَّةَ مَعنى الارتِواء، وَجُوعٌ لا يَعرِفُ البَتَّةَ مَعنى الاكتِفاء.
وَلَيْسَ بِوِسْعِ الإنسانِ إلاَّ أن يَقولَ مَعَ سُليمان: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ! فقد نَظَرْتُ إلى كُلِّ شَيءٍ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ". فقد جَرَّبَ سُليمانُ كُلَّ شَيء، ولكِنَّهُ وَجَدَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَؤولُ إلى الفَراغِ، والمَرارَةِ، والحُزنِ، والبُطْلِ، وَعَدَمِ الجَدوَى.
والخَطيَّةُ تُجَرِّدُ الإنسانَ مِن كَرامَتِه. فَبِسَبَبِ زِنَى رَأوبَيْن، فَقَدَ كَرامَتَهُ في سِفْر التَّكوين والأصحاح 49. لِذا فإنَّ الإنسانَ فَقَدَ كَرامَتَهُ. وقد حُرِمَ الإنسانُ مِنَ السَّلامِ إذْ نَقرأُ أنَّهُ "لَيْسَ سَلامٌ للأشرار" (كَما يَقولُ الكتابُ المقدَّس). "أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا".
وقد كانَ يَهوذا فَاسِدًا وشِرِّيرًا جدًّا حَتَّى إنَّهُ سَارَ في طَريقِ المَتاعِبِ إلى النِّهاية. وبسببِ مَشاعِرِ الرُّعبِ واليَأسِ وَعَذابِ الضَّميرِ الَّذي كانَ يَصرُخُ بِصَوتٍ عَالٍ جدًّا، لم يَتمكَّن مِنَ احتِمالِ سَماعِ صَوتِهِ. لِذا فقد أَخَذَ حَبْلاً ورَبَطَهُ حَوْلَ عُنُقِهِ وَتَعَلَّقَ على شَجَرَةٍ إلى أن مَات. وقدِ انقَطَعَ حَبْلُهُ فَارتَطَمَ جَسَدُهُ على الصُّخورِ في الأسفلِ وَتَحَطَّم. فقد كانَ يُحاوِلُ أن يَهرُبَ مِن ضَميرِهِ؛ ولكِنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ قَادَهُ إلى جَهَنَّمَ حيثُ سَيَسمَعُ صَوتَ ضَميرِهِ أعلى مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى إلى أبدِ الآبِدين.
اسمَعوني: هذهِ هِيَ نَتيجةُ الخطيَّة. ولكِنْ هُناكَ نَتيجة أخرى. فالخَطيَّةُ تَدينُ النَّفسَ في النِّهايةِ في جَهَنَّم. فالنَّاسُ يَظُنُّونَ أنَّهُم يَستطيعونَ أن يُمارِسُوا الخَطيَّةَ وَيَنْجُوا؛ ولكِنْ لا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلك. وهَذا يَتَّضِحُ مِن خِلالِ القِصَّةِ التَّاليةِ الَّتي نَشَرَتها الصَّحيفةُ:
"كَشَفَ التَّشريحُ الَّذي جَرَى يَومَ الخَميسِ أنَّ رَجُلاً مَاتَ يَومَ الاثنينِ بعدَ أن وَصَلَ إلى مَطارِ لوس أنجليس الدَّوليِّ لأنَّهُ هَرَّبَ مَادَةَ كُوكائين يُقَدَّرُ ثَمَنُها بِنِصفِ مَليون دُولار بعدَ أن وَضَعَها في أكياسٍ صَغيرةٍ وابتَلَعهَا كي يُخَبِّئَها في مَعِدَتِه. وقد قالَ قَاضي التَّحقيقِ في الوَفَياتِ "توماس نوغوشي" (Thomas Noguchi) إنَّ كِيسًا أو أكثرَ سَرَّبَ مَادَّةَ الكُوكائين وَأدَّى إلى وَفاةِ "إدسيل مادسكي" (Edsel Madski) البالغِ مِنَ العُمر 37 سَنة بسببِ جُرعةٍ زَائدةٍ مِنَ المُخَدِّرات. وقد قالَ ضُبَّاطُ فِرقةِ مُكافَحَةِ المُخَدِّراتِ في قِسْمِ شُرطةِ لوس أنجليس إنَّ هَذهِ طَريقةً شَائِعَةً لِتَهريبِ المُخَدِّرات. وقد قالَتِ الشُّرطةُ إنَّ "مادسكي" كانَ في طَريقِهِ إلى ألاسكا عندما نَزَلَ مِنَ الطَّائرةِ في المَطارِ وَسَقَطَ على الأرض. وقد تُوُفِّيَ في مُستشفىً مُجاوِر".
هَذا هُوَ ما تَفعلُهُ الخطيَّة. فقد تَظُنُّ أنَّكَ تَستطيعُ أن تُمارِسَ الخَطيَّةَ قَدْرَ مَا تَشاء في حَياتِكَ؛ ولكِنَّها سَتَجِدُ طَريقَها إليكَ وتَقتُلُكَ. فسوفَ تَجِدُ طَريقَها إليكَ في النِّهايةِ وتَقتُلُكَ. فالخَطيَّةُ تَدينُ النَّفسَ في جَهَنَّم. وكُلُّ ما يَنبغي لَكَ أن تَفعلَهُ هُوَ أن تَقرأَ سِفْرَ الرُّؤيا والأصحاحَ العِشرين. اقرأ عنِ العَرشِ الأبيضِ العَظيمِ وكيفَ أنَّ النَّاسَ سَيُطرَحونَ في بُحيرةِ النَّار. واعلَمُوا أنَّ خَمسينَ مَليون شَخص يَموتونَ كُلَّ سَنة. هَل تَعلَمونَ ذلك؟ فَهُناكَ 136,986 شَخصًا يَموتونَ كُلَّ يَوم، و 5707 يَموتونَ كُلَّ سَاعَة، و 95 شَخصًا يَموتونَ كُلَّ دَقيقة. وَهَل تُريدونَ أن تَعلَموا شَيئًا؟ هُناكَ أربعةُ مِلياراتٍ ومِئتانِ وخَمسونَ مَليون شَخصٍ في العَالَمِ سيَموتونَ عَاجِلاً أَم آجِلاً. وَهُمْ سَيُستبدَلونَ، بالمُناسَبَة، بِمُعَدَّلِ مَرَّتينِ وَنِصْف عَدَد الوَفَيَات. لِذا فإنَّ الأمرَ لا يَقتَصِرُ فقط على أنَّ جَميعَ النَّاسِ يَموتون، بل إنَّ هُناكَ أُناسًا أكثرَ يُولَدُونَ لكي يَموتُوا طَوالَ الوقت. وَجَهَنَّمُ تَنتَظِرُ بِفارِغِ الصَّبْرِ ضَحاياها.
وقد قالَ "هنري فان دايك" (Henry Van Dyke): "تَذَكَّر أنَّ ما تَملِكُهُ في هذا العَالَمِ سَيَتِمُّ العُثورُ عليهِ في يَومِ مَوتِكَ وسَيَصيرُ مِلْكًا لِشخصٍ آخر. أمَّا صِفاتُكَ الحَقيقيَّةُ فَسَتَبقى مُلتصقةً بِكَ إلى الأبد". فالخَطيَّةُ تَدينُ النَّفسَ. ونَحنُ لا نُحِبُّ أن نَتحدَّثَ عن جَهَنَّمَ؛ ولكِنَّ يَسوعَ تَحَدَّثَ عنها أكثرَ مِن أيِّ شَخصٍ آخرَ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. وقد قالَ "سبيرجن" (Spurgeon): "هُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يَتَدَلُّونَ فَوقَ فُوَّهَةِ جَهَنَّمَ بِحَبلٍ دُونَ أن يَعلَموا ذلكَ. ولكِنَّ الحَبْلَ مُهْتَرِئٌ". لِذا فإنَّنا نَرى الشَّرَّ المُميتَ للخطيَّة.
لقد أَجَبْنا عَن بِضعَة أسئلة عنِ الخطيَّة مِثلَ: مَا هِيَ الخطيَّة؟ مَا طَبيعَتُها؟ كيفَ تُؤثِّرُ فينا؟ ولكنْ يُوجدُ في الحَقيقةِ سُؤالٌ خَامِسٌ وَأخيرٌ مُهِمٌّ جدًّا: مَاذا يَنبغي أن نَفعلَ بِشَأنِها؟ مَاذا يَنبغي أن نَفعلَ بِشَأنِها؟ هَل يُمكِنُني أن أقولَ مَا يَلي بِبَساطَة؟ "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ [مَاذا؟] حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ" هَذا هُوَ المِفتاح. أليسَ كذلك؟ "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ".
عندما مَاتَ يَسوعُ على الصَّليبِ دَفَعَ أُجرةَ خَطاياكَ وَقَدَّمَ لَكَ غُفرانًا. وفي الآيةِ رُومية 4: 7، يَقولُ الكتابُ المُقدَّسُ: "طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ. طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً". طُوبَى للإنسانِ الَّذي يَعلَمُ أنَّ كُلَّ خَطاياهُ قد غُفِرَت. طُوبَى للإنسانِ الَّذي يَعلَمُ أنَّ اللهَ سَتَرَ خَطاياهُ بِبِرِّهِ. طُوبَى للإنسانِ الَّذي يَعلَمُ أنَّ اللهَ لن يَحسِبَ خَطاياهُ عَليهِ. طُوبَى للإنسانِ الَّذي يَعلَمُ أنَّ الدَّيْنَ قَد مُحِيَ. طُوبَى للإنسانِ الَّذي يَعلمُ أنَّ الأُجرةَ قد دُفِعَت. طُوبَى للإنسانِ الَّذي يَأتي إلى يَسوعَ المَسيحِ ويَأخُذ الهِبَة المَجَّانِيَّة. هذهِ هي السَّعادَة.
وَهَذا هُوَ ما يُحاوِلُ يَسوعُ أن يَقولَهُ في العِظَةِ على الجَبَل. أَتَرَوْن؟ فَهُوَ يُحاولُ أن يَقولَ: "إنَّ الخَطيَّةَ مُشكلةٌ عَويصةٌ. لِذا، أريد مِنكُم أن تَرَوْها على حَقيقَتِها، وأريدُ أن أَجذِبَكُم إليَّ وإلى ذَبيحَتي عَنكُم". وَقَد تَقول: "حَسَنًا، ولكِنِّي مُؤمِن. وقد سَمِعتُ الرِّسالة". أجل، ولكِن إنْ كَانَ هُناكَ أيُّ قَدْرٍ مِن عَدَمِ المُبالاةِ فإنَّكَ قد فَقَدتَ جُزءًا مِنَ الشُّعورِ بالامتِنانِ في قَلبِكَ لِما فَعَلَهُ اللهُ لأجلِك. وأرجو أنَّهُ عندما تَرى الخَطيَّةَ فإنَّكَ سَتَشعُرُ مَرَّةً أخرى بالامتِنانِ لأجلِ غُفرانِ خَطاياك.
فَماذا يَنبغي أن تَفعلَ بشأنِها؟ يَجبُ عَليكَ أن تَأتي إلى يَسوعَ المسيح. وقد تَقول: "ولكِنِّي مُؤمِنٌ، وأنا أعرفُ أنَّ الأغصانَ قد قُطِعَت، وأنَّ الجِذْعَ قد قُطِعَ، ولكِنَّ الجُذورَ ما تَزالُ مَوجودةً، والأصلَ مَا يَزالُ مَوجودًا. فكيفَ أتعامَلُ مَعَ الخَطيَّةِ في حَياتي؟ لقد دَرَسنا هذا المَوضوعَ كَثيرًا. فقد دَرَسناهُ كَثيرًا. والجَوابُ ببساطَةٍ لَهُ جَانِبان: أوَّلاً، أن تُدركَ أنَّ خَطاياكَ قد غُفِرَت... أنَّها قد غُفِرَت. فقد غَفَرَ لَكَ كُلَّ تَعَدِّياتِكَ مِن أجلِ اسمِهِ. فقد غُفِرَت.
ثانيًا، أن تُدركَ أنَّكَ تَملِكُ القُدرةَ على أن تَقولَ: "لا". أنَّكَ تَملِكُ القُدرةَ على أن تَقولَ: "لا". فنحنُ نَقرأُ في رسالة كُولوسي 3: 5: "فَأَمِيتُوا أَعْضَاءَكُمُ". أَمِيْتُوهَا. وقد تَقول: "وكيفَ أقولُ ’لا‘ للخَطيَّة؟" بأنْ تَقولَ "نَعَم" لله. فالخَطيَّةُ تُحارِبُ كُلَّ ما تَعلَمُ أنَّهُ بِرٌّ. وَوَفْقًا لِهَيمنةِ رُوحِ اللهِ في حَياتِكَ، سَوفَ تَقولُ "نَعَم" إمَّا للبِرِّ وإمَّا للخَطِيَّة.
ولكِنْ أوَّلاً: ماذا نَفعلُ بشأنِ الخطيَّة؟ هَذا هُوَ السُّؤالُ الأخير. تَعالَ إلى يَسوعَ المَسيحِ وَهُوَ سَيَغفِرُها. وإذا كُنتَ مُؤمِنًا، عندما تُطِلُّ الخَطِيَّةُ بِرأسِها في حَياتِنا، وعندما تَأتي التَّجربة، يجبُ علينا أن نَثِقَ بأنَّها قد غُفِرَت. لِذا فإنَّنا لا نَسقُطُ في فَخِّ الشُّعورِ بالذَّنبِ أو فُقدانِ الثِّقةِ بالله. ثُمَّ إنَّنا نَنتقلُ إلى القُوَّةِ المُتاحَةِ لَنا بِقوَّةِ رُوحِ الله.
والمِفتاحُ لِذلكَ، يا أحبَّائي... والآن، صَدِّقوني أنَّ المِفتاحَ لذلكَ هُوَ أنْ تَتَشَبَّعُوا بكلمةِ اللهِ وتَجعلوهَا تُهيمِنَ على تَفكيرِكُم. فَحينئذٍ، عندما تَأتي التَّجربة ستَتصرَّفونَ بِحَسَبِ كَلِمَةِ الله. وَسوفَ تَكونُ هَذهِ هي الفِكرةُ الَّتي سَنَتطرَّقُ إليها عندما نَتَحَدَّثُ عَن سَيْفِ الرُّوحِ في دَرْسِنا صَباحَ الأحدِ القَادِم.
وَمَا أُحاوِلُ أن أَقولَهُ لَكُم هُوَ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نُعالِجَ الخطيَّةَ جَذريًّا. وهل تَعلَمونَ كيفَ خَتَمَ يَسوعُ هَذا المَقطعَ الصَّغيرَ في الأصحاحِ الخَامِسِ مِن إنجيلِ مَتَّى؟ لقد خَتَمَهُ بالقَولِ إنَّهُ إنْ تَطَلَّبَ الأمرُ ذلكَ، اقلَع عَينَكَ. وإنْ تَطَلَّبَ الأمرُ أن تَقطعَ يَدَكَ كي تَتَخَلَّصَ مِنَ الخَطيَّةِ، اقطَعها. افعَلوا أيَّ شَيءٍ وَكُلَّ مَا يَلزَمُ في سَبيلِ الابتعادِ عَنِ الشَّرِّ لأنَّهُ بَشِعٌ جدًّا.
وأريدُ أن أَحكي لَكُم قِصَّةً في الخِتام. في التَّاريخِ الإيرلنديِّ، هُناكَ شِعارٌ عَظيمٌ للبَاروناتِ يُسَمَّى "يَدُ أونيل الحَمراء" (Red Hand of O'Neill). ففي إيرلندا، في تَاريخِها المُبَكِّرِ، كانَت هُناكَ مَناطِق وُهِبَتْ لِباروناتٍ مُعَيَّنينَ فَحَكَموا تلكَ المَناطِق. وكانَتْ وَاحِدةٌ مِن تلكَ الأراضي تُسَمَّى "يَد أونيل الحَمراء". وَهِيَ الشِّعارُ القَديمُ لِعائلةِ أونيل. وإليكُم أَصْلُ هَذهِ التَّسمية:
كانَ هُناكَ مَجموعةٌ مِنَ النَّاسِ في طَريقِهم لاستكشافِ إيرلندا، وقد أَبْحَروا إلى هُناكَ بالقَوارِب. وَكانُوا يَقتَرِبونَ مِن شَاطِئِ أرضٍ لم يُطالِب بِها أحدٌ بَعد. وقد صَاحَ القُبطانُ (الَّذي كانَ رَجُلاً جَسورًا جدًّا ومُغامِرًا) وَقالَ لِجَميعِ العَائلاتِ المُتَّجِهَةِ إلى ذِلكَ الشَّاطِئِ بِقوارِبِها إنَّ أوَّلَ شَخصٍ يَلْمَسُ بِيَدِهِ شَاطِئَ تلكَ الأرضِ سَيَحصُل عليها ويَصيرُ بَارُونًا على تلكَ الأرض.
وكانَ وَاحِدٌ مِنَ الرِّجالِ يُدعَى "أونيل" (O'Neill)، وَهُوَ شَخصٌ أنجَبَ ليسَ فقط قَبيلةَ أونيل، بل أيضًا أُمَراءَ أولستر (Ulster). وقد كانَ أونيل مُصَمِّمًا على امتِلاكِ تلكَ الأرض. لِذا فقد رَاحَ يُجَذِّفُ بِكُلِّ قُوَّتِهِ، ويُجَذِّفُ، ويُجَذِّفُ؛ ولكِن كانَ يُوجدُ شَخصٌ آخرُ يُجَذِّفُ أسرَعَ مِنهُ ويَبدو أنَّهُ سَيَفوز. وأخيرًا، صَارَ القَارِبانِ جَنبًا إلى جَنْبٍ، ثُمَّ إنَّ القَارِبَ الآخَرَ سَبَقَهُ وَتَخَطَّاه. وعندما سَبَقَه القَارِبُ الآخر، انْتَفَضَ أُونيل لأنَّهُ كانَ يَرغَبُ جِدًّا في الحُصولِ على تلكَ الأرض ولم يَعلَم كيفَ سيَحصُل عليها.
ويَكتُبُ كَاتِبُ سِيرَتِهِ الكلماتِ التَّالية: "نَظَرَ أونيل نَظرةَ غَضَبٍ وانتصارٍ إلى القَارِبِ الَّذي سَبَقَهُ، وَقَامَ بِشَيءٍ يَنُمُّ عَنْ شَجاعَةٍ وَبَأسٍ شَديدَيْنٍ إذْ إنَّهُ تَرَكَ المِجْذافَيْنِ، وَأَخَذَ فَأسًا وَقَطَعَ واحِدَةً مِن يَديهِ الَّتي كَانَ يُجَذِّفُ بِهِما وَرَمَاها بِكُلِّ عَزْمٍ لَديهِ إلى الشَّاطِئِ الَّذي كَانَ مُصَمِّمًا على امتِلاكِه. والآن (كَما يَقولُ كَاتِبُ سِيرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ)، "صَارَتْ اليَدُ المُخَضَّبَةُ بالدِّماءِ شِعارَ البَاروناتِ عَامَّةً. شِعار أونيل".
وَأودُّ أن أقولَ إنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ رَجُلٌ مُستعدٌّ أن يَقطعَ يَدَهُ مِن أجلِ الحُصولِ على شَيءٍ دُنيَوِيٍّ، مَا الَّذي يَنبغي أن تَفعلَهُ مِن أجلِ الحُصولِ على كُلِّ البَرَكَةِ الإلهيَّةِ إنْ تَغَلَّبْتَ على الخطيَّة؟ فالأمرُ جَادٌّ جِدًّا. فالنَّاسُ يَفعلونَ مِثلَ تلكَ الأمورِ مِن أجلِ امتلاكِ أرضٍ. فَماذا سَتَفعلُ مِن أجلِ التَّغلُّبِ على الخطيَّةِ في حَياتِك؟ دَعونا نُصَلِّي مَعًا:
يَا أبانا، نَحنُ نَعلَمُ أنَّ هُناكَ أرْضًا مَجيدةً لأجلِنا، أرضًا يَنبغي لنا أن نَأخُذَها لأجلِ المَسيحِ، وأنَّهُ يَجبُ علينا أن نُضَحِّي بإرادَتِنا قبلَ كُلِّ شَيءٍ مِن خِلالِ المَجيءِ إلى يَسوعَ المَسيحِ كي نَحصُلَ على تلكَ الأرض. فيجبُ علينا أن نَتَخَلَّى (إن جَازَ القَولُ) عَن يَدَيْنا وَقَدَمَيْنا وقُلوبِنا وَأذهانِنا وكُلِّ شَيءٍ لأجلِ المَسيح.
فيجبُ علينا أن نَقطعَ كُلَّ ذَواتِنا، وأنْ نَقولَ: "أيُّها الرَّبُّ يَسوعُ، تَعالَ وَعِشْ مِن خِلالي. أنا أَتَخَلَّى عَن يَدَيَّ مِن أجلِ يَديكَ، وَأَتَخَلَّى عَن قَدَمَيَّ مِن أجلِ قَدَمَيْكَ، وأَتَخَلَّى عَن قَلبي مِن أجلِ قَلبِكَ، وأَتَخَلَّى عَن فِكري مِن أجلِ فِكرِكَ، وأَتَخَلَّى عَن فَمي مِن أجلِ فَمِكَ، وأَتَخَلَّى عَن عَينيَّ مِن أجلِ عَينيكَ، وأَتَخَلَّى عَن أُذُنَيَّ مِن أجلِ أُذُنَيْكَ".
يا رَبُّ، سَاعِدنا على أن نَرى خُطورةَ الخَطيَّة. وإنْ كانَ هُناكَ أشخاصٌ أعِزّاء في وَسْطِنا في هذا المَساءِ، لم يَأتوا بَعْد إلى يسوعَ المسيح، صَلاتُنا هي أن يَكونوا قد رَأوْا في هذا المَساءِ مُشكلةَ الخَطيَّةِ، وسُلطانَها، والتَّهديدَ الشَّديدَ الَّذي تُشَكِّلُهُ عَلينا. وَلَيتَهُم يَأتونَ عندَ قَدَمَيِّ الرَّبِّ ويَقبَلونَ هِبَةَ الخَلاصِ المُتاحِ لَهُم مَجَّانًا.
وبالنِّسبةِ إلى المُؤمِنينَ مِنَّا، ساعِدنا يَا رَبُّ على أن نَعرِفَ مَعنَى أن نُميتَ أعمالَ الجَسَد، وأن نُبغِضَ الخَطيَّةَ كَما تُبغِضُنا أنتَ، وأن نُحِبَّكَ بالمَحبَّةِ الصَّحيحةِ والمُضَحِّيَةِ، وأن نَفعلَ كُلَّ مَا يَلزَمُ لِلحُصولِ على مِلْءِ البَرَكَةِ الَّتي أَعْدَدْتَها لَنا، وأن نَحصُلَ على كُلِّ الكُنوزِ الَّتي وَفَرَّتَها لَنا.
يا رَبُّ، ساعِدنا على أن نَتَغَلَّبَ على الخطيَّةِ في حَياتِنا بأنْ نَأتي قَبلَ كُلِّ شَيءٍ إلى المَسيحِ لأنَّهُ الوَحيدُ القادِرُ أن يَرفَعَها، ثُمَّ بأنْ نَعتَرِفَ دَائِمًا بِخَطايانا، ونَتوبَ عَنها، وبأنْ نَسعَى إلى أن نَعيشَ حَياةً طَاهِرةً كَي نَختَبِرَ مِلْءَ نِعمَتِكَ. باسمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
