Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إنجيل مَتَّى والأصحاح العاشر. يا لهُ مِن امتيازٍ عظيمٍ لنا في هذه الأيَّام، في أثناء دراستِنا لإنجيل مَتَّى، أن نُرَكِّزَ في هذا الأصحاحِ العاشِر على خُدَّامِ السَّيِّد؛ أي على أولئك الأفراد المُمَيَّزينَ جدًّا الَّذينَ اختارَهُم رَبُّنا ليكونوا تلاميذَ لَهُ، وليصيروا لاحقًا رُسُلَهُ الَّذينَ أُرسِلوا ليَكرزوا بإنجيلِ يسوعَ المسيح إلى العالَم. وإنَّهُ لأمرٌ يُحَمِّسُني جدًّا، وأرجو أن يُحَمِّسَكُم أنتم أيضًا، أن نَجِدَ أنَّ هؤلاءِ الرِّجالَ الَّذينَ تَمَّ اختيارُهم ليكونوا أعوانًا شخصيِّينَ ليسوعَ المسيح، وأنَّ هؤلاءِ الرِّجالَ الَّذينَ نَتخيَّلُهم غالبًا في شكلِ قِدِّيسينَ لا يُخطئونَ يعيشونَ في كَمالٍ مُطلَق سَيطَرَ على عُقولِنا لم يكونوا سِوى أشخاصًا على غِرارِنا نحن، وأنَّ اللهَ عاكِفٌ على استخدامِ كلِّ أنواعِ النَّاسِ للقيامِ بمستوىً عالٍ جدًّا جدًّا مِن المَهامِّ الإلهيَّةِ والرُّوحيَّةِ والأبديَّة. وما أدهشَني بصورة خاصَّة في هذا الأسبوع في أثناء تفكيري في الرُّسُل هو أنَّ عَدَدَهُم كانَ قليلاً جدًّا. فكما تَعلمونَ، عندما نُفكِّر في كنيسة تَركت تأثيرًا هائلاً، فإنَّنا نُفكِّر في كنيسةٍ تَحوي عددًا كبيرًا مِن النَّاس. وقد كنتُ أتحدَّثُ إلى شخصٍ يومَ أمس مِن أوروبا قالَ لي: "هذا صعبٌ جدًّا علينا لأنَّه يوجد لدينا تسعة وعشرونَ شخصًا فقط في كنيستِنا". وقد قال: "أنا أعيشُ في مدينة، في مَدينة ليون (Lyon) الَّتي يوجد فيها مَليونا شخصٍ وخمسَ عشرة كنيسة فقط ليس للأغلبيَّة مِنها أيُّ تأثيرٍ على الإطلاق. لِذا فإنَّ الظُّروفَ ليست في صالِحِنا". وبالرَّغمِ مِن ذلك، عندما تَدرسونَ حياةَ الرُّسُل تجدونَ أنَّ هؤلاءِ الاثني عشر، أو بالحَرِيِّ الأحدَ عَشَر، كانوا يَقفونَ لا فقط في وجهِ النِّظامِ البشريِّ، بل في وَجهِ النِّظامِ الشَّيطانيِّ أيضًا. فَهُم مُجرَّدُ أحَدَ عشر رَجُلاً أمينًا وَحَسْب لم يكونوا موهوبينَ بصورة خاصَّة أيضًا.

وكما رأينا في الأسبوع الماضي، فقد كانوا جميعًا بصورة رئيسيَّة غير مُؤهَّلينَ للمَهمَّة. ومع ذلك، فقد قَلَبَ هؤلاءِ الرِّجال حَرفيًّا العالَمَ رأسًا على عَقِب. والمُدهشُ في الأمر هو ما يَستطيعُ اللهُ أن يَفعلَهُ بعددٍ قليلٍ جدًّا مِن الأشخاص. فمِن ناحية بَشريَّة فإنَّ العالَمَ يُصَفِّق للقليلينَ الَّذينَ يُهاجمونَ الكثيرين. أتَعلمونَ ذلك؟ وما أعنيه هو أنَّه عندما يَفعلُ شخصٌ شيئًا غيرَ مألوفٍ فإنَّ العالَمَ يَقولُ عنهُ إنَّه بَطَلٌ - حتَّى لو أنَّهُ هُزِم. ولَعلَّ بعضًا منكم يَذكُرُ المقطوعات الأدبيَّة وقصيدة: "هُجومُ اللِّواءِ السَّريع" (The Charge of the Light Bridgade). فقد اشتركَ فيه سِتُّمئة مِن الفُرسان في "بالاكلافا" (Balaklava). وكانت المُرتفعاتُ مَحروسة بجنودٍ مُدرَّبين يقفونَ خلفَ دائرةٍ عَريضةٍ مِن المَدافع. صَدَرَ الأمرُ: "ليتقدَّم اللِّواءُ السَّريع. اهجُموا على العَدُوّ". كان الجنودُ يَعلمونَ أنَّ العَدوَّ يَفوقُهم عَدَدًا، وأنَّه لا مَجالَ لتحقيقِ النَّصر. وكانوا يَعلمونَ أنَّ شخصًا ما قد أخطأَ في فَهمِ الأمرِ العَسكريّ، ولكنَّ واجِبَهُم يُحَتِّمُ عليهم أَلاَّ يَسألوا عن السَّبب، بل أن يُحاربوا ويَموتوا. ويقولُ الشَّاعر:

"نِصْفُ فَرْسَخٍ، نِصفُ فَرْسَخٍ،

نِصْفُ فَرْسَخٍ إلى الأمام،

الجميعُ انطلقوا إلى وادي الموت،

انطلقَ السِّتُّمئة.

"مَدافعُ عن يَمينِهم،

مَدافِعُ عن يَسارِهم،

مَدافِعُ مِن أمامَهُم،

أَطلَقَتْ عليهم وابِلاً مِن القذائفِ كالرَّعد.

وأمطرَتْهُم بالقنابلِ والرَّصاص.

ولكنَّهم امْتَطَوْا خُيولَهُم بشجاعة ورباطَةِ جأش.

إلى فَكَّيِّ الموتِ،

إلى فَمِ الجَحيم

امتَطى السِّتُّمئة خُيولَهُم".

وقد ظَلَّ هؤلاء عبرَ التَّاريخ يُخَلَّدونَ بِوَصفِهم أبطالاً؛ لا لأنَّهم انتصروا، بل لأنَّهم كانوا قِلَّةً في وَجْهِ عددٍ هائلٍ. لِذا فإنَّ ذلك يُشيرُ إلى شجاعتِهم الكبيرةِ وتَكريسِهم العظيمِ للقيامِ بواجبهم.

وهناكَ أيضًا الهُجومُ العظيمُ المَعروفُ باسم "هُجوم بيكيت" (The Charge of Picket) في الحرب الأهليَّة. فقد كانَ جيشُ الاتِّحاد يُسيطِر على المُرتفعات. فقد كانوا يَحرسونَ المُرتفعات بجنودٍ يَبلُغ عددُهم ثلاثة أضعافِ الجُنودِ الَّذينَ كانَ "بيكيت" يَقودُهم. وكانَت تَدعَمُهم مِن الخَلف مَدفعيَّةٌ ثقيلةٌ قويَّة. ومع ذلك، أعطى الجنرال "لي" (Lee) أمرًا بالهُجوم. وقد صَدَرَ الأمرُ مِن خلال مُعاونه الجنرال "لونغستريت" (Longstreet). وقد وقفَ "لونغستريت" أمامَ "بيكيت" الَّذي أُوكِلَتْ إليهِ مَهمَّةُ قِيادةِ الجنود، ولكنَّه عَجِزَ عن التَّكلُّم. فقد وقفَ أمامَهُ بتردُّدٍ دونَ أن يَنطِقَ بكلمة، فقالَ لهُ "بيكيت": "أيُّها الجنرال، هل أتقدَّم؟" ولكنَّ "لونغستريت" الَّذي كان مَكسورَ القلبِ بسببِ المصيرِ المَحتوم لنُخبة الجيشِ الجَنوبيِّ لم يَتمكَّن مِنَ النُّطق بكلمة. لِذا فقد اكتَفى بِهَزِّ رأسِه. وقد قادَ "بيكيت" الهُجوم. وقد كانَ هُجوم بيكيت الهُجومَ البُطوليَّ العَظيمَ للحربِ الأهليَّة، ولكنَّ الجُنودَ سَقطوا كما يَسقُطُ العُشبُ أمامَ المِنجَل.

ونحنُ نَتذكَّر شجاعتَهُم، ونَتذكَّر تَكريسَهُم للواجب، ولكنَّهم خَسِروا. وأعتقد أنَّ هناك أمورًا مُدهشةً أكثر مِن ذلك. فكما تَرَون، قد يكونُ الإنسانُ شُجاعًا، وقد يكونُ الإنسانُ مُكرَّسَا للقيامِ بواجبه، ولكنَّه ما يَزالُ إنسانًا. ولأنَّه ضَعيف فإنَّه لا يستطيعُ أن يَنتصرَ على أُمورٍ مُعيَّنة. ولكنَّ عكسَ ذلك يَحدُث عندما يَتدخَّلُ الله. فاللهُ يَستطيعُ أن يأخذَ القليلَ جدًّا، أي أقلَّ مِن سِتُّمئة جُنديّ، وأقلّ مِن عدد الجُنود الَّذينَ كانوا معَ القائد "بيكيت"، وأن يَنتصرَ على أكبرِ عَدُوٍّ في الوُجود.

فَشَمْجَرُ (وهو أحدُ قُضاةِ إسرائيل) أمسكَ يومًا مِنْساسَ بَقَر (وهو أداة حَديديَّة حادَّة يُنْخَسُ بها الثَّور) وقَتَلَ به سِتَّمئة مِن الأعداء. وهناكَ دَبُورَة وبَاراق. فبعد الانتصار العظيم الَّذي حَقَّقَهُ دَبُورَه وباراق، قامَ عَدُوٌّ جديد في أرضِ إسرائيل. وكانَ العَدوُّ هو المِديانيِّينَ الَّذينَ اتَّحدوا مع العَمالِقَة وهَيمنوا على بني إسرائيل مُدَّةَ سَبع سِنين. وقد أوشكَ بنو إسرائيل على الاستسلامِ لذلك الطُّغيان عندما أقامَ اللهُ رَجُلاً مُمَيَّزًا جدًّا اسمُهُ جِدْعون. وكانَ جِدعون يَستعدُّ لخوضِ مَعركةٍ مع المِديانيِّينَ وحُلفائهم العَمالِقَة. لِذا فقد جَمَعَ جِدعون جَيشَهُ وكانَ عَدَدُهم اثنان وثلاثونَ ألفَ رَجُل. فقالَ اللهُ: "إنَّ الجيشَ كَبيرٌ جدًّا. فهؤلاءِ الرِّجالُ يَزيدونَ بمقدارِ واحدٍ وثلاثينَ ألفًا وسبعمئة رَجُلٍ عنِ العددِ المَطلوب". وقد اختزَلَ هؤلاءِ إلى ثلاثمئة رَجُل فقط. وفي سِفْر القُضاة 7: 12، نَقرأُ وَصفًا للعَدُّوّ: "وَكَانَ الْمِدْيَانِيُّونَ وَالْعَمَالِقَةُ وَكُلُّ بَنِي الْمَشْرِقِ حَالِّينَ فِي الْوَادِي [وهو وادي مُوآب] كَالْجَرَادِ فِي الْكَثْرَةِ، وَجِمَالُهُمْ لاَ عَدَدَ لَهَا كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فِي الْكَثْرَة". وهذا لا يعني أنَّ اللهَ لم يكن قادرًا على عَدِّهم، بل يعني أنَّكَ إن وقفتَ هناكَ، لن تَتمكَّنَ مِن عَدِّها. فقد كانت كرملِ البحرِ في الكَثرة. وكانَ جِدعون يقفُ هناكَ ومعه ثلاثمئة مُحارب فقط. وهل تَعلمونَ مَنِ انتصَر؟ جِدعون. وكلُّ ما فَعلَهُ هو أنَّه أَحدَثَ ضَجَّةً فخافَ المِديانيُّونَ والعَمالقةُ وقتلَ بعضُهم بعضًا بسببِ ارتباكِهم.

وكما تَرَون، عندما تُضيفونَ القوَّةَ الإلهيَّةَ الخارقةَ للطَّبيعة، لن يَصيرَ العددُ القليلُ أبطالاً وحسب بسبب شجاعتهم وتَكريسهم، بل بسببِ انتصارِهم.

وسوفَ أُقدِّمُ لكم مَثلاً إيضاحيًّا آخرَ رُبَّما يُساعِدُ في تَلخيصِ هذه النُّقطة. سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح 13. افتحوا على هذا الأصحاح قليلاً. كان الصِّراعُ الَّذي لا يَنتهي مع الفِلِسطينيّينَ ما يزالُ دائرًا. وكانَ شاول هو مَلِكُ شعبِ إسرائيل. وقد خَاضوا مَرَّةً أخرى مَعركةً مع الفِلسطينيِّين، وكانوا في وضعٍ سَيِّءٍ، بل سَيِّءٍ جدًّا. وإذ تَقرأونَ عن ذلك في الأصحاح الثَّالث عشر، تُلاحظونَ أنَّ الأمرَ كانَ يَسيرُ مِن سَيِّءٍ إلى أسوأ فأسوأ. ونقرأ في العددِ الخامِس مِن سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح 13: "وَتَجَمَّعَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لِمُحَارَبَةِ إِسْرَائِيلَ، ثَلاَثُونَ أَلْفَ مَرْكَبَةٍ، وَسِتَّةُ آلاَفِ فَارِسٍ، وَشَعْبٌ كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فِي الْكَثْرَةِ. وَصَعِدُوا وَنَزَلُوا فِي مِخْمَاسَ شَرْقِيَّ بَيْتِ آوِنَ". فقد كانَ الجيشُ ضَخمًا جدًّا... جيشًا ضَخمًا حَرفيًّا. "وَلَمَّا رَأَى رِجَالُ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ فِي ضَنْكٍ، لأَنَّ الشَّعْبَ تَضَايَقَ، اخْتَبَأَ الشَّعْبُ فِي الْمَغَايِرِ وَالْغِيَاضِ وَالصُّخُورِ وَالصُّرُوحِ وَالآبَارِ". ويُمكنكم أن تَتخيَّلوا الصُّورة. فقد رأوا هؤلاءِ الفِلسطينيِّينَ فاختبأَ الجميعُ في أقربِ مَخبأ، في المَغايِرِ والكُهوف، وبينَ الأشجار، وفي التِّلال. ونقرأُ في العدد 7 أنَّ بَعضَ العِبرانيِّينَ عَبَرُوا الأُرْدُنَّ إِلَى أَرْضِ جَادَ وَجِلْعَاد. فقد خَرجوا مِنَ البَلد وتَركوا الأُمَّة. "وَكَانَ شَاوُلُ بَعْدُ فِي الْجِلْجَالِ وَكُلُّ الشَّعْبِ ارْتَعَدَ وَرَاءَهُ". فهو عَدوٌّ ضَخم. ونَقرأ في العدد الثَّامن: "فَمَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَسَبَ مِيعَادِ صَمُوئِيلَ، وَلَمْ يَأتِ صَمُوئِيلُ إِلَى الْجِلْجَالِ، وَالشَّعْبُ تَفَرَّقَ عَنْهُ". وقد ابتدأَ يَشعُر بالقلق الآن. "فَقَالَ شَاوُلُ: قَدِّمُوا إِلَيَّ الْمُحْرَقَةَ وَذَبَائِحَ السَّلاَمَة".

والآن، ابتدأَ شاوُل يَشعُر بالتَّوتُّر الشَّديد حتَّى إنَّه أرادَ أن يَفعلَ شيئًا دِينيًّا لإقحامِ اللهِ في الأمر. لِذا، نَقرأ في العدد التَّاسع أنَّه أَصْعَدَ مُحرقةً. "فَقَالَ شَاوُلُ: «قَدِّمُوا إِلَيَّ الْمُحْرَقَةَ...». فَأَصْعَدَ الْمُحْرَقَةَ". والمُشكلة في ذلك هي أنَّه كان يوجد شخصٌ واحدٌ فقط في الأرض يُسمَح له بإصعادِ المُحرقةِ. وَمَن هو؟ الكاهِن. فقد تَعَدَّى شاوُل على مَنصِب الكاهِن. "وَكَانَ لَمَّا انْتَهَى مِنْ إِصْعَادِ الْمُحْرَقَةِ إِذَا صَمُوئِيلُ مُقْبِلٌ، فَخَرَجَ شَاوُلُ لِلِقَائِهِ لِيُبَارِكَهُ". فقد أرادَ أن يَتصرَّفَ بطريقة دينيَّة أو بطريقة رُوحيَّة. "فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «مَاذَا فَعَلْتَ؟» فَقَالَ شَاوُلُ: «لأَنِّي رَأَيْتُ أَنَّ الشَّعْبَ قَدْ تَفَرَّقَ عَنِّي، وَأَنْتَ لَمْ تَأتِ فِي أَيَّامِ الْمِيعَادِ..." [فقد كانَ يَعلَمُ أنَّهُ مُمَثِّلُ اللهَ وأنَّه لم يَأتِ] "...وَالْفِلِسْطِينِيُّونَ مُتَجَمِّعُونَ فِي مِخْمَاسَ..." وقد راحَ يُقدِّمُ كلَّ تلكَ الأعذار: أنتَ لم تأتِ، والوقتُ كانَ يَمضي، والفِلسطينيُّونَ كانوا هُناكَ "فَقُلْتُ: الآنَ يَنْزِلُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ إِلَيَّ إِلَى الْجِلْجَالِ [وهو يُحاولُ أن يُدافِعَ عن نفسِه هُنا... كما تَعلمُ، يجب عليَّ أن أفعلَ ذلك بنفسي] وَلَمْ أَتَضَرَّعْ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ، فَتَجَلَّدْتُ وَأَصْعَدْتُ الْمُحْرَقَةَ»" بعبارة أخرى، لقد كنتُ أَعلمُ أنَّه لا يَجوزُ لي أن أفعلَ ذلك، ولكنِّي أرغمتُ نفسي على القيام بذلك وأصعدتُ المُحرقَة. "فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «قَدِ انْحَمَقْتَ! لَمْ تَحْفَظْ وَصِيَّةَ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَمَرَكَ بِهَا، لأَنَّهُ الآنَ كَانَ الرَّبُّ قَدْ ثَبَّتَ مَمْلَكَتَكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى الأَبَدِ". لو أنَّكَ أَطعتَ اللهَ لَهَزَمَ اللهُ الفِلسطينيِّينَ وثَبَّتَ مَملكتكَ إلى الأبد.

"وَأَمَّا الآنَ... [في العدد 14] "...فَمَمْلَكَتُكَ لاَ تَقُومُ. قَدِ انْتَخَبَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِهِ". ومَن يَكونُ ذلك الرَّجُل؟ إنَّهُ داود، المَلِكُ التَّالي. "وَأَمَرَهُ الرَّبُّ أَنْ يَتَرَأَّسَ عَلَى شَعْبِهِ. لأَنَّكَ لَمْ تَحْفَظْ مَا أَمَرَكَ بِهِ الرَّبُّ". فعِصيانُكَ لم يَجعلكَ تَكسَب أيَّ شيء. والآن، لقد كانتِ المُشكلةُ في البداية هي وجودُ ذلك الجيش الضَّخم. أمَّا الآن فإنَّ المُشكلة هي عدم وجودُ قائِد. فَالأمرُ لا يَقتصِر فقط على وُجودِ عَدوٍّ ضخم، بل إنَّهم خَسِروا قَائِدَهُم. وما زادَ الطِّينَ بِلَّةً هو أنَّنا نَقرأُ في العدد 19: "وَلَمْ يُوجَدْ صَانِعٌ فِي كُلِّ أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ قَالُوا: «لِئَلاَّ يَعْمَلَ الْعِبْرَانِيُّونَ سَيْفًا أَوْ رُمْحًا»". فَمِنَ الواضحِ أنَّ الفِلسطينيِّينَ قَتلوا كلَّ الحَدَّادينَ حَتَّى إنَّه لم يوجد شخصٌ قادرٌ على صُنع أيَّة أسلحة. "بَلْ كَانَ يَنْزِلُ كُلُّ إِسْرَائِيلَ [في العدد 20] إِلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ لِيُحَدِّدَ كُلُّ وَاحِدٍ سِكَّتَهُ وَمِنْجَلَهُ وَفَأسَهُ وَمِعْوَلَهُ عِنْدَمَا كَلَّتْ حُدُودُ السِّكَكِ وَالْمَنَاجِلِ وَالْمُثَلَّثَاتِ الأَسْنَانِ وَالْفُؤُوسِ وَلِتَرْوِيسِ الْمَنَاسِيسِ". بعبارة أخرى، كانَ كلُّ ما تَبَقَّى لديهم هو المَعَدَّات الزِّراعيَّة. لِذا، فقد كانوا يَشْحَذونَ أدواتِهم الزِّراعيَّة لاستخدامِها في هذه الحرب. والشَّخصانِ الوحيدانِ اللَّذانِ كانا يَحملان سيفًا [وَفقًا لما جاءَ في العدد 22] هُما شَاوُل وَيُونَاثَان.

وقد كانت هذه هي المُشكلةُ الثَّالثة. فالمشكلةُ الأولى هي وجودُ عَدُوٍّ ضخم. والمُشكلةُ الثَّانية هي عدم وُجود قائد. والمُشكلةُ الثَّالثة هي عدم وجود أسلحة كافية. فقد كانوا في ورطةٍ حقيقيَّة. والآن، لاحِظوا ما حَدَث: "قَالَ يُونَاثَانُ بْنُ شَاوُلَ لِلْغُلاَمِ حَامِلِ سِلاَحِهِ [في الأصحاح 14 والعدد الأوَّل]: تَعَالَ نَعْبُرْ إِلَى حَفَظَةِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الَّذِينَ فِي ذلِكَ الْعَبْر". وقد تقول: مَهلاً مِن فَضلِك يا يوناثان! ماذا ستَفعل؟ ها أنتَ قد أخذتَ سِلاحَكَ. وكانَ حامِلُ السِّلاحَ عادةً صَبيًّا صغيرًا. ماذا ستفعل بأن تأخذَ صَبيًّا صغيرًا وتذهب إلى هناك؟ ما الهَدف؟ ويَتَّضِحُ الأمرُ في العدد السَّادس. فهذهِ هي الآية الرَّئيسيَّة: "فَقَالَ يُونَاثَانُ لِلْغُلاَمِ حَامِلِ سِلاَحِهِ: «تَعَالَ نَعْبُرْ إِلَى صَفِّ هؤُلاَءِ الْغُلْفِ، لَعَلَّ اللهَ يَعْمَلُ مَعَنَا..." [والآن لاحظوا الكلماتِ الَّتي تَلي ذلك. فهذا هو المِفتاح]، "...لأَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّبِّ مَانِعٌ عَنْ أَنْ يُخَلِّصَ بِالْكَثِيرِ أَوْ [بماذا؟] بِالْقَلِيل»". هل لاحظتُم ذلك؟ فاللهُ لا يُبالي إن كانَ لديكَ الكثيرُ أوِ القليل. فهذه ليست مُشكلة لديه البتَّة. فهو يستطيعُ أن يَضَعَ كُلَّ قُوَّتِه في شخصٍ واحدٍ بنفسِ السُّهولةِ الَّتي يَستطيعُ فيها أن يَضَعها في أشخاصٍ كثيرين. فاللهُ لا يُبالي بالكَثرَة. ثُمَّ نقرأ في العدد 7: "فَقَالَ لَهُ حَامِلُ سِلاَحِهِ: «اعْمَلْ كُلَّ مَا بِقَلْبِكَ. تَقَدَّمْ. هأَنَذَا مَعَكَ حَسَبَ قَلْبِكَ»". يا له مِن غُلامٍ شُجاع. إنَّهُ غُلامٌ شُجاع. "فَقَالَ يُونَاثَانُ: «هُوَذَا نَحْنُ نَعْبُرُ إِلَى الْقَوْمِ وَنُظْهِرُ أَنْفُسَنَا لَهُمْ". ثُمَّ إنَّه قال في العدد 10: "...إِنْ قَالُوا هكَذَا: اصْعَدُوا إِلَيْنَا. نَصْعَدُ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَفَعَهُمْ لِيَدِنَا، وَهذِهِ هِيَ الْعَلاَمَةُ لَنَا". بعبارةٍ أخرى: يا رَبُّ، سوفَ نَتَّكِلُ عليكَ في أن تُعطينا عَلامةً. فإن قالوا: "اصعَدوا إلينا"، نَعلمُ أنَّ اللهَ قد دَفَعَهُم لِيَدِنا فَنَصعَد. فقد كانَ الفِلسطينيُّونَ في أعلى الجَبَل، وكانَ يُوناثانُ وحامِلُ سِلاحِه في الأسفل.

لِذا، فقد ذَهبا إلى هناك (كما جاءَ في العدد 11) وقالا: "أنتُم يا مَن في أعلى الجبل. نحنُ يُوناثان وحامِلُ سِلاحي". فنحنُ نقرأ في العدد 11: "فَأَظْهَرَا أَنْفُسَهُمَا لِصَفِّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. فَقَالَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ: «هُوَذَا الْعِبْرَانِيُّونَ خَارِجُونَ مِنَ الثُّقُوبِ الَّتِي اخْتَبَأُوا فِيهَا». فَأَجَابَ رِجَالُ الصَّفِّ يُونَاثَانَ وَحَامِلَ سِلاَحِهِ وَقَالُوا: «اصْعَدَا إِلَيْنَا فَنُعَلِّمَكُمَا شَيْئًا»". وقد كانوا يَقصِدونَ أنَّهم سيَقتلونَهُما. "فَقَالَ يُونَاثَانُ لِحَامِلِ سِلاَحِهِ: «اصْعَدْ وَرَائِي لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَفَعَهُمْ لِيَدِ إِسْرَائِيلَ»". والآن، هذا هو الإيمان يا أحبَّائي. هذا هو الإيمان. النَّصرُ لنا. لنذهب. لِذا فقد تَسَلَّقا هذا الجبلَ أوِ المُرتفَعَ أوِ التَّلَّ إذ نَقرأ في العدد 13: "فَصَعِدَ يُونَاثَانُ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ". فقد راحَ يَتسلَّقُ الجَبَلَ على يَديهِ ورِجلَيْه. "وَحَامِلُ سِلاَحِهِ وَرَاءَهُ". وقد وَصَلا إلى فوق. "فَسَقَطُوا أَمَامَ يُونَاثَانَ، وَكَانَ حَامِلُ سِلاَحِهِ يُقَتِّلُ وَرَاءَهُ. وَكَانَتِ الضَّرْبَةُ الأُولَى الَّتِي ضَرَبَهَا يُونَاثَانُ وَحَامِلُ سِلاَحِهِ نَحْوَ عِشْرِينَ رَجُلاً". ويُمكنكم أن تَتخيَّلوا ذلك الغُلامَ وهو يَتعجَّبُ مِمَّا يَجري ويتساءلُ كيفَ سقطَ كُلُّ هؤلاءِ عندَ قَدميه! ولا أدري ما السِّلاحُ الَّذي كانَ يَستخدمهُ. "وَكَانَ ارْتِعَادٌ فِي الْمَحَلَّةِ، فِي الْحَقْلِ، وَفِي جَمِيعِ الشَّعْب". وقبلَ انتهاءِ الأمرِ، يُمكنكم أن تَنظروا إلى العدد 22: "سَمِعَ جَمِيعُ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ اخْتَبَأُوا فِي جَبَلِ أَفْرَايِمَ أَنَّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ هَرَبُوا، فَشَدُّوا هُمْ أَيْضًا وَرَاءَهُمْ فِي الْحَرْبِ. فَخَلَّصَ الرَّبُّ إِسْرَائِيلَ فِي ذلِكَ الْيَوْم".

والآن اسمعوني: هذه هي النُّقطة الرَّئيسيَّة: اللهُ لا يُبالي بما إذا كانَ العَددُ كبيرًا أو صغيرًا. فالعددُ ليسَ مُهمًّا. فاللهُ يستطيعُ أن يَجعلَ مِنهم أبطالاً لا فقط بسبب شجاعتهم وتكريسهم، بل أيضًا بسببِ انتصارهم.

والآن، لِنَعُد إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح العاشر. وبعدَ هذه الخَلفيَّة، يجب علينا أن نُذَكِّرَ أنفسَنا بِتَميُّزِ هؤلاءِ الاثني عشر. فَهُم اثنا عشر رَجُلاً قَلَبوا العالَمَ حَرفيًّا رأسًا على عَقِب. وَهُم ليسوا أبطالاً بسبب شجاعتهم وحسب، أو بسبب تكريسهم، أو بسبب طاعتهم، بل لأنَّهم حَقَّقوا هَدفَهُم. فقد أسَّسوا حَرفيًّا الكنيسة. وأنا وأنتُم نِتاجُ عَمَلِهم. فقد لَمَسوا العالَمَ كُلَّه. وقد نَشروا الملكوتَ. إنَّهم هؤلاءِ الاثني عشر فقط. وقد كانَ أحدُهُم خائنًا. لِذا فإنَّهم أحد عشرَ رَجُلاً مُتواضعينَ وبُسطاءَ على غِرارِنا نحن.

وهذا يُعيدُنا إلى نُقطةِ البدايةِ يا أحبَّائي. اسمعوني: ما نوعُ الأشخاصِ الَّذين يَستخدمُهم اللهُ؟ إنَّه يَستخدِمُ أشخاصًا عاديِّينَ مِثلنا. وهو يَستخدمُ أشخاصًا غير مُؤهَّلين. أتذكرونَ ما قُلناه في الأسبوع الماضي؟ فاللهُ يَقبَلُ أُناسًا غيرَ مُؤهَّلينَ لأنَّه لا يوجد شخصٌ مُؤهَّل. فالرَّبُّ يَستخدِم قادةً أقوياء وشُجعان مِثل بُطرس الَّذي كانَ يأخُذ زِمامَ المُبادرة، ويَضَع الخُطط والاستراتيجيَّات، ويُواجِه، ويأمُرُ النَّاسَ، ويَقترِف أخطاءً كبيرةً جدًّا. وهو يَستخدِمُ أشخاصًا مُتواضعينَ ولطيفينَ ومَغمورينَ مِثل أندَراوُس الَّذي لم يَكُن يَبحثُ عن الشَّهرة، بل كانَ يُحضِرُ النَّاسَ بهدوءٍ إلى المسيح. وهو يَستخدِمُ أشخاصًا غَيورينَ، وشَغوفينَ، ولا يُساومونَ، ويُركِّزونَ على الهدف، ولا يَملكونَ حِسًّا مُرهَفًا، بل هُم طَموحونَ مِثلَ يعقوب. وهو يَستخدِم أيضًا أشخاصًا حَسَّاسينَ، ورقيقينَ، ويُركِّزونَ على حُبِّ النَّاسِ، ومؤمنينَ، وباحثينَ عنِ الحقِّ مِثلَ يوحنَّا. وهو يَستخدِمُ أشخاصًا مُتشكِّكينَ، وتَحليليِّينَ، وعَمليِّينَ، وبَطيئي الفَهمِ، وضعيفي الإيمانِ، ولا رُؤيا لهم، ومُتشائمينَ، ولا يَثِقونَ بأنفسهم مِثلَ فيلبُّس. وهو يَستخدِمُ أشخاصًا باحثينَ عنِ الحقِّ، وصادقينَ، ومُنفَتِحينَ، وحَادِّي الذِّهنِ، ومُتأمِّلينَ، ومُسَلِّمينَ جدًّا مِثل نَثَنائيل أو بَرثولَماوُس الَّذي كانَ مُمتلئًا بالإيمانِ والفَهمِ، مع أنَّه كانت توجدُ خَطيَّةٌ جسيمةٌ في حياته وهي: التَّحيُّز.

والآن، سوف نَلتقي في هذا الصَّباحِ شخصَيْنِ آخَرَيْن استخدمَهُما الرَّبُّ وهُما: مَتَّى وتُومَا (كما جاءَ في العددِ الثَّالث). فالمجموعةُ الثَّانية المؤلَّفة مِن أربعة أشخاص تَضُمُّ: فيلبُّس، وبَرثولَماوُس [أو نَثنائيل]، وتُومَا، ومَتَّى. وسوفَ نَتحدَّث عن مَتَّى أولاً لأنَّنا دَرسنا قليلاً عن حياةِ مَتَّى عندما نَظرنا إلى الأصحاحِ التَّاسع. فمَتَّى مَذكورٌ في كلِّ لائحة. وهو مَذكورٌ دائمًا في نفس المجموعة. ولكن لم يُذكَر أيُّ شيءٍ عن مَتَّى. وهو لم يَقُل أيَّ شيءٍ عن نفسه باستثناءِ شيءٍ صغيرٍ جدًّا. انظروا إلى إنجيل مَتَّى 9: 9 حيثُ نَجِد ذلك. وقد أشارَ مَرقُسُ ولوقا إلى الأمرِ نفسِهِ بكلماتٍ قليلةٍ أيضًا. وهذا هو كلُّ ما نَعرفُه عن مَتَّى: "وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي». فَقَامَ وَتَبِعَهُ". وعندما يَذكُر مَتَّى اسمَهُ في اللاَّئحة في الأصحاحِ العاشرِ والعددِ الثَّالث فإنَّه يقول: "مَتَّى العَشَّار". وأودُّ أن أقول إنَّه لا يوجد أيُّ تلميذٍ آخر كانَ يَعملُ في هذه المِهنة. ولكن لماذا يَصِفُ مَتَّى نَفسَهُ بأنَّهُ: "مَتَّى العَشَّار"؟ بعبارة أخرى، إنَّه ليسَ شيئًا تَفتَخِرُ به. لا! فقد كانَ العَشَّارُ أكثرَ شخصٍ يُنظَرُ إليهِ نَظرةَ كَراهِيَةٍ وازدراءٍ واحتقارٍ في المُجتمعِ اليهوديِّ. ولكنَّ مَتَّى يُرينا تَواضُعَهُ الحقيقيَّ وشُعورَهُ بأنَّهُ كانَ شخصًا خاطئًا غيرَ مُستحقٍّ.

إذًا، لماذا يُعَلِّق مَتَّى على نفسِه في العددِ التَّاسع؟ "وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي»". ما الغايةُ مِن ذِكْرِ ذلك هُنا؟ الغايةُ هي كما يلي: في الأعداد مِن 1 إلى 8، يُبيِّنُ مَتَّى أنَّ يسوعَ جاءَ كي يَغفرَ الخطيَّة. فنحنُ نَقرأُ في العددِ الخامس الجُملةَ التَّالية: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ". ونَقرأ في العددِ السَّادس: "...أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا". ومَتَّى يُقْحِمُ نفسَهُ هنا في آيةٍ واحدةٍ لكي يُبيِّنَ أنَّ يسوعَ يستطيعُ حَقًّا أن يَغفرَ الخطيَّة لأنَّه يَرى نفسَهُ أسوأَ خاطئٍ. ورُبَّما كانَ هذا هو السَّبب في أنَّ مَتَّى لم يَنطِق بكلمة. فهو لم يَطرح يومًا سؤالاً. وهو لم يُعَلِّق يومًا أيَّ تَعليق. وهو لم يَظهَر يومًا في أيَّة حادثة. فهو يَبقى مَحجوبًا صُورةً وصَوتًا في كلِّ الأناجيل. ورُبَّما كانَ اتِّضاعُهُ نابعًا مِن شعورِهِ الشَّديدِ بأنَّه إنسانٌ خاطئٌ، ونابعًا مِن تأثُّرِهِ الشَّديدِ لأنَّه بالرَّغمِ مِن كونِهِ خاطئًا جدًّا فإنَّه نالَ الغُفرانَ يومًا. فقد كانتِ النِّعمةُ جَزيلةً جدًّا في حالتِه حتَّى إنَّه شَعَرَ أنَّهُ لا يَستحقُّ حتَّى أن يَقولَ كلمةً واحدة. لِذا فقد بقي صَامتًا إلى أن أَمَرَهُ اللهُ أن يَحمِلَ قَلَمَهُ ويَكتُب. وحينئذٍ، أعطاهُ اللهُ امتيازَ أن يَكتُبَ بدايةَ العهدِ الجديد في صورةِ ثمانيةٍ وعشرينَ أصحاحًا عن جَلالِ مَلِكِ المُلوكِ نَفسِه.

كانَ مَتَّى خائِنًا. وكانَ مَتَّى استغلاليًّا. وكانَ مَتَّى سارقًا ولِصًّا. وكانَ مَتَّى جَشِعًا. وكانَ مَتَّى شخصًا مَرفوضًا ومَنبوذًا. وقد كانَ يَعلمُ ذلك. فكما تَرَوْن، إن كنتَ جَابي ضَرائبَ فإنَّكَ عَشَّارٌ. وما يَعنيهِ ذلك هو أنَّكَ شخصٌ يَهوديٌّ تَستخدِمُكَ الحكومةُ الرُّومانيَّةُ لجبايةِ الضَّرائب مِن اليهودِ وإعطائها للرُّومان. لِذا فإنَّكَ تَعملُ لصالحِ العَدُوِّ. وأنتَ خائنٌ مِن الدَّرجةِ الأولى. وليسَ هذا فحسب، بل إنَّكَ اشتريتَ حُقوقَ جِبايةِ الضَّرائب. لِذا فقد دَفعتَ مَالاً للحُكومة وانجرفتَ وراءَ النِّظام. وكانتِ الحكومةُ تُعيِّن مبلغًا مُعيَّنًا مِن الضَّرائبِ الَّتي ينبغي أن تُجمَعَ وتُدفَعَ لِرُوما. ولكنَّكَ حُرٌّ في جِبايةِ أيِّ مبلغٍ إضافيٍّ مِن النَّاسِ؛ وهو مالٌ يُمكنك أن تَحتفظَ به لنفسِك. لِذا، كانت هناكَ رَشاوَى، وأساليبٌ يَتَّبِعُها الاستغلاليُّونَ لا يُمكنُنا حتَّى أن نَتخيَّلَها. لِذا، كانَ اليهودَ يَكرهونَ العَشَّارينَ كثيرًا حتَّى إنَّ التَّلمودَ يقول: "لا إثْمَ عليكَ إن كَذَبتَ على العَشَّارينَ وخَدعتَهُم". هذا هو ما يَقولُهُ التَّلمودُ، لا الكِتاب المقدَّس. لِذا، تَذَكَّروا ذلك! ولم يَكُن يُسمَحُ لأيِّ عَشَّارٍ أن يَشهدَ في مَحكمةٍ قانونيَّةٍ لأنَّ الجميعَ كانَ يَعلمُ أنَّ العَشَّارينَ كَذَبة ومُرْتَشون. ولم يَكُن يُسمحُ لأيِّ جَابي ضَرائب أو عَشَّار أن يَدخُلَ مَجمَعًا أو هَيكلاً لعبادةِ اللهِ لأنَّهم كانوا أشخاصًا مُنفصلينَ عنِ الله. لِذا، عندما نَقرأُ في إنجيل لوقا والأصحاح 18 عنِ العَشَّارِ فإنَّ النَّصَّ يقول: "وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا [مَن؟] الْخَاطِئَ". فهو لم يكن قادرًا حتَّى على دُخولِ ذلك المكان. فقد كانوا حُثالةَ المُجتمع لأنَّهم أداروا ظُهورَهُم لشَعبهم وتَعاونوا مع نِظامٍ قَمعيٍّ شِرِّير، ومع نِظامٍ وَثنيٍّ يَضُمُّ أُناسًا غيرَ مَختونينَ يَعبدونَ إلهًا زائفًا هو الإمبراطور. فقد كانوا خَوَنَة.

وكانَ هناك نَوعانِ مِنَ العَشَّارين. فقد كانَ هناك "جَابَّاي" (gabbai) وَهُم جُباة الضَّرائبِ بصورة عَامَّة. فقد كانوا يَجمعونَ ضريبةَ الأراضي، وضريبةَ الدَّخل، وضريبةَ الرَّأس. وهي ضرائب ثابتة. ويبدو أنَّه لم يكن هناكَ فسادٌ كثيرٌ في ذلكَ المُستوى. ثُمَّ كان هناكَ عَشَّارون يُطلَقُ عليهم الاسم: "مُوخَس" (mokhes). وكانَ هؤلاء يَفرضونَ رُسومًا. فقد كانوا يَفرضونَ رُسومًا على كلِّ شيء. فقد كانوا يَجلسونَ عندَ مَفارِقِ الطُّرُق ويَفرضونَ رسومًا على كلِّ الوَارِداتِ، وكلِّ الصَّادراتِ، وكلِّ الأشياءِ الَّتي تُشترى، وكلِّ الأشياءِ الَّتي تُباع. فقد كانوا يَفرضونَ رُسومًا على الطُّرُق، ورسومًا على الجسور، ورسومًا على الموانئ، ورسومًا على مَحاوِرِ العَرَباتِ، ورُسومًا على عددَ أرجُلِ حِمارِك، ورُسومًا على الطُّرودِ والرَّسائلِ وما إلى ذلك... على كلِّ شيءٍ... على كلِّ شيء.

وقد كانَ مَتَّى واحدًا مِن هؤلاء. فقد كانَ "مُوخَس" (mokhes). فقد كانَ يَفرِضُ رُسومًا على كلِّ شيء. وكان هناكَ نَوعان مِن العَشَّارين: فقد كان هناكَ "عَشَّارٌ كَبيرٌ"؛ وهو شخص يُعَيِّن أشخاصًا آخرينَ يَجْمعونَ الضَّرائب ويَبقى هو في الكَواليس. فهو لا يريدُ أن يَفعلَ ذلك بنفسه. لِذا فقد كانَ يُحافظ قليلاً على كَرامَتِه ويبقى بَعيدًا عنِ المَشهَد. وكانَ هذا الشَّخص يُسَمَّى "العَشَّارُ الكبير". ثُمَّ إنَّه كان يوجد "عَشَّارٌ صَغير"... عَشَّارٌ صَغير. وكانَ العَشَّارُ الصَّغيرُ وَضيعًا جدًّا حَتَّى إنَّه لا يَرغبُ في تَعيينِ شخصٍ آخر لجمع الضَّرائب. وكانَ جَشَعُهُ الشَّديدُ يَدفعُهُ إلى جَمعِها بنفسه. وهو لم يكن يُبالي بِوَصْمَةِ العارِ الاجتماعيَّة. وقد كانَ مَتَّى عَشَّارًا صغيرًا. فقد كانَ [بحسب ما جاءَ في العدد 9] "جالسًا عندَ مَكانِ الجِباية" بنفسه. فهو استغلاليٌّ، وجَشِعٌ، وخائنٌ لشعبِه.

وأعتقد أنَّ ما يُدهشني هنا أيضًا هو أنَّه كانَ يُدعى "لاوي". وهذا يعني أنَّه كانَ حَقًّا مِن أصلٍ يَهوديٍّ. والشَّيءُ المُدهشُ أيضًا هو أنَّه يوجد في إنجيل مَتَّى... وقد يَهُمُّكم أن تَعلموا ذلك... أنَّه يوجد في إنجيل مَتَّى أقوالٌ مُقتبسة مِن العهد القديم أكثر مِمَّا يوجد في إنجيل مَرقُس ولوقا ويوحنَّا مُجتَمِعةً. لِذا، فقد كانَ مَتَّى يَعرفُ العهدَ القديم. والحقيقة هي أنَّه يَقتبسُ مِنَ الأجزاءِ الثَّلاثةِ الَّتي يَعرفُها كلُّ يَهوديٍّ للعهدِ القديمِ وهي: النَّاموس، والأنبياء، والكِتابات المُقدَّسة. فقد كانَ مَتَّى يَعرف ناموسَ اللهِ في العهد القديم. وبالرَّغمِ مِن ذلك، لا توجدُ لدينا أَدنى فِكرة عنِ اهتمامِهِ بالأمورِ الرُّوحيَّة. ولكن عندما جاءَ يسوعُ في العدد 9 وقالَ لهُ: "اتبعني"، قامَ وتَبِعَهُ... حالاً.

والآن، ما الَّذي تَرَتَّبَ على ذلك؟ أوَّلاً، لقد تَرَكَ وَظيفتَه. وما أعنيهِ هو أنَّ الأمرَ لا يُشبِه ما فَعَلَهُ الأشخاصُ الأوائلُ الَّذينَ كانوا صَيَّادي سَمَك. فإن لم يُعجبهم اتِّباع يَسوع، هناكَ دائمًا سَمك. أليس كذلك. وهناكَ دائمًا شِباكُ صَيْد. وهناكَ دائمًا قَوارب. فقد كانَ بإمكانهم أن يَعودوا إلى مِهنتهم. والحقيقةُ هي أنَّهم فعلوا ذلك في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الحادي والعِشرين. فقد عادوا جميعًا إلى صيد السَّمك. وقد أراهُم الرَّبُّ أنَّهم لا يَقدرونَ أن يَصيدوا شيئًا. ولكن عندما تَرَكَ مَتَّى مَكانَ الجِباية، صَدِّقوني أنَّ الحكومةَ الرومانيَّةَ كانت ستُعيِّنُ بديلاً عنه في اليومِ التَّالي. وكانَ هناكَ أُناسٌ مُتأهِّبونَ للقيام بذلك. لِذا فقد تَركَ مِهنَتَهُ إلى الأبد. فلا مَجالَ للتَّراجُع. كذلك، لقد تَبِعَ شخصًا كان مَرفوضًا تمامًا مِثلَهُ مِن قِبَلِ النِّظامِ لأنَّ الفَرِّيسيِّين والكَتَبَة كانوا يُبغِضونَ يسوعَ بِقدرِ ما كانوا يَكرهونَهُ بصفتِهِ عَشَّارًا (أو رُبَّما أكثر). لِذا فقد قَفَزَ مِنَ المِقلاةِ السَّاخنةِ إلى النَّار. وكانَ الثَّمَنُ الَّذي دَفَعَهُ غاليًا.

وقد تقول: لماذا فَعلَ ذلك؟ سوفَ أخبركم لماذا فَعلَ ذلك. هناكَ سببٌ واحدٌ فقط. في هذا المقطعِ الصَّغير في الأصحاحِ التَّاسع، نَرى أنَّ الفِكرةَ الَّتي تَتكرَّرُ مِرارًا هنا هي غُفرانُ الخَطايا. ففي العددِ العاشِر، أقامَ مَتَّى وَليمةً بعدَ أن دَعاهُ يسوع. وهو يَدعو عَشَّارينَ وخُطاةً. ويسوعُ هو ضَيْفُ الشَّرف في تلك الوليمة. ولعلَّكُم تَذكرونَ أنَّنا دَرسنا ذلك. وقد قالَ الفَرِّيسيُّون: "لِمَاذَا يَأكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟ فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيب، بَلِ الْمَرْضَى. فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا دَرسَكُم... لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ [مَنْ؟] خُطَاةً إِلَى التَّوْبَة". إذًا، كانتِ الغايةُ مِن الوليمة هي أن يَدعو يسوعُ خُطاةً إلى التَّوبة. لِذا فإنَّ الفِكرة بمُجملها هنا تدورُ حولَ الاعترافِ بالخطيَّة، والتَّوبة، والغُفران. ومَتَّى يُظهِرُ نَفسَهُ هناكَ لأنَّه كانَ في اعتقادي سببَ مُشكلتِه. فلا أحدَ في العالَم كانَ يَعلمُ خطيئتَهُ أكثر مِمَّا كانَ يَعلمُها مَتَّى. فقد كانَ يَعلمُ أنَّه خاطئ. وكانَ يَعلَمُ فَسادَهُ، وإساءَتَهُ، واستغلالَهُ، وجَشَعَهُ. وكانَ يَعلمُ أنَّه خانَ شَعبَهُ. وكانَ يَعلمُ أنَّه كانَ يُمكِنُ أن يُشترَى بالمال. فقد كانَ يَعلمُ ذلك. وأعتقد أنَّه كانَ يَحتقِرُ ذلك. وأعتقدُ أنَّه كانَ يَتمنَّى التَّحرُّرَ مِن ذلك الواقِع. وأعتقد أنَّه كانَ يُريدُ طريقةً للتَّحرُّرِ مِن ذلك. وكانَ قد سَمِعَ عن يسوع. وكانَ قد سَمِعَهُ يَعِظ لأنَّه كانَ في قريةِ كَفْرناحوم الصَّغيرة تلك. وأعتقد أنَّه عندما جاءَ يسوعُ إليهِ وقال: "اتبعني"، فإنَّ مَتَّى عَلِمَ أنَّ ذلكَ يَعني أيضًا غُفران الخطايا. لِذا فقد عَجَّلَ في اتِّباعِه. فقد كانَ مُتأهِّبًا لتوديعِ وَظيفتِه وكلِّ شيءٍ آخر لأنَّه أرادَ الغُفران.

ما نَوعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَستخدمُهم اللهُ؟ القِدِّيسونَ الَّذينَ لا يُخطئون؟ لا، بل إنَّه يَستخدِمُ الخُطاةَ الأشرارَ والأشخاصَ الأكثر انحطاطًا في المُجتمع إن كانوا على استعدادٍ لقَبولِ الغُفران. وقد تقول: "هذا صَحيح، ولكنَّه لا يَستطيعُ أن يَستخدمهم كثيرًا". هل هذا صحيح؟ إذًا ماذا عن كِتابةِ الإنجيلِ الَّذي هو فاتِحَةُ العهدِ الجديد؟ فكما تَرَون، إنَّ اللهَ يَعمَلُ على رَدِّ الخُطاةِ إليه. فهو يأخذُ الأشخاصَ غيرَ المُؤهَّلين ويُغيِّرهُم. فهذا هو ما يَقومُ به. وأعتقد أنَّ مَتَّى خاطَرَ أكثر مِن صَيَّادي السَّمك لأنَّه لم يكن باستطاعتِهِ أن يَعودَ إلى مِهنتِه. وقد كانَ خاطئًا شرِّيرًا. فماذا لو لم يَغفِر يسوعُ لَهُ؟ هذا يعني أنَّه سيَبقى عالِقًا في نفسِ الخطيَّة، وأنَّه سيَبقى دونَ عَملٍ يُمكنه العودةُ إليه. ولكنَّه تَركَ الكلَّ بهدوء. وأعتقد أنَّ صِدْقَ تَوبتِه يَتجلَّى في حقيقة اتِّضاعِه. فهو مُتواضعٌ جدًّا. فهو لا يقولُ شيئًا عن نفسه، ولا يقولُ شيئًا عن موهبته وما يُمكنه أن يُقدِّمَهُ إلى الله، بل إنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي يريدُ أن يقولَهُ هو: يسوعُ يَغفرُ الخطيَّة. وواحدٌ مِن الأشخاصِ الَّذينَ غَفرَ لَهُم هو شخصٌ اسمُهُ مَتَّى كانَ خاطئًا حَقًّا، وكانَ صديقًا فقط لزُمرةٍ مِن الخُطاةِ الآخرينَ... العَشَّارينَ والخُطاة.

لِذا، نحنُ نَعلَمُ عن اتِّضاعِه. وأعتقد أنَّنا نَعرِفُ شيئًا آخرَ. فقد كانَ يَشعُرُ مَعَ الضَّالِّين. فهناكَ أشخاصٌ في هذا العالَم يَنجذبونَ إلى البائسينَ والمَنبوذين. أتَعلمونَ ذلك؟ ولا بُدَّ أنَّ مَتَّى كانَ واحدًا مِن هؤلاء. بعبارة أخرى، إن حَدَثَ نِقاشٌ بين التَّلاميذ بخصوصِ ما إذا كانَ ينبغي لهم أن يَذهبوا ويَختلطوا بِحُثالَةِ القَوم، أنا واثقٌ مِن أنَّ مَتَّى كانَ أوَّلَ المُشَجِّعينَ على ذلك لأنَّه كانَ واحدًا منهم. وأنا مَسرورٌ لأنَّه عندما يُشَكِّلُ اللهُ فَريقًا مِن الأشخاص فإنَّه يأخُذُ أشخاصًا مِنَ الحَضيضِ، وإلاَّ فإنَّ بعضًا مِنَّا لن يُبدوا الاستعدادَ للنُّزولِ إلى الحَضيضِ إن لم يَعلموا أنَّ شيئًا قد يحدثُ حَقًّا هناك. وقد كانَ مَتَّى واحدًا مِن هؤلاء.

يا لهُ مِن رَجُل! فقد كانَ مُجرمًا، ومَنبوذًا، وأكثرَ شخصٍ مَنبوذٍ مِن النَّاس. وقد بُكِّتَ تَمامًا على خطيَّته. وعندما أُتيحت له الفُرصة لكي يُؤمِنَ، آمَنَ وتَبِعَ يسوع. وقد صارَ رَجُلاً مُتواضعًا جدًّا أحبَّ المَنبوذينَ، ولم يُعطِ مَكانًا للمؤسَّسةِ الدِّينيَّةِ الفاسدة. فهو رَجُلٌ ذو إيمانٍ عظيم، ورَجُلٌ سَلَّمَ حَياتَهُ تمامًا لرُبوبيَّةِ يسوعَ المسيح، ورَجُلٌ كانَ يَعرفُ العهدَ القديمَ، ورَجُلٌ استخدَمَهُ اللهُ لكتابةِ الإنجيل. وقد قالَ أحدُ الكُتَّابِ: "هذه هي الصِّفة غير التَّقليديَّة للرَّبِّ يسوعَ المسيح: أنَّه يَختارُ أكثرَ الأشخاصِ المُستَبعَدين".

وهذا يَقودُنا إلى الشَّخصِ الأخيرِ في المجموعةِ الثَّانية والَّذي يُدعى "تُومَا". وعندما أقولُ "تُومَا"، ما هي أوَّلُ كلمة تَخطُرُ بِبَالِكُم؟ "الشَّكّ". فقد اشتَهرَ تُوما بسُمعتِه السَّيِّئة. ولكنَّ تُوما رَجُلٌ أفضلُ مِمَّا تَظُنُّون. والحقيقة هي أنَّني مُقتنِعٌ بأنَّ أغلبيَّةَ النَّاس لا يَفهمونَ تومًا فَهمًا صَحيحًا. فنحنُ نَقولُ وَحَسْب: "تُوما الشَّكَّاك". ولكنِّي أعتقدُ أنَّكم ستَتعلَّمونَ بِضعةَ أمور عن تُوما لم تكونوا تَعرفونَها مِن قبل خلال الدَّقائق القليلة القادمة. اسمعوا:

لا يَذكُرُ لنا مَتَّى أو مَرقُس أو لوقا أيَّ شيءٍ عن تُوما. ولكنَّ يُوحنَّا يَغوصُ دائمًا في قُلوبِ النَّاسِ ويُطلِعُنا على تُوما. ففي إنجيل يوحنَّا والأصحاح الحادي عشر، سننظرُ إلى ثلاثَةِ نُصوصٍ قصيرةٍ جدًّا. إنجيل يوحنَّا والأصحاح الحادي عشر. لِنتعرَّف حَقًّا إلى تُومَا. فنحنُ نَقرأ في العدد 14 أنَّ الرَّبَّ كانَ عندَ نَهرِ الأُردنِّ بعدَ أن غَادَرَ مدينةَ أورُشليم. فقد كانَ الضَّغطُ رَهيبًا، وكانتِ المُؤامرةُ للقضاءِ عليهِ قد ابتدأت. والحقيقةُ هي أنَّهم اضطُرُّوا إلى الخروجِ مِن أورُشليم لأنَّ وقتَهُ لم يَكُن قد أَتى بعد. لِذا، كانَ لا بُدَّ له أن يَفعلَ ذلك للحِفاظِ على حياتِه. وهكذا، فقد كانَ هو وتلاميذُهُ عندَ نهرِ الأُردنّ. وقد سَمِعوا أنَّ لِعازَرَ مَريض. وهذا خَبَرٌ مُهمٌّ لأنَّ يسوعَ كانَ يُحبُّ لِعازَر محبَّةً خاصَّةً جدًّا. ونقرأُ في العدد 14 أنَّ يسوعَ تَأخَّرَ إلى أن مَاتَ لِعازَر، ثُمَّ قالَ ما يَلي: "لِعَازَرُ مَاتَ. وَأَنَا أَفْرَحُ...". والآن، مَهلاً! لماذا أنتَ فَرِحٌ؟ "لأَجْلِكُمْ إِنِّي لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ، لِتُؤْمِنُوا". بعبارةٍ أخرى، سوفَ أصنَعُ مُعجزةً كي أَزيدَ إيمانَكُم. فقد كانوا مَجموعةً ضعيفة. أليس كذلك؟ فقد رأينا ذلك. وقد كانوا بحاجة دائمًا إلى شَيءٍ يُظهِرُ قُدرتَه. لِذا فإنَّه يقولُ إنَّ لِعازَرَ مات. وأنا فَرِحٌ لأجلكم إنِّي لم أكن هناكَ لأنَّكم ستَرونَ الآنَ شيئًا يَقودُكم إلى الإيمان.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 15: "لِنَذْهَبْ إِلَيْهِ!" لِنذهب. والآن، أينَ كانَ لِعازَر؟ في بيت عَنْيا. وأين هي بَيْت عَنْيا؟ على بُعدِ ثلاثة كيلومترات إلى الشَّرقِ مِن أورُشليم. وقد كانَ ذلكَ الإعلانُ مُخيفًا لأنَّ كلَّ ما كانَ التَّلاميذُ يُفكِّرونَ فيه آنذاك هو: "هذا انتِحارٌ. هذا انتحارٌ حَقيقيٌّ. لا يُمكننا العودة إلى أورُشليم". والمَعنى الضِّمنيٌّ هو أنَّهم ابتدأوا في التَّفَكُّك. وربَّما قالَ بعضٌ منهم: "أريدُ أن أذهبَ لرؤية صَديقي القديم في الجليل". أورُشليم! ويبدو أنَّ تُوما تَحرَّكَ في هذا الموقفِ بروحِ القيادة إذ نَقرأُ في العدد 16: "فَقَالَ تُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ..." [فيبدو أنَّه كانَ له أخٌ أو أُختٌ توأم] "...فقالَ لِلتَّلاَمِيذِ رُفَقَائِهِ: «لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ!»".

والآن، يُمكنني أن أرى أمورًا عديدةً في هذه الجُملة. أولاً، يُمكنني أن أرى قَدرًا مُعيَّنًا مِن رُوحِ المُبادَرة. ألا تَرَونَ ذلك؟ فهو يأخُذُ زِمامَ المُبادرة. أليس كذلك؟ فهو يَقِفُ ويقولُ: "مهلاً يا رِفاق! لنذهب معه ونَموتُ معه". كذلك، أنا أرى أيضًا تَشاؤمًا. أليس كذلك؟ فأنا أرى تشاؤمًا. فقد كان مُقتنعًا أنَّ يسوعَ سيُقتَل. وإن ذهبوا معه، سيموتونَ هُم أيضًا. وما أعنيه هو أنَّ الأمرَ كانَ واضحًا جدًّا لديه.

وكما تَعلمونَ، إنَّ أعظمَ شجاعةٍ في العالمِ هي ليست شَجاعةُ الشَّخص المُتفائِل. فالشَّخصُ المُتفائلُ قد يَتشجَّع أو يَمتلكُ الشَّجاعةَ لأنَّه يعتقدُ أنَّ الأفضلَ سيَحدُث. ولكنَّ أعظمَ شجاعةٍ في العالَم هي شجاعةُ الشَّخصِ المُتشائِم لأنَّه يَعلم أنَّ الأسوأَ سيَحدث؛ وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّه مُستعدٌّ للذَّهابِ بأيِّ حَال. أتَرَون؟ فتُوما يقول: "سوفَ نموت! لِنذهب". وهذا يَتطلَّبُ شجاعةً هائلة. وأعتقد أنَّه كانَ جازمًا. فقد كانَ واثقًا مِن أنَه سيموتُ ورَتَّبَ أَمْرَ نَعْيِهِ وكلَّ شيء. فهو لم يَرَ شيئًا آخرَ سوى الكارثة، ولكنَّه عَقدَ العَزمَ على الموتِ مع المسيح. فالأمرُ أصعب بالنِّسبةِ إلى الشَّخصِ المُتشائِم مِمَّا هو عليه بالنِّسبةِ إلى الشَّخصِ المُتفائِل.

والآن، لماذا يريدُ أن يَفعلَ ذلك؟ كما تَعلمونَ، إن فَكَّرتُم فيهِ وَحَسْب كشخصٍ شَكَّاك، وإن كنتُم تَظُنُّونَ حَقًّا أنَّ تُومَا كانَ يَشُكُّ في المسيح، فإنَّ هذه الجُملة ليست مَعقولةً البتَّة. وما أعنيه هو: لماذا كانَ مُستعدًّا للذَّهابِ والموتِ مع يسوع؟ مِن المؤكَّدِ أنَّه لم يَكُن سيفعل ذلك لأنَّهُ يَشُكُّ فيه، بل لأنَّهُ كانَ يُؤمنُ به إيمانًا مُطلَقًا. لِذا، فقد كانَ يُؤمِنُ به إيمانًا مُطلَقًا. وأنا أُوْمِنُ بما يَلي: أنا أُوْمِنُ بأنَّ تُومَا رُبَّما كانَ مِثلَ يُوحنَّا إذ كانَ يُحبُّ يسوعَ مَحبَّةً عميقةً وشديدةً جدًّا حتَّى إنَّه لم يكن يَحتَمِلُ فِكرةَ العيشِ مِن دونِه. هل تَفهمونَ ذلك؟ وأعتقد أنَّ المَعنى الضِّمنيَّ لكَلامِهِ هو التَّالي: إن كانَ يسوعُ سيموت، لنذهب ونَمُت معه لأنَّ البديلَ هو أن نَعيشَ مِن دونِه. أترَون؟ لنذهب معه. لنذهب معه. فهذه كلماتٌ مُفعَمةٌ بالمحبَّة. وهذه كلماتٌ مُفعمةٌ بالإيمان. فقد كانَ مُستعدًّا للموتِ إن كانَ ذلك يَعني أنَّه سيكونُ مع يسوع. ويقولُ "هربرت لوكير" (Herbert Lockyer): "كما أنَّ أولئكَ الفُرسانَ الشُّجعانَ الَّذينَ التَصقوا بالملك جُون [مَلِك بوهيميا] الَّذي خاضَ مَعركة كريسي [Crecy] بالرَّغمِ مِن إصابتِهِ بالعَمى إذْ إنَّهم رَبَطُوا أَلْجِمَةَ خُيولِهم بِلِجامِ حِصانِ سَيِّدهم وعَقدوا العَزمَ على مُشاركتِه مَصيرَهُ أيًّا كانَ، فإنَّ تُوما أيضًا عَقَدَ العَزمَ على عَدمِ التَّخلِّي عن سَيِّدهِ سواء في الحياةِ أوِ الموتِ لأنَّه كانَ مُرتبطًا به برباطٍ عميقٍ وقويٍّ مِن المحبَّة" [نهايةُ الاقتباس].

لم يَكُن تُوما واهِمًا، بل إنَّه رأى الموتَ بعينيه وأبدى الاستعدادَ للموت. فهو رَجُلٌ شُجاعٌ ومُحبٌّ. فهو لم يَشأ أن يَنفصل عنِ المسيح. ويُمكننا أن نُعبِّرَ عن ذلك بالكلماتِ التَّالية: "نَعَم للموت! لا لِعَدَمِ الوَلاء!" فقد رَفضَ بشدَّة أن يكونَ غَيرَ وَفيٍّ ليسوع. وقد كانَ يُفَضِّلُ الموتَ لأجله على عدمِ الولاءِ لهُ. فقد كان حُبُّه له عَميقًا بهذا المِقدار. افتحوا على الأصحاح 14. فنحنُ نَراهُ مَرَّةً أخرى يأخُذُ موقفًا مُماثلاً تمامًا في هذه المَرَّةِ أيضًا. فقد خاطَبَ يسوعُ التَّلاميذَ وقالَ لهم: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ. آمِنوا بالله. فهو سَيُعِدُّ مكانًا لكم. وسوفَ آتي ثانيةً وآخُذُكم إليَّ. حيثُ أكونُ أنا تَكونونَ أنتُم أيضًا. وأنتُم تَعلمونَ إلى أينَ أمضي، وتَعرفونَ الطَّريق". فهو يقول: "وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ". ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الخامِس: "قَالَ لَهُ تُومَا: يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟" وهذا هو نفسُ القلبِ الَّذي يقول: "يا رَبُّ، لا تَذهب إلى مكانٍ لا نَستطيعُ الذَّهابَ إليه". إنَّها نفسُ الفكرة. فقد كانت فكرةُ الانفصالِ مُشكلةً عند تُومَا: "أنا لا أُحِبُّ ما أسمَع. أنتَ ستذهب! ونحنُ لن نَعلَمَ إلى أينَ ستذهب ولا كيفَ يُمكِنُ أن نَذهبَ إلى هناك!" فقد كان قلبُهُ، في اعتقادي، حَزينًا جدًّا وهو يقولُ ذلك. وقد كانَ مُتشائمًا. فهو يقول: "لن نَعثُرَ يومًا على ذلك المكان". فقد كانَ يَشعُرُ بمشاعر كئيبة وحزينة ومُوحِشَة.

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "تُومَا! أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي". وما يَعنيه هنا هو: "سوف آخُذكم يا توما. سوف آخُذكم إلى هناك. أنا هو الطَّريق. لا مُبَرِّرَ للخوف. لن أذهبَ إلى مكانٍ ما وأترُكُكم". فيمكنكم أن تَرَوْا نفسَ التَّشاؤمِ عندَ تُوما مَرَّةً أخرى. أليس كذلك؟ ويُمكنكم أن تَرَوْا نفسَ المحبَّة مَرَّةً أخرى.

لنَنظر إلى النَّصِّ الثَّالثِ والأخيرِ المُختصِّ بتُومَا. إنجيل يوحنَّا والأصحاح العشرون. كانَ يَسوعُ قد مات. وهل تَعلمونَ ما الَّذي حَدثَ لتُوما عندما ماتَ يسوع؟ لقد قال: "كنتُ أَعلمُ ذلك. لقد ماتَ. ولكنِّي لم أَمُت. وقد ذهبَ إلى مكانٍ ما، ولكنِّي لا أَدري أين هو. كنتُ أَعلَمُ ذلك". فقد تَحَقَّقت كُلُّ مَخاوفِه. لقد تَحقَّقت أسوأُ الأمورِ الَّتي خَطرت ببالِه. وقد شَعرَ بالخيانة، وشَعرَ بالرَّفض، وشعر بأنَّه مَتروك. وبسبب محبَّتِه، شعر بأنَّه قد تَحَطَّم. فقد كانَ مِثلَ حَيَوانٍ مَجروح. وقد فَقَدَ رَغبتَهُ في رؤيةِ النَّاسِ. لِذا فقد انفصلَ عنهم. هذا هو ما فَعلَهُ. وعندما اجتمعَ كُلُّ التَّلاميذ، لم يكن معهم، بل كانَ خارجًا ومُكتئبًا لأنَّه كانَ يُحبُّ يسوعَ مَحبَّةً عميقةً جدًّا. فقد كانَ مُستعدًّا للموتِ مع يسوع، ولكنَّ يسوعَ ماتَ وتَرَكَهُ حَيًّا. و قد أرادَ أن يَذهبَ معَ يسوعَ، ولكنَّ يسوعَ مَضى مِن دونِه. والآن، صارَ تَشاؤمُهُ مُبَرَّرًا. وهو مُحبَطٌ جدًّا.

ونقرأُ في العدد 24: "أَمَّا تُومَا، أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ". وهذا أمرٌ مُؤكَّد. فقد كانَ مُنعزلاً ويَلعَقُ جُروحَهُ. ولكنَّ يسوعَ ظَهَرَ للتَّلاميذِ الآخَرين، ولم يكن تُوما هناك. وخَمِّنوا مَنِ الَّذي عَثَرَ على تُوما؟ يوحنَّا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 25: "فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ...". وأعتقد أنَّ الَّذي عَثَرَ عليهِ هو يوحنَّا. وهذا مُجَرَّدُ تَخمين. وقد قالوا لَهُ: "قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!" قد رأينا الرَّبَّ يا تُوما؛ ولكنَّكَ لم تَكُن هناك. فأنتَ لم تَأتِ!

ولكنَّ توما كانَ مُكتئبًا. هل حاولتَ يومًا أن تَتحدَّثَ إلى شخصٍ مُكتئب؟ إنَّهُ أمرٌ صعبٌ حَقًّا. أليس كذلك؟ صعبٌ جدًّا. فقالَ لَهُم: "إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ". إنَّهُ مُتشائِمٌ. اعترفوا بذلك. "يجب عليَّ أن أرى". ولكن قبل أن تَحكُموا عليه، ألاَ تَذكرتُم ما يلي؟ أنَّ التَّلاميذَ جميعًا لم يُصدِّقوا إلاَّ حينَ رأوْا يسوع. وما أعنيه هو أنَّه في نهايةِ المطاف ليسَ مِن السَّهل أن تُصدِّقَ أنَّ شخصًا قامَ مِن الأموات. ففي الطَّريقِ إلى عِمْواس (في إنجيل لوقا والأصحاح الرَّابع والعِشرين)، كانَ تِلميذانِ يَسيرانِ في الطَّريق والربُّ يَسيرُ معهما. وقد كانا يَبكيان ويَنوحانِ على موتِه. وَهُما لم يُصَدِّقا أيضًا. فلم يُصَدِّق أحدٌ ذلك إلاَّ بعدَ أن رآه. لِذا، لا تَصِفوا تُوما بالشَّكَّاك. فهو مُحِبٌّ مُتشائمٌ وَحَسْب. فهذا أفضل مِن أن نَصِفَهُ بالشَّكَّاك. فهو يقول: "أريدُ أن أرى قبلَ أن أُوْمِن".

وبالمُناسبة، قد لا تَعلمونَ هذه الحقيقة، ولكنَّ الرَّبَّ لا يُمانِع في أن يَرغبَ النَّاسُ في التَّحقُّق. فإن أردتَ أن تَتحقَّقَ فإنَّه يَحترِم تلك الرَّغبة. "وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ..." [كما جاءَ في العدد 26] "...كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ". وأنا أُحِبُّ ذلك. فقد أعادَ يسوعُ تَرتيبَ الجُزيئاتِ في جسدِه وعَبَرَ مِن خلالِ الجِدار. وهو يقولُ دائمًا حينَ يَفعلُ ذلك: "سَلاَمٌ لَكُمْ!" وهذا أمرٌ نَستوعبُه. فهي تَحيَّة مُلائمة. أليس كذلك؟ فهي تُلائِمُ الخَوفَ الَّذي أَحْدَثَهُ دُخولُهُ مِن الجِدار. ثُمَّ إنَّهُ يُخاطب هذا الشَّخصَ العَزيزَ الَّذي أحبَّهُ وأبدى الاستعدادَ للموتِ معه، والَّذي كانَ مُكتئبًا ومُحطَّمًا تمامًا. فقد قَالَ لِتُومَا: "تُومَا! هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا". وهل فَعلَ تُوما ذلك؟ لا نَقرأُ هُنا أنَّه فَعلَ ذلك، بل إنَّنا نَقرأُ حالاً ومِن دونِ أن يَفعلَ شيئًا أنَّه أَجَابَ وَقَالَ لَهُ: "رَبِّي وَإِلهِي!" وهذا أعظمُ اعترافٍ في التَّاريخ. فقد أكَّدَ لاهوتَ يسوعَ المسيح. وقد أكَّدَ رُبوبيَّةَ يسوعَ المسيح. وقد أكَّدَ أنَّه الله.

وكما تَعلمونَ، لقد كان بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى ذلك. فقد عادَ يسوع. وقد قالَ لَهُ يسوع: "لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ!" ولكنَّكَ لستَ الوحيدَ الَّذي فَعلَ ذلك. فالجميعُ فَعلوا ذلك. "طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا". وهل تَعلمونَ مَن هؤلاء؟ كلُّ شخصٍ جاءَ بعد ذلك. فهؤلاءِ هُم أنتُم وأنا. فنحنُ لم نُبْصِرْهُ، ولكنَّنا آمَنَّا. "طُوبى لهؤلاء". صحيحٌ أنَّ تُومَا كانَ سَوداويًّا، ومِزاجيًّا، ومُتشائمًا، ومُضطربًا، ومُحَطَّمًا؛ ولكن عندما رأى الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ قَدَّمَ أعظمَ شَهادةٍ في التَّاريخ. وهل تَعلمونَ شيئًا؟ في تلك الجُملةِ القصيرة، قَدَّمَ تُوما الكلامَ الَّذي يُفَنِّد حَرفيًّا كلَّ كِذبةٍ قيلت يومًا عن أنَّ يسوعَ ليسَ الله؛ وهي كِذبة انتشرت طَوالَ تاريخِ الإنسان. فهي جُملةٌ رائعة: فقد قالَ "إلهي". فجميعُ الدِّياناتِ والفَلسفاتِ والبِدَعِ والهَرطقاتِ الَّتي تأتي وتُنكِرُ لاهوتَ المسيحِ تَصمُتُ أمامَ تُومَا.

تَعَلَّموا الدَّرسَ. فيسوعُ يُريدُ منكم أن تكونوا مُتيقِّنين. واليَقينُ يأتي غالبًا مِن خلالِ شَركتِكُم مع مؤمنينَ آخرين. وهذا لا يَعني أنَّ المسيحَ لا يستطيعُ أن يأتي إليك في مكانٍ مُنعزلٍ، ولكنَّه يأتي غالبًا في وسطِ خاصَّتِه.

يُخبرُنا التَّقليدُ الكثيرَ عن تُوما. فقد كانَ كارِزًا. وهُناكَ مَن يقولُ إنَّه ذَهَبَ كارِزًا وَوَصَلَ إلى الهِند. وهناكَ مَن يقول إنَّه ماتَ مِيْتَةً فَريدةً جدًّا. فقد أخذوا رُمْحًا وطَعنوهُ به بسببِ إيمانِه بالمسيح. وهذه ذُروة تُناسِبُ شخصًا قيلَ لهُ أن يَمُدَّ يَدَهُ ويَلمَس أَثَرَ الرُّمْحِ في جَنْبِ رَبِّه.

ما نوعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَستخدِمُهم اللهُ؟ إنَّهُ يَستخدِمُ خُطاةً أشرارًا على غِرارِ مَتَّى، ويَستخدِمُ أشخاصًا رَقيقي القلبِ، ومِزاجِيِّينَ، وسَوداويِّينَ، ومُتشائِمينَ على غِرارِ تُوما. فهو يَستخدِمُ كلَّ أنواعِ الأشخاص. فَكُلُّ شخصٍ فَريد. وهو يَستطيعُ أن يَستخدمكَ أنتَ أيضًا. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّ القُدرةَ الَّتي تُريدُها مِنَّا هي الاستعداد. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ تستطيعُ أن تأخذَ أشخاصًا غيرَ مُؤهَّلين وأن تُغيِّرَ حياتَهم. ويا لهُ مِن امتيازٍ عظيم يا رَبّ! يا لهُ مِن امتيازٍ عظيمٍ في أنَّكَ تَستخدِمُنا! فأنا أعرفُ ضَعفي. وجميعُنا كذلك إذ إنَّنا نَعرفُ خطايانا وإخفاقاتِنا. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّك تَستخدمُنا. فأنتَ تَستخدِمُنا لأجلِ مَلكوتِك. وأنتَ تَستخدِمُنا لكي نَشهدَ عنكَ، ولكي نَكرِزَ بالحقِّ، ولكي نأتي بالنَّاسِ إلى مَعرفةِ الله. وأنت تَستخدِمُنا لكي نُرَنِّمَ ونُسَبِّحَك. وأنتَ تَستخدِمُنا لكي نَطلُبَ طِلْباتٍ تُظهِرُ قُدرتكَ الإلهيَّة. أنتَ تَستخدِمُنا. ونحنُ نَشكرُكَ لأنَّنا جَماعةٌ مِن الأشخاصِ غير المؤهَّلينَ الَّذينَ جُعِلوا آنيةً نافعةً ... آنيةً للكَرامة نافعةً للسَّيِّد. يا رَبّ، إن كان هناك أشخاصٌ في وسطِنا في هذا الصَّباح لم يَعرفوا يسوعَ المسيح، ليتَهُم يَعترفونَ كما فعلَ تُوما قائلينَ: "رَبِّي وإلهي". ويا لَيتَ قُلوبَهُم تُفتَحُ فيَقبلونَ يسوعَ رَبًّا ومُخلِّصًا. ومِن خلالِ قَبولِهم هذا، لَيتَهُم يَصيرونَ أشخاصًا نافعينَ لك. فيا لبؤسِ الإنسانِ الَّذي لا هَدَفَ لحياتِه! ويا لبؤسِ الإنسانِ الَّذي يَصرفُ حياتَهُ بأسرِها في أمورٍ لا قيمةَ لها. ولَيتَنا نَعلمُ أنَّ المَغزى الحقيقيَّ الآنَ وإلى الأبد يَكْمُنُ في خِدمتِك. ويا لَيتَنا نَعلمُ أنَّكَ تستطيعُ أن تَجعلَنا مُؤهَّلينَ لذلك أيًّا كانت ضَعفاتُنا. وليتَ الحقَّ الَّذي تَعلَّمناهُ اليومَ يَمكُث في قُلوبِنا ويَجعلنا بحالٍ أفضل مِن تلك الَّتي كُنَّا سنكونُ عليها لو لم نَكُن هنا. لأجلِ مَجدِك نَسأل، وباسمِ المسيحِ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize