Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نأتي في هذا الصَّباح إلى مقطعٍ كِتابِيٍّ مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس يَستحقُّ أن نُوْليه أعظم اهتمامٍ وأكبر تكريسٍ لأنَّه رُبَّما لا يوجد مقطع آخر في كلِّ العهد الجديد يُلَخِّص قلبَ المؤمنِ وسُلوكَه بطريقة أفضل مِن هذا المقطع. فهو يَحوي في نظري أقوى شَهادة مُنفردة يُمكن للمؤمن أن يحصل عليها مِن خلال جُملةٍ بسيطةٍ قالها يسوعُ في العدد 44: "أَحِبُّوا أَعداءَكُم". فإذْ نَنطلِق في دراسة هذا المقطع المُمتدّ مِن العدد 43 إلى العدد 48 في هذا الصَّباح في إطارِ دراستِنا الَّتي ما تزال مُستمرَّة لإنجيل مَتَّى، نأتي إلى جُزءٍ مُهمٍّ جدًّا مِن الكتاب المقدَّس.

وأعتقد أنَّه إن كانت هناك جُملة واحدة قالها يسوعُ عن العالَم وتُلَخِّصُ ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، رُبَّما كانت هذه الجُملة هي: "أَحِبُّوا أَعداءَكُم". وأنا أَعلمُ أنَّ "وِل دورانت" (Will Durant) سُئِلَ عن رأيه في الأخلاق المسيحيَّة، فَلَخَّصَ الأخلاقَ المسيحيَّة بالكلمات التَّالية: "إنَّها ببساطة: ’أَحِبُّوا أَعداءَكُم‘". وقد قال: "لا شَكَّ في أنَّ يسوعَ وَضَعَ أَسمَى أخلاقٍ وُضِعَت في تَاريخ الإنسان؛ ولكنَّ السَّيِّء جدًّا في الأمر هو أنَّ أحدًا لم يَعِش وَفقًا لها". إنَّ هذا الجانبَ هو أهَمُّ جانبٍ في الحياة. فإن كانت المحبَّة هي أعظم شيء، فإنَّ محبَّتَكم لأعدائكم هي أعظم شيءٍ تستطيع المحبَّة أن تَفعله. لذا فإنَّ أهَمَّ شيءٍ في كلِّ حياةِ الملكوت الخاصَّة بنا ينبغي أن يَتلخَّصَ في هذا المفهوم المُختصِّ بمحبَّتكم لأعدائكم.

وأريد منكم حقًّا أن تُفكِّروا معي. فيجب علينا أن نُرسِي بضع قواعد في هذا الصَّباح لكي تَفهموا. وبعد أسبوعَيْن مِن هذا الصَّباح، سوف نَصِلُ إلى خِتامِ هذا الموضوع ونَرى شيئًا عَجيبًا حين نَسمع يسوع يتكلَّم مُبتدئًا بالعهد القديم، ويَنتقل إلى مِلْءِ فكرة العهد الجديد عن محبَّة الأعداء. ولكن لا بُدَّ أن نَبتدئ اليوم بخلفيَّة صغيرة وعددٍ مِن النِّقاط الأساسيَّة. وأريد منكم أن تفهموا ذلك لأنَّه مِن المُهمِّ جدًّا أن تَفهموا.

في كلِّ العظة على الجبل، أعتقد أنَّه توجد جُملتان تُلَخِّصان أكثرَ مِن أيِّ جُمُلٍ أخرى... بالرَّغم مِن أنَّهما قد لا تَلفتان الأنظار كثيرًا بادئ الأمر... ولكنَّهما تُلَخِّصان الأخلاقَ والمعاييرَ والمؤهِّلات الَّتي ينبغي أن تَتوافَر في الشَّخص الَّذي يَقولُ إنَّه يَنتمي إلى ملكوتِ السَّماوات. وهُما جُملتان بسيطتان جدًّا. والجُملةُ الأولى الَّتي أريدُ أن أَلفِتَ أنظاركم إليها تَرِد في العدد 47 مِن الأصحاح الخامس. وهي تقولُ ما يلي في مُنتصف العدد: "فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟" والآن، هذه جُملة تُلَخِّص تلخيصًا رائعًا ما يريدُ المسيحُ أن يَقولَهُ في العظة بأسرِها. ما الَّذي يُمَيِّز نِظامَكم عن أيِّ نظامٍ بشريٍّ آخر؟ ما الَّذي يَجعلُكم مُختلفين؟

ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاح السَّادس والعدد 8 جُملةً بسيطةً أخرى تقول: "فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ". وهذه هي الجُملة الثَّانية. إنَّهما جُملتان تُلخِّصان العظة كلَّها: "فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟" وَ "لاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ". وما يقوله يسوع في كِلتا هاتين الجُملتين البسيطتين هو التَّالي: "إنَّ معاييري ليست كبقيَّة المَعايير. وما أَطلبُهُ هو ليس ما يفعله الآخرون. فمِعياري أَعلى". هذا هو ما يقولُه. والحقيقة هي أنَّه يُشير إلى أنَّ كلَّ النِّظامِ الدِّينيِّ اليهوديِّ الفَريسيِّ هو دُون المُستوى.

فبعد أن يَقولَ نِظامُكم أفضلَ ما عِنده، ما الَّذي يَجعلُه أفضل مِن أيِّ نظامٍ آخر؟ وما الَّذي يُميِّز ما تَفعله عَمَّا يَفعله أيُّ شخصٍ آخر؟ ما الَّذي يُميِّزُك؟ إن كنتم جُزءًا مِن ملكوتي، لن تَتصرَّفوا كما يَتصرَّفون. فالنَّاس في ملكوتي لديهم مِعيار أعلى مِن معياركم". وبالمُناسبة، لقد كان مِعيارُهم أعلى مِعيارٍ دينيٍّ في ذلك الوقت، ولكنَّه لم يكن يَرتقي إلى المستوى المطلوب. فاللهُ يَطلُب لأجل ملكوته مِعيارًا مُختلفًا، وفريدًا، ومُنفصلاً، ومُقدَّسًا. وفي الأصحاح الخامس والعدد 20، يُشيرُ يسوعُ مباشرةً إلى نِظامهم ويقولُ ما يلي: "فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ".

"إنَّ مِعياري عالٍ" [كَما يقول]. "إنَّ معياري أعلى مِن أعلى مِعيارٍ بَشريٍّ؛ أي أعلى مِن مِعيار الكَتبة والفَرِّيسيِّين". لقد كانوا يَسْعَوْنَ جاهِدينَ لتطبيقِ كُلِّ الشَّرائع، وكلِّ أنواع الطُّقوس والشَّعائِر الدِّينيَّة. وكانوا أكثر أشخاصٍ مُتديِّنين في زمانهم. بالرَّغم مِن ذلك فإنَّ اللهَ يقول: "أنتم لا تَختلفون عن أيِّ شخصٍ آخر. أمَّا مِعياري فيتطلَّب منكم أَلاَّ تَتمثَّلوا بهم، وأن تَفعلوا ما هو أفضل بكثير مِن أفضل ما يستطيع البشر أن يَفعلوه". فأعلى أخلاقٍ بشريَّة هي أَدنى بكثير مِن مِعيار الله. وهذا ليس بالأمر الجديد في العهد الجديد. فالله يدعو شعبَه دائمًا إلى مِعيارٍ أعلى.

وإليكم كيفَ صَاغَ اللهُ ذلك لبني إسرائيل حالَما خَلَّصَهُم مِن عبوديَّتهم في مِصر وجَعلهم شعبَ عَهدِه. فقد قال ما يلي... اسمعوا: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ. مِثْلَ عَمَلِ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي سَكَنْتُمْ فِيهَا لاَ تَعْمَلُوا، وَمِثْلَ عَمَلِ أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي أَنَا آتٍ بِكُمْ إِلَيْهَا لاَ تَعْمَلُوا". بعبارة أخرى، إنَّ مِعياري يَختلف عن المِعيار الذي كان سائدًا في المكانِ الَّذي خَرجتُم منه، ويَختلفُ عن المِعيارِ السَّائد في المكانِ الَّذي ستَمضونَ إليه. "وَحَسَبَ فَرَائِضِهِمْ لاَ تَسْلُكُوا. أَحْكَامِي تَعْمَلُونَ، وَفَرَائِضِي تَحْفَظُونَ لِتَسْلُكُوا فِيهَا. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ".

والآن، لاحظوا أنَّه يُغَلِّف جُملَتَهُ بالكلمات: "أنا الرَّبُّ إلهُكُم ... أنا الرَّبُّ إلهُكُم"؛ مُبتدئًا ومُنتهيًا بتلك الكلمات. ولأنِّي الربُّ إلهُكم، لا تَتصرَّفوا كما يَتصرَّف أيُّ شخصٍ آخر. لا تَعيشوا بحسب أيِّ معيارٍ؛ لا مِعيار البلد الَّذي خَرجتُم منه، ولا مِعيار البلد الَّذي ستذهبون إليه. فلأنَّه كان إلهَ عهدهم، ولأنَّهم كانوا شَعبَهُ الخاصَّ، كان ينبغي لهم أن يكونوا مُمَيَّزين عن أيِّ أشخاصٍ آخرين. وكان ينبغي لهم أن يَتبعوا وَصاياه دون أن يَتمثَّلوا بمعايير الشُّعوب المُحيطة بهم.

وكان هذا الأمرُ صعبًا. فقد كان صعبًا بالنِّسبة إليهم، وكان صعبًا في زمن يسوع. وَمِنَ الصَّعب علينا أن نُحاول الآن أن نَعيش وَفقًا لمعيارٍ آخر يَختلفُ عن المِعيارِ الَّذي يُغَلِّفُنا ويُحاصِرُنا في العالَمِ مِن حولِنا. فهذا أمرٌ صعب. ولكن هذا هو ما يُطالبُنا اللهُ به. ومِن المؤسف أن نقول إنَّه على مَرِّ القُرونِ الَّتي أَعقبَتْ ذلك، استمرَّ بنو إسرائيل في نِسيان تَفَرُّدهم. فقد استمرُّوا في نِسيان أنَّ مِعيارَهُم هو مِعيارٌ مُختلِف، واستمرُّوا في السُّقوط في الخطيَّة.

فقد كانوا [كما قالَ بَلْعام]: "شَعْبٌ يَسْكُنُ وَحْدَهُ، وَبَيْنَ الشُّعُوبِ لاَ يُحْسَبُ". وهذا يبدو جيِّدًا. فقد كانوا يعيشونَ في عُزلة، ولا يَختلطون بالآخرين [كما يقولُ بَلعام]. ولكنَّ الحقيقة هي أنَّهم انخَرطوا عَمليًّا في كلِّ شيءٍ يُحيط بهم. لِذا فإنَّ الكِتابَ المُقدَّسَ يقولُ ما يَلي، وهي جُملة مُدهشة: "بَلِ اخْتَلَطُوا بِالأُمَمِ وَتَعَلَّمُوا أَعْمَالَهُمْ".

وهذه مُلاحظة مُحزِنَة! وهي مُلاحظة يُمكن أن تُقال لوصفِ الكنيسة أيضًا. فقد راحوا يَختلطون بالوثنيِّين وتَعلَّموا أن يَفعلوا ما يَفعلونه. فمنذ البداية، دَعا اللهُ دائمًا الشَّعبَ إلى أن يكون مُمَيَّزًا. وقد دعا الشَّعبَ دائمًا إلى معيارٍ آخر، والى مُستوى أعلى. ولكنَّ شعب الله يَميلُ دائمًا، لسببٍ مَا، إلى الانحدار. والحقيقة هي أنَّ بني إسرائيلَ أرادوا أن يَمْلِكَ عليهم مَلِكٌ إذْ إنَّهم قالوا ما يلي: "لاَ بَلْ يَكُونُ عَلَيْنَا مَلِكٌ، فَنَكُونُ نَحْنُ أَيْضًا مِثْلَ سَائِرِ الشُّعُوبِ".

فقد أرادوا أن يكونوا مِثلَ بقيَّة العالَم. وحتَّى إنَّهم تَمادوا في ذلك وقالوا: "نَكُونُ كَالأُمَمِ... فَنَعْبُدُ الْخَشَبَ وَالْحَجَرَ". لذا فقد استمرَّ اللهُ في إرسال الأنبياءِ إليهم. وقد استمرَّ الأنبياءُ في تذكيرهم بتَمَيُّزهم. فهناك مَثلاً النَّبيُّ إرْميا الَّذي قال: "لاَ تَتَعَلَّمُوا طَرِيقَ الأُمَم". وهناك مَثلاً النَّبيُّ حِزْقيال الَّذي قال: "لاَ تَتَنَجَّسُوا بِأَصْنَامِ مِصْرَ". وقد جاءَ نَبيٌّ بعد الآخر بعد الآخر. فقد جاءوا واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وهَلُمَّ جَرَّا، وتَوَسَّلوا باستمرار إلى شعبِ اللهِ على أمل أن يُحافظوا على مَعاييرهم الفريدة. فقد كان قَبولُهم لأيَّة مَعايير أَدنى منها إهانة لله.

ولا يَختلفُ الأمر في زمن يسوع وزمَنِنا هذا. فاللهُ يريدُ مِن شعبه أن يكون مُختلفًا. وهو يريد مِن شعبه أن يكون مُميَّزًا. والمِعيارُ الَّذي يُقدِّمُه يسوع هنا بخصوص محبَّة الأعداء لا يُوافِق التَّيَّارَ السَّائد. فهذه الجُملة هي في نَظر الشَّخصِ الوَثنيِّ اليوم ضَرْبٌ مِن ضُروب الجُنون. فهي عديمة المَعنى. ولكنَّها ليست مِعيارًا أرضيًّا، وليست أخلاقَ العصر، بل إنَّها مِعيارٌ فريدٌ. وهو خُلُقٌ أَسمَى بكثير. وهو في الحقيقة خُلُقٌ أعظم بكثير مِن أيِّ خُلُقٍ يُمكننا أنا وأنتم أن نَلتزِمَ به مِن تلقاء أنفسنا. فهو أمرٌ يَفوقُ جدًّا قُدرتَنا أن نُحِبَّ أعداءَنا.

ولكنَّ السِّمَة المُمَيِّزة للملكوت... والآن، اسمعوا هذا... إنَّ السِّمة المُميِّزَة للملكوت هي سِمة خاصَّة جدًّا وفريدة جدًّا. والمِفتاحُ لفهم ذلك هو أنَّه لا يُمكنكم أن تَعيشوا بتلك الطَّريقة ما لم تَنالوا قُوَّةً إلهيَّة. لِذا فإنَّ يسوعَ يقولُ للفَرِّيسيِّين: "إنَّ نِظامَكُم هو دُون المُستوى المَطلوب. وما لم تأتوا إليَّ مِن أجل الحصول على القوَّة، لن تتمكَّنوا يومًا مِن العيش وَفقًا لمَعاييري".

إنَّ هذه العِظَة بأسرِها تُظهِر التَّبايُن الحقيقيّ بين أفضل ما لدى البشر ومَعايير الله. ولكنَّ النُّخبةَ؛ أي أكثرَ الأشخاصِ تَمَسُّكًا بالنَّاموسِ والطُّقوسِ والدِّين (أي: الفَرِّيسيُّون) لم يكونوا مُؤهَّلين. فمثلاً، لقد كانوا يَظُنُّون أنَّه يَكفي أَلاَّ يَقتلوا. ولكنَّ يسوعَ يقول: "لا أعتقد حتَّى أنَّه يجوزُ لكم أن تَكرهوا، بل إنَّ الوصيَّةَ تقول إنَّه لا يجوز للأخِ أن يَغضبَ على أخيه".

وكانوا يَظُنُّون أنَّه يكفي أن يَمتنعوا عن الزِّنا؛ ولكنَّه يقول: "لا يَجوزُ لكم حتَّى أن تُفكِّروا في الزِّنا". وكانوا يُفكِّروا إنَّه لا بأس في أن يُطَلِّقوا إن اهتمُّوا بكلِّ الأوراق القانونيَّة؛ ولكنَّ يسوعَ قال: "لا يجوزُ لكم حتَّى أن تَسمحوا بحالاتِ الطَّلاقِ غير الكِتابيَّة تلك". وقد كانوا يَظُنُّون أنَّه يَكفي أن يَحفظوا نُذورًا مُعيَّنة؛ ولكنَّ يسوع قال: "لا يَجوز لكم حتَّى أن تَحلفوا، بل يجب أن يكون كلامُكم صادقًا جدًّا ونَقيًّا جدًّا". وقد كانوا يَظُنُّون أنَّه يكفي أن يُطَبِّقوا شريعةَ العَينِ بالعَينِ والسِّنِّ بالسِّنّ؛ ولكنَّه يقول: "لا يجوزُ أن تَنتقموا لأنفسكم البتَّة".

وقد قالوا في الأصحاح السَّادس: "نحنُ نُصلِّي هكذا"؛ ولكنَّ يسوعَ قال: "هذا غير لائق. عندما تُصَلُّون، صَلَّوا هكذا". وقد قال يسوع: "أنتُم تُعطونَ هكذا، ولكنَّها طريقة خاطئة للعطاء. أريدُ منكم أن تُعطوا هكذا". وقد قال يسوع: "أنتُم تَهتمُّون بالأشياء الماديَّة، ولكنِّي أريد منكم أن تَهتمُّوا بملكوت الله". وكما تَرَوْنَ، فإنَّه يَعمل طَوال الوقت على عَقْدِ مُفارقة. والآن، إذ نأتي إلى الأصحاح الخامس والأعداد مِن 43 إلى 48 فإنَّه يُبايِن بين محبَّتِهم ونوعيَّة المحبَّة الَّتي ينبغي أن يَتَّسِم بها رَعايا مَلكوتِه. وما يَعنيه هنا في الحقيقة هو أنَّهم ليسوا في ملكوتِه. فَهُم ليسوا مُؤهَّلين له.

نحنُ مَدعوُّون إلى أن نكون مُميَّزينَ، يا أحبَّائي. وهذه هي الفِكرة الجَوهريَّة في هذه العِظة بأسرِها. فهذا هو ما يَقولُهُ حَقًّا. وهذا هو ما كنتُ أحاول أن أقولَهُ في وقتٍ سابق مِن الخِدمة في هذا الصَّباح: أنَّ اللهَ يدعونا إلى الانفصالِ عن النِّظام السَّائد لنكون شعبًا مُفْرَزًا لدينا مُعتقدات وتكريس ومَعايير نعيش وَفقًا لها تَختلف عن مَعايير العالَم. ولا نجد مُفارقةً بين حياة الإنسان ومَلكوت الله أكثر وُضوحًا أو سُطوعًا مِمَّا هي الحال في حياة المؤمن. فهذا هو أوضحُ كَلامٍ مُمكن. لِذا فإنَّ يسوعَ يُواجِه بني إسرائيل هنا لأنَّ بني إسرائيل (الَّذينَ كانوا مُتديِّنين جدًّا) كانوا يعيشون حَسَب الجسد. وهو يُهاجِم تَقليدَهُم الدِّينيَّ الوَضْعِيَّ قائلاً إنَّه أَقَلُّ بكثير مِن مِعيار الله.

والآن، لننظُر إلى ما يقوله عن موضوع المحبَّة هذا في العدد 43. فهو مُهمٌّ جدًّا: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟ فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ".

فهو يقول لهم ما قالَهُ في المُفارقات الخمس السَّابقة ابتداءً مِن الأصحاح الخامس والعدد 21: "ناموسُكم يقولُ كذا. وأمَّا أنا فأقولُ كذا". ناموسُكم يقولُ: "تُحِبّ قريبَك وتُبغِض عَدوَّك". وأمَّا أنا فأقول: "أحبُّوا أعداءَكُم". فهو يقول: إنَّ مِعيارَكُم مُنخفِض، وأخلاقكم مُنخفضة جدًّا. فكما قلتُ، لقد كَشَفَ تَحريفَهُم لوصيَّة الله: "لا تَقتُل". ثُمَّ إنَّه هاجَمَ أيضًا تَلاعُبَهُم بالوصيَّة القائلة: "لا تَزْنِ". ثُمَّ إنَّه هاجَمَ تَدنيسَهُم للزَّواج.

ثُمَّ إنَّه هاجَمَ سُلوكَهُم الشِّرِّيرَ قائلاً لهم إنَّه لا يجوز لهم أن يَحلفوا باسم الرَّبِّ إلهِهم باطلاً. ثُمَّ إنَّه بَيَّنَ كيف أنَّهم تَلاعبوا بالشَّريعة القضائيَّة المُختصَّة بشريعة العَيْن بالعَيْن. والآن، ها هو يُهاجمهم على أساس أَرقى وأَسمى الأشياء؛ وتَحديدًا: المحبَّة، ويقول: "إنَّ تَكريسَكم المَزعوم لمحبَّة قريبكم غير كافٍ". وأودُّ أن أقول إنَّني أعتقد أنَّ هذه هي أعظم جُملة هنا لأنَّها جُملة عن المحبَّة. والمحبَّة هي أعظمُ شيء. ومحبَّة الأعداء هي أعظم شيءٍ يُمكن للمحبَّة أن تَفعلَه. فهو يأتي حقًّا إلى... إلى القِمَّة، أو إلى الذُّروة، عندما يتحدَّث عن المحبَّة.

لِنُقارن مَقطعًا آخرَ بالمقطعِ الَّذي قرأناهُ للتَّوّ. فنحن نقرأ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 22 أنَّ نَاموسيًّا جاءَ إلى يسوعَ وسألَهُ: "أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟" وفي العدد 37، قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ".

بعبارة أخرى، يمكنك أن تَحفظَ كُلَّ النَّاموسِ وكُلَّ الأنبياءِ (وَصيَّةً تِلو الأخرى)، أو يُمكنك أن تُحبَّ الربَّ الإلهَ مِن كلِّ قلبِكَ ونَفسِكَ وفِكركَ وقُوَّتك، وأن تُحِبَّ قريبكَ كنفسك إذْ إنَّ هذا يُحقِّقُ المَطلوب.

فهذهِ هي خُلاصةُ كلِّ شيء. وهذا مَذكور أيضًا في رسالة رومية والأصحاح 13 إذْ إنَّ الرَّسولَ بولس يقول: "لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَدٍ بِشَيْءٍ [رسالة رُومية 13: 8] إِلاَّ بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، لأَنَّ مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ فَقَدْ أَكْمَلَ النَّامُوسَ. لأَنَّ «لاَ تَزْنِ، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لاَ تَشْتَهِ»، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى، هِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي هذِهِ الْكَلِمَةِ: «أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَرًّا لِلْقَرِيبِ، فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوس".

يقولُ بولس إنَّ المحبَّةَ تُكْمِلُ النَّاموسَ كُلَّه. ويَسوعُ يَقولُ إنَّ المحبَّة هي تَكْميلُ النَّاموسِ كُلِّه. لِذا، في إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس، عندما يَبتدئ رَبُّنا في التحدُّث عن المحبَّة فإنَّه يُشيرُ إلى ذلك الشَّيء الَّذي يُلَخِّصُ النَّاموسَ كُلَّه. ونَجد هُنا حقًّا، يا أحبَّائي... سوفَ نَرى ذلك في الأسابيع القليلة القادمة عندما نَتحدَّث عن هذه النُّقطة... نجد هُنا ضَربةً صاعقةً وقاضيةً مُوجَّهة إلى الفَرِّيسيِّين. والحقيقة هي أنَّها ضربة مُباشرة جدًّا حتَّى إنَّه مِن المؤكَّد أنَّها جَمَّدَت الدَّمَ في عُروقهم حين قال لهم: "أنتُم تُشبهون الوثنيِّين" (في العدد 47). فهذا هو تمامًا ما قَصَدَهُ.

فمحبَّتُكم ليست أفضل مِن محبَّة أيِّ أُناسٍ آخرين. فأنتم لا تَختلفونَ في شيء عن جُباة الضَّرائب والخُطاة؛ أي عن العَشَّارينَ والوثنيِّين. والمعنى المقصود هو ما يلي: إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمون إلى مَلكوتي يَملِكونَ محبَّة تفوقُ أفضل حُبٌّ يُمكن للعالَم أن يَعرفَه. فنحنُ لا نُحبُّ أقرباءَنا ونُبغِض أعداءَنا، بل إنَّنا نُحبُّ أعداءَنا. وهو بكلامه هذا يَدينُهم لأنَّهم لم يكونوا يُحبُّون أعداءَهم. وهو يُريهم حاجتهم إلى مُخَلِّص. والآن، في كلِّ مُفارقة مِن هذه المُفارقات... وهناك سِتُّ مُفارَقات مِنها في مَتَّى 5 ... يُمكننا أن نَرى ثلاثَ نِقاطٍ رئيسيَّة: تَعليمَ العهدِ القديم، وتَقاليدَ اليهود، والحقَّ الَّذي يُعلِنُه المسيح. وهذه هي نفسُ النِّقاط الثَّلاث في كلِّ المُفارقاتِ السِّتّ.

لِنَنظُر أوَّلاً إلى تَقاليد اليهود... تَقاليد اليهود؛ وهو أمرٌ تَمَّت الإشارة إليه في العدد 43. انظروا إليه: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيل...". وهذه العِبارة الافتتاحيَّة القصيرة هي عبارة نَراها هُنا للمَرَّة السَّادسة، وهي تُشير إلى التَّقاليدِ اليهوديَّة. فهي ليست عبارة مُرتبطة بالعهد القديم، بل إنَّها تعني أنَّ تَقليدَكُم المُتوارَثَ يقولُ هذا.

فهذا هو نِظامُكم. وهذا هو تَقليدُكم الوَضْعِيُّ وما تَعلَّمتموه. فهذا هو التَّعليمُ السَّائدُ لأحْبارِ اليهود. وما هو؟ أنَّه يجب عليكَ أن تُحبَّ قَريبَكَ وأن تُبغِضَ عَدُوَّك. فهذا هو ما تَعَلَّموه: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ". وهذه نِهاية مَفتوحة. أليست كذلك؟ فأوَّلُ شيء ينبغي لكَ أن تَفعَلَه هو أن تُحَدِّدَ قريبَك، ثُمَّ يُمكنك أن تُبغضَ أيَّ شخصٍ آخر فتكونُ على ما يُرام.

فيُمكنك وحسب أن تُبغضَ عددًا هائلاً مِن النَّاس وَفقًا لتعريفِك لقريبِك. أليس كذلك؟ فإن عَرَّفتَ قريبَك بأنَّه زوجتُك وثلاثة مِن أصدقائك المُقَرَّبين، يُمكنك أن تُبغِض العالَمَ كُلَّه. لذا فإنَّ الأمر بِرُمَّته يَتوقَّف على تَعريفِك لقريبك. وهذا هو بالضَّبط ما قَصَدَهُ المسيح؛ لا فقط هنا، بل في مَواضِع أخرى كما سنَرى في دُروسِنا القادمة. انظروا أوَّلاً إلى الجُزء الأوَّل: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ". وقد تَبدو هذه تَقوى رائعة جدًّا: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ". إنَّهُ يبدو سُلوكًا رائعًا جدًّا. وقد تقول: "مِن أين جاءوا بذلك؟" إنَّه مكتوبٌ في العهد القديم... فهذا أمرٌ مُؤكَّد. في سِفْر اللاَّويِّين والأصحاح 19. فقد أخذوا ذلك مُباشرةً مِن العهد القديم.

فكما تَعلمون، عندما أرادوا أن يَضعوا قاعدةً، كانوا يَحرصون على دَعْمِها بطريقةٍ ما مِن العهد القديم. وَهُم في ذلك يُشبهون السَّاعةَ المُعَطَّلة الَّتي قد تُصيبُ مَرَّتين فقط في اليوم. فَمِن وقتٍ لآخر، قد يُصيبونَ كَبِد الحَقيقة. وكان بمقدورهم دائمًا أن يَعثروا على أساسٍ للحَقِّ في مَوضِعٍ مَا. لذا فإنَّهم هُنا يَرجعونَ إلى سِفْر اللاَّويِّين 19: 18 حيثُ نَقرأ: "لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". فهذا هو ما جاء في سِفْر اللاَّويِّين 19: 18. "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". فَقد اقتبسوا ذلك مِن هذا المَوضِع.

ولكن هل لاحظتُم شيئًا؟ لقد حَذَفوا جُزءًا. سَمعتُم أنَّهُ قيل: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ...". وما الجزءُ الَّذي حَذَفوه؟ "...كنفسِك". وهذا حَذْفٌ مُريح. أليس كذلك؟ فبسبب كِبريائِهم الَّذي لا يُصَدِّقهُ عقل، كانوا مُتكبِّرينَ جدًّا حتَّى إنَّ كلمةً كهذه في نهاية الجُملة كانت تُعيقُ تَحقيقَ رَغْباتهم. لذا، عِوَضًا عن أن يَتشوَّشوا بسبب كلمة تُوصيهم بأن يُعاملوا الآخرين كأنفسهم، حَذَفوها. ومِن المؤكَّد أنَّ الشَّخص الَّذي جاء إلى يسوع في إنجيل مَرقُس والأصحاح 12 يُضيفُ الكلمة: "كنفسِك"، وأنَّ النَّاموسيَّ المَذكور في لوقا 10 يُضيفُ الكلمة "كنفسِك"، ولكن رُبَّما أرادا أن يَتحقَّقا مِن أنَّهما على صَواب بسبب هُويَّةِ الشَّخصِ الَّذي كانا يَتحدَّثان إليه.

فمِن الواضح أنَّ العبارة الشَّائعة كانت: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ" وَلا شَيءَ سِوى ذلك. فَهُم لم يَشاءوا أن يُحبُّوا أيَّ شخصٍ كما يُحبُّون أنفسَهم. فَمِن شأن ذلك أن يُشَوِّشَهُم. فقد كانوا مُتكبِّرين جدًّا ولا يستطيعون أن يُحبُّوا أيَّ شخصٍ كما يُحبُّون أنفسَهم. هل فَكَّرتُم يومًا في مَعنى ذلك؛ أي في مَعنى أن تُحبَّ شخصًا كما تُحبُّ نفسَك؟ فإن كان ينبغي لك وحسب أن تُحبَّ أشخاصًا مُعَيَّنينَ مِن دون ذلك الشَّرْط بأن تُحبَّهُم كنفسك، يُمكنكَ أن تُحبَّهم عَنْ بُعْد. ويُمكنك أن تُعاملَهم مُعاملةً أَقَلّ قليلاً مِن تلك الَّتي تُعامل بها نفسَك. فأيًّا كان الشَّيءُ الَّذي تَفعلُه لنفسك، قد تَفعل نِصفَ ذلك لهم، أو ثُلُثَ ذلك، أو عُشْرَ ذلك. بعبارة أخرى، إن كان بمقدورك أن تَحذفَ تلك الكلمة الصَّغيرة، قد يكون الأمرُ مُريحًا جدًّا؛ أي لو أنَّها تقول: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ" وحسب.

ولكنَّ الربَّ يَعرف كيف يَغرِس الأشياء في أعماق كِيانِنا: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". ما أصعب ذلك! فقد تقول: "وكيفَ نُحِبُّ أنفُسَنا؟" اسمعوني: أنتَ تُحِبُّ نفسك. أجل! بعبارة أخرى، أسنانُ مَن تلك الَّتي نَظَّفتَها في هذا الصَّباح؟ وشَعْرُ مَن ذاكَ الَّذي سَرَّحْتَهُ؟ ومَلابسُ مَن تلك المُعَلَّقة في خِزانتِك؟ وأموالُ مَن تلك المُوْدَعة في حِسابِ تَوفيرِك؟ فأنتَ تَهتمُّ بنفسك. وأنتَ تُحبُّ نفسَك. فالمحبَّة تَعني سَدّ الاحتياجات. فأنتَ تَسُدُّ حاجاتِك الشَّخصيَّة. لِنَعترِف بذلك. فأنتَ تُحبُّ نفسكَ محبَّة غير زائفة، وغير مُنافقة، وكاملة. فلا توجد أيَّامٌ لا تُحِبُّ فيها نَفسَك، بل إنَّك تُحبُّ نفسَك طَوال الوقت. وأنتَ صادِق وأمين في ذلك. أنت كذلك حقًّا. وأنتَ تَفعل ذلك بحماسة.

وأنتَ تفعل ذلك دائمًا. فهي محبَّة دائمة. لماذا؟ لأنَّه كُلَّما كانَ لديكَ تَوقٌ إلى شيءٍ مَا فإنَّك تَتوقُ إلى إشباعِه. وكُلَّما كانت لديكَ حاجة فإنَّك تَتوق إلى سَدِّها. وكُلَّما كانت لَديكَ طِلْبة فإنَّك تَسعى إلى الحُصولِ عليها. وكُلَّما كانت هناك رَغبة فإنَّك تَتوقُ إلى إشباعِها. وكُلَّما كانَ لديكَ أَمَل فإنَّك تَتوقُ إلى تَحقيقِه. وكُلَّما كان لديكَ طُموح فإنَّك تسعى إلى بُلوغِه.

بعبارة أخرى، أنت تَعمل بِكُلِّ جِدٍّ لما يُحَقِّق مَصلحتَك. فهي الطَّريقة الَّتي تَسيرُ بها الحياة. فأنتَ تُبالي كثيرًا بمصلحتِك، وبراحتِك، وبسلامتِك، وباهتماماتِك، وبصحَّتِك، وبأحوالِك البَدنيَّة والرُّوحيَّة والزَّمنيَّة والأبديَّة. فنحنُ نَهتمُّ كثيرًا بأنفسنا. ونحن نَسعى إلى إشباعِ مَلَذَّاتِنا دون أن نَعرف حدودًا للحصول على ما نُريد. وهذه هي بالضَّبط الطَّريقة الَّتي ينبغي لك أن تُحبَّ بها الآخرين. ويسوعُ يقولُ: "حَتَّى أعداءَكَ".

بعبارة أخرى، يجب عليك أن تَمتلك تلك المحبَّة الكاملة المُلتهبة، والمُضطَرِمَة، والحَارَّة، والمُستمرَّة، والدَّائمة الَّتي تَجعلُك تَهتمُّ مِن كلِّ قلبِكَ بمصلحتِهم، وحاجاتِهم، وطِلباتِهم، ورغباتِهم، وآمالِهم، وطُموحاتِهم؛ والَّتي تَدفعُكَ إلى القيام بكلِّ ما يُمكنك القيام به لضمان خَيرِهم، وسلامتِهم، وراحتِهم، وسَدِّ حاجتِهم، وتحقيقِ كلِّ ما يُريدون، وكلِّ ما يَرغبون فيه، وكلِّ ما يَتوقون إلى الحصول عليه؛ أي أن تَتوقَ إلى تَحقيق ذلك بالنِّيابة عنهم.

كيفَ تُقَيِّمُ مَحبَّتك للآخرين؟ في آخر مَرَّة اضطُررتَ فيها إلى الاختيار بين أن تَفعل ما تُريد وبين أن تُضحِّي لكي يَفعل شخصٌ آخر ما يُريد، ماذا كانَ خِيارُك؟ بِمَن تَهتمُّ حقًّا؟ فالمِعيارُ عالٍ جدًّا يا أحبَّائي. فأن تُحبَّ قريبَك كنفسِك هو مِعيارٌ عالٍ جدًّا جدًّا... عَالٍ جدًّا! ومِن جِهة بَشريَّة، إنَّه أمرٌ مُستحيل لأنَّنا مِن جهة بَشريَّة مُنهَمِكونَ تمامًا في أنفسنا. فَكِّروا في ذلك وحسب.

فَكِّروا في ذلك مِن جهة دَخلِكُم. وما أعنيه هو أنَّك في أفضل الحالاتِ تَحتفظ بتسعينَ بالمِئة مِن دَخلِك الصَّافي بعد الضَّرائب ورُبَّما تُعطي الربَّ عَشْرة بالمِئة. وعندما يَختصُّ الأمرُ بالمبلغ الَّذي تُنفقه على نفسك مُقابِل المبلغ الَّذي تُنفقه على النَّاسِ في حَيِّك، مِن المؤكَّد أنَّه لا سَبيلَ للمُقارنة بين ما تُنفقه على نفسِك وما تُنفقه عليهم. ولا توجد مُقارنة بين ما تُعطيه للمُحتاجين وما تُنفقه على نفسك. فالفُروقُ شاسعة جدًّا لأنَّنا لا نُفَكِّر حتَّى بتلك الطَّريقة. فنحنُ غُرباء تمامًا عن هذه المبادئ. فمحبَّة القريب كنفسك هو مبدأ ثقيل جدًّا جدًّا جدًّا. ولكن هكذا ينبغي لنا أن نُحِبَّ.

وكما تَرَون، فإنَّهم لم يكونوا يُبالون بذلك. لذا فقد حَذفوا تلك الكلمة واكتَفَوْا بالقَول: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ". لِذا فقد حَذفوا شيئًا. مِن جهة أخرى، لقد أضافوا شيئًا. ما الَّذي أضافوه؟ ما هو؟ "وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ". والآن، مِن أين جاءت هذه العِبارة؟" هل هي موجودة في الكتاب المقدَّس؟ لا. فلا توجد في كلِّ الكتاب المقدَّس وَصيَّة تقول لنا أن نُبغِض أعداءَنا. مِن أين جاءوا بهذه العبارة؟ وما أعنيه هو: هل ابتكروها هُم أنفُسُهم؟ هذا صحيح!

فقد جاءت نتيجةً مَنطقيَّةً لتفكيرهم المُنحرِف. فكما تَرَون، كان ما فعلوه هو أنَّهم قالوا: "حسنًا! يجب علينا أن نُحِبَّ قريبَنا. والآن، يجب علينا أن نُحَدِّد مَن هو قريبُنا". أليس كذلك؟ لذا فقد قالوا: "إنَّ أقرباءَنا هُمُ اليهود، لا الأُمم". فهذا هو ما كان الفَرِّيسيُّون يؤمنون به. اليهودُ هُمُ الوحيدون المؤهَّلون. ومِن بين اليهود، هناك فئة مُعيَّنة مِن اليهود. أليس كذلك؟ فهناك يهود لا يَستوفون الشُّروطَ المَطلوبة ليكونوا أقرباء.

فمثلاً، انظروا إلى إنجيل مَتَّى 9: 10: "وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ [في العدد 9]، رَأَى إِنْسَانًا ... اسْمُهُ مَتَّى". وكان مَتَّى عَشَّارًا. ثُمَّ نقرأ في العدد 10 أنَّ يسوعَ كانَ يَجلسُ مع العديدِ مِن العَشَّارين: "وَبَيْنَمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْبَيْتِ، إِذَا عَشَّارُونَ وَخُطَاةٌ كَثِيرُونَ قَدْ جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ". وقد كانت توجد فئتان مِن النَّاس:

فهناك العَشَّارون، وسوفَ نَعرف المَزيدَ عنهم في دراستِنا المُستقبليَّة. ولكنَّهم كانوا يَهودًا عُصاةً، ومُتمرِّدينَ، واستغلاليِّينَ يَحتقرُهم الشَّعبُ لأنَّهم باعوا أنفسَهم لروما مُقابل المال. وهناك الخُطاة. إنَّهم الخُطاة المَعروفونَ عَلَنًا، أو الخُطاة الَّذي يَعلم الجميعُ أنَّهم خُطاة؛ أيْ الزُّناة والمُجرمون. "فَلَمَّا نَظَرَ الْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: «لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟»".

لِذا فقد كانوا يقولون إنَّ أقرباءَهُم هُم اليهود؛ وتحديدًا اليهود الَّذينَ ليسوا مِن العَشَّارين والخُطاة. لِذا، يجب علينا أن نَستَثني هؤلاء جميعًا. فَهُم ليسوا أقرباءَنا. والحقيقة هي أنَّهم وجدوا امرأةً أُمْسِكَتْ وهي تَزني ذاتَ مَرَّة فالتقطوا حِجارةً ليرجموها. لذا فقد كان القريبُ شخصًا مُحدَّدًا جدًّا. ولكنَّ الأمر لم يَقتصِر على ذلك. انظروا إلى إنجيل يوحنَّا 7: 49. ففي إنجيل يوحنَّا 7: 49، تَمادَوْا في ذلك أكثر فأكثر.

لقد تَجاوَزَ الفَرِّيسيُّون حُدودَهم كثيرًا هنا. وَقد قالوا في العدد 49: "وَلكِنَّ هذَا الشَّعْبَ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ النَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ". وقد كانوا يُشيرونَ هُنا إلى هذا الجَمْعِ مِن النَّاس. فقد كانوا يَتحدَّثون عن حَشْدٍ مِن النَّاس قائلين: "إنَّ هذا الحشدَ مِن النَّاس غير المُتعلِّمين، وغير المُثَقَّفين الَّذينَ لم يُكَرِّسوا أنفسهم للتقاليد الفَرِّيسيَّة، وهؤلاء الأَوباش الَّذينَ لا يَفهمون النَّاموس هُم مَلعونون".

لِذا فقد حَذفوا العَشَّارينَ، وحَذفوا الخُطاةَ، وحَذفوا الرَّعاعَ الَّذينَ لم يكونوا مُكرَّسين للنَّاموسِ الَّذي كَرَّسوا أنفسَهم له. وهل تَعلمون مَن كان أقرباؤهم؟ الأشخاصُ الَّذينَ كانوا يَنتمون إلى مَجموعتهم فقط. فإن كنتَ تَنتمي إلى مجموعتهم، قد يُحبُّونك. أمَّا إن لم تكن تَنتمي إلى مَجموعتهم فأنتَ عَدُوٌّ سواءٌ كُنتَ مِن الرَّعاعِ أو عَشَّارًا أو خاطئًا.

فإن لم تكن منهم فإنَّ الأمرَ مَحسومٌ إذْ إنَّ البابَ مُغلقٌ. فنحنُ مُكَرَّسونَ بعضُنا لبعض فقط، لا لأيِّ شخصٍ آخر. وقد كانوا يُغَذُّون قلوبهم الشرِّيرة المُتكبِّرة بهذا الاستنتاجِ القائِل إنَّ كلَّ مَن هو ليس قريبًا ينبغي أن يُبغَض. بعبارة أخرى، لقد قالوا: "الكتابُ المقدَّسُ يقول: تُحِبُّ قَريبَكَ". لِذا، إن لم يكن الشَّخصُ الآخر قريبَك فإنَّكَ لستَ مُطالبًا بأن تُحِبَّهُ. ونقيضُ المحبَّة هو الكَراهِيَة. لذا فإنَّ الوصيَّة: "تُحِبُّ قريبَك" تَعني أيضًا: "وتُبغِض عَدُوَّك".

وهذا هو ما يُعرَفُ في الحُجَجِ القانونيَّة بالحُجَّة المَعكوسة؛ وهي ليست حُجَّة صحيحة بالضَّرورة. ولكنَّها كانت الطَّريقة الَّتي فَكَّروا فيها لأنَّهم كانوا فاسدينَ في قُلوبهم قبلَ أيِّ شيءٍ آخر. وقد تَمادَوْا في تَحَيُّزِهم. وبالمُناسبة، إنَّهم لم يُتابعوا قراءة ما جاء في سِفْر اللاَّويِّين والأصحاح 19 أيضًا. ولو أنَّهم تابعوا القراءة إلى أن وَصلوا إلى العدد 34 لقرأوا ما يَلي: "كَالْوَطَنِيِّ مِنْكُمْ يَكُونُ لَكُمُ الْغَرِيبُ النَّازِلُ عِنْدَكُمْ، وَتُحِبُّهُ كَنَفْسِكَ". فلو أنَّهم تابعوا القراءة قليلاً لعَرفوا أنَّه ينبغي لهم أن يُحبُّوا الغريبَ غير اليهوديّ، أو أيًّا كان جِنسُه، كأنفسهم.

ولكنَّهم تَجاهلوا أيضًا ما جاءَ في سِفْر الخروج 12: 49: "تَكُونُ شَرِيعَةٌ وَاحِدَةٌ لِمَوْلُودِ الأَرْضِ وَلِلنَّزِيلِ النَّازِلِ بَيْنَكُمْ". فلا توجد تَشريعات مُختلفة للأشخاص المُختلفين. فإن كُنتَ مُطالبًا بالمحبَّة، ينبغي أن تُحِبَّ وحسب. وهذه وَصيَّة شاملة كما أنَّ وصيَّةَ الرَّبّ شاملة. ولم يكن الفَرِّيسيُّون هم الوحيدون الَّذينَ يفعلون ذلك.

فنحن نَعرف عن ثلاث مجموعات أخرى في زمن يسوع، وهي المَذاهب الثَّلاث لليهوديَّة: الفَرِّيسيُّون، والصَّدُّوقيُّون، والأَسِّينيُّون. وكان الأَسينيُّون يَعيشونَ حياةً مُتَقَشِّفة. فقد كانوا الأشخاص الَّذينَ خَرجوا مِن المدينة وأَسَّسوا مُجتمعًا على أطراف البحر الميِّت في المنطقة المَعروفة الآن باسم "قُمران"، وهو المكان الَّذي تَمَّ فيه العُثور على مَخطوطات البحر المَيِّت. وكانوا يعيشون بعيدًا عن المجتمع. وكانوا يعيشون في البَرِّيَّة حياةً بِدائيَّةً، ونَسخوا نُسَخًا مِن الكتاب المقدَّس، وعاشوا حياةً مُتقشِّفةً جدًّا في عُزلةٍ عن المُجتمع.

وتَحوي كِتاباتُ الأَسِّينيِّين جُمُلاً تَدُلُّ على أنَّهم كانوا يَفتكرون بنفس فكر الفَرِّيسيِّين. إليكُم هذا الاقتباس: "أحِبُّوا كلَّ ما اختارَهُ اللهُ، وأبْغِضُوا كلَّ ما رَفَضَهُ اللهُ. أحبُّوا أولادَ النُّورِ حَسَبَ نَصيبِ كُلٍّ مِنهُم في جَماعةِ اللهِ، وأَبغِضوا أولادَ الظُّلمة حَسَب ذَنْبِ كُلٍّ مِنهُم ونَصيبِهِ مِن نَقْمةِ الله". ثُمَّ إليكم هذا الاقتباس: "اللاَّويُّونَ يَلعنونَ كلَّ بَني بَليعال". وبالنِّسبة إليهم، كانَ بَنو بَليعال هُم غيرُ الأسِّينيِّين. لِذا فقد كانوا يَلعنون كلَّ شخصٍ لا يَنتمي إلى جَماعتهم؛ تمامًا كما كان يَفعل الفَرِّيسيُّون. فقد كانت محبَّتُهم شيئًا مُنحازًا، ومَحصورًا، وبَشعًا لأنَّها أعطتُهم رُخصةً بأن يَكرهوا الجميع.

وإن لم تكونوا تَعتقدون أنَّهم كانوا يَكرهون الجميع، راقبوهُم في أثناء تَعامُلهم مع يسوعَ المسيح. فقد كانوا مُمتلئين جدًّا بالكراهِيَة. وواحدٌ مِن أكثرِ أقوالِ الفَرِّيسيِّين مُراوغةً تَمَّ اكتشافُها مِن خلال الحَفريَّات الأثريَّة هو هذا القول... اسمعوا: "إن رأى يَهوديٌّ..." – هذا هو ما كانوا يُعَلِّمونَه: "إن رأى يهوديٌّ شخصًا أُمميًّا يَسقُط في البحر، لا يجوز له بأيِّ حالٍ مِن الأحوالِ أن يَنْتَشِلَهُ لأنَّه مَكتوب: ’لاَ تَقِفْ عَلَى دَمِ قَرِيبِكَ‘؛ ولكنَّ هذا ليسَ قَريبَك".

بعبارة أخرى، إن رأيتَ أُمميًّا يَغرق، قِف هُناكَ وتَمتَّع بالمَشهَد! لا تُنقذهُ. فهو ليس قريبك. وفي ضَوْء هذه النَّظرة، لا عَجَبَ أنَّ الرُّومان اتَّهموا اليهودَ بأنَّهم يُبغضونَ الجنسَ البشريَّ. والآن، بصراحة، هناك بِضعة أسباب تُرينا سبب تَحريفهم لما جاء في لاويِّين 19 بما يُوافِق تَحَيُّزَهُم. فلا يوجد مَوضعٌ في العهد القديم يقول إنَّه يجب عليك أن تُبغِض عَدوَّك. ولكن توجد عبارات أخرى في العهد القديم قد تبدو أوَّلَ وَهلة عَسيرةَ الفَهم.

لذا، لننتَقِل مِن النُّقطة الأولى (وهي "تَقاليد اليهود") إلى "تَعليم العهد القديم". مِن أين جاءوا بتلك الأفكار؟ سوف نُلقي نَظرةً على الكثيرِ مِنها. وسوف نُلقي نَظرةً على بَعْضٍ منها اليوم، ونُلقي نَظرةً على جُزءٍ مِن تعليم العهد القديم في درسِنا القادِم. وأخيرًا، سوف نَرى الحقَّ الَّذي عَلَّمَهُ يسوعُ وأزالَ مِن خلالِهِ كُلَّ سوء فَهْم. ولكن اسمحوا لي أن أُخبركم عن الشَّيءِ الَّذي جَعَلَهُم يَفعلون ذلك. فقد أرادوا طريقةً يُبغضونَ فيها الآخرين. وقد أرادوا أن يُبَرِّروا ذلك في نِظامهم الدِّينيِّ بطريقةٍ لا تُلَطِّخ بِرَّهُم الذَّاتيَّ. لِذا، كان لا بُدَّ أن يَجدوا طريقةً للكراهِيَة. ولا شَكَّ في أنَّهم عَثروا على عُذْرَيْنِ مَنطِقِيَّيْن.

الأوَّلُ هو أنَّ العهد القديم يَعِد بإهلاكِ الكَنعانِيِّين. فلَعلَّكُم تَذكرون أنَّه عندما جاءَ اللهُ ببني إسرائيل إلى أرض المَوعِد، كانتِ الأرضُ آنذاك مُزدحمة بالكَنعانيِّين الَّذينَ كانوا شعبًا شِرِّيرًا وفاسدًا. والحقيقة هي أنَّ عِلْمَ الآثارِ يُرينا أنَّه لم يكن هناك جِنْسٌ مِن البشر أسوأ مِن الكَنعانيِّين. فقد كانوا شعبًا مُنْحَطًّا.

فقد كانوا سَرَطانًا مُستَفحِلاً في المُجتمع البشريِّ بأبشع صُورةٍ مُمكنة. فقد كانوا يُقَدِّمونَ ذَبائح بشريَّة، ويُسيلونَ دِماءَهُم، ويَذبحونَ أطفالَهُم، وما إلى ذلك. فقد كان الكَنعانيُّون يَفعلون ذلك. وهي طُقوسٌ وَثنيَّة مَاجِنَة ومُريعَة. لِذا كان يَنبغي إهلاكُ الكَنعانيِّين. وعندما جاءَ بنو إسرائيل إلى الأرض، أَمَرَهُم اللهُ بالقضاءِ على العَمُّونيِّينَ والمُوآبِيِّينَ والمِديانيِّينَ والتَّخلُّصِ منهم. فلم يَكُن يَجوزُ لهم أن يُعاملوهُم بلُطف. ونقرأُ عن ذلك في سِفْر التَّثنية 23: 3-8 إذْ إنَّ هذا المَقطعَ كُلَّه يقولُ إنَّ كلَّ تلك الشُّعوب مِن المِديانيِّينَ والعَمُّونيِّينَ والمُوآبِيِّينَ ينبغي أن تُعامَل بلا شَفَقة، وأن تُستأصَل.

ونَقرأُ في وقتٍ لاحقٍ أنَّ "عَماليقَ" أيضًا كانوا سيواجهونَ نَفسَ المَصير. والحقيقة هي أنَّ اللهَ لا يقول فقط امَسحوهُم عن وَجهِ الأرض، بل امحوا ذِكْرَهُم أيضًا حتَّى لا يَعود أَحَدٌ يَذكُرُهم. لِذا فإنَّ اللهَ يقول هنا لهؤلاء الشَّعب: "اذهبوا إلى هناك وَطَهِّروا تلكَ الأرضَ مِن تلك الشُّعوب". ولا بُدَّ أنَّ الفَرِّيسيِّين نَظروا إلى ذلك وقالوا: "أَتَرْون؟ إنَّ الله يقول: ’يجب عليكم أن تُبغضوا أعداءَكُم. اذهبوا واقضوا عليهم‘". وقد تَشَوَّشَ أُناسٌ كثيرونَ بسبب ذلك. فَهُم يقولون: "كيف يُعقَلُ أن يقولَ اللهُ ’أحبُّوا أعداءَكُم‘ وأن يأمُرَ نَفسُ الإلَه بإهلاكِ كُلِّ تلك الشُّعوب؟" وهذا أمرٌ يُشَوِّشُ المَرءَ أوَّلَ وَهلة.

ولكن يوجد سبب آخر رُبَّما سَكَبَ الوَقودَ على نَارِهم أيضًا وهو ما يُسَمَّى بمَزامير اللَّعنَة. وهذه المَزامير هي مَزامير يَطلُب فيها داودُ مِن اللهِ أن يُنْزِلَ دَينونَتَهُ على أعدائِه. وما أكثرَ ما يقولُ النَّاسُ: "كيفَ يُوصينا الكتابُ المقدَّسُ بأن نُحبَّ أعداءَنا ثُمَّ نَقرأُ أنَّ داودَ صَلَّى قائلاً: ’يا رَبُّ، احكُم على أعدائي. يا رَبُّ، عاقِب أعدائي. أَوقِعهُم في فَخٍّ، أَوقِعهُم في شَرَك"، إلخ، إلخ. "دِنْهُم يا رَبُّ، أَهلِكهُم". كيفَ يُعقلُ أنَّه يُصلِّي صَلواتٍ كهذه إن كان يَنبغي له أن يُحِبَّ أعداءَه؟ لِذا، لا شَكَّ في أنَّهم أخذوا عددًا مِن مَزامير اللَّعنة تلك واستخدموها كأساس.

وسوف أُعطيكُم مَثلاً على ذلك. افتحوا كِتابكم المقدَّسَ. وأريدُ منكم أن تنظروا معي إلى الأصحاح 69 لأنِّي أعتقد أنَّه سيُساعدكم في فَهم هذه النُّقطة. ففي المزمور 69، يُصلِّي داودُ هنا في واحدٍ مِن مَزامير اللَّعنة هذه. وهو يَتضرَّعُ أن تَحِلَّ الدَّينونة على هؤلاء الأشرار. ولاحظوا أنَّ الكَلامَ في المزمور 69 والعدد 22 يَصيرُ شَديدَ اللَّهجة. فهو يقولُ كلامًا شديدًا جدًّا هنا.

فهو يقول عن هؤلاءِ الأعداء: "لِتَصِرْ مَائِدَتُهُمْ قُدَّامَهُمْ فَخًّا، وَلِلآمِنِينَ شَرَكًا. لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ الْبَصَرِ، وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِمًا. صُبَّ عَلَيْهِمْ سَخَطَكَ، وَلْيُدْرِكْهُمْ حُمُوُّ غَضَبِكَ. لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَابًا، وَفِي خِيَامِهِمْ لاَ يَكُنْ سَاكِنٌ. لأَنَّ الَّذِي ضَرَبْتَهُ أَنْتَ هُمْ طَرَدُوهُ، وَبِوَجَعِ الَّذِينَ جَرَحْتَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ. اِجْعَلْ إِثْمًا عَلَى إِثْمِهِمْ، وَلاَ يَدْخُلُوا فِي بِرِّكَ. لِيُمْحَوْا مِنْ سِفْرِ الأَحْيَاءِ، وَمَعَ الصِّدِّيقِينَ لاَ يُكْتَبُوا".

إنَّ هذا الكلامَ شديدُ اللَّهجة جدًّا. بعبارة أخرى، فإنَّه يقول: "عاقِبهم بِشِدَّة يا رَبُّ ولا تَترُك طريقةً دونَ أن تُعاقِبهُم بها". والآن، هل صار هذا مُبَرِّرًا لكراهِيَة الفَرِّيسيِّين؟ هذا مُرَجَّح جدًّا؛ بالإضافة إلى إهلاكِ الكَنعانيِّين. فقد كانوا يقولون: "أَتَرَوْن؟ هذا هو ما ينبغي أن يَحدث. هؤلاءُ هُمُ الأعداءُ الَّذينَ ينبغي أن نُبغِضَهُم". وقد استخدموا ذلك لتبرير كَراهِيَّتِهم الشخصيَّة ونَقمَتِهم. لكن إن فَعلوا ذلك (ومِن المُرَجَّح أنَّهم فَعلوا ذلك)، يكونون قد أساؤوا فَهْمَ المَعنى المقصودَ مِن الكلامِ المُختصِّ بإهلاكِ الكَنعانيِّينَ والكلام المذكور في المَزامير لأنَّه لا صِلَةَ له بالعلاقات الشخصيَّة. وهذا يُشبه دراستَنا السَّابقة عن شريعة العَيْن بالعَيْن والسِّنّ بالسِّنّ. فهناك أمور مُعيَّنة هي تَشريعات قضائيَّة لا تَسري على العلاقات الشخصيَّة.

وقد شَوَّشوا ذلكَ مَرَّةً أخرى. فقد أخذوا شَريعةَ العَين بالعَيْن القَضائيَّة وحَطُّوا مِن شأنِها بأن جَعلوها نَهْجًا للحياةِ اليوميَّة. والأمرُ نَفسُهُ يَصِحُّ هنا. فقد أخذوا عَمَلاً قَضائيًّا يقومُ به اللهُ القُدُّوسُ مِن أجل الحِفاظِ على نَسْلٍ بَارٍّ، وحَطُّوا مِن شأنِهِ مِن خلال جَعلِهِ مُسَوِّغًا لكَراهيَّتِهم الشخصيَّة. واسمحوا لي أن أُبَيِّن لكم ما أقصِدُهُ بذلك. ففي المَقام الأوَّل، كان الكنعانيُّونَ شَعبًا شِرِّيرًا. وقد كانَ رِجْسُهم قَبيحًا ومُنْحَطًّا جدًّا حتَّى إنَّ الكتاب المقدَّس يقول إنَّ الأرضَ تَقَيَّأتهُم. فقد كانوا شعبًا شِرِّيرًا فاسدًا.

عندما يُراجِعُ إنسانٌ طَبيبًا بسببِ إصابته بسَرطانٍ، ويَستأصِلُ الطَّبيبُ السَّرطانَ، لا نقولُ إنَّ الطَّبيبَ قَاسٍ، أو غير مُحبّ، أو غير مُبالٍ، أو غير مُتعاطِف، أو شَخصًا عَديمَ الرَّحمة، بل إنَّنا نَشكُره لأنَّه استأصلَ السَّرطان. وعندما قالَ اللهُ "اقضوا على الكَنعانِيِّين"، لم يكن ذلك العملُ شِرِّيرًا، بل كان عملاً صالحًا يَرمي إلى تَخليص المُجتمعِ البشريِّ مِن شَعبٍ فاسقٍ وفاسدٍ وشِرِّيرٍ لم يكن يَفعلُ أيَّ شيءٍ سوى إفساد المُجتمع. وهذا عَمَلٌ قَضائيٌّ مِن قِبَل الله.

ولكنَّ هذا لا يُعطي أيَّ شخصٍ يَهوديٍّ الحقَّ في احتقارِ أيِّ شخصٍ كَنعانيٍّ أو كُرْهِهِ بسببِ شيءٍ فَعَلَهُ. فما يَفعلُهُ اللهُ بعملهِ القَضائيِّ لا يُغيِّر حقيقةَ أنَّ اللهَ نفسَهُ الَّذي دَانَ الكَنعانيِّين أحبَّ كلَّ واحدٍ منهم بذات المحبَّة الَّتي يُحبُّكَ بها. فكما أنِّي أُحبُّ ابني، فإنَّ عِقابي له هو عِقابٌ بسبب شَرٍّ فَعَلَهُ، ولكنَّهُ لا يُلغي المحبَّة. لِذا، هناك عُنصرٌ قَضائيٌّ.

ولو أنَّ بني إسرائيلَ سَلكوا بحسبِ عاداتِ الكَنعانِيِّينَ، كما جاء في لاوِيِّين 18، لَشارَكوهُم مَصيرَهُم. ولكنَّ اللهَ أرادَ أن يَحفظَ نَسلاً بَارًّا. لماذا؟ لكي يأتي بالمَسيَّا البارّ الَّذي سيَفدي العالَم. لِذا فقد كان حِفْظُ بني إسرائيلَ عَملاً ذا أهميَّة عظيمة ونابعًا مِن قلبِ الله لكي يَترُكَ شاهدًا في العالَم. وقد كان بذلك يَستأصِل سَرطانًا مِن المُجتمع البشريِّ.

ونحنُ نَتصرَّفُ بِعَقلانيَّة حتَّى في وقتِنا الحاضِر، على الأقلِّ في بِضعة أماكن في العالَم، إذْ إنَّنا نَعْزِلُ أفرادًا في مُجتمعنا لأنَّهم لا يَفعلون شيئًا آخر سوى أنَّهم يَنشرون السَّرطان في مُجتمعنا مِن خلالِ إقدامِهم على القَتلِ، وإلحاقِ الأذى، والسَّرقة. فنحنُ نَعزِلُهم. واللهُ لم يكن يفعل سِوى ذلك؛ ولكن على نِطاقٍ واسع مِن خلالِ استئصالِ هؤلاء الأشرار لِخَيرِ المُجتمع. "إنَّ حُروبَ بَني إسرائيل..." كما يَكتُب "دييتريك بونهوفر" (Dietrich Bonhoeffer) "هي الحروب الوحيدة المُقدَّسة في التَّاريخ لأنَّها كانت حُروبًا شَنَّها اللهُ على عالم الأصنام". فليستِ العَداوةُ هي الشَّيءُ الوحيدُ الَّذي يَدينُهُ يَسوعُ؛ وإلاَّ لكانَ قد دَانَ كُلَّ تَاريخِ تَعامُلِ اللهِ مع شعبه. بل على العَكس مِن ذلك، فإنَّه يُؤكِّد العهدَ القديم. فقد كان هُناكَ مَجالٌ لحربٍ مُقدَّسة آنذاك.

وماذا بخصوص مَزامير اللَّعنة؟ ماذا عن تَضَرُّعِ داود إلى الله كي يُنزِلَ دينونَتَهُ على أعدائِه. اسمعوني: أنتُم تُسيئونَ فَهْمَ مَغزى المَزمور 69 إن لم تَقرأوا العدد 9 لأنَّ هذا العَدد يَشرَح الأعداد مِن 22 إلى 28. ماذا يقول المَزمور 69: 9؟ "لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي". توقَّفوا هُنا قليلاً. يا داود، لماذا أنتَ مُنزعج هكذا؟ يا داود، لماذا أنتَ قَلِقٌ هكذا؟ يا داود، لماذا تَطلُب مِن الله أن يَدينَ هؤلاءِ الأشخاص؟ بسبب ما فَعلوهُ - لا بي، بل ببيتِك.

أتَرَوْن؟ فالأمرُ ليس شخصيًّا. صَدِّقوني أنَّ أكبرَ عَدُوٍّ كان موجودًا في حياة داود هو ابنُهُ... ابنُهُ أبشالوم. وقد صَلَّى داودُ إلى اللهِ كي يَدينَ ابنَهُ، وصَلَّى إلى اللهِ كي يَدينَ عَدُوَّهُ؛ ولكنَّهُ صَرَخَ مِن أعماقِ قلبِه: "آه يا أبشالوم! أبشالوم! ابني! ابني!" فحقيقة أنَّه صَلَّى طَالبًا إدانَة أعدائِه مِن أجل تَمجيدِ اللهِ وحِفْظِ شعبِه لم تَكُن تَعني أنَّه لم يكن يُحِبُّ ابنَهُ. وهذه أشياء تَجعلُنا نَشعُر بمشاعِر مُتضاربة.

فنحنُ نُحبُّ الخُطاةَ، ولكنَّنا نُصلِّي أن يَتَمَجَّدَ اسْمُ اللهِ وأنْ تَتَوَقَّف خَطاياهُم. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نُحبُّ الخطاةَ مِن كلِّ قلوبِنا، وقُلوبُنا تتألَّم بسبب الأشخاص الَّذينَ يعيشون مِن دون المسيح؛ ولكنَّنا نُصلِّي أن يأتي المسيحُ، ويؤسِّسَ مَلكوتَهُ، ويُهلِكَ الأشرار. فنحنُ نُظهِرُ نَفسَ رَدِّ الفِعل الَّذي أَظهَرَهُ يوحنَّا الرَّسول عندما رأى تلك الرُّؤيا في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 10 فقال: "عندما وَضعتُ السِّفْرَ في فَمي ورأيتَ ما سيحدُث، صارَ في فَمي حُلْوًا ومُرًّا". فَمِنَ الحُلْوِ أن نَرى المسيحَ يَملِك مَرَّةً أخرى. ومِن المُرِّ أن نَرى ما سيحدث للخُطاة. لماذا؟ لأنَّه شَعَرَ بمشاعر مُتضاربة لأنَّه يُحبُّ الله مِن كُلِّ قلبِه ويُحبُّ النَّاسَ أيضًا.

وهكذا كانتِ الحالُ بالنِّسبة إلى داود. فقد كانت غَيْرَتُهُ على بيتِ الرَّبِّ تأكُلُه. "...وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ". فهو يقول: أنا لستُ أُدافعُ عن نفسي، بل أُدافعُ عنكَ أنت. فهناكَ فَرقٌ بين أن تُدافع عن مجد الله وكَرامته، وبين أن تَكرَهُ النَّاسَ شَخصيًّا. ويجب عليكم أن تُوَفِّقوا بينَ هذين الجانبَيْن. فالدَّينوناتُ واللَّعناتُ هي دائمًا قَضائيَّة وليست شخصيَّة. إذًا، ماذا ينبغي أن يكون مَوقفي مِن أيِّ شخصٍ، حتَّى مِن أَلَدِّ أعدائي؟ يجب أن يكون موقفي هو المحبَّة الغَفورة؛ في حين أنِّي أُصَلِّي في الوقتِ نفسِه: "يا رَبّ، لا تَسمح لأعدائك أن يَستمرُّوا في التَّجديفِ على اسمِك، بل تَمَجَّد بالمجدَ الَّذي هو لك".

فموقفي الرَّائع مِن عَدُوِّي هو أن أُحبَّهُ وأُصلِّي إلى الله كي يُخلِّصَهُ. وإن لم يُخلِّصَهُ، فإنَّ صَلاتي هي أن يَدينَهُ ويأتي بالمسيح ليكونَ الدَّيَّانَ العادلَ لهذا العالَم، ويُقيمَ البِرَّ في المكانِ الصَّحيحِ مَرَّةً أخرى. فقد دَانَ اللهُ آدَمَ، ولكنَّه أحبَّهُ. وقد أحبَّ اللهُ قايين ولكنَّه عاقَبَهُ. وقد أحبَّ اللهُ العالَمَ ولكنَّهُ أَهْلَكَهُ بطوفانٍ.

وقد أحبَّ اللهُ سَدوم وعَمُّورَة، ولكنَّهُ أَحْرَقَهُما وجَعَلَهُما رَمادًا. وقد أحبَّ اللهُ بني إسرائيل، ولكنَّهُ وَضَعَهُم جانبًا إلى حين. وقد أحبَّ اللهُ ابنَهُ الحَبيب، ولكنَّه جَعَلَهُ يَحمِل أُجرة الخطيَّة ويموت. واللهُ يُحبُّ العالَمَ اليوم، ولكنَّه يَعِدُ بأنَّه سَيُحْرِقُهُ في يومٍ مَا. واللهُ يُحبُّك، ولكنَّك ستَقضي الأبديَّة في جَهنَّم إن لم تَعرِف ابنَهُ.

إذًا كما تَرَوْن، لم يُفَرِّق الكَتَبَة والفَرِّيسيُّون يومًا بين هذا الأمرِ وذاك. فقد نَظروا فقط إلى الآياتِ الَّتي تتحدَّث عن الدَّينونة. وبسبب شَرِّهم، وفسادهم، وقُلوبهم المُنحازَة، سَمحوا لهذه الآيات أن تَصيرَ مُبَرِّرًا لهم ليَكرهوا النَّاس. وقد كان هذا العملُ خَطَأً بِرُمَّتِه. وأعتقد أنَّني أستطيعُ أن أُلَخِّصَ أفكاري في هذا الصَّباح بأن أطلبَ منكم أن تَنظروا إلى المَزمور 139 ... المَزمور 139. وهذه مُقدِّمة وحسب. المَزمور 139 ابتداءً مِن العدد 19. والآن اسمعوا هذه الآياتِ المُدهشة جدًّا.

ففي المزمور 139: 19 يَتحدَّثُ داودُ مَرَّةً أخرى قائلاً: "لَيْتَكَ تَقْتُلُ الأَشْرَارَ يَا اَللهُ". بعبارة أخرى، فإنَّه يَقولُ لله: "لا يُمكن أن يَحدُثَ هذا الأمرُ دائمًا بهذه الطَّريقة. لا يُمكنُ أن يَحدُثَ هذا الأمرُ دائمًا بهذه الطَّريقة". "فَيَا رِجَالَ الدِّمَاءِ، ابْعُدُوا عَنِّي. الَّذِينَ يُكَلِّمُونَكَ بِالْمَكْر". وكما تَرَوْنَ، هذا مَوقِفٌ سَليم. فالأمرُ لا يَختصُّ بي شخصيًّا، بل إنِّي أُدافِعُ عن الله. أنا أُدافِعُ عنك. "نَاطِقِينَ بِالْكَذِبِ، هُمْ أَعْدَاؤُكَ. أَلاَ أُبْغِضُ مُبْغِضِيكَ يَا رَبُّ، وَأَمْقُتُ مُقَاوِمِيكَ؟ بُغْضًا..." [اسمَعوا ما يَقول] "بُغْضًا تَامًّا أَبْغَضْتُهُمْ. صَارُوا لِي أَعْدَاءً". توقَّفوا هُنا.

والآن، لَحظة مِن فَضلِك! أنتَ تُبغِضُ يا داود! وَهُوَ يَرُدُّ قائلاً: "أجل، ولكنِّي أُبغِضُهم كيف؟ بُغْضًا تَامًّا. واسمحوا لي أن أطرحَ عليكُم سُؤالاً: هل مِنَ الصَّوابِ أن تَغضَب؟ هل مِنَ الصَّوابِ أن تَغضَب؟ لا! وهل هُناكَ شَيءٌ يُسَمَّى "غَضَبًا بَارًّا"؟ أجل. وهل مِن الصَّواب أن أغضبَ عندما يُسيءُ أَحَدُهم إليَّ؟ لا. وهل مِن الصَّوابِ أن أغضبَ غَضبًا بَارًّا عندما يُجَدِّفُ أحدُهم على الله؟ أجل. وهل كان مِن الصَّواب أن يقول يسوع إنَّه لا يجوزُ لكَ أن تُكَلِّمَني بهذه الطَّريقة وأن تَلكُمَ شخصًا ما؟ لا. ولكن عندما جاءَ يسوعُ للدِّفاع عن قداسة الله وكَرامته بِسَوْطٍ، كان ذلكَ صحيحًا. فهناك فَرقٌ بين الغضب والسَّخَط المُقدَّس. وهل تريدون أن تَعلموا شيئًا؟ هناك فَرقٌ بين الكَراهِيَة الشخصيَّة والبُغض المُقَدَّس التَّامّ.

وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ داود. فهو يقول: "يا رَبُّ، أنا أُبغضهم يا رَبُّ - لا لأنَّهم يُبغضوني. فالأمرُ لا يَختصُّ بي. وأنا لا أُبالي بنفسي. فلو كانَ الأمرُ يختصُّ بي لكُنتُ غَفرتُ لهم وأحببتُهم. ولكنِّي أُبغضُهم مِن أجلك. فأنا أُبغضُ ما يَفعلونه للتَّجديفِ على اسمِك المُكَرَّم. وأنا حَزينٌ بسبب أولئكَ الَّذي يَقومونَ عليكَ، وأُبغضهم بُغضًا تامًّا".

ثُمَّ إنَّه يقولُ الآتي: "يا رَبُّ، أنا أَعلمُ أنَّ هذا البُغضَ هو بُغْضٌ تَامٌّ، وأَعلمُ أنَّه ليسَ بُغضًا شخصيًّا". وفي العدد 23: "اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ...". إنْ فَحصتَ قَلبي يا رَبُّ، ستَرى أنَّ بُغْضي هو بُغْضٌ تَامٌّ. فهو ليسَ شخصيًّا. وَهُوَ ليسَ ثَأرًا. وَهُوَ ليس غضبًا على شخصٍ يُعاديني أو يُقاومني. وكم أُحِبُّ ذلك!

فكما تَرَوْن، إنَّ داودَ يقولُ: "يا رَبُّ أنا أُبغضهم بُغضًا تامًّا. افحص قلبي وانظر إن كان الأمر كذلك. انظر إن لم يكن هذا البُغضُ صَحيحًا". ماذا نقولُ يا أحبَّائي؟ إنَّ البُغضَ التَّامَّ هو ليس بُغضًا شخصيًّا. ففي أثناء سُلوكِنا في هذا العالَم، سأقولُ لكم شيئًا: ما يَجعلنُا مُختلفينَ عن أيِّ شخصٍ آخر، وما يَجعلُنا نَرتقي فوقَ كلِّ شيء هو قُدرتُنا على أن نُحبَّ شخصيًّا أعداءَنا.

أجل، نحنُ نُصَلِّي أن يَظهَرَ مجدُ الله. وأجل، نحنُ نُصلِّي أن يَنتهي الشَّرُّ الَّذي يُهينُ اسمَهُ. وأجل، نحنُ نَتوقُ إلى أن يأتي اللهُ في نَارِ لَهيبٍ مُعْطِيًا نَقمةً. وأجل، نحنُ نَعلمُ أنَّ يسوعَ نَفسَهُ الَّذي قالَ للفَرِّيسيِّينَ: "أحبُّوا أعداءَكُم"، قال أيضًا للفَرِّيسيِّينَ: "وَيْلٌ لكم" [في مَتَّى 23]: وَ "أنا أُعلنُ عليكم الدَّينونة". وأجل، نحنُ نَعلمُ أنَّهُ مِن جِهةِ القَضاءِ، سوفَ تكونُ هناكَ دينونة. فمِن جهة قضائيَّة، سوف يأتي اللهُ بالدَّينونة، ولكنَّ هذه الدَّينونة هي شيءٌ يَفعلُهُ اللهُ فقط. ودِفاعًا عن الله، نحنُ نُعَلِّي اسمَهُ القُدُّوس.

ولكن في علاقاتِنا الشخصيَّة، يجب علينا أن نَتَّصِفَ بمحبَّة أعدائنا. فهذا هو ما سيَجعلنا مُختلفين عن أيِّ شخصٍ آخر في العالَم. فالنَّاسُ في العالَم يُحبُّون أصدقاءَهم. وَهُم يُبدعونَ في ذلك. وَهُم يُحبُّون عائلاتِهم. وهذا ليسَ أمرًا سَيِّئًا. وَحتَّى إنَّهم يَتعاطفونَ ويشعرونَ مع الأشخاصِ المُعْوَزين. ولكنَّ النَّاسَ في العالَم لا يُحبُّون أعداءَهُم. صَدِّقوني أنَّهم لا يُحبُّون أعداءَهُم.

قَد لا يُقدِمُ النَّاسَ في العالَم على القَتل، ولكنَّهم يَغضبون. وقد لا يَقترفُ النَّاسُ في العالَم الزِّنى، ليسَ جميعهم، ولكنَّهم يَفعلونَ ذلك في قُلوبهم. وقد يُراعي النَّاسُ في العالَم كلَّ الإجراءاتِ القانونيَّة في طَلاقِهم، ولكن لم يَكُن يَجدُر بهم أن يَتطلَّقوا أصلاً. وقد يَفي النَّاسُ في العالَم بوعودهم أحيانًا، ولكنَّهم لا يَلتزمونَ بها دائمًا. والنَّاسُ في العالَم يَثأرونَ لأنفسهم. وهُناكَ أشخاصٌ منهم يَفعلونَ ذلكَ دائمًا، ولكنَّهم لا يَغفرونَ ولا يَنسون. وقد يُحبُّ النَّاسُ في العالَم، ولكنَّهم لا يُحبُّون هكذا. ويسوعُ يقولُ: "لا أريدُ منكم أن تكونوا هكذا".

ارجعوا إلى العدد 47 مَرَّةً أخرى. فما الَّذي قالَهُ: "فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟" ما الَّذي يَجعلُكم مُختلِفين؟ فأنتَ لن تَصيرَ مُختلفًا إن اكتفيتَ بإضْفاءِ القليل مِن الأنشطة المسيحيَّة على حياتِك البشريَّة. وأنتَ لن تَصيرَ مُختلفًا إن أَظهرتَ القليلَ مِن التَّكريس للمسيح. بل إنَّ ما يَجعلُكَ مُختلفًا عن أيِّ شخصٍ آخر [إن كُنتَ تَنتمي إلى ملكوتي في المَقامِ الأوَّل] هو أن تُحبَّ أعداءَك. وَهُوَ مِعيارٌ عَالٍ جدًّا. "أن تُحبَّهُم... [كما قالَ ’جون ستوت، - ‘John Stott’"] ... يعني أن تَرغب بشدَّة في أن يَتوبوا ويؤمنوا ويَخلُصوا". فإن كُنت تُحبُّهم محبَّة كافية، قد يتجاوبون وحسب مع المسيح الَّذي يَحيا فيك ويَظهَر بِجلاءٍ مِن خلال تلك المحبَّة. دَعونا نُصَلِّي:

مَن أنا، يا رَبُّ، كي أُقدِّم هذه الرِّسالة في حين أنَّ المِعيارَ يَفوقُ قُدرتي أو قُدرةَ أيِّ شخص؟ ولكنِّي أتكلَّمُ نيابةً عنكَ، وأُعَبِّرُ عَمَّا في قَلبي. عَلِّمني أن أُحِبَّ لا فقط أولئك الَّذينَ مِن السَّهل أن يُحَبُّوا، ولا فقط الأشخاص الرَّائعين والمَحبوبين، بل غيرَ المَحبوبين والأعداء. عَلِّمني أن أُحبَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَكرهونني. عَلِّمني أن أُحبَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَلعَنونَني. عَلِّمني أن أُحبَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَرغبونَ في إسكاتي، والَّذين قد يُؤذونَني، أو الَّذينَ قد يُؤذونَ عائلتي أو قد يؤذونَ الأشخاصَ الأعِزَّاء جدًّا على قلبي. كذلكَ يا رَبّ، عَلِّمني أن أُبغضَ الخطيَّة، وأن أُبغضَ الشَّرَّ المُتَفَشِّي في العالَم، وأن أُبغضَ أن أرى يسوعَ يُهان. أعطِني بُغضًا تامًّا يَجعلني أَتوقُ إلى يومٍ يَسودُ فيه البِرّ، ويَأتي فيهِ مَلكوتُ البِرِّ، ويأتي فيه المَلِكُ البارُّ ليَجعلَ كلَّ شيءٍ على ما يُرام.

ويا لَيتَني أَفهمُ الفَرقَ بين ذلك التَّوق الشَّديد إلى مجد الله والمحبَّة الشخصيَّة لأولئك الأشخاص الَّذي يُهينونَهُ أكثرَ مِن غيرهم. يا لَيتَنا نُحبُّ النَّاسَ يا أبانا، ولا سِيَّما الأشخاصَ الَّذينَ لا يُحبُّونَنا حَتَّى يقولوا عَنَّا: "لا بُدَّ أنَّهم مَسيحيُّون لأنَّه لا يُمكن لأحدٍ آخر أن يُحبَّ هكذا". ويا ليتَ كَنيسةَ "النعمة" (Grace Church) تُعرَف بأنّها مكانٌ يُحبُّ النَّاسُ فيه الآخرينَ محبَّةً غير أرضيَّة، بل خارقةً للطَّبيعة. ويا لَيتَنا لا نَنتقم لأنفسنا. ويا ليتنا لا نَرُدُّ الإساءةَ بالإساءة، بل أن نَرُدَّ الإساءةَ بالغُفران والمحبَّة لكي نَكونَ كما قالَ ابنُكَ: "أَبْنَاءَ أَبِينا الَّذِي فِي السَّمَاوَات". ويا لَيتَنا نُحبُّ كما تُحِبُّ أنت، وكما أَحبَّ يسوع، حَتَّى أولئكَ الَّذينَ يُبغضونَنا أكثر مِن غَيرهم.

ولكنَّنا، يا أبانا، لا نستطيعُ أن نَفعل ذلك بقُدرتنا. فلا سَبيلَ إلى ذلك. نَشكُرك على الوعد المَذكور في رسالة رُومية 5: 5 والَّذي يقولُ إنَّ مَحَبَّةَ المسيحِ قَدِ انسَكَبَت في قُلوبِنَا. فقد أعطيتَنا قُدرةً جديدة على المِضِيِّ قُدُمًا في وَصيَّةٍ جديدة، وعلى المِضِيِّ قُدُمًا في حياةٍ جديدة. وحيثُ إنَّك قد دَعوتنا بِصِفَتنا خَليقة جديدة إلى نَوعٍ جديد مِن المحبَّة، يا لَيتَنا نُطلِق تلك القُدرة الموجودة فينا مِن خلال حُضور رُوحِ الله. أعطِنا قُلوبًا سَمْحَةً، وكبيرةً، وغَفورةً، ومُحِبَّةً لكي تُدَعِّمَ شَهادَتَنا، وتُمَجِّدَ يسوعَ، ولكي تَعملَ حَقًّا على جَعْلِ بَعضٍ مِن أعدائِكَ أحبَّاءَ لَكَ صَدىً لهذه المحبَّة. لأجلِ مَجدِكَ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize