Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أدعوكُم في هذا الصَّباح إلى أن تفتحوا معي مَرَّةً أخرى على إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس... إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس. ونحن نَدرس الآيات مِن 43 إلى 48. وهذا مقطعٌ مُهمٌّ ويَزخُر بالحقِّ. وهو مُهِمٌّ لحياتنا حتَّى إنَّنا سنصرف بضعة أسابيع في دراسته. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ الله يُريد أن يقولَ أمورًا خاصَّةً ومُهمَّةً جدًّا لنا، ولي أنا شخصيًّا، مِن خلال هذا النَّصّ.

اسمَحوا لي أن أقرأ على مَسامعكم الآيات مِن 43 إلى 48 مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح الخامس. وأرجو أن تُتابعوا النَّصَّ معي فيما أقرأهُ: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟ فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ".

كما تَعلمونَ، إن كنتم مَعَنا هُنا منذ وقتٍ ما، فإنَّ مَتَّى يُقدِّم يسوعَ المسيح بصفته المَلِك. فكلُّ واحدٍ مِن الأناجيل يُركِّز على عُنصرٍ مُختلفٍ من حياة المسيح، وعلى جانبٍ مُختلف من شخصيَّته. وقَصْدُ مَتَّى هو أن يُشيرَ إلى أنَّه المَلِك. فهو مَلِكُ الكون، وعَاهِلُ الأرض، ومَلِكُ إسرائيل، ومَسيحُ الله. ومَتَّى يكتب إلى جُمهورٍ يهوديٍّ بصورة أساسيَّة لأنَّه يريد منهم أن يُدركوا أنَّ يسوعَ النَّاصريَّ هذا الَّذي رَفضوه هو مَسيحُهم عَيْنُه، وأنَّ هذا الَّذي قالوا عنهُ "لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا" هو المَلِك المَمسوح شخصيًّا.

لِذا فإنَّ قَصد مَتَّى في كلِّ صفحات وأصحاحاتِ وآياتِ إنجيله هو أن يُقدِّم مُلْك المسيح. وقد رأينا كيف أنَّه فعل ذلك في الأصحاحات الخمسة الأولى. فقد ابتدأ بالتحدُّث عن ولادته المَلَكيَّة، وعن مَجيئِه مِن نَسْلٍ مَلَكِيّ. وقد تحدَّث عن تَكريمِه مِن قِبَل صُنَّاعِ المُلوكِ الفُرْس الَّذينَ يُعرَفون بالمَجوس إذ إنَّهم أدركوا أنَّه مَلِك. وقد تحدَّث عن مَعموديَّته حيثُ أكَّدَ اللهُ أنَّه المَمسوح بقولِه: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ".

ونحن نَرى مَتَّى يَستعرِضُ مُلكَهُ كما يَستعرِضُ انتصارَهُ على مَلِكِ الأرضِ [أي: الشَّيطان] إذ إنَّ الشَّيطان يأتي ثلاثَ مَرَّاتٍ ليُجَرِّبَ المسيح، ولكنَّه يُهزَم في كلِّ هذه المَرَّاتِ الثَّلاث ويَختفي أخيرًا. ونحن نَرى مُلكَهُ وقُدرتَهُ الخارقة للطَّبيعة إذ إنَّه يَملِك سُلطانًا على العالمِ الماديِّ لِيَشفي، ويُقيم الأموات، ويُعطي بَصرًا للعُمي، وسَمْعًا للصُّمّ، وصَوتًا للبُكْم، وأرجُلاً للعُرْج. وكلُّ هذه الأشياء هي مُحاولات يَقومُ بها مَتَّى لإظهارِ جَلالِ يسوعَ المسيح. وأخيرًا، عندما نَصِلُ إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحات 5 و6 و7 فإنَّه يُقدِّم مَعاييرَ مَلكوتِ المَلِك.

فما دام هو المَلِك، ما هي قوانينُ مَملكته؟ وما هو البَيانُ الرَّسميُّ لمَملكتِه؟ وما هي المَعاييرُ الَّتي ينبغي لسُكَّان مَملكته أن يَعيشوا بمُقتَضاها؟ ونجدُ هُنا العِظَةَ الَّتي لا مَثيلَ لها على الجبل والَّتي تَستعرِض هذه المَعايير. والمُلاحظة الرئيسيَّة الَّتي أريد أن تَتذكَّروها في أثناء دراستنا هذه هي أنَّ مَعايير ملكوت المسيح هي ليست مَعايير العالَم. والحقيقة هي أنَّ يسوعَ يُقدِّمُ مَعاييرًا تُناقض تمامًا المعايير الَّتي كانت سائدةً في زَمانِه.

فهو يُظهِر كيف أنَّ اليهوديَّة لا تَرتقي البتَّة إلى مَعايير مَلكوتِه الحقيقيَّة. وقد تحدَّثنا سابقًا عن حقيقة أنَّ اليهودَ أخذوا المعاييرَ الإلهيَّة وخَفَّضوها إلى مُستواهم. ومِن خلال حِفاظهم على مَعاييرهم المُنخفضة تَظاهروا بأنَّهم أبرار؛ وهو بِرٌّ ابتَكروه بأنفسهم. بعبارة أخرى، لقد خَفَّضوا المِعيارَ وطَبَّقوه. ولكنَّ يسوعَ جاءَ وَرَفَعَ المِعيارَ مَرَّةً أخرى.

فَهُوَ لا يُغيِّر العهدَ القديم، ولا يَحذِفُهُ، بل يُعيدُ تأكيدَهُ قائلاً: "إنَّ مِعيارَكُم هُنا، ولكنَّ مِعيارَ الله أعلى بكثير". لِذا، في دراستنا للأصحاح الخامس، رأينا كيف يَفعل ذلك. فهو يَفعل ذلك مِن خلال ذِكْرِ سِتِّ مُفارَقات. فهو يُبايِنُ أوَّلاً [في العدد 21 وما يَليه] بين نَظرتهم إلى القَتل ونَظرتِه هو. ثُمَّ إنَّه يُبايِنُ بين نَظرتهم إلى الزِّنا ونَظرته هو، ثُمَّ بين نظرتهم إلى الطَّلاق ونَظرته هو، ثُمَّ بين نظرتهم إلى الحَلْفِ ونَظرته هو، ثُمَّ بين نظرتهم إلى الانتقامِ ونظرته هو، وأخيرًا: بين نظرتهم إلى المحبَّة ونظرته هو.

وقد وَصلنا هُنا حقًّا إلى الذُّروة يا أحبَّائي لأنَّ الرَّسول بولس كان مُحقًّا تمامًا بوحيٍ مِن الرُّوح حين قال: "ولكنَّ أَعْظَمَهُنَّ المَحبَّة". وقد احتفظَ يسوعُ بهذه المُفارقة إلى النِّهاية. فقد احتفظَ يسوعُ بهذا التَّبايُن حتَّى الجُملة الأخيرة. فالفَرقُ الأكبرُ بين معايير مَلكوته ومَعايير زَمانِه يُمكِن أن يُرَى مِن خلال التَّبايُن بين طبيعة المحبَّة عند الجانبين. وهذا هو التَّبايُنُ الأخير.

فنحن نقرأ في العدد 43: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ" – وهذهِ [ببساطة] إشارة إلى تَعاليمِ أحبارِ اليهودِ الَّتي تَشَرَّبوها. "نِظامُكُم يقولُ لكم: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". والآن، ولا بُدَّ أنَّكم تَرَوْنَ الفَرقَ هُنا بين المُستوى المُنخفض والضَّعيف للأخلاق الدِّينيَّة، وبين مَعايير الله. عندما دَرسنا النُّصوصَ في كلِّ مَتَّى 5 (مِن العدد 21 فصاعدًا)، قُلنا ببساطة إنَّهُ توجد ثلاثُ وُجهاتِ نَظَر وراءَ كلِّ ما جاءَ في هذه الآيات بصورة رئيسيَّة: وُجهة النَّظر اليهوديَّة، وَوُجهة نظر العهد القديم، وَوُجهة نظر يسوع.

لِنَعُد إلى الوراء قليلاً ونُراجِع بإيجازٍ شديد تَقليد اليهود في العدد 43. ولعَلَّكُم تَذكرون أنَّني قلتُ قبل أسبوعين إنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَبتدئُ بدايةً حَسَنة: "تُحِبُّ قَريبَكَ". فهذا يبدو حَسَنًا. وهذه هي دائمًا حالُ أيِّ نِظامٍ يُريد أن يَتَسَلَّلَ إلى الحَقّ. فأيُّ نظامٍ يَرغب في أن يَحِلَّ مَحَلَّ الحقِّ لا بُدَّ أن يَحوي شَيئًا مِن الحقيقة. وهُنا يَكْمُن الخِداع. وهُنا يَكْمُنُ الدَّهاء.

لِذا فإنَّنا نَقرأ في أفسُس 4 أنَّ الأطفالَ الرُّوحيِّينَ يكونونَ "مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ" لأنَّه عندما يَحدُثُ اختِراقٌ للحَقِّ مِن قِبَل الشَّيطان، فإنَّه يَسعى بِشَتَّى السُّبُل إلى الإبقاءِ على أجزاءٍ مِن ذلك الحقِّ لكي تَبقى هناك أرضيَّة مُشتركة يَستطيعُ مِن خلالِها أن يُضِلَّ النَّاس. لذا فإنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَبتدئ بدايةً حسنةً جدًّا: "تُحِبُّ قَريبَك". ولكن كما قلتُ لكم، كانت توجد مشكلتان: فقد حَذَفوا شيئًا، وأضافوا شَيئًا.

فقد حَذَفوا مِنَ الوَصيَّة: "تُحِبُّ قَريبَك" ... وما الجُزءُ المُتبقِّي منها؟ "كنفسِك". وقد أضافوا: "وتُبغِض عَدُوَّك". فقد حَذَفوا الكلمة "كنفسِك" بسببِ كِبريائهم، وأضافوا العبارة "وتُبغِض عَدُوَّكَ" بسبب انحِيازِهم. فَهُم لم يكونوا يَشعرون بأيَّة رغبة في أن يُحبُّوا أيَّ شخصٍ آخر كأنفسهم. وقد أرادوا أن يكونوا على حَقٍّ في تَبرير كراهيَّتهم الشَّديدة لكلِّ شخصٍ لا يَنتمي إلى مجموعتهم الصَّغيرة. لذا فقد سَمَحوا لأنفسِهم أن يَحذفوا شيئًا، وسَمَحوا لأنفسهم أن يضيفوا شيئًا. وبهذا فقد شَوَّهوا مِعيارَ الله. وهذا هو بالضَّبط ما يَتَصَدَّى لهُ يسوع.

وما يَقولُه يسوعُ لهؤلاءِ الفَرِّيسيِّين والكَتَبة والأشخاصِ الَّذينَ يُسايِرون النِّظام: "إنَّ نِظامَهم..." [بِغَضِّ النَّظر عن مَدى اقتناعِكُم العَقليِّ به] "إنَّ نِظامَكُم لا يَستطيعُ أن يَفديكُم. فأنتُم لستُم شعبَ الله. وأنتُم لم تَبلُغوا المِعيار. أنتُم خُطاة". لِذا فقد قَدَّمَ نفسَهُ لهم بصفته المُخلِّص وَهُوَ يَعلَمُ تمامًا أنَّه ما مِن شخصٍ يأتي إلى مُخَلِّصٍ لا يَعرِفُ حاجَتَه. لِذا فقد كانت بحقّ رسالة عن الخطيَّة.

فقد كانوا يَظُنُّون أنَّه لأنَّهم لا يَقتلون فإنَّهم ليسوا خُطاةً. وقد كانوا يَظُنُّون أنَّه لأنَّهم لا يَزنون [وَفقًا لتَعريفِهم للزِّنى] فإنَّهم ليسوا خُطاةً. وقد كانوا يَظُنُّون أنَّه لأنَّهم كانوا يُطَلِّقونَ ويُراعونَ الإجراءاتِ القانونيَّة فإنَّهم ليسوا خُطاةً. وقد كانوا يَظُنُّون أنَّه لأنَّهم عندما كانوا يَحلِفونَ باسمِ الله ويَحفظونَ قَسَمَهُم فإنَّهم على ما يُرام. وقد كانوا يَظُنُّون أنَّه لأنَّهم كانوا يَرُدُّونَ الإساءةَ بِمِثلِها فإنَّهم على ما يُرام.

ولكنَّ يسوعَ يقولُ إنَّهم أخطأوا الهَدف. فإن كنتَ تُبغِضُ إنسانًا فإنَّ هذه خَطيَّة لا تَقِلُّ عن القَتل. وإن كنتَ تَنظُرُ إلى امرأةٍ لتَشتهيها فإنَّ ذلكَ يُوازي الزِّنى. وإن كُنتَ تُطَلِّقُ لغيرِ عِلَّةٍ كِتابيَّة فإنَّ ذلك شَرّ. وإن كنتَ لا تَلتَزِمُ بكلامِكَ بِغَضِّ النَّظر عن قَسَمِكَ فإنَّك تُخطئ. لِذا فإنَّه يُزعزِع كلَّ شُعورهم بالأمان. وَهُوَ يقولُ هنا: "أنتُم تَظُنُّون أنَّكم تُحبُّون، ولكنَّ مَن تُحبُّونهم هُمُ الأشخاص الَّذينَ في مَجموعتكم الصَّغيرة مِمَّن يَتَّفقونَ معكم. لِذا فقد أعطيتُم أنفسَكم رُخصةً بأن تَكرهوا أيَّ شخصٍ آخر. وحتَّى إنَّكم لستم مُستعدِّين لأن تُحبُّوا مَن تُحبُّونهم كما تُحبُّون أنفسَكُم وذلك بسبب كِبريائِكُم الشَّديد". كان هذا هو تَقليد اليهود.

والآن نَنتقل مِن ذلك إلى النُّقطة الثَّانية الَّتي نَنظر إليها وهي: تَعليم العهد القديم. فَمِن خلالِ تقليدِ اليهود نَرى شيئًا مُبَطَّنًا وَهُوَ تَعليم العهد القديم. فما الَّذي يُعلِّمُه العهد القديم؟ وهل يقولُ العهد القديم في أيِّ مَوضِعٍ أن تُبغض عَدوَّك؟ لا! وهل قال "أَحْبِب قَريبَك"؟ أجل. إذًا، ما هي خُلاصة تَعليم العهد القديم؟ لقد ابتدأنا في التحدُّث عن ذلك في المَرَّة السَّابقة. واسمحوا لي أن أُذَكِّرَكم بهذا: هناك جُملة في سِفْر المَزامير، وتَحديدًا في المَزمور 139 يقولُ فيها داوُد: "بُغْضًا تَامًّا أَبْغَضْتُهُمْ". وهذا هو البُغضُ الوحيدُ المُبَرَّر في الكتاب المقدَّس. فهو رَدُّ الفِعل الوحيد المُبَرَّر تُجاهَ عَدُوٍّ في الكتاب المقدَّس.

وَهُوَ رَدُّ فِعلٍ قائم على نفس الموقفِ القَلبيِّ ونفسِ العقليَّة الَّتي نَراها في المَزمور 69: 9 إذْ إنَّ داودَ يقول: "تَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ... لأنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي". فمثلاً، يقولُ الكتاب المقدَّس إنَّه مِن الخطأ أن تَغضب، ولكن يوجد شيء يُسَمَّى "غَضَب مُقدَّس". أليس كذلك؟ فقد قال يسوع إنَّه لا يجوز لنا أن نَغضبَ بعضُنا على بعض؛ ومع ذلك فقد جَدَلَ يسوعُ سَوْطًا. وما الفَرق؟ لم يَغضب يسوعُ يومًا مِن الأشخاص الَّذينَ أساؤوا إليه شخصيًّا، ولكنَّ يسوعَ غَضبَ مِن الأشخاص الَّذينَ جَدَّفوا على مَجد الله.

ونحنُ نَملِكُ الحقَّ في أن نَغضَب عندما يُهانُ اسمُ الله؛ ولكن مِن دون أن نَنتقم لأنفسنا عندما نَتأذَّى شخصيًّا. والشَّيءُ نَفسُه يَصِحُّ في هذا الأمر المُختصِّ بمُعاملة أعدائنا بكَراهِيَة. فيجب علينا أن نُظهِرَ بُغضًا تامًّا أو بُغضًا مُقدَّسًا تُجاه أعداءِ الله. وداوُد يقول: "بُغْضًا تَامًّا أَبْغَضْتُهُمْ". وبعدَ ذلك مُباشرةً، أَتذكرونَ ماذا قال؟ لقد قال: "اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ". بعبارة أخرى: "يا رَبُّ، لقد أبغضتُهم بُغْضًا تَامًّا. وإن فَحصتَ قلبي ستَرى أنَّ دافعي هو الدِّفاع عن مَجدِك، لا الانتقامُ بسبب إساءتهم الشَّخصيَّة لي".

فهناكَ مَجالٌ لذلك. هناكَ مجالٌ للغَيرة على قداسةِ اللهِ، وقداسةِ حَقِّه وشَخصِه. والعهدُ القديمُ يُجيزُ ذلك؛ ولكنَّه لا يُجيزُ أيَّ نوعٍ مِن الهُجومِ الشرِّير، أو أيَّ نوعٍ مِن المَرارة أو الغضب أو الامتعاض أو العَداوة تُجاهَ شخصٍ أَلْحَقَ بنا أذىً شخصيًّا. فلا مَجالَ للكَراهِيَة الشخصيَّة النَّابعة مِن الكبرياء أو المُحاباة أيًّا كانَ الأذى الَّذي لَحِقَ بنا.

وكما تَرَونَ، فإنَّ اليهودَ يُعَرِّفون القريبَ تَعريفًا ضَيِّقًا جدًّا، في حين أنَّ الكتاب المقدَّس يُعرِّفُه تَعريفًا رَحْبًا جدًّا. فالكلمة "قَريب" هي النُّقطة الأساسيَّة. فقد قال اليهودُ إنَّ القريبَ هو الشَّخصُ الَّذي يُؤمن بما نُؤمِن به. ولَعلَّكُم تَذكرون أنِّي أخبرتُكم كيف أنَّهم كانوا يَلعَنونَ الأشخاصَ الَّذينَ لم يكونوا يَعرفون النَّاموس، وكيف أنَّهم كانوا يَحتقرونَ الجَليليِّين الجَهَلَة. وَمَن هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَنتمونَ إلى تلك المَكانة المَرموقة؟ إنَّها جَماعَتُهم الصَّغيرة وحسب. ولكنَّ العبارة "تُبغِض عَدوَّك" لم تَرِد البتَّة في الحقِّ الإلهيِّ في العهد القديم، بل إنَّهم وَضعوا تلك العبارة لتبريرِ كِبريائهم وانحيازِهم.

وما الَّذي يُعلِّمُه العهد القديم حقًّا عن محبَّة قريبك؟ وما مَدى رُحْبِ هذه الكلمة؟ اسمَحوا لي أن أُريكم ذلك. انظروا معي إلى سِفْر التَّثنية والأصحاح 22... سِفْر التَّثنية والأصحاح 22. وسوف نَصرِفُ بِضع دقائق في العهد القديم لأنِّي أريد منكم أن تَرَوْا أنَّ الله لم يُغيِّر نَظرتَهُ. سِفْر التَّثنية 22. والآن، نحنُ نَتعامَل هنا مع عددٍ مِن الشَّرائع اللاَّويَّة، أو مع عددٍ مِن الشَّرائع الَّتي تَختصُّ بسُلوكيَّاتِ بني إسرائيل. وهذه شريعة عمليَّة جدًّا وبسيطة: "لاَ تَنْظُرْ ثَوْرَ أَخِيكَ أَوْ شَاتَهُ شَارِدًا وَتَتَغَاضَى عَنْهُ، بَلْ تَرُدُّهُ إِلَى أَخِيكَ لاَ مَحَالَة".

بعبارة أخرى، إن كان لأخيكَ حَيَوانٌ شَرَدَ وَضَلَّ، يجب عليك أن تُبادِر حالاً إلى مُساعدته. والمَعنى المقصودُ هو: يجب عليك أن تَسُدَّ حاجةَ الآخرين. حسنًا؟ العدد الثَّاني: "وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخُوكَ قَرِيبًا مِنْكَ أَوْ لَمْ تَعْرِفْهُ..."، فرُبَّما كانَ شخصًا لا تَعرفهُ، أو رُبَّما لا تَدري مَن يَكون: "...فَضُمَّهُ إِلَى دَاخِلِ بَيْتِكَ. وَيَكُونُ عِنْدَكَ حَتَّى يَطْلُبَهُ أَخُوكَ، حِينَئِذٍ تَرُدُّهُ إِلَيْهِ". فلنفترِض أنَّكَ عَثرتَ على خَروفَيْنِ ضَالَّيْنِ أو ثَورينِ أو أيَّ حَيوانَيْنِ آخَرَيْن، ولم تَكُن تَعلم مَن يكونُ صاحبهما. يجب عليك أن تأخذهما، وتُطعمهما، وتَعتني بهما طالما دَعَتِ الحاجة إلى ذلك.

ويجب عليك أن تَفعل ذلك إلى أن يأتي صاحبهما ويقول: "لقد فَقدتُ حَيَوانَيْنِ". فحينئذٍ تقول: "لقد عَثرتُ عليهما. ها هُما"، ثُمَّ تأخذهما وتَرُدُّهما إليه. "وَهكَذَا تَفْعَلُ بِحِمَارِهِ، وَهكَذَا تَفْعَلُ بِثِيَابِهِ، وَهكَذَا تَفْعَلُ بِكُلِّ مَفْقُودٍ لأَخِيكَ يُفْقَدُ مِنْهُ وَتَجِدُه". وهذا مبدأٌ عامٌّ يَختصُّ بالأشياء الَّتي تُفقَد ويَتِمُّ العُثورُ عليها. فعندما يَفقدُها شخصٌ ما فإنَّك لا تَملِكُها لمُجرَّدِ عُثورِكَ عليها، بل يجب عليك أن تَحتفظ بها إلى أن يأتي ويُطالب بها. وحينئذٍ، يجب عليك أن تَرُدَّها إلَيه.

والآن، لاحظوا أنَّ هذا السُّلوكَ يَسُدُّ حاجة إنسانٍ آخر. ونَقرأ في العدد 4: "لاَ تَنْظُرْ حِمَارَ أَخِيكَ أَوْ ثَوْرَهُ وَاقِعًا فِي الطَّرِيقِ وَتَتَغَافَلُ عَنْهُ بَلْ تُقِيمُهُ مَعَهُ لاَ مَحَالَةَ". فأحيانًا يَصيرُ الحِمْلُ ثَقيلاً فيَتعبُ الحَيَوانُ ويَسقُط. ولا شَكَّ في أنَّ شخصًا واحدًا سيُلاقي صعوبة جَمَّة في إقامَة ذلك الحَيَوان مَرَّة أخرى. لذا، يجب عليك أن تُبادِر إلى مُساعدتِه. والآن رُبَّما تقول: "وما عَلاقةُ هذا الأمر بأيِّ شيء؟ فقد كُنَّا نَتحدَّثُ عن قريبِك هُنا!"

حسنًا، افتحوا على سِفْر الخروج والأصحاح 23. وهذا نَصٌّ يَرجِعُ إلى بِداية كِتاباتِ مُوسَى. ونحنُ نَرى نفسَ المبدأ في سِفْر الخروج 23: 4؛ ولكنَّ النَّصَّ في هذه المَرَّة يأخُذ مَنْحَى آخر تَمامًا. خُروج 23: 4: "إِذَا صَادَفْتَ ثَوْرَ عَدُوِّكَ..." لا تَقُل: "هذا رائع! لقد شَرَدَ ثَوْرُ عَدُوِّي". "...أَوْ حِمَارَهُ شَارِدًا، تَرُدُّهُ إِلَيْهِ". والآن لاحظوا أنَّ هذا المبدأ هو نفس المبدأ المذكور في سِفْر التَّثنية والأصحاح 22. ولكن ما اللَّفظة الَّتي يَستخدمُها سِفْرُ التَّثنية 22 للإشارة إلى ذلك الشَّخص؟ "أَخْ". وما مَدى اتِّساعِ نِطاقِ الكلمة "أَخْ"؟ ما مَدى اتِّساعِ نِطاقِ تلك اللَّفظة؟ إنَّ القِياسَ المَنطقيَّ لذلك يعني ببساطة أنَّ الكلمة أخ تَضُمُّ أيضًا ماذا؟ العَدُوَّ. فهذا هو المَعنى المقصود.

العدد الخامِس: "إِذَا رَأَيْتَ حِمَارَ مُبْغِضِكَ وَاقِعًا تَحْتَ حِمْلِهِ وَعَدَلْتَ عَنْ حَلِّهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَحُلَّ مَعَهُ". فهناكَ شخصٌ يُبغِضُكَ. وقد رأيتَ حِمارَهُ يَقَع. إنَّ رَدَّ الفِعلِ المألوفَ هو: "أنتَ تَستَأهِلُ ذلك يا صَديقي! أرجو أن يَموتَ حِمارُكَ وأن تَضَعَ ذلكَ الحِمْلَ كُلَّهُ على زَوجَتِك!" فأنتُم تَعرفونَ رُوْحَ الانتقامِ ذاك. ولكنَّهُ يقول: "كَلاَّ، بل اذهب لمساعدته حتَّى إن كان عَدُوًا لك". بعبارة أخرى، إنَّ المعيارَ لا يَتغيَّر. فاللَّفظة "أخ" هي لفظة رَحْبَة حتَّى إنَّها تَضُمُّ أيَّ شخصٍ مُحتاج. هل تَرونَ المَعنى المَقصود؟

وهذا هو ما يُساعِدُنا في تَحديدِ مَعنى اللَّفظة "قَريب". فالقريبُ يَضُمُّ كلَّ شخصٍ لديه حاجة. فهذه هي الخُلاصة. وعندما يقولُ الكتاب المقدَّس: "تُحِبُّ قريبَك"، فإنَّه يَشمَلُ في ذلك كلَّ شيء [تمامًا كما أنَّ المزاميرَ تُخبرنا أنَّ وصايا الله واسعة النِّطاق جدًّا] إذ إنَّها تَضُمُّ كلَّ شخصٍ لديه احتياج بِغَضِّ النَّظر عن مشاعِره مِن نحوِك. فهذا هو المَعنى المقصود. ونحن لا نتحدَّث عن أُمَّة ضِدَّ أُمَّة تَخوضانِ حَربًا. ونحنُ لا نَتحدَّث عن الإجراءاتِ القانونيَّة المُتَّخذة بحقِّ مُجرِم. بل إنَّنا نتحدَّث عن العلاقاتِ البشريَّة الرُّوتينيَّة اليوميَّة.

انظروا معي أيضًا مِن فَضلِكُم إلى سِفْر أيُّوب والأصحاح 31. أيُّوب 31: 29. وقد كان هناك أشخاص يقولونَ لأيُّوب إنَّه خاطئ. وكان آنذاك يُعاني أمراضًا ومشاكل في حياته. وقد استخدَمَهُ اللهُ حقًّا كمَثَلٍ إيضاحيّ. وهو لم يَفعل حقًّا أيَّ شيءٍ خطأ يَجلِب عليه هذه البَلايا. ولكنَّ كلَّ مُشيريه ظَنُّوا أنَّه اقترفَ خَطيئةً مَا. لِذا فقد استمرُّوا في إخباره بأنَّه خاطئ. ويَبتدئ أيُّوب في التَّأمُّل في هذا الأمر وفي الرَّدِّ قليلاً على هذه المسألة. وواحدٌ مِن الأشياء الَّتي يقولها مَذكور في أيُّوب 31: 29. فهو يُحاول أن يُخبرهم أنَّه لم يَفعل حقًّا خَطيَّةً تستوجب ذلك.

وهو يقول... إليكُم المَثَل الَّذي يَستخدِمُه: "إِنْ كُنْتُ قَدْ فَرِحْتُ بِبَلِيَّةِ مُبْغِضِي أَوْ شَمِتُّ حِينَ أَصَابَهُ سُوءٌ...". بعبارة أخرى: "إنْ كنتُ قد استمتعتُ بذلك وأحببتُ ذلك عندما أصابَهُ سُوء". وما قَصَدَهُ هو التَّالي: "إن كنتُ قد فَعلتُ ذلك، أكونُ قد أخطأت. ويُمكنكم حينئذٍ أن تَتَّهموني إن كنتُ قد فَرحتُ يومًا بِبَلِيَّةِ أيِّ شخص يَكرهُني". وهذهِ نُقطة تَمَسُّ صَميمَ السُّلوكِ البشريّ لأنَّه عندما يكون هناك شخصٌ يُعاديك ويَقَع في وَرطة، فإنَّ أوَّلَ رَدَّة فِعل قد تَصدُرُ عنك هي أن تُحِبَّ بذلك. فأنتَ تُحِبُّ ذلك. وكُلَّما زادت وَرطَتُهُ سُوءًا، زادَ فَرَحُك. فهذه هي طبيعةُ الإنسان.

ولكنَّ أيُّوبَ يقول: "ولكنِّي لم أفعل ذلك؛ وإلاَّ أكونُ قد أخطأت". "بَلْ لَمْ أَدَعْ..." [في العدد 30] "بَلْ لَمْ أَدَعْ حَنَكِي يُخْطِئُ فِي طَلَبِ نَفْسِهِ بِلَعْنَةٍ". فأنا لم أَسمح لأيِّ فِكرة شِرِّيرة أن تَجِد طَريقَها إلى فَمي ضِدَّ أيِّ إنسان". وما أكثرَ ما نَفعل ذلك! فنحنُ نَفعل ذلك كثيرًا مِن خلال الأوصافِ الَّتي نُطلِقُها على الآخرين، والشَّتائم، والإدانات. ولكنَّ أيُّوب يقول: "أنا لم أفعل هذا أيضًا. فأنا لم أَبتهِج يومًا عندما أَصابَتهُم بَلِيَّة. وأنا لم أَتَمَنَّى لَهُم يومًا الشَّرَّ".

وفي العدد 31: "إِنْ كَانَ أَهْلُ خَيْمَتِي لَمْ يَقُولُوا: مَنْ يَأتِي بِأَحَدٍ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ طَعَامِهِ؟" بعبارة أخرى، نحنُ لم نَشْمَتَ يومًا بِعَدُوِّنا. فنحن لم نَشعُر يومًا بعدم الشِّبَع إلى الحَدِّ الَّذي يَجعلُنا نَتمنَّى المزيدَ مِن الأذى أو البَليَّة لأيِّ شخص. لا! أتَرَوْنَ موقفَ أيُّوب. وبالمناسبة، لقد عاشَ أيُّوب في فترةِ الآباء. لذا فإنَّ هذا السِّفْرَ يَعودُ إلى السَّنواتِ الباكرة مِن تَعامُل الله مع البشر. وقد كان موقفُهُ منذ البداية هو موقف محبَّة وغُفران إذ إنَّه لم يَتَمَنَّى الشرَّ يومًا حتَّى لعَدُوِّه.

انظروا معي أيضًا إلى المزمور السَّابع... المزمور السَّابع والعدد الثَّالث. فداودُ يُصَلِّي صلاةً مُشابهةً نوعًا ما: "يَا رَبُّ إِلهِي، إِنْ كُنْتُ قَدْ فَعَلْتُ هذَا. إِنْ وُجِدَ ظُلْمٌ فِي يَدَيَّ...". عن أيِّ نوعٍ مِن الظُّلم تَتحدَّث يا داود؟ "إِنْ كَافَأْتُ مُسَالِمِي شَرًّا...". بعبارة أخرى، إن كنتُ غيرَ لَطيفٍ مع صَديقي. "وَسَلَبْتُ مُضَايِقِي بِلاَ سَبَبٍ". بعبارة أخرى، إن أخطأتُ بأن كُنتُ شِرِّيرًا مع شخصٍ طَيِّب، أو أخطأتُ بأن كنتُ شِرِّيرًا مع شخصٍ كان شِرِّيرًا معي.

يُشيرُ داودُ في الحقيقة إلى أَمْرَيْن: فَمِنَ الخطأِ أن تكونَ شِرِّيرًا مع الأشخاص الَّذينَ يُعاملونَكَ مُعاملة طَيِّبة. ومِن الخطأ أيضًا أن تكونَ شِرِّيرًا مع الأشخاص الَّذين يُعاملونَكَ مُعاملة شِرِّيرة. وَهُوَ يقولُ: "[إن فَعلتُ ذلك] فَلْيُطَارِدْ عَدُوٌّ نَفْسِي وَلْيُدْرِكْهَا، وَلْيَدُسْ إِلَى الأَرْضِ حَيَاتِي، وَلْيَحُطَّ إِلَى التُّرَابِ مَجْدِي". فهو يُبَرِّرُ نفسَهُ أمامَ اللهِ هنا ويقول: "يا رَبُّ، لقد نَظرتُ إلى قلبي فوجدتُ أنِّي لم أُجازي يومًا خَيرًا بِشَرّ، ولم أُجازي شَرًّا بِشَرٍّ أيضًا". وكما تَرَون، فإنَّ العهدَ القديمَ لم يُبَرِّر بُغْضَ عَدُوٍّ. فهذه خَطيَّة. فقد أَدركَ أيُّوبُ أنَّ ذلك خطيَّة. وكذلكَ داوُد.

وفي المزمور الخامس والثَّلاثين... لكي تَفهموا أكثر قَلبَ الله بهذا الخُصوص، انظروا إلى العدد 12. فداودُ يقول عن أعدائِه: "يُجَازُونَنِي عَنِ الْخَيْرِ شَرًّا، ثَكَلاً لِنَفْسِي". بعبارة أخرى، إنَّ هذا يُؤلمني مِن الدَّاخل. فقد جَازوني عَنِ الخيرِ شَرًّا؛ أي أعدائي. "أَمَّا أَنَا..." – والآن انظروا. فهو رَجُلٌ بَارٌّ. "فَفِي مَرَضِهِمْ كَانَ لِبَاسِي مِسْحًا".

وما الَّذي تُشيرُ إليهِ المُسُوح؟ إنَّها تُشيرُ إلى الحُزنِ والأَسى والنَّوْح. أليس كذلك؟ فعندما كان اليهوديُّ يَرتَدي مِسْحًا ويَضع رَمادًا على رأسِه، كان يُعَبِّرُ عن نَوْحِه. وَداودُ يقول: "مع أنِّي صَنَعتُ بهم خَيرًا، فإنَّهم صَنعوا بي شَرًّا. ولكن عندما كانت تُصيبُهم بَلِيَّة، كنتُ أنوحُ عليهم. وكان قَلبي يَنكسِرُ عليهم". وهذا هو روحُ يسوعُ الَّذي كانَ مُسَمَّرًا على الصَّليب فنَظَرَ إلى أولئكَ الَّذينَ كانوا يَبصقون عليه وقال: يا أَبتاه..." [ماذا؟] "...اغفِر لهم لأنَّهم لا يَعلمونَ ماذا يَفعلون". وهذا هو قلبُ استفانوس الَّذي كانَ يَتألَّم تحتَ وَطأة الحِجارة الَّتي رَجَموهُ بها والَّتي كانت تُزهِقُ حَياتَهُ فصَرَخَ إلى اللهِ قائلاً: "لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّة".

هذا هو الغُفرانُ العظيمُ الَّذي يَصعُبُ تَصديقُه، وغيرُ البَشريّ، والخارِق للطَّبيعة الَّذي يَنبُع هنا مِن قلب داود الَّذي كان يُجازَى عن خَيْرِهِ شَرًّا. بالرَّغم مِن ذلك، عندما كان أعداؤُه يَتألَّمون، كان يَرتدي مِسْحًا. وهو يقول: "أَذْلَلْتُ بِالصَّوْمِ نَفْسِي، وَصَلاَتِي إِلَى حِضْنِي تَرْجعُ". بعبارة أخرى فإنَّ داود يقول: لقد صُمْتُ وَنُحْتُ وصَلَّيتُ لأجل أعدائي عندما أصابتهُم بَلِيَّة. وفي العدد 14: "كَأَنَّهُ قَرِيبٌ، كَأَنَّهُ أَخِي" هل لاحظتُم ذلك؟ فداودُ هُنا يَجْمَعُ كِلتا الفِكرَتَيْنِ معًا (أي تلك الَّتي وَردت في سِفْر اللاَّويِّين 22 وتلك الَّتي وَردت في سِفْر الخُروج 23) فيقول: "عَدُوِّي هو قَريبي. عَدُوِّي هو قَريبي... على الأقلِّ بهذا المَعنى. "كَمَنْ يَنُوحُ عَلَى أُمِّهِ انْحَنَيْتُ حَزِينًا".

والآن، اسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا يا أحبَّائي: عندما يَبكي المرءُ على عَدُوِّه كما يَبكي على أُمِّه في الأوقاتِ العَصيبة، يكونُ قد تَعلَّم بُعْدًا في المحبَّة أَسمَى بكثير مِن المُستوى البشريّ. وهذا هو تَعليمُ العهدِ القديم. "وَلكِنَّهُمْ فِي ظَلْعِي... [في العدد 15] ... فَرِحُوا... اجْتَمَعُوا عَلَيَّ...". فقد راحوا يَحتفلون. "...مَزَّقُوا وَلَمْ يَكُفُّوا... حَرَّقُوا عَلَيَّ أَسْنَانَهُمْ [ولكنَّ قلبي لم يَشعُر يومًا بهذه المَشاعِر مِن نَحوِهم]".

وهذا حَقٌّ جَوهريٌّ جدًّا. انظروا إلى سِفْر الأمثال قليلاً – أمثال 17: 5. ففي سِفْر الأمثال 17: 5، نَقرأُ ما يلي: "الْمُسْتَهْزِئُ بِالْفَقِيرِ يُعَيِّرُ خَالِقَهُ". ثُمَّ نَقرأُ ما يلي: "الْفَرْحَانُ بِبَلِيَّةٍ لاَ يَتَبَرَّأُ". فعندما تَفرح بِبَليَّةِ إنسانٍ آخر، لن تفلت مِن العقاب. فهذه خطيَّة؛ حتَّى إن كان ذلك الشَّخصُ عَدوًّا. ونَقرأ في أمثال 24: 29: "لاَ تَقُلْ..." إليكُم الوَصيَّة: "لا تَقُل: «...أَرُدُّ عَلَى الإِنْسَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ»". لا تَقُل ذلك. لا تَكُن شخصًا مُنتقمًا. لا تَنتقم مِن عَدُوِّك. فهذا يُناقض ما يُعرَف لدينا بالقاعدة الذَّهبيَّة.

وأخيرًا، في أمثال 25: 21، نَجِد... أعتقد أنَّنا نَجِد خُلاصةَ ذلك بِرُمَّتِه. أمثال 25: 21. استمعوا جَيِّدًا. إنَّهُ حَقٌّ بسيطٌ جدًّا وعميقٌ جدًّا: "إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ مَاءً". يا أحبَّائي، هل يمكنني أن أقول لكم هذا؟ إنَّ عَدُوَّكَ هو قَريبُك. فهذا هو ما يُعلِّمُه العهدُ القديم. عَدُوُّكَ [بالمَعنى البَشريِّ] هو قَريبُك. فهو [لا بالمَعنى الرُّوحيِّ، بل بالمَعنى البشريِّ] قَريبُك.

ورُبَّما تَحتاجونَ إلى أمثلة إيضاحيَّة. لنَرجِع إلى سِفْر التَّكوين والأصحاح 13 ونَرى كيف أنَّ العهدَ القديمَ أَثْنَى على هذا الموقفَ مِن العَدُوّ. فقد كانت توجد بين إبراهيم ولوط مُخاصمة. فقد كان يوجد أشخاص كثيرون ومَاشِيَة كثيرة يَسكنون في بُقعة واحدة مِن الأرض. ونَقرأ في العدد 6 أنَّهما كانا يَملِكان الكثير جدًّا مِن الغَنَم، والكَثير جدًّا مِنَ الخِيام والبَقَر وما إلى ذلك حتَّى إنَّ الأرضَ لم تَحتمِلْهُما. فلم يَقدِرا أن يَسكُنا معًا في نفس المكان: "إِذْ كَانَتْ أَمْلاَكُهُمَا كَثِيرَةً، فَلَمْ يَقْدِرَا أَنْ يَسْكُنَا مَعًا. فَحَدَثَتْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنَ رُعَاةِ مَوَاشِي أَبْرَامَ وَرُعَاةِ مَوَاشِي لُوطٍ". لِذا فقد نَشَبَتْ عَداوة، أو نَشَبت خُصومة.

وكيفَ ينبغي مُعالجة الأمر؟ بمرارة؟ بِعِدائيَّة؟ راقبوا إبراهيم لِتَرَوْا فَضيلةَ هذا الإنسان إذ نقرأ في العدد 8: "فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ. أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالاً فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالاً»".

والآن، اسمعوا يا أحبَّائي: هذه رَدَّةُ فِعل مُدهشة. فقد حَسَمَ إبراهيمُ المُخاصمة بطريقة صحيحة هنا لأنَّه قال: "يا لوط، خُذ ما تَشاء وأنا سآخُذُ ما تَبَقَّى وحسب. اخْتَر الأفضل وخُذهُ". وهذا يُرينا كيف ينبغي أن نُعامل أعداءَنا. أعطِهم أفضلَ المَوجود. لِذا فقد نَظَر لُوطٌ مِن حَولِه: "فَرَفَعَ لُوطٌ عَيْنَيْهِ... [في العدد 10] ...وَرَأَى كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ أَنَّ جَمِيعَهَا سَقْيٌ، قَبْلَمَا أَخْرَبَ الرَّبُّ سَدُومَ وَعَمُورَة. كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ. حِينَمَا تَجِيءُ إِلَى صُوغَرَ... [أي أرض مِصر الخِصْبَة]. ...فَاخْتَارَ لُوطٌ لِنَفْسِهِ كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ، وَارْتَحَلَ لُوطٌ شَرْقًا. فَاعْتَزَلَ الْوَاحِدُ عَنِ الآخَرِ. أَبْرَامُ سَكَنَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَلُوطٌ سَكَنَ فِي مُدُنِ الدَّائِرَةِ، وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ. وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا".

ويُمكننا أن نَقولَ المزيد عن حَماقة لُوط عندما نَقَلَ خِيامَهُ إلى مَكانٍ قَريبٍ مِن سَدوم، وكيف أنَّهُ اقتربَ مِنها في النِّهاية أكثر فأكثر إلى أن سَكَنَ في سَدوم. وأخيرًا، خَرَجَ مِن سَدوم وصارت زوجَتُه عَمودَ مِلْح. ولكنَّ المَغزى الَّذي أريد منكم أن تَفهموه هنا هو حقيقة أنَّ إبراهيم عامَلَ عَدُوَّهُ كما يُريدُ مِنَّا الكتابُ المقدَّسُ أن نُعامل أعداءَنا. فقد أحبَّهُ كما كانَ يُحبُّ نفسَه. وعِوضًا عن أن يَطلب الأرض لنفسه، طَلَب الأفضل لِعدوِّه. والكتابُ المقدَّسُ يُثْني على فَضيلةٍ كهذه. ونَقرأ في سِفْر صَموئيل الأوَّل والأصحاح 24 مَثلاً آخر. وأنا أُخَصِّص وقتًا لتوضيح هذه النُّقطة لأنِّي أعتقد أنَّها نُقطة مهمة جدًّا. وسوفَ نَقومُ حقًّا... سوف نَستخلِص بِضعَ نِقاطٍ عَمليَّة في يومِ الرَّبِّ القادِم حينَ نَختِمُ دِراسَتَنا.

ولكن في سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح 24، أريد منكم أن تُلاحظوا الأعدادَ السِّتَّة الأولى: "وَلَمَّا رَجَعَ شَاوُلُ مِنْ وَرَاءِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ أَخْبَرُوهُ قَائِلِينَ: «هُوَذَا دَاوُدُ فِي بَرِّيَّةِ عَيْنِ جَدْيٍ»". فقد كان شاوُل عَاكِفًا على مُطاردة داود. فقد كان داوُد يُشَكِّل خَطرًا على عَرشِ شاوُل، وخَطرًا على أَمْنِه. وكان شاوُل يحاول أن يَقتُل داود. فقد كان يَسعى بِشَتَّى الطُّرُق أن يَعثُرَ على داود ويَقتلَه. لِذا فقد قالوا له: "هُوَذَا دَاوُدُ فِي بَرِّيَّةِ عَيْنِ جَدْيٍ. اذهب واعثُر عليه. فهذا هو المكانُ الَّذي يَختبئ فيه. يُمكنك أن تَعثُر عليه هناك". "فَأَخَذَ شَاوُلُ ثَلاَثَةَ آلاَفِ رَجُل مُنْتَخَبِينَ مِنْ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ". فقد كان هؤلاءِ هُم خِيْرَة الجُنود، وأشرَس الجُنود، وأفضَل المُقاتِلين، وفِرقَة العَمليَّات الخاصَّة. "وَذَهَبَ يَطْلُبُ دَاوُدَ وَرِجَالَهُ عَلَى صُخُورِ الْوُعُول".

وبالمُناسبة، لقد زُرْتُ عَيْنَ جَدْي؛ وهي مَنطقة وَعْرَة وصَخريَّة. "وَجَاءَ إِلَى صِيَرِ الْغَنَمِ". وبالمُناسبة، كانت صِيَر الغَنَم مَجموعة صغيرة مِن الصُّخور الَّتي تُوضَع أمامَ الكَهف فتصير مِثل سِياجٍ يَحفظُ الغَنَم في داخلها. "وَكَانَ هُنَاكَ كَهْفٌ فَدَخَلَ شَاوُلُ لِكَيْ يُغَطِّيَ رِجْلَيْهِ". وهذا تَعبيرٌ يَهوديٌّ يُشيرُ... [لا أدري كيفَ أقولُ ذلك]... ولكنَّهُ يُشيرُ إلى قَضاءِ الحَاجَة. فقد كانوا يَدخلونَ أحدَ الكُهوف ... لا أدري كيفَ أَصِفُ ذلكَ وَصفًا مُهذَّبًا، ولكنِّي سأحاول. على أيِّ حال، لقد كانوا يَرتَدونَ تلك الأثواب الطَّويلة. وكانوا عندما يُريدونَ أن يَقضوا حاجَتَهُم يُقَرْفِصونَ ويَرفعونَ ثَوبَهُم ويَلُفُّونَهُ حولَ خَصْرِهم لتغطية سَاقيهم. فهذا هو حَرفيًّا ما كانوا يَفعلونه. فقد كانت لديهم مَراحيض مُتنقِّلة!

لِذا فقد دَخَلَ شاول إلى هذا الكَهفِ تَحديدًا بمُفرده لكي يَقضي حاجَتَه. وبينما كانَ في الدَّاخل، كانَ داودُ ورجالُهُ مُختبئين في الكهفِ نفسه. ويا لها مِن مُصادَفة مُدهشة! وقد كانوا في جَانِبَيِّ الكهف، أمَّا شاوُل فكانَ في الوسط. "فَقَالَ رِجَالُ دَاوُدَ لَهُ: «هُوَذَا الْيَوْمُ الَّذِي قَالَ لَكَ عَنْهُ الرَّبُّ...". أي: لقد حانتِ اللَّحظة المُناسبة يا داود. "...هأَنَذَا أَدْفَعُ عَدُوَّكَ لِيَدِكَ". فقد قالوا إنَّ النُّبوَّة قد تَحقَّقت. ها هو! فمع أنَّنا نَختبئُ في مَكانٍ نَاءٍ في بَرِّيَّة عَيْن جَدْي، ها هو عَدُوُّنا يَأتي إلى هذا المكانِ ليَقضي حاجَتَه. إنَّه يَجلِسُ القُرْفُصَاء هناك مِثلَ بَطَّةٍ جَالِسَة.

حسنًا، ما الَّذي حدث؟ قال رِجالُ داودُ له: "هذا تَحقيقٌ للنُّبوَّة". "فَتَفْعَلُ بِهِ مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكَ". إنَّهُ عَدُوُّك. اقْضِ عليك يا داود. إنَّها اللَّحظة المُواتِيَة لك. فكما تَعلَم، أنتَ المَلِكُ الَّذي مَسَحَهُ اللهُ. اقتُل هذا الرَّجُلَ الشرِّير...هذا العَدُوَّ. "فَقَامَ دَاوُدُ وَقَطَعَ طَرَفَ جُبَّةِ شَاوُلَ سِرًّا". فقد تَسَلَّلَ داودُ مِن خلفِهِ وقَطَعَ جُزءًا مِن جُبَّتِه. وقد تقول: "ولكن يا داود، لم يَكُن هذا هو ما نُفَكِّرُ فيه! فنحنُ... نحنُ لم نُفَكِّر في أن تُقَطِّعَ جُبَّتَهُ إرْبًا إرْبًا، بل كُنَّا نُفَكِّر في التخلُّص منه". ولكن لكي تَروا رَهافَةَ حِسِّ قلبِ داود: "وَكَانَ بَعْدَ ذلِكَ أَنَّ قَلْبَ دَاوُدَ ضَرَبَهُ عَلَى قَطْعِهِ طَرَفَ جُبَّةِ شَاوُلَ". فقد شَعرَ بالتَّبكيت بسبب ذلك.

"فَقَالَ لِرِجَالِهِ: «حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ بِسَيِّدِي، بِمَسِيحِ الرَّبِّ، فَأَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ، لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ»". فلا يُمكنكَ أن تَشعر هكذا تُجاهَ عَدُوِّك. ففي النِّهاية، إنَّه خَليقة الله. وَهُوَ مَحبوبٌ مِن الله. "فَوَبَّخَ دَاوُدُ رِجَالَهُ بِالْكَلاَمِ، وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَقُومُونَ عَلَى شَاوُلَ. وَأَمَّا شَاوُلُ فَقَامَ مِنَ الْكَهْفِ وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ. ثُمَّ قَامَ دَاوُدُ بَعْدَ ذلِكَ وَخَرَجَ مِنَ الْكَهْفِ وَنَادَى وَرَاءَ شَاوُلَ قَائِلاً: «يَا سَيِّدِي الْمَلِكُ»".

ويا لهُ مِن موقِف! فهل لَكُم أن تَتخيَّلوا الصَّدمةَ الَّتي شَعرَ بها شاوُل! "وَلَمَّا الْتَفَتَ شَاوُلُ إِلَى وَرَائِهِ، خَرَّ دَاوُدُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ". وهذا مُذهِل! فقد أَظهرَ كلَّ احترامٍ لهذا العَدُوِّ الشرِّير. فقد كان داودُ رَجُلاً بارًّا على غِرارِ إبراهيم. وكما تَرون، فإنَّ الفضيلة تتصرَّف تُجاهَ العَدوِّ كما تَتصرَّف تُجاهَ صَديقٍ لأنَّ العدوَّ هو القَريب.

وأوَدُّ أن أُريكم مَثَلاً آخر في سِفْر صموئيل الثَّاني والأصحاح 16، وَهُوَ أيضًا عن داود. صموئيل الثَّاني 16: 5. وهذه... لا بُدَّ أنَّ هذه... لا يُمكنني أن أَصِفَ القلقَ الشَّديدَ في هذه اللَّحظة مِن حياة داود!

كان داود أبًا مُريعًا. فلا بُدَّ أن تكون أبًا مُريعًا إنْ رَبَّيْتَ ولدًا مِثلَ أبشالوم. ولكنَّه فعلَ ذلك. وقد انقلبَ أبشالوم ابنُهُ (الَّذي تَسَاهَلَ مَعَهُ داودُ كثيرًا) انقلبَ عليه. فقد انقلبَ أبشالوم على أبيه، وأراد أن يَغتصبَ عَرشَهُ. ولم يَقتصرِ الأمرُ على أنَّ أبشالوم انقلبَ على داود سِياسيًّا، بل إنَّ أبشالوم كَسَرَ حَرفيًّا قلبَ داود. وأخيرًا، صَرَخَ داود وَالدُّموعُ تَنهَمِرُ على خَدَّيْه: "أبشالوم ابني... ابني... ابني" عندما سَمِعَ عن موتِه.

ولكنَّ أبشالوم كانَ يُطارِد داود. وكان داودُ هاربًا وفَارًّا مِن ابنِه. وكان داودُ هو المَلِك. وفي وسطِ هذا كُلِّه، نَقرأ في العدد الخامس من سِفْر صموئيل الثَّاني والأصحاح 16: "وَلَمَّا جَاءَ الْمَلِكُ دَاوُدُ إِلَى بَحُورِيمَ إِذَا بِرَجُل خَارِجٍ مِنْ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَةِ بَيْتِ شَاوُلَ، اسْمُهُ شِمْعِي بْنُ جِيرَا، يَسُبُّ وَهُوَ يَخْرُجُ". فقد كانَ رَجُلاً بَذيءَ اللِّسان. "وَيَرْشُقُ بِالْحِجَارَةِ دَاوُدَ وَجَمِيعَ عَبِيدِ الْمَلِكِ دَاوُدَ وَجَمِيعُ الشَّعْبِ وَجَمِيعُ الْجَبَابِرَةِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ".

فقد راحَ يَرمي الحِجارة عليهم جميعًا ويَنْعَتُ داودَ بأبشعِ الصِّفات. "وَهكَذَا كَانَ شِمْعِي يَقُولُ فِي سَبِّهِ: «اخْرُجِ! اخْرُجْ يَا رَجُلَ الدِّمَاءِ وَرَجُلَ بَلِيَّعَالَ!" ويبدو أنَّ داودَ كانَ بينَ الجُنود. وكانَ هذا الرَّجُل يَسُبهُ ويَدعوهُ إلى إظهارِ نفسِه. "قَدْ رَدَّ الرَّبُّ عَلَيْكَ كُلَّ دِمَاءِ بَيْتِ شَاوُلَ". أنتَ تَعلمُ سببَ هذه المُعاناة الَّتي أنتَ فيها. وأنتَ تَعلمُ لماذا انقلبَ أبشالوم عليك. لأنَّكَ أَطَحْتَ بشاول، ولأنَّكَ اغتصبتَ عَرْشَ شاوُل. وتَذَكَّروا أنَّ هذا الرَّجُل كان مِن عشيرة بيت شاول.

والآن، ها أنتَ تَحصُد ما زَرَعْت يا داود، يا رَجُلَ الدِّماء. "وَقَدْ دَفَعَ الرَّبُّ الْمَمْلَكَةَ لِيَدِ أَبْشَالُومَ ابْنِكَ، وَهَا أَنْتَ وَاقِعٌ بِشَرِّكَ لأَنَّكَ رَجُلُ دِمَاءٍ». هل تريدون أن تَعلموا شيئًا؟ لقد كان كلامُهُ يَحوي بعضًا مِن الحقِّ الَّذي يَجعلُهُ مُؤلِمًا. فنحنُ نَقرأُ فيما بعد أنَّه عندما أرادَ داود أن يَبني الهيكل، قالَ اللهُ له: "لا! لأنَّ يَديكَ مُخَضَّبتَيْن بالدِّماء". صحيحٌ أنَّه لم يقتل شاول، لكنَّه خاضَ معارك كثيرة وخَضَّبَ بالدِّماءِ يَديه. "فَقَالَ أَبِيشَايُ [وكانَ أَبيشَاي مُخلِصًا لداود] ابْنُ صَرُويَةَ لِلْمَلِكِ: «لِمَاذَا يَسُبُّ هذَا الْكَلْبُ الْمَيْتُ سَيِّدِي الْمَلِكَ؟"

ومِن الواضحِ أنَّه كان مِن السَّيِّئ أن تَنْعَتَ أحدًا بأنَّه كلبٌ مَيْتٌ. وما أعنيه هو: ربَّما كان هذا هو أسوأُ وصفٍ خَطَرَ ببالِ أبيشاي: "هذا الكَلْبُ المَيْتُ". وما أكثرَ ما تجدون في الكتاب المقدَّس أنَّ الوثنيِّين يُدْعَوْنَ كِلابًا؛ حتَّى في رسالة بُطرس. فيمكنكم أن تَسمعوا بُطرس يُشيرُ إلى الكلابِ الَّتي تَعودُ إلى قَيئِها. وَهُوَ يَعني بذلك المُرتدِّين الَّذينَ يعودون إلى طُرُقِهم الشرِّيرة. وإن دَعوتَ أحدًا كَلبًا فإنَّها إهانة كبيرة جدًّا. وإن أَضفتَ الكلمة "مَيِّت" إلى الكلمة "كَلْب" فإنَّ الإهانة تَزدادُ أكثر.

ولكنَّنا نَستخدِمُ أيضًا هذه المُصطلحات فنقولُ إنَّ فُلانًا كَلبٌ مَيْتٌ. ونحن نَستخدمها باختلافٍ بسيطٍ في المَعنى، ولكنَّها جاءت مِن هنا. "لِمَاذَا يَسُبُّ هذَا الْكَلْبُ الْمَيْتُ سَيِّدِي الْمَلِكَ؟ دَعْنِي أَعْبُرْ فَأَقْطَعَ رَأْسَهُ»". نحنُ نَتحدَّثُ هنا عنِ زَمَنٍ قديمٍ. وكانَ هذا هو ما يَحدُث عادةً. "فَقَالَ الْمَلِكُ: «مَا لِي وَلَكُمْ يَا بَنِي صَرُويَةَ! دَعُوهُ يَسُبَّ لأَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: سُبَّ دَاوُدَ. وَمَنْ يَقُولُ: لِمَاذَا تَفْعَلُ هكَذَا؟»". وما يُلَمِّحُ إليه داود هنا هو: "رُبَّما قالَ الربُّ لهُ أن يقولَ هذا". وكما تَرَوْن، فإنَّ داود يَشعُر بالذَّنب بسبب إخفاقِه في تَربيه أبشالوم. وداوُد يُواجِه حقيقة أنَّه كان رَجُلَ دِماء. وَهُوَ يقول: "كيفَ تَعلمونَ أنَّ اللهَ لم يَقُل له أن يفعل هذا الأمر؟"

"وَقَالَ دَاوُدُ لأَبِيشَايَ وَلِجَمِيعِ عَبِيدِهِ: «هُوَذَا ابْنِي الَّذِي خَرَجَ مِنْ أَحْشَائِي يَطْلُبُ نَفْسِي، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآنَ بَنْيَامِينِيٌّ؟»" بعبارة أخرى، انظروا! أنا لا أُبالي بما يقولُهُ هذا الرَّجُل، ولكنَّني أتألَّمُ بسببِ أبشالوم. فما يَقولُهُ لا يَهُمُّني كثيرًا. لا تَهتمُّوا بذلك. "دَعُوهُ يَسُبَّ لأَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ". وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّ هذه هي مشاعر داود. ولا أدري إن كانَ الرَّبُّ قد قالَ لذلك الرَّجُل أن يَسُبَّ أَم لا، ولكنَّهُ شَعَرَ أنَّه فَعَلَ ذلك.

"لَعَلَّ الرَّبَّ يَنْظُرُ إِلَى مَذَلَّتِي وَيُكَافِئُنِي الرَّبُّ خَيْرًا عِوَضَ مَسَبَّتِهِ بِهذَا الْيَوْمِ». وَإِذْ كَانَ دَاوُدُ وَرِجَالُهُ يَسِيرُونَ فِي الطَّرِيقِ، كَانَ شِمْعِي يَسِيرُ فِي جَانِبِ الْجَبَلِ مُقَابِلَهُ وَيَسُبُّ وَهُوَ سَائِرٌ وَيَرْشُقُ بِالْحِجَارَةِ مُقَابِلَهُ وَيَذْرِي التُّرَابَ. وَجَاءَ الْمَلِكُ وَكُلُّ الشَّعْبِ الَّذِينَ مَعَهُ وَقَدْ أَعْيَوْا فَاسْتَرَاحُوا هُنَاكَ". ولكنَّ قلبَ داود كانَ سَليمًا. ففي تلك اللَّحظة، كانَ يُحِبُّ بالمحبَّة الَّتي يُعلِّمُها العهدُ القديم.

وقد كان اليهودُ مُخطئين جدًّا في زمن يسوع. فالعهدُ القديم لم يُعلِّمهم أن يُبغضوا أعداءَهم. فقد فَعلوا ذلك بسبب تَعليمهم الشِّرِّير والمُتكبِّر والمُتحيِّز. فالقريبُ يَضُمُّ حتَّى العَدُوَّ. ارجعوا معي قليلاً إلى إنجيل مَتَّى، واسمحوا لي أن أُشاركَ ما يلي معكم مِن الأصحاح الخامس والعدد 10. ففي وقتٍ سابقٍ مِن العظة، قال يسوعُ كلماتٍ مُشابهة: "طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِين".

كيف ينبغي أن تَتصرَّف؟ كيف ينبغي لك أن تتصرَّف؟ في العدد 12، بأن تَنتقمَ لنفسِك؟ لا. بل كيف؟ "اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَات". وهذا هو ما قالَهُ داود: "لَعَلَّ الرَّبَّ يَنْظُرُ إِلَى مَذَلَّتِي وَيُكَافِئُنِي الرَّبُّ خَيْرًا عِوَضَ رَدَّة فِعلي الصَّحيحة على هذه الشَّتائم". فأيًّا كانت العلاقة البشريَّة الَّتي على المِحَكّ، هذا هو ما يُريدُهُ اللهُ منك. وهذه هي رَدَّة الفِعل الصَّحيحة. فربَّما تَتخاصَم مع شريكِ حياتِك. وربَّما يكونُ هناكَ خِصامٌ في العائلة بين الأولادِ والأبوَيْن. وربَّما تتخاصم مع شخصٍ في مكان عملِك. وربَّما يوجد أشخاصٌ يُعادونَكَ في بيتِك، وأشخاصٌ يُعادونَكَ في مكانِ عملِك، وأشخاصٌ يُسيئونَ إليكَ في كَلامِهم. وربَّما يَتفوَّهُ أحدُ أقربائك أو إحدى قريباتِك، أو أحدُ إخوتكَ أو أخواتِك بكلامٍ شِرِّيرٍ عنكَ أو عن أولادك.

ومِن السَّهل في عالَمِنا البشريِّ أن تَحدث هذه الأمور وأن يَكونَ لديك أعداء. وقد نَشعُر بالمَرارة ونَصيرُ عِدائيِّين. وعِوضًا عن أن نُظهِر محبَّتنا للآخرين، وعوضًا عن نَنظر إليهم كإخوة وأقرباء كما يَفعل العهدُ القديم، قد نَنظر إليهم كأعداء. وبهذا نكونُ قد أَسأنا فَهمَ ما قالَهُ يسوع وانحَدرنا إلى المُستوى المُتدنِّي الَّذي انحدرَ إليه الفَرِّيسيُّون في تَدَيُّنِهم. ولكن لا يجوزُ لنا أن نَفعل ذلك. لذا فقد كان العهدُ القديمُ واضحًا جدًّا، وكان يسوعُ مُتَّفقًا تمامًا معه.

وهل يُمكنني أن أُحدِّثَكم عن تَعليم يسوع في العدد 44؟ وسوفَ أَكتفي بالتَّمهيدِ له اليوم. وسوفَ نَتعمَّق في ذلك في المَرَّة القادمة. فقد رأينا تَقليدَ اليهود في العدد 43. وقد رأينا تَعليمَ العهد القديم المُلَمَّح إليه تَلميحًا في العدد 43، ولكنَّهم حَرَّفوه. والآن، سنَرى التَّعليمَ والحقَّ الَّذي جاءَ مِن يسوع شخصيًّا. فنحنُ نَقرأ هُنا عن تَقويمِ الرَّبِّ للخطأ في النِّظامِ اليهوديّ. وَهُوَ يُقدِّم خمسة مبادئ لتصحيح المحبَّة المَغلوطة لدى الفَرِّيسيِّين والكَتَبة. وهي خمس جُملَ قصيرة ومُتتالية تَبلُغ الذُّروة في أَسمَى جُملة على الإطلاق. فهي جُمَل تَتَدَرَّجُ إلى الأعلى تَدَرُّجًا بَديعًا. وسوف نَرى ذلك في المَرَّة القادمة.

إنَّه يقولُ خمسة أشياء. اسمحوا لي أن أَذكُرَها لكم: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ... صَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ... أَظهِروا بُنُوَّتَكُم... أَظهِروا اختِلافَكُم الشَّاسِع عن الآخرين... تَمَثَّلوا بإلهِكُم". ويا أحبَّائي، عندما نَصِلُ في الخِتام إلى المبدأ الخامس، ستَرون [بطريقةٍ رُبَّما لم تَروها مِن قَبل] ما قَصَدَهُ يسوعُ عندما قال إنَّه يجب عليكم أن تُحبُّوا أعداءَكُم. فهي أقوى جُملة [في نَظري] في العهد الجديد بخصوص مَعنى المحبَّة. ولننظُر فقط إلى ذلك المبدأ الأوَّل قليلاً قبل أن أَختِمَ حَديثي. العدد 44: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". ويسوعُ يَتكلَّم بسُلطانٍ هنا. فهو رَبُّ النَّاموس. وَهُوَ ابنُ الله.

إنَّ واحدًا مِن الأمور الَّتي نَتعلَّمُها في اللُّغة اليونانيَّة هو أنَّ صِيغةَ الأفعالِ اليونانيَّة تَتغيَّر وَفقًا للضَّمير المُستخدَم معها. فمثلاً، أنتُم لا تحتاجون إلى الضَّمائِر (مِثل أنا، وأنتَ، وَهُوَ، وهي، وهُمَا، وهُنَّ، وأنتُم، وأنْتُنَّ، وغيرها) في اللُّغة اليونانيَّة لأنَّ صيغةَ الفِعل تَدُلُّ على الضَّمير المُستخدَم. وَهُوَ يأتي في نهاية الفعل. لِذا، عندما يُوضَع الضَّمير قبل الفِعل فإنَّه يُوضَع هناك للتَّوكيد. فيكفي أن تَذكُرَ الفعل: "أقولُ لكم". والفعل "أقول" قد يكونُ عِدَّة أفعال. فقد يكون "أقول" ("ليغو" – “lego”): "أقولُ لكم". ولكن إن كانَ "إيغو ليغو" (ego lego) فإنَّه يعني: "أنا أقولُ لكم". والتَّوكيدُ هنا لا يَختصُّ بالقول، بل إنَّ التَّوكيدَ هُنا يَختصُّ بالمُتكلِّم.

لِذا، عندما يَستخدِم يسوعُ ضميرَ التَّوكيد فإنَّه يُؤكِّد حقيقة أنَّه يَتكلَّم بسُلطان. فعندما يقول "وأمَّا أنا فأقولُ لكم" فإنَّه يُشَدِّد على حقيقة أنَّه الشَّخص الَّذي يَملِكُ السُّلطانَ في انتقادِ نِظامِهم بِغَضِّ النَّظر عن مَكانَة مُعَلِّميهم. بِغَضَّ النَّظر عن اللاَّئحة الطَّويلة للمُعلِّمين المَشهورين والمَعروفين والبارِزينَ والأذكياء، "أنا أقولُ لكم". لذا فإنَّه رُبُّ النَّاموس. وما الَّذي يَقولُه؟ إنَّ أوَّلَ مَبدأ نُصادِفُهُ هُنا هو: "أحبُّوا أعداءَكُم". أحبُّوا أعداءَكُم.

والفكرة الَّتي نَتعلَّمُها مِن العهد القديم هي أنَّ عَدُوَّكَ هو قَريبُك. ولتوضيحِ ذلك، انظروا معي إلى إنجيل لوقا والأصحاح العاشر... إنجيل لوقا 10: 25: "وَإِذَا نَامُوسِيٌّ قَامَ يُجَرِّبُهُ قَائِلاً: «يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» فَقَالَ لَهُ: «مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ. كَيْفَ تَقْرَأُ؟» فَأَجَابَ وَقَالَ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ [ماذا؟] نَفْسِكَ». والسُّؤالُ الَّذي يُطرَحُ الآن مِنْ قِبَل النَّاموسِيّ هو: "حسنًا، إن أردتَ مِنِّي أن أُحِبَّ قَريبي كنفسي..." وهو يَطرَحُ سؤالاً مَنطقيًّا في العدد 29 قائلاً: "وَمَنْ هُوَ [مَن] قَرِيبِي؟" مَن هو؟ أنتَ تُريدُ مِنِّي أن أُحبَّ قَريبي. مَن هو؟

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ [دَعني أَقُصُّ عليكَ قِصَّةً]: "إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا..."، أي أنَّه كانَ يَنزِلُ مُنحَدَرًا شديدًا... فهو مُنحَدَرٌ شديدٌ حقًّا. فأنتَ تَنحَدِرُ مِيلاً واحدًا إلى ما دون مُستوى سطح البحر في وقتٍ قصيرٍ جدًّا وُصولاً إلى أريحا. وكانت تلك الطَّريقُ خَطِرة جدًّا جدًّا ومُمتلئة باللُّصوصِ وقُطَّاعِ الطَّريق. "فَوَقَعَ [هذا الرَّجُلُ النَّازِلُ] بَيْنَ لُصُوصٍ، فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ، وَمَضَوْا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْتٍ". فقد ضَربوهُ وسَرقوهُ وتَركوهُ على قَارِعَةِ الطَّريقِ ليموت. "فَعَرَضَ أَنَّ كَاهِنًا نَزَلَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ، فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ".

وقد كان الكاهِنُ رَجُلاً يُمَثِّلُ اللهَ أمامَ الشَّعب. فقد كان رَجُلاً يُمَثِّلُ الله. وكان الكاهِنُ رَجُلاً وَسيطًا بينَ الشَّعبِ والله. وكان ينبغي للكاهِنِ [مِن بينِ جميعِ النَّاسِ في المجتمع] أن يتصرَّفَ بذاتِ الطَّريقة الَّتي يَتصرَّفُ بها الله. فقد كانَ مُمَثِّلاً عن الله. ولكنَّ الكاهنَ مَشَى بمُحاذاةِ ذلك الرَّجُل، ورآه، وقال: "إنَّ هذا الرَّجُلَ ليسَ مِن جَماعتي". وقد جَازَ مُقابِلَهُ وَمَشى على الجانبِ الآخر للطَّريق. مَن يُريدُ أن يَلمَسَهُ؟ فهو ليس قَريبي. إنَّه واحدٌ مِن الرَّعاع، أو مِن عامَّةِ الشَّعبِ اليهوديِّ ولا يَنتمي على الأرجح إلى طائفتي الدِّينيَّة.

"وَكَذلِكَ لاَوِيٌّ أَيْضًا..." وَهُوَ شخصٌ كان يَنتمي إلى التُّراثِ العَظيمِ للكهنة اللاَّويِّينَ أيضًا. "...إِذْ صَارَ عِنْدَ الْمَكَانِ جَاءَ وَنَظَرَ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. فقد قال: "إنَّه لا يَنتمي إلى مَجموعتي أيضًا"، وَمَضى. "وَلكِنَّ سَامِرِيًّا..." – وتلك الكلمة تَستَحضِرُ كلَّ أنواعِ الأفكار لأنَّ السَّامريِّينَ كانوا بصورة رئيسيَّة جِنْسًا ... لقد كانوا في الأصل يَهودًا تَزَوَّجوا مِن الوثنيِّينَ الَّذي تَسَلَّلوا إلى المملكة الشَّماليَّة. وقد صاروا جِنْسًا هَجينًا. وكانَ أحَطُّ شيءٍ لدى اليهودِ الشُّرَفاءِ الأصلِ هو أن يُنَجِّسَ شخصٌ نَسَبَهُ اليهوديَّ بأن يَتزوَّجَ مِن شخصٍ وَثنيٍّ.

وهل يمكنكم أن تتخيَّلوا أنَّ اليهودَ لم يكونوا يَدخلون بيتَ شخصٍ أُمَمِيّ! وحتَّى إنَّ اليهود لم يكونوا يَأكلونَ باستخدامِ أدواتِ شخصٍ أُمَمِيّ. ولم يكن اليهودُ يأكلون طعامًا طَهاهُ شخصٌ أُمَمِيّ. وَهُم لم يكونوا يَدخلون بيتَ شخصٍ أُمميٍّ لأنَّهم كانوا يؤمنون بأنَّ الأُممَ يُجهضونَ أولادَهُم في تلك المنازل فتصيرُ أماكن نَجِسَة. وكانوا يؤمنون بأنَّ أشنعَ وأسوأَ الأشياء بخصوص الأُمم، وكانوا يَحتقرونَهم. وعندما كانوا يَرجعون إلى بَلدهم، كانوا يَنفضون التُّراب عن ثِيابهم لأنَّهم لم يَرغبوا في جَلْبِ تُراب الأُمم إلى أرضهم.

وعندما كانوا يَنتقلون مِن الجنوب إلى الشَّمال، كانوا يَعبرونَ نهرَ الأُردُنِّ مِن الجانبِ الشَّرقيِّ وُصولاً إلى فَوق لكي يَتجنَّبوا المُرورَ مِن السَّامرة. فَهُم لم يرغبوا في تَنجيس أنفسهم بأرضٍ دَنِسَة. وها نحنُ هُنا أمامَ شخصٍ سامريٍّ عَدُوٍّ كان يُمكنُه أن يَنظُرَ إلى يَهوديٍّ نَازِف ويقول: "إنَهُ يَستَأهِلُ ما حَدَثَ له! لقد حان الوقت ليَنالوا جَزاءَهم عن سُوءِ مُعاملتهم لنا". ولكنَّ الكَاهِنَ واللاَّوِيَّ القِدِّيسَيْن التَّقيَّيْن لم يَنظُرا إلى ذلك اليهوديّ كقريب؛ في حين أنَّ السَّامريَّ المُحتَقَر والمَكروه نَظَرَ إليه هكذا. "فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ [في العدد 34]، وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتًا وَخَمْرًا، وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُق وَاعْتَنَى بِهِ. وَفِي الْغَدِ لَمَّا مَضَى أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ، وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ فَعِنْدَ رُجُوعِي أُوفِيكَ".

لقد كانَ رائعًا. أليس كذلك؟ فقد تَقدَّمَ، وضَمَدَ جِراحاتِه، وأحبَّهُ، واعتَنى به، وأَرْكَبَهُ على دَابَّتِه وأتى به إلى فُندقٍ، ودَفَعَ أُجرةَ الفُندق وقال: "سأدفَعُ البقيَّة عندما أعود إن أنفقتَ أكثر". والرَّبُّ يقول: "فَأَيَّ هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيبًا لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟ فَقَالَ: «الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاصْنَعْ هكَذَا»".

وهل تريدون أن تَعلموا شيئًا يا أحبَّائي: مَن هو قَريبُك؟ قَريبُك هو أيُّ شخصٍ بحاجة إليك. هذه هي الخُلاصة. فأيُّ شخصٍ أَلتقي به ولديه حاجة هو قَريبي. لا لأنَّه يُؤمن بما أُوْمِن به، أو يُفَكِّر كما أُفَكِّر، أو يَنتمي إلى مَجموعتي. فاللهُ أحبَّنا ونحنُ بعد أعداء. وقد ماتَ لأجلِنا. وهذه هي المحبَّة الَّتي ينبغي أن نُحبَّ بها الآخرين.

وأودُّ أن أَختِمَ كلامي بالقصَّة التَّالية: في سنة 1567، أرسَلَ المَلِك فيليب الثَّاني، عَاهِل إسبانيا، أرسَلَ دُوق أَلفا (Duke of Alva)... وكان دُوق ألفا مَعروفًا ببُغضِهِ الشَّديد لأيِّ شخصٍ يَعتنِق المسيحيَّة المُصْلَحَة. وكانَ ذلك الوقت هو وقت الإصلاح. وكان النَّاس يَتركون الكاثوليكيَّة ويُقبِلون على المسيحيَّة الكِتابيَّة، ويؤمنون بالمسيح بالطَّريقة الصَّحيحة. وقد كانوا يَكرهون هؤلاء الأشخاص. والحقيقة هي أنَّ زَمَن دُوق ألفا كان مَعروفًا بعهد الرُّعب في إسبانيا. وكان مَجلس ألفا يُدعَى "مَجلِس الدِّماء" لأنَّهم ذَبحوا الكثير مِن الأشخاص الَّذينَ اعتنقوا الإيمان المُصْلَح.

ولكنَّ المؤرِّخين يُخبرونَنا عن رَجُلٍ واحد يُدعى "ديرك وِليمزون" (Dirk Willumzoon) صار مؤمنًا... مَسيحيًّا بروتستنتيًّا. لِذا فقد حُكِمَ عليه بالموت تحت التَّعذيب. وقد تَمَكَّنَ بطريقةٍ ما مِن النَّجاة وفَرَّ للنَّجاة بحياته. وبالقُرب مِن نهاية فَصل الشِّتاء، في وقتٍ كانت ما تزال هناك بَقايا ثُلوج على الأرض، بينما كان يَركُض ويَركُض، وَصَلَ إلى بُحيرة لا مَفَرَّ مِن عُبورِها. وكانت البُحيرة مُتجمِّدة، ولكنَّها لم تَكُن مُتجمِّدة كثيرًا لأنَّ الشِّتاء كان قد أَوشَكَ على الانتهاء. وبالرَّغم من ذلك، لم يكن هناك خِيار آخر أمامَه سوى أن يَعبُرَ البُحيرة لأنَّه كان مُطارَدًا مِن قِبَل جُنديٍّ واحد. لذا فقد قَرَّرَ أن يَركُضَ فوق سَطح البُحيرة المُتجمِّد.

ويقولُ المُؤرِّخ إنَّه عندما رَكَض، ابتدأَ الجَليدُ يَتشقَّق ويَتَصَدَّع تحتَ قَدميه عندما عَبَر البُحيرة. ولكنَّه لم يتوقَّف لأنَّه أراد أن يَتجنَّب الموت المُريع الَّذي يَنتظرُه في حال القبض عليه. لِذا فقد رَكَضَ بسُرعة أكبر فأكبر ثُمَّ قَفَزَ قَفزةً كَبيرةً ساعَدَتْهُ في الوُصولِ إلى بَرِّ الأمان. وما إن تَابَعَ السَّيرَ حتَّى سَمِعَ صُراخًا مُؤلِمًا مِن خَلفِه. وعندما نَظَر وَراءَهُ، رأى أنَّ الجُنديَّ الَّذي كان يُلاحقُه قد سَقَطَ في البُحيرة المُتجمِّدة، وأنَّه يُصارِع مِن أجل النَّجاة بحياته.

لم يكن يوجد شخص آخر في الجِوار يُمكن أن يُساعد الجُنديَّ سوى "ديرك". ولكنَّ الجُنديَّ كان عَدُوَّه. فماذا ستَفعل لو كُنتَ مَكانَه؟ يُخبرنا المُؤرِّخ أنَّ "ديرك" عادَ، ومَشى بحَذَرٍ شَديد على قِطَع الجَليد المُتَكَسِّرة، وأَنقذَ عَدُوَّهُ، وحَمَلَهُ إلى بَرِّ الأمان. هذا هو جَوهَرُ الأمر. أليس كذلك؟ وهذا هو رُوحُ يسوع، وروحُ استفانوس، وإبراهيم، وداود. وماذا عنك أنت؟ دَعونا نُصَلِّي معًا:

نَشكرُك يا أبانا على وقتنا في هذا الصَّباح، وعلى صلاحِكَ ونِعمَتِكَ الَّتي تُعطينا مَحبَّةً مُستحيلةً بَشريًّا. فنحنُ لا نستطيع أن نُحبَّ هكذا. ونحنُ نَعلمُ ذلك. لِذا، ما أَشَدَّ امتِنانَنا لكَ لأنَّ الأصحاحَ الخامسَ مِن رسالة رُومية يقول لنا إنَّ مَحبَّةَ المسيح انسَكَبت في قُلوبِنا. فلولا أنَّكَ أعطيتَنا هذه المحبَّة لما استطعنا يومًا أن نُحبَّ بهذه الطَّريقة. ساعِدنا أن نُحبَّ بالرُّوح، وأن نُحبَّ بذات المحبَّة الَّتي تُحبُّنا بها وتَسري مِن خِلالِنا. وعندما تأتي تلك اللَّحظات الَّتي قد نَنظُرُ فيها إلى العَدُوِّ كَعَدُوٍّ، أو تلك اللَّحظات الَّتي قد نُفَكِّرُ فيها في الانتقام مِنهم، يا لَيتَنا في تلك اللَّحظة نتوقَّف ونَطلُب مِن روحِ اللهِ أن يَملأنا بالمحبَّة لكي نُحبَّهم كما أحببتَنا.

ويا لَيتَنا نُعرَفُ لدى العالَم بأنَّنا الأشخاصُ المُحِبُّون. ويا لَيتَ العَالَم يَعرِف مِن خلال مَحبَّتِنا أنَّنا نَنتمي إليك. نحنُ مُمْتُنُّونَ جدًّا لكَ يا أبانا على ما عَلَّمتَنا إيَّاه، وعلى ما يَنتظرُنا في المَقطعِ المُتَبَقِّي العَظيم. ويا رَبّ، لا يَسَعُنا أيضًا إلاَّ أن نَتحمَّسَ في أثناء انتظارِ عِظَةِ هذا المَساء الَّتي سنتأمَّلُ فيها في حياةِ هذا الرَّجُل (دَانِيَال) الَّذي كانَ رَجُلاً بحسبِ قَلبِكَ في وَسْطِ مُجتمعٍ شِرِّير. ونحنُ نُصَلِّي بأن يكونَ هذا اليومُ يَومًا مُغَيِّرًا لحياتِنا إذْ نَتعلَّمُ فيه أن نُحِبَّ وأن نَثْبُتَ في هذا اليوم الشِّرِّير. باسم المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize