افتَحوا كِتابكم المقدَّس وانظروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس... إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس. ونحنُ نُتابع تأمُّلَنا في الأعداد مِن 25 إلى 34. وهو أصحاحٌ ومَقطعٌ رائعٌ ومألوفٌ وغَنِيٌّ مِن كلمة الله. وهذا النَّصُّ تَحديدًا (أي الأصحاح 6 والأعداد مِن 25 إلى 34) هو جُزءٌ مِن نَصٍّ أكبر يَضُمُّ الأصحاحات الخامس والسَّادس والسَّابع؛ وهي الأصحاحاتُ الَّتي تُؤلِّف العِظة على الجبل الَّتي قَدَّمَها رَبُّنا يسوعُ المسيحُ شخصيًّا. لِذا فإنَّ هذه الوصايا هي مِن فَمِ المسيحِ شخصيًّا. وهي وصايا عَمليَّة حَقًّا وتَلمسُ حياتَنا الَّتي نَعيشُها.
إن كنتَ مَعَنا في المَرَّة السَّابقة، لا بُدَّ أنَّكَ تَعلم أنَّنا ابتدأنا بالتَّأمُّل في هذا المقطع. وسوفَ نُكمل تأمُّلَنا فيه في هذا الصَّباح مُبتَدِئينَ بمُراجعة سريعة لما قُلناه لكي يَتمكَّن الأشخاصُ الَّذينَ لم يكونوا مَعَنا مِن فَهْمِ ما نقول.
إنَّ لُبَّ هذا الموضوع الَّذي يتحدَّثُ عنهُ يسوعُ يَدورُ حولَ مسألةِ الماديَّة؛ أيِ القلقِ بشأن أموالِنا، والقلق بشأن حياتِنا، والقلق بشأن وجودِنا على الأرض، والقلق بشأن ما إذا كُنَّا سنحصل على ما يَكفي مِن حاجيَّاتِ الحياةِ لنعيش. والوصيَّةُ الَّتي يَقولُها الرَّبُّ ثلاثَ مَرَّات في هذا المقطع هي إنَّهُ لا يجوزُ لنا أن نَقلق، وإنَّ ذلك القلق، وذلك الهَمّ، وذلك الخوف، وذلك الجَزَع، وذلك الغَمّ لا مَكانَ لهُ في حياةِ المؤمن.
ولا شَكَّ في أنَّ هذا يَسري على كلِّ شيءٍ نَعرفُه في عالَمِنا. فالعالَمُ الَّذي نَعيشُ فيه مُنهَمِكٌ جدًّا في الأمورِ الماديَّة. ونحنُ نَعيشُ في عَالَمٍ مَاديٍّ جدًّا. وحياةُ النَّاسِ تَبتدئ وتَنتهي بالأشياءِ الَّتي يَملِكونَها. وهذا مُناقض تمامًا لما يقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عندما يقولُ إنَّ حياةَ الإنسانِ لا تُقاسُ بكثرةِ الأشياءِ الَّتي يَملِكُها. ومع ذلك، إن نَظرتُم حَقًّا إلى لُبِّ الأمرِ وإلى القضيَّة الجوهريَّة في الحياة البشريَّة حَتَّى هُنا في بَلَدِنا، ستجدونَ أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يعيشونَ فقط وبصورة حَصريَّة مِن أجلِ كلِّ المُمتلكاتِ الَّتي يُمكنهم أن يَجمعوها كي يَعيشوا نَمَطَ الحياةِ الَّذي اختاروهُ لأنفسهم.
في العَددِ الأخيرِ مِن مَجلَّة "فورتشن" (Fortune Magazine)، هناك مَقالة بعُنوان: "في الطَّريقِ السَّريعِ إلى الحياةِ الجَيِّدة" (On a Fast Track to the Good Life). فقد أرسَلَت مَجلَّة "فورتشن" مُحَرِّريها للقيامِ باستطلاع. وقد أَجروا استطلاعًا في كُلِّ أمريكا على الرِّجالِ والنِّساءِ الَّذينَ تَبلُغ أعمارُهم خمسًا وعشرينَ سنة والَّذين يَشُقُّونَ طريقَهُم في سُلَّمِ القيادة في الشَّرِكات في عالمِ التِّجارة. وكانوا قد أجروا استطلاعًا مُشابهًا قبلَ خمسٍ وعشرين سنة. وقد أرادوا أن يَعرفوا ما الَّذي يَسعى إليهِ المُديرُ الَّذي يَعمل في شركة تجاريَّة ويَبلُغ عُمرُهُ خمسًا وعشرين سنة ويَطمَحُ إليه في الحياة، وما يُريدُهُ حَقًّا مِن الحياة، وما يَتوقُ إليه حَقًّا، وما هي أهدافُهم وغاياتُهم. لِذا فقد كَتَبَتِ الكاتِبة "غوين كينكيد" (Gwen Kinkead) مَقالةً رَدًّا على هذا الاستطلاع. وأعتقد أنَّها لا ينبغي أن تكونَ مَقالةً صادِمَةً لنا، ولكنَّها صَادِمَة حَقًّا. وأنا مَسرورٌ لأنَّني ما زِلتُ أُصْدَمُ قليلاً. ولكنِّي أريدُ أن أُشاركَ معكم أجزاءً مِن هذه المقالة لكي تَعرفوا ما يُفكِّرُ فيه جيلُ الشَّباب في أمريكا.
تقولُ المقالة إنَّ الأشخاصَ البالغينَ مِن العُمر خمسًا وعشرين سنة ويَدخُلونَ مَجالَ الأعمال التِّجاريَّة يَعرفونَ ما يُريدونه، ولا يَتوانونَ في المُطالبة به. "إنَّهُم يُخَطِّطونَ..." [كما تقولُ الكاتبة] "...للحصولِ على ما يُريدون. وما الَّذي يُريدونَه؟ وما هو هَدفُهم؟ وما الَّذي يَسعَونَ إلى تحقيقه؟ ببساطة مُتناهية، إنَّهم يُعطونَ عَمَلَهُم الأولويَّةَ الأولى، ويُعطونَهُ الأولويَّة حَتَّى على شَريكِ الحياةِ والأبناءِ، وَحَتَّى إنَّ بعضًا مِنهم يُصَرِّحونَ بأنَّهم لا يُريدونَ البَتَّة شَريكَ حياةٍ وأبناء" [نهايةُ الاقتباس].
ولكن لماذا؟ لماذا يوجد لدينا جِيلٌ مِن الأشخاص غير المُكَرَّسين للعلاقات، والَّذين لا يُريدونَ أن يُلزِموا أنفسهم بزواجٍ أو أبناء، بل يريدون فقط أن يُلزِموا أنفسهم بعمل؟ والإجابة الموجودة في الاستطلاع هي أنَّهم لا يريدونَ علاقات، بل يريدون المال. وَهُم يَرَون أنَّ الأعمالَ هي الطَّريقة الوحيدة للحصول عليه. فَهُم يَرغبونَ في الحصول على ضَمانٍ اقتصاديٍّ أكبر. وَهُم مُنجذبونَ [كما تقولُ الكاتبة] إلى الشَّركات الكبيرة بسبب المال. ومع المالِ تأتي المَكانة، والسُّلطة، والسُّمعة. وتقولُ الكاتبة إنَّهم يَسْعَوْنَ "بصراحة وراءَ المُتطلَّبات الماديَّة. وَهُم يُدافعونَ عنِ النَّجاحِ ويُريدونَهُ الآن" [نِهايةُ الاقتباس].
وهي تَمضي قائلةً إنَّهم واثقون، وإنَّهم مُتيقِّنون مِمَّا يُريدون، وإنَّهم لا يَعتقدونَ أنَّهم محظوظون، بل يَعتقدونَ أنَّهم جَيِّدون. فالأغلبيَّة مِنهم يعتقدون أنَّهم نُجوم ولا يُطيقونَ انتظارَ الوقتِ الَّذي سيُزيحونَ فيهِ أيَّ شخصٍ مِن طَريقهم. وتقولُ الكاتبة: "إنَّ طُموحَهُم كاسِح. وَهُم مُتعجرِفون. وَهُم يخافونَ أن يكونوا مَجهولين، ويَخشونَ أن يَضيعوا في الزِّحام، ويَخشونَ أن يَضيعوا في وسطِ المُحيطِ التَّنظيميِّ الَّذي لا وَجْهَ لَهُ. فَهُم يريدونَ أن يكونوا شخصًا مَا، ويُريدونَ أن يكونوا شخصًا ما الآن، ويريدونَ أن يكونوا شخصًا ما على حسابِ أيِّ شخصٍ آخر، ويريدونَ المال وكلَّ ما يأتي مَعَهُ".
وتَمضي الكاتبة قائلةً: "إنَّهم بارعونَ جدًّا في فَنِّ تسويقِ الذَّات". والحقيقة هي أنَّ الكاتبة تقول: "إنَّهم يُمارسونَ تسويقَ الذَّاتِ دُونَ كَلَل أو مَلَل بطريقة مُعقَّدة على أملِ ألاَّ يُضطرُّوا إلى طَعْنِ أحدٍ في ظَهرِهِ في أثناء صُعودِهم إلى أعلى". وهي تَمضي أيضًا وتقول إنَّهم ليسوا مُكرَّسينَ للشَّركاتِ الَّتي يَعملونَ فيها، بل يُريدونَ وَحَسْب أن يَجنوا أكبر أموالٍ مُمكنة مِنها. لِذا فإنَّهم يَتركونَ وظائفهم بِمُجَرِّدِ حُصولِهم على عَرْضٍ مَاليٍّ مُغرٍ آخر.
وهي تَقتبسُ أقوالَ أشخاصٍ تَبلُغ أعمارُهم خمسًا وعشرين سنة تَمَّت مُقابلتُهم مِن الرِّجالِ والنِّساء. وإليكم بَعضًا مِمَّا قالوه: "أريدُ ما أريدُه عندما أريدُه". يبدو أنَّ قائِلَ هذه الجُملة هو شخصٌ عُمرُهُ سنة ونِصف. أليس كذلك؟ وقد قالَ شخصٌ آخر: "لا أريدُ أيَّة قُيود إلزاميَّة أو مَاليَّة". وقد قالَ "إدوارد بيم" (Edward Beam)، هو مَسؤول التَّخطيط في شركة شيكاغو نورذيرن ترست" (Chicago Northern Trust Company): "أنا أُحبُّ الأطفال، ولكنِّي لا أريدُ أيًّا منهم. أنا أنانيٌّ جدًّا".
وقد قالَت سَيِّدة أخرى وهي "لوري غريفز" (Laurie Graves) مِن شركة "نورثروب" (Northrop) هُنا في "هاوثرن كاليفورنيا" (Hawthorn California): سوف نُنجب أطفالاً عندما نَستقرُّ ماليًّا بما يكفي لتوفيرِ رعاية جيِّدة للطِّفل كي أستمرَّ في العمل". وتقولُ الكاتبة إنَّ كُلَّ اهتمامِهم مُنْصَبٌّ على "الحصول على جُزءٍ مِن الصَّفقة والحَذر مِمَّا قد يَحدث لك. وَهُم لا يَشعرونَ أنَّهم مُلزَمونَ بمساعدة الآخرين. وهناك عدد قليل منهم يُخَصِّص وقتًا للخدمة العامَّة أو العمل التَّطوُّعيّ أو المشاكل الاجتماعيَّة. ويبدو الدِّينُ مُحَرَّمًا أو عديمَ الصِّلة" [نِهايةُ الاقتباس].
فَهُم لا يَهتمُّونَ بأيِّ شخصٍ أو شيءٍ سوى أنفسِهم. تقول "تيري ميشيل" (Terry Michelle)، وهي مُتدرِّبة على الإدارة في شركة "كونيكتيكت العامَّة للتَّأمين على الحياة" (Connecticut General Life Insurance Company): "كنتُ أَعلمُ أنَّ العملَ سيُكافئني المُكافأة المُلائمة لإنجازاتي. أنا أُحبُّ أن أُنفقَ المال. وأنا لم أشعرُ أنِّي قد تَخَلَّيتُ عن أيَّة رَفاهيَّات". لِذا فإنَّ كاتبةَ المقال تقول إنَّه مِن بين جميع النَّاس فإنَّ هؤلاء مجموعة مِن الأشخاصِ الجَشِعين.
ويَقولُ "دوايت بيلينغسلي" (Dwight Billingsly)، وهو مُستشار الخَدمات في (شركة في واشنطن دي.سي.) الشَّيءَ ذاتَهُ: "أنا أُخَطِّطُ لتأسيسِ شركتي الخاصَّة، وأن أكونَ مُستقلاًّ، وألاَّ أكون مسؤولاً أمامَ أيِّ شخص. ومع أنِّي أَملِكُ الآنَ أموالاً أكثر مَمَّا تَخيَّلتُ يومًا، فإنِّي أرغبُ في الحصولِ على كلِّ المالِ الَّذي في العالَم". فَهُم يُصِرُّونَ على إشباعِ مَلذَّاتهم كما تقولُ الكاتبة. وهي تقول إنَّهم ماديُّونَ جَشِعونَ يَسْعَوْنَ إلى شراءِ أحدثِ الأجهزةِ الإلكترونيَّة الَّتي تُوفِّرُ الجُهدَ والوقتَ، ويُحبُّونَ وسائلَ التَّسلية الدَّائمة والسَّفر. وبسببِ مَقتِهم الشَّديد لرُموزِ الحالة التَّقليديَّة، يبدو أنَّهم لا يُدركونَ أنَّهم في طريقهم إلى إيجادِ حالة تَقليديَّة خاصَّة بهم.
وقد قالت سَيِّدة منهم تَبلُغ مِن العُمر خمسًا وعشرين سنة: "نحنُ نريدُ أن نَتيقَّن مِن أنَّ عَملي ثابِت جدًّا، وأنَّنا نستطيعُ الحصولَ على كلِّ الأشياءِ الماديَّة الَّتي نُريدُها، وأن نَدفعَ فَواتيرَنا كيلا نَتشاجر على المال القليل الَّذي لدينا لإعالة عائلتنا. فبوجودِ نَمَطِ حياتِنا هذا، لا يُمكننا أن نُوفِّرَ رعاية جيِّدة لأطفالنا الآن بالإضافة إلى كُلِّ الأشياء الَّتي نُحبُّها" [نهايةُ الاقتباس]. فالأبناءُ مُجرَّدُ مُتَطَفِّلينَ على دَهْرِنا الماديِّ. وعندما يريدُ هؤلاء النَّاس أن يُنجبوا أطفالاً، فإنَّهم يريدون أن يَتيقَّنوا مِن أنَّهم سيتمكَّنونَ مِن توفير أُجرةِ شخصٍ آخر يَعتني بهم.
لقد قلتُ هذا في السَّابق وأقولُهُ الآن: إنَّ أكبرَ لعنة في المجتمع الأمريكيّ هي عمل المرأة. وهي ما تزالُ كذلك لأنَّها تُدَمِّرُ العائلة تمامًا. وهؤلاء الأشخاص مَاديُّون. فَهُم مَاديُّونَ جَشِعونَ. وَهُم مُنقادونَ وراءَ الطُّموحِ، والجَشعِ، والرَّغبةِ في النَّجاحِ والمَكانةِ والتَّرقية.
وإن أردنا أن نَرى تَغييرًا في العالم، وإن أردنا أن نَلمَسَ مُجتمعَنا، يجب علينا أن نَكونَ مُؤمِنينَ مُختلفينَ عن أهلِ العالَم. ويؤسفُني أن أقولَ لكم إنَّنا إلى حَدٍّ ما مَادِّيِّونَ بقدرِ أولئكَ الَّذينَ يَنتمونَ إلى النِّظامِ مِن حولِنا. فنحنُ جميعًا نُعاني بسببِ الهَجماتِ، والتَّجارب، والقُوى الماديَّة للدَّهرِ الَّذي نَعيشُ فيه. فقد وَقعنا جميعًا ضَحيَّةً لذلك.
ما هي النَّظرة المسيحيَّة للأشياء الماديَّة؟ وما هي النَّظرة المسيحيَّة للمال والمُمتلكات؟ ما الَّذي تُؤمِنونَ بِهِ؟ وما الَّذي يُعلِّمُه الكتابُ المقدَّس؟ وما هي نَظرتي إلى كُلٍّ مِنَ الرَّفاهيَّاتِ والحاجيَّاتِ الحياتيَّة الأساسيَّة؟ لن نَجِدَ الإجابةَ عن هذه الأسئلة مُقدَّمة في مَوضِعٍ آخر باستفاضة أكثر مِمَّا هي مُقدَّمة هُنا مِن قِبَلِ رَبِّنا يسوعَ المسيح. فما تَقرأونَهُ هنا في الأصحاح السَّادس والأعداد مِن 19 إلى 34 هو أعظم أقوال نَطَقَ بها يَسوعُ يَومًا عن النَّظرة الَّتي ينبغي أن نَنظُر بها إلى الأشياء الماديَّة.
وقد دَرَسنا الآيات مِن 19 إلى 24. وهذا هو ما يَقولُهُ الرَّبُّ عن نَظرتنا إلى الرَّفاهِيَة. والآن، نحنُ نَتأمَّل في الآياتِ مِن 25 إلى 34 والَّتي يَتحدَّثُ فيها رَبُّنا عن نَظرتنا إلى الحاجات. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَتحدَّث عن الأشياءِ الَّتي تَزيدُ عن حاجَتِنا، وعن الأشياءِ الَّتي نَحتاجُ إليها. وهو يُؤكِّدُ لنا أينَ ينبغي أن يكونَ تَكريسُنا.
والآن تَذكَّروا أنَّه عندما نَظرنا إلى الأعداد مِن 19 إلى 24 فإنَّنا عَرَفنا ما يقوله عنِ الرَّفاهيَّات. فماذا ينبغي أن تكونَ نَظرَتُنا إلى الرَّفاهِيَة؛ أي إلى الأشياءِ الَّتي تَزيدُ عن حَاجاتِنا الأساسيَّة؟ إنَّ الجُملة الرَّئيسيَّة الَّتي يَقولُها رَبُّنا هي تلك المذكورة في العدد 20: "اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاء". فيجب علينا أن نَستثمِرَ في السَّماء. وما مَعنى ذلك؟ يجب علينا أن نُكَرِّسَ أنفسَنا لوضعِ الأشياءِ الَّتي لدينا في استثمارٍ أبديٍّ. فلا يَجوزُ لنا أن نُكَدِّسَ ما لدينا في أشياءٍ أرضيَّة (كما جاءَ في العدد 19) لأنَّ السُّوسَ والصَّدأَ واللُّصوصَ سيُفسدونَهُ. لِذا، عندما يَختصُّ الأمرُ بالرَّفاهِيَّاتِ أو بما يزيدُ عن حاجَتِنا، يجب علينا أن نَستثمِرَ ذلك في السَّماء. وقد دَرسنا ذلك باستفاضة شديدة.
ويجب علينا أن نَفعلَ ذلك لثلاثة أسباب: السَّببُ الأوَّل مَذكور في العدد 21: لأنَّ قَلبَكَ سيكونُ هناك. فإن وَضعتَ كلَّ كَنزِكَ على الأرض، سيكونُ قَلبُكَ هناك. وسوفَ تَقلق على حِسابِكَ المَصرِفيِّ عِوَضًا عن الاهتمامِ بملكوتِ الله. أمَّا إذا استثمرتَ كلَّ ما لديكَ في الأشياءِ المُختصَّةِ بالله، وفي الغاياتِ الإلهيَّة، وفي مشيئة الله، وفي مقاصِدِ الله، وفي مشاريعِ الله، سيكونُ قَلبُكَ هناك لأنَّكَ ستَرى استثمارَكَ يأتي بعائداتٍ أبديَّة. لِذا فإنَّ السَّببَ الأوَّلَ الَّذي يَدعونا إلى استثمارِ الفائض لدينا في الأشياءِ الأبديَّة هو أنَّ قلبَنا سيكونُ هناك.
أمَّا السَّببُ الثَّاني فمَذكورٌ في العَدَدَيْن 22 و23. فهو يَفتَحُ بَصيرَتَنا الرُّوحيَّة. وما يَقولُهُ الرَّبُّ هناك هو أنَّكَ إذا استثمرتَ على الأرض فإنَّكَ تَسدُلُ السَّتائِرَ على عَينيكَ الرُّوحيَّتَيْن وتَعجَزُ عن رؤية الواقعِ الرُّوحيّ. أمَّا إذا استثمرتَ في الأشياءِ الأبديَّة فإنَّ السَّتائرَ ستُرفَع. وحينئذٍ يَغمُرُ نُورُ اللهِ قَلبَك.
والسَّببُ الثَّالث الَّذي يَدعونا إلى استثمارِ ما لدينا مِن رَفاهيَّات في أشياءٍ أبديَّة هو أنَّ هذا يُبرهِنُ على أنَّنا نَخْدِمُ اللهَ، لا المال. فهو يَجعلُ خِدمتَنا للهِ غير مُنقسِمَة. لِذا، عندما نَتعاملُ مَعَ الرَّفاهِيَّات، يجب علينا أن نَستثمرها في الأشياءِ الأبديَّة. فلا يجوزُ لنا أن نُكَدِّسَها ونَجمَعُها هُنا. والسَّببُ في قيامِنا بذلك هو أنَّ قَلبَنا سيكونُ في المكانِ الَّذي ينبغي أن يكونَ فيه، ولأنَّ بَصيرَتَنا الرُّوحيَّة ستكونُ واضحة، ولأنَّ خِدمتَنا ستكونُ غير مُنقسِمَة.
والآن، أنا أفرحُ دائمًا عندما أرى شخصًا حُرًّا جدًّا في رُوحِه ويَفعل ذلك. ومِن الأمثلة على ذلك الشَّخص الَّذي يُقدِّمُ لنا بَيتًا، أو يُعطينا مَبلغًا كبيرًا مِن المال، أو أيَّ شيء. وقد فَعلتُم الشَّيءَ نَفسَهُ بِكُلِّ تأكيد واستثمرتُم مع الله بصورة هائلة وسَخِيَّة لأنَّكم تَعلمونَ أنَّ الأشياءَ الأبديَّة أفضل بما لا يُقاس مِن الأشياء الزَّائلة.
وهو يَنتقل مِن الحديثِ عن تلك النُّقطة إلى الحديثِ عنِ الضَّروريَّات الحياتيَّة. فماذا عنِ الحاجيَّاتِ الأساسيَّة؟ هذا مُبَيَّن في الأعداد مِن 25 إلى 34. وأعتقد أنَّه إن كانَ هناكَ شيءٌ يَهُمُّنا فإنَّه الحاجات الأساسيَّة. والحقيقة هي أنَّ السَّببَ الَّذي يَدفعُ النَّاسَ إلى تَكديس الأشياء الزَّائدة عن حاجتهم هو أنَّهم يُريدونَ أن يَحموا أنفسهم مِن نَقصِ الحاجيَّات الأساسيَّة في المستقبل. لِذا فإنَّنا نَقلق على الحاجاتِ الأساسيَّة. ولكن هل يَجدُرُ بنا ذلك؟
إنَّ كُلَّ هذا المَقطَع يَتلخَّص في ثلاثِ جُمَل. فنحنُ نَقرأ في العدد 25: "لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا". ونَقرأ في العدد 31: "لاَ تَهْتَمُّوا". ونَقرأ في العدد 34: "لاَ تَهْتَمُّوا". لِذا فإنَّ النُّقطة الَّتي يُرَكِّزُ عليها المقطع تَتمحور حولَ هذه الجُمَل الثَّلاث: "لا تَهتَمُّوا".
والجُملة الأولى تَرِدُ في اللُّغة اليونانيَّة بالصِّيغةِ التَّالية: "توقَّفوا عنِ القَلق". والثَّانية والثَّالثة: "لا تَبتدئوا بالقلق". لِذا فإنَّها تُخاطِبُكَ كيفما تَصَرَّفت. فإن لم تَقلق بعد، لا تَقلق. وإن كنتَ قَلِقًا، دَعِ القلق. والكلمة "تَهتمُّوا" ("ميريمناس" – "merimnas") تَعني "يَحْمِلُ هَمًّا" أو "يَجزَع" أو "يَخاف" أو "يَتوتَّر".
والحقيقة هي أنَّ المخطوطاتِ اليونانيَّة الَّتي تَمَّ العُثورُ عليها وتَعودُ إلى القرنِ الميلاديِّ الأوَّل كانت تَحوي أسماءَ مَسيحيِّين مُعيَّنين في الكنيسة الباكرة. وقد عَثروا على اسم شخصٍ واحدٍ مَسيحيٍّ اسمُهُ "تيتيديوس أميريمناس". والكلمة "ميريمناس" تعني يَقلق". ولكن إن أُضيفَ إلى بدايتها الحرفَ "أَلِف" فإنَّها تعني: "لا تَقلق". لِذا فقد كانَ اسمُهُ "تيتيديوس، الرَّجُلُ الَّذي لا يَقلق البتَّة". ويجب أن تُضافَ تلك الصِّفة إلى اسمِ كلِّ مُؤمِن. فهو يقول: "لا تَقلقوا".
ولكن لا تَقلقوا على ماذا؟ "لا تَهتمُّوا [في العدد 25] بِمَا تَأكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُون". لا تَقلق على الحاجيَّاتِ الأساسيَّةِ؛ أي على طَعامِكَ، وشَرابِكَ، ومَلابِسِك. لا تَقلقوا. ثلاثَ مَرَّات. توقَّفوا عن القلق، ولا تَبتدئوا بالقلق إن لم تكونوا قد ابتدأتُم بالقلقِ بعد.
وقد تقول: "مِنَ السَّهلِ عليكَ أن تقولَ ذلك. على أيِّ أساسٍ يقولُ ذلك؟" هناكَ ثلاثةُ أسباب... ثلاثةُ أسبابٍ لِعَدَمِ القَلق. فلا لُزومَ لذلك بسببِ أبيكُم. وهو لا يَليقُ بكم بسببِ إيمانِكُم. وهو يُنافي الحِكمة بسببِ مُستقبلِكُم. لِذا فإنَّ الآبَ، والإيمانَ، والمُستقبلَ هو المِفتاح. والآن، أريدُ منكم أن تَرَوْا ما يلي. فهو مَقطعٌ رائعٌ جدًّا!
في الأسبوعِ الماضي، نَظرنا إلى النُّقطة الأولى. وأريدُ أن أُذَكِّرَكُم بها لأنَّها الأساسُ للنُّقطتين الثَّانية والثَّالثة. أوَّلاً، لا يجوزُ لنا أن نَقلقَ بشأنِ أساسيَّاتِ الحياة لأنَّهُ لا مُبَرِّرَ لذلك حيثُ إنَّ اللهَ هو أبونا. وقبلَ أسبوعَيْن، قُمنا بترسيخِ فِكرة لاهوتيَّة مُهمَّة عن اللهِ فقُلنا إنَّهُ المَالِك، والمُهيمِن، والمُدَبِّر لكُلِّ الموارِد في هذه الحياة وإلى أبدِ الآبدين.
وإن كانت نَظرتُكَ إلى الله سَليمة، وكنتَ تَنظر إليه بصفته المالِكَ والمُهيمِنَ والمُدبِّر، وَتَعرِفُ أيضًا أنَّ الأمرَ لا يَقتصِر على أنَّه المالِك والمُهيمِن والمُدبِّر فقط، بل إنَّه أبوكَ، بل أبوكَ المُحِبَّ، فإنَّهُ لا يُوجَد أيُّ مُبَرِّرٍ للقَلق. لأنَّه إن كانَت كلُّ الأشياءِ تَحتَ سَيطرته، وكانت كلُّ الأشياءِ الَّتي يُسيطر عليها هي لأجلِ أولادِه، وكنتَ واحدًا مِن أولادِه، يجب أن يَكونَ ذلكَ كَفيلاً بتَبديدِ أيِّ قَلَق. وهذا هو، بصورة رئيسيَّة، ما تَحدَّثنا عنهُ في السَّابق. فالقَلَقُ حَماقةٌ شديدةٌ في ضَوْءِ وُجودِ أبينا.
والآن، انظروا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّابع قليلاً، واسمحوا لي أن أُلقي نَظرةً سريعةً على نَصٍّ سنتأمَّلُ فيه بعدَ أسابيع قليلة عندما نَصِل إلى الآيات مِن 7-11. إنجيل مَتَّى 7: 7-11: "اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ".
والآن، لقد تَمَّ تَطبيقُ هاتينِ الآيتين على أمور كثيرة. والحقيقة هي أنَّه يمكن تَطبيقهما على أمور كثيرة، ولكنَّ الشَّيءَ الرَّئيسيَّ الَّذي يَتحدَّثُ رَبُّنا عنهُ هنا هو الاحتياجات الماديَّة لأنَّه يُوضِّح المبدأ في العَددَين 9 و 10: "أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟"
بعبارة أخرى، أنتُم تَعلمونَ [بِصِفَتِكُم بَشَرًا] أنَّ الإنسانَ لن يُعطي ابنَهُ حَجَرًا عندما يَطلُب منهُ قطعةَ خُبز، وأنَّ الإنسانَ لن يُعطي ابنَهُ حَيَّةً عندما يَطلُب منهُ سمكة. بعبارة أخرى، الآباءُ البشريُّونَ يُعطونَ أبناءَهُم ما يَطلبونَه إن كانَ ما يَطلبونَهُ هو ما يحتاجونَ إليه. ثُمَّ نَقرأ في العدد 11: "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ..." [فالبَشَرُ أشرارٌ بطبيعتهم. فنحنُ خُطاة]. "فَإنْ كُنتُم وأنتُم أشرار تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ..." – وهذا يعني أنَّهُ ليسَ شِرِّيرًا، بل بارٌّ تمامًا، وعادِلٌ، وقُدُّوسٌ، وكاملٌ، وصالِحٌ – "...يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!".
والكلمة "خَيرات" هُنا تُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى الحاجيَّات الأساسيَّة في الحياة. فهذه هي طَبيعةُ الله. فإن كانَ الأبُ الشِّرِّير، والأبُ الخاطئ... ونحنُ جميعًا خُطاة... فإن كُنَّا نَعرف كيف نُعطي الخيراتِ لأبنائنا، ألا يَعرف اللهُ القُدُّوس تمامًا كيف يُعطي الخيراتِ لأولادِه؟ لِذا، ما الَّذي نَقلَقُ بشأنِه؟
فإن كُنتُم تَقلقونَ على الطَّعام: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ... أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟" بعبارة أخرى، إنَّه أبوكُم السَّماويّ. وإن كانَ يَقوتُ الطُّيور، ألا تَعتقدونَ أنَّه سيَعتني بكم؟ وهذا هو المَثلُ الإيضاحِيُّ المُختصُّ بالطَّعام. فهو سيُعطيك طَعامَكُم.
والمَثَلُ الإيضاحيُّ الثَّاني يَختصُّ بالمستقبل: "وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟" فهناكَ أُناسٌ يَقلقون... ويَقلقون... ويَقلقون على عُمرهم الَّذي سيعيشونَه. فَهُم يَقلقونَ بسبب الموت. وَهُم يخافونَ مِن الموت. وهناك أشخاصٌ لا يُريدونَ أن يَركبوا طائرةً. وهناك أشخاصٌ يَخافونَ مِن الأمراض. وَهُم يَذهبونَ مِن طَبيبٍ إلى طَبيبٍ إلى طَبيب، ومِن مُنتَجَعٍ صِحِّيٍّ إلى مُنتَجَعٍ صِحِّيٍّ إلى مُنتَجَعٍ صِحِّيٍّ، ومِن زُجاجةِ فيتامينات إلى الأخرى إلى الأخرى إذ يَتناولونَ الفيتاميناتِ في شكلِ أقراص. وَهُم يَعيشونَ في قَلَقٍ دائمٍ على حياتِهم. ولكن ما النَّفعُ مِن ذلك؟ فأبوكَ السَّماويُّ يَهتمُّ بذلك. وكُلُّ القلقِ الَّذي في العالَم لن يُضيفَ ثانيةً واحدةً إلى حياتِك، بل إنَّه قد يُنقِصُ منها.
ثالثًا، يُقدِّمُ الرَّبُّ لنا أمثلةً إيضاحيَّةً تَختصُّ لا فقط بالطَّعامِ أوِ المستقبل، بل بالملابسِ أيضًا. فهو يقولُ إنَّ بعضًا منكم يَقلقونَ بشأنِ ملابسهم؛ أي ما إذا كانت لديكم ملابس كافية أو ما إذا كانت لديكم الملابس المُناسبة لمُواكبة آخِرِ صَيحاتِ المُوضة اليوم. وأنا أقولُ لكم إنَّه بعدَ أن تَبذلوا كلَّ جُهدٍ لديكم في اختيارِ أجملِ الملابس، لن تتمكَّنوا مِن التَّفَوُّقِ على زَنبقة. لِذا، لِمَ لا تَتركوا اللهَ يُوفِّر لكم الملابس؟ فهو يَكسو الزَّنابِق. وسُليمانُ [الَّذي كانَ أغنى رَجُلٍ على الأرض] لم يَتمكَّن مِن صُنْعِ ثَوبٍ أجمل مِن أوراقِ الزَّنابق.
بعبارة أخرى: اللهُ يَهتمُّ بالطَّعام، ويَهتمُّ بطُولِ الحياة، ويَهتمُّ بالملابس. فهو يَفعلُ كلَّ ما يَلزم للعناية بنا. وبالمناسبة، إنَّ النَّاسَ يقولونَ دائمًا: "أنتَ تَعلمُ أنَّ اللهَ خَلَقنا عُريانين. وهكذا ينبغي أن نكون". اسمعوني: اللهُ يُريدُ أن يُوفِّرَ لنا الملابس. وأريدُ منكم أن تَعلموا ما يلي: منذُ السُّقوط، صارَ النَّاسُ يَرتدونَ الملابس. أمَّا أنصارُ التَّعَرِّي فيَعيشونَ عُراةً كما لو أنَّ اللهَ يُريدُ مِن البشر أن يَعيشوا هكذا. ولكنَّهُ لا يُريدُ ذلك. لِذا فقد كَسا آدَمَ وحَوَّاءَ في الجَنَّة.
لقد قَرأتُ في صَحيفةَ "التَّايمز" (Times) في هذا الأسبوع عن سَيِّدتَيْن تُؤمنان بأنَّه إن كانَ لديهما إيمانٌ مِثلَ حَبَّةِ الخَرْدَل، يمكنهما أن تَنالا الشِّفاءَ مِن أمراضهما. لِذا فقد خَلَعَتا ملابسهما ودَهَنَتا جَسَديهما بالخَردلِ الفَرنسيِّ الأصفر وراحتا تَركُضانِ في شوارِعِ البَلدة وتَزعُمان أنَّ اللهَ وَعَدَ أن يَشفيهِما فَتَمَّ القبضُ عَليهما. ولا شَكَّ في أنَّه سَيَتِمُّ القبضُ عليهما. وهذا لا يعني أنَّ اللهَ لم يُوفِّر لهما الملابسَ فقط، بل وَفَّرَ لهما الخَرْدَلَ أيضًا؛ ولكنَّهما اختارتا الخَرْدَلَ، لا المَلابس. فقد أعطاهُما الخَرْدَلَ لتأكُلاه، والملابسَ لتَرتدياها.
ولكنَّ اللهَ يُوَفِّرُ لنا حَاجاتنا الحياتيَّة الأساسيَّة. هذا هو وَعدُه. وأساسُ هذا الوعدِ هو أنَّ اللهَ أبونا. وهذه هي خُلاصةُ النُّقطة الأولى. وقد تَحدَّثنا عنها بإسهابٍ في المَرَّة السابقة. فاللهُ أَبٌ مُحبٌّ يُوفِّرُ الحاجاتِ الأساسيَّة لأولادِه.
ونَقرأُ في المَزمور 34: 10: "الأَشْبَالُ احْتَاجَتْ وَجَاعَتْ". فإذا نَظرتَ إلى مَملكةِ الحَيَوان، ستجد أنَّ هناكَ أوقاتًا تَجوعُ فيها أشبالُ الأُسود. فالأُمُّ ليست موجودة. والأُمُّ لا تُوفِّر الطَّعامَ أو أنَّها غيرُ مَوجودة. ومع ذلك فإنَّه يقول: "وَأَمَّا طَالِبُو الرَّبِّ فَلاَ يُعْوِزُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْر". وما أعنيه هو أنَّ الحَيَواناتِ قد تَحتاج. أمَّا شَعبُ اللهِ فلا يَحتاج.
فاللهُ يَسُدُّ حاجاتِ شَعبِه. وهذا حَقٌّ كِتابيٌّ يَتكرَّر مِرارًا ويُمكننا جميعًا أن نَجِدَهُ في كلِّ صَفحاتِ الكتابِ المقدَّس. فاللهُ يَسُدُّ حاجاتِ شَعبه: "فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ [ماذا؟] احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوع". فلا يوجد شيء يَدعو إلى القَلق. فلِمَ تَقلق على حياتِك أو كم ستعيش؟ أو رُبَّما إن كُنتِ أُمًّا أو كُنتَ أبًا وتَقلق على حياةِ أبنائك. لِماذا تَقلق عليهم؟ فكلُّ قلقِك لن يَزيدَ يومًا واحدًا إلى عُمرِهم.
ولماذا تَقلق جدًّا على ما إذا كنتَ ستحصل على ما يَكفيكَ مِن الطعام في حين أنَّ الله الَّذي وَهَبَكَ الحياةَ سيَهَبُكَ ما هو أقلُّ منها ليَحفظَ حياتَك؟ ولماذا تَقلق على ما ستَرتديه في حين أنَّ اللهَ جَعَلَ الملابسَ للبشر. وأنتَ واحدٌ مِن أولادِه، وهو سيُعطيكَ ملابس؟
كانَ بُطرس كثيرَ القَلَق. فقد كان يَقلقُ على كلِّ شيءٍ طَوالَ الوقت. فقد قَلِقَ وَخَشِيَ أن يَغرق عندما مَشى على الماء مع أنَّ الرَّبَّ كانَ هناك. وقد قَلِقَ بشأنِ ما سيحدث ليسوعَ في البُستان واسْتَلَّ سَيفًا وحاولَ أن يُقاتِلَ الرُّومان. وقد قَلِقَ بشأنِ صَلْبِ يسوعَ وقالَ لهُ ألاَّ يَفعلَ ذلك. فقد كانَ يَقلقُ كثيرًا، وكانَ كَثيرَ التَّوتُّر؛ ولكنَّه فَهِمَ الدَّرسَ أخيرًا وكَتَبَ في رسالة بُطرس الأولى 5: 7 حقيقةً عَظيمةً إذْ قال: "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ [ماذا؟] هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ". فَمَعَ أنَّه احتاجَ إلى بعضِ الوقت لِتَعَلُّمِ هذا الدَّرس فإنَّه تَعَلَّمَهُ أخيرًا.
لِذا فإنَّ رَبَّنا يقولُ في المقامِ الأوَّل: لا تَقلقوا. فلا مُبَرِّرَ للقلق في ضَوْءِ وُجودِ أبيكُم. وإن كُنتُم مُصِرِّينَ على القَلق فإنَّه يَختِمُ العدد 30 بالكلماتِ التَّالية: "يَا قَلِيلِي الإِيمَان؟" فإن كنتَ تَقلق، ما نوعُ الإيمانَ الَّذي لديك؟ إنَّهُ إيمانٌ قليل، وصغير، وغيرُ كَافٍ، وشَحيح. إيمانٌ صغير. فإن كُنتَ تَقلقُ بشأنِ الطَّعامِ والملابس والعُمر فهذا يَدُلُّ على أنَّ إيمانَكَ قليلٌ بالله.
والعبارة "يَا قَلِيلِي الإِيمَان" تُستخدَمُ أربع مَرَّات أخرى في الأناجيل بطريقة مُدهشة جدًّا. فهي تُستخدَم مَثلاً في إنجيل لوقا 12: 28 عندما يَقلقُ النَّاسُ بشأنِ الملابس. وهي تُستخدَمُ في إنجيل مَتَّى 8: 26 عندما قَلِقَ التلاميذُ بشأنِ الغَرق. فقد قَلِقوا بشأنِ فُقدانِ حياتِهم. وقد خافوا مِن الموت، وخافوا مِن الغَرق، وخافوا مِن أن يَدَعَهُم الرَّبُّ يَغرقون وقالوا لَهُ: "كيفَ تَنامُ في حين أنَّ العاصفة تكادُ أن تُغرِقَنا؟" وفي إنجيل مَتَّى والأصحاح 14 كانَ بُطرس [كَما ذَكرنا قبلَ قليل] هو الَّذي قَلِق بشأنِ الغرق وخافَ أن يَفقِدَ حياتَه. ثُمَّ إنَّها استُخدمت في إنجيل مَتَّى 16: 8 عندما قَلقوا بشأن طعامَهُم.
وفي كلِّ مَرَّة استُخدمت فيها تلك العبارة "يا قَليلي الإيمان" كانت مُوجَّهةً لشخصٍ قَلِقَ على الطَّعام أو الملابس أو على حياتِه؛ أي على نفسِ الأشياءِ الثَّلاثة الَّتي يَتحدَّثُ عنها يسوعُ في هذه النُّقطة الأولى. لِذا فإنَّ هذه العبارة تُلَخِّص تمامًا تلك النُّقطة. وفي كلِّ مَرَّةً، قيلت للتَّلاميذ. فقد استُخدِمَت خمسَ مَرَّات. وفي كلِّ مَرَّةً، قالَها للتَّلاميذ. أنتُم يا مَن ينبغي أن تَعرفوا أفضل مِن غيركم. فأنا لا أتوقَّعُ ذلكَ مِن أهلِ العالَم. أمَّا مِنكُم أنتُم يا مَن لديكم إيمانٌ مُخَلِّص! يا قَليلي الإيمان! فأنتُم تُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ قادرٌ أن يُخلِّصَكُم، وبأنَّ اللهَ قادرٌ أن يُخلِّصَكُم مِن الخطيَّة، وأن يَكسِرَ قُيودَ الشَّيطان، وأن يُنقذَكُم مِن جَهنَّم ويأخذَكُم إلى السَّماء، وأن يُدخِلَكُم في مَلكوتِه، وأن يَهَبُكم الحياةَ الأبديَّة، ولكنَّكم لا تَعتقدونَ أنَّه قادرٌ أن يُعطيكم شيئًا تَلبسونَهُ وتأكلونَهُ في الأيَّام القليلة القادمة! هذا سُخْفٌ شديد!
وكما تَرَون، قد نؤمِنُ بالله مِن جهة الهِبَة الأكبر ثُمَّ نَتعثَّر ونَضطرِب ولا نَستطيع أن نُؤمنَ به مِن جهة الهِبَة الأصغر. فنحنُ نُؤمِن بأنَّ الله سيأخُذُنا إلى السَّماء عندما نموت، ولكنَّنا لا نُؤمن بأنَّ اللهَ سيُعطينا وَجبةَ طعام أو سيَهتمُّ بمُدَّة حياتِنا. ويا لِسُخْفِ ذلك! يا لِسُخْفِ ذلك! وكما تَرَون، في كلِّ حالة مِن هذه الحالاتِ الَّتي استُخدِمَت فيها هذه العبارة، كانَ يُوجِّه كلامَهُ إلى تَلاميذِه. وهذا يَعني في نَظري أنَّ هذا المَقطعَ مُوَجَّهٌ إلى المؤمنين. فهو لن يقولَ لغيرِ المؤمنين: "يا قَليلي الإيمان"، بل كانَ سيقولُ لهم: "يا [ماذا؟] عَديمي الإيمان". فنحنُ لدينا إيمان، ولكنَّنا لا نَستخدِمُه، ولا نُطَبِّقُه.
اسمعوني: قد يقولُ قائِلٌ: "إنَّ القلقَ خَطيَّة صغيرة وبسيطة". لا، إنَّها ليست كذلك. لا، إنَّها ليست خطيَّة بسيطة، بل أعتقد أنَّ مِئة بالمئة تقريبًا مِن كلِّ الأمراضِ النَّفسيَّة مُرتبطة مُباشرةً بالقلق. وكذلك هي حالُ غالبيَّةِ الأمراضِ البَدنيَّة. فالقلقُ مُدَمِّر. ولكنَّ الأمرَ لا يَقتصر فقط على ما يَفعلُه القلقُ بكَ، بل الأهمُّ مِن ذلك هو ما يَفعلُهُ القلقُ بالله لأنَّه عندما تَقلق فإنَّك [في الحقيقة] تقول: "يا رَبّ، أنا أعلَمُ أنَّكَ تَستمرُّ في قولِ ذلك، ولكنِّي لا أعتقدُ أنَّهُ بإمكاني أن أَثِقَ بك". لِذا فإنَّ القَلقَ يُوجِّهُ صَفْعَةً إلى كلمةِ اللهِ وشَخصِه. أتَرَوْن؟
وفي نَظري فإنَّ القَلق هو خطيَّة جَسيمة. وكما تَرَون، فإنَّ القَلق يعني أنَّك لا تُصَدِّق الكتابَ المقدَّس. وقد تَعيشُ طَوالَ حياتِكَ وأنتَ تقول: "أنا أُوْمِنُ بِعِصمةِ الكتابِ المقدَّس، وأُوْمِنُ بالسُّلطانِ المُطلقِ للكتابِ المُقدَّس، وأُوْمِنُ بالوَحيِ الحَرفيِّ لكلِّ كلمة فيه"، ثُمَّ تَعيشُ حياتَكَ بقلق. وبذلك فإنَّكَ تقولُ شيئًا بنصفِ فَمِك، وشيئًا آخرَ بنِصفِهِ الثَّاني لأنَّه لماذا تَتحدَّثُ عن مِقدارِ إيمانِكَ بالكِتابِ المُقدَّسِ في حينِ أنَّكَ تَقلق بخصوص ما إذا كانَ اللهُ سيَفي بالوعودِ الَّتي قَطَعَها فيه؟
وكما تَرَونَ فإنَّ القلقَ يَعني أنَّكَ خاضِعٌ لظُروفِكَ، لا للحقِّ الإلهيِّ. إنَّ القلقَ يُسيءُ تَصويرَ مَقامِكَ بِصِفَتِكَ ابنًا لله. والقلقُ خَطيَّة مُدَمِّرة. والقلقُ هَمٌّ يَقتُلُك، ويَستنزِفُك، ويَجعَلُكَ مُنغمسًا في ذاتِك، ولديكَ حُبُّ التَّمَلُّك لأنَّ لِسانَ حَالِ القَلَق هو: "اللهُ لا يستطيعُ أن يَعتني بي. لِذا، يجب عليَّ أن أفعلَ هذا الأمرَ بنفسي". وهذه خطيَّة. فهذا يَجعلُ اللهَ كاذبًا. وهو يَتجاهَلُ مَحبَّتَه، ويَتجاهَلُ قُدرتَه.
ولا أدري كيفَ يَستطيعُ النَّاسُ أن يَجعلوا صُروفَ الدَّهْرِ والتَّجاربَ وظُروفَ الحياةِ مسألةً أكبرَ مِن خلاصهم. فَهُم يُصدِّقونَ أنَّ الله قادرٌ أن يُخلِّصَهُم مِن جَهنَّمَ الأبديَّة، ولكنَّهم لا يُصدِّقونَ أنَّه يَقدرُ أن يُساعِدَهُم في هذا العالَم. وهذا غيرُ مَعقول. وما أعنيه هو: يجب عليكم أن تَرجعوا وتَقرأوا رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل مَرَّةً أخرى، وأن تَتذكَّروا ما أعطاكُم اللهُ إيَّاه. فبولسُ يقول: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ [أي أن تُفْتَحَ عُيونُكم]، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَ [أن تَعلموا] مَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِين". فيَجدُرُ بكم أن تَرجعوا إلى الكتاب المقدَّس وأن تَفتحوا أعيُنَكُم مُجَدَّدًا.
إذًا، إذا كنتَ تَقلق فإنَّ السَّبب في ذلك يَرجِع إلى أنَّكَ لا تَثِق بأبيكَ السَّماويّ. وإن لم تكن تَثِق بأبيكَ السَّماوي، لا بُدَّ أنَّ ذلكَ يَرجِع أوَّلاً إلى أنَّكَ لا تَعرفهُ مَعرفةً كافية لأنَّكَ لو كنتَ تَعرفُهُ لوَثَقتَ فيه. أليسَ كذلك؟ لِذا، يَجدُر بك أن تَرجع إلى كلمة الله وتَكتشف مَن هو حَقًّا، وكيفَ أنَّه في القديمِ مَلأَ حاجاتِ شَعبِه. فهذا كَفيلٌ بأن يُعطيكَ ثِقَةً به في المستقبل. وأودُّ أن أُضيفَ أنَّ حَتَّى الأشخاصَ الَّذينَ يَعرفونَ الله جَيِّدًا، ويَدرسونَ كلمةَ اللهِ، ويَمتلئونَ مِن معرفةِ اللهِ قد يَقلقونَ بينَ الحينِ والآخر.
ولكن هل تَعرفونَ مَتى يَحدث ذلك؟ عندما لا تُواظِب على قراءة كلمة الله يَومًا بعدَ يومٍ بعدَ يومٍ وتَحرِص على أن يَبقى اللهُ حَيًّا في فِكرك، فإنَّ الشيطانَ سيأتي في ذلك الفَراغ الَّذي لم تُفَكِّر فيه في الله ويَبتدئ في جَعلِكَ تَقلق بشأنِ شيءٍ مَا. وهذه خطيَّة. "يا قَليلي الإيمان!" فاللهُ يَستحقُّ إيمانًا أعظمَ مِن ذلك الإيمانِ الموجود لديكم.
والآن، لننتقل إلى السَّبب الثَّاني. فالسَّببُ الثَّاني الَّذي يَجعل القَلق خَطيَّة هو أنَّهُ لا يَنْسَجِم مع إيمانِنا. فهو لا مُبَرِّرَ لَهُ في ضَوْءِ وُجودِ أبينا. وَهُوَ لا يَنسَجِم مع إيمانِنا. ففي العدد 31، يَعودُ الرَّبُّ إلى المبدأ نَفسِهِ مَرَّةً أخرى. وهذه هي الجُملة الثَّانية بهذا الخصوص. "فلا تَهتمُّوا..." [أو في هذه الحالة: "لا تَبتدئوا بالقلق"] "قائِلين: مَاذَا نَأكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟" إنَّها نفسُ الأشياءِ الثلاثة. اسمعوني: هذه جُملة أخرى تُعبِّر عن نفسِ المبدأ المَذكور في العدد 25: لا تَقلقوا بشأنِ الحاجاتِ الأساسيَّة. لماذا؟ العدد 32: "فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ" - أي: "يَطلُبُها الوَثنيُّون".
والآن، ما هُوَ قَصدُه؟ إنَّه يقولُ إنَه لا يُوافِق إيمانَنا أن نَتصرَّف مِثل الأشخاصِ غير المؤمنين. فالقلقُ صِفَةُ غير المؤمنين. والقلقُ صِفة لأصحابِ العقلِ التِّجاريِّ البالغ عُمرهم خمسًا وعشرينَ سنة وليسوا مُؤمِنين. فلا مُبَرِّرَ لقلقنا بسببِ سَخاءِ الله. ولا مُبرِّرَ للقلق بسببِ وَعْدِ الله. ولا مُبرِّرَ للقلق بسببِ عَجزِنا عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ في مُطلَقِ الأحوال. والقلقُ يَدُلُّ على عدمِ الإيمانِ لأنَّهُ يَضَعُنا في الحقيقةِ في فئةِ غير المؤمنين.
والكلمة "وَثنيُّونَ" أو العبارة "الأشخاصُ الَّذينَ لا يَعرفونَ اللهَ" أو الكلمة "أُمَميّ" أو "وَثنيّ" أو "كَافِر" هي الكلمة نفسُها. وهي تعني: أُناسًا لا يَعرفونَ اللهَ، ولا يَعرفونَ المسيح. فهؤلاءِ الأشخاصُ يَقلقونَ بسببِ تلك الأشياء. لِمَ لا؟ فهذا هو كلُّ ما يَقدرونَ عليه. فَهُم يعيشونَ لأجلِ هذا العالَم. وَهُم يَعيشونَ لكي يأخذوا ويَجمَعوا ويَتملَّكوا. لِذا، يجب عليهم أن يَحصلوا على ذلك بأنفسهم. وَهُم لا يَعرفونَ أيَّ إلَهٍ يُمكنهم الاتِّكالُ عليه. وَهُم لا يَعرفونَ أيَّ إلَهٍ يَعِدُهم بأيِّ شيء. وَهُم لا يَملِكونَ أيَّ مَورِدٍ إلهيٍّ يُمكِنُ أن يَأتي لنَجدتِهم. لِذا فإنَّ ما يَحدُث هو أنَّه ينبغي لهم أن يَأخُذوا ما يُمكنهم أخذَهُ، ويجب عليهم أن يَفعلوا ذلكَ بأنفسهم لأنَّهم بِمُفردهم. فَهُم يَجهلونَ مَوارِدَ الله، ولا يُطالبونَ بها بأيِّ حال.
لِذا، بسببِ تُوتُّرِهم وقَلَقِهِم فإنَّهم يُركِّزونَ فِكرَهُم على كلِّ تلك الأشياء. أمَّا بالنِّسبة إلى المؤمنِ فإنَّ هذه حَماقة. وبالمناسبة، إنَّه حماقَة غير مُبَرَّرة. وهي ليست خَطيَّة سخيفة، بل هي خَطيَّة جَسيمة. ولكي أُريكُم وَحَسْب كيفَ أنَّ الوَثنيِّينَ لا يَملكونَ مَصدرًا خارجيًّا للمعونة فإنَّه حَتَّى عندما يَبتَكِرُ الوثنيُّونَ إلهًا، وحتَّى عندما يَصنعونَ إلهًا لأنفسهم، فإنَّ آلهتَهُم في نهايةِ المَطاف ليست آلهةَ يُمكنهم أن يَتَّكلوا عليها.
فعندما تَتَّخِذُ أُمَمُ العالَمِ إلهًا لأنفسهم فإنَّها آلِهة شَيطانيَّة. فالشَّياطينُ هي الَّتي تَقِفُ وراءَ تلكَ الآلهة. وهي آلهة لا تَفي بوعودِها، وآلهة لا تَتعاطَفُ مَع عَابِديها، بل هي آلهة مُخيفة، وآلهة مُرعبة، وآلهة يَنبغي إرضاؤها، وآلهة يَخافُ منها الجميع، وليست آلهةً يُمكنُ للجميع أن يَتَّكِل عليها، وليست آلهةً تسُدُّ الاحتياجات. لِذا، يجب على النَّاس أن يَفعلوا كلَّ شيءٍ بأنفسهم، وأن يَستمرُّوا في استرضاءِ تلك الآلهة مِن خلالِ تقديمِ الذَّبائحِ أو أيِّ شيءٍ تَطلُبُهُ منهم دِيانَتُهم. وحيثُ إنَّهم لا يَعرفونَ أيَّ شيءٍ عن الحياة المستقبليَّة بأيِّ حال مِن الأحوال، فإنَّ الحياةَ تَصيرُ في نَظرهم مُجرَّدَ هَوَسٍ مِن أجل الحصول على وسائلِ الرَّاحة والثَّراء والأمان والمكانة وكلِّ تلكَ الأشياء. ولكنَّ آلهتَهم لا تُقدِّمُ لهم أيَّة مساعدة البتَّة.
وبالمُناسبة، نَقرأُ العبارة "هذه كُلَّها" في الآية: "فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ". والكلمة "تَطلُبُها" هُنا تُشيرُ إلى الطَّلَب بإلحاح. فَهُم يَطلبونَ ذلكَ بكلِّ قُوَّتهم لأنَّهم غارقونَ تمامًا في الأشياء الماديَّة: "نأكُل ونَشربُ ونَمرح، وغَدًا نَموت". هذا هو كلُّ شيء. احصل على أكبر مُتعة يُمكنك الحصولُ عليها. افعل ذلكَ الآن يا رَجُل. فهذا هو كلُّ ما في الحياة.
والآن، تَخيَّلوا واحدًا مِن أولادِ الله [أي شخصًا مؤمنًا] يَنظرُ إلى الحياةِ بهذه الطَّريقة! هذه مَهزلة. فالأُمَمُ (كما جاءَ في إنجيل لوقا) يَطلبونَ هذه الأشياء. ولكن لا يَجدُر بنا أن نَفعلَ ذلك. فإيمانُنا [أي: إيمانُنا المسيحيُّ] يقولُ إنَّ اللهَ سيَملأُ كلَّ احتياجاتي، وإنَّ اللهَ جَديرٌ بثقتي. وإن كنتُ أقلقُ بشأنِ الطَّعامِ، أو أقلقُ بشأنِ حاجاتي الماديَّة، أو أقلقُ بشأنِ ملابسي فإنَّني أمتَلِكُ عَقليَّةً تُشبِهُ عَقليَّةَ العالَم.
وبولس يقول: "لاَ تَهْتَمُّوا [بماذا؟] بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى الله". فالأشخاصُ الَّذينَ لا يَثِقونَ بصلاحِ اللهِ ووعدِ اللهِ يُفوِّتونَ كُلَّ المَغزى مِن كَونِهِم مُؤمِنين. وهناكَ أشخاص كثيرونَ جدًّا يَعتَرِفونَ بالربِّ اعترافًا فارغًا وَحَسْب. فَهُم يقولون: "نحنُ نُحبُّ المسيحَ ونَخدِمُ اللهَ"، ولكنَّهم لا يُؤمنونَ باللهِ في أيِّ شيء، بل يَقلقونَ على كلِّ شيء. فَهُم في العالَم ويَتصرَّفونَ مِثلَ أهلِ العالَم. ولكنَّ يسوعَ قال: "يا أبتاه، أنا أَعلمُ أنَّهم سيكونونَ في العالَم، ولكن احفظهُم مِن الشِّرِّير الَّذي فيه. احفظهم مُنفصِلين".
وفي رسالة رُومية 12: 2 قالَ بولس: "لاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْر". هل تُدركونَ ما يقولُهُ يسوعُ هنا؟ أولادُ المَلِك لا يَتصرَّفونَ مِثلَ مُتَسوِّلي الشَّيطان. اسأل نفسكَ هذا السُّؤال. فهذه مسألة عمليَّة. هل أعيشُ حياتي كمَسيحيٍّ أَم كَوثنيٍّ؟ هل أفعلُ ذلك؟ فعندما تَضيقُ الأحوالُ أو يَبدو المستقبلُ غيرَ مَضمون، كيف أتصرَّف؟ لأنَّكَ ستَكشِفُ الكثيرَ عن نَفسِك مِن خلالِ اتِّكالِكَ أو عَدَمِ اتِّكالِكَ على الله. وأعتقد أنَّه يُمكنني أن أُلَخِّصَ السُّؤال بالطَّريقة التَّالية: هل إيماني المسيحيُّ يُؤثِّر في نَظرتي إلى الحياة؟ هل أضعُ دائمًا كلَّ شيءٍ في سِياقِ إيماني: كلَّ تجربة، وكلَّ تَرَقُّبٍ، وكلَّ حقيقة؟
ثُمَّ إنَّه يَعودُ إلى السَّبب الأوَّل في نهايةِ العدد 32: "لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا". هل تَعرفونَ الفَرقَ الرئيسيَّ بينَ آلِهَةِ الوثنيِّينَ وإلهِنا؟ إنَّ آلِهَةَ الوَثنيِّينَ بَكماء، وجاهلة، ولا وُجودَ لها. فهي لا تَعرفُ أيَّ شيء. وهي لا تُساعِدُ شَعبَها بأيَّة طريقة لأنَّها غير موجودة. فهي جاهلة. ولكنَّ إلهَنا ماذا؟ يَعلَم. وإن كنتُم تُؤمِنونَ بأنَّ إلهَنا يُحبُّنا ويَهتمُّ بنا فإنَّ هذا هو الجانبُ الأوَّل. والآن، يمكنكم أن تَرَوْا أنَّ إلهَنا يَعلم. وماذا نقرأُ هنا أيضًا؟ إن كانَ اللهُ يَعلمُ ما أحتاجُ إليه، وإن كانَ اللهُ يَعرف حياتي، وإن كانَ اللهُ يَعرف احتياجاتي، فإنَّ كلَّ ما أحتاجُ إلى مَعرفته هو أنَّهُ يَهتمُّ بي. وإن كانَ يَعلمُ ويَهتمُّ بي، ينبغي أن أتحرَّرَ مِن القَلق. فهذا هو جَوهرُ ما يقولُهُ يسوع.
فأبوكُم السماويُّ [على النَّقيضِ مِن آلهةِ الوثنيِّينَ] يَعلمُ ما تحتاجونَ إليه. ولكنَّ الأمرَ لا يَقتصِر فقط على أنَّه يَعلم، بل إنَّه يَمتلكُ المصادِر اللاَّزمة، ويُحبُّنا المحبَّةَ الكافية لِسَدِّ حاجاتِنا. لِذا، ما الَّذي يَدعوكَ إلى القَلق؟ لا شيء. فهذا أمرٌ لا مُبَرِّرَ لهُ في ضَوءِ وُجودِ أبيكم. والقلقُ صِفة لا تَليقُ بإيمانِكُم.
لننتقل إلى السَّبب الثَّالث. وسوفَ نَتَخَطَّى آيةً واحدةً ونَنظر إلى العدد 34. فالسَّببُ الثَّالثُ لعدمِ القلق هو أنَّهُ شيءٌ غيرُ حَكيم بسببِ مُستقبلكُم. فهو شيءٌ غيرُ حَكيمٍ بسببِ مُستقبلكُم. وهذه نُقطة قويَّة. ومَرَّةً أخرى فإنَّ العبارة نفسَها تَفتَتِحُ هذه النُّقطة الثَّالثة إذْ نَقرأُ في العدد 34: "فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ".
والآن، ما يَقولُهُ الرَّبُّ هو التَّالي: انظروا! لا تَقلقوا بشأنِ المُستقبل. فالمستقبل سيكونُ مَحفوفًا بالمتاعب. ولكن انتظروا وحسب إلى أن تَصِلوا إليه. فَلا حِكمةَ البَتَّة في أن تَقلقوا بشأنِ مُستقبلكم. لا تَهتمُّوا بالغَد. فالاستعدادُ للمُستقبل هو أمرٌ جَيِّد. أمَّا القلقُ بشأنِ المستقبل فهو خَطيَّة لأنَّ اللهَ هو إلهُ المُستقبل كما هو تمامًا إلهُ اليوم. أليسَ كذلك؟ هل تَذكرونَ ما جاءَ في مَراثي إرْميا والأصحاح الثَّالث؟ فَمَراحِمُهُ جَديدة في كُلِّ [ماذا؟] صَباح. وهو يُطعِمُكم (كما أَطعمَ بَني إسرائيل) المَنَّ الَّذي تَحتاجونَ إليهِ في اليومِ الَّذي أنتُم فيه.
فالقلقُ قُوَّة هائلة. وأنا أقولُ لكم إنَّه قُوَّة هائلة. فالقلقُ يَفعل ما يَلي: القلقُ يَسعى إلى إلحاقِ الهَزيمةِ بنا. وهو سيَبتدئ باليوم. فهو سيَسعى إلى تَدميرِكَ اليوم. وهو سيحاولُ أن يَجعلَكَ تَرى الأشياءَ بِعَدَسَة قاتِمَة اليوم حَتَّى تَنزعِج وتَقلق. ولكن إن فَشِلَ اليوم في تحقيقِ ذلك فإنَّه سيَستمرُّ في تَحويلِ نَظرِكَ إلى المستقبل إلى أن يَجِدَ شيئًا يُقلِقُك. فهذه هي الطَّريقة الَّتي يَعملُ بها القَلق. وأخشى أنَّ هناكَ أشخاصًا يسقطونَ دائمًا في خطيَّةِ القَلق حتَّى إنَّه عندما لا يوجد شيء يَقلقونَ عليه بخصوص اليوم فإنَّه سيَبحثونَ في المستقبل إلى أن يَعثروا على شيءٍ مَا.
اسمَعوني: يقولُ الرَّبُّ إنَّ لديكم ما يَكفيكم مِن المَتاعِبِ اليوم. لِذا يجب عليكَ أن تَستخدِم مَوارِدَ اليومِ لحاجاتِ اليوم؛ وإلاَّ فإنَّك ستُضَيِّع فَرَحَ اليوم. وهل تريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ إنَّ عَدَمَ الفَرح خَطيَّة أيضًا. وهناكَ أشخاص كثيرون يَفقدونَ فَرَحهُم بسببِ الغَدِ ويَخسرونَ النُّصرةَ الَّتي أعطاهُم إيَّاها اللهُ اليوم. وهذا ليسَ مُنصِفًا لَهُ. فاللهُ يُعطيكَ يَومًا مَجيدًا ومُبارَكًا اليوم. عِشْ في ضَوءِ ذلك اليوم وفي مِلْءِ فَرح ذلك اليوم، وخُذ كلَّ المصادرِ الَّتي يُوفِّرُها اللهُ لذلك اليوم واستخدِمها. لا تُفَكِّر في يومِ غَدٍ وتَنسى فَرَحَ اليوم بسببِ مُستقبلٍ قد لا يأتي لأنَّهُ إن كانت هناك حقيقة واحدة ينبغي لكَ أن تَتعلَّمَها بخصوصِ هذا الموضوع فهي تَتَلَخَّصُ في هذه الجُملة القصيرة: الخوفُ كاذِبٌ. الخوفُ كاذِبٌ. فهو لا يَقولُ لكَ الحقيقة البتَّة، بل إنَّه يَجعلُكَ تَفقِد فَرَحَ اليوم. والرَّبُّ يَنهَى عن ذلك.
فيومُ غَدٍ [كما يقولُ يسوعُ] يَهتَمُّ بما لنفسه. اترُك يومَ غَدٍ ليومِ غَد. يَكفي اليومَ شَرّهُ. وبالمناسبة، إنَّ اللهَ يُعطي قُوَّةً ليومٍ واحدٍ فقط في كلِّ مَرَّة. فاللهُ لم يُعطِني النِّعمة ليومِ غَدٍ بعد. فأنا لا أحصُلُ عليها إلاَّ يومَ غَدٍ. أليس كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّكَ تَنظر أحيانًا إلى أشخاصٍ يَقلقونَ كثيرًا. فهم يَخشَوْنَ أن يَموتوا، أو أن يَحدُثَ شيءٌ ما، ويَقلقونَ كثيرًا بسببِ ذلك. ثُمَّ إنَّ شخصًا يَموتُ في عائلتهم فتَجِدُ أنَّ اللهَ يُعطيهم نِعمةً رائعةً، وسلامًا عَجيبًا، وقُوَّةً عَجيبةً لا يُمكنهُم أن يَستوعبوها.
وَهُم يقولونَ لي: "جون! أتَدري كم هو رائعٌ أنَّ اللهَ قَوَّاني وشَدَّدَني! صحيحٌ أنَّ هناكَ حُزن، ولكنِّي أشعرُ بالقوَّة، وأشعرُ بالثِّقة، وأشعرُ حَتَّى بالفرحِ في قلبي لأنَّ هذا الشَّخصَ الَّذي أُحِبُّه هو معَ الرَّبّ. وأنا أشعرُ بقوَّةِ الرَّبّ". وهذا صحيحٌ تمامًا لأنَّ اللهَ يُعطينا نِعمةً للسَّاعة الَّتي نَحتاجُ فيها إلى تلك النِّعمة. أمَّا إذا أردتَ أن تَجلسَ الآن وتَقلق بهذا الخصوص، سوفَ تُضاعِف أَلَمَك مِن دونِ أن تكونَ لديكَ النِّعمة لاحتمالِه. لِذا، مِن الأفضل أن تَحتَمِلَ كلَّ أَلَم على حِدَة مِن خلالِ النِّعمة المُعطاة إليك. أَتَرَون؟ فأنا أرفضُ أن أقلقَ بشأنِ يومِ غَدٍ، أوِ اليومِ الَّذي يَليه، أو المستقبل لأنِّي لا أَملِكُ أيَّ مَصدر لذلك.
فأوَّلاً، الخوفُ كَاذِبٌ لأنِّي لا أَعرفُ حَقيقةَ ما سيكونُ عليه المستقبل. ثانيًا، أنا لا أريدُ أن أُضاعِفُ مَشاكلي وأن أفقِدَ مَصدرَ النِّعمة المُتاح لديَّ في تلك اللَّحظة. لِذا فإنِّي أَحتَمِلُ عِبْءَ اليوم. وحينَ أرى أنَّ اللهَ يَرفعِ العِبءَ ويَحمِلهُ عنِّي، يمكنني أن أستمتعَ اليوم وأن أترُكَ يَومَ غَدٍ يَهتمُّ بمتاعِبِه. لِذا فإنِّي لا أَشُلُّ نَفسي بسبب القلق على مُستقبلٍ لا يُمكنني أن أعيشَ فيه.
وعندما يقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "يَسوعُ المسيحُ هُوَ هُوَ أمسًا واليوم [وماذا؟] وإلى الأبد"، فإنَّ ما يَعنيه هو أنَّه سيَفعلُ يومَ غَدٍ نَفسَ الشَّيءِ الَّذي فَعَلَهُ يومَ أمس. لِذا، إن كنتَ تَشُكُّ في المستقبل، انظر إلى الماضي. فهل اعتني بكَ آنذاك؟ إذًا، سوفَ يَعتني بكَ في المستقبل. فَمَعَهُ لا يوجد ماضٍ أو حاضِر أو مُستقبل. لِذا فإنَّ القَلقَ خَطيَّة غير مَسموحٌ بها. فهو لا يُوافِق وُجودَ أَبٍ للمُؤمِن، ولا يُوافِق إيمانَ المُؤمِن، ولا يُوافِق مُستقبَلَ المُؤمِن.
وقد قالَ "جون ستوت" (John Stott): "إنَّ انشغالَنا بالأشياءِ الماديَّة بطريقة تَجعلُها تَستحوِذُ على انتباهِنا، وتَستَنفِذُ طاقَتَنا، وتُرهِقُنا بسببِ القلق هو أمرٌ لا يُوافِق إيمانَنا المسيحيَّ ولا المَنطِق السَّليم. وهذا أمرٌ بَغيضٌ لدى أبينا السَّماويِّ. وهو بصراحة أمرٌ غَبِيٌّ". وأنا أُحِبُّ ذلك. وهو يقول: "فهذا هو ما يَفعلُهُ الوَثنيُّون. ولكنَّهُ أمرٌ لا يُلائم البتَّة المؤمنينَ ولا يَليقُ بِطُموحِهم".
اسمعوني: نحنُ لسنا يَتامى رُوحيًّا. فاللهُ لم يَتركنا في كِشْكِ هاتِف. وهو لم يَتركنا أمامَ بابِ مَتْجَر. بل إنَّه يُحبُّنا، ويَعتني بنا، ويَملِك كلَّ موارِدِ الأبديَّة في يده وتحتَ تَصَرُّفِه. القلقُ خَطيَّة. يَروي "أليستير مَكلين" (Alistair MacLean) قصَّةَ "تولر الألمانيّ" (Tauler the German) الَّذي التقى يَومًا رَجُلاً فَقيرًا جدًّا فقالَ للرَّجُل الفقير: "لَيْتَ اللهَ يُعطيكَ يومًا طَيِّبًا يا صَديقي". فأجابَ الرَّجُلُ الفقيرُ: "أنا أشكُرُ اللهَ لأنِّي لم أَعِش يَومًا رَديئًا". قال "تولر": "إذًا، لَيْتَ اللهَ يُعطيكَ حياةً سَعيدةً يا صَديقي". فأجابَ الرَّجُلُ الفقيرُ: "أنا أشكُرُ اللهَ لأنِّي لم أكُن يومًا تَعِسًا". قالَ "تولر" بدهشة: "ما قَصدُك؟"
قالَ الرَّجُلُ الفقيرُ: "عندما يكونُ الجَوُّ صَحْوًا، أشكُرُ اللهَ. وعندما تُمطِر، أشكُرُ اللهَ. وعندما يكونُ لديَّ الكثير، أشكُرُ اللهَ. وعندما أجوعُ، أشكُرُ الله. وحيثُ إنَّ مَشيئةَ اللهِ هي مَشيئتي، فإنَّ كلَّ ما يُرضيهِ يُرضيني. لِذا، لِمَ أقولُ إنِّي تَعِسٌ في حين أنِّي لستُ كذلك؟" نَظرَ "تولر" إلى الرَّجُل بدهشة وقال: "مَن أنتَ؟" فأجاب: "أنا مَلِك". "وأينَ مَملكتُك؟" أجابَ الرَّجُلُ الفقير: "في قلبي". وأنا أُحِبُّ ذلك.
قالت سَيِّدة عَجوز: "أنا فَرِحَة دائمًا. وسِرِّي هو هذا: يُمكِنُكَ أن تُبْحِرَ دائمًا، ولكن اترُك قَلبكَ دائمًا في الميناء". وقد عَبَّرَ إشعياء عن ذلك فقال: "ذُو الرَّأيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ". فهذا هو المَصدرُ الحقيقيُّ للسَّلام. وبالمناسبة، هذا نَقيضُ القَلَق.
والآن، كيفَ نَعثُر على هذا الميناء؟ اتَّكِل عليه، ورَكِّز ذِهنَكَ عليه. فهذا هو ما يَقولُهُ العدد الثَّالث والثَّلاثين. لنَرجِع إلى الوراء. وهذه وَصيَّة في مُنتصفِ كلِّ هذه النَّواهي. العدد 33. فهكذا تُبقي قَلبكَ في الميناء. إليكَ النَّقيض. فهو يقول: "لا تَهْتَمُّوا... لا تَهْتَمُّوا... لا تَهْتَمُّوا". فهناكَ ثلاثة عبارات "لا تَهْتَمُّوا". وهناكَ وَصيَّة واحدة تُلغي تلك النَّواهي: "لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ".
بعبارة أخرى، اجعل أفكارَكَ بالمستوى الإلهيِّ، واللهُ سيَهتمُّ بالأمورِ الماديَّة. فكما تَرَون، اللهُ لا يريدُ مِنَّا أن نَنهَمِكَ في الأمورِ الماديَّة، بل يُريدُ أن يُحَرِّرَنا مِن ذلك. لِذا فإنَّه يقول: "سوفَ أهتمُّ بذلك. وأنتُم اهتمُّوا بالملكوت". ولنتأمَّل في هذه الآية كَلِمَة كَلِمة، أو عِبارة عِبارة.
"لكِن"؛ أي: على النَّقيضِ مِن ذلك. وهي تَرجمة الكلمة "ديه" (de) في اللُّغة اليونانيَّة. وَوَفقًا لقاموس آرندت وغينغريتش (Arndt and Gingrich) فإنَّ الاستعمالَ الرَّئيسيَّ للكلمة "ديه" (de) هو التَّركيزُ على التَّناقُض. وأودُّ أن أقترِح تَرجمةً أَدَقّ لترجمتها وهي: "عِوَضًا عن ذلك"؛ أي: "عِوَضًا عنِ القلق"، أو "عِوَضًا عن أن تكونوا مِثلَ الوثنيِّين"، أو "عِوَضًا عن أن تكونوا قَليلي الإيمان"، أو "عِوَضًا عن تُقْحِمُوا المُستقبلَ في الحاضِر وتُعَكِّروا صَفْوَ حَياتِكُم، اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ الله"، لا تلكَ الأشياء. فَعِوَضًا عن أن تَطلُبوا ما يَطلُبُهُ الأُمم، وعِوَضًا عن أن تُرَكِّزوا كلَّ أفكارِكُم على الأشياءِ الماديَّة، وعِوَضًا عن أن تَنهَمِكوا في أشياءِ هذا الدَّهر، اطلُبوا المَلَكوت.
والآن، ماذا عنِ العبارة: "اطلُبوا أوَّلاً"؟ "بروتوس" (protos)؟ إنَّ الكلمة "بروتوس" الَّتي تَعني "أوَّلاً" تَعني: "أوَّلَ شيءٍ في مَجموعةٍ مِن الخِيارات". فَمِن بينِ كلِّ الأشياءِ الَّتي يُمكنكم أن تَختاروا في الحياة أن تَنشَغِلوا بها، ومِن بينِ كلِّ الأولويَّاتِ في الحياة، هذا هو الشَّيءُ الأوَّل. ومِن بينِ كلِّ الأشياءِ الَّتي ينبغي أن تَنهَمِكوا بها (وهناكَ أشياء كثيرة في الحياة ينبغي أن نَهتمَّ بها)، ولكن مِن بينِ كلِّ تلك الأشياء، أوَّلُ شيءٍ هو مَلكوتُ اللهِ وبِرُّه. ونحنُ لدينا لائحة طويلة بالأشياء. وهذا هو الشَّيءُ الأوَّل.
والآن، ما معنى أن نَطلُبَ الملكوت؟ الكلمة "مَلكوت" هي ببساطة تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "باسيليا" (basileia) ومَعناها: "حُكْم المسيح" أو "حُكْم الله" أو "سِيادَة الله" أو "سُلطان الله" أو "مَلكوت الله"؛ أي أنَّه يَنبغي لنا أن نَطلبَ الأشياء الأبديَّة يا أحبَّائي. فهذا هو ما يَقولُه. ولا أريدُ أن أُطيلَ الحديثَ عن ذلك مَرَّةً أخرى لأنَّنا دَرسناهُ في الاصحاح السَّادس والعدد العاشِر إذْ نَقرأ: "لِيأتِ مَلكوتُك" في صَلواتِنا. فيجب علينا أن نَهتمَّ جدًّا بملكوتِ الله.
وقد كانَ الرَّسول بولس في طريقه إلى أورُشليم يَكرِز عن إنجيل الملكوت، ويَتهيَّأ للدِّفاع عن إيمانِه حتَّى الموت. ثُمَّ إنَّ الشَّيطانَ جاءَ وقالَ له: "لا تَذهب يا بولس. لا تَذهب لأنَّه عندما تَصِل إلى هناك ستُقحِم نفسَكَ في المَتاعِب. فسوفَ يَضعونَكَ في السِّجن. وقد يُزهِقونَ حَياتَكَ يا بولس". وبولس يقول: "اسمَع! لن أَسمَحَ لأيٍّ مِن ذلك أن يُزعزِعَني" [في الأصحاح 20] وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي. فأنا لا أُبالي بإضافةِ ذِراعٍ إلى عُمري، ولا أُبالي بالحصولِ على كفايتي مِن الطَّعامِ وكِفايتي مِن الملابس، بل إنَّ لديَّ فِكرة واحدة فقط وهي أن أُكمِلَ الخِدمةَ الَّتي أَوْكَلَها إليَّ يسوعُ المسيح".
هذا هو طَلَبُ المَلكوت. وهذا هو ما سيَجعلُ شخصًا يَذهبُ إلى حَقلِ الخِدمة دونَ أن يَعلمَ ما سيَجري، بل إنَّه سيُودِّعُ كلَّ الأزياء والطَّعام الفاخر الَّذي في هذا العالَم ليأكُلَ أبسطَ طَعامٍ ويَرتدي أبسطَ الملابس، ويَعزِل نفسَهُ طَوالَ حياتِه في ذلك المكان لأنَّه لا يُبالي بتلك الأشياء بقدرِ ما يُبالي بامتدادِ الملكوت. وهذا هو ما يَجعلُ شخصًا يَكرِز بالمسيح إلى النُّقطةِ الَّتي لا يَعودُ فيها يَخشى على حياتِه لأنَّ الملكوتَ أَهَمُّ بما لا يُقاس مِن أيِّ شيءٍ آخر.
والآن، أينَ هو قَلبُكَ مَرَّةً أخرى؟ وأينَ انشغالُك؟ هل أنتَ مُهتمٌّ أكثر بالملكوتِ أَم أنَّك مُهتمٌّ أكثر بهذا العالَم؟ وهل أنتَ تَستنزِف كلَّ طاقتِك في العالَم، أَم أنَّك تَستَثمِرُ حياتَكَ في مَلكوتِ الله؟ وكما تَرَون، فإنَّ طَلَبَ الملكوتِ يَعني أن تَسعى إلى جَذْبِ النَّاسِ إلى المسيح لأنَّكَ تَطلُبُ نُمُوَّ المَلكوت، وتُريدُ أن يُكرَزَ بإنجيلِ المَلكوت، وتُريدُ أن تَرى النَّاسَ يَخلُصون.
فنحنُ لا نَكرِزُ بالإنجيل بسببِ نَوعٍ مِنَ الإمبرياليَّة الشرِّيرة أو كما يَقولُ "جون ستوت" (John Stott): بسببِ نوعٍ مِن الرَّغبة في الشُّعورِ بالانتصار. ونحنُ لا نَسعى إلى نَشْرِ المَلكوتِ لأيَّةِ أهدافٍ أنانيَّة. بل إنَّنا نَسعى إلى نَشرِ المَلكوتِ مِن خلالِ الكِرازةِ بالمسيح لأنَّ تَمجيدَ اللهِ هو المسألة المُهمَّة. وهذه هي الحقيقة. لِذا فإنَّنا نَكرِزُ بالمسيح. وهذا يُؤدِّي إلى انتشارِ الملكوت.
وأنا أُوْمِنُ (كما شاركنا سابقًا في دراستنا لصلاةِ التَّلاميذ) أنَّ طَلَب ملكوتِ الله يعني أن أَطلُبَ أن يكونَ سُلطانُ المسيحِ ظاهرًا في حياتي. فأنا أَطلبُ أن يكونَ مُلْكُ اللهِ ظاهرًا في حياتي حينَ يَعْمَلُ بِرُّ الرُّوحِ القُدُسِ وسَلامُهُ وفَرَحُهُ على إظهارِ مَلكوتِهِ في حياتي (كما جاءَ في رسالة رُومية 14: 17). لِذا، عندما يَرى العالَمُ في حياتي بِرًّا، ويَرى سَلامًا، ويَرى فَرَحًا عِوَضًا عنِ القَلق، سيَعلمُ أنَّ ملكوتَ اللهِ هناك. أَتَرَون؟
وقد تقول: "أنا أريدُ أن أرى النَّاس يَخلُصون، وأريدُ أن أُخبرهم كلَّ شيء عن يسوع"، ولكنَّكَ تَقلَق، وتَخاف، وتَتوتَّر، وتنزعج، وتُبالي، وتَشعر بكلِّ تلك المشاعر طَوالَ الوقت. وحينئذٍ، لن يُصَدِّقَ أيُّ شخصٍ أنَّكَ تَملِك أيَّ شيءٍ يُريدونَهُ. وَلا شَكَّ في أنَّهم سَيَشُكُّونَ في قُدرةِ الله. فملكوتُ اللهِ يَظهر مِن خلالِ البِرِّ والسَّلامِ والفَرَحِ في الرُّوحِ القُدُس. وهذا يَغلِبُ القَلَق. لِذا فإنَّنا نَطلُبُ المَلكوتَ عندما نَسعى إلى جَلْبِ النَّاسِ إلى الملكوت، ونَطلُبُ المَلكوتَ عندما نَجعَل ذلكَ يَظهَر مِن خلالِنا. وأعتقد أنَّنا نَطلُب الملكوتَ أيضًا عندما نَتـوقُ إلى عودة يسوع في مَجْدِهِ في المَلكوتِ الألفيِّ.
وسوفَ أقولُ لكم شيئًا: أنا لا أُبالي كثيرًا بِجَمْعِ الأشياءِ في هذا العالَم لأنَّني سأحصل عليها كُلَّها دونَ عَناء عندما يأتي الملكوت. أليسَ كذلك؟ وما أعنيه هو: لماذا أشتريها الآن؟ فسوفَ أحصُلُ عليها مَجَّانًا آنذاك. فالكتابُ المُقدَّسُ يقول إنَّني شَريكٌ في الميراثِ معَ المسيح. ونحنُ سَنَملِكُ معه إلى أبدِ الآبدين. وسوفَ نحصُل على سماء جديدة وأرض جديدة طَوال الأبديَّة. وسوفَ نَحصُل على كلِّ المجد والغِنى في السَّماء الأبديَّة.
فما الَّذي سأفعلُه إن أهدرتُ كلَّ وقتي في مُراكمةِ هذه الأشياء هنا؟ وبالمناسبة، سوفَ تَفنى الأرضُ كُلُّها بأيِّ حال. وسوفَ يَخلِق اللهُ أرضًا جديدة. لِذا، إن أردتَ أن تَستثمِرَ في هذه الأرض القديمة الَّتي ستَحترِق، فإنَّها مُشكلتُك. ولكنِّي أُفَضِّلُ أن أنتظرَ الأرضَ الجديدة وأحصلَ على ذلك مَجَّانًا.
لِذا فإنَّ طَلَبَ الملكوتِ يَعني أن نَطلُبَ ذلكَ الشَّيء الَّذي ما زالَ مُستقبليًّا، أي أن نَطلُبَ الحصول على ذلك المَجد الأبديّ الَّذي سيَجلِبُهُ المسيحُ عندما يُعطي قِدِّيسيه مَلكوتَهُ. وهو يعني أن أَرى الملكوتَ ظاهرًا في حياتي مِن خلالِ البِرِّ والسَّلامِ والفَرَحِ، وأن أرغبَ في رِبْحِ النُّفوسِ ليسوعَ كي يَنمو الملكوتُ ويَمتَدّ.
ثانيًا، إنَّه يقولُ إنَّه يجب علينا أن نَطلُبَ لا فقط مَلكوتَهُ، بل بِرَّهُ أيضًا وقَداسَتَه. فإن أردتُم أن تَطلُبوا شيئًا يا أحبَّائي، لا تَطلبوا المالَ، بل اطلبوا القداسة. جِدُّوا في طَلَبِها. ويمكنني أن أُشاركَ معكم آياتٍ كِتابيَّة، ولكنَّ وقتَنا انتهى. ولكنَّ ما يَتحدَّثُ عنهُ هنا هو البِرُّ العَمليّ. فهو يَقولُ: عندما تَطلبونَ، اطلُبوا البِرَّ. وعندما تَجِدُّونَ في طلبِ شيءٍ، جِدُّوا في طلبِ الصَّلاح. وعندما تَسْعَوْنَ إلى شَيء، اسعوا إلى البِرّ. فهناكَ أشخاصٌ مِنَّا يَصرفونَ كلَّ وقتِهم في السَّعيِ وراءَ المال، والسيَّارات، والمَنازل، والملابس. وما أبعدنا عَمَّا ينبغي لنا أن نَطلُبَه!
وقد تقول: "إن طَلبتُ المَلكوتَ، وطَلبتُ القداسةَ، ما الَّذي سيَحدثُ بعد ذلك؟" نَقرأُ في نهايةِ العدد 33: "وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ". وإن سَلَكْتَ في الكَمال [كما جاءَ في المَزمور 84] فإنَّكَ لن تَحتاجَ يومًا إلى أيِّ شيء. فاللهُ سيَملأُ كُلَّ احتياجاتِك. واللهُ سيَعتني بالأشخاص الَّذينَ يَطلُبونَ مَلكوتَهُ ويَطلُبونَ بِرَّهُ.
وسوفَ أَختِمُ بهذا: أعتقد أنَّ سُليمان يُقدِّمُ لنا مَثلاً إيضاحيًّا رائعًا. فسُليمان لم يُصَلِّ لأجل الغِنى. هل تَعلمونَ ذلك؟ فهو لم يَطلُب ملابسَ فاخِرة. وهو لم يَطلب طعامًا فاخرًا، ولم يَطلب حياةً مَديدةً. فقد طَلَبَ سُليمان ماذا؟ الحِكمة. وعندما نالَ الحِكمةَ نالَ كُلَّ البقيَّة. ولم يَلبَس أحدٌ قَطّ مِثل سُليمان. فقد كانَ يَلبَسُ ثِيابًا فاخرةً جدًّا. ولم يَتَمتَّع أحدٌ بثَراءِ سُليمان، ولم يَتمكَّن أحد مِن إقامةِ ولائمَ كتلكَ الَّتي كانَ يُقيمُها لإطعامِ زَوجاتِهِ وسَراريه في احتفالاتٍ ضخمة. وقد كانوا يأكلونَ ثلاثَ مَرَّاتٍ في اليوم. وما أعنيه هو أنَّ ذلكَ الرَّجُلَ كانَ مُدهشًا. فقد طَلبَ الحكمةَ. وبحصولِه على الحِكمة، حصلَ على كلِّ شيءٍ آخر أيضًا.
يقول "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones): "ليسَ مِن بابِ المُصادفةِ أنَّ الطُّهوريِّينَ في القرن السَّابع عشر صاروا أشخاصًا أثرياء. فالسَّببُ في ذلك لا يَرجِع إلى أنَّهم كانوا يَجمعونَ المالَ، ولا أنَّهم كانوا يَعبُدونَ المالَ، بل كانَ وَحَسْب أنَّهم كانوا يَعيشونَ لأجلِ اللهِ وبِرِّه. وبسببِ ذلك، فإنَّهم لم يُهدروا أموالَهُم على أشياء لا قيمةَ لها. لِذا، لم يَكُن بمقدورهم أن يَمنعوا أنفسَهُم مِن أن يَصيروا أثرياء. فقد تَمَسَّكوا بوعودِ اللهِ فصاروا أغنياءَ دُونَ قَصدٍ مِنهُم" [نِهايةُ الاقتباس].
وكانَ جُزءٌ مِن طاعتهم للهِ يَقتضي مِنهم أن يَعمَلوا بِجِدٍّ، وأن يُخَلِّصوا نُفوسًا، وألاَّ يَنغمسوا في المَلَذَّات. وأعتقد أنَّكم إن تَبِعتُم تلك المَعايير فإنَّ اللهَ سيُكرِمُ ذلك.
اسمعوني: إن كنتم تَقلقونَ فإنَّ هذه خطيَّة لأنَّه لا مُبَرِّرَ لذلك في ضَوءِ وُجودِ أبيكم، ولأنَّ ذلكَ لا يُوافِق إيمانَكُم، ولأنَّ ذلكَ ليسَ حِكمةً في ضَوءِ مُستقبلِكُم. لا تَقلقوا. اتَّكلوا عليه وهو يُجري. دَعونا نُصَلِّي:
نَشكُرُكَ على وَعْدِكَ في المزمور 37 بأنَّنا إن سَلَّمنا طَريقَنا لَكَ واتَّكلنا عليكَ فإنَّكَ سَتَتَوَلَّى أُمورَنا. يا أبانا، هذا هو شَوقُ قُلوبِنا. فنحنُ نَعلمُ أنَّ العدوَّ يُحاول أن يُعثِرَنا وأنَّ جَسَدَنا ضعيف. ولكنَّنا نُصلِّي، يا رَبّ، ألاَّ نَقلَق، وألاَّ نُهينَ اسمَكَ، بل أن نَستغلَّ في كلِّ لحظةٍ كُلَّ النِّعمةِ الَّتي تُعطينا إيَّاها لأجلِ تلكَ اللَّحظة، وأن نَعيشَ في تلك اللَّحظة، وأن نَجعلَ المستقبلَ يَهتمُّ بِما لنفسِه.
وهذا لا يَعني أنَّنا لا نُخَطِّط للمستقبل، بل إنَّنا لا نَقلقُ بشأنه. ويا لَيتكَ تُساعِدنا يا رَبّ على أن نَستثمِرَ في الأبديَّة. اقطعِ الحِبالَ الَّتي تَربطنا بالأرض، ودَعنا نَطيرُ إليكَ، إلى مَسكَنِكَ المُقدَّس، وإلى دِيارِكَ حيثُ نَستثمِر حياتَنا في حَضرَتِكَ عالِمينَ كُلَّ العِلمِ أنَّ كلَّ احتياجاتِنا سَتُسَدُّ مِن خلالِ وَعدِك. نُصَلِّي هذا شَاكِرين. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
