أرجو أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّس في هذا الصَّباح وأن تَنظروا إلى إنجيل مَتَّى 5: 43-48. إنجيل مَتَّى 5: 43-48. يقولُ العهدُ القديم: "قَلْبُ الإِنْسَانِ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ يَهْدِي خَطْوَتَهُ". وقد وَجدتُ أنَّ هذا يِصِحُّ حَتَّى في الوعظ. فقد قَدَّمنا رسائلَ كثيرة عن المحبَّة لأنَّها فِكرة تَتكرَّر كثيرًا في الكتاب المقدَّس. وقد وَعظتُ عن موضوع المحبَّة المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة. وعندما وَصلتُ إلى هذا المقطع قُلتُ: "يا رَبّ، لقد سَمِعني هؤلاءِ الأشخاصُ الأحبَّاء أَعِظُ عن المحبَّة مَرَّات كثيرة جدًّا. أعتقد أنِّي سآخذُ كلَّ هذه الآيات (43-48) وأُنهيها في عِظة واحدة لأنِّي لا أريد أن أُكَرِّرَ كَلامًا سَمِعوه مِن قَبل". كان هذا هو ما عَقَدْتُ العَزمَ عليه؛ ولكنَّ الربَّ صَدَمَني. فهذا هو الأسبوعُ الثَّالث الَّذي نَتحدَّثُ فيه عن نفس المقطَع. وكما تَعلمون، عندما تَعِظ، قد تُخَطِّط كثيرًا، ولكنَّك تَشعر غالبًا أنَّ روحَ الله يَقودُكَ إلى التحدُّثِ عن أُمورٍ لم تُفكِّر يومًا في التَّطرُّق إليها. وهذا جُزءٌ مِن مُغامرة المِنبَر. لِذا، إذْ نأتي في هذا الصَّباح إلى نفس المَقطع ثالثَ مَرَّة، أشعر في قلبي أنَّ هذا ليس ما أريد أن أقولَه لكم، ولكنِّي أعتقد أنَّه ما يريد الرَّبُّ أن يَقولَه. وأعتقد أحيانًا أنَّ الرَّبَّ يَدفعُنا إلى صَرفِ وقتٍ أطول في دراسةِ نفسِ الفكرة لأنَّ هناك أشخاصًا لم يكونوا حاضرين في المَرَّة السَّابقة ولكنَّهم حاضرون في هذا الوقت. والله يَعلَم أنَّ هذا هو ما يَحتاجون إلى سَماعِه.
والشَّيء الوحيد الَّذي أَخشاه هو أنَّنا حين نَسمع أحيانًا نفس الفكرة، أو نفس الكلمات، أو نفس المفاهيم، قد نَظُنُّ أنَّنا نَعرفُها فلا نَسمعها البتَّة. ولكنَّ أهمَّ الدُّروس الَّتي نَتعلَّمُها هي تلك الدُّروس الَّتي سَمِعناها المَرَّة تلو المَرَّة إلى أن فَهِمناها أخيرًا فَهمًا حقيقيًّا. لِذا، ليتَ روحَ الرَّبِّ يَملأ الفَراغات بخصوص المحبَّة، ويُعزِّز ما نَعرفُه مِن قَبل، ويَقول لنا ذلك بطريقة جديدة لكي يَأتي بنا إلى مُستوى مِن التَّكريس يَختلف عن المستوى الَّذي وَصلنا إليه في السَّابق. نحنُ جميعًا لدينا أصدقاء. وأعتقد أنَّنا جميعًا لدينا أعداء. فنحنُ جميعًا لدينا أشخاص يُحبُّونَ أن يَكونوا مَعَنا، وأشخاص يُحبُّون أن يُهاجمونَنا. والمِحَكُّ الحقيقيُّ لشخصيَّاتِنا المسيحيَّة لا يَكمُن في كيفيَّة مُعاملتنا لأصدقائنا، بل في كيفيَّة مُعاملتنا لأعدائنا. فهذا هو لُبُّ الأمر. فيمكنكم في الحقيقة أن تَعرفوا كلَّ ما تَحتاجون إلى مَعرفته عن المستوى الرُّوحيِّ لأيِّ إنسان مِن خلال ما يَفعلهُ عندما يُهاجمهُ الآخرون، ومِن خلال ما يَفعله عندما يَحتقرهُ الآخرون، أو يُبغضونَه، أو يَضطهدوه، أو يُعارضونه، أو يَنتقدونه لأنَّ ذلك سيَكشِف حقيقةَ حياتِه. فإن كان إنسانًا مُحبًّا مِن خلال سُكنَى يسوعَ المسيح فيه، سوف يُحبُّ عَدُوَّهُ بالقدر الَّذي يُحبُّ فيه صَديقَهُ الحَميم لأنَّه الأمرَ يَتوقَّف على مَحبَّته الشخصيَّة، لا على ما يَفعلُهُ الشَّخص الآخر.
وهذا هو بصورة رئيسيَّة ما يقولُه يسوعُ في هذا المَقطع. فهو يقول: إنَّ تَقليدَكُم يقولُ لكم [في العدد 43]: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ". فهذا هو ما تَعلَّمتموه. فقد تَعلَّمتُم أنَّه يوجد مُبرِّر للكراهِيَة. وقد تَعلَّمتم أنَّه يوجد مَجالٌ للذَّمِّ، والبُغض، والمَرارة، والانتقام، والامتعاض. وقد قِيلَ لكم إنَّ كِبرياءَكم مُبَرَّر، وإنَّ تَحَيُّزَكُم مَسموح. وقد قِيلَ لكم إنَّ هناك أشخاصًا ينبغي أن تُبغضوهم. ولكنَّنا نقرأ في العدد 44: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". وكما تَرَون، فإنَّ ما يَفعلُه البشر وما يُوصي به اللهُ هُما أمران مُختلفان. وهذا هو لُبُّ الأمر هنا. فكما تَرَون، كان النَّاس الَّذين يُخاطبُهم يسوعُ هنا يَظُنُّون أنَّهم صالحونَ بالقدر الكافي. ولكنَّه يقول: "أنتُم لستُم صالحين البَتَّة. ومَحبَّتُكم ليست مُلائمة. فمحبَّتُكم ضَيِّقة جدًّا جدًّا. وهي تَنتقي مَنْ ستُحِبُّهم انتقاءً. ولكنَّ محبَّةَ الأشخاص الَّذينَ يَنتمون إلى مَلكوتي هي محبَّة ليست فيها مُحاباة، بل إنَّها تُحبُّ الصَّديقَ والعَدوَّ مَحبَّةً مُماثلةً... مَحبَّةً مُماثلة.
في إنجيل لوقا 23: 34، نَرى مَثلاً إيضاحيًّا جميلاً على ذلك. فقد فَعَلَ الرُّومان فِعلاً بَغيضًا. فقد قبضوا على ابنِ الله، ودَقُّوا مَساميرًا في مِعصَمَيْه، ودَقُّوا مَساميرًا في رِجليهِ، وعَلَّقوهُ على صَليبٍ خَشبيٍّ. وقد رَفعوا الصَّليبَ وأَسقَطوهُ في حُفرَة في الأرض. وعندما ارتَطَمَ بالأرض، لا بُدَّ أنَّ الاصطدامَ مَزَّقَ جَسَدَهُ تَمزيقًا. وقد بَصقوا عليه وسَخروا منه. وقد فَعلَ اليهودُ فِعلاً بَغيضًا. فقد اتَّهموه بأنَّه مُجَدِّف. وقد صَرَخوا مُطالبينَ بأن يُسفَكَ دَمُه. وقد سَخِروا منه هُم أيضًا وبَصَقوا في وَجهِه. وقد كان مُعَلَّقًا على الصَّليب. وكانَ يَقِفُ عندَ قَدميه رَعاعٌ أشرارٌ ثائِرونَ ومَسعورونَ يُبغضونَهُ، ويَحتقرونَه، ويَتعطَّشونَ إلى سَفْكِ دمه، ويُعبِّرونَ عن سَنواتٍ مِن المَرارة والكَراهِيَة لشخصٍ لم يُظهِر لهم سوى المحبَّة.
وكيفَ يَتصرَّف يسوعُ في ذلك الموقف، وما مَوقِفُهُ منهم؟ نقرأ في إنجيل لوقا 23: 34 أنَّ يسوعَ قال: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ. وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا". ففي وسطِ صَلاتِهِ العَظيمة لأجل مُسامحتهم، كانوا ما يزالونَ مُنهمكينَ في الاقتراعِ على ثِيابِه. ولكنَّ النُّقطة الَّتي أريدُ منكم أن تَروها هي أنَّ يسوع أحبَّهم محبَّةً فائقةً حتَّى إنَّه طَلَبَ مِن الله أن يَغفر لهم. وهذه ليست محبَّة بشريَّة. وهي ليست موجودة لدى البشر. وقد تقول: "ولكنَّ يسوعَ هو الله. وكما تَعلَم، لا يُمكننا نحنُ أن نَفعل هذا الشَّيء. هذا يَفوقُ قُدرتَنا. فلا يمكننا أن نُحبَّ أعداءَنا إلى ذلك الحَدّ". أعتقد أنَّنا نستطيع.
وهناكَ مَثَلٌ إيضاحيٌّ كِتابيٌّ آخر في الأصحاح السَّابع مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل. فقد كان هناك رَجُلٌ يُدعى "استفانوس" مَمْلُوًّا إيمانًا ومِن الرُّوح القُدُس. وَهُوَ رَجُلٌ مِن أوائل الرِّجال الَّذينَ تَمَّ اختيارُهم في الكنيسة في أورُشَليم بسبب تَقواهُم ليقوموا بالعديدِ مِن الخَدماتِ المُهمَّة. فقد كان استفانوس واحدًا مِن خِيرة الأخيارِ في الكنيسة الأولى. وكان استفانوس رَجُلاً يَعرف الله، ويَعرف العهدَ القديم، والمِيثاقَ الجديدَ الَّذي بيسوعَ المسيح. وقد وقفَ استفانوس في الأصحاح السَّابع مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل وقَدَّمَ عِظةً مُبَكِّتَةً وقويَّةً لا تَختلف كثيرًا عن عظة بطرس في يوم الخمسين. وقد عَرَّى خَطيئة بني إسرائيل.
وعندما انتَهى مِن تقديم عظته، غضبَ الشَّعبُ وهاجوا، ونُخِسوا في قُلوبهم [كما يَقولُ لوقا كاتِبُ هذا الإنجيل] حتَّى إنَّهم صَاحوا حَرفيًّا بصوتٍ عظيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ كي لا يَسمعوا ما يقولُه هذا الرَّجُل. وقد أمسَكوهُ وطَرحوهُ مِن مَكانٍ عَالٍ وابتدأوا يَرجُمونَهُ بالحِجارة. ويقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّه في وسط ذلك، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْه. تَخَيَّلوا ذلكَ وحسب. فقد كانت الطَّريقة اليهوديَّة في الرَّجم تَقومُ على العَثورِ على مَكانٍ مُرتفعٍ نحو ثلاثة أمتار، وَطَرْح الشَّخص إلى أسفل. وكانَ أوَّلُ شَخصٍ يَتَّهِمُهُ يَلتقط حَجرًا كبيرًا ويحاول أن يَسحَقَ رأسَهُ به. وكان الشَّخصُ الثَّاني الَّذي يَتَّهِمُهُ يَفعل الشَّيءَ ذاتَهُ. وأخيرًا، كانَ النَّاسُ يَرجمونَهُ إلى أن يُزهِقوا حَياتَهُ مِن جسدِه. وقد كان استفانوس مَطروحًا في الأسفل، والحِجارةُ تَنهالُ عليه. ولكنَّهُ تَمَكَّنَ مِن أن يَجثو على رُكبتيه لكي يَفعل ماذا؟ لكي يُصَلِّي. وماذا كانت صَلاتُه؟ ببساطة: "يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّة". يا رَبُّ، كُن رَحيمًا، ولا تَدَعهُم يَدفعونَ أُجرة ذلك، بل كُنْ مُنْعِمًا عليهم. هذا هو مَعنى: "أحبُّوا أعداءَكُم".
لقد قرأتُ مَرَّاتٍ عديدة قصَّة "جورج ويشرت" (George Wishart) الَّذي ماتَ شَهيدًا في وقتٍ مَا بسببِ إيمانه بالمسيح. وقد ماتَ لأنَّهُ أحبَّ المسيحَ ورَفَضَ أن يُنكرَهُ. لذا فقد سَاقوهُ إلى مكانِ الإعدام. وكانَ الجَلاَّدُ يَستعدُّ لإزهاقِ حَياتِه، ولكنَّه كانَ يَعرِف عن حياتِه وشَهادتِه، وكانَ يَشعُرُ بتأنيبِ الضَّمير لأنَّه سيُعدِمُه فَتَرَدَّدَ وتَوانَى في إزهاقِ حَياتِه. ويَقولُ كاتِبُ السِّيرة: "في اللَّحظةِ الَّتي تَرَدَّدَ فيها، نَظرَ "ويشرت" إلى أعلى ورأى تَرَدُّدَهُ. لِذا فقد وقفَ ووَضعَ ذِراعيهِ حولَ جَلاَّدِهِ وعانَقَهُ، وطَبَعَ قُبلةً على خَدِه وقالَ له: "سَيِّدي، لِتَكُن هذهِ القُبلةُ عُربونًا على أنِّي أَغفِرُ لك". هذا هو مَعني: "أحبُّوا أعداءَكُم".
وهذا هو ما يتحدَّثُ عنهُ يسوع. فطبيعة الملكوت لا تُبغِض. وهي لا تُبغِض حتَّى الأعداء. فهذه ليست طبيعة الملكوت. فهذا لا يَتَّفِق مع طبيعة تُظهِر التَّقوى، ولا يَتَّفق مع فضيلة الحياة الَّتي تَجدَّدَت. هذه هي الرِّسالة هنا. وكما تَرون، كان اليهود يَشعرون أنَّهم على صَواب، ولكنَّ الرَّبَّ يُبيِّن لهم أنَّهم ليسوا على صواب. وهذا مُثبَت مِن خلال حقيقة أنَّ محبَّتهم هي محبَّة غير لائقة، وغير مُناسبة، وضَيِّقة. لِذا فإنَّ يسوعَ يُقدِّم لهم الحقَّ المُختصَّ بتلك المحبَّة. وفي الآيات 44-48، نَقرأ تَعليمَ يسوعَ رَدًّا على تَقليد اليهود. فتقليدُ اليهودِ يقول: "تُحِبُّ قَريبكَ وتُبغِضُ عَدُوَّك". أمَّا تَعليمُ يسوعَ فمُختلف تمامًا.
وفي أثناء دراستنا لهذا النَّصِّ في هذا الصَّباح، هناك خمس نِقاط أريد منكم أن تَرَوها في أثناء دراستنا. وهي خمسة حقائق مُتدرِّجة، ومُترابطة، ومُتتالية تَقودُنا إلى خُلاصة مُدهشة. وصلاتي هي أن يُريكم اللهُ في أثناء دراستنا لها كيف تُطَبِّقونها في قُلوبكم. والآن، لنتذكَّر نُقطتين: يتحدَّث يسوعُ هنا ... الحقيقة هي أنَّه يوجد قَصْدٌ مُزدوَج: أوَّلاً، لِنَقُل إنَّ هناك أشخاصًا ليسوا مَسيحيِّين يَسمعون هذا الكلام. ماذا يَنبغي أن تكونَ رَدَّةُ فِعلهم؟ يجب عليهم أن يُدركوا أنَّهم بعيدون جدًّا عن مِعيار الله. ويجب عليهم أن يُدركوا أنَّهم لا يُحبُّون هكذا، وأنَّهم لا يَملكون القُدرة على أن يُحبُّوا هكذا. لذا فإنَّهم خُطاة لأنَّ هذا مَطلوبٌ منهم. فإن لم تكن تُحبُّ هكذا فإنَّك خاطئ. وإن كنتَ خاطئًا فإنَّك بحاجة إلى مُخلِّص. لذا فإنَّ الرِّسالة الَّتي يُقدِّمُها يسوعُ للنَّاسِ هناك، أي لليهودِ، أو للحَشْدِ الكبير هُناكَ هي: "سوف يُبَرهِنُ لَكُم كَلامي هذا مَرَّةً وإلى الأبد أنَّكم لم تَبلُغوا المِعيارَ المَطلوب، وأنَّكم بحاجة إلى مُخلِّص". ولا شَكَّ في أنَّه يُقدِّمُ نَفسَهُ بصفته ذاكَ المُخلِّص.
ولكن كانت توجد مجموعة أخرى على سَفْحِ ذلك الجبل عندما قَدَّمَ يسوعُ هذه العظة وهي: التَّلاميذ. وكانَ التَّلاميذُ قد آمَنوا به، وكَرَّسوا حَياتَهُم له. ولكن أحيانًا، حتَّى بالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذين نالوا الغُفرانَ على نقصِ مَحبَّتهم، والأشخاص الَّذينَ حَصلوا على القُدرة اللاَّزمة لكي يُحبُّوا ولكنَّهم لم يُحبُّوا هكذا... حَتَّى بالنِّسبة إلينا نحن، هذه العظة هي دَعوة إلينا لكي نَعيشَ في ضَوءِ هذه الحقيقة. فهو يَقولُ للفئة الأولى: "أنتَ خاطئ إن لم تُحِبّ هكذا. ويجب عليكَ أن تَنالَ الغُفران". ثُمَّ إنَّه يقول للفئة الثَّانية: "إن كُنتَ قد نِلتَ الغُفرانَ، وحَصلتَ على القُدرة كي تُحبَّ هكذا، يجب عليك أن تتجاوب مع ذلك بطاعة". لذا، إنَّها رسالة مُوجَّهة إلى الجميع: إلى الحَشْدِ، وإلى التَّلاميذ. فبالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذينَ يَعرفون المسيح، إنَّها رِسالة تَحُضُّ على مَزيدٍ مِن المحبَّة. وبالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذينَ لا يَعرفونه، إنَّها رسالة مُوَجَّهة إليك لكي تُدركَ أنَّك شخصٌ خاطئ، وأنَّك مُقَصِّرٌ، وأنَّك بحاجة إلى مُخَلِّص.
لِنُلقِ نَظرة على النُّقطة الأولى مِن هذه النِّقاط الخمس. فيسوعُ يقولُ ببساطة في العدد 44: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". والآن يا أحبَّائي، كانت هذه رسالة قويَّة جدًّا في المُجتمع الَّذي كانَ يسوعُ يعيشُ فيهِ آنذاك لأنَّه كانت توجد كَراهِيَة شديدة جدًّا. وقد كَتَبَ المُفسِّر الرَّائع "وليام هندركسون" (William Hendrickson): "في كُلِّ مكانٍ حَول يسوع، كانت هناك جُدرانٌ وسِياجات. وقد جاءَ في الأصل لكي يُزيلَ تلك الحواجِز لكي تَتمكَّن المحبَّة الطَّاهرة والحَارَّة والإلهيَّة وغير المحدودة مِن الجَرَيانِ بانسيابٍ مِن قلبِ الله... مِن قلبِه الحَنون إلى قُلوبِ البشر. فمحبَّتُه تَتَخَطَّى كلَّ حواجز عِرقيَّة وقَوميَّة وحِزبيَّة وعُمريَّة وجِنسيَّة. فعندما يقول: ’وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ‘ لا بُدَّ أنَّه صَعَقَ مُستمعيه لأنَّه كان يقولُ شيئًا رُبَّما لم يَقُلهُ أحدٌ مِن قَبل بهذا الاختصار الشَّديد، وهذه الإيجابيَّة، وهذه القوَّة". [نِهايةُ الاقتباس]
فقد كان يقول شيئًا لم يكونوا يَفعلونه. "أحبُّوا أعداءَكُم". هل تَمزَح؟ وقد قرأتُ عن قَبيلة بِدائيَّة في بولينيزيا (Polynesia) كانوا يُعَلِّقونَ في أكواخِهم أشياء خاصَّة تَتَدَلَّى مِن سَقفِ الكوخ. وقد قال زائرٌ: "ما هذه؟" قالوا: "إنَّها تَذكارات". "تَذكارات عن ماذا؟" تَذكاراتٌ عن الجُروح. فعندما يَجرحُنا أحد، أو يُسيءُ إلينا أحد، نُعَلِّق شيئًا يَرمِزُ إلى تلك الإساءة لكي نَتذكَّر دائمًا كلَّ إساءة اقتُرِفَت بِحَقِّنا. ونحنُ لا نُزيلُ ذلك التَّذكار إلاَّ بعدَ أن نَنتقم تمامًا". هذه هي الطَّريقة البشريَّة؛ ولكنَّها ليست طريقة الله.
وكانت هذه هي الطَّريقة الَّتي يعيشُ بها الفَرِّيسيُّون. فقد كانوا يُعلِّقون حول خَيمتهِم الفَرِّيسيَّة كلَّ أنواع الأدواتِ أو الأشياء الَّتي تَرمِز إلى نَقْمَتِهم. فقد كانوا رِجالاً مُتكبِّرين ومُنحازين، ودَيَّانينَ، ومُبغِضينَ للآخرينَ يَرتدونَ أقنِعَةَ رِجالِ الدِّين. وقد نَسَفَ يسوعُ ذلك. فهو يقولُ في جُملة واحدة فقط: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ"؛ وَهُوَ شيء يُناقض أسلوب حياتهم بأسرِه. فقد كانوا يُبغضون. فقد كانوا يُبغضونْ النَّاسَ عامَّةً، وكانوا يُبغضونَ العَشَّارينَ الَّذينَ كانوا يَجْبونَ الضَّرائب ويَتعاونون مع روما. وكانوا يُبغضونَ الأُمَم، بل كانوا [حَرفيًّا] يَحتقرونَهم. ويسوعُ يُقدِّم لهم وَصيَّة بسيطة تُعَرِّي كلَّ تلك الكَراهِيَة قائلاً: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". وَمَن كانَ يَقصِد؟ كلَّ شخص. وقد تحدَّثنا في المرَّة السَّابقة عن "القريب" الَّذي يَضُمُّ العَدوَّ. أليس كذلك؟ فالكلمة "قَريب" هي كلمة رَحْبَة تَضُمُّ العَدوَّ. وقد قال يسوعُ: "تُحِبُّ قَريبَكَ كنفسِك". والعدوُّ مَشمولٌ بهذه الوصيَّة. فالقريبُ هو أيُّ شخصٍ لديهِ حاجة. أليس كذلك؟
وهل تَذكرونَ أنَّنا نظرنا إلى لوقا 10 وتحدَّثنا عن السَّامريِّ الصَّالح؟ وكيفَ أنَّنا قُلنا في قصَّة السَّامريّ الصَّالح أنَّ السَّامريَّ الصَّالحَ جاءَ ورأى ذلك الرَّجُل الَّذي كان يهوديًّا. ولم يَكُن هناك أيُّ تَعامُل بين السَّامريِّين واليهود، بل كانت هناك كَراهِيَة شديدة بين الفَريقَيْن. وبالرَّغم مِن ذلك فقد اقتربَ مِن ذلك الرَّجُل ورآهُ وقال: "هذا الرَّجُل قريبي". وقد ضَمَدَ جِراحَهُ، واعتَنى به، وغطَّاهُ، وأَركَبَهُ على دَابَّتِه، وأخذه إلى فُندق ودَفَعَ الأُجرة، وفعلَ كلَّ ما يَلزَم. لقد ضَحَّى كثيرًا. أليس كذلك؟ فقد ضَحَّى بوقته، وضَحَّى بطاقته، وضَحَّى بمالِه، وضَحَّى بتحَيُّزِه، وضَحَّى بكلِّ الأمور الموجودة في حياته بأن تَوقَّفَ وفعلَ كلَّ ذلك لأنَّ الرَّجُلَ كانَ بحاجة إلى المساعدة. وقد قُلنا إنَّ هذا هو المَعنى المقصود. فقريبُكَ هو أيُّ شخصٍ تُصادِفُهُ في حَياتِكَ ولديهِ حاجة.
ولكن في لوقا 10 (في قصَّةِ السَّامريِّ الصَّالح)، يَذكُر يسوعُ في الحقيقة نُقطةً مُعاكسة أيضًا لأنَّ النَّاموسيَّ قال: "وَمَن هُوَ قَريبي؟" بعبارة أخرى: "سوفَ أَجوبُ العالَم، وأَنتقي أقربائي، وأفعلُ ما ينبغي لي أن أفعلَه". ولكنَّ يسوعَ قالَ في نهاية القصَّة: "مَن هو قَريبُ ذلك الرَّجُل؟" أو: "فَأَيَّ هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيبًا لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟" والآن، ما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ أوَّلاً، لقد رآهُ كاهِنٌ ولكنَّهُ تَجاهَلَه. ثُمَّ رآهُ لاوِيٌّ. وكانَ اللاَّويُّونَ في الأصل مُعاونينَ للكهنة. لِذا فقد كانوا جُزءًا مِن هذه الجَماعة الدِّينيَّة. ولكنَّ اللاَّويَّ تَجاهَلَهُ أيضًا. ثُمَّ جاءَ السَّامريُّ ذو النَّسَب المُختَلَط وساعَدَهُ. وقد قالَ يسوعُ للنَّاموسيّ: "مَنْ مِنْ هؤلاء بَرْهَنَ على أنَّهُ قَريبٌ للرَّجُل المُصاب؟"
بعبارة أخرى، لقد قَلَبَ يسوعُ الأمرَ رأسًا على عَقِب. فعوضًا عن أن تَعيشَ حياتَكَ وتُحاول أن تَنتقي قَريبَك كما يَحلو لك، فإنَّه يقول: "هل أنتَ قَريب؟ لأنَّك إن كنتَ قَريبًا فإنَّ أيَّ شخصٍ في طَريقِك سيحصل على محبَّتك لأقربائك". ولكنَّ الأمرَ يَسيرُ على النَّحو التَّالي في مُجتمعنا على المُستوى البشريِّ: فنحنُ نَميلُ إلى التَّركيزِ على أُمور مُعيَّنة في محبَّتنا. أليس كذلك؟ فكما تَعلمون، نحنُ نَميلُ إلى حُبِّ الأشخاص حَسَبَ نَوعيَّتهم أو جاذبيَّتهم. أتَعلمونَ ذلك؟ فمثلاً، عندما يَبحثُ الشَّبابُ عن فتاةٍ بقصدِ الزَّواج فإنَّهم يَلتقونَ فَتياتٍ كثيرات، ولكنَّهم يقولون: "لا، شُكرًا. أنا لستُ جاهزًا ولستُ مُستعدًّا بعد". فهناكَ فَتياتٌ كثيراتٍ مُتاحات! وفجأةً فإنَّه يَجِدُها. أتَعلمون ذلك؟ ها هي! وأنتَ تُرَكِّز نَظركَ عليها ولا تُبعِد نَظركَ عنها. فهناكَ شيءٌ جَذَّابٌ فيها. وهناك شَيءٌ عاطفيٌّ يَجذبكَ إليها. وأنتَ لا تَشعر بذلك تُجاهَ أيِّ فتاةٍ أخرى. لذا فإنَّ مَحبَّتنا تَتوقَّف على الشَّيء أو الشَّخص الَّذي نُحبُّه.
وعندما نَنظر إلى صُورةٍ، أو ننظر إلى مَنزِل، أو إلى سَيَّارة، هناك أشياءٌ تَجذبنا، وأشياء لا تَجذبنا. وهناك شخصيَّات نُحبُّها، وشخصيَّات لا نُحبُّها. فهذه هي العاطفة البشريَّة. وهذا هو ما كان يَقولُه ذلكَ النَّاموسيّ: "في أثناء حياتي، كيف أَعلم ما الأشياء الَّتي ينبغي لي أن أُحبَّها؟" ويسوعُ يقولُ له: "ليسَ هذا هو المُهمّ، بل إنَّ المُهمَّ هو: هل أنتَ قَريب؟ فإن كنتَ قريبًا، وكان قَلبُك مُفعمًا بالمحبَّة، فإنَّ أيَّ شخصٍ تُصادفه في طريقك سيحصل على تلك المحبَّة. أتَرَون؟ فهذا هو ما يقولُه. فهو يقول: "لا تُحاول أن تُحَدِّد مَن هو قريبُك، بل كُن قريبًا لكلِّ شخص. وحينئذٍ، لن تكونَ لديك مُشكلة". فيسوعُ يدعو إلى إظهار المحبَّة للعَدُوّ. وهذا أمرٌ بسيط. ولا أدري كيف أقول ذلك سِوى أن أقول ببساطة إنَّه يعني أن تُحبَّ الجميعَ بذاتِ المحبَّة سواء كان صديقًا أَم عَدُوًّا.
وقد تقول: "ماذا تقصد بالمحبَّة يا جون؟ أنا لا أقصدُ العاطفة. وقد تحدَّثنا عن ذلك في المَرَّة السابقة. فالله لا يتوقَّع منك أن تُحبَّهم "فيليا" (philia)؛ أي بصفتهم أصدقاء. وهو لا يتوقَّع منك أن تُحبَّهم "ستورغي" (storge)؛ أي كما تُحبُّ شخصًا في عائلتك. وهو لا يتوقَّع منك أن تُحبَّهم "إيروس" (eros)؛ أي مَحبَّة مُفعمة بالشَّغَف والرَّغبة. بل إنَّ ما يقولُه هو: أَحببهُم "أغاباؤو" (agapo)؛ أي محبَّةً تَرومُ إلى أكبرِ قَدرٍ مِن الخير لهم، واحرِص على سَدِّ حاجاتِهم. فعندما قال يسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13: "كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". وكانَ قد غَسَلَ للتَّوّ أَرجُلَهُم. ففي ذلك النُّقطة، لم يكن يقول: "كما تَعلمون، إنَّ هؤلاء التَّلاميذ رائعون جدًّا وتَصعُب مُقاومتُهم".
لا، فقد كانوا مُشاكِسينَ، وبَشِعينَ، ويَتجادلونَ مَن سيكون الأعظم في الملكوت. فقد كانوا يتصرَّفون بطريقة خاطئة، وكانوا يَتصرَّفون بدوافع شخصيَّة ودوافع أنانيَّة، ولم يُراعوا حتَّى أنَّ المَسيحَ سيُصلَب قريبًا، ولم يُعَزُّوه. فقد كانوا يتصرَّفون بأقبح طريقة تَصَرَّفوا بها في العهد الجديد. وبالرَّغم مِن ذلك فقد قال: "كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". وماذا كانَ قد فعل؟ لقد غَسَلَ أرجُلَهُم المُتَّسخة.
وهذا هو ما يَعنيه. فالمحبَّة هي خِدمة تُقدِّمُها لشخصٍ مُحتاج، وليست بالضَّرورة عاطفةً. ولعَلَّكُم تُلاحظون أنَّه يقول: "أحبُّوا أعداءَكُم"، ثُمَّ إنَّ النَّصَّ يقولُ أيضًا وَفقًا لتَرجمة الملك جيمس: "بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ".
وهذا النَّصُّ غير موجود في العديدِ مِن النُّصوصِ النَّقديَّة أو المَخطوطات، بل هو مأخوذٌ عَمَّا جاء في إنجيل لوقا والأصحاح السَّادس. فقد قالَ الربُّ ذلك، ولكنَّ مَتَّى لم يَذكرهُ، بل إنَّ بَعضًا مِن الكَتَبة دَوَّنوه. ولكنَّه صحيحٌ تمامًا. فإن أحببتَ عدوَّكَ الَّذي لَعَنَكَ ستُباركهُ، وإن أحببتَ عَدُوَّكَ الَّذي أَبغضكَ ستُحسِن إليه. فهذا هو التَّطبيقُ العَمليُّ لتلك المحبَّة. وكما تَرون، فإنَّ الأمر ليسَ مُتوقِّفًا على المشاعر... لاحظوا ما يلي: إنَّه ليس مُتوقِّفًا على المشاعر لأنَّه عندما تُواجِه عَدُوًّا لدودًا يجب عليك أن تقولَ كَلماتٍ تُباركهُ بها، وأن تُحسِنَ إليه. فما تقولُهُ وما تَفعلهُ هو ما يُريدُه اللهُ منك؛ لا كيفَ تَشعُر مِن نَحوِه. فقد يكونُ لك عَدُوٌّ وتَعلم في قلبِك أنَّه لا يوجد لديكَ مشاعر بشريَّة عظيمة مِن نَحوِه، وأنَّه لن تكونَ بينَكَ وبينَهُ يومًا صَداقة عظيمة، وتَعلم أنَّك لن تَحْتَضِنَهُ يومًا كما تَحتَضِنُ فَردًا في عائلتك، ولكنَّكَ تُباركهُ بفمك مِن خلالِ كلماتِك، وتُباركه في حياتِكَ مِن خلال ما تَفعلُه لأجله. لِذا فإنَّنا نَجِدُ أنَّ المحبَّة الَّتي نتحدَّث عنها هي محبَّة عَمليَّة وليست محبَّة عاطفيَّة.
انظروا معي قليلاً إلى رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 13 - رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 13. ورُبَّما كانَ ما يقولُهُ هذا الأصحاحُ هو أعظمُ تَعريفٍ للمحبَّة على الإطلاق. وأريد منكم أن تُلاحظوا الأعداد 4-7؛ وسوفَ أتحدَّثُ بإيجاز. فيمكننا أن نَصرِفَ وقتًا طويلاً في التحدُّثِ عنها. ونحنُ نُحسِنُ إن فَعلنا ذلك. وقد فَعلنا ذلك في وقتٍ مَضَى. ولكن في هذه اللَّحظة، سننظر إليها نظرة خاطفة وحسب. ولكن تَذكَّروا حقيقةً واحدةً عظيمةً ومُهمَّةً: فنحنُ نَجِدُ هنا خمس عشرة سِمَة للمحبَّة في هذا النَّصّ، وهي جميعُها تَرِد بصيغة أفعال. فهي لا تَرِد بصيغة الاسم، بل بصيغة الفعل. لماذا؟ لأنَّ المحبَّة هي فِعْل، والمحبَّة هي عَمَل، والمحبَّة لا يُمكن أن تَكونَ خامِلَةً، ولا يُمكن أن تُعَرَّفَ بأنَّها حالة سُكون؛ بل إنَّ المحبَّة هي دائمًا نَشاط، وهي دائمًا عَمَل.
وبالمناسبة، لقد عَنْوَنَ أحَدُهم هذا المَقطعَ كالتَّالي: "أُنشودةُ التَّطويبات" أو "أُنشودةُ العِظَة على الجبل". لِذا، هناك أشخاصٌ آخرونَ رَأوْا وَجْهَ الشَّبه بينهما. ولكنَّ بولسَ يَستخدِمُ في وصفِ المحبَّة أفعالاً لأنَّ المحبَّة لا يُمكن أن تُوصَفَ إلاَّ مِن جهة ما تَفعله. فهذه هي الخُلاصة. وأعتقد أنَّ السَّبب في أنَّكم لا تُصدِّقونَ أيَّ شخصٍ يقول لكم إنَّه يُحبُّكم عندما يَنطِق بذلك هو أنَّه يَقولُ تلك الكلمة دُون أن يَفعلَ أيَّ شيءٍ بخصوصِها. وأنتُم مُحِقُّون تمامًا في الشَّكِّ في ذلك النَّوع مِن المحبَّة لأنَّ المحبَّة تَفعل أشياءً. فمثلاً، نقرأ في العدد 4: "المَحَبَّةُ تَتَأَنَّى"، أو حَرفيًّا: "صَبورة". وهي تُستخدَم في أغلب الأوقات للصَّبر في التَّعامُل مع النَّاس. "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى". "المحبَّة تَرْفُقُ". وهذا يعني في اللُّغة اليونانيَّة أنَّها نافعة. بعبارة أخرى، المحبَّة تَحرص على القيام بأفعالٍ لطيفة تُساعد الآخرين في وقت الحاجة.
ثُمَّ نقرأ: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ"؛ أي أنَّها لا تَملِك روح المُنافسة، وأنَّها ليست غَيورة، بل إنَّها تَفرح بنجاح الآخرين. ونقرأ أيضًا: "الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ". فهي لا تَتفاخَر. فهي لا تَتباهَى بنفسها؛ أي أنَّها لا تَعْتَدُّ بنفسِها. وأعتقد أنَّ الكلمة اليونانيَّة تُشيرُ بالدَّرجة الأولى إلى التَّباهي الخَارجيّ، والتَّظاهُر الخارجيّ، والافتخارُ الخارجيّ، والغَطرسَة. ثُمَّ نقرأ بعد ذلك أنَّ المحبَّة "لاَ تَنْتَفِخُ". وأعتقد أنَّ هذه العبارة تُشير إلى الدَّاخل وإلى الأعماق، وإلى التَّكَبُّر، وإلى الأنانيَّة. وكما تَرَون فإنَّ المحبَّة ليست أنانيَّة. فهي صَبورة على النَّاس. وهي لَطيفة. وهي لا تَملِك روحَ المُنافسة، ولا تَغار، ولا تَحسد أيَّ شخصٍ آخر على مَنصبِه أو أيَّ شخصٍ آخر على مَكانته البتَّة، بل إنَّها تَفرح تمامًا بنجاح الآخرين.
ونَقرأُ أنَّ المحبَّة "لاَ تُقَبِّحُ" [أي أنَّها لا تَتصرَّف على نَحوٍ غير لائق]. وهذه فكرة جميلة في بداية العدد الخامس. فهي تَتصرَّف دائمًا بطريقة لائقة. وهي تَهتمُّ دائمًا بالآخرين، وتُراعي دائمًا حُسْنَ مُعاملة الآخرين، حتَّى الأشرار. فالمحبَّة لا تُصِرُّ على أخذِ حُقوقِها. فكما تَعلمون، يمكنك اليوم أن تذهب لحضور دوراتٍ تَدريبيَّة. هل تَعلمون ذلك؟ فيمكنك أن تَذهب لحضور نَدوات مُدَّتُها أسبوع وأن تتدرَّب على كيفيَّة المُطالبة بحقوقك. ولكنَّ المحبَّة لا تَتصرَّف هكذا. فالمحبَّة "لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا". بعبارة أخرى، إنَّها ليست أنانيَّة، بل تَسعى إلى خير الآخرين. والمحبَّة "لاَ تَحْتَدُّ"؛ وهذا يعني أنَّها لا تَنفجر مِن شدَّة الغضب أو السَّخَط. فهي لا تُظهِر أيَّ رَدَّة فِعل تُجاه الإساءة، ولا تَفقد أعصابَها. والمحبَّة "لاَ تَظُنُّ السُّوءَ"؛ أي أنَّها تَتخيَّل الآخرين بأفضل صُورة مُمكنة. فهي تُفَكِّر دائمًا في الأفضل، وتُريدُ دائمًا أن تَجِدَ أعذارًا للآخرين، وتَغفِر وتُسامِح دائمًا، ولا تَحمِل ضَغينةً، ولا تَكونُ دِفاعيَّةً، ولا تُبادِر إلى لَومِ الآخرين.
ثُمَّ نقرأ إنَّ المحبَّة [في العدد السَّادس]: "لاَ تَفْرَحُ بِالإِثْم". فالمحبَّة لا تَفرح عندما يُخطئ الآخرون، ولا تَفرح عندما يَنالُ الآخرونَ العِقاب، "بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقّ". وهذا يعني أنَّ المحبَّة إيجابيَّة، ومُشَجِّعة، وكُلُّها صَلاح. والمحبَّة [ونحنُ نَقرأ هنا أربع سِمات أخرى لها]: "تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". فالمحبَّة تَحتملُ كلَّ شيء. وهي كلمة يونانيَّة جميلة تَعني أن تُغَطِّي شيئًا مَا. فهي تَستُرُ أخطاءَ الآخرين وتُغَطِّيها وحسب. وهي تُصَدِّقُ كلَّ شيء، وليست شَكَّاكةً، بل تُصَدِّق ما هو أفضل. وهي تَرجو كلَّ شيء. فحتَّى عندما تَعلم أنَّ هناك إخفاقًا فإنَّها تَبقى مُتفائلة وتؤمن بأنَّ شيئًا مُختلِفًا سيحدث. فسوف يحدث تَغيير. وهي تَرفض أن تَقبَل الفشل كنتيجة نِهائيَّة. ثُمَّ إنَّ المحبَّة تَصبِر على كلِّ شيء. وبغضِّ النَّظر عَمَّا تفعله عندما تُحبُّ [كما جاءَ في العدد الثَّامن] فإنَّ المحبَّة "لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا".
ويا لها مِن صورة رائعة! فكأنَّها تُسَلِّطُ الضَّوءَ على مَنشورٍ فيَتفَرَّقُ ويَعكِسُ كلَّ ألوان المحبَّة. هل تُحبُّ هكذا؟ فهذه هي المحبَّة الَّتي كانَتْ صِفَةً مِن صِفاتِ رَبِّنا يسوعَ المسيح. وهذه هي الطَّريقة الَّتي يُحبُّ بها اللهُ. فإن لم تكن تُحبُّ هكذا فإنَّك بحاجة إلى مُخَلِّص. وإن كنتَ قد نِلْتَ الغُفران على نقصِ مَحبَّتك، وكان المسيحُ يَسكُن في قبلِك، وكانَ لديكَ غُفرانٌ، وكانت مَحبَّتُه قد انسكبَت في قلبك [كما جاء في رسالة رُومية 5: 5]، ولكنَّك لا تُظهِر هذا الحُبَّ، بل تَكْبِتُهُ، يجب عليك أن تُكَرِّسَ نَفسكَ مِن جديد كي تُحبَّ بالطَّريقة الَّتي يُوصيكَ بها.
يقولُ المُفَسِّر "لينسكي" (Lenski): "إنَّها محبَّة تَرى حقًّا كَراهِيَة العَدُوِّ وشَرِّه، وتَشعُر بطعناتِه وضَرَباتِه، وربَّما تَستطيعُ أن تَمنَعَها. ولكنَّ هذا كُلَّه يَملأ القلبَ المُحبَّ برغبةٍ واحدة وغاية واحدة وهي تَحرير العدوِّ مِن كَراهِيَّته، وتَحريرِه مِن خطيَّته؛ وبالتَّالي: إنقاذِ نفسِه. فالمشاعرُ وحدُها غالبًا ما تكونُ عَمياء، ولكنَّها حتَّى في ذلك الوقت تَظُنُّ أنَّها تَرى شيئًا جَذَّابًا في الشَّخص المُقابِل. والمحبَّة الأسمَى قد لا تَرى شيئًا جَذَّابًا في الشَّخص الَّذي تُحبُّه. فدافعُها الدَّاخليُّ هو ببساطة أن تُسبِغَ نِعمةً حقيقيَّةً على الشَّخص المحبوب، وأن تُقابلَهُ بأكبرِ خَيرٍ مُمكن".
ويقولُ لينسكي: "لا يُمكنني أن أُحبَّ مُجرمًا حَقيرًا سَرَقني وهَدَّدَ حياتي. فلا يُمكنني أن أَسلتطِفَهُ على أقلِّ تقدير. ولا يُمكنني أن أُحِبَّ شخصًا مُخادعًا وكاذبًا ومُجدِّفًا رُبَّما شَتَمني المَرَّة تِلو المَرَّة. ولكنِّي أستطيعُ بنعمةِ يسوعَ المسيح أن أُحبَّ هؤلاءِ جميعًا، وأن أَرى العُيوبَ الكامنة فيهم، وأن أرغبَ في الإحسانِ إليهم. والأهمُّ مِن هذا كُلِّه هو أن أُحرِّرَهُم مِن طُرُقِهم الشِّرِّيرة" [نهاية الاقتباس].
لِذا، يجب علينا أن نُحبَّ، لا مَحبَّةً عاطفيَّةً، بل بأن نَخدِمَهُم. وبولس يُعَبِّرُ عن ذلك تعبيرًا جميلاً في رسالة رومية 12: 20. واسمحوا لي أن أقرأَ هذه الآية على مَسامِعكم: "فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ". فهكذا ينبغي أن تُعامل عَدوَّك. "إِنْ جَاعَ...فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأسِهِ". وأعتقد أنَّ هذا يعني أن تَجعله يَشعُر بالتَّبكيت، وأن تَجعله يَشعر بمشاعر سَيِّئة تُجاه كراهيته وخطيئته. "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ". بعبارة أخرى، عندما يَصنَع بك أحدُهم شَرًّا، لا تُعامله بالمِثل، ولا تَخسر المعركة، "بَلِ اغْلِبِ ذلك الشَّرَّ بِخَيْرِك". فليأتِ العَدوُّ ويَفعل كلَّ ما يُريدُ أن يَفعلَهُ بك. ولكن لا يَجوزُ أن يَجعلَكَ ذلك الأمر تَسقُط في الخطيَّة. "دَعْ شَرَّهُ يَغرَق..." [كما قالَ يُوحَنَّا فَم الذَّهب] "...كما تَغرَق الشَّرارة الَّتي تَسقُط في البحر. فهكذا تَنطفئ نَارُ الإساءة عندما تَسقُط في بحر محبَّة المُؤمِن". فعندما يُوجِّهُ النَّاسُ سِهامَ كَراهِيَّتهم المُشتعلة إلينا، ليتَها تَنطفئ كما تَنطفئ الشُّعلة في البحر. والآن، إنَّ يسوعَ يقولُ ببساطة: "أحبُّوا أعداءَكُم".
ثانيًا، لنَصعَد دَرجةً أُخرى في سُلَّمِ الحَقِّ المُختصِّ بالإيمان. فهو يقول: صَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يَضطَهِدونَكُم" إذ نَقرأ في العدد 44: "وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ ويَطردونَكُم". والصَّلاة هنا تَعني أن نَتضرَّع إلى الله مِن أجلهم. فالإساءة إليكم تَعني مُعاملتكم مُعاملة سَلبيَّة، أو مُعاملتكم مُعاملة سَيِّئة. ولا شَكَّ في أنَّ الاضطهادَ واضحٌ. فعندما يأتي شخصٌ ويُعاملك مُعاملة سيِّئة، أو يَصنع بكَ شَرًّا، أو يُؤذيكَ، أو يَجرحُكَ، أو يَضطهدُكَ، ماذا ينبغي لك أن تَفعل؟ يجب عليكَ أن تَتضرَّع إلى الرَّبِّ مِن أجله وأن تَتشفَّع فيه. فهذا هو ما فَعلَهُ يسوعُ على الصَّليب. وهذا هو ما فَعلَه استفانوس. وقد قرأتُ قصصًا كثيرة عن أشخاص ماتوا لأجل إيمانهم. وحتَّى عندما كانت النِّيرانُ تَلتهمهُم، كانوا يُصلُّون لأجل الأشخاص الَّذينَ كانوا يَضطهدونهم.
فأنا أَذكُرُ أنِّي قرأتُ في كِتابٍ رائع بعُنوان "حُزْنٌ شَديد" (Distant Grief)... ويجب عليكم أن تَقرأوا ذلك الكتاب إن لم تقرأوه بعد. وقد أخبرتُكم عن قصَّة "كيفا سمبانغي" (Kefa Sempangi) قبل بضعة أشهر. وهذا الكتابُ مُتاحٌ الآن. وكيف أنَّهم جاءوا لكي يقتلوه في أوغندة (Uganda) في عهدِ "عيدي أمين" (Idi Amin). فقد جاء هؤلاء الرِّجال وصَوَّبوا أسلحتَهُم إلى رأسه فابتدأَ يَتصدَّى لهم بالإنجيل ويُصلِّي إلى الله كي يُغيِّرَ حياتَهم. وما كانَ مِن هؤلاء الرِّجال الَّذينَ جاءوا لقتله إلاَّ أنْ جَثَوا على رُكَبِهم ليسوعَ المسيح.
"وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ". فكما تَعلمون، لا يوجد اضطهادٌ في العالَم، ولا توجد كَراهِيَة في العالم أقسى مِن تلك الكَراهِيَة النَّابعة مِن التَّديُّن. فكما تَرَونَ فإنَّ النَّاس يعيشون في الخطيَّة، ويعيشونَ في شُعورٍ مُريعٍ بالذَّنب. والشُّعورُ بالذَّنب يُنشئ خَوفًا. وأعظمُ خوفٍ لدى الإنسان هو خوفُه مِن الموت، وخوفُهُ مِمَّا سيحدث. فإن كان هناك إلَه وكنتُ قد أخطأت، هل سأُعاقَب؟ فالإنسانُ يعيشُ مُترقِّبًا العقاب. لِذا فإنَّه يَعيشُ في خوف. وعليه فإنَّ الإنسانَ يَبتكر نِظامًا للتَّخفيفِ مِن هذا الخوف. وَهُوَ يُقنِع نفسَه بأنَّه على ما يُرام، وبأنَّه يُراعي ما يَكفي مِن القواعِد حتَّى إنَّ الله سيَسمَح له أن يَذهب إلى السَّماءِ لأنَّه ليس شخصًا سَيِّئًا جدًّا. أو قد يُقنِع الإنسانُ نَفسَهُ بأنَّه لا يوجد إلَه أصلاً: لن أشعُرَ بالذَّنب، ولن أشعُرَ بالخوف مِن الدَّينونة، بل إنِّ سأتخلَّصُ مِن هذه المشاعر مِن خلال القول إنَّه لا يوجد إلَه.
فعندما تأتي إلى شخصٍ وتقولُ له: "أنت خاطئ. وسوف تموت وتذهب إلى جَهنَّم إن بقيتَ مُنفصلاً عن يسوعَ المسيح. لِذا، يجب عليك أن تَنالَ الفِداء، ويجب عليك أن تَخلُص"، فإنَّك تُوجِّه إلى ذلك الشَّخص ضَربةً في الصَّميم تُؤلمه لأنَّك تَسترجِع كلَّ ذلك القلق، وكلَّ تلك الخطيَّة، وكلَّ ذلك الشُّعور بالذَّنب، وكلَّ ذلك الخوف الَّذي نَجَحَ إلى حَدٍّ ما في إخفائه تحت غِطاء فَلسفتِه أو دِيانته. أتَرَوْن؟ فأنتَ تُثيرُ مشاعر الخوفِ تلك مَرَّةً أخرى. لِذا فإنَّ أقسى أنواعِ الاضطهاد هي دائمًا الاضطهادات الدِّينيَّة لأنَّك تُزيلُ القِناعَ عن النَّاس وتَكشِف نِقاطَ ضَعفهم.
عَدا عن ذلك فإنَّ الاضطهادَ يَكشِف المعركة الحقيقيَّة بين الشَّيطان والله. والاضطهادُ الدِّينيُّ على مَرِّ التَّاريخ هو دائمًا الأشرَس... دائمًا. فعندما نَقفُ حقًّا ونُعلِن أنَّنا سنَحيا لأجل يسوعَ المسيح في هذا المجتمع، سوف نُضطَهد. واحتماليَّة حدوثِ ذلك، يا أحبَّائي، تَزدادُ أكثر فأكثر. والسُّؤالُ المَطروحُ هو: في وسطِ أبشعِ أنواعِ الكَراهِيَة، وعندما نُريدُ أن نَرُدَّ على أقسى اضطهادٍ مُمكن، هل يمكننا أن نُصلِّي لأجل نفس الشَّخص الَّذي يَسعى إلى إهلاكِنا؟ هذا هو ما يقولُ يسوعُ إنَّه يجب علينا أن نَفعلَه.
"ما الَّذي تَقصِدُه بأن نُصلِّي؟" أعتقد أنَّه يعني أن نَتضرَّع إلى الله أن يَصنعَ كلَّ الخير لأعدائِنا. فلا أَظُنُّ أنَّه يتحدَّث هنا عن الصَّلاة بلَجاجة إلى الله لكي يُنزِلَ نارًا مِن السَّماء وتُهلِكَهُم، بل أعتقد أنَّه يَعني أن نُصلِّي هنا لأجل خلاصهم. لقد كنتُ أقرأُ كِتابًا لسبرجن (Spurgeon) قبل بضعة أسابيع. وقد وجدتُ جُملةً قصيرةً في عِظَةٍ مِن عِظاتِه يقولُ فيها: "الصَّلاةُ تَسبِق النِّعمة". فعندما نُصَلِّي فإنَّنا نُطلِق رحمةَ الله بالمَعنى الحقيقيِّ. وهذا هو ما أعتقد أنَّ يسوعَ يَقولُه. "صَلُّوا لأجلِ مُضطَهِديكُم؛ أي لأجل أولئكَ الأشخاص الَّذين يحاولونَ أن يَسلبوكُم حياتَكم. صَلُّوا لأجلهم". وكما تَعلمونَ، يُمكننا أن نُشيرَ إلى أعدائِنا. ويُمكننا أن نقول: "إنَّهُم أعداءُ المسيح، وأعداءُ الصَّليبِ والكِتابِ المُقدَّسِ والكنيسة". ويُمكننا أن نَنسى أنَّ ما نُبغِضَهُ هو ما يُمَثِّلونَهُ. ولكن يجب علينا أن نُحبَّهم؛ أي أن نُبغِضَ الخطيَّة ونُحبَّ الخاطئ. أليس كذلك؟ وأن نُصَلِّي لأجلهم.
أليس مِن الرَّائع أن نُصلِّي وحسب لأجل الأشخاص الَّذينَ يُعادونَنا؟ أن نُصَلِّي ماذا؟ أن يَنالوا الفداءَ. أتَعلمونَ شيئًا؟ إنَّ تلك الصَّلاة في ذاتِها ستَملأ قلبكَ بالمحبَّة. وهي ستُطَهِّر نَفسَكَ إن صَلَّيتَ لأجلهم هكذا. فعندما يأتي شخصٌ ويقول لي: "لديَّ مُشكلة مع فُلان. وأنا أُبغِضُهُ وحسب"، فإنَّ رَدِّي عليه هو نفسه دائمًا: "سأقولُ لك ما ينبغي أن تفعل: صَلِّ لأجله. خَصِّص وقتًا كلَّ يوم وصَلِّ لأجله". وهل تَعلمون ما الَّذي يحدث؟ سوف تُطَهِّر نفسَكَ مِن كلِّ مَرارة عندما تُصلِّي لأجل شخصٍ يُعاديك وتَطلُب مِن الله أن يكونَ رَحيمًا.
والحقيقة هي أنَّ يُوحنَّا فَم الذَّهب قال أيضًا إنَّ هذا النَّوع مِن الصَّلاة هو ذُروة ضبط النَّفس. فأنتَ تَجعل حياتَكَ مُتوافقةً مع مَعاييرِ الله عندما تُصلِّي لأجل مُضطَهِديك. وقد قال "دييتريك بونهوفر" (Dietrich Bonhoeffer) الَّذي تألَّم كثيرًا في ألمانيا النَّازيَّة: "هذه هي الوَصيَّة العُظمى. فمِن خلال الصَّلاةِ نَذهب إلى عَدُوِّنا، ونقف إلى جانبه، ونَتضرَّعُ إلى الله لأجله". ويا له مِن شيءٍ رائع! فالتَّعذيبُ القاسي والصَّلب لم يتمكَّن مِن إخمادِ صلاة يسوع. والحجارة الَّتي تَسحقُ العِظامَ لم تتمكَّن مِن إخمادِ صلاةِ استفانوس. ولكنِّي أتساءل ما الَّذي أَخْمَدَ صلاتَكَ لأجل عَدُوِّك! لِذا: "أحبُّوا أعداءَكُم، وصَلُّوا لأجل مُضطهديكُم".
ثُمَّ إنَّنا نَصعَد درجةً أخرى في السُّلَّم: "أَظهِروا بُنُوَّتَكُم". هذه هي النُّقطة الثَّالثة: أَظهِروا بُنُوَّتَكُم. فهذا هو ما يَقولُهُ العدد 45. وهو يَبتدئ بالكلمة "هوبوس" (hopos) في اللُّغة اليونانيَّة؛ وهي كلمة تُشير إلى القصد. فلماذا ينبغي أن أُحبَّ أعدائي؟ ولماذا ينبغي أن أُصلِّي لأجل مَن يَضطهدونني؟ "لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ". فالكتابُ المقدَّسُ يقول إنَّ اللهَ مَحبَّة. وطالما أنَّ اللهَ محبَّة، وأنَّني ابنُهُ، يجب عليَّ أن أتَّصِفَ بالمحبَّة. لِذا فإنَّ رسالة يوحنَّا الأولى تقول: "إن لم تُظهِر المحبَّة لأخيكَ، كيف تَدَّعي أنَّك ابنٌ لله؟" لا تَدَّعي أنَّك ابنٌ لله إن لم تُظهِر محبَّتَك. ويسوعُ لا يقول: "سوف تصيرُ ابنًا لله إن أحببتَ". وهو لا يقول: "أظهِر محبَّةً كافيةً فتصيرُ ابنًا لله". بل إنَّه يقول: "سوف تُبرهِن على صِدْقِ ادِّعائك بأنَّك ابنٌ لله عندما تَظهَرُ المحبَّة في حياتِك". سوفَ تُبرهِن على ذلك.
وهذا شَبيهٌ بما قالَهُ بُطرس. فقد حَصلنا على هذه الطَّبيعة الإلهيَّة. وقد حَصلنا على هذه الطَّبيعة غير القابلة للفساد. ولكن لكي نُبرهِنَ على صِدقِ دَعوتِنا واختيارِنا، يجب علينا أن نُظهِرَ في كُلِّ شيءٍ نَفعلُه فَضيلةً...وهَلُمَّ جَرَّا. بعبارة أخرى، لن نَتمكَّن مِن إقناعِ أيِّ شخصٍ بأنَّنا نَنتمي إلى الله ما لم نَصِرْ مِثلَهُ. واللهُ مُحِبٌّ. لذا، أَظهِروا بُنوَّتَكُم. وقد أخبرتُكم قبل سنواتٍ خَلَت إنَّه عندما كنتُ صَبيًّا صغيرًا، وَقعتُ في مُشكلة لأنِّي سَرَقتُ أشياءً مِن مَتجَر "سيرز" (Sears) مع صَديقٍ لي فقبضوا علينا ووضعونا في سجنِ المدينة في "غلينديل" (Glendale). وكانَ أبي قد خَرجَ لكي يَلعب الغولف مع شَمَّاسَيْنِ في الكنيسة. وقد سَمِعَ بما حدث فجاءَ لإخراجي مِن السِّجن وهو يَظُنُّ أنَّهم اتَّهموني زُورًا، ولكنَّ الأمرَ انتهى بأنه راح يُحاول أن يَشرح للشَّمَّاسَيْن ما يَفعله ابنُهُ في السِّجن.
ولكنِّي أَذكُرُ أنَّه عندما جئتُ إلى البيت، كانت أُمِّي تبكي. فهي لم تكن تُصَدِّق أنِّي قد أفعل شيئًا كهذا. ولن أَنْسَ يومًا ما قالَهُ أحدُ الأشخاصِ لي...ولكنِّي نَسيتُ مَن هو ذلك الشَّخص. فقد قال لي: "جوني ماك آرثر، هل نَسيتَ مَن هو أبوك؟" لن أَنْسَ يومًا ذلك. فأنا مَدينٌ بشيءٍ لأبي. فهو الَّذي مَنَحني الحياة. وقد أردتُ أن أكونَ ابنًا له. وقد قال لي ابني الصَّغير "مارك" (Mark) ذاتَ يوم: أبي، هل ستتقاعَد؟" قلتُ: "لا". قال: "هذا جَيِّد لأنِّي مَسرورٌ لكونِكَ واعظًا". قلتُ: "هل أنتَ مَسرورٌ لأنَّكَ ابني؟" قال: "أجل، أنا مَسرورٌ لأنِّي ابنُك".
وأنا سَعيدٌ لأنِّي ابنُ أبي أيضًا، ولكنِّي أعتقد أنَّه ينبغي لي أن أُظهِرَ شَيئًا مِن صِفات أبي. أليس كذلك؟ وهذا هو ما يقولُه يسوع. "أنتُم تَدَّعونَ أيُّها الفَرِّيسيُّون والكَتَبة أنَّكم أبناءُ الله، ولكن إن لم تُظهِروا صِفاتِ اللهِ فإنَّكم لن تُقنعوا أحدًا بذلك... البَتَّة". وما هو أكبر انتقادٍ يُوَجِّهُهُ النَّاسُ إلى الإنجيل؟ إنَّه انتقادٌ مَوَجَّهٌ إلى الأشخاص الَّذي يَدَّعون أنَّهم يَعيشونَ الإنجيل ولكنَّهم لا يَعيشونَه. فهذا هو ما يَقولُهُ النَّاسُ دائمًا: "هناك مُراؤون كثيرون جدًّا في الكنيسة!" وأفضل رَدٍّ على ذلك هو: "تَفَضَّلوا! هُناكَ مُتَّسَعٌ للمَزيدِ مِن المُرائين هُنا". ولكنَّ الحقيقة هي أنَّ أكبرّ ضَررٍ يَلحَقُ بالمسيحيَّة هو على يَدِ المسيحيِّين. وما أعنيه هو أنَّنا لا نَعيشُ وَفقًا للمعيار الَّذي نُنادي نحنُ أنفُسنا به. لذا، هذه هي المُشكلة.
أظهِروا بُنُوَّتَكُم، واجعَلوها حقيقةً راسخةً، وأثبِتوها. فكما تَعلمون، هناك أشخاص مسيحيُّون، ولكنَّكم لا تُدركون ذلك البتَّة لأنَّهم لا يُحبُّون هكذا. ولكنِّي أريدُ أن أقول لكم شيئًا: إن وَجدتُم شخصًا تَزخُرُ حياتُه بالمحبَّة، وتَفيضُ حياتُهُ مَحبَّةً، وتَتَدَفَّقُ المحبَّة منهُ تُجاه الجميعِ سواء كانوا أصدقاءَ أَم أعداء، لن يُصَدِّقَ النَّاسُ البتَّة أنَّ هذا الشَّخصَ جاءَ مِن مَصدرٍ بَشريٍّ لأنَّ النَّاسَ لا يُحبُّون هكذا. وهذا هو بالضَّبط ما يقولُه الرَّبُّ في هذا العدد. فهو يقول: "يجب عليكم أن تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات". بعبارة أخرى، يجب أَلاَّ يكونُ نَمَطُ حياتِكم بَشريًّا، بل يجب عليكم أن تُظهِروا مَصدَرَكُم السَّماويّ.
لِذا فإنَّه يُعَرِّفُ الآب بأنَّه ذاكَ الَّذي في السَّماوات. فهو لا يُشيرُ إلى أبيكم الأرضيّ، بل إلى أبيكم السَّماويّ. وهو لا يُشيرُ إلى نَهجٍ بَشريٍّ في الحياة كذلك الَّذي يُنادي به فَاعِلو الخير، بل يَتحدَّثُ عن طريقةٍ لإظهار المحبَّة الَّتي لا يُمكنُ أن تُوصَف إلاَّ بأنَّها سماويَّة. ثُمَّ إنَّه يقول: "وكيف نَفعلُ ذلك؟" انظروا إلى الله. "فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ". فهو يتحدَّث أوَّلاً عن الأشرارِ والصَّالحين، ثُمَّ إنَّه يَعكِسُ التَّرتيبَ ويتحدَّثُ عن الأبرارِ والظَّالمين. وهو يَتَنَقَّلُ بين الفِرقتين ذَهابًا وإيابًا ذاكِرًا الأشرارَ أوَّلاً حينًا، ثُمَّ الصَّالحينَ أوَّلاً حينًا آخر لكي تَرَوْا أنَّ المَعنى المقصودَ هنا هو عدم المُحاباة.
فهو يَعكِسُ التَّرتيبَ لكي يُبيِّن لكم إنَّ ما يَقصدُه هو أنَّ الله يُحبُّ الجميع. فعندما تَطلعُ الشَّمسُ وتُشرِق بكلِّ بَهائِها وتَنشُر دِفأَها، فإنَّها تُشرِق على الجميع. وعندما يَنزلُ المَطر فإنَّه يَنزل على الجميع. ذاتَ ليلة، كُنَّا نُراقب ابنَنا يَلعب كُرة القدم في المساء في مكانٍ ما خارجَ المدينة، وكانت السَّماءُ مُلَبَّدة بالغُيوم. وقد رأيتُ قَوْسَيّ قُزَح هنا، وقَوسَ قُزَح هنا، وتلك الغُيومُ الكبيرة الجميلة، والقَمر. وقد كنتُ أستمتع بالمشهد. فقد كانَ مساءً جميلاً وحسب. وابتدأ المَطر يَتساقط بنعومة. وكان أغلبيَّة النَّاسِ مِن حولي لا يَعرفونَ الرَّبَّ؛ ولكنَّهم كانوا يَستمتعون بذلك أيضًا.
فالشَّمسُ تُشرِق وتُعطي نورًا، وتُسْهِمُ في نُمُوِّ عُشبِكُم، ونُمُوِّ عُشبي، ونُمُوِّ عُشبَ النَّاسِ الَّذينَ يَسكنونَ على مَقرُبةٍ مِنَّا مع أنَّهم لا يَعرفونَ أنَّ اللهَ موجود، ولا يُبالون بذلك البتَّة. لماذا؟ لأنَّ الله صالحٌ، ولأنَّ الله لا يُحابي في عَطاياه. وهذا هو ما سَمَّاهُ "كالفن" (Calvin): "النِّعمة العامَّة"... النِّعمة العامَّة. فالمحبَّة والعِناية الإلهيَّتَيْن تَلمَسان كلَّ إنسان. وهذا هو ما يَقولُهُ الرَّبُّ: "انظروا! كونوا مثلَ أبيكم. لا تَسمحوا لمحبَّتِكُم أن تُفَرِّقَ بين النَّاس، بل اجعلوا شَمسكُم تُشرِق على الجميع، واجعلوا مَطَرَكُم يَنزِل على الأبرار وغير الأبرار. فحينئذٍ سيكونُ مِن الواضح أنَّكم تَنتمون إلى أبيكم".
هناك قصَّة قديمة رَواها مُعَلِّمٌ مِن مُعَلِّمي اليهود عن هَلاكِ المِصريِّين في البحر الأحمر. فعندما غَرِقَ المِصريُّون، يُقالُ إنَّ الملائكةَ راحَت تُسَبِّح الله. فرفعَ اللهُ يَدَهُ بهَيبةٍ وأَسْكَتَ الملائكة قائلاً: "صَنْعَةُ يَدَيَّ تَغرَق في البحر وأنتُم تُسَبِّحون؟" فقد أحبَّ اللهُ فِرعَون. وقد أحبَّ اللهُ جُنودَ فِرعون لأنَّ اللهَ محبَّة. لِذا، أظهِروا بُنُوَّتَكُم مِن خلال الصَّلاة لأجل مُضطَهِديكُم وحُبِّكُم لأعدائكم. ونقرأ في المزمور 145: 15 ما يلي... اسمعوا هذا جيِّدًا: "أَعْيُنُ الْكُلِّ..." [لاحظوا الكلمة "كُلّ" هُنا] "... أَعْيُنُ الْكُلِّ إِيَّاكَ تَتَرَجَّى، وَأَنْتَ تُعْطِيهِمْ طَعَامَهُمْ فِي حِينِهِ. تَفْتَحُ يَدَكَ فَتُشْبعُ كُلَّ حَيٍّ رِضًى". مَن هو الَّذي يُلَبِّي رَغبةَ كلِّ مَخلوقٍ حَيّ؟ إنَّهُ الله. إنَّه الله.
فجميعُ البشر يَنالونَ نِعمةً عامَّةً ومحبَّةً تُشبِعُ حاجاتهم، ولكنَّهم ليسوا جميعًا يَحصلون على تلك المحبَّة الخاصَّة الَّتي يَحفظُها الربُّ لشعبِ عَهدِه الَّذينَ يأتونَ إليه مِن خلالِ دَمِ المسيح. فمثلاً، نقرأ في سِفْر التَّكوين 17: 20: "وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ..." – وقد كان إسماعيلُ ابنًا غيرَ شَرعيٍّ. فهو ليسَ ابنَ العهدِ مع إبراهيم، وليس الابن الَّذي خَطَّطَ اللهُ أن يأتي منهُ نسل المسيح، بل هو الابنُ الَّذي حُبِلَ به مِن خلالِ علاقةٍ غير مَشروعة بهاجَر. "وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً". هل سمعتُم ذلك؟ فاللهُ مُنعِمٌ حَتَّى تُجاهَ ابنٍ غير شَرعيّ. واللهُ مُنعِمٌ تُجاهَ أُناسٍ ليسوا شَعبَهُ، بل شعوب مَنبوذة. فهذه هي محبَّة الله.
ولكنَّنا نقرأ في العدد 21: "وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاق". اسمعوني: لقد أحبَّ اللهُ إسماعيل، ولكنَّه كان يَحتفظُ بشيءٍ خاصٍّ حقًّا لإسحاق. فاللهُ يُحبُّ جميع البشر، ويُحبُّ العالَم، ولكنَّه يَحتفظ بشيءٍ خاصٍّ جدًّا لشعب عَهدِه الَّذينَ يأتون إليه مِن خلال الإيمان بالمسيح. فالنِّعمة العامَّة شيءٌ رائع، والنِّعمة الَّتي تَسُدُّ حاجاتِ البشر هي شيءٌ رائع، ولكنَّها لن تُخلِّصَك. فلكي تَخلُص، يجب عليكَ أن تأتي إلى المسيح. فقد قال يسوع: "أحبُّوا أعداءَكُم، وصَلُّوا لأجلِ مُضطهديكُم. وحينئذٍ تُظهِرونَ بُنُوَّتَكُم".
رابعًا، تَفَوَّقوا على البشر الآخرين. تَفَوَّقوا على البشر الآخرين. وهذه نُقطة مُوجَزة وواضحة. فنحن نقرأ في العدد 46: "لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟" بعبارة أخرى، إن أحببتُم فقط الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمون إلى مَجموعتكم، هل تَستحقُّون المَدحَ؟ وإن أحببتُم فقط الأشخاصَ الَّذينَ يَتَّفقونَ معكم، ويُفكِّرونَ مِثلَكُم، ويَنتمون إلى زُمرتِكُم الصَّغيرة، هل تَستحقُّون المَدحَ؟ وهل ينبغي أن تَحصلوا على جائزةٍ مَا؟ "أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟" أريدُ منك أن تَعلموا، يا أحبَّائي، أنَّه لا يُمكنكم يومًا أن تَتخيَّلوا شعورَ الفَرِّيسيِّين والكَتَبة عندما أَنهى يسوعُ تلك الجُملة: "أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟" وما أعنيه هو أنَّه مِن المؤكَّد أنَّهم غَضِبوا جدًّا.
فإن كان هناك أشخاصٌ يُبغضونهم حقًّا فإنَّهم فئة العَشَّارين. لماذا؟ لأنَّهم كانوا يهودًا خائِنينَ ومُرتدِّينَ اقترفوا خطيئة خيانة إسرائيل مِن خلال التَّعاوُن مع الحكومة الرُّومانيَّة لفَرضِ الضَّرائبِ على النَّاس وَمَلْءِ جُيوبهم بالمال. فقد صاروا بَيادِقَ بيدِ الرُّومان الَّذينَ أرادوا... الحقيقة هي أنَّ المُواطِنَ الرُّومانيَّ كان يَشتري منطقةً مُعيَّنة في الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة ويَحصل على الحقِّ باقتطاع الضَّرائب مِن سُكَّان تلك المنطقة. ثُمَّ إنَّه كان يُعيِّنُ يهودًا مَارِقينَ وكَافِرينَ لا يُريدونَ شيئًا سِوى المال، ولا يُفكِّرون البتَّة في شَعبهم. وكانَ هؤلاء اليهود يَجْبون الضَّرائب. وكانَ ينبغي لهم أن يَجْبوا مَبلغًا مُعيَّنًا لذلك الشَّخص، ويأخذون البقيَّة لأنفسهم. وقد صاروا مُحتَقرينَ ومَنبوذين.
والحقيقة هي أنَّكم إذا قرأتك إنجيل مَتَّى، أو قرأتُم إنجيل مَرقُس، أو قرأتُم إنجيل لوقا، ستجدون المرَّة تلو الأخرى تلو الأخرى أنَّ شخصيَّة العَشَّارين أو جُباة الضَّرائب المُحتَقرة موصوفة في هذه المقاطع. وهو يقول لهم: "انظروا! إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ فأنتُم إنَّما تُحبُّون الأشخاص بكبريائِكُم، وتَحيُّزكم، ونِطاقِكُم الضَّيِّق. لِذا فإنَّكم لستم أفضل مِن الخَوَنة، أو المُرتدِّين، أو العَشَّارين لأنَّهم يُحبُّون الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمون إلى زُمرتِهم أيضًا". بعبارة أخرى، "أنتُم لا تُبرهنون على أنَّكم تَنتمون إلى مَلكوتي". فقد كانوا يُفَكِّرونَ قائلين: "نحنُ مُحِبُّون. لماذا؟ لأنَّنا نُحبُّ الأشخاص الَّذينَ في مَجموعتنا". ولكنَّه يقول: "أجل، هذا رائع! ولكن هذا هو ما يَفعلُهُ أيضًا أسوأُ الأشخاصِ في الجنسِ البشريّ".
إنَّهم يَفعلون ذلك. فَهُم يُحبُّونَ بعضُهم بعضًا. فالقتلة لديهم شيءٌ مُشترَك. وكذلك السَّارقون، واللُّصوص، والزُّناة، والابتزازيُّون، وأيُّ أشخاصٍ آخرين. وما يُدهشني هو ما أقرأه عن العقلِ الإجراميّ. فهناك أشخاص لا يُطيقون انتظار العودة إلى السِّجن لأنَّهم يجدون أنفسهم هناك. هل تَعلمون ذلك؟ فواحدٌ مِن الأسباب الرئيسيَّة الَّتي تَجعل النَّاس يَقترفون الجرائم المَرَّة تلو الأخرى هو أنَّهم يَشعرون بالرَّاحة في السِّجن أكثر مِن الخارج لأنَّ المَساجينَ هُم رِفاقُهم. فَهُم يُحبُّون المُجرمين الآخرين. ويسوعُ يقول: "أنتُم لستُم أفضل مِن هؤلاء. فإن كان كلُّ ما يُمكنكم أن تفعلوه هو أن تُحبُّوا الأشخاصَ الَّذينَ يَنتمونَ إلى مَجموعتكم".
وإن كنتم تَظُنُّونَ أنَّ تلك الكلمات كانت قاسية، فإنَّ الجُملة الَّتي تَليها أَقسى منها. فهو يقول في العدد 47: "وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ [الوَثنيُّونَ] أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟"؛ أي إن كان كلُّ ما تَفعلونه هو أن تُعانقوهم بحرارة. فالكلمة "سَلَّمتُم" تُشيرُ إلى المُعانقة الحارَّة الَّتي تُرافِقُها قُبلة كما كانتِ العادةُ في الشَّرق. "إن كان كُلُّ ما تَفعلونه هو أنَّكم تُعانقون بحرارة ومَودَّة إخوتكم، فإنَّكم لستُم أفضل مِن الوَثنيِّين". والآن، يا أحبَّائي، هناك فئة واحدة فقط أسوأ مِن العَشَّارين. من هي؟ إنَّهم الوَثنيُّون. وما أعنيه هو أنَّ يسوعَ لم يَترك ضَربةً لم يُوجِّهها إليهم. فعندما قال لهم إنَّهم ليسوا أفضل مِن العَشَّارين والوثنيِّين، كان يُوجِّه إليهم ضَرباتٍ مُؤلمة. فهو يقول: "يا لها مِن ديانةٍ تَنتمونَ إليها! أنتم لستم أفضل مِن هؤلاء".
انظروا إلى السُّؤال في وسط الآية 47. وكم أُحبُّ هذا السُّؤال! "فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟" ما الَّذي يُميِّزكم؟ إن لم تَتفوَّقوا على المِعيارِ البشريِّ فإنَّكم لستم مُختلفين. ولِمَ ينبغي أن تُكافأوا على أنَّكم تُشبهونَ الجميع؟ ولماذا ينبغي أن يَحفَظَ اللهُ مَلكوتَهُ لكم؟ ولماذا ينبغي أن يَحفظَ اللهُ أكاليلَهُ لكم؟ ولماذا ينبغي أن يُغدِقَ اللهُ نِعَمَهُ عليكم؟ فأنتم لستم أفضل مِن أيِّ شخصٍ آخر. إنَّها كلماتٌ قويَّة يا أحبَّائي. فهو يقولُ إنَّ الأشخاص المُتديِّنين ليسوا أفضل مِن الوثنيِّين. وَهُوَ يقولُ إنَّ الأشخاص الَّذينَ يَخدِمونَ في الهيكل ليسوا أفضلَ مِن الأشخاص الَّذينَ يَبتزُّونَ الآخرين.
أنتُم جميعًا خُطاة. والاختلافُ الوحيدُ هو فقط نوع الخطيَّة. فأنتم لستم أفضل مِن البقيَّة. ما الَّذي تفعلونَه ولا يَفعلُهُ الآخرون؟ وما الَّذي يُميِّزُكم؟ وهذا، يا أحبَّائي، سؤالٌ ينبغي لنا أن نُجيبَ عنه؛ أي نحنُ المسيحيُّون. فما الَّذي يُميِّزُنا عن العالَم؟ هل نحنُ مُختلفون في العمل لأنَّ أخلاقَنا مُختلفة؟ وهل كلامُنا مُختلف؟ وهل موقفُنا مُختلف؟ وهل محبَّتُنا مُختلفة؟ وهل نحنُ مُختلفونَ في بُيوتِنا؟ وهل نحنُ مُختلفونَ في مُجتمعاتِنا؟ لأنَّه إن لم نكُن مُختلفينَ، لن نتمكَّن مِن قولِ أيِّ شيءٍ لهذا المُجتمع حَتَّى يُؤمِنوا.
وقد قال "أوزوالد ساندرز" (Oswald Sanders): "المُعلِّمُ يَتوقَّعُ من تلاميذه سُلوكًا لا يُمكن تَفسيرُه إلاَّ بأنَّه خارق للطَّبيعة". وإن لم يكن يُمكن تفسيرُ سُلوكِكم إلاَّ بأنَّه خارق للطَّبيعة، سيكون لديكم ما تقولوه للمجتمع. وسوف يُلاحظون ذلك. أمَّا إن كنتم مِثل البقيَّة، ما الفَرق؟ ما الَّذي تَملكونَهُ ولا يَملكونَهُ؟ فإن أردنا أن نُخاطبَ هذا الدَّهر، وأن نَدعو هذا الدَّهر الَّذي لا يَعرِفُ اللهَ إلى يسوعَ المسيح، وأن نَدَعَهُم يَعرفونَ أنَّ هناك شيئًا حقيقيًّا بخصوص المسيح، فإنَّ ذلك سيحدث عندما تكونُ حياتُنا فَريدة، وعندما لا يكون هناك أيُّ تفسيرٍ آخر سوى أنَّ اللهَ موجود.
لِذا فإنَّ يسوعَ يقول: "أحبُّوا أعداءَكُم، وصَلُّوا لأجلِ مُضطهِديكُم، وأَظهِروا بُنوَّتَكُم، وتَمَيَّزوا عن النَّاسِ الآخرين". وهناكَ نُقطة أخيرة: "تَمَثَّلوا بالله". وهذه هي الزُّبْدَة. فهذه هي خُلاصَة ما قالَهُ إذ نقرأ في العدد 48: "فَكُونُوا" – فالنِّقاطُ الأربع جميعًا تقودُ إلى هذه النُّقطة: "كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ". وقد سَمعتُ أُناسًا يقولون: "أجل، ولكنَّهُ يَقصِد بذلك أن نكونَ نَاضِجين. وَهُوَ يَقصد بذلك أن نَزدادَ في نُمُوِّنا، وأن نَتقدَّمَ، وأن نُحرِزَ تَقدُّمًا... أي أنْ نَنمو وحسب". اسمعوني: إنَّه يقول: "كونوا كامِلين". وما مِقدارُ هذا الكَمال؟ "كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ". واللهُ لا يَتقدَّم في الكمال، بل إنَّه كامل.
والمَعنى المقصودُ هو التَّالي: يجب عليكم أن تكونوا مِثلَ الله. وقد تقول: "إنَّ ذلك المِعيارَ عَالٍ جدًّا". أنتَ مُحِقٌّ. وهذا هو بالضَّبط ما أرادَ مِن الفَرِّيسيِّين أن يَعرفوه. فلا يُمكنكَ أن تَفعلَ ذلك بقُدرتك. وأعتقد أنَّ هذا المبدأ مُوضَّح بصورة جميلة في إنجيل مَتَّى والأصحاح 19. وأريد منكم أن تَروا هذا في عُجالة قبلَ أن أَختِمَ حَديثي. ولا بُدَّ أنَّكم تَعرفونَ الآية مَتَّى 19: 23 لأنَّكم سِمعتموها مِن قَبل، ولكن اسمحوا لي أن أقرأها لكم: "فَقَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ!" ولا شَكَّ في أنَّ هذه الجُملة كانت صعبة جدًّا حينَ سمعوها. أليس كذلك؟ أي أن يَسمعوا أنَّهُ يَعسُر أن يَدخُلَ غَنيٌّ إلى الملكوت. وهل تَعلمونَ سبب صعوبة ذلك؟
لأنَّهم كانوا يؤمنون بأنَّ الأغنياء سيدخلون الملكوتَ أسهلَ مِن أيِّ شخصٍ آخر. لماذا؟ لأنَّهم كانوا يُؤمنون، أو لأنَّ نِظامَهُم كانَ يُعَلِّم بصورة أساسيَّة أنَّكم تَدخلون إلى الملكوتِ بأعمالكم. لِذا، كُلَّما ازددتَ غِنىً، زادت أعمالُك. لماذا؟ لأنَّكَ تستطيعُ أن تَشتري مزيدًا مِن الحُملان وتُقدِّمَها ذبائح، ولأنَّكَ تستطيعُ أن تشتري مزيدًا مِن الثِّيرانِ وتُقدِّمَها ذبائح، ولأنَّك تستطيعُ أن تُعطي مَزيدًا مِن المال لخزينة الهيكل. بعبارة أخرى، لأنكَ أكثر تَدَيُّنًا. فيمكنك أن تَشتري تَذكرةً للملكوت. فكُلَّما ازددتَ غِنىً، زادت الذَّبائحُ الَّتي تُقدِّمُها، وزادَ المالُ الَّذي تَتبرَّع به، وزادت سُهولةُ دُخولكَ إلى الملكوت.
ولكنَّه يَعكِس الفكرة كُلَّها: "إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ!" كَمْ هذا صَعب؟ "إِنَّ مُرُورَ جَمَل مِنْ ثَقْب إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!" وقد سَمِعتُ أناسًا يقولون كلَّ أنواع التَّفاسير بخصوصِ هذه الآية. فَهُم يقولون: "مِن المؤسِف جدًّا أنَّ يسوعَ قال هذه الكلمات. فهي مُشَوِّشَة جدًّا. فالجملُ لا يَستطيعُ أن يَدخُل مِن ثَقْبِ إبرَة". وهذا أمرٌ واضحٌ تمامًا. فقد فَهِمتُ ذلك دونَ أن يُخبرني أحد. فالجِمالُ لا تستطيعُ أن تَدخُل مِن ثَقبِ إبرة. وقد سَمعتُ كلَّ أنواعِ التَّفاسير: "إن استطعتَ أن تُعيدَ تَوزيعَ ذَرَّات الجَمل في خَطٍّ مُستقيم، ستتمكَّن مِن إدخالِهِ في ثَقبِ إبرة"، أو: "إن استطعتَ أن تُحَوِّلَ الجَمَل إلى سائِل يُمكِنُكَ أن تُنَقِّطَهُ في ثَقْبِ إبرة"، وهَلُمَّ جَرَّا.
وحتَّى إنَّني سَمعتُ الكثيرَ عن بَوَّابةٍ تُسَمَّى "بَوَّابة ثَقْب الإبرة". فهناكَ مَن يقولُ إنَّها بَوَّابة مُنخفضة كانَ ينبغي لجميعِ الجِمالِ أنْ تَزحَفَ على رُكَبِها لعُبورِها. ولكن لو كانوا سيبنونَ بَوَّابةً لهذه الغاية (ولا أعتقدُ أنَّ عُلماءَ الآثارِ عَثروا يومًا على بَوَّابةٍ كهذه)، ولكن لو كانوا سيَبنونَ بَوَّابةً لعُبورِ الجِمال، لن يَبنوها هكذا، بل سيَحرصونَ على أن تكونَ كبيرة بما يَكفي لمُرور الجِمال منها. فلو فعلوا عكسَ ذلك لكانوا حَمقى في تلكَ الأيَّام. إذًا، ما الَّذي قَصَدَهُ؟ إنَّه يقولُ إنَّ مُرورَ جَمَل مِن ثَقبِ إبرة أسهل مِن دُخولِ غَنِيٍّ إلى السَّماء. وقد تقول: "ولكنَّ الجملَ لا يستطيع أن يَمُرَّ مِن ثَقبِ إبرة!" هذا هو ما يقولُه: "كذلك، لا يستطيعُ الغَنِيُّ أن يَشتري تَذكرةً للذَّهابِ إلى السَّماء". فهذا مُستحيل أيضًا.
وإليكم ما جاءَ في الآية الَّتي تَلي ذلك: "فَلَمَّا سَمِعَ تَلاَمِيذُهُ بُهِتُوا جِدًّا". ولم يكونوا سيُبهَتونَ لو كانوا يَعلمونَ بوجودِ بَوَّابةِ ثَّقْب الإبرة تلك قَائِلِينَ: «إِذًا مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟»" فإن لم يكن باستطاعةِ الغنيِّ أن يَخلُص، مَن يَستطيعُ ذلك؟ "فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا عِنْدَ النَّاسِ [ماذا؟] غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ»". وهل تريدون أن تَعلموا ما قَصَدَهُ؟ لا يُمكن لأيِّ شخصٍ أن يَخلُص: لا غَنِيٌّ، ولا فَقير، ولا أيُّ شخصٍ في الوسط. فالإنسانُ الَّذي يَمتلك أعظمَ إمكانيَّاتٍ مُمكنة (أي المال أو خِلافَهُ) لا يستطيعُ ذلك. فلا يُمكن لأيِّ شخصٍ أن يَخلُصَ بقدرته الذَّاتيَّة. ولا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَفعل ذلك بالجسد أو بالأعمال، "وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ".
وما يقولُه يسوعُ في العظة على الجبل هو الشَّيءُ نفسُه: "كونوا كامِلين". وكانَ يَجدُرُ بهم أن يقولوا: "لا يُمكنني أن أكونَ كاملاً". وحينئذٍ سوفَ يقول: "هذا صحيح. وطالما أنَّكم لا تَقدرونَ أن تكونوا كاملينَ فإنَّ هذا يعني أنَّكم بحاجة إلى مُخلِّص". وهذه هي النُّقطة الَّتي يَأتي فيها يسوعُ ويُعطيكَ ما يُسَمِّيهَ بُطرس "الطَّبيعة الإلهيَّة"، ويَجعلُكَ مِثل الله... شريكًا في طبيعتِه. ثُمَّ إنَّ الله يَعمَل مِن خلال مُعجزة الخلاص ما تَعجز أنتَ عنِ القيام به بنفسك؛ أي أن تصيرَ مِثلَ الله. فعندما جئتَ إلى يسوعَ المسيح، صِرتَ مِن جهةِ مَقامِكَ مِثلَ الله. فقد وَهَبَكَ حياتَهُ الأبديَّة، وبِرَّهُ، وصِرتَ مِثلَهُ بذلك المَعنى. والآن، يجب عليكَ أن تَجعلَ سُلوكَكَ مُنسجمًا مع مَقامِك.
اسمعوني: إنَّ المؤمنَ هو ليسَ شخصًا بارعًا في تَطبيقِ العظة على الجبل، بل إنَّ المؤمنَ هو شخصٌ يَعلم أنَّه لا يستطيعُ ذلك. أتَرَون ذلك؟ وهو يأتي إلى يسوعَ المسيح طلبًا للغُفران على خطيَّة التَّقصير، ويَقبَل مِنَ المسيحِ الغُفرانَ ثُمَّ القوَّةَ الَّتي تُمَكِّنُهُ مِن أن يَعيشَ هذه المبادئ. هذا هو مَغزى هذه الرِّسالة. فحتَّى عندما تُخفِق، هناكَ غُفرانٌ لك لأنَّ المسيح دَفعَ أُجرة خطاياك. هذه هي الرِّسالة. لِذا، لنَرجِع إلى حيثُ ابتدأنا. إن لم تكن مُؤمنًا، ما هي الرِّسالة المُوجَّهة إليك؟ إن لم تكن تُحبُّ هكذا، هذه خطيَّة. وإن كنتَ خاطئًا، أنت بحاجة إلى مُخلِّص. ويسوعُ المسيحُ سيأتي ويَغفِر لك خطيَّة عدم المحبَّة. وسوف يُطهِّرُ يسوعُ حياتَك، ويَزرَع محبَّته في قلبِك، ثُمَّ إنَّه سيُعلِّمك كيف تُحبُّ بالطَّريقة الَّتي يُريد منك أن تُحبَّ بها. وبالنِّسبة إلى فِئةٍ منكم، هذه دعوة إلى الخلاص. وبالنِّسبة إلى الفئةِ الأخرى، هذا حَضٌّ لكي تَسمحَ للمحبَّة الموجودة في قلبك أن تَتدفَّق.
وأفضلُ مَثَلٍ إيضاحيٍّ لديَّ (في الخِتام) عن محبَّة العدوُّ هو التَّالي. كانَ أبراهام لِنْكِن" (Abraham Lincoln) مُحتقرًا في نظر شخصٍ اسمُهُ "السيِّد ستانتون" (Mr. Stanton). فقد كان يِصِفُ الرَّئيسَ "لِنْكِن" بأنَّهُ "مُهرِّجٌ وَضيعٌ وماكِر"، ويُلَقِّبُهُ: "الغُوريلا الأصليَّة"، ويقولُ إن النَّاسَ حَمقى لأنَّهم يَذهبون إلى إفريقيا مُحاولين الإمساكَ بغوريلا في حين أنَّه يمكنهم العثور على واحدة في سبرينغفيلد (Springfield) بولاية إلينوي (Illinois). ولكنَّ "لِنْكِن" لم يَتَفَوَّه يومًا بكلمة رديئة عن ستانتون. ولأنَّ ستانتون كان أفضل رَجُلٍ للمنصِب، عندما احتاجَ "لِنْكِن" إلى وزيرِ حَرْبٍ للولايات المُتَّحدة، اختار السيِّد ستانتون. وقد عَيَّنَهُ على كلِّ جنودِ الولايات المُتَّحدة، وعاملَهُ بمحبَّة ولِياقة. وقد مَرَّت السَّنوات.
وفي اللَّيلة الَّتي أَزْهَقَت فيها رصاصةُ قاتلٍ مأجورٍ حياةَ "لِنْكِن"، وَقَف في غُرفة صغيرة وُضِعَ فيها جسدُ الرَّئيس، وَقفَ السيِّد ستانتون نفسُه، ونَظر إلى وجه "أبراهام لِنْكِن" الصَّامت بكلِّ ما فيه مِن صَلابة وتجاعيد وقال والدُّموعُ تَنهمر مِن عينيه: "هُنا يَرقُد أعظم قائدٍ للبَشر عَرَفَهُ العالَم". فلأنَّ الرَّئيس "لِنْكِن" أحبَّه محبَّةً غَفورة، قَبِلَ تَقديرَهُ وَبادَلَهُ تلك المحبَّة. ويا أحبَّائي، إنَّ يسوعَ يَدعونا إلى أن نُحبَّ عالَمَنا الشرِّير الَّذي لا يُحَبّ بذاتِ المحبَّة الَّتي لا تَعرِف المُحاباة لأنَّ هذه المحبَّة ستُبيِّن للنَّاس أنَّنا نُشبهُ الله، وتُعلِن اللهَ لهم. وهذه هي بداية الكِرازة الفعَّالة. وليتَ الله يُساعدنا على أن نُحبَّ بالطَّريقة الَّتي ينبغي لنا فيها أن نُحبَّ لكي نُظهِر طبيعَتَه. دعونا نُصلِّي:
يا رَبّ، نحنُ نُدرك تمامًا أنَّه يوجد هنا في كنيستنا أُناسٌ لديهم حاجات. فهناك حاجة إلى وسائِل نَقلٍ للعَجَزة والمُعاقين، وخدمة تَنظيف المنازل للأشخاص المُسِنِّين والأشخاص المُعاقين. وهناكَ أشخاصٌ يحتاجون إلى وظائف، ومنازل، ورعاية صحيَّة، ومساعدة قانونيَّة وماليَّة. وهناك أطفال يحتاجون إلى المساعدة مِثل "بَدي" (Buddy) الَّذي ذَكَرناهُ في هذا الصَّباح. وهناك شُبَّانٌ في مَركز الأحداث، وأشخاص في السُّجون والمستشفيات. فنحنُ بحاجة إلى أشخاصٍ قُلوبُهم مُفعمة بالمحبَّة ومُستعدُّون لمُلامسة قلوب هؤلاء الأشخاص، وتوصيل الإنجيل إليهم، ومُساندة المَجروحين والمحتاجين. ويا رَبّ، ما أَحوجنا إلى أن يُحِبَّ بعضُنا بعضًا بغضِّ النَّظر عَن هُويَّتهم وَفقًا للتَعريفِ البشريِّ، وبالطَّريقة الَّتي تُحبُّ بها الجميع وتُظهِر فيها صَلاحَكَ للجميع. عَلِّمنا أن نُحبَّ حَتَّى يَعرفَ النَّاسُ أنَّنا أولادُك. باسم يسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
