Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح أيضًا، لدينا هذا الامتياز الرَّائع في أن نتأمَّلَ في الأصحاح السَّادس مِن إنجيل مَتَّى. وهو نَصٌّ وصلنا إليه في أثناء دراستنا المستمرَّة لإنجيل مَتَّى وابتدأنا في التَّأمُّل فيه في يومِ الرَّبِّ الماضي. إنجيل مَتَّى 6: 19-24. إنجيل مَتَّى 6: 19-24: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا.

"سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!

"لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَال".

يَروي "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones) قصَّةً عن مُزارع: قَفَزَ المُزارعُ فَرِحًا في مَطبخِ منزله ذاتَ يوم وقالَ لزوجتِه وهو يَبتسمُ ابتسامةً عريضةً إنَّ أفضلَ بَقَرة لديهما وَلَدَت تَوأمًا: الأولى بُنيَّة والأخرى بيضاء. وقد قال: "أريدُ أن أُخَصِّصَ واحدةً مِن هَاتين البَقَرَتين للرَّبّ. سوفَ نُربِّيهما معًا. وعندما تَبلُغان سِنًّا مُناسبةً سنبيعهما ونَحتفظ بثمن واحدة ونُقدِّم ثَمَن الأخرى للرَّبِّ. دَخلَت الزَّوجة في صُلْبِ الموضوع كما تَفعلُ الزَّوجاتُ عادةً وقالت: "أيٌّ مِن البَقَرَتَيْن للرَّبِّ؟ البيضاء أم البُنيَّة؟ قال: "لا مُبَرِّرَ للقلق بهذا الشَّأن يا عزيزتي، ولا حاجة لاتِّخاذِ هذا القرار الآن لأنَّنا سنُربِّيهما معًا".

بعد أشهر، دَخَلَ المزارع إلى المطبخ نفسه ببطء وعلاماتُ الحُزنِ الشَّديدِ ظاهِرَة على وَجهِه. سألتهُ زوجتُه عن سبب حُزنه فقال: "لديَّ خَبرٌ سَيِّء! لقد ماتت بَقَرةُ الرَّبّ". لماذا تموتُ بَقرةُ الرَّبِّ دائمًا؟ أعتقد أنَّنا نَضحك على هذه القصَّة لأنَّنا نَعرف تمامًا هذا الأسلوب. وحتَّى إنَّنا قد نقولُ إنَّ الرَّبَّ أخذَ بَقَرَتَهُ إلى السَّماء.

وأعتقد أنَّنا جميعًا نَميلُ في الحقيقة إلى كَنْزِ كُنوزٍ على الأرض. فطبيعتُنا الخاطئة تَجذبنا باتِّجاه الأرض. فهي مِثل المِغناطيس. وهي مِثل الجاذبيَّة. ونحنُ نريدُ أن نكونَ أغنياءَ تُجاهَ أنفسِنا وفُقراءَ تُجاهَ الله. لِذا فإنَّ بقرةَ الرَّبِّ هي الَّتي تموتُ عادةً. وأعتقد أنَّ يسوعَ تَحدَّثَ مُباشرةً عن هذه النَّظرة إلى الحياة في هذه الآيات. وأعتقد أنَّه يُقدِّمُ نَظرةً رائعةً عن الطَّريقة الَّتي ينبغي لنا أن نَنظر مِن خلالها إلى موضوعِ الثَّروة، أو موضوعِ المال، أو موضوعِ الرَّفاهِيَة.

والآن، في المقطع الَّذي يَلي العدد 24 (أي في الأعداد مِن 25-34) يَتحدَّث يسوعُ عن الحاجات. فهو يتحدَّث عن الأكل، والشُّرب، والملابس، والمَسكَن، والحاجات الأساسيَّة وكيف ينبغي لنا أن نَنظر إليها. ولكن في هذا المقطع، يُناقش يسوعُ لا الحاجات، بل الرَّفاهيَّات. والحقيقة هي أنَّه في أثناء قراءتنا للعِظَة على الجبل نَرى أنَّ رَبَّنا يَلمَس كلَّ جانبٍ في الحياة.

فقد تَحدَّثَ في التَّطويباتِ عن نَظرتنا إلى أنفسنا. وفي ذلك الجُزء العظيم الَّذي تَحدَّثَ فيه عن المِلح والنُّور، تَطرَّقَ إلى مَكانِنا الصَّحيح في العالَم. وفي المَقطعِ الَّذي تَحدَّثَ فيه عن ناموسِ الله، تَطرَّقَ إلى نظرتنا إلى الكتاب المقدَّس. وفي ذلك المقطع البَديع المُمتدّ مِنَ الأصحاحِ الخامس والعدد 21 إلى الأصحاحِ الخامس والعدد 48، تَحدَّثَ عن نَظرتنا إلى الأخلاق. وفي الأصحاحِ السَّادس والآيات مِن 1 إلى 18، نَاقَشَ نَظرتَنا إلى الخِدمة الدينيَّة أو العبادة: كيفَ نَصوم، وكيفَ نُصلِّي، وكيفَ نُعطي. وهو يَنتقل الآن إلى التحدُّث عن نظرتنا إلى الأشياء الماديَّة: الرَّفاهيَّاتِ أوَّلاً، ثُمَّ الحاجات الأساسيَّة.

لِذا فإنَّه يَلمسُ كلَّ جانبٍ مِن جوانبِ الحياة. ونحنُ نَصِلُ إلى هذا المقطع فنجد أنَّهُ يُواجِهُنا بهذه الجُملة العَظيمة في العدد 19: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ..."، ثُمَّ يُكمِلُ قائلاً في العدد 20: "بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ". ثُمَّ نأتي إلى لُبِّ الأمر في العدد 21 فنقرأُ حَرفيًّا: "لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا".

اسأل نفسكَ هذا السُّؤال بخصوصِ حَياتِك: "هل بَقرةُ الرَّبِّ هي الَّتي تَموتُ دائمًا؟" فعندما تريدُ أن تُقرِّر ما إذا كنتَ ستَكنِز لِنَفسِكَ أَم لَهُ، مَن يَفوزُ عادةً؟ هذه هي النُّقطةُ الجوهريَّة. أينَ هو قلبُك؟ إنَّهُ في المكانِ الَّذي يُوجَدُ فيه كَنزُك. فالمكانُ الَّذي تَستثمرُ فيه هو المكانُ الَّذي سيكونُ فيهِ قلبُك. فإن كانَ كلُّ ما تَملِكُه مُستثمَرا في السِّلَع، أو مُودَع في حساباتٍ، وسَنَداتٍ، ومُدَّخراتٍ، أو في أيِّ شيءٍ آخر، سوفَ يكونُ قلبُكَ في ذلك المكان. أمَّا إذا كُنتَ تَستثمِرُهُ في الأمورِ المُختصَّة بالرب فهناكَ سيكونُ قلبُك.

ويُمكنني أن أُقدِّمَ لكم مَثلاً إيضاحيًّا بسيطًا مِن حياتي الشخصيَّة. هناك أشخاصٌ كثيرونَ ألتقي بهم في حياتي... مُرسَلونَ كثيرون. وأنا لستُ مُرهَفَ الحِسِّ دائمًا لحاجاتهم كما ينبغي أن أكون، ولكن ذاتَ مَرَّة أَدركتُ وجودَ حاجة عند مُرَسَلٍ مُعَيَّن إذ كانَ بحاجة إلى بَذلة. لِذا فقد قلتُ لهُ ذاتَ يوم: "تَعال، أريدُ أن آخُذَكَ إلى مَكانٍ مَا". وقد ذَهبنا إلى مَتجَرٍ وقلت: "أريدُ منكَ أن تَشتري بَدلة مِن أيِّ نَوعٍ تُريد. أريدُ أن أُقدِّمَها لكَ هَديَّة". لِذا فقد انتَقى بَدلة.

وهناكَ مُرسلونَ كثيرونَ التقيتُهم ونَسَيتُهم، ولكن ليس ذلكَ الشَّخص. ولأنِّي استَثمرتُ في حياتِه، فإنَّهُ حيثُ يكونُ كَنزي يكونُ قَلبي. لِذا فإنِّي أُفكِّرُ فيه كثيرًا وأُصلِّي لأجلِهِ كثيرًا. وكما تَرَون، فإنَّ المكانَ الَّذي أُرَكِّزُ عليهِ قلبي هو الأمرُ المُهمُّ حَقًّا في حياتي الرُّوحيَّة. فالمكانُ الَّذي تُوجَدُ فيه عَواطفي يُحَدِّد نَظرتي إلى كُلِّ شيء.

فإن كانَ قلبي سليمًا وكانَ كَنزي مُرَكَّزًا على الله، سيكونُ لديَّ فَهمٌ رُوحيٌّ سليم. فحيثُ يكونُ قلبي سيكونُ كَنزي لأنَّني مُرتبطٌ باستثماري. وهذا هو لُبُّ ما يَتحدَّثُ عنهُ يسوع.

وفيما يَخُصُّ الفَرِّيسيِّين، كانَ قلبُهم مُرَكَّزًا على الأرض. فقد كانوا مُرائينَ بِكُلِّ مَا في الكلمةِ مِن مَعنى. وكانت أخلاقيَّاتُهم خارجيَّة فقط. وهذا هو ما يَقولُهُ الأصحاحُ الخامس. وكانَ اتِّضاعُهم مَعدومًا. وعِوَضًا عن أن يكونوا مِلحًا ونُورًا، كانوا جُزءًا مِن الفَسادِ والظُّلمة. وعِوَضًا عن أن يُؤمِنوا بناموسِ الله، دَنَّسوا شريعةَ اللهِ واستعاضوا عنها بتَقاليدِهم. وعِوَضًا عن أن يكونَ صَميمُ قَلبِهِم مُرَكَّزًا على المَبادئ، لم يَهتمُّوا سِوى بالأشياءِ الظَّاهريَّة الَّتي كانوا يَزعُمونَ أنَّها أخلاقيَّات رُوحيَّة. وعِوَضًا عن العبادة الحقيقيَّة، كانَ لديهم مِعيارٌ زائفٌ كُلُّهُ رِياء. فقد كانَ كلُّ شيءٍ يَختصُّ بهم خارجيًّا، وظاهريًّا، ويَتركَّزُ على الذَّات، ونابعًا مِن دَوافعَ أنانيَّة.

وعلى النَّقيضِ مِن ذلكَ فإنَّ الرَّبَّ يقول: "يجب أن يكونَ قَلبُكَ مُستقيمًا". لِذا فإنَّنا نَجِد في الأصحاحِ الخامس والعدد 20 المِفتاحَ لكُلِّ العظة على الجبل إذ إنَّهُ يقول: "يجب أن يَزيدَ بِرُّكُم عن بِرِّ الكَتَبَة والفَرِّيسيِّين. فبِرُّهم خارجيٌّ ويَخلو مِن القلبِ المُستقيم. أمَّا ما أُريدُهُ أنا فقلبٌ مُستقيم". لِذا فإنَّ قَلبكَ وكِنزَكَ مُرتبطان معًا. ويجب أن يكونا كِلاهُما مُوَجَّهَيْن إلى السَّماء. وما يَتحدَّثُ عنهُ الرَّبُّ هنا هو التَّكريس الكامل للهِ والأشياءِ المُختصَّة به دونَ أيِّ انشغالٍ بالعالَم.

وأعتقدُ أنَّه عندما يكونُ قَلبُكَ سَليمًا فإنَّ عَطاءَكَ سيكونُ سَليمًا أيضًا. لِذا فإنَّ الأمرَ بالنِّسبةِ إليَّ ليسَ عِظَةً عنِ العطاء، ولا أن أُقدِّمَ رَسائِلَ عنِ المال، ولا أن أَحْفِزَكُم على التَّبرُّعِ بالمال، ولا أن تُوَقِّعوا بِطاقاتِ تَعَهُّد، ولا أيَّ شيءٍ آخر يَدفَعَكُم إلى التَّبرُّعِ بالمال لأنَّني أُوْمِنُ حَقًّا بأنَّهُ إن كانَ قَلبُكَ سليمًا فإنَّ الكَنزَ سيكونُ حيثُ يكونُ القلب.

واسمَحوا لي أن أُقدِّمَ لكم مَثَلاً إيضاحيًّا على ذلك. ارجِعوا في كِتابِكُم المُقدَّس إلى سِفْر نَحَمْيا والأصحاح الثَّامن. سِفْر نَحَمْيا والأصحاح الثَّامن. وأودُّ فقط أن أُريكم شيئًا. فَلَعَّلُكم تَذكرونَ أنَّ نَحَمْيا كانَ رَجُلَ الله الَّذي سيُعيدُ بناءَ السُّور، أو أسوارَ أورُشليم المُنهدِمَة، بعدَ السَّبيِ البَابِلِيّ. فقد عادَ وعَقَدَ العَزْمَ مع الشَّعبِ في الأرضِ على إعادةِ بناءِ السُّور. وقد فَعلَ ذلك في اثنينِ وخمسينَ يومًا. وقد صَرفوا وَقتًا رائعًا في القيام بذلك. وعندما انتهوا مِن بناءِ السُّور، حَدَثَ شيءٌ عَظيمٌ. فقد حَدَثَت نَهضة. وقد ابتدأتِ النَّهضة في الأصحاحِ الثَّامن والعدد الأوَّل إذْ نقرأُ أنَّ عَزْرا أحضرَ سِفْر شَريعة مُوسى. والنَّهضةُ تَبدأُ دائمًا بإحضارِ كِتابِ الله. فالنَّهضةُ تبدأُ دائمًا بكلمة الله.

ونَقرأُ في سِفْر نَحَمْيا 8: 5: "وَفَتَحَ عَزْرَا السِّفْرَ أَمَامَ كُلِّ الشَّعْبِ، لأَنَّهُ كَانَ فَوْقَ كُلِّ الشَّعْبِ. وَعِنْدَمَا فَتَحَهُ وَقَفَ كُلُّ الشَّعْبِ. وَبَارَكَ عَزْرَا الرَّبَّ الإِلهَ الْعَظِيمَ. وَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «آمِينَ، آمِينَ!» رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ، وَخَرُّوا وَسَجَدُوا لِلرَّبِّ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْض". وفي العدد 8: "وَقَرَأُوا فِي السِّفْرِ، فِي شَرِيعَةِ اللهِ، بِبَيَانٍ، وَفَسَّرُوا الْمَعْنَى، وَأَفْهَمُوهُمُ الْقِرَاءَةَ".

إذًا، لقد قرأوا شريعةَ الله. وقد أَدَّت شَريعةُ اللهِ إلى تَجاوبهم القَلبيّ. وإذا نَظرتم إلى الأصحاح التَّاسع، ستجدونَ أنَّه حَدَثَتْ بصورة أساسيَّة أربعة أشياء بسبب قراءة الشَّريعة: أوَّلاً، التَّبكيت على الخطيَّة. فقد اعترفوا بخطاياهُم. ثانيًا، الرَّغبة في الطَّاعة. ثالثًا، التَّسبيح. رابعًا، التَّعَهُّد أو الوَعد. فأوَّلُ شيءٍ حَدَث هو أنَّهم بُكِّتُوا على خطاياهُم. وقد ابتدأوا يُسَبِّحونَ اللهَ. وقد ابتدأوا يُعبِّرونَ عن رَغبتهم في إطاعةِ الله. ثُمَّ إنَّهم أَكَّدوا أنَّهم يريدون أن يَقطعوا وَعدًا أو مِيثاقًا إذ نقرأ في الأصحاح التَّاسع والعدد 38: "وَمِنْ أَجْلِ كُلِّ ذلِكَ نَحْنُ نَقْطَعُ مِيثَاقًا وَنَكْتُبُهُ. وَرُؤَسَاؤُنَا وَلاَوِيُّونَا وَكَهَنَتُنَا يَخْتِمُون". فقد أرادوا على مَرأى مِن قادتِهم الرُّوحيِّين أن يَقطعوا عَهدًا أو أن يَتعهَّدوا أمامَ الله، أو أن يَعِدوا بذلك لأنَّ قُلوبهم انتعشَت بسبب قراءة الكلمة.

وما الَّذي يَنجُمُ عنِ النَّهضة؟ إنَّها تُنشِئ تَبكيتًا على الخطيَّة. وهي تُنشِئ رغبةً في الطَّاعة. وهي تُنشِئ تَسبيحًا. وأعتقد أنَّها تُنشِئ تَعهُّدًا أو وَعدًا. بعبارة أخرى، إنَّها تُنشِئ قَرارًا بالبدء في السُّلوكِ في اتِّجاهٍ جديد. فهي لَحظة يَتغيَّرُ فيها اتِّجاهُ الإنسانِ تَغييرًا جَذريًّا. وماذا كانَ وَعدُهُم؟ الشَّيءُ الأروَعُ والأجملُ تَقرأونَهُ في الأصحاحِ العاشرِ والعدد 32: "وَأَقَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا فَرَائِضَ: أَنْ نَجْعَلَ عَلَى أَنْفُسِنَا ثُلْثَ شَاقِل كُلَّ سَنَةٍ لِخِدْمَةِ بَيْتِ إِلهِنَا".

فأوَّلُ شيءٍ أرادوا أن يُؤكِّدوه غير الطَّاعة العامَّة لناموسِ الله هو أنَّهم سيَدفعونَ ثُلْثَ شَاقِل؛ وهي ضَريبةُ الهيكل المَطلوبة منهم. "لِخُبْزِ الْوُجُوهِ وَالتَّقْدِمَةِ الدَّائِمَةِ وَالْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَالسُّبُوتِ وَالأَهِلَّةِ وَالْمَوَاسِمِ وَالأَقْدَاسِ وَذَبَائِحِ الْخَطِيَّةِ، لِلتَّكْفِيرِ عَنْ إِسْرَائِيلَ، وَلِكُلِّ عَمَلِ بَيْتِ إِلهِنَا". بعبارة أخرى، لقد تَعهَّدُوا بِدَعمِ الأعمالِ الَّتي تَجري في بيتِ الله.

والمَعنى المقصودُ مِن ذلك هو التَّالي: عندما يكونُ القلبُ مُستقيمًا، يكونُ التَّجاوُبُ المبدئيُّ هو العَطاء. كذلك، انظروا إلى العدد 35: "وَلإِدْخَالِ بَاكُورَاتِ أَرْضِنَا، وَبَاكُورَاتِ ثَمَرِ كُلِّ شَجَرَةٍ سَنَةً فَسَنَةً إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ، وَأَبْكَارِ بَنِينَا وَبَهَائِمِنَا، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَأَبْكَارِ بَقَرِنَا وَغَنَمِنَا لإِحْضَارِهَا إِلَى بَيْتِ إِلهِنَا، إِلَى الْكَهَنَةِ الْخَادِمِينَ فِي بَيْتِ إِلهِنَا".

"وَأَنْ نَأتِيَ بِأَوَائِلِ عَجِينِنَا وَرَفَائِعِنَا وَأَثْمَارِ كُلِّ شَجَرَةٍ مِنَ الْخَمْرِ وَالزَّيْتِ إِلَى الْكَهَنَةِ، إِلَى مَخَادِعِ بَيْتِ إِلهِنَا، وَبِعُشْرِ أَرْضِنَا إِلَى اللاَّوِيِّينَ، وَاللاَّوِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ يُعَشِّرُونَ فِي جَمِيعِ مُدُنِ فَلاَحَتِنَا. وَيَكُونُ الْكَاهِنُ ابْنُ هَارُونَ مَعَ اللاَّوِيِّينَ حِينَ يُعَشِّرُ اللاَّوِيُّونَ، وَيُصْعِدُ اللاَّوِيُّونَ عُشْرَ الأَعْشَارِ إِلَى بَيْتِ إِلهِنَا، إِلَى الْمَخَادِعِ، إِلَى بَيْتِ الْخَزِينَةِ. لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَنِي لاَوِي يَأتُونَ بِرَفِيعَةِ الْقَمْحِ..." وهَلُمَّ جَرَّا.

ما الَّذي فَعلوهُ عندما حَدَثَت النَّهضة؟ وما الشَّيءُ الَّذي فَعلوه تَجاوُبًا وَطاعَةً؟ لقد تَبرَّعوا بالمال. فقد تَحَمَّلوا المسؤوليَّاتِ الَّتي أَوكَلَها إليهم اللهُ. فَضلاً عن ذلك، لقد أعطوا طَوعًا أوائِلَ كلِّ شيءٍ يَملِكونَه. وما أعنيه هنا هو أنَّه عندما يكونُ القلبُ سليمًا فإنَّ الكَنْزَ يُقدَّم إلى الله.

لِذا، عندما يَختصُّ الأمرُ بالحياةِ الرُّوحيَّة، فإنَّكم تَتعاملونَ دائمًا مع موقفٍ قَلبيٍّ لأنَّ الإنسانَ يَعمل وَفقًا لدوافِعِهِ القَلبيَّة. "لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ [ماذا؟] هكَذَا هُوَ". لِذا فإنَّنا نَعِظُ عنِ القلب... عنِ القلبِ المُستقيم. وأعتقد أنَّ هذا هو ما يَقولُهُ رَبُّنا. وأعتقد أنَّه عندما يكونُ القلبُ مُستقيمًا فإنَّ الكَنزَ يُقَدَّمُ إلى الله لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُنا هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُنا أَيْضًا. وبالمُقابل، حيثُ يكونُ قَلبُنا هناكَ يكونُ كَنزُنا أيضًا.

ونَقرأ في سِفْر الخروج 35: 21: "ثُمَّ جَاءَ كُلُّ مَنْ أَنْهَضَهُ قَلْبُهُ، وَكُلُّ مَنْ سَمَّحَتْهُ رُوحُهُ. جَاءُوا بِتَقْدِمَةِ الرَّبِّ...". ونَقرأ في سِفْر أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل 29: 9: "لأَنَّهُمْ بِقَلْبٍ كَامِل انْتَدَبُوا لِلرَّبِّ".

فالقلبُ هو النُّقطةُ الجَوهريَّة. وقد قُلنا لكم مَرَّاتٍ عديدة إنَّ القلبَ هو الجُزءُ الفِكريُّ والمَعرفيّ مِن الإنسان، وليسَ فقط العاطِفيُّ. فالآية تقولُ حَرفيًّا: "لأَنَّهُ كَمَا [فَكَّرَ] فِي قَلبِهِ". فقد كانَ اليهودُ يَرَوْنَ أنَّ الأحشاءَ هي مَوطِنُ العَواطِف، وأنَّ القلبَ هو مَركِز عمليَّة التَّفكير. فاستِنادًا إلى نَمَطِ تَفكيرِنا، ومَعرفتِنا بالله، ومَعرفتِنا بكلمته، وتَكريسِنا لتلك الأشياءِ سنَستثمِر كَنزَنا. لِذا، يجب أن يكونَ القلبُ مُستقيمًا. فإن كان القلبُ مُستقيمًا سيكونُ كلُّ شيءٍ مُستقيمًا.

لِذا فقد قَدَّمَ يسوعُ هذه العِظة بهذه الطَّريقة. فإن كانَ القلبُ مُستقيما، لن يكونَ مُتكبِّرًا، بل سيكونُ مُنكَسِرًا ومِسكينًا في الرُّوح، وباكِيًا في اتِّضاع. وإن كانَ القلبُ مُستقيمًا، لن يَتمسَّكَ بالعالَم، بل سيكونُ مِلحًا ونُورًا. وإن كانَ القلبُ مُستقيمًا، لن يَنتَهِكَ شريعةَ اللهِ، بل سيَحفظُ شريعةَ الله. وإن كانَ القلبُ مُستقيمًا، لن يقول: "نحنُ لا نَقتُل"، بل إنَّه لن يَغضب حَتَّى مِن أخٍ لَهُ، ولن يقولَ: "نحنُ لا نَزني"، بل إنَّه لن يَزْني حَتَّى في قلبِه. أتَرَون؟

وإن كانَ القلبُ مُستقيمًا فإنَّنا لن نَنظُرَ إلى الدِّيانة نَظرةَ رِياء ونَظرةً سَطحيَّة، ولن نَتصدَّقَ أمامَ النَّاس، ولن نُعطِي كي يَرانا النَّاسُ، ولن نُصلِّي في وسط الشَّارع كي يَرانا النَّاس؛ بل سنفعلُ كلَّ شيءٍ بصِدقٍ واستقامة لأنَّ القلبَ هو المُهمّ. وإن كانَ القلبُ مُستقيمًا، لن نَكنِزَ لأنفسِنا كُنوزًا على الأرضِ كما كانَ يَفعلُ الفَرِّيسيُّون. ولن نكونَ كما قالَ يسوع عنِ الفَرِّيسيِّين إنَّهم جَشِعون ومُحبُّونَ للمال، بل إنَّنا سنُحسن التَّعامُل مع تلك الأشياء الَّتي يُعطينا اللهُ إيَّاها بنعمتِه ونَستثمرها في مَلكوتِه الأبديِّ. وهذا أمرٌ بالغُ الأهميَّة.

لِذا يجب علينا، يا أحبَّائي، أن نَتَّخِذَ قرارًا. يجب علينا أن نَتَّخِذَ قرارًا. وهذا هو السَّببُ الَّذي دَفَعَنا إلى تقسيمِ هذا النَّصِّ إلى ثلاثة أجزاء إذ إنَّ المسيحَ يُقدِّم لنا ثلاثَة خِيارات. فهناكَ كَنْزان، ونَظرتان، وسَيِّدان. كَنْزان، ونَظرتان، وسَيِّدان. ونحنُ مُضطرُّونَ، يا أحبَّائي، للاختيار. فيجب علينا أن نَختار. ويجب علينا أن نختارَ في اعتقادي، وبصورة مبدئيَّة وقاطعة، بل ورُبَّما في صُورةِ تَعَهُّد [كما فَعلَ الشَّعبُ في زمن نَحَمْيا]. ولكن يجب علينا أن نُتابِعَ ذلكَ التَّعَهُّد باختيارٍ يوميٍّ وفي كلِّ لحظةٍ في كلِّ يومٍ لترسيخِ ذلك التَّعهُّد. فيجب علينا أن نَختارَ أينَ هو كَنزُنا، وماذا ستكونُ نَظرتُنا، ومَن هو سَيِّدُنا.

لِننظُر إذًا إلى هذه الخِيارات الثَّلاث: أوَّلاً، كَنزان... كَنزان. وسوفَ نُراجِعُ ما قُلناهُ بسُرعة. ففي المَرَّة السَّابقة، نَظرنا إلى العدد 19: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْض". وقد تَحدَّثنا عن الكلمة "ثيساريتزو" (thesaurizo) في اللُّغة اليونانيَّة، ومعناها: "يَكنِز كَنْزًا". بعبارة أخرى، نحنُ نَتحدَّث هنا عن الرَّفاهِيَّات، وعن الأشياءِ الَّتي نَجْمَعُها، أو نُخَزِّنُها، أو نُكَدِّسُها. فلا يوجد خطأ في جَمع الأموال، ولا يوجد خطأ في جَمع المُمتلكات إن كنتَ تَستثمرُها في ملكوتِ الله، ولغاياتٍ إلهيَّة. والغاياتُ الإلهيَّة هي أن نَعتني بعائلتِنا، وأن نَعتني بعائلتِنا المُمتدَّة في الكنيسة، وأن نَعتني حتَّى بالأشخاص الَّذينَ ليسوا هُم في عائلة الله ولكنَّهم مُحتاجون، وأن نَعتني بتحقيقِ أهدافِ اللهِ في جميعِ أنحاءِ العالَم، وأن نَستثمِرَ في النُّفوس. فهذه الأشياءُ هي استخداماتٌ تَدعو الحاجة إلى سَدِّها مِن خلالِ الموارِدِ الَّتي يُعطينا اللهُ إيَّاها.

وأمَّا أن نُكَدِّسَ الأموالَ بطريقةٍ أنانيَّة تَنُمُّ عنِ الجَشَع والطَّمَع، وأن نُراكِمَ الأشياءَ فوقَ الأشياءِ لأنفسنا على الأرض مِن خلالِ تَكديسِ الأشياءِ هو ما يقولُ رَبُّنا إنَّهُ لا يجوزُ لنا أن نَفعله لأنَّه لا يُريدُ مِنَّا أن نَنشَغِلَ بالغِنى المادِّيِّ، أو أن نَعمَلَ "للطَّعامِ البائِد" [كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح السَّادس]، بل يُريدُ مِنَّا [كما جاءَ في العدد 20] أن نَكنِزَ لنا كُنوزًا في السَّماء.

والآن، يجب علينا يا أحبَّائي أن نُركِّزَ بوضوحٍ تامٍّ على هذا الأمر لأنَّني سأُريكم في أثناء دراستنا لهذا النَّصِّ مَدى أهميَّةِ أن نَتجاوبَ مع هذه الوصيَّة المذكورة في العدد 20. فيجب علينا أن نَكنِزَ لأنفسنا كُنوزًا في السَّماء. وهذا مَنطقيٌّ. يقول "ج. كامبل مورغان" (G. Campbell Morgan): "يجب عليكَ أن تتذكَّرَ مِن خلالِ الشَّغفِ الموجودِ فيك أنَّكَ لستَ ابنَ اليوم، وأنَّكَ لستَ مِن الأرض، وأنَّكَ أكثر مِن تُراب. فأنتَ ابنُ المستقبل، وأنتَ ابنُ الأبديَّة، وأنتَ مِن شَعبِ الله. لِذا، لا يجوزُ أن يكونَ مِعيارُ حياتِكَ مُقتصِرًا على الخَطِّ الَّذي تَتلامَسُ فيهِ السَّماءُ الزَّرقاء معَ الأرضِ الخضراء".

وهو يُتابعُ حديثَهُ قائلاً: "لا يُمكِنكَ أن تَحصُرَ كلَّ حقيقة حياتِك في ذلك النِّطاق الصَّغير الَّذي تَعيشُ فيه. فأنتَ تَنتمي إلى الأبديَّة. وإن كَنَزْتَ كَنزَكَ على الأرض فإنَّكَ نَفسٌ مِسكينة وبائسة وساذَجة. فقد جَمعتَ ثَروةً وخَزَّنتَها في مكانٍ لا تَستطيعُ أن تَحفَظَها فيه". ثُمَّ إنَّه يقول: "اصنَع ثَروةً، ولكن خَزِّنها في مكانٍ تَجِدُها فيهِ عندما يُشرِقُ فَجْرُ اليومِ الجديد".

فلا يُمكننا أن نَكنِزَ كُنوزًا لنا على الأرض. فهذه ليست صِفَة مِن صِفاتِ أبناءِ ملكوتِه، بل إنَّها كانت صِفَةً للفَرِّيسيِّين. وبِمَعنى مِنَ المعاني، كانَ يقولُ لهم: "إنَّهُ مُؤشِّرٌ آخر مِثل بقيَّة المؤشِّرات الَّتي تَحدَّثتُ عنها والَّتي تَدُلُّ على أنَّكم لا تَنتمونَ إلى مَلكوتي بِغَضِّ النَّظر عن ادِّعاءاتِكُم. فالنَّاسُ في مَلكوتي لا يَكنِزونَ كُنوزَهُم على الأرض".

والآن، عندما قالَ الرَّبُّ ذلك، أي عندما تَحدَّثَ عن الكنوزِ الَّتي على الأرض والكُنوزِ الَّتي في السَّماء، كانت هذه الكلماتُ وهذه المُصطلحاتُ مألوفةً جدًّا لدى اليهود. فقد كانت لديهم أقوال كثيرة عن الصَّدَقات وكَنْزِ كُنوزٍ في السَّماء. وكانوا يَستخدمونَ تلك المُصطلحات. لذا فقد كانَ يسوعُ يَتحدَّثُ إليهم بمُفرداتٍ يَفهمونَها. وكانوا يؤمنونَ بأنَّ أعمالَ الرَّحمةِ وأعمالَ الإحسانِ إلى النَّاسِ المُحتاجين مُرادفة لِكَنْزِ كُنوزٍ في السَّماء.

فمثلاً، كانَ أحبارُ اليهود يَسرُدونَ قصَّةً مشهورةً عن مَلِكُ مُعَيَّن اسمُهُ "مونوباز" (Monobaz). وتقولُ قِصَّةُ هذا المَلِك تحديدًا إنَّه عندما صارَ مَلِكًا، وَرَثَ ثَروةً هائلةً مِن أجدادِه الَّذين كانوا مُلوكًا قَبلَهُ. ولكن في وقتِ حُكمِه، أَعطى كلَّ ثروته للفُقراء والمُحتاجين والمُتألِّمين والمَكروبين.

وقد أرسلَ إليهِ إخوتُهُ رسالةً قالوا فيها ما يَلي: "لقد جَمَعَ أجدادُكَ ثَروةً وأضافوا إليها ثَروةَ أجدادِهم، ولكنَّكَ أَهدرتَ تلك الثَّروة". فَرَدَّ عليهم قائلاً: "لقد جَمَعَ أجدادي ثَروةً لأسفل، وقد جَمعتُ ثَروةً لأعلى. وقد خَزَّنوا ثَروةً في مكانٍ يُمكِنُ أن تَطالَها يَدُ الإنسان، ولكنِّي جَمعتُ ثَروةً في مكانٍ لا تَطالُها يَدُ إنسان. وقد جَمَعَ أجدادي ثَروةً لا تُجنَى عليها فائدة، ولكنِّي جَمعتُ ثَروةً تُجنَى عليها فائدة أبديَة. وقد جَمَعَ أجدادي ثَروةً مِن المال، ولكنِّي جَمعتُ ثَروةً مِن النُّفوس. وقد جَمَعَ أجدادي كُنوزًا في هذا العالَم، ولكنِّي جَمعتُ ثَروةً في العالَمِ الآتي". كانت هذه قِصَّة مشهورة يَرويها أحبارُ اليهود. لِذا فقد كانوا يَفهمونَ الفكرةَ الَّتي كانَ يتحدَّثُ عنها رَبُّنا وهي: استثمروا في مَلكوتِه.

وقد تَعهَّدت الكنيسةُ الباكرةُ بهذا الأمر. فالكنيسةُ الباكرة لم تكن تَهتمُّ بتكديسِ ثَروتها. فيمكنكم أن تقرأوا على سبيل المثال في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح الثَّاني أنَّه عندما جاءَ يومُ الخمسين، كانَ هناك آلافُ الزُّوَّار المُحتَشِدينَ في أورُشليم. ونحنُ نَعلَمُ مِن خلالِ التَّاريخ أنَّهم كانوا يَدخلونَ ويَخرجونَ مِن منازلِ النَّاس الَّذينَ كانوا يعيشون في المدينة. فقد كانت المدينة مُزدحمة حَرفيًّا بالنَّاس، ولم تكن هناك فنادق كافية لاستيعابهم. لِذا، كانوا يَنامونَ في البيوت. وقد آمَنَ كثيرونَ مِن هؤلاء في يوم الخمسين العظيم عندما قَدَّمَ بُطرسُ عِظَتَهُ فآمَنَ ثلاثةُ آلافِ شخصٍ، وآلافُ الأشخاصِ الآخرين في الأصحاحات القليلة الَّتي تَلي هذا الأصحاح.

والآن، ها هُم هناك. وقد صاروا مؤمنين. وَهُم لم يرغبوا في العودة لأنَّهم كانوا الكنيسة لأنَّها وُلِدَت هناك. وكانت هناك حماسة وكانَ هناكَ فَرح. لِذا كانَ ينبغي للمؤمنين أن يَحْتَووهُم. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّ كثيرينَ منهم كانوا فُقراءَ ولا مَورِدَ لهم. لِذا، كانَ ينبغي للكنيسة الباكرة أن تَستوعبهم وتَسُدَّ احتياجاتِهم. لِذا، راحَ جميعُ المؤمنينَ يَبيعونَ أملاكَهُم. أليسَ كذلك؟ وكانَ كثيرونَ بحاجة إلى المساعدة. لِذا، راحتِ الكنيسةُ تَسُدّ تلكَ الحاجات.

وهكذا هي الحالُ دائمًا في الكنيسة حتَّى في زمن الاضطهاد الَّذي قامَ به الإمبراطور ديسيوس الرُّومانيّ عندما اقتحمت السُّلُطاتُ الرُّومانيَّةُ كنيسةً مُعيَّنة. فقد اقتحم الجنودُ الكنائسَ ظَنًّا منهم أنَّهم سيتمكَّنونَ مِنْ نِهْبِ كُنوزِها. وقد تَقدَّمَ الرُّومانيُّ المسؤولُ [أوِ الوالي] مِن قِدِّيسٍ يُدعى "لورينتيوس" (Laurentius) وقال: "أروني كُنوزَكم حالاً". فأشار لورينتيوس إلى مجموعة مِن الأرامل والأيتام الَّذينَ كانوا يأكلونَ وقال: "هؤلاءِ هُم كُنوز الكنيسة". فقد استثمرنا كلَّ ما لدينا فيهم. وهذا هو الكَنزُ الَّذي في السَّماء. لِذا، تَذكَّروا يا أحبَّائي أنَّ ما نُحاول الاحتفاظَ به سنخسرُه، وأنَّ ما نَستثمرُه مع الله سنَحتفظ به إلى الأبد.

اسمحوا لي أن أُبَيِّنَ لكم المبدأ. فنحنُ نقرأ في سِفْر الأمثال 3: 9: "أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ وَمِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ". حسنًا؟ "أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ..." [أي بِكُلِّ ما تَملِك...كُلِّ ما تَملِك] – "...وَمِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ". أعطِهِ الجُزءَ الأوَّل. فلا يَجوزُ أن تَزعُم أنَّ البَقَرة الَّتي ماتت هي بَقَرة الرَّبّ. أعطِهِ الباكورة. ثُمَّ نَقرأُ النَّتيجة في العدد 10: "فَتَمْتَلِئَ خَزَائِنُكَ شِبْعًا، وَتَفِيضَ مَعَاصِرُكَ مِسْطَارًا". فلن تَستثمرَ يومًا مع اللهِ مِن دونِ أن تَحصُلَ على عائِد. فسوفَ تَحصُلُ على كلِّ ما استثمرتَهُ وأكثر.

ونَقرأ في سِفْر الأمثال 11: 24: "يُوجَدُ مَنْ يُفَرِّقُ فَيَزْدَادُ أَيْضًا". أليسَت هذه الآية مُدهشة؟ "يُوجَدُ مَنْ يُفَرِّقُ فَيَزْدَادُ أَيْضًا". وهذا مُدهش! والحقيقة هي أنَّهُ ليسَ شيئًا مُدهشًا جدًّا. فهذا هو ما يَفعلُه المُزارع. أليس كذلك؟ فهو يَزرع بُذورًا قليلة ويَحصُل على مَحصولٍ كامل. وهذا هو ما يَقولُهُ اللهُ. ونَقرأ: "وَمَنْ يُمْسِكُ أَكْثَرَ مِنَ اللاَّئِقِ وَإِنَّمَا إِلَى الْفَقْرِ. النَّفْسُ السَّخِيَّةُ تُسَمَّنُ". فكُلَّما أعطيتَ أكثر، حَصلتَ على أكثر.

وقد قالَ بولس في رسالته الثَّانية إلى أهل كورِنثوس والأصحاح التَّاسع: "...مَنْ يَزْرَعُ بِالشُّحِّ فَبِالشُّحِّ أَيْضًا يَحْصُدُ، وَمَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ [فماذا؟] فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ". انظروا إلى إنجيل لوقا 6: 38 قليلاً. وهذا هو كلامُ الرَّبِّ نفسِه في إنجيل لوقا 6: 38. فهو يقول: "أَعْطُوا تُعْطَوْا". بعبارة أخرى، إن أعطيتُم اللهَ فإنَّ اللهَ سيُعطيكم. وَهُوَ لن يُعطيكم القليل، بل: "...كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا...".

بعبارة أخرى، سوفَ يُعطيكم كَيلاً مُلَبَّدًا، ومُتَرَاصًّا، ومُكَدَّسًا، ومَضغوطًا. لِذا فهو سيُعطيك كَيلاً "مُلبَّدًا فَائِضًا". ولاحِظوا ما يَلي: "لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ". فاللهُ يُعطيكَ فقط عائِدًا على ما استثمرتَهُ. فطَوالَ حياتِنا الرُّوحية، نحنُ نُصارِع بخصوصِ أين نَكنِز كُنوزَنا وكيفَ نَستخدِمُ رفاهيَّاتِنا، وأينَ نَضَعُ ثَروتنا. ضَعها في السَّماء لتحصل على عائِدٍ أبديٍّ.

والآن، ما هو كَنزُنا؟ ما الَّذي يتحدَّثُ عنه حقًّا هنا؟ ما هو هذا الكنزُ الَّذي في السَّماء؟ يمكننا أن نتحدَّثَ عنه بالمعنى العامّ. فيمكننا أن نتحدَّثَ عن حقيقة أنَّ كَنزَنا الَّذي في السَّماء هو ميراثُنا الَّذي لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ لأجلِنا (كما وَصَفَهُ بُطرس). ويمكننا أن نقول إنَّ كَنزَنا الَّذي في السَّماء هو المسيحُ وحَسْب. وكنزنُا هو الأمانَةُ الَّتي لا تَزول، والحياةُ الَّتي لا تَنتهي، والمحبَّة الَّتي لا تتوقَّف، ونَبْعُ المياهِ الَّذي لا يَنضَب، والمَوهبة الَّتي لا تَضيع، والسِّلسلة الَّتي لا تَنقطع. ويمكننا أن نقولَ إنَّ كلُّ ما يَربِطُنا بالأبديَّة هو كَنزُنا. ويمكننا أن نَتحدَّثَ عن العُموميَّات. ولكن لنتحدَّث بالمعنى المُحدَّد جدًّا جدًّا. فما الَّذي يتحدَّثُ عنه هنا؟ إنَّه يقولُ ببساطة، يا أحبَّائي: المال، والرَّفاهِيَة، والثَّروة.

واسمحوا لي أن أُريكُم ما يَلي: إنَّ الأصحاحَ السَّادسَ مِن الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس هو أصحاحٌ مُشابِه يَقولُ لنا بصورة رئيسيَّة الشَّيءَ نَفسَهُ. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 6: 17: "أَوْصِ الأَغْنِيَاءَ فِي الدَّهْرِ الْحَاضِرِ..." وَهُوَ يَتحدَّثُ عَنَّا هُنا بالمُناسبة. فنحنُ جَميعًا نَنتمي إلى تلك الفئة. "...أَنْ لاَ يَسْتَكْبِرُوا". بعبارة أخرى، لا تَسمَح لغِناكَ أن يَجعلكَ مَغرورًا. "...وَلاَ يُلْقُوا رَجَاءَهُمْ عَلَى غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى...". لا تَتَّكِل على الغِنى. "...بَلْ عَلَى اللهِ الْحَيِّ الَّذِي يَمْنَحُنَا كُلَّ شَيْءٍ بِغِنًى لِلتَّمَتُّع".

والآن، نحنُ نَملِكُ الكثيرَ مِن المال. ولا يَجوزُ لنا أن نَتكبَّرَ بسببه، ولا يَجوزُ لنا أن نَتَّكِلَ عليه. إذًا، ما الَّذي ينبغي أن نَفعلَهُ به؟ العدد 18... لاحظوا ما يقول: "وَأَنْ يَصْنَعُوا صَلاَحًا". وكيفَ تَصنع صَلاحًا؟ لماذا؟ "وَأَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فِي أَعْمَال صَالِحَةٍ". وما هي الأعمالُ الصَّالحة؟ "أَنْ يَكُونُوا أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيع". هل فَهِمتُم ذلك؟

فما يَدعونا اللهُ إليه في حَياتِنا بخصوصِ رَفاهيَّاتِنا وثَروتِنا هو أن نُوزِّعَها ونُشاركَها، لا أن نَحتفظَ بها ونُكَدِّسَها. ونَقرأ في العدد 19: "مُدَّخِرِينَ...". وَهُوَ نفسُ الفِعل: "ثيساريتزو" (thesaurizo) "أن يَكنِزوا كُنوزًا لأنفسهم". فهي نفسُ الكلمة تمامًا. إذًا، ما مَعنى أن نَكنِزَ كُنوزَنا في السَّماء؟ إنَّهُ يعني أن نُوَزِّعَ ونُشارِكَ الأموالَ الَّتي أعطاها اللهُ لنا. وبهذه الطَّريقة [كما يقول] فإنَّنا نَدَّخِر لأنفُسِنا أَسَاسًا حَسَنًا لِلْمُسْتَقْبَل، ونُمسِكَ بِكُلِّ مِلْءِ حَياتِنا الأَبَدِيَّة.

بعبارة أخرى، نحنُ نَفتَحُ أمامَ أنفسِنا البابَ على مِصراعَيْه للحصولِ على كلِّ ما تَعنيه الحياة الأبديَّة. فكلَّما استثمرتُ لأجلِ مَجدِ الله، زادَ المجدُ الَّذي سيكونُ لي عندما أذهبُ إلى هناك. فكلَّما زادَ الاستثمار، زادَ العائِد. لِذا، عندما نَرى فِكرةَ الكَنز في إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس فإنَّهُ يَتحدَّثُ تحديدًا عن الغِنى.

وفي إنجيل لوقا 10: 21، يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاء". إنَّهُ نفسُ المبدأ. فقد كانَ يَملِك أكثرَ مِمَّا يَحتاج. فهو لم يَقُل لَهُ: "بِعْ ما تَحتاجُ إليه"، بل قال: "بِع كلَّ ما لَكَ"؛ أي كُلَّ ما كَدَّستَهُ. وفي حالَتِه، أعتقد أنَّهُ بسبب مَشاكِلِه الروحيَّة فإنَّه كانَ مُطالبًا ببيعِ كلِّ شيءٍ يَملِكُه لأنَّ هذه المُمتلكات كانت تَقِفُ حائِلاً بينَهُ وبينَ الله.

أمَّا بالنِّسبة إلينا نحن، يجب علينا أن نُبدي الاستعدادَ للتَّخلِّي عن الأشياءِ الَّتي هي أكثر مِن حاجتِنا ونُعطيها لآخرينَ مُحتاجين. انظروا قليلاً إلى إنجيل لوقا 12: 33 ... إنجيل لوقا 12: 33. وأعتقد أنَّ هذا المبدأ مَذكور هنا ببساطة كما هي الحال في إنجيل مَتَّى. فَهُما مُتماثلان تقريبًا: "بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً...". أي: أعطوا الفُقراء. "...اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاسًا لاَ تَفْنَى". فهو يقول: "لا تَضَعوا أموالَكُم في أكياسٍ تَطالُها العُفونَة وتَفسَد، بل ضَعوا أموالَكُم في أكياسٍ لا تَفنى". لاحظوا: "وَكَنْزًا لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَات". أتَرَون؟ فهناكَ ينبغي أن يكونَ استثمارُنا.

وفي إنجيل لوقا والأصحاح 16، هناكَ آية لَمَسَت قَلبي كثيرًا. إنجيل لوقا 16: 9: "وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ [في العدد 9]: اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ، حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الأَبَدِيَّة". فالمالُ هو بصورة رئيسيَّة شيءٌ لا بِرَّ فيه. وهذا لا يعني أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَحتقرُ المال أو يَلعنُه، ولكنَّهُ يقولُ وحسب إنَّهُ لا توجد في المال فَضيلة أو شيءٌ بارّ. لِذا فإنَّهُ يقولُ الآتي: طالما أنَّك تَحتفظ بشيءٍ ليسَ فيه بِرّ، أو شيءٍ ليسَ فيهِ فَضيلة، استَخدمهُ لتَصنَع به لنفسك أصدقاء يَقبلونَكَ في المَظالِّ الأبديَّة. هل تَعرفونَ مَعنى ذلك؟ إنَّهُ يَعني: استثمِر أموالَكَ في نُفوسِ أشخاصٍ سيُرحِّبونَ بكَ في يومٍ مَا ويَشكرونَكَ عندما تَذهبُ إلى السَّماء.

ويا لها مِن فكرةٍ رائعة! ويا لهُ مِن ترَقُّبٍ عظيم! فهو يقول: "اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ، حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الأَبَدِيَّة". يا لَهُ مِن وَعد! وقد رَنَّمَ "هُومَر" (Homer): "كم عددُ النُّفوسِ، وكم عددُ الأشخاصِ الَّذينَ حَرَّرتُهم؟ كم عددُ الأشخاصِ الَّذينَ استثمرتُ في حياتِهم ويَقفونَ هناكَ للتَّرحيبِ بي عندما أدخُلُ إلى حَضرتِه؟" ما الَّذي ستفعلُه بكَنزِك؟ كُلُّ ما تَحتفظ به هنا ستفقِدُه. وكلُّ ما تُقدِّمُه لله مِن خلالِ استثمارِه في حياة ونُفوس أولئكَ المُحيطينَ بك ستَكسبُه إلى الأبد. ويا له مِن وعدٍ مَجيد!

اسمعوني: إنَّ سِفرَ الأمثال 19: 17 يقولُ ما يَلي: "مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ..." [اسمَعوا الآن:] يُقْرِضُ الرَّبَّ". والآن، ما هو المبدأُ الأساسيُّ للقَرض؟ ما الشَّيءُ الَّذي يُشيرُ إليهِ القَرض؟ أنَّكَ ستَحصل على دُفعة بالمُقابِل. لِذا فإنَّه يقول في سِفْر الأمثال: "مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ". والجُزءُ الثَّاني مِنَ الآية يقول: "وَعَنْ مَعْرُوفِهِ يُجَازِيه". إنَّها عَوائِد أبديَّة. لا تَتَشَبَّث بالأرض، ولا تَكنِز لكَ كُنوزًا في هذا العالَم، ولا تُكَدِّس أموالَكَ هُنا، بل استثمرها في الأبديَّة. فهذا هو لُبُّ الأمر.

والآن، هناكَ سَبب لذلك. لنرجِع إلى نَصِّنا ونَرى ما هو. هناكَ كَنزان. وما الَّذي يَجعلُنا نَختارُ أن نَكنِزَ كَنزًا في السَّماء؟ لأنَّهُ يقولُ عنِ الكَنزِ الَّذي على الأرض: "حيثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُون" [في العدد 19]. ولكنَّه يقولُ عنِ الكنزِ الَّذي في السَّماء: "حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُون".

والآن، اسمعوا ما يلي: في الشَّرق في أزمنة الكتاب المقدَّس، كانَتِ الثَّروةُ تُحفَظُ بصورة أساسيَّة بثلاثة طَرائق. حسنًا؟ فبصورة أساسيَّة، كانتِ الثَّروةُ تُحفظُ بثلاثة طَرائق. فلم تَكُن هناكَ أوراقُ نَقديَّة، ولم تَكُن هناكَ سِجلاَّتٌ مَصرِفيَّة، ولم يَكُن هناكَ نِظامٌ كالَّذي نَستخدِمُه، بل كانَ الغِنى يُقاسُ بالسِّلَع المَاديَّة. وكانت هناكَ ثلاثُ سِلَع أساسيَّة: الأقمشة، والحُبوب، والذَّهب (أو المَعادن الثَّمينة). الأقمشة، والحُبوب، والذَّهب.

فلنأخذ مثلاً الأقمشة. ففي أزمنة الكتاب المقدَّس، كانت الأقمشة سِلعة مُهمَّة جدًّا جدًّا. ولعَلَّكُم تَذكرونَ على سبيلِ المِثالِ أنَّ "جِيحْزِي" غُلامَ أليشَع أرادَ أن يَجني رِبْحًا مُحَرَّمًا مِن نُعمان عندما شُفِيَ نُعمانُ مِن بَرَصِه فطلبَ مِنهُ وَزْنَةَ فِضَّة وحُلَّتَيْ ثِياب لأنَّهما كانا ثَروةً كبيرة. فقد كانَ الغِنى يُقاسُ بالسِّلَع. وكانَتِ الثَّروة تُقاسُ بالثِّيابِ الفاخرة والغالية والثَّمينة.

وهل تَذكرونَ عَخَان؟ ففي سِفْر يَشوع والأصحاح السَّابع، قال: "رَأَيْتُ فِي الْغَنِيمَةِ رِدَاءً شِنْعَارِيًّا نَفِيسًا، فَاشْتَهَيْتُهُ وَأَخَذْتُه". ولَعلَّكم تَذكرونَ أنَّ يُوسُف أظهَرَ عَاطِفَتَهُ مِنْ نَحْوِ بَنيامين وأعطاهُ خَمْسَ حُلَلِ ثِيَاب. ولَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ شَمشونَ قال: "إن حَلَلتُم أُحجيتي أُعْطِيكُمْ ثَلاَثِينَ قَمِيصًا وَثَلاَثِينَ حُلَّةَ ثِيَاب". وكما تَرَون، كانت الثِّيابُ تُعبِّرُ دائمًا عن الثَّراء لأنَّها كانت سِلعة غالية الثَّمن. وغالبًا كانَ الذَّهبُ يُستخدَمُ في تَقصيبِ الثِّياب. وكانت عَمليَّةُ الصَّبغِ فَريدة مِن نَوعِها. وكانتِ المَوادُّ تُصَنَّعُ بصعوبة فائقة. وكانت هناكَ ثِياب مُبَهرجة جدًّا. وكانَ النَّاسُ يُظهِرونَ غِناهُم حقًّا مِن خلال الثِّياب.

ولكن هناكَ مُشكلة في الثِّياب. هل تَرَونَ تلك المشكلة في العدد 19؟ كانَ العُثُّ يأكُلُ الثِّياب. هل لاحظتُم ذلك؟ فأنتُم تَستخدمونَ كُرات العُثّ... أليسَ كذلك، للوقاية مِن ذلك؟ ولكن هل لاحظتم أنَّ العُثَّ لا يَأكُل الملابسَ الَّتي تَرتدونَها؟ هل لاحظتُم ذلك؟ فأنتَ لا تَضرِبُ عُثَّةً على قَميصِكَ وتقول: "مُوتي أيَّتُها العُثَّة".

ولكّنَّ العُثَّ يأكُلُ الملابسَ الَّتي تُخَزِّنُها. فإن رَجعتَ بعدَ ثلاث سِنين... وقد عانينا جَميعًا مِن ذلك في خِزانةِ الثِّيابِ كما تَعلمون. فلأنَّ حَجْمَنا يَتغيَّر، غالبًا ما نُعَلِّق الملابس ونقول: "سوفَ نَعودُ لارتدائِها عاجِلاً أم آجِلاً. أليس كذلك؟ ونحنُ نَميلُ إلى الاحتفاظِ بالأشياء، ونَعلمُ أنَّنا نَستثمِرُ الكثيرِ مِن أموالِنا في ثِيابِنا. أليس كذلك؟ والكثيرُ مِنها يَبقى في مكانِه ليأكُلُهُ العُثُّ. فالعُثُّ يأتي ويَأكُلُها. فهو يَلتَهِمُها حَرفيًّا.

وهناكَ طريقة أخرى كانوا يُخَزِّنونَ بها ثَروتَهُم وهي المحاصيل. هل تَذكرونَ الغَنِيَّ الغَبِيَّ الَّذي قال: "أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي [ماذا؟] أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي". وقد كانَ يَستثمِرُ كلَّ ثروته في المحاصيل. وهل لاحظتُم الكلمة "صَدَأ"؟ في العددَيْن 19 و20؟ الحقيقة هي أنَّ الكلمة تَعني: "يَلتَهِم"... "يَلتَهِم". فهي لا تُستخَدمُ في أيِّ مَوضِعِ بِمعنى "صَدأ"... ليسَ في الكتابِ المقدَّسِ البتَّة. والحقيقة هي أنَّني لا أَظُنُّ أنَّ هناكَ شخصًا وَجَدَ مَوضِعًا تَعني فيه هذه الكلمة: "صَدَأ"، بل إنَّها تَعني في الأساس: "يَلتهِم" – "بروسيس" (brosis).

وهل تَعلمونَ ما هي مُشكلةُ المحاصيل؟ أنَّ الفِئرانَ والجُرذانَ والدِّيدانَ والحَشراتِ تَلتَهِمُها. وقد أخبرتُكم قبلَ بِضعة أشهُر أنَّ 15 بالمِئة مِن كلِّ محاصيل الهند المُخَزَّنَة تأكُلُها الجُرذانُ والفِئران حتَّى في وقتِنا الحاضر. والمُشكلة هي أنَّه إن كنتَ تَستثمرُ كلَّ أموالكَ في المحاصيل فإنَّ تلكَ الأشياء الصغيرة قد تَتمكَّن مِنَ الوصولِ إليها وأكْلِها.

وكانت هناك سِلعة ثالثة يَستثمرونَ فيها ثَروتَهُم وهي الذَّهب أو المَعادِن الثَّمينة. وهل تَعلمونَ ما المُشكلة في هذه؟ كيفَ ستُخبِّئُها؟ فقد تَحتفظ بها في بيتِك، ولكنَّ لِصًّا قد يَتَسَلَّل إلى البيت ويَسرقُها. أو قد تَفعلُ الشَّيءَ الَّذي كانَ شائعًا جدًّا آنذاك وهو أنَّهم كانوا يَختارونَ مَوضِعًا في الحَقل في اللَّيل لا يَعرِفُهُ أحَدٌ سِواهُم، ويَذهبونَ ويَحفرونَ حُفرةً كبيرةً في الحَقل ويَدفنونَ الذَّهبَ فيها. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 13 أنَّه كانَ يوجدُ كَنْزٌ مُخفَى في حَقل. أتَذكرونَ ذلك؟ أي ذلكَ المَثَل؟

فقد كانَ ذلك هو المكان الَّذي يُخَبِّئونَ فيه ثَروتَهُم. فقد كانوا يَضعونَ الذَّهبَ في أكياس، ويُخبِّئونَهُ في الأرض، ويُغَطُّونَهُ بالتُّراب. وكانَ اللُّصوصُ يَتَرَبَّصونَ بالأغنياء في اللَّيل ويُراقبونَهم لمعرفةَ المَكانَ الَّذي خَبَّأوا فيهِ الذَّهب، ثُمَّ يَذهبونَ ويَحفرونَ الأرضَ ويَسرقونَهُ. وليسَ هذا وَحَسْب، بل إنَّ الآيةَ تقول: "وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ". والكلمة تَعني حَرفيًّا: "يَنْقُبُ". فَهُم يَنْقُبونَ الطِّين. فقد كانَ السَّارقونَ يَنقُبونَ الطِّين. لماذا؟ لأنَّهُم كانوا يَعملونَ حَرفيًّا على النَّقْبِ في جِدارِ المَنزل، أو يَعملونَ على الحَفْرِ في التُّرابِ في الأرض للحُصولِ على الذَّهب.

إذًا، قد تُؤكَلُ ثِيابُكَ مِنْ قِبَلِ العُثِّ. وقد تُؤكَلُ مَحاصيلُك مِن قِبَلِ أيِّ شَيءٍ سَواءَ كانَ حَيَوانًا أو حَشَرَةً أو دُودَةً تَتمكَّنُ مِن الوصولِ إليها. وقد يُسرَقُ ذَهَبُكِ مِن قِبَلِ اللُّصوص. والنُّقطة الجَوهرية هُنا هي كالتَّالي: إن رَاكَمْتَ ثَروتَك، ستخسرها. فهي ليست في مكانٍ آمِنٍ أو مَحميٍّ. وماذا لدينا اليوم؟ نحنُ نَشتري كُرات العُثّ، ونَشتري سُمَّ الفِئران، ونَشتري أجهزةَ الإنذارِ والحماية مِن السَّرقة.

يَمتلك مَتْجَر "جيه. سي. بيني" (J. C. Penny) في "مَركز تَسوُّق نورثريدج" (Northridge Mall) أكثرَ جِهازٍ مُعَقَّدٍ للحماية مِن السَّرقة يُمكِن تَخَيُّلُه. ولكن قبلَ بِضعة أيَّام، تَمَكَّنَ لُصوصٌ خِلالَ عَشرِ دقائق مِن التَّحايُلِ على جِهازِ الإنذار. ووَفقًا للتَّقريرِ الأوليِّ للخسائر، تَمَكَّن هؤلاء اللُّصوص مِن سرقة ذَهب بقيم أربعينَ ألف دولار خِلال عشر دقائق. وربَّما تَمكَّنوا مِن سرقة ذهب بقيمة ثمانينَ ألفَ دولار. فلا يوجد نِظامٌ آمِنٌ تمامًا. أليس كذلك؟ وأعتقد أنَّه مِن الأفضل لك أن تَستثمرَ أموالكَ في ملكوتِ اللهِ وأن تَجني عليها عوائدَ أبديَّة. أليس كذلك؟

وهناكَ أُناسٌ يقولون: "أنا أَضَعُ أموالي في البنك". ها ها! لا شَكَّ في أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ خسروا أموالهُم مِنكُم في الانهيارِ الاقتصاديِّ قد اقْشَعَرَّت أبدانُهم الآن. فلا يوجد مكانٌ آمِنٌ في هذه الحياة. وحتَّى لو تَمَكَّنتَ مِن الاحتفاظِ بالمالِ إلى أن تموتَ وتَترُك هذه الأرض، ستكونُ حالُكَ كَحالِ الرَّجُل الَّذي تَحدَّثتُ عنهُ في الأسبوعِ الماضي. فقد سألَ شخصٌ صَديقَهُ: "ماذا تَرَكَ وَراءَهُ؟" فأجابَهُ: "كُلَّ شيء". فسوفَ تَترُكُ كُلَّ أموالِكَ وراءَكَ في كُلِّ الأحوال. أينَ هُوَ قَلبُك؟

فهناكَ أغنياء كثيرون سيصيرونَ مُعْوَزين في الأبديَّة. وهناكَ مُعوَزونَ في هذه الحياة سيصيرون أغنياءَ إلى الأبد. أينَ هُوَ كَنزُك؟ هل بَقرةُ الرَّبِّ هي الَّتي تَموتُ دائمًا، أم أنَّكَ تَستثمرُ كَنزَكَ في ملكوته؟ فهناكَ كَنزان. أينَ هُوَ كَنزُك؟

ثانيًا، هناكَ نَظرتان. وهذه مُجَرَّد فِكرة مُوَسَّعة عن الآياتِ القليلة الأولى. فهناكَ نَظرتان. وهذا رائع. فنحنُ نقرأ في العدد 22: "سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا". وسوفَ نَتوقَّفُ هنا قليلاً.

والآن، إنَّه يَتحدَّث عن قلبك. وهو يريدُ أن تكونَ قُلوبُنا ثابتة على شيءٍ واحد، وأن تكونَ مُكرَّسة تمامًا لملكوتِ الله بحيث يكونُ كَنزُنا هناك، وبحيث يكونُ قَلبُنا هناك، وبحيث تكونُ مَحبَّتُنا هناك، وبحيث يكونُ شَغَفُنا هناك، وتَثَقُّلُنا هناك، واستثمارُنا هناك، وكُلُّ ما يَختصُّ بنا هناك. فيجب علينا أن نَمتَلِكَ قَلبًا غير مُنقَسِم. ثُمَّ إنَّه يُوَضِّح ذلك مِن خلال العين. لِذا فإنَّ العينَ تُستخدَمُ كاستعارةٍ للقلب.

فالعينُ هي سِراجُ الجسد. فعندما يَتمكَّنُ النَّاسُ مِنَ الرُّؤية بأعيُنهم، أيِ الأشخاصُ المُبصِرون، فإنَّهم يكونونَ أشخاصًا تَمتلئُ أجسادُهم بالنُّورِ الآتي مِنَ العالَمِ فيَتمكَّنونَ مِن خلالِهِ مِنَ إدراكِ وَفَهمِ ما يَرَونَهُ. ولكن إن كانت عَيناكَ قَاتِمَتَيْنِ ومُعتِمَتَيْنِ، لن يكونَ هناكَ نُورٌ يأتي إلى الدَّاخل. لِذا فإنَّكَ لن تَستوعبَ أيَّ شيء.

وهذه هي حالُ القلبِ أيضًا. فإن كانَ قَلبُكَ مُوَجَّهًا إلى الله فإنَّهُ يُنيرُ كلَّ كِيانِكَ الرُّوحيّ. أمَّا إن كانَ قَلبُكَ مُوَجَّهًا إلى الأشياء الماديَّة، وإلى الكُنوزِ الَّتي في هذا العالَم، فإنَّ العَمى سيُصيبُ إدراكَكَ الرُّوحيَّ فتَعجَزُ عن الرُّؤية رُوحيًّا كما ينبغي. وهذا مبدأٌ مُهمٌّ جدًّا. فهو يَستخدِمُ مَثلاً توضيحيًّا ماديًّا ويقولُ إنَّ العينَ تُشبِهُ النَّافذة. فإن كانت النَّافذةُ نظيفة ونَقيَّة، سيَملأُ النُّورُ الجسد. أمَّا إن كانتِ النَّافذةُ مُغَطَّاةً بِسِتارة، لن يَدخُلَ النُّور.

وهذه استعارة رُوحيَّة، ولكنَّها غَنِيَّة جدًّا حتَّى إنَّني لا أريدُ منكم أن تُفَوِّتوها. انظروا إلى الكلمة "بسيطة" أو "سَليمة". لا أدري ما الَّذي تَقولُهُ التَّرجمةُ الَّتي تَستخدِمُها في العدد 22. ولكنَّها تقول: "سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً [أو: سَليمة]". وأريدُ منكم أن تَرَوا شيئًا أعتقد أنَّه مُدهش بخصوصِ تلك الكلمة. فهذه الكلمة مُشتقَّة حَرفيًّا مِن الجَذر "هابلوس" (haplous) ومَعناهُ: "سَخِيّ". حسنًا؟ فهي تَعني: "سَخِيّ". وهي تُستخدَم بذلك المَعنى مَرَّات كثيرة جدًّا.

وسوفَ أكتفي بتقديمِ ثلاثة أمثلة إيضاحيَّة إليكم. رسالة يعقوب 1: 5: "...فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ..." أو "بِوَفرة". وفي رسالة رومية 12: 8، يَحُضُّنا بولسُ على أن نُعطي "بسخاء" أو "بوفرة". وفي الرِّسالة الثانية إلى أهل كورِنثوس والأصحاح 9، يَتحدَّث بولس عن كَرَمِ أو سَخاءِ أهلِ مَكِدونِيَّة. فهي كلمة تَعني "كَريم" أو "سَخِيّ". لِذا فإنَّه يقول: إن كانت عَينُكَ [أو كانَ قَلبُك] لأنَّ العينَ تُستخدَم هُنا للإشارة إلى القلب... إن كانَ قَلبُكَ سَخيًّا، ستفيضُ كلُّ حياتُكَ الروحيَّة بالفهمِ الروحيِّ. أليس هذا الحقُّ رائعًا؟

فهناكَ أشخاص يأتونَ إلى الكنيسة ويَتركونَ الكنيسة دونَ أن يَتغيَّروا، ودونَ أن يَنموا، ودونَ أن يُحبُّوا الكلمة، ودونَ أن يَشهدوا للآخرين، ودونَ أن يَكونوا مُثمِرينَ في حياتِهم، بل يَبقونَ على حَالِهم طَوالَ الوقت. وعندما أرى أشخاصًا كهؤلاء (أي أشخاصًا يبدو أنَّهم لا يَفهمونَ ما يَجري، ولا يُدركونَ الأمورَ الروحيَّة) فإنَّني أتساءَل بيني وبينَ نفسي في أغلبِ الأحيان إن كانَ السَّببُ في ذلك هو أنَّهم يُركِّزونَ كثيرًا على الأمور الأرضيَّة، وأنَّهم مُلتصقونَ كثيرًا بالأرض، وأنَّهُم يَكنِزونَ كُنوزَهُم هنا فَلا يُبصرونَ ولا يَفهمونَ أيَّ شيءٍ رُوحيٍّ البتَّة.

بعبارة أخرى، ما لم تَهتمَّ بنظرتك إلى المال في حياتك، لن تتمكَّنَ مِن التَّعامُل مع الحقائق الروحيَّة. وهذا هو تمامًا ما تقولُهُ الآية لوقا 16: 11. فإن لم تَعرف كيفَ تَـتعامَل مع المال، ما الَّذي سيَجعلُ اللهَ يأتَمِنُكَ على الغِنى الحقيقيّ. أليس كذلك؟ وكما تَرَون، فإنَّ ما أقولُهُ هنا، وما يَقولُهُ الرَّبُّ هنا هو أنَّ هذه المسألة أكبر مِمَّا نَظُنّ. فالمالُ قد يُفقدُنا القُدرة على فَهم الأمور الروحيَّة.

العدد 23: "وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا". نَقرأُ هنا عن العين الشِّرِّيرة. وقد سَمعتُم عنها. أليس كذلك؟ فنحنُ نَسمَعُ شخصًا يقول: "لقد نَظَرَ إليهِ فُلان نَظرةً شِرِّيرة". وهل تَعلمونَ ما هي العَين الشِّرِّيرة؟ إنَّها عِبارة يهوديَّة عَاميَّة تَعني: "بِحِقْد". فنحنُ نَقرأ في سِفْر الأمثال 23: 6: "لاَ تَأكُلْ خُبْزَ ذِي عَيْنٍ شِرِّيرَةٍ". بعبارة أخرى، لا تأكُل لُقمةً مِن طعامِ شخصٍ يَحقد عليكَ في كُلِّ لُقمة.

وماذا عن أمثال 28: 22؟ إنَّها جُملة رائعة. فهي تقول: "ذُو الْعَيْنِ الشِّرِّيرَةِ يَعْجَلُ إِلَى الْغِنَى، وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الْفَقْرَ يَأتِيه". فأنتَ تَتَعَجَّل في أن تَصيرَ غَنيًّا، ولكنَّكَ ستصيرُ غيرَ سَخِيٍّ، وشخصًا حاقِدًا، وأنانيًّا. فهذا هو الوَجهُ المُقابِل. إذًا، إنَّه يقول: هناكَ كَنزان: في السَّماء أو على الأرض. وحيثُ يوجدُ كَنزُك هناكَ يكونُ قلبُك.

وإن كانَ قَلبُكَ في السَّماء حيثُ يكونُ كَنزُك، سيكونَ لديكَ رُوحٌ سَخِيٌّ. وهذا الرُّوحُ السَّخِيُّ يُشبِهُ العَينَ المُبصِرَةَ الَّتي تَملأُ حَياتَكَ الروحيَّةَ بالفَهم. أمَّا إذا كانَ كَنزُكَ على الأرض فلن تَرى أيَّ شيءٍ لأنَّ العَمى سيَملأُكَ بسببِ جَشَعِكَ وشَهوتِكَ فلا تُبصرُ شيئًا. وإن كانت هذه هي الحالة، فإنَّ الجُزءَ الأخيرَ مِن العدد 23 يَقول: "فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!"

والكلامُ هنا يأتي بصيغةِ التَّعجُّب إذ إنَّ رَبَّنا يقول: "ما أفظعَ أو أسوأَ الظُّلمة في حياة الشَّخص الَّذي ينبغي أن يَرى رُوحيًّا ولكنَّهُ يَعيشُ في الظُّلمة بسبب جَشَعِه. لِذا فإنَّ الدَّعوة مُوَجَّهة إلينا لكي نُرَكِّزَ كُليًّا على السَّماء، ونُكَرِّسَ أنفسَنا لله، وأن نَكنِزَ لنا كُنوزًا في السَّماءِ فقط. واسمحوا لي أن أُبَسِّطَ الأمرَ كُلَّه في جُملة واحدة: إنَّ الطَّريقة الَّتي تَستخدِمُ فيها أموالَكَ هي المِفتاحُ لفَهمِكَ الرُّوحيّ. هذه هي رسالةُ العَدَدَيْن 22 و23 . لِذا، هناكَ نَظرتانِ وكَنزان. ويجب عليكَ أن تَختار.

وأخيرًا، هناكَ سَيِّدان [في العدد 24]. ولا يُمكنكَ أن تَخدِمَهُما كِلاهُما لأَنَّكَ إِمَّا أَنْ تُبْغِضَ الوَاحِدَ وَتُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ تُلاَزِمَ الوَاحِدَ وَتَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقدِر أَن تَخدِمَ اللهَ وَالمَال. وفي كُلِّ مَرَّة تَقرأُ فيها هذه الآية ستجد شخصًا يقول: "أنا لستُ مُقتنعًا بهذا الكلام في أنَّكَ لا تستطيعُ أن تَخدِمَ سَيِّدَين. فأنا أعملُ في وَظيفَتَين". أو: "لديَّ زوجتي، وحَماتي تَعيشُ معي. يُمكنني أن أخدِمَ سَيِّدَين. لِذا، لا أعتقد... لا أفهَمُ لماذا يَقولُ يسوعُ ذلك".

وكما تَرَون، فإنَّ السَّببَ الَّذي يَجعلُ النَّاسَ يقولون ذلك في الأصل هو أنَّهم لا يَفهمونَ الكلمة "يَخدِم" هنا. فهي لا تَتحدَّث عن العمل في وظيفة مِن السَّاعة الثَّامنة صباحًا إلى الخامسة مساءً، بل هي الكلمة "دوليئو" (douleu) الَّتي تُشتقُّ منها الكلمة "دولوس" (doulos)، وهي الكلمة الَّتي تُترجَمُ: "عَبْد". فلا يُمكِنُكَ أن تكونَ عَبدًا لسَيِّدَيْن. لماذا؟ لأنَّ العُبوديَّة تعني: "المِلكيَّة الفَرديَّة والخِدمة المُتَفرِّغة". فالعبدُ لم يكن شخصًا، بل كانَ شَيئًا. ولم يَكُن العبدُ يَملِك أيَّة حُقوق. وكانَ مِن حَقِّ السَّيِّد أن يَضربَ العبدَ، وأن يَقتُلَ العبدَ، وأن يَبيعَ العبد. وكانَ العبدُ أداةً حَيَّة، ولا يَختلِف في شيء عن المِحراث أو البقرة أو أيِّ شيءٍ آخر. فقد كانَ العبدُ شيئًا. فإن كنتَ عَبدًا فإنَّكَ مِلْكٌ للسَّيِّد، ويجب عليكَ أن تكونَ مُكَرَّسًا بصورة دائمة وكُليَّة وتامَّة ومِئة بالمئة لإطاعة ذلك السيِّد الواحد. وكانَ مِن المُستحيل تَمامًا أن تَخدِمَ سَيِّدَيْن مُختلفَين.

وهذا هو المَثَلُ التَّوضيحيُّ المُستخدَم في رومية 6 عندما يقول إنَّه بعدَ أن نُؤمِن بالمسيح، يجب علينا أن نُخضِعَ أنفسَنا لَهُ ونصيرَ عَبيدًا لَهُ. ولأنَّنا عَبيدٌ لَهُ فإنَّنا لم نَعُد عَبيدًا للخطيَّة. ولا يُمكِنُنا أن نَخدِمَ أو نُحِبَّ سَيِّدًا سوى الله بِكُلِّ تكريسٍ كامل. ولا يُمكِنُنا أن نَخدِمَ أحدًا سِواه بفكرٍ غير مُنقَسِم. وإن حاولتَ أن تُوَزِّعَ ولاءَكَ بينَهُ وبينَ المال، ستُبغِضُ هذا أو ذاك.

واسمحوا لي أن أُوَضِّحَ ذلك: رُبَّما يَجلسُ بعضٌ منكم هنا اليوم ويُكَدِّس أموالاً. وربَّما تكونُ أنانيًّا في احتفاظِكَ بأموالك، وربَّما لم تَستثمرها في الأشياءِ المُختصَّة بالله، ورُبَّما لم تُساعِد المُحتاجين، بل تَجمَعُها لنفسِكَ وَحَسْب. لِذا، بينما أُقدِّمُ هذه العظة وتَسمَعُ كلمةَ الله، ويقولُ الرَّبُّ افعَل كذا، وافعل كذا، قد تَمتَعِض مِمَّا يَقولُهُ اللهُ عن حياتِك. وقد تُقاوِم ذلك لأنَّكَ لا تَقدرُ أن تَخدِمَ سَيِّدَيْن. وقد تَبتدِئ في تَبريرِ نفسِك. أليس كذلك؟ ورُبَّما تحاول إنكار كلامَ اللهِ قائلاً: "هذا الأمرُ سَخيفٌ يا رَبّ". وقد تَبتدئُ في إظهار المقاومة والامتعاض.

مِن جهة أخرى، إن كنتَ تَرغبُ بِكُلِّ كِيانك أن تُعطي أموالكَ لله، وإن كنتَ تَرغبُ في تَقديمِ كُلِّ كُنوزِكَ الموجودة في هذا العالَم لَهُ، وكنتَ تَستاءُ مِنَ النِّظامِ الَّذي يأخُذُ الكثيرَ مِن أموالِكَ منكَ، وتَتضايق مِن استمرارِ ارتفاعِ أسعارِ الوَقود؛ وقد تكونُ مُحِقًّا في ذلك لأنَّك رُبَّما تَشعُر أنَّ ذلكَ يُعيقُ ما تُريدُ أن تَستثمِرَهُ في الأبديَّة. وكما تَرَون، لا يُمكنك أن تَخدِمَ سَيِّدَيْن، بل يجب أن تُرَكِّزَ ذِهنَكَ في اتِّجاهٍ واحد. ويجب عليكَ أن تَختارَ سَيِّدَك.

وهذان السَّيِّدان مُتناقضان تمامًا. فالأوَّلُ يَطلُبُ منكَ أن تَسلُكَ بالإيمان؛ أمَّا الآخر فيطلبُ منكَ أن تَسلُكَ بالعِيان. والأوَّلُ يَدعوكَ إلى أن تكونَ مُتواضِعًا؛ أمَّا الثَّاني فيطلبُ منكَ أن تكونَ مَغرورًا. والأوَّلُ يَطلُب منكَ أن تُركِّزَ على الأشياءِ الَّتي فوق؛ أمَّا الثَّاني فيطلبُ منكَ أن تُركِّزَ على الأشياءِ الَّتي على الأرض. والأوَّلُ يَطلُب منكَ أن تُركِّزَ على الأشياءِ غير المَنظورة والأبديَّة؛ أمَّا الثَّاني فيطلبُ منكَ أن تُركِّزَ على الأشياءِ المَنظورة والمؤقَّتة. وواحِدٌ مِنَ السَّيِّدَيْن يَدعوكَ إلى الذَّهاب إلى السَّماء؛ أمَّا الثَّاني فيدعوكَ إلى أن تَلتَصِقَ بالتُّراب. وواحدٌ يَدعوكَ إلى عدمِ القَلَقِ مِن أيِّ شيء؛ أمَّا الثَّاني فيدعوكَ إلى القلقِ والخوف. لِذا فإنَّهما مُتناقضان تمامًا. ولا يُمكنكَ أن تَخدِمَهُما كِلاهُما.

وقد قالَ الأُسقُف "رايلي" (Bishop Ryle) جُملةً أعتقد أنَّها لَصِقَت في ذهني أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر. فقد قالَ ما يلي: "الغايةُ المُنفردة..." [لاحظوا هذا]: "الغايةُ المُنفردة هي أعظمُ سِرٍّ للنُّموِّ الرُّوحيّ". "الغايةُ المُنفردة هي أعظمُ سِرٍّ للنُّموِّ الرُّوحيّ". فذلك التَّركيزُ الكامِل هو الَّذي يَجعلُكَ غَنيًّا روحيًّا.

وقد قالَ "كَالِب" في الكتابِ المقدَّس: "وَأَمَّا أَنَا فَاتَّبَعْتُ تَمَامًا الرَّبَّ إِلهِي". وقد عَبَّرَ داود عن ذلك في المزمور 16 فقال: "جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ". إذًا، أينَ يوجد أكثرُ مَكانٍ آمِن تَضَعُ فيهِ كَنزَك؟ في المكانِ الَّذي يَتوَفَّرُ لك فيهِ أوضحُ نُورٍ رُوحيّ. أليس كذلك؟ وفي المكانِ الَّذي يُمكنكَ فيه أن تَخدِمَ السَّيِّدَ الصَّحيح.

إنَّ امتلاكَ الثَّروة، يا أحبَّائي، ليس خَطيَّة؛ ولكنَّه مسؤوليَّة عظيمة. أليس كذلك؟ أحيانًا أتمنَّى أن أكونَ فقيرًا لكي أكونَ في الجانبِ الآخرِ مِن هذه المسألة بِرُمَّتِها. ولكنَّ الفُقراءَ لديهم مَشاكِلُهم هُم أيضًا. وقد قالَ "جون كالفن" (John Calvin): "إن سَيطَرَ الغِنى على القلب، فَقَدَ اللهُ سُلطانَهُ". وهذا هو لُبُّ المسألة بوضوحٍ وبساطة. ولو كانَ الخِيار بيدي لأخذتُ المالَ الَّذي لَديَّ وأعطيتُهُ للأشخاصِ الَّذينَ سَيُرحِّبونَ بي ذاتَ يومٍ عندما أذهبُ إلى مَسكَني الأبديّ.

وقد قالَ "م. ي. بيرنز" (M.E. Burns): "أنا لا أَحْفَلُ بالغِنى، ولا بِمَدْحِ البَشَرِ الفارِغ، بل أنتَ هُوَ مِيراثي - الآنَ وكلَّ حين". إنَّها فِكرةٌ عظيمة. دَعونا نُصَلِّي معًا:

يا أبانا، إنَّ كلَّ طِفلٍ يُولَد في هذا العالَم يأتي إلى العالَم وهو يَضُمُّ قَبضَتَيْه الصَّغيرة بقوَّة كما لو أنَّهُ يَتمسَّكُ بِشِدَّة بما هُوَ لَهُ. وهناكَ أشخاصٌ مِنَّا لا يُرخونَ البتَّة تلكَ القَبْضَة إلى أن تُفتَحَ عندَ مَوتِهم. يا أبانا، ساعِدنا على أن نَتعلَّمَ أن نُعطي. وإلاَّ، كيف سنَتجاوبُ مَع ذاكَ الَّذي أَعطَى الكُلَّ لنا؟

وأنا أَتأمَّلُ في كلماتِ الشَّاعرِ الَّذي قال: "اذهب اكسِر للمُحتاجينَ خُبْزَ الإحسانِ الحُلْو لأنَّ الغُفرانَ هو العَطاء". هذا هو ما قالَهُ المَلاك. "وهل يجب عليَّ أن أُعطي المَرَّة تِلو الأخرى؟" [كانَ هذا هو رَدِّي المُتذمِّر وعديم الشَّفَقة]. رَدَّ عليَّ الملاكُ بكلماتٍ أصابَتني في الصَّميم إذ قال: "لا، بل أعْطِ إلى أن يَكُفَّ الرَّبُّ عن إعطائِك".

وحاشا أن يَحدثَ ذلك. ساعِدنا على أن نَكنِزَ كُنوزًا في السَّماء. نَشكُرُك على هذا الامتياز العظيم في أن نَعرف مِلْءَ المجدِ الأبديِّ كَعائِدٍ على استثمارِنا. بارك كلَّ نفسٍ هنا يا أبانا، وطَبِّق هذه الأشياء علينا جميعًا. باسم المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize