سوفَ نتأمَّلُ اليوم في إنجيل مَتَّى؛ وتَحديدًا في الأعداد 2-4 الَّتي تَذكُر لنا أسماءَ التَّلاميذِ أوِ الرُّسُلِ الاثني عشر. وأريدُ اليومَ أن نُركِّزَ تفكيرَنا على سؤالٍ رئيسيٍّ جدًّا. فبوصولِنا إلى الأصحاحِ العاشِر، وَجدتُ نفسي حَقًّا أمامَ قَرار: إمَّا أن أكتفي بقراءة اللاَّئحة ومُتابعة المادَّة الرَّائعة عن التَّلمذة في هذا الأصحاح، وإمَّا أن أتوقَّفَ وأتأمَّلَ في كلِّ شخصٍ مَذكور في اللاَّئحة. ولأنِّي أُوْمِنُ بأنَّهم مُميَّزونَ جدًّا، ورائعونَ جدًّا، وأنَّهم تَلقَّوْا دَعوةً فريدةً مِن الله، لم أتمكَّنَ مِن مُقاومةِ هذه الفُرصة الَّتي أُتيحت لي في أن نَتأمَّلَ في كلِّ واحدٍ مِنهُم على حِدَة ونَرى مَن كانَ هؤلاء الاثني عشر حَقًّا. ثُمَّ أن نَطرحَ السُّؤالَ الرَّئيسيَّ التَّالي: ما نوعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَستخدِمُهم اللهُ لتحقيقِ مَقاصِدِه؟ أو ما نوعُ الرِّجالِ الَّذينَ اختارَهُم يسوع؟ عندما نُفكِّر في الرُّسُل الاثني عشر، قد نَميلُ إلى التَّفكير في القِدِّيسينَ المَرسومينَ على زُجاجِ الكنائسِ المُلَوَّن؛ أي أنَّهم أشخاصٌ لا يُخطئون، وأشخاصٌ طُوباويُّونَ، وأشخاصٌ لم يُظهِروا أيًّا مِنَ الإخفاقاتِ البشريَّةِ الَّتي لدينا نحن. وإن كُنَّا نَنظر إليهم هكذا فإنَّنا على خطأ لأنَّهم أشخاصٌ عاديُّونَ مِثلُنا تمامًا، تَلَقَّوْا دَعوةً خاصَّةً، وتَغيَّروا تَغييرًا خاصًّا، ودُرِّبوا تَدريبًا خاصًّا، وأُرسِلوا إرسالاً خاصًّا مِن قِبَل المسيح؛ ولكنَّهم أشخاصٌ عاديُّونَ مِثلُنا.
والآن، نحنُ نَعيشُ في مُجتمعٍ يُركِّز كثيرًا على المُؤهِّلات. فهناكَ مُواصفات لكلِّ شيء تقريبًا. والحقيقة هي أنَّني في أثناءِ سَفري إلى بوسطن (Boston) يوم الأربعاء، كانت معي نُسخة مِن صحيفة "لوس أنجليس تايمز" (Los Angeles Times). وقد فَكَّرتُ في أنَّه سيكونُ مِن المُمتِع أن أقرأَ صَفَحاتِ الإعلاناتِ المُبَوَّبةِ الخاصَّةِ بفُرصِ العملِ المُتوفِّرة لأرى إن كان بمقدوري أن أُنعِشَ ذاكرتي بخصوص المؤهِّلات وما يَطلُبُهُ العالَم. لِذا فقد قرأتُ قِسمَ الإعلاناتِ المُبوَّبة كُلَّهُ، وكلَّ الوظائفِ المُتاحة. وكانَ بعضٌ منها رائعًا جدًّا مِن جهة المؤهِّلات. فمثلاً، كانَ هناكَ إعلانٌ يقول: "مَطلوب: مُحَرِّر. يجب أن يكونَ بارعًا في حَفْزِ نفسه بنفسه، وقادرًا على العمل تحت الضَّغط، ومُستعدًّا للسَّفر، ويَحمل شَهادةً في الصِّحافَة، ولديه خبرة ثلاث سنوات على الأقل، ويَطبع ما لا يقلّ عن خمسين كلمة في الدَّقيقة، وأن تكونَ لديه سَيَّارة". ولكنَّ الإعلان لم يَذكر أيَّ شيء عن قُدرته على الكِتابة أو التَّهجئة. وهناك إعلانٌ آخر يقول: "مَطلوب: طَبَّاخ. يجب أن يكون قادرًا على إعدادِ كلِّ الأطعمة اليابانيَّة الخاصَّة وإعدادِ المُعجَّناتِ الفرنسيَّة، وأن تكونَ لديه خبرة لا تَقِلُّ عن سَنتين في كِلا المَجالَيْن". وفي هذه الحالة، قد تَجِد "سوشي" (sushi) في قطعةِ الحَلوى الَّتي تَطلُبُها.
وهناكَ إعلانٌ آخر أعتقد أنَّه مُدهشٌ إذ يقول: "مَطلوب: مُستشار ضَريبيَ مُتقدِّم ومُحاسب لشركة ’سينتشري سيتي‘ (Century City) السَّريعةِ النُّموّ. يجب على المُتقدِّم أن يَكون مُطَّلِعًا على نِظامِ الضَّرائبِ الخاصِّ بالعقارات والودائعِ الماليَّة، وأن يكونَ قادرًا على إجراء البحوث الضَّريبيَّة، وأن تكونَ لديه خبرة لا تَقِلُّ عن سنتين في الضَّرائب والمُحاسبة القانونيَّة. المَهارةُ في لُعبِ الكُرَة ليست ضروريَّة، ولكنَّها قد تكونُ مُفيدة". وكانت هناك صفحات كثيرة على هذا المِنوال تَذكُرُ كلَّ هذه المؤهِّلات. فمُجتمعُنا وَضَعَ الكثيرَ مِن المَعايير لكلِّ شيءٍ وشخص.
فالحياةُ قائمةٌ على التَّأهيل. ففي كلِّ مَرَّةً تريدُ فيها أن تَشتري منزلاً، يجب عليك أن تَكونَ مُؤهَّلاً لذلك. وعندما تَرغبُ في شراءِ سيَّارة، يجب عليك أن تَكونَ مُؤهَّلاً لذلك. وعندما تريدُ أن تَحصُلَ على بطاقةِ ائتمان، يجب عليك أن تَكونَ مُؤهَّلاً لذلك. وعندما تريدُ أن تُقدِّمَ لوظيفة، يجب عليكَ أن تَكونَ مُؤهَّلاً لذلك. وعندما تريدُ أن تَدخُلَ نِطاقًا وَظيفيًّا، يجب عليكَ أن تَكونَ مُؤهَّلاً لذلك. وعندما تريدُ أن تَلتحقَ بجامعة، يجب عليكَ أن تَكونَ مُؤهَّلاً لذلك. وعندما تريدُ أن تَتدرَّبَ لشيءٍ ما، يجب عليك أن تَكونَ مُؤهَّلاً لذلك. وعندما تريدُ أن تَنضمَّ إلى فريق، يجب عليكَ أن تَكونَ مُؤهَّلاً لذلك. فيبدو أنَّ كلَّ شيءٍ تريدُ أن تفعلَه لَهُ مُؤهِّلات. فهناكَ أشخاصٌ يَضعونَ مَعاييرَ ينبغي لكَ أن تَفي بِها. فقد قَرَّرَ المُجتمعُ أن يَستخدِمَ الأشخاصَ المُؤهَّلينَ فقط.
والآن، ما المؤهِّلاتُ المطلوبة مِن الله؟ ماذا يَطلُبُ اللهُ مِن الأشخاصِ الَّذينَ يَخدمونَهُ؟ أو مِنَ الأشخاص المَدعوِّينَ ليكونوا تَلاميذَهُ أو رُسُلَه؟ ما نوعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَستخدمُهم يسوعُ في خِدمتِه؟ وما نوعُ الأشخاصِ المَطلوبين لنشرِ مَلكوتِه الأبديّ؟ هل أنتُم جاهزونَ لذلك؟ بصراحة، يا أحبَّائي، لا يوجد البتَّة شخصٌ واحدٌ مُؤهَّل. لا أحد البتَّة. لِذا فإنَّ البديلَ الوحيدَ لدى الله هو أن يَستخدِمَ أشخاصًا غير مُؤهَّلين للقيامِ بهذه المَهمَّة المُستحيلة. فهذه هي بصورة أساسيَّة الطَّريقة الَّتي يَعملُ بها الله. فهو يأخُذُ أشخاصًا غيرَ مُؤهَّلين. هل يَجعَلُكم ذلك تَشعرونَ بمشاعر أفضل؟ إنَّه يَجعلُني أشعر بمشاعر أفضل. فاللهُ يَستخدِمُ أشخاصًا غير مُؤهَّلين، ويَعمل في حياتِهم بنِعمة مُخَلِّصة ومُقَدِّسَة، ويُغيِّرهم شخصيًّا ويَجعلهم أشخاصًا نافعين.
وأنا أَعلمُ أنَّكم مِثلي. فأنتم تَشعرونَ بالإحباطِ بسببِ إخفاقاتِكُم. فأنا أشعُرُ بالإحباط. وأنا أعترفُ لكم أنَّ هذه كانت سَنَةً صعبةً جدًّا عليَّ في كنيسة غريس (Grace Church)، ولا سِيَّما في الأشهر الأربعة أو الخمسة الأخيرة. فقد شَعرتُ بالإحباط في مُناسبات عديدة؛ بل شَعرتُ بالإحباطِ الشَّديد. وفي أغلبِ الأوقات، كانَ سببُ إحباطي نابعًا مِن إخفاقاتي الشخصيَّة. وأنا أتساءلُ دائمًا كيفَ يُعقَل أن يَستخدِمَ اللهُ شخصًا مِثلي، ولماذا لم يَستخدِم شخصًا آخر، وهل فَرَغَ مِنَ استخدامي. وعندما أُفكِّرُ في هذا الأمرِ وأتساءَلُ عَمَّا إذا كانَ بمقدورِ اللهِ أن يَستخدمَني، أَرجِعُ إلى الكتاب المقدَّس كي أرى الأشخاصَ الَّذينَ استَخدمَهُم فيه لأنَّهم بصراحة مُثيرونَ للشَّفقة هُم أنفُسُهم.
فمثلاً، انظروا إلى نُوح الَّذي سَكِرَ وتَصرَّفَ بطريقة مُخزِيَة. وانظروا إلى إبراهيم الَّذي شَكَّ في الله وكَذَبَ بخصوص زوجتِه ثُمَّ زَنَا. ثُمَّ انظروا إلى إسحاق الَّذي تَعلَّمَ كيفَ يُخطئ مِن أبيه، وفَعلَ نفسَ الشَّيءَ بزوجتِه رِفقة وكَذبَ على أبيمالِك. ثُمَّ انظروا إلى يَعقوب الَّذي اغتصبَ حَرفيًّا حَقَّ البَكوريَّة مِن عيسو، وخَدَعَ أباهُ، وأنجبَ أولادًا فاسِدين. وهناكَ يُوسُف الَّذي كَرِهَهُ كُلُّ إخوتِه. ثُمَّ إنَّ هناكَ مُوسَى. وقد كانَ مُوسَى قاتِلاً. وقد تَصرَّفَ مُوسَى بكبرياء وحاولَ أن يَسرِقَ مَجدَ الله بأن ضَرَبَ الصَّخرةَ عِوَضًا عن أن يُطيعَ اللهَ ويُكلِّمَ الصَّخرةَ كما أَمَرَهُ اللهُ. لِذا فإنَّه لم يَدخُل قَطّ أرضَ المَوعِدِ الَّتي قادَ الشَّعبَ إليها. وهناكَ هارون. فقد كانَ هارونُ رئيسَ الكَهَنة الَّذي قادَ بني إسرائيلَ إلى عِبادةِ العِجلِ الذَّهبيِّ وإلى ما رافَقَ ذلكَ مِن عَرْبَدَة. ثُمَّ هناكَ يَشوع. فقد قالَ اللهُ ليشوع أن يَمحو الجِبعونيِّين، ولكنَّه خُدِعَ مِن قِبَلِ الجِبعونيِّينَ وعَقَدَ مُعاهدةً معهم عِوَضًا عن أن يَقضي عليهم. وقد بَقَوا هناكَ وسَبَّبوا لبني إسرائيل مشاكلَ لا نِهايةَ لها. وهناكَ جِدعون... جِدعون الَّذي لم يكن يَثِق في نفسه، ولا يَثِق أيضًا في خُطَّةِ اللهِ وقُدرتِه. وهناكَ شَمشون الَّذي اشتَهَرَ بأنَّه رَجُلٌ لديهِ حُبٌّ شَهوانيٌّ لامرأة خاطئة. وهناكَ راعوث الَّتي جاءَ مِن نَسلِها المَسِيَّا معَ أنَّها كانت مُوآبيَّة تحتَ الدَّينونة. وهناك صَموئيل الَّذي ابتدأَ يَخدِمُ اللهَ وهو صَبيٌّ صغير. فما الَّذي كانَ يَعرِفُه؟ وهناك داوُد الَّذي كانَ دائمًا مُحاطًا بالنِّساء. ففي كُلِّ مَرَّة رأى فيها امرأةً أحبَّها وتَزوَّجَها بِغَضِّ النَّظرِ عن عددِ النِّساءِ الأُخرياتِ لديه. وهو زَانٍ، وقاتِلٌ، وأبٌ فاشِل، ورَجُلٌ تَلَطَّخت يَديهِ بالدِّماءِ حتَّى إنَّ اللهَ لم يَسمح له أن يَبني الهيكل. وهناكَ سُليمان الَّذي تَفَوَّقَ على جميعِ الرِّجالِ في العالَم في تَعَدُّدِ الزَّوجات.
وتَستمرُّ اللاَّئحةُ على هذا المِنوال. فقد استَخدمَ اللهُ إشعياءَ الَّذي وَثَقَ في مَلِكٍ بَشريٍّ. وقد استَخدمَ اللهُ حِزْقيالَ الَّذي كانَ كاهِنًا يَتَّصِفُ بالرُّعونةِ والقسوةِ والعِنادِ والفَظاظَة، وما إلى ذلك. وقد استخدَمَ اللهُ دانِيال الَّذي تَعَلَّمَ في بلدٍ وَثنيٍّ وتَعَلَّمَ حِكمةَ الكَلدانيِّينَ الَّذينَ كانوا يَتَّصِفونَ بالمَرارةِ والتَّهَوُّر. وقد استخدَمَ اللهُ هُوشَع الَّذي تَزوَّجَ مِن زانية. وقد استخدَمَ اللهُ يُونان الَّذي خَالَفَ أوامِرَهُ في عِصيانٍ مُباشِر وأخذَ جَولةً قصيرةً في جَوْفِ سَمَكةٍ ضَخمة. وعندما اهتَدى الأُمَم، لم يُعْجِبْهُ ما حَدثَ بالمَرَّة. وقد استخدَمَ اللهُ حَبَقُّوق الَّذي شَكَّ في الخُطَّة الإلهيَّة. وقد استخدَمَ اللهُ إيليَّا الَّذي تَمَكَّنَ مِنَ التَّصدِّي لثمانمئةٍ وخمسينَ كاهنًا ونَبيًّا زائفينَ ولكنَّهُ هَرَبَ كالمَجنون مِن امرأة واحدة هي إيزابَل. وقد استخدَمَ اللهُ بولُس الَّذي كانَ يَقتُلُ المَسيحيِّين. وقد استخدَمَ اللهُ تيموثاوسَ الَّذي كانَ يَستَحي بيسوعَ المسيحِ وكانَ لا بُدَّ أن يَعرِفَ أنَّهُ لا يَجوزُ لهُ أن يَفعلَ ذلك مِن خلالِ بولُس.
وكما تَرَون، إذا تَتَبَّعتُم التَّاريخ، ستجدونَ أنَّه يَعِجُّ بأشخاصٍ غير مُؤهَّلينَ وَحسب. فَهُم غيرُ مُؤهَّلين. وإذا نَظرتُم إلى الاثني عشر، أتَعلمونَ ماذا؟ ستَلتقونَ مجموعةً مِن الأشخاصِ غير المُؤهَّلين كالبقيَّة. والآن تَذكَّروا ما قُلتُهُ لكم عن أنَّ الاثني عشر يَنقسمونَ إلى ثلاثِ مَجموعات تَضُمُّ كُلٌّ منها أربعة تلاميذ. لاحِظوا الأعداد 2-4 فتجدونَ اثني عشر اسمًا. وهي تَرِدُ دائمًا في ثلاثِ مَجموعات: أربعة، ثُمَّ أربعة، ثُمَّ أربعة. وهناكَ أربعُ لوائِح مُختلفة في الكتابِ المقدَّس تَذكُرُ أسماءَ الاثني عشر. ودائمًا يَرِدُ اسمُ كلِّ تلميذٍ منهم في نفس مَجموعتِه الرُّباعيَّة. وقد كانت أوَّلُ مَجموعة رُباعيَّة هي الأكثر قُربًا مِن يسوع. وكان يَليها في القُرب المجموعة الرُّباعيَّة الثَّانية، ثُمَّ كانت المجموعةُ الرُّباعيَّة الثَّالثة تَليها في قُربِها مِن المسيح. ولكنَّ هذه هي المَجموعةُ الكاملة للتَّلاميذ. وقد تَمَّ تَدريبُهم جميعًا، وتَمَّ إرسالُهم جميعًا، وقاموا جميعًا بخدمة رائعة وفعَّالة باستثناءِ يهوذا الإسخريوطيّ الَّذي تَمَّ استبدالُه. ولكنَّهم لم يَتمتَّعوا جميعًا بنفسِ العلاقةِ الحميمةِ بالمسيح. ولم يَمتلكوا جميعًا نفسَ المواهبِ والقُدُراتِ والخدمات. ولكنَّهم كَرزوا جميعًا، ونادُوا جميعًا بالخبرِ السَّارِّ جميعًا، وأَسهَمُوا جميعًا في امتدادِ المَلكوت. وقد حَملوا جميعًا الرِّسالة. ولكنَّهم كانوا أشخاصًا فَريدينَ ومُميَّزينَ جدًّا.
في عالمِ التِّجارةِ اليوم، إن جاءَ شخصٌ وقال: "أريدُ اثني عشر شخصًا للقيام بهذه المَهمَّة، ستكونُ هناك لائحة طويلة جدًّا مِن المؤهِّلات المطلوبة، وسيحاولونَ أن يُحَدِّدوا تمامًا نوعيَّةَ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَهُم، ويَجمعونَ الاثني عشرَ بهذه الطَّريقة. ولكنَّ الرَّبَّ لم يَفعل ذلك، بل إنَّه اختارَ اثني عشر شخصًا غيرَ مُؤهَّلين، ومُختَلفينَ تمامًا بعضُهم عن بعض. وهذا أمرٌ عَجيب. وقد كانت لديهم جميعًا مشاكل. وكانت لديهم جميعًا خَطايا... حتَّى الأفضل بينهم. فهي مُجرَّد لائحة بأسماءِ أشخاصٍ غير مُؤهَّلين.
والآن، لم يكن يَسوعُ يَنوي أن يُنادي بالملكوتِ بمُفردِه. لِذا، عندما ابتدأَ خِدمتَه، ابتدأها لا فقط مِن خلالِ الكِرازةِ والتَّعليم، بل أيضًا مِن خلالِ تَدريبِ رجالٍ معه في نفسِ الوقتِ الَّذي ابتدأ فيه خدمتَه. فهو لم يَكُن يَنوي القيامَ بذلك بمُفرده، بل كانَ يُدرِّبهم طَوالَ الوقتِ لكي يُكمِلوا الخِدمةَ بعدَ مُغادرتِه. وهؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ اختارَهُم. فَهُم سُفراءُ المَلِك. فَمَتَّى يُقَدِّمُ لنا المَلِك. ففي كلِّ جزءٍ مِن إنجيل مَتَّى، نَرى المَلِك... المَلِك... المَلِك. فيسوعُ هو المَلِك، والمسيَّا (أي: المَمسوح أو المسيح)، وابنُ الله، والمَلِك الموعود. والمَلِكُ لديهِ سُفراء. وهؤلاءِ هُم مَن نَلتقيهم هُنا. وفي مَوضِعٍ لاحقٍ؛ وتَحديدًا في إنجيل مَتَّى 19: 28، قالَ يسوعُ لسُفرائِه هؤلاء: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي [أيِ الاثني عشر]، فِي التَّجْدِيدِ [أوِ المَلكوت]، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ". ففي النِّهاية، سوفَ يَجلسُ الاثنا عشر على اثني عشر عَرشًا ويَدينونَ أسباطَ إسرائيل في المُلكِ الألفيِّ. وسوفَ يَرِثونَ أكثر بكثير مِمَّا تَخَلَّوْا عنه (كما يقولُ في العددِ الَّذي يَلي هذا العَدد). ومع أنَّهم قد يكونون الآخِرينَ في أعيُنِ هذا العالَم، ولكنَّهم سيكونونَ في النِّهاية الأوَّلين. لِذا فإنَّه يَعِدُهم وُعودًا رائعةً بِصفتِهم سُفراءَهُ إذ إنَّهم سيَكونونَ وَرَثَةً في المَلكوت.
والآن، بوصولِنا إلى الأصحاحِ العاشِر، يُمكننا أن نَعرِف كيفَ دَرَّبَ يسوعُ هؤلاءِ الاثني عشر. ولكن قبلَ أن نَنظُر إلى تفاصيلِ تَعليمِه لهم فإنَّنا نَلتقيهم. وقد التقينا أوَّلَ أربعة. وكانَ مِن المُعَزِّي جدًّا لنا أن نَلتقيهم. أليس كذلك؟ لأنَّهم كانوا يُشبهونَنا كثيرًا. فما نوعُ الأشخاصِ المُؤهَّلينَ للقيامِ بعملِ الرَّبّ؟ وما نوعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَستخدمُهم يسوعُ؟ إنَّه يَستخدِمُ، كما رأينا، قادةً ديناميكيِّينَ وأقوياء وجريئينَ مِثل بُطرس الَّذي يَتولَّى القيادة، ويأخُذ زِمامَ المُبادرة، ويُخَطِّط، ويَضَعُ الاستراتيجيَّات، ويُواجِه، ويُوبِّخ، ويأمرُ النَّاسَ أن يأتوا إلى المسيح، ويَقولُ أكثر بكثير مِمَّا يَفعل، ويتصرَّف غالبًا بِطيش؛ ولكنَّه مُتحمِّسٌ عادةً للغُفرانِ والرَّدّ. كما أنَّ رَبَّنا يَستخدِمُ أشخاصًا مُتواضعينَ، ورقيقينَ، ولا يُحبُّونَ الأضواءَ، وهادئينَ مِثلَ أندَراوُس الَّذي لم يكن يُبالي بالظُّهور، ولم يَعِظ يومًا الجَماهير، بل كانَ يأتي بالنَّاسِ بهدوء إلى المسيح. كذلكَ فإنَّ الرَّبَّ يَستخدِمُ أشخاصًا غَيورينَ، وشَغوفينَ، وغيرَ مُساومينَ، ويُركِّزونَ على المَهمَّة، وليسوا مُرهَفي الحِسِّ، وطَموحينَ جدًّا مِثل يعقوب الَّذي استُشهِدَ في النِّهاية لأنَّ السُّلُطاتِ لم تَحتَمِلْهُ. فهذا النَّوعُ مِن الأشخاصِ يَرَى مَهمَّةً واحدةً ينبغي القيامُ بها فيَموتونَ وَهُم يَقومونَ بها. ويَستخدِمُ الرَّبُّ أيضًا الأشخاصَ الحَسَّاسينَ، والمُحِبِّينَ، والمُؤمِنينَ، والحَميمينَ، والباحثينَ عنِ الحقِّ مثل يوحنَّا الَّذي يَقولُ الحقَّ بمحبَّة ويَجذِبُ النَّاسَ إلى المسيح.
كانت هذه هي المجموعةُ الأولى. ويا لَهُ مِن تَنَوُّعٍ كبير! والآن، لِنَنتقل إلى المجموعة الثَّانية. وسوفَ نَتحدَّثُ عن اثنين مِنهم في هذه المَرَّة، وعنِ الاثنين الآخَرَين في المَرَّة القادمة.
الأوَّلُ مَذكورٌ في العدد الثَّالث: "فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ". هذه هي المجموعةُ الثَّانية. وفي المجموعةِ الَّتي تَليها هناكَ: "يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ. سِمْعَانُ الْقَانَوِيُّ، وَيَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ".
ولكن لِلَنظُر أوَّلاً إلى فيلُبُّس. ويجب علينا ألاَّ نَخلِط بينَ فيلُبُّس هذا وفيلبُّس الشَّمَّاس المَذكور في أعمال 6 والَّذي صارَ لاحقًا كارِزًا. فالشَّخصُ المَذكورُ هنا هو فيلُبُّس الرَّسول. واسمُهُ يُونانيٌّ. وقد كانَ جميعُ الاثني عشر يَهودًا. لِذا، لا بُدَّ أنَّ لَهُ اسمٌ يَهوديٌّ، ولكنَّنا لا نَعرفُ اسمَهُ اليهوديّ. فلسببٍ ما، كانَ يُعرَف دائمًا باسمِهِ اليونانيّ. وبالمُناسبة، كانَ مَعنى اسمِهِ اليونانيّ: "مُحِبُّ الأحصِنَة". ولا نَدري إن كانَ أَبواهُ مُعجبان كثيرًا بالخُيول فأطلقا عليهِ هذا الاسمِ اليونانيِّ أَم ماذا. ولكنَّه كانَ يُعرَف دائمًا باسم فيلُبُّس. فنحنُ لا نَعرفُ اسمَهُ اليهوديّ. وهذا مُدهش لأنَّه عندما أرادَ اليونانيُّونَ لاحقًا أن يَرَوْا يسوعَ، ذهبوا إلى فيلُبُّس. لِذا فقد صارَ هَمْزَةَ الوَصْلِ مع اليونانيِّين. فقد كانَ المكانَ الَّذي يُمكِنُ التَّواصُل معه مِن جِهَةِ اليونانيِّين، ورُبَّما شعروا بالرَّاحة لأنَّ اسمَهُ كانَ اسمًا يونانيًّا. وهو يُذكَر دائمًا في اللاَّئحة الثَّانية، ويُذكَر دائمًا في رأسِ اللاَّئحة الثَّانية. وهذا يعني أنَّه رُبَّما كان قائدَ المَجموعة الثَّانية. ومِن الصَّعب علينا أن نَتخيَّلَ ذلك لأنَّه لم يكن يَملِك تلك المواهب القِياديَّة، ولكنَّهُ رُبَّما كانَ يَقودُ أكثر مِمَّا يَتبَعون؛ ولكنَّنا لسنا واثِقينَ مِن ذلك.
والآن، كانَ فيلُبُّس في فترةٍ مِن حياتِه رَجُلاً يعيشُ في بيت صَيدا. ولَعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ بيت صَيدا في الجليل كانت القرية الَّتي جاءَ منها بُطرس وأندَراوس. لِذا فقد كانَ فيلُبُّس يَعرف بُطرس وأندراوس. وربَّما نَشَأَ وهو يَعرفهما. وربَّما كان صديقًا لهما. وحيثُ إنَّهم جميعًا كانوا يَهودًا يَخافونَ اللهَ (أي: بُطرس وأندراوس وفيلُبُّس ونَثَنائيل [أو بَرثولَماوس] الَّذي سنتحدَّثُ عنهُ لاحقًا)، ربَّما كانوا جميعًا يَعرفونَ بعضُهم بعضًا وكانوا أصدقاء حَميمين. ومِن الواضحِ جدًّا أنَّه كانت توجد بين الاثني عشر صَداقة حَميمة بين الجميع. وقد تَمَّت دعوتُهم الواحدَ تِلو الآخر، تِلو الآخر، تِلو الآخر. لِذا فقد كانَ فيلُبُّس واحدًا مِن تلك المجموعة.
ورُبَّما كانَ صَيَّادَ سمك. فهو يَظهر لاحقًا مع أندَراوس، ومع بُطرس، ومع يعقوب، ومع يوحنَّا في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 21 وهو يَصطادُ السَّمك. ولا نَقرأ في الأناجيلِ الثلاثةِ الأخرى أيَّ شيءٍ عنه سوى اسمِه... لا شيء سِوى ذلك. ولكنَّ إنجيل يوحنَّا يَذكرُهُ أربع مَرَّات. وسوفَ نَتعرَّف إليه في الحقيقة مِن خلال هذه المقاطعِ الأربع. لننظر إلى إنجيل يوحنَّا 1: 43 ونَلتقي فيلُبُّس. ولنَطرح السُّؤال مَرَّةً أخرى: "ما نوعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَستخدمُهم الله؟"
سوفَ نَكتشفُ أنَّ فيلُبُّس كانَ بعيدًا كلِّ البُعدِ عن القِدِّيسينَ الَّذينَ نَتخيَّلُهم. فنحنُ نقرأ في العدد 43: "فِي الْغَدِ..."؛ أي في اليوم الَّذي أَعقَبَ لقاء بُطرس وأندراوس بالمسيح، أو في اليومِ الَّذي أَعقبَ اليومَ الَّذي نَظرَ فيه يوحنَّا المَعمدان إلى المسيح وقال: "هَذا هُوَ حَمَلُ اللهِ" واليوم الَّذي تَبِعَهُ فيهِ بُطرس وأندراوس. "في الغَدِ، أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ، فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي»". والآن، هذه هي أوَّلُ دَعوة مُباشِرة لتِلميذ. فقد كانَ بُطرس وأندراوس قد التقيا أصلاً المسيحَ ولكنَّهما وَجَداهُ إن جازَ القَول. فقد وَجداهُ. ولكنَّ فيلُبُّس هو أوَّلُ شخصٍ قالَ لهُ الرَّبُّ بوضوحٍ تامٍّ: "اتبعني". فقد مَشى ووجَدَهُ وقالَ لَهُ: "اتبعني".
ولكنِّي أَوَدُّ أن أقولَ إنَّ فيلُبُّس كانَ يَمتلِك أيضًا قَلبًا يَبحثُ عنِ الرَّبّ. فاللهُ لا يَعثُر على الأشخاصِ رُغمًا عنهم. لِذا فقد كانَ فيلُبُّس يَملِكُ قلبًا باحثًا عن الرَّبّ. وإذا نَظرتم إلى العدد 45 بعدَ أن نَقرأ في العدد 44 أنَّه كانَ "مِنْ بَيْتِ صَيْدَا، مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ"، نَقرأُ أنَّ فيلُبُّس ذهبَ للعُثورِ على نَثَنائيل (أو بَرثولَماوس – فهو الشَّخصُ نَفسُه)، وقالَ لهُ: "لقد وَجَدناهُ". والآن، مِن زاويةِ الرَّبِّ، كانَ هو الَّذي وَجَدَ فيلُبُّس. ولكِن مِن زاوية فيلُبُّس، كان هو الَّذي وَجَدَ الرَّبَّ. أليست الشَّهاداتُ الَّتي نَسمَعُها تَجري هكذا؟ فجانِبُ سِيادةِ اللهِ يقول إنَّ اللهَ عَثَرَ عليك. والجانبُ البَشريُّ يقول إنَّكَ أنتَ الَّذي عَثرتَ على المسيح. ولكي يَحدُثَ ذلك، يجب أن تكونَ أنتَ وهُوَ تَبحثان. "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ". "تَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي [بماذا] بِكُلِّ قَلْبِكُمْ". فاللهُ يَبحث. والإنسانُ يَبحث. فاللهُ يَبحثُ عن ذلك القلبِ الحقيقيِّ الَّذي يَبحثُ عنه. لِذا فقد كانَ فيلُبُّس يَبحثُ عن الحَقّ. وكانَ فيلُبُّس يبحث عن الحقيقة. وهو يقول في العدد 45: "وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ". بعبارة أخرى، لا بُدَّ أنَّه كان يَدرس النَّاموسَ والأنبياء، ولا بُدَّ أنَّه كانَ يَبحث بنفسه عن ذلك. وهو يقولُ الآن: "لقد وَجدناه. واسمُهُ هو يَسوع. وهو مِن النَّاصرة. إنَّهُ يسوعُ ابنَ يُوسُف... ابنَ يُوسُف. لقد وَجدناه".
ولكن بالمَعنى الحقيقيِّ، لم يكن هناكَ وَسيطٌ بَشريٌّ، بل إنَّ يسوعَ جاءَ وقالَ لهُ: "اتبعني". فلم يكن هناكَ صَوتٌ بَشريٌّ وَجَّهَهُ، بل إنَّ عَينيَّ فيلُبُّس وأُذنيه انفَتَحت، وقلبَهُ انفَتَح. وعندما سَمِعَ الصَّوتَ الإلهيَّ يقول: "اتبعني"، رَكَضَ ليُخبر نَثَنائيل بأنَّهُ عَثَرَ عليه: "ها هو المسيحُ هُنا!" ويُمكنكم أن تَتخيَّلوا الإثارة والحَماسة والفرح والانفعال. والحقيقة هي أنَّه أرادَ أن يُحضِرَ نَثنائيل إذ إنَّنا نَقرأُ في نهايةِ العدد 46 أنَّه يقول: "تَعالَ وانظُر". "تَعالَ وانظُر. اكتشف ذلك بنفسك".
والآن، ما الَّذي نَعرفُه عن فيلُبُّس؟ أوَّلُ شيء نَعرفه عنه هو أنَّه كان يبحثُ عن المسيَّا. فقد كانَ يَهوديًّا يَخافُ اللهَ. فقد كانَ مُتديِّنًا، بل مُتديِّنًا بِحَقّ. فقد كانَ قَلبُهُ صادقًا. ونحنُ نَعرِفُ أيضًا أنَّ رَدَّ فِعلِهِ عندما تَمَّ العُثورُ عليه هو أنَّهُ أرادَ أن يَجِدَ شخصًا آخر. وأنا مُقتَنِعٌ بأنَّ أعظمَ مَصدرٍ للكِرازة هو الصَّداقة. فأعتقدُ أنَّ الصَّداقة تُوفِّر أخصبَ تُربَة مُمكنة للكِرازة. أَلاَ تَعتقدونَ ذلك؟ لأنَّه توجد في الأصل علاقة مَحبَّة. ومِن خلالِ علاقةِ المحبَّة تلك، يُمكنك أن تُقدِّمَ المسيح. ودائمًا... وأنا أقولُ ذلك مِن خلالِ خبرتي الطَّويلة... دائمًا، عندما يُؤمِنُ شخصٌ بالمسيح فإنَّ أوَّلَ رَدِّ فِعلٍ لديه بسببِ مشاعرِ الدِّفْءِ والفَرح الَّتي يَشعُر بها بسبب تلك الحياة الجديدة الَّتي عَثَرَ عليها هو أنَّه يبحث عن صديقٍ ويُخبره بما حدث. وبالمناسبة، إن لم تَكُن قد شَعرتَ بهذه المشاعر، أو إن أَضعتَ تلك الفُرصة، فإنَّ ذلكَ يعني شَيئًا مِن شَيئَينِ مُحزِنَيْن: الأوَّلُ هو أنَّكَ لا تَعرِفُ أيَّ أصدقاء غير مُؤمِنين؛ أو الثَّاني هو أنَّكَ لم تَعُد تُبالي. وكِلا الأمرينِ مَأساويٌّ. ولكنَّ فيلُبُّس ذَهبَ مُباشرةً إلى نَثَنائيل. فرَدُّ الفعل المُباشِر على الخلاص هو الكِرازَة: أن تَعثُرَ على شخصٍ آخر وتُشاركهُ الخبرَ السَّارّ.
وقد لاحظتُ ما يَلي في المَعموديَّة: أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَخلُصونَ ويُقال لهم إنَّه يجب عليهم أن يَعتمِدوا يَتجاوبونَ حالاً. وغالبًا فإنَّهم يُريدونَ بفرح أن يُشاركوا شَهادَتَهُم. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ نالوا الخلاصَ في الماضي ولم يَعتمِدوا، فإنَّهم يُواجِهونَ بعدَ سنواتٍ طويلة حقيقة أنَّه يجب عليهم أن يُطيعوا الرَّبَّ ويَفعلوا ذلك؛ ولكنَّهم لا يَفعلونَ ذلك لأنَّهم يَتردَّدونَ في الوقوفِ أمامَ الجميعِ وتقديمِ شَهادتهم. وهذا يُرينا ما يَحدُث في القلب عندما تَبتدئ تلك المحبَّةُ الأولى تَبرُد. وهذا لا يَحدُث دائمًا، ولكنَّه يَحدُث في أغلبِ الأحيان.
ولكنَّ فيلُبُّس ذهبَ مُباشرةً لإخبارِ نَثَنائيل. لِذا، نحنُ نَعلمُ أنَّه كانَ شخصًا لديهِ صَديق، وأنَّه كان يَهتمُّ بصديقه ويُريدُ منهُ أن يَعرف. فقد كانَ يَملِكُ قلبَ كَارِزٍ وقلبًا باحِثًا. وبالمناسبة، لقد ذهبَ إلى نَثَنائيل لأنَّ نَثنائيل كانَ على ما يبدو صَديقَهُ. وهو مُلتصِق دائمًا بِبَرثولَماوُس. فعندما ذَهبَ التَّلاميذُ اثنين اثنين، يبدو أنَّه ذهبَ مع بَرَثولَماوُس. وفي كلِّ لائحة موجودة لدينا، نَجِدُ أنَّ اسمَهُ مُجاورٌ لبرثولَماوُس [أو: نَثَنائيل].
والآن، لننظُر إلى الأصحاحِ السَّادسِ ونَرى المقطعَ التَّالي عنه. وأعتقد أنَّ هذا المَقطَعَ يُعَرِّفُنا حَقًّا إلى فيلُبُّس. فقد كانَ يوجدُ لديهِ جانبٌ جَيِّد. والجانبُ الجيِّدُ لديه هو أنَّه كانَ يَبحثُ عن اللهِ، ويَبحثُ عن المَسيَّا. والجانبُ الجيِّدُ لديه هو أنَّه كانَ يَملِكُ قلبَ الكَارِز. ولكنَّنا سنَكتشفُ الآنَ شيئًا عنه يُجَرِّدُهُ مِن أهليَّتِه. كانَ يسوعُ قد صَنَعَ خَمْرًا في عُرسِ قانا. لِذا فقد أَظهَرَ قُدرتَهُ الخارقة للطَّبيعة. وهذه مُعجِزَة مُؤكَّدة. ورُبَّما كانت هناك مُعجزات وأعمال عظيمة أخرى رآها. ولكنَّنا نأتي إلى الأصحاحِ السَّادس ونَقرأُ عن جَمْعٍ غَفيرٍ اجتمعَ في الجهةِ الشَّماليَّة مِن بحر الجليل. وكانَ يسوعُ يُعلِّمهم طَوالَ اليومِ ويَشفيهم طَوالَ اليوم مِن جميعِ أمراضِهم. وقد كانَ يومًا عظيمًا. ولكنَّ الوقتَ صارَ مَساءً الآن، والجُموعُ جائعة. وكانَ هناكَ خمسة آلاف رَجُل. وهذا يعني أنَّه كانت هناك خمسة آلاف امرأة ونحوَ عشرينَ ألفَ طِفل. لِذا فقد كانَ جَمْعًا هائلاً. فقد كانوا جميعًا هناك. ونَقرأ في الأصحاحِ السَّادسِ والعددِ الخامس: "فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا مُقْبِلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ [ونحنُ نَلتقي فيلُبُّس هنا مُجَدَّدًا]: مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأكُلَ هؤُلاَءِ؟". يا فيلُبُّس! كيف سنحصل على الخُبز؟ لماذا سألَ فيلُبُّس؟ هل تعلَمونَ ماذا أعتقد؟ أعتقد أنَّ فيلُبُّس كان مَسؤولاً عن الطَّعام. فقد كان مِن الضَّروريِّ أن يكون هناك شخصٌ مسؤولٌ عن الطَّعام. ونحنُ نَعلم أنَّ يهوذا كانَ مسؤولاً عن ماذا؟ المال. وكانَ لا بُدَّ مِن وُجودِ شخصٍ مَسؤولٍ عن الطَّعام؛ أي أن يَعرف كم كميَّة الطَّعام الَّتي هُم بحاجة إليها، وكيف سيَحصلونَ عليها ويَشترونها ويَجلبونَها لأنَّهم كانوا بحاجة إلى الطَّعام في أثناء سَفرِهم وخِدمتهم. ويبدو لي أنَّ هذا الأمرَ كان مِنَ اختصاصِ فيلُبُّس. لِذا فقد قالَ الرَّبُّ له: "والآن يا فيلُبُّس، مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأكُلَ هؤُلاَء؟" عَجَبًا! لماذا سَألَهُ ذلك السُّؤال؟ نقرأ في العدد 6: "وَإِنَّمَا قَالَ هذَا لِيَمْتَحِنَهُ، لأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَل". فقد كانَ الرَّبُّ يَعلم أنَّه سيُطعِمهم بطريقة مُعجِزيَة وأنَّه سيَخلق بيديهِ خُبزًا وسَمَكًا؛ ولكنَّه كانَ يَمتَحِنُ فيلُبُّس. والآن يا فيلُبُّس، لقد رأيتني أصنعُ الخَمرَ في وليمةِ العُرس. وها نحنُ الآنَ لا نَملِك طَعامًا لإطعامِ هذا الجَمع. كيف سنحصل على الطَّعام؟ أتَعلمونَ ماذا قال؟ "أَجَابَهُ فِيلُبُّسُ: لاَ يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِئَتَيْ دِينَارٍ لِيَأخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا يَسِيرًا." لقد أجابَهُ جَوابًا مُباشِرًا. وهل تَعلمونَ ماذا يُثبِت جَوابُهُ؟ هذا شيءٌ آخر يُثبِتُ لي أنَّه كان مسؤولاً عن الطَّعام. فقد حَلَّلَ الموقفَ حالاً. وقد عَرَفَ ما يَجري. وقد حَسَبَ أنَّه يجب عليهم أن يَجمعوا مَبلغًا مِن هؤلاءِ النَّاسِ بمقدارِ مِئتي دينار، أو أنَّ هذا هو المَبلغ الَّذي كانَ مُتوفِّرًا في الصُّندوق. وبالمناسبة، كانَ كلُّ دينارٍ مِن تلك الدَّنانير يُعادِل أُجرةَ عاملٍ في يومٍ واحد. لِذا فقد كانَ يُمكنهم أن يَحصلوا على أُجرةِ نحوِ مِئتي يوم. ولنفترِض أنَّهم اشتروا رقائق الشَّعير تلك. فقد كانَ بمقدورهم أن يَشتروا سِتًّا وثلاثينَ رُقاقة شعير بدينار واحد. وكانت كلُّ رُقاقة بحجمِ اليَد وسُمكُها نحو أربعة سنتمترات. فقد كانت تُشبِهُ الرَّغيفَ الفَرنسيَّ الكبير إلى حَدٍّ ما. وقد حَسَبَ الاحتياجَ الموجود. إن ضَرَبنا مِئتي دينار في 36 فإنَّ كلَّ شخصٍ سيأخذُ على الأرجح قِطعةً صغيرة. ثُمَّ إنَّ المجموعةَ الأخرى... سوف تحصل المجموعة الأخرى على... اسمَع، يجب عليَّ أن أحسبَ ذلك. هذه مَهمَّة مُستحيلة... إنَّها مَهمَّة مُستحيلة.
أتَعلمونَ ما الَّذي نَعرفهُ عن فيلُبُّس؟ أنَّه لم يُفَكِّر يَومًا بأنَّ الرَّبّ خارقٌ للطَّبيعة. فهو لم يَتذكَّر يومًا أنَّ المسيح يستطيعُ أن يصنع مُعجزةً. وهو لم يتذكَّرَ المصادرَ الخارقةَ للطَّبيعة لدى يسوعَ المسيح ولم يتذكَّر ذلك، بل إنَّه راحَ يَحسب الكميَّة الَّتي سيحتاجونَ إليها. هل تَعلمونَ ماذا يُخبرُنا هذا الموقف؟ أنَّه كانَ شخصًا تَحليليًّا. فهو شخصٌ عَمليٌّ. وأنا مُتيقِّنٌ أنَّه يُمكنه أن يَجلسَ في اجتماعٍ لمجلسِ الإدارة اليوم وهو يَحملُ أدواتِه الصَّغيرة وأن يَفعلَ ما يَفعلونَه ويقول: "إنَّها مَهمَّة مُستحيلة. نحنُ لا نَملِكُ المالَ. هذا عملُ مُستحيل". فقد كانَ مُعتادًا جدًّا على الحساباتِ ولا يستطيعُ أن يُغامِر. فقد كان غارقًا جدًّا في الحقائق والأرقام ونَسِيَ الإيمانَ بِرُمَّتِه.
لقد قالَ أحدُ الكُتَّاب: "أَهَمُّ صِفة للقائدِ العظيم هي أن يَشعُر بأنَّ المَهامَّ مُمكِنَة التَّحقيق". ولكنَّ فيلُبُّس كان يَشعر أنَّ الأمورَ مُستحيلة. فهو لم يكن يَعلم أنَّ اللهَ قال: "عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ [ماذا؟] مُسْتَطَاعٌ". وكانَ المسيحُ يُحاول أن يُعَلِّمَهُ عن الإيمان، ولكنَّهُ كانَ عَنيدًا ولم يَتعلَّم الدَّرس. فهل تَعلمونَ ماذا كانَ ينبغي أن يقول: "يا رَبّ، لقد صَنعتَ خَمْرًا في عُرس قانا. وقد أَطعمتَ شَعبَكَ في البَريَّةِ المَنَّ. افعل ما تُريد. فها هو هذا الجَمْعُ هُنا. أَطْعِمْهُم". وهل تَعلمونَ شيئًا؟ لقد كانَ يسوعُ يَشفي النَّاسَ طَوالَ اليوم. فطَوالَ اليوم، كانَ فيلُبُّس يُشاهِدُ إظهارَ القُدرةِ الخارقةِ للطَّبيعة. فقد شَفى الرَّبُّ كلَّ الأمراضِ المَوجودة لدى هؤلاءِ النَّاس. وها هو فيلُبُّس يقول إنَّ إطعامَ هؤلاء مَهمَّة مُستحيلة. يا لَها مِن بَلاهَة!
وبهذا، خَسِرَ فُرصتَهُ وحَصَلَ ذلك الصَّبيُّ الصَّغير على فُرصة. فقد كانَ فيلُبُّس يَفهَمُ في الأمورِ العَمليَّة. فقد كانَ رَجُلاً عَمليًّا. وكانَ يَفهَمُ في الإجراءات. وكانَ مَنهَجِيًّا ومُدبِّرًا؛ ولكنَّه لم يَكن يَفهم في الأمورِ الخارقة للطَّبيعة. فقد كانَ شخصًا يُبالي فقط بالحقائقِ والأرقام، ويُبالي دائمًا بما يَحدُث في المستوى البشريِّ.
والآن، دَعونا نَرى إن كانَ قد حَقَّقَ أيَّ تَقدُّمٍ بعدَ سِتَّة أصحاحات. انظروا إلى الأصحاحِ الثَّاني عشر والعدد 20: "وَكَانَ أُنَاسٌ يُونَانِيُّونَ مِنَ الَّذِينَ صَعِدُوا لِيَسْجُدُوا فِي الْعِيد". فقد كانوا يُونانيِّينَ يَخافونَ اللهَ جاءوا مِن أجلِ عيدِ الفِصح. وقد جاءوا لأنَّهم كانوا قد كَرَّسوا أنفسَهُم لليهوديَّة وسَمِعوا عن المسيح. "فَتَقَدَّمَ هؤُلاَءِ إِلَى فِيلُبُّسَ" لأنَّه كانَ هَمْزَةَ الوَصلِ اليونانيَّة. فقد كانَ اسمُهُ يُونانيًّا. ورُبَّما كانَ هذا هو السَّبب في أنَّهم جاؤوا إليه. "... وَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوع". ربَّما كان فيلُبُّس شخصًا يَسهُلُ الاقترابُ منه، وشخصًا طَيِّبَ القلب؛ ولكنَّهُ لم يأخذهم إلى يسوع، بل قال في الحقيقة: "انتظروا هنا. لا أدري إن كانَ هذا الأمرُ جائزًا، ولا أدري إن كانَ هذا الأمرُ مُمكِنًا. يجب عليَّ أن أسأل". لِذا فقد ذهبَ وأخبرَ أندَراوس. وقد ذَهبا معًا إلى يسوع. وهل تَعلمونَ ما الَّذي نَتعلَّمُهُ مِن هذه الحادثة عن فيلُبُّس؟ أنَّه لم يكن حاسِمًا، ولم يكن جَازِمًا. فلو أنَّهم جاءوا إلى بُطرس لكانَ بُطرس أخذَ هؤلاءِ الأُمم وجاءَ بهم إلى حَضرةِ يسوعَ وقال: "يا رَبّ، انظر هؤلاءِ الأشخاص. فَهُم يريدونَ أن يَرَوْكَ". ولكن ليسَ فيلُبُّس. فقد كانَ ينبغي لفيلُبُّس أن يَسأل؛ أي أن يَسألَ شخصًا آخر. وما الَّذي كانَ يُزعِجُهُ؟ لقد كانَ ما يَزالُ يَعيشُ في الأصحاحِ العاشِرِ مِن إنجيل مَتَّى؛ أي في البدايةِ عندما قالَ الرَّبُّ: "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى [مَن؟] خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ". لِذا فقد قال: "إنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ أُمميُّون. ولكنَّ التَّعليماتِ لا تَنُصُّ على إحضارِ أُمَمِيِّين! لا أعتقدُ أنَّ الدُّستورَ يَسمح بذلك، أو أنَّ القوانينَ الدَّاخليَّةَ تَسمح بذلك. فقد قالَ الرَّبُّ إنَّه لَمْ يأتِ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّة". وكما تَرَون، لم يَكُن لديه تَصَوُّرٌ للرُّؤية الأكبر. فهو لم يَفهَم بعد رسالةِ النِّعمَة. صحيحٌ أنَّ المسيَّا جاءَ مِن أجلِ بني إسرائيل، ولكنَّه قالَ بوضوح في الأصحاحِ السَّادس: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ [أفعلُ ماذا؟] لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". وما أعنيه هو أنَّهُ لم يَفهم يومًا جَوهَرَ الأمر. فهو ما يَزالُ يَفعلُ الأشياءَ بطريقةٍ حَرفيَّة. وهو ما يزالُ يُحَلِّلُ كلَّ شيء، وما يَزالُ يَقومُ بكلِّ شيءٍ بطريقةٍ جامدة. فهو شخصٌ مُتمسِّكٌ بالمعنى الحَرفيِّ للأشياء. فهو ضَيِّقُ الأُفُق. "هذا أمرٌ لم يَحدُث مِن قَبل، ولا توجد تَعليماتٌ بشأنِه". فقد أخفقَ تَمامًا في فَهمِ النِّعمة. أليس كذلك؟ فقد قالَ "لقد وَجدنا المَسيح"، ولكن خِلافًا لذلك، لم يكن يَدري حَقًّا ما يَجري.
وأخيرًا، نحنُ نَراهُ في الأصحاح 14. وهو ليسَ بحالٍ أفضل هُنا، بل بحالٍ أسوأ إن كانَ بمقدوركم أن تُصدِّقوا ذلك. فبعدَ ثلاثِ سنوات، نَقرأُ في العددِ الثَّامن أنَّ فيلُبُّس يقولُ ليسوع ما يلي. وقد حَدَثَ ذلك في اللَّيلةِ الَّتي سَبَقت مَوتَ يسوع. فهذا هو الفِصح. وهذا هو العشاءُ الأخير. وهذا هو الوقتُ الَّذي أَفصَحَ فيهِ يسوعُ عن مَكنوناتِ قلبِهِ لتلاميذه. فهو سيتعرَّضُ للاعتقال، والصَّلب، وما إلى ذلك بعدَ ذلك العشاء مُباشرةً. فقد اقتربتِ النِّهاية. وفيلُبُّس يقولُ لهُ: "يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ!" يا للعَجَب! إنَّ هذا الشَّخصَ أخرَق حَقًّا. وما أعنيه هو أنَّ رُؤيتَهُ الرُّوحيَّة مَعدومَة! فكلُّ شيءٍ سَطحيٌّ لديه. "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ". فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ بعدَ ثلاثِ سنوات: "أَرِنَا الآبَ؟ صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ". ألا تُصَدِّق ذلك يا فيلُبُّس؟ "الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا". بعبارة أخرى: أَلَم تَفهم شيئًا مِن كَلامي وأعمالي يا فيلُبُّس؟ يا لَهُ مِن إيمانٍ ضَعيف! ويا لها مِن شخصيَّة مُهَلهَلَة! أرِنا الآبَ. فهو قائدُ الجُهَّالِ وبَطيئي القُلوب. فبعدَ أن صَرَفَ فيلُبُّس ثلاثَ سَنواتٍ في التَّحديقِ في وَجْهِ اللهِ الوحيد الَّذي رآهُ البشر يومًا فإنَّه ما يزالُ لا يَعرف مَن هو! مِن الواضحِ إنَّه لم يكن ذَكيًّا بالقدرِ الكافي!
ألا تَجدونَهُ أمرًا عَجيبًا أن يَستخدِمَ الرَّبُّ أشخاصًا مِن هذا النَّوع؟ ألاَ يُدهِشُكم ذلك؟ إنَّهُ يُدهشُني. فهو ليسَ نابغةً. وهو لم يَفهم الدَّرسَ الأوَّلَ وهو أنَّ يسوعَ هو الله. وبعدَ ثلاث سنوات، لم يَفهم ذلك. لقد كان يجب عليه أن يَذهب لحضورِ دُروسِ تَقوية. فهو لم يَفهم الأُسُس. فقد كانَ مُتَشَكِّكًا جدًّا، وغيرَ مُقتنِعٍ بالمَرَّة. ونحنُ هُنا أمامَ شخصٍ يَمتلِك قُدُراتٍ مَحدودة، وأمامَ شخصٍ إيمانُهُ ضَعيفٌ، وأمامَ شخصٍ فَهمُهُ مَحدود جدًّا، وأمامَ شخصٍ لا يَفهمُ شيئًا آخرَ سوى اللَّعِبِ بالأرقام عِوَضًا عن التَّأمُّل. ونحنُ هُنا أمامَ شخصٍ مُتمسِّكٍ بالقواعدِ والتَّعليماتِ والأشياءِ عِوَضًا عن أن يَرى اللهَ. وفي يومٍ ما، سوفَ يَدينُ أسباطَ بني إسرائيل في المَلكوت، وسَيَرِث بمجدٍ في الملكوت أكثرَ بكثير مِمَّا حَلُمَ به يَومًا. إنَّهُ شخصٌ مُتشائِمٌ، ومُترَدِّدٌ، ويَفتقِرُ إلى الشُّعورِ بالأمان، وغيرُ واثِقٍ مِن أيِّ شيء، ولا يَفهَمُ شيئًا سوى التَّحليل والشَّكّ، ولا يَرى شيئًا سِوى الحقائقِ والأرقامِ، ولكنَّهُ لم يَكُن يَرى الصُّورةَ الكبيرةَ للقُدرةِ والنِّعمة. فقد تَعَطَّلَ إيمانُهُ بسببِ نَظرتِهِ إلى المالِ والظُّروفِ والبَراهين.
ولكن هل تَعلمونَ ماذا يُخبرنا التَّقليدُ عن هذا التِّلميذِ العَزيز؟ لقد تَشَبَّثَ بإيمانِه، وانتَهى به المَطافُ أن ماتَ شَهيدًا لأجلِ مَسيحٍ رَفَضَ أن يُنكِرَهُ. وقد قالَ إنَّ لديهِ طِلبة واحدة فقط وهي أنَّه عندما يموتُ فإنَّه لا يُريدُ أن يَلُفُّوا جسدَهُ بِكَتَّانٍ كما فَعلوا بجسدِ رَبِّهِ لأنَّه لا يَستحقُّ ذلك. ألستُم سُعداء لأنَّ اللهَ يَستخدِمُ البَطيئينَ، وضَعيفي الإيمانِ، والمُشَكِّكينَ التَّحليليِّين؟ لأنَّ هناكَ أشخاصًا مِنَّا يَجِدونَ أنفسَهُم يُشبهونَ هؤلاء. أليسَ كذلك؟
وهناكَ شخصٌ آخر نَوَدُّ أن نَتحدَّثَ عنه في هذا الصَّباح. وهو لا يُذكَر إلاَّ في مَقطعٍ واحدٍ، ثُمَّ إنَّنا لا نَسمَعُ عنهُ بَقيَّةَ الوقت. إنَّ اسمَهُ هو "بَرْثُولَمَاوُس" في مَتَّى 10 – بَرْثُولَمَاوُس. ولكنَّ هذا كانَ اسمَهُ الأخير. أمَّا اسمُهُ الأوَّلُ فهو "نَثَنائيل". وبالمُناسبة، فإنَّ مَعنى الاسم "بَرْثُولَمَاوُس" هو: "بار تُلْماي"..."ابنُ تُلْمَاي". فهو نَثَنائيلُ بنُ تُلْمَاي. فَهُما اسمان: اسمُهُ الأوَّلُ واسمُهُ الأخير. والاسمُ "نَثَنائيل" يَعني: "هِبَة مِنَ الله"، ابنُ تُلْماي. وقد كانَ مُختلفًا جدًّا عن صَديقِه فيلُبُّس. فقد كانَ مُمتلئًا إيمانًا، وكانَ يَتأمَّلُ بِعُمق، ويَتفكَّرُ بعُمق، ويَتعجَّب جدًّا مِن الأمورِ الخارقةِ للطَّبيعة. وكانَ يَفهمُ كلَّ شيءٍ بوضوحٍ تامٍّ مُنذُ البداية.
وبالمناسبة، كانت هناك فِرقةٌ مِنَ اليهودِ تُعرَفُ باسم "الثّوُلَمَاوسيُّون" الَّذينَ كانوا يَهتمُّونَ اهتمامًا كبيرًا جدًّا بالأسفارِ المُقدَّسة. وربَّما كانَ نَثَنائيل مُرتبطًا بهم؛ ولكنَّ ذلك الاحتمالَ ضَئيلٌ جدًّا.
وقد جاءَ مِن قانا الجَليل؛ أي أيضًا مِن قريةٍ صغيرة في الجليل. وقد جاءَ إلى يسوع مِن خلالِ فيلُبُّس. لِذا فقد كانَ يَعرفُ بقيَّةَ التَّلاميذ. والمَقطعُ الوحيدُ في الكتابِ المقدَّسِ الَّذي يُخبرُنا عنه هو إنجيل يوحنَّا والأصحاحُ الأوَّل. لنَرجِع إلى الوراء – إلى العدد 43. وأعتقد أنَّكم ستجدونَ أنَّهُ شخصٌ مُدهش. فنحنُ نقرأُ في العدد 43: "فِي الْغَدِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ، فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي»". ثُمَّ نَقرأ في العدد 45: فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ [أي: بَرثولَماوُس] وَقَالَ لَهُ: «وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ" – يَسوعُ ابنُ يُوسُف. والآن، ما الَّذي نَفهَمُهُ مِن هذا المقطَع؟ إنَّهُ يُشيرُ ضِمنيًّا إلى أنَّ نَثَنائيلَ كانَ باحثًا في الأسفارِ المُقدَّسةِ، وباحِثًا عن الحقِّ الإلهيِّ. فهو يُخبرُنا أنَّ نَثَنائيلَ كانَ يَعرفُ النُّبوءاتِ المَسيحانيَّة وأنَّه دَرَسَها وذلك لأنَّ الطَّريقةَ الَّتي تَحَدَّثَ إليهِ فيلُبُّس هي: "هذا هو الَّذي حَدثَّتنا الأسفارُ المُقدَّسةُ عنه". والمَعنى الضِّمنيُّ هو أنَّ نَثَنائيل كانَ دارسًا للأسفارِ المُقدَّسة. وهناكَ مَعنى ضمنيٌّ آخر في رأيي وهو أنَّ فيلُبُّس ونَثَنائيل كانا يَصرفان ساعاتٍ وساعاتٍ وساعاتٍ في دراسةِ العهدِ القديمِ معًا بَحثًا عن المَسيَّا. "لقد عَثَرنا عليه. فهو الَّذي كَتَبَ مُوسَى عنه".
لِذا فإنَّ أوَّلَ شيء نَعرفُهُ عن نَثنائيل هو أنَّه كانَ دارسًا للأسفارِ المُقدَّسة، وباحثًا عنِ الحقِّ، وطالبًا الله. وهذا جانبٌ جَيِّدٌ مِن شخصيَّتِه وشخصيَّة فيلُبُّس. فقد أرادَ أن يَعرفَ الحقَّ، وكانَ تَوَّاقًا لمعرفةِ الحقِّ الإلهيِّ، وكانَ يَترقَّبُ مَجيءَ المسيَّا. ولكنَّ العدد 46 يُخبرنا أنَّه كانت لديه خطيَّة هو أيضًا. فقد كانَت لديه نُقطةُ ضُعف: فَقَالَ نَثَنَائِيلُ لفيلُبُّس: "أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟" لا بُدَّ أنَّك تَمزَح! وهو لم يَكُن يَعيشُ في أيِّ مكانٍ رائعٍ بصراحة. فقد كانَ يعيشُ في قانا. وما أعنيه هو أنَّها كانت مكانًا صَغيرًا، ولكن كانت توجد طَبَقة راقية في قانا. أمَّا النَّاصرةُ فكانت... كانت مكانًا مُحتَقرًا. فقد كانتِ النَّاصرةُ مكانًا وَضيعًا لا تُوجدُ فيه طَبَقة راقية، بل هي مكانٌ صَاخِبٌ وعَشوائيٌّ يعيشُ فيه أُناسٌ غيرُ مُتَعَلِّمين. فقد كانَ أَحَطَّ مكانٍ في نَظرِ العالَمِ الأُمَمِيّ. أتَعلمونَ ذلك؟ وما أعنيه هو أنَّها كانت مكانًا هامشيًّا جدًّا. فلم يَسبِق أن خَرَجَ شيءٌ صالحٌ مِن النَّاصرة، بل المَتاعِب وَحَسْب.
ولا أدري إن كانت هناكَ مُنافسةٌ بين المُدُن أَم لا، ولكن كانت توجد مشاعر في قلب نَثَنائيل أَظهرَت خطيئةً بَشِعةً فيه وهي خَطيَّةُ التَّحَامُل. فقد أظهرَ تَحامُلاً على تلك البَلدة. وهل تَعلمونَ ما هو التَّحامُل؟ إنَّهُ تَعميمٌ لا مُبَرِّرَ لَهُ قائمٌ على الشُّعورِ بالفَوقيَّة. إنَّهُ تَعميمٌ لا مُبَرِّرَ لَهُ قائمٌ على الشُّعورِ بالفَوقيَّة. فقد استَثنى البلدةَ كُلَّها وقالَ إنَّه لا يُمكنُ البتَّة أن يَخرُجَ شيءٌ صالحٌ من هناك. والتَّحامُلُ بَشِعٌ.
ولا أدري إن كنتُم قد قرأتُم "الحَرب المُقدَّسة" (The Holy War) لجون بَنيان (John Bunyan). فأنا أَعلمُ أنَّكم تَعرفونَ جيِّدًا "سِياحَة المَسيحيّ" (Pilgrim's Progress)، ولكنَّ "الحَربَ المُقدَّسةَ" هي قصَّة رَمزيَّة لا تَقِلُّ عنها رَوعةً. وفي قصَّةِ "الحَربِ المُقدَّسة"، كانت "مانسول" (Mansoul) بَلدة. وكانَ عِمَّانوئيل وجُيوشُهُ يُهاجمونَ تلك البَلدة. فقد جاءَ المسيحُ وأرادَ أن يَغزو هذه الحياة. لِذا، بينما كانت بَلدةُ "مانسول" قابِعَة هُناك، جاءت قُوَّاتُ عِمَّانوئيل. ويقول "بَنيان": "هاجَمَت قُوَّاتُ عِمَّانوئيل أوَّلاً بوَّابةَ الأُذُن، ولكنَّ دَيابولوس [أي: الشَّيطان] كانَ قد وَضعَ حَارِسًا على بَوَّابةِ الأُذُن". ويقولُ "بَنيان" إنَّ حَارِسَهُ كانَ السيِّد تَحامُل العَجوز، وهو شخصٌ غَاضبٌ سَيِّئُ المَزاج يُشرِف على سِتِّينَ رَجُلاً لا يَسمعون". فالتَّحامُلُ مَنَعَ أشخاصًا كثيرينَ مِن سَماعِ الحقِّ. أليسَ كذلك؟ وهل تَعلمونَ ما الَّذي مَنَعَ الكَتَبَة والفَرِّيسيِّينَ مِن التَّجاوبِ مع يسوعَ المسيح؟ إنَّه التَّحامُل. فهو لم يكن مِن أورُشليم. وهو لم يكن قد تَعلَّمَ في مَدارِسهم. وحتَّى إنَّهم قالوا في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل عن الرُّسُل: "ما الَّذي يَعرفونَهُ؟ إنَّهُم جَليلُّونَ جاهِلونَ وغير مُتعلِّمينَ جاءوا مِن الشَّمالِ ولم يَتلقَّوْا تَعليمًا صَحيحًا". وهذا هو ما يَقولُهُ اللِّيبراليُّونَ عنَّا اليوم. فهناك أشخاصٌ في العالَم يَظُنُّونَ أنَّ المسيحيَّة هي ديانة عُنصريَّة. فالتَّحامُلُ أداةٌ يَستخدمُها الشَّيطانُ غالبًا لمَنعِ النَّاسِ مِن رؤية الحقيقة. وقد أدَّى التَّحامُلُ إلى مَنْعِ الأُمَّةِ اليهوديَّة مِن سَماعِ ما يَقولُهُ مَسيحُهم.
لِذا فقد أَظهَرَ نَثَنائيلُ تَحامُلاً. وقد تقول: "إن كانَ هناكَ شيءٌ واحدٌ لا نُريدُ أن يكونَ موجودًا بين الاثني عشر فهو أن يوجدَ شخصٌ مُتحامِلٌ بينَهُم". كانَ نَثنائيلُ شخصًا جيِّدًا، ومُفكِّرًا، وكِتابيًّا، وباحثًا عن المَسيَّا، وهادئًا، ومُتأمِّلاً، ولكنَّهُ كانَ مُتحامِلاً جدًّا. وقد قَدَّمَ فيلُبُّس له حَلاَّ في نهايةِ العدد 46 إذ قالَ لَهُ: "تَعالَ وانظُر". وسوفَ نَرى الآنَ عُمْقَ تَحامُلِه. فإن كانَ مُتحامِلاً جدًّا، سيقول: "هذا لن يَحدُث. لن أقتربَ مِن ذلك الشَّخص". أمَّا إذا كانَ تَحامُلُهُ مِن النَّوعِ الَّذي يُمكِنُ أن يَزول فإنَّه سيَقبل الذَّهاب. وقد قَبِلَ أن يَذهب. فنحنُ نَقرأُ في العدد 47 أنَّه ذهبَ: "وَرَأَى يَسُوعُ نَثَنَائِيلَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ عَنْهُ:...". فها هوَ ذاهِبٌ ومُستعدٌّ لرؤيةِ هذا المَسيَّا المَزعومُ الَّذي جاءَ مِن النَّاصرة. وها هو الرَّبُّ يأتي ويقولُ عنهُ: "هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيه".
يا لَهُ مِن تَعارُف! "هل تَتكلَّمُ عَنِّي؟ أنا؟" ما الَّذي يقولُهُ الرَّبُّ؟ مَن هو الإسرائيليُّ الحقيقيُّ؟ إمَّا أن تكونَ يَهوديًّا، وإمَّا أنَّك لستَ يَهوديًّا. أليس كذلك؟ إنَّ الكلمة المُستخدمة هنا هي "أليثوس" (alethos) ومَعناها: "يَهوديٌّ حَقيقيٌّ" أو "إسرائيليٌّ حَقيقيٌّ". هل تَعني أنَّكَ قد تكونُ يهوديًّا ولكنَّكَ لستَ يَهوديًّا حقيقيًّا؟ هذا صحيح. وهل تعني أنَّكَ قد تكونُ إسرائيليًّا ولكنَّكَ لستَ إسرائيليًّا حقيقيًّا؟ هذا صحيح. إسرائيليٌّ ولكنَّكَ لستَ إسرائيليًّا حقيقيًّا؟ هذا صحيح. "وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا... بل هو خِتانُ القَلب". "لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ" (كما جاءَ في رسالة رُومية 9: 6). فهناكَ يَهودٌ في الجسد ليسوا يَهودًا مِن جِهَةِ العهدِ لأنَّهم لا يُؤمنون. أليس كذلك؟ ولكنَّ هذا الشَّخصَ يَهوديٌّ حقيقيٌّ، وشخصٌ يَخافُ اللهَ، ويَهوديٌّ يَبحثُ عنِ اللهِ ويُركِّزُ على المَسيَّا. فهو يَهوديٌّ حقيقيٌّ. وقد قال: "لاَ غِشَّ فِيه". فهو غيرُ مَغشوش، بل هو يَهوديٌّ صادقٌ، ونَزيهٌ يَبحثُ عن الله. يا لهُ مِن مَدْح! يا لهُ مِن مَدح!
وبالرَّغمِ مِن أنَّه كانَ شخصًا بهذه الرَّوعة حَتَّى إنَّ المسيحَ قالَ إنَّهُ: "لا غِشَّ فيه"... فهذا هو ما قالَهُ يسوعُ. فهو لا غِشٌّ فيه، ولا يوجدُ رِياءٌ فيه... بالرَّغمِ مِن أنَّه كانَ شخصًا بهذه الرَّوعة، فقد كانَ ما يَزالُ شخصًا مُلَطَّخًا بخطيَّةِ التَّحامُل. لِذا، كما تَرَونَ، فإنَّ الرَّبَّ يَستخدِم دائمًا أشخاصًا غيرَ مُؤهَّلينَ مِن هذا الجانبِ أو ذاكَ؛ حتَّى النُّخبة مِنهم. فقد كانَ قلبُهُ مُستقيمًا، وكانَ عاكِفًا على مَعرفةِ الحقِّ الإلهيِّ، ولم يَكُن يوجدُ أيُّ غِشٍّ أو رِياءٍ في حياتِه. وقد قالَ لهُ الرَّبُّ ذلك. ويا لهُ مِن تَعارُفٍ رائعٍ. ألن يكونَ مِنَ الرَّائعِ أن يَتقدَّمَ الرَّبُّ منكَ ويقول: "هذا مَسيحيٌّ حَقيقيٌّ لا غِشَّ فيه"؟ فسوفَ تقولُ حينئذٍ: "شُكرًا لكَ. مِن الرَّائعِ أن تقولَ ذلك". وما أعنيه هو أنَّه مِن المؤكَّدِ أنَّ نَثَنائيلَ كان شخصًا رائعًا. ولكي تَعلموا مِقدارَ صِدقِه، قالَ لَهُ في العدد 48: "مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟" كيفَ تَعلَمُ هذا؟ كيفَ تَعرِفُ قلبي؟" فقد عَلِمَ أنَّهُ يَهوديٌّ حَقيقيٌّ، وعَلِمَ أنَّهُ باحثٌ عنِ الله، وعَلِمَ أنَّهُ مُخلِصٌ. "كيفَ عَرَفْتَ ذلك؟ فأنتَ تأتي إليَّ وَحَسْب وتَعلَمُ ذلك؟ كيفَ عَرَفتَ ذلك؟" أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: "قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ، رَأَيْتُكَ". ولا شَكَّ في أنَّ ذلكَ أَفقَدَهُ صَوابَهُ. كيف عَلِمْتَ أنِّي كنتُ جالسًا تحتَ التِّينَة؟ فقد كانَ جالسًا هناك.
وقد تقول: "وما الَّذي كانَ يَفعلُهُ تحتَ التِّينَة؟ هل يَجلسُ النَّاسُ تحتَ أشجارِ التِّين؟ ما الَّذي كانَ يَفعلُه تحتَ شَجرةِ تِين؟" الحقيقةُ هي أنَّهُ في فَلَسطين، كانت أشجارُ التِّين تُزرَع حول المنازِل وغيرها مِن الأماكِن للاستفادةِ مِن ثَمَرِها. وكانت شَجرةُ التِّين تَنمو ويَصِلُ ارتفاعُها إلى ثلاثة أمتار، وتَمتدُّ أغصانُها نحو ثمانية أمتار مِن الوسط... نحو ثمانية أمتار. وهي تُوَفِّرُ مَنطقةً كبيرةً مِن الظِّلّ. والطَّقسُ حارٌّ جدًّا هناكَ كما تَعلمون. وفي الكثيرِ مِن البيوتِ الفقيرة، كانت توجد غُرفة واحدة فقط، والقليلُ مِن الهواءِ العَليل بين الحينِ والآخر. لِذا، كانَ بمقدوركَ أن تَخرج وتَجلس تحتَ شجرة التِّين بحثًا عن الظِّلِّ والرَّاحةِ والنَّسيمِ العَليل. عَدا عن ذلك، صارت شَجرةُ التِّين المكانَ الوحيدَ الَّذي يُمكنكَ أن تَذهب إليه إن أردتَ أن تَهرُبَ مِن المَنزل وِمنَ الصَّخبِ والضَّوضاءِ في الدَّاخل. لِذا فقد صارت مَفَرًّا، وصارت مَلاذًا، وصارت مَكانًا تَذهبُ إليهِ للاختلاءِ بنفسك، وصارت مَكانًا تَذهبُ إليهِ كي تُصَلِّي، أو كي تَتأمَّل، أو كي تَتَفَكَّر، أو كي تَتخاطَب فيه مع الله، أو مكانًا تَقرأُ فيهِ الكتابَ المقدَّس، أو مكانًا هادئًا. ورُبَّما كانَ نَثَنائيل جالسًا هناك تحتَ شجرة التِّين كما كانَ يَفعل يهودٌ كثيرون، وأنَّه كان يَتأمَّل ويُصلِّي بهدوءٍ وسَكينَة بعيدًا عن صَخَبِ البيت. فقد كانَ يَطلُبُ اللهَ في خَلوتِه تحتِ ظِلِّ شجرة التِّين.
وقد قالَ لهُ يسوعُ: "لقد رأيتُكَ. لقد رأيتُكَ تتأمَّل. ورأيتُكَ تَطلُب وَجهَ اللهِ. ورأيتُكَ تَفتَحُ قلبَك. ورأيتُكَ في تلك الخَلوة وفي ذلك المكانِ المُنعَزِل. لقد رأيتُ رَغبتكَ الحقيقيَّة، ورأيتُ ما في قلبِك، وما تُريدُ أن تَعرفَهُ. هأنذا". وهذا مُدهشٌ جدًّا.
فقد كانَ نَثَنائيل يُصلِّي على الأرجح تحتَ شجرة التِّين قائلاً: "يا رَبّ، أرِني المَسيَّا". وها هو فيلُبُّس يأتي صارخًا تحتَ الأغصان ويقول: "نَثَنائيل، لقد وَجدتُهُ. لقد استُجيبت صَلاتُك. إنَّه مِن النَّاصرة". حينئذٍ قالَ نَثَنائيل: "لا بُدَّ أنَّكَ تَمزَح". فقد كانَ يَعلمُ ما قالَهُ النَّبيُّ مِيخا عن أنَّ المَسيَّا سيأتي مِن بيتِ لحم. ولم يكن هناكَ شيءٌ صالحٌ قد خَرَجَ يَومًا مِن النَّاصرة. "تعالَ وانُظر. تَعالَ وانظُر". "حسنًا". فقد تَغَلَّب شَوقُ قلبِه على تَحامُلِه فذهب. وكانَ هذا كَافٍ لَهُ. "أَجَابَ نَثَنَائِيلُ [في العدد 49] وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيل!»".
هل تُريدونَ أن تَعلموا شيئًا؟ بعدَ ثلاثِ سنوات، لم يكن فيلُبُّس واثقًا مِن ذلك؛ أي مِن أنَّ يسوعَ هو الله. أمَّا نَثَنائيل فعَلِمَ ذلكَ حالاً. فقد رأى اللهَ مُتجسِّدًا أمامَهُ. فقد كانت فيلُبُّس يَعتقد أنَّ الشَّخصَ الَّذي تَكلَّمَ عنهُ مُوسَى قد جاء، ولكنَّه لم يكن مُتيقِّنًا جدًّا مِمَّن يكون. أمَّا نَثَنائيل فقد عَلِمَ ذلكَ في الحال: هذا هو ابنُ الله. يا لهُ مِن تَكريس! ويا لهُ مِن قَلب!
"أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: لقد آمَنْتَ لأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ التِّينَة". لا يجب أن يكونَ هذا سؤالاً، بل هي جُملة. فالسَّببُ الَّذي تُؤمِنُ لأجله هو أنِّي عَالِمٌ بِكُلِّ شيء. فأنتَ مُقتَنِعٌ بأنَّ اللهَ هو الوحيدُ الَّذي يَعرفُ كلَّ شيء. فعِلْمي بِكُلِّ شيءٍ هو الَّذي أقنَعَكَ بِمَن أكون. وهو يقول: "اسمع! سوفَ تَرى ما هو أعظمُ مِن هذا يا صَديقي. فقد ابتدأتَ تَرى وحَسْب". فقد دُهِشَ تمامًا بسببِ حقيقة صغيرة واحدة عن عِلْمِ اللهِ المُطلَق. فقد رآهُ يسوعُ تحتَ شَجرةِ تين. ويسوعُ يقولُ: أنتَ لم تَرَ شيئًا بعد". ثُمَّ انظروا إلى العدد 51. ولا وَقتَ لديَّ للتَّعمُّقِ في هذه النُّقطة، ولكن يُمكنكم أن تَشتروا الشَّريطَ الَّذي أَعِظ فيه عن إنجيل يوحنَّا والأصحاح الأوَّل. فكلُّ شيء مَذكورٌ فيه. ولكن في عُجالة: "وَقَالَ لَهُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَان".
ما هذا؟ إنَّه يقولُ له بصورة مُحَدَّدة: "نَثنائيل، هل تَعتقد أنَّكَ رأيتَ السَّماء؟ هل تَعتقد أنَّك رأيتَ القُدرةَ الإلهيَّةَ مِن خلالِ عِلْمي بكُلِّ شيء؟ مِنَ الآن فصاعِدًا ستَرَوْنَ أموراً كثيرةً تَحدُثُ بينَ السَّمَاءِ والأرض. سوفَ تَرَوْنَ السَّماءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ، وابنَ الإنسانِ يَعملُ بقوَّةٍ إلهيَّة". سوف تَرَوْنَ السَّماءَ وهي نَازِلَة. هذا هو ما يَقولُه. وقد رأى ذلك. فقد صَنَعَ مُعجزةً تِلو الأخرى، تِلو الأخرى. وربَّما فَهِمَ نَثَنائيلُ مَجدَ المسيح أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر. فهو لم يَطرح أيَّ سؤالٍ آخر، ولم يَستعلِم عن أيِّ شيءٍ آخر، ولم يَظهَر ثانيةً في كلِّ الإنجيل. فقد كانَ ثابتًا وراسخًا كالصَّخرة منذُ البداية.
لِذا فإنَّنا نَلتقي نَثنائيلَ بَرثولَماوُسَ الباحث عن الحقِّ، والمُتحامِل ولكنَّه لم يَتمسَّك بتحامُلِه، بل كانَ نَزيهًا، ومُنفتِحًا، ورَجُلاً مُصَلِّيًا، ورَجُلاً مُتأمِّلاً، ورَجُلاً سَلَّمَ حياتَهُ بالكامِل للمسيح، ورَجُلاً ذا عَقلٍ مُتَّقِد وقلبٍ مُؤمِن. فقد رأى وفَهِمَ. وقد وَعَدَهُ يسوعُ بأنَّه سيَرى أروعَ الإعلانات. وكانَ كُلُّ ما رآهُ مِن تلكَ اللَّحظةِ فصاعدًا وعَرَفَهُ هو أنَّ السَّماءَ مَفتوحة... أنَّ السَّماءَ مَفتوحة. ففيلُبُّس لم يكن يومًا مُتيقِّنًا. أمَّا هو فكانَ مُتيقِّنًا.
إنَّ اللهَ يَستخدِمُ أشخاصًا بَطيئينَ، ومُتَثاقِلينَ، وبَليدينَ، وجامِدينَ، وتَحليليِّينَ، وضَعيفي الإيمانِ، ومُتَشَكِّكينَ على غِرارِ فيلُبُّس. واللهُ يَستخدِم أشخاصًا لديهم إيمانٌ عظيمٌ، وفَهمٌ واضحٌ، ونُفوسٌ مُتأمِّلَةٌ على غِرارِ نَثَنائيل. هل تَعلمونَ ماذا يَفعلُ اللهُ؟ إنَّه يأخذُ المادَّةَ الخامَ ويَصنَع مِنها شيئًا يُمكنُه أن يَستخدِمَه.
وقد كانتُ أتمنَّى أن أتمكَّنَ مِن مُشاركتكم عَمَّا حدثَ في الفترةِ الواقعةِ بينَ تَدريبِ فيلُبُّس وموتِه. فأنا أعتقد أنَّها قصَّة رائعة لأنَّ الرَّبَّ جَعَلَهُ ما أرادَ له أن يكون. فالرَّبُّ يستطيعُ أن يَستخدمَ أيَّة مادة خام مُتوفِّرة. وهو عَاكِفٌ على إخراجِ الأفضل مِن الأشخاصِ غير المُؤهَّلين. هل يُمكنني أن أطرحَ عليكم السُّؤالَ التَّالي في الخِتام؟ هل أنتَ واحدٌ مِن غيرِ المُؤهَّلين؟ لأنَّكَ إن كنتَ كذلكَ فإنَّ الرَّبَّ يُريدُ أن يَستخدِمَك. دَعونا نُصَلِّي:
يا رَبُّ، نَشكُرُك مَرَّةً أخرى على حقيقةِ أنَّ هذه كلمة مُشَجِّعة جدًّا لنا إذ إنَّك تَستطيعُ أن تَستخِدَمنا بالرَّغمِ مِن ضَعَفاتِنا؛ لا كما نحنُ، بل كما تُريدُ أن تَجعلَنا وأن تَصنَعَنا، وأن تُشَكِّلَنا. ويا لَيتَنا نكونُ مُستعدِّينَ للبدءِ بصفتِنا مُتَعَلِّمينَ ("ماثيتيس" – "mathetes") أو تلاميذَ لنصيرَ رُسُلاً مُدرَّبينَ كي تُرسِلنا لِما يَؤولُ إلى تَمجيدِك. باسمِ المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
