Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتَحوا كِتابَكُم المقدَّسَ معي على الأصحاحِ العاشرِ مِن إنجيل مَتَّى. إنجيل مَتَّى والأصحاح العاشِر. في دراستِنا المتواصلة الرَّائعة لإنجيلِ مَتَّى، وَصلنا إلى الأصحاحِ العاشر. والأصحاحُ يَبتدئُ بتعريفِنا بالتَّلاميذِ الاثني عشرَ، ويُتابِعُ الحديثَ بعدَ ذلك عن خِدمةِ إرسالِهم المبدئيَّة. وقبلَ أن نَتحدَّث عن كيفيَّة تدريبِ الرَّبِّ لهم وإرسالهم، ارتأينا أن نُلقي نَظرةً إليهم. وعلى سَبيلِ التَّمهيد، اسمَحوا لي أن أقرأَ ابتداءً مِنَ العَددِ الأوَّلِ إلى نهايةِ الجُزءِ الأوَّلِ مِن العددِ الخامِس. والحديثُ هُنا هو عن الرَّبِّ إذ نَقرأُ: "ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا عَلَى أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ. وَأَمَّا أَسْمَاءُ الاثْنَيْ عَشَرَ رَسُولاً فَهِيَ هذِهِ: اَلأَوَّلُ سِمْعَانُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسُ أَخُوهُ. يَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي، وَيُوحَنَّا أَخُوهُ. فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ. سِمْعَانُ الْقَانَوِيُّ، وَيَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي أَسْلَمَهُ. هؤُلاَءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ".

والآن، هذا هو الجزءُ الرَّابعُ في سِلسلتِنا عن خُدَّامِ السَّيِّد. فنحنُ نَتأمَّلُ في هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ اختارَهُم رَبُّنا وأرسلَهُم كي يَكرِزوا بالملكوتِ، ويَشفوا، ويَطردوا الشَّياطين. وقد وَجدنا في اعتقادي أنَّه مِن المُدهشِ أن نُلاحظَ أنَّه بالرَّغمِ مِن نَظرتِنا التَّقليديَّةِ إليهم، فإنَّهم كانوا أشخاصًا عاديِّينَ جدًّا ويُشبهونَنا كثيرًا. فَهُم على النَّقيضِ تَمامًا مِن القداسةِ الَّتي نَظُنُّ أنَّهم كانوا يَتَّصِفونَ بها كما لو كانوا مِن كَوكَبٍ آخر. وعلى سَبيلِ تَهيئةِ أذهانِنا في هذا الصَّباح، كنتُ أقرأُ في هذا الأسبوع اقتباسًا لهنري دراموند (Henry Drummond) الَّذي كانَ مُؤلِّفًا وواعظًا كَتَبَ كِتابًا صغيرًا بعُنوان: "أعظمُ شيءٍ في العالَم" (The Greatest Thing in the World) عن رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح 13. ففي إحدى المَرَّاتِ، عندما كانَ في إنجلترا، دُعِيَ للتَّكلُّمِ في أحدِ النَّوادي الرَّفيعةِ جدًّا، والرَّاقية جدًّا، والأرستقراطيَّة جدًّا في غربِ إنجلترا. وحالَ وُصولِه، وَجدَ أنَّ كلَّ الأعضاءِ حاضرونَ، وأنَّ كلَّ شيءٍ مُعَدٌّ لَهُ كي يَعِظ. وقد ابتدأَ عِظَتَهُ بهذه الحقيقة التَّحريضيَّة جدًّا: "سَيِّداتي سادَتي، إنَّ رَسْمَ دُخولِ مَلكوتِ السَّماواتِ هو لا شيء؛ ولكنَّ الاشتراكَ السَّنويَّ هو كلُّ شيء". وقد كانَ أعضاءُ ذلك النَّادي يَعلمونَ كلَّ شيءٍ عن الاشتراكاتِ السَّنويَّةِ ورُسومِ الدُّخول. فهكذا يَدخلونَ ذلك النَّادي. وقد كانت تلك مُقدِّمة بَليغة. وهكذا هي الحالُ في مَلكوتِ الله. فالدُّخولُ مَجَّانيٌّ لأنَّه هِبَة مَجَّانيَّة. ولكنَّ الاشتراكَ السَّنويَّ هو كلُّ شيء.

والآن، في هذه السِّلسلة عن إنجيل مَتَّى والأصحاحِ العاشر، نحنُ نَدرسُ عن رجالٍ كانوا مُستعدِّينَ لدفعِ كلِّ شيء. فقد كانوا مُستعدِّينَ للتَّضحيةِ بكلِّ شيء. فقد كانوا مُستعدِّينَ لتركِ وظائفِهم، ونَمَطِ حياتِهم، ومنازِلهم، واختياراتِهم في الحياةِ كي يَتبعوا يسوعَ المسيح. وقد بَذَلَ هؤلاءِ الاثنا عشرَ كلَّ شيء. فقد تَركوا شِباكَ الصَّيدِ، ومَكانَ الجِبايةِ، وانتماءاتهم السِّياسيَّة، ومشاريعَهُم، وكَرَّسوا أنفسَهم تمامًا لاتِّباعِ يسوعَ المسيحِ أينما أرادَ أن يَأخُذَهُم. وأودُّ أن أقولَ لكم إنَّهم كانوا مَجموعة قليلة مِن مجموعة كبيرة لم تُبدِ الاستعدادَ لفِعلِ ذلك.

انظروا معي قليلاً إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح السَّادس إذ أودُّ أن أُريكُم تَبايُنًا ستُظهِرُهُ العِظَةُ في هذا الصَّباحِ في اعتقادي بصورةٍ عميقة. فقد كانَ هناكَ أشخاصٌ كثيرونَ جدًّا تَبِعوا يسوع. والحقيقةُ هي أنَّ جُموعًا لا تُحصَى تَبِعتهُ. فقد انجذبوا إلى شخصيَّتِه الجذَّابة، وانجذبوا إلى السُّلطانِ الَّذي كانَ يَتحدَّثُ بهِ وإلى الحقِّ الَّذي يَنطِقُ به ويُبَكِّت بهِ قُلوبَهُم. وقد انجذبوا إلى قُدرته على صُنعِ المُعجزاتِ والآياتِ والعَجائب. وقد فُتِنوا بهِ وبالأشياءِ الَّتي قالَها وفَعلَها. لِذا، أينما رأيتُم يسوع، سترونَ هذا الحَشْدَ مِن النَّاسِ يَتبعُهُ. والآن، يُمكنُنا أن نَصِفَ كلَّ هؤلاءِ الأشخاصِ بأنَّهم تلاميذ لأنَّ الكلمة "ماثيتيس" (mathetes) في اللُّغةِ اليونانيَّة تعني ببساطة: مُتعلِّم. فقد كانوا يَتبعونَهُ، ويَستمعونَ إليه، ويَتعلَّمونَ مِنه. فهذه الكلمة لا تُخبرُنا أيَّ شيءٍ عن تَكريسهم. لِذا فإنَّ الأصحاحَ العاشرَ مِن إنجيل مَتَّى يَبتدئ بالتحدُّثِ عنِ الاثني عشر. وفي الآيةِ الَّتي تَليها فإنَّه يقولُ إنَّهم رُسُل. فأولاً كانوا مُتعلِّمينَ، ثُمَّ إنَّهم أُرسِلوا عندما أَظهروا أنَّهم تَعلَّموا دُروسَهُم. ولكن لم يَتِمُّ إرسال الجميع لأن كثيرينَ لم يُبدوا الاستعدادَ لِتَعَلُّمِ كلِّ الدُّروس.

ولتوضيحِ ذلك، انظروا إلى العددِ السَّادسِ والعشرين مِن إنجيل يوحنَّا والأصحاح السَّادس. كانَ الوقتُ صباحًا. وهو صَباحُ اليومِ الَّذي أَعقبَ اليومَ الَّذي أَطعمَ فيهِ يسوعُ الخمسةَ الآلافَ رَجُل، عَدا عنِ النِّساءِ والأطفال. ففي الصَّباح، رأى يسوعُ الجَمْعَ نَفسَهُ مَرَّةً أخرى. وما المانِعُ في ذلك؟ فقد حَصلوا على عشاءٍ مَجَّانيٍّ. فما الَّذي يَمنعُهم مِن الحصولِ على إفطارٍ مَجَّانيٍّ؟ لِذا فقد عادوا جميعًا. ويسوعُ يقولُ لهم في العدد 26: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ، بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ". بعبارة أخرى، إنَّه يقولُ لهم: إنَّ اهتمامَكُم بي ليسَ خارقًا للطَّبيعة، وهو ليسَ نابعًا مِن أنَّكم رأيتُم يَدَ الله، وهو ليس نابعًا مِن رُؤيتكم لمُعجزاتٍ تُشيرُ إلى بُعدٍ إلهيٍّ؛ بل هو نابعٌ مِن أنَّكم أكلتُم وشَبِعتُم. بعبارة أخرى، أنتُم تَعيشونَ تمامًا على المستوى الجسديِّ، واهتمامُكم بي هو بسبب الطَّعامِ المَجَّانيِّ والشِّفاءِ الجسديّ. ثُمَّ نقرأ في العدد 27 أنَّهُ يقولُ لهم: "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّة". بعبارة أخرى، مِن الأفضل أن تَتركوا الاهتمامَ بالأمورِ الجسديَّة وأن تَهتمُّوا بالأمورِ الروحيَّة. يجب عليكم أن تَتخلَّوْا عنِ البُعدِ الجسديِّ لأجلِ البُعدِ الرُّوحيّ. ويجب عليكم أن تَهتمُّوا بالأبديَّةِ أكثرَ مِمَّا تَهتمُّونَ بالزَّمانِ الحاضِر، وأن تَهتمُّوا بالسَّماءِ أكثرَ مِمَّا تَهتمُّونَ بالأرض. فقد كانوا مُنجذِبين إليه لأنَّ ما كانوا يَرَونَهُ كانَ يَختصُّ بحياتِهم الجسديَّة؛ ولكنَّهم لم يكونوا يُفكِّرونَ البتَّة بالأمورِ الرُّوحيَّة. لِذا فإنَّه لن يَقبلَهُم في ذلك المستوى، بل يَدفَعُهم إلى تَخَطِّي ذلك.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 53 عن نفسِ اليومِ، ونفسِ الجَمْعِ، ونفسِ الإطار. وهو يقولُ لهم مَرَّةً أخرى: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ". بعبارة أخرى، عندما تُفكِّرونَ في الحياة، لا تُفَكِّروا فيها على المستوى الجسديِّ، بل فَكِّروا فيها على المستوى الروحيِّ، واعلَموا أنَّه ما لم تأكلوا جسدي وتَشربوا دَمي، لن تكونَ لكم حياة على الصَّعيدِ الرُّوحيّ. ونقرأُ في العدد 54: "مَنْ يَأكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأكَلٌ حَقٌّ...". فهو الطَّعامُ الحقيقيُّ ("أليثيس" – "alethes"). فهو مَأكَلٌ حَقٌّ. "...وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقّ". فالشَّيءُ الحقيقيُّ هو الشَّيءُ الرُّوحيّ. "مَنْ يَأكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيه". وهذه جُملة مُدهشة. وما الَّذي يقولُهُ هنا؟ إنَّهُ بسيطٌ حَقًّا. فهو لا يتحدَّثُ عن أكلِ جَسدهِ حَرفيًّا، ولا عن شُربِ دَمِهِ حَرفيًّا. فهذا أكلٌ لِلُحومِ البشر. والجميعُ يَعلمُ ذلك. ولكنَّه يَستخدِمُ استعارةً هنا ويقول: لا يمكنكم أن تأتوا إليَّ لمُجرِّدِ إشباعِ حاجاتِكم الجسديَّة، بل يجب عليكم أن تَقبلوني كُلِّي. يجب عليكم أن تَقبلوني على هذا الأساس: الكُلُّ أو لا شيء. وهو يقولُ ببساطة: يجب أن تَقبلوني كُلِّي كما لو أنَّكم تأكُلوني؛ أي أن تَقبلوا كُلَّ شيءٍ يَختصُّ بي، وكلَّ ما أقول، وكلَّ ما أفعل.

فقد أرادوا طعامًا مَجَّانيًّا ومُعجزاتٍ؛ ولكنَّهم لم يُبالوا بقَبولِ يسوعَ المسيحِ بكُلِّ ما فيه. انظروا إلى العدد 60: "فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ [أو المُتَعَلِّمين]، إِذْ سَمِعُوا [في المَجْمَعِ هُناكَ في كَفْرِناحوم]: «إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟»" هناكَ مُفسِّرونَ يقولونَ إنَّ ذلك يعني أنَّهم لم يَفهموه. ولكنِّي لا أتَّفِقُ معَهُم. فأنا أعتقدُ أنَّهم فَهِموا ذلكَ تمامًا. ولكنَّ الكلمة "صَعْب" هي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "سكليروس" (skleros) ومعناها: "جامِد" أو "قَاسٍ". وَهُم يَقصدونَ أنَّها جُملة مُثيرة للاعتراض، ومُثيرة للرَّفض، ويَستحيلُ قُبولُها. فَهُم لا يَقولونَ إنَّها جُملةٌ صَعبةُ الفَهم، بل يقولونَ إنَّها قاسية، وجامدة، وليست مَرِنَة، وحازِمة، وصارمة. فيسوعُ يقول: "أنا وحدي ولا أحدَ غيري يستطيعُ أن يُعطيكُم حياةً. ويجب عليكم أن تَقبلوني بِجُملتي لكي تَنالوا تلك الحياة". وَهُم يقولون: "لا يُمكننا أن نَحتملَ ذلك. لا يُمكننا أن نَقبلَ ذلك". وكما تَرَونَ فإنّهم تَلاميذُ زَائفون. وإن كُنتم تَظُنُّونَ أنَّ هذا غير صحيح فَكِّروا في ما يَلي: التَّلاميذُ الزَّائفونَ يَرفضونَ كلامَ المسيح. فَهُم لا يَقبلونَ إلاَّ الأشياءَ الَّتي تُوافق نَمَطَ حَياتِهم. لِذا، هناك أُناسٌ كثيرونَ اليوم يريدونَ أن يَقفزوا إلى العَرَبة، وأن يَنضمُّوا إلى يسوع، ويُريدونَ أن يَدَّعوا أنَّهم قد وُلدوا ثانيةً، وَهُم يَلبسونَ صَليبًا في أعناقهم، أو يَضعونَ شِعارَ سَمَكةٍ على سَيَّاراتِهم. وَهُم يريدونَ أن يَتحدَّثوا عن يسوع. ولكن عندما تَبتدئ في تَوجيههم إلى الوصايا الصَّريحة في الكتاب المقدَّس فإنَّهم لا يُبالونَ بها. فالتَّلاميذُ الزَّائفونَ لن يَقبلوا في النِّهاية إلاَّ الأشياءَ الَّتي تُوافِق رَغباتِهم ونَمطَ حياتِهم. وَلكنَّهم يَرفضونَ البقيَّة.

لِذا فإنَّهم لم يُحبُّوا ما قالَهُ؛ ولكنَّهُم فَهِموه. وبسببِ ذلك، قالَ يسوعُ في العدد 61: "أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟" فهو لم يَقُل: "هل تَحيَّرتُم؟" بل يقول: "أهذا يُعثِرُكُم؟" وهو يَستخدِمُ الكلمة "سكانداليتزو" (skandalizo). والكلمة "سكانداليتزو" تُشيرُ في الأصل إلى العَصا الموجودة في الفَخّ. فقد كانوا يَضعونَ الطُّعْمَ على طَرَفِ العَصا فيأتي الحَيَوانُ فتَقتُلُهُ العَصا لأنَّه حالما يَلتقطُ الحَيوانُ الطُّعْمَ فإنَّ العَصا تَتحرَّك فيُطبِقُ الفَخُّ عليهِ ويَقتُلُه. وما الَّذي قَصَدَهُ يسوعُ؟ إنَّه يقول: "عندما أَطعمتُكُم لم تُمانعوا. وعندما شَفيتُكُم لم تُمانعوا. فهناكَ شَيءٌ تَستفيدونَ منه. ولكن عندما قلتُ لكم أن تَقبلوني بِجُملتي أو ألاَّ تَقبلوني البتَّة، هل يَقضي ذلك على العَلاقة؟ هل يَقضي هذا على كلِّ ما يَجري بينَنا؟ هل كانَ هذا الأمرُ فَخًّا لكم قَضَى على الأملِ في وجودِ أيِّ علاقةٍ بيننا؟ هل أدَّى هذا الأمرُ إلى إنهاءِ العلاقة؟

وهذا هو ما حدثَ حَقًّا. انظروا إلى العدد 66: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ". أينَ إلى الوراء؟ إلى الوَراءِ وَحَسْب. فقد رَجعوا إلى حياتِهم السَّابقة. "وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ". لماذا؟ بسبب وجود أمورٍ كثيرةٍ جدًّا مُتوقَّعة، وبسببِ وُجودِ أمورٍ كثيرةٍ جدًّا مَطلوبة. فَهُم لم يكونوا يُبالونَ بالتَّكريسِ الكامل. لِذا فقد رَجعوا. طَعامٌ مَجَّانيٌّ؟ هذا رائع! شِفاءٌ؟ هذا بَديع! تَكريسٌ؟ لسنا مُهتِّمين. ثُمَّ نقرأ في العدد 67: "فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ...". اسمعوني: بعدَ أن غادرَ الجميعُ، احزَروا مَن بَقِيَ هناك؟ اثنا عشرَ شخصًا. وما أحاولُ أن أُبيِّنَهُ لكم هو التَّالي: لم يكن هؤلاءِ مُجرَّد أشخاصٍ فُضوليِّين، بل إنَّ هؤلاءِ الاثني عشر كانوا الأشخاصَ الَّذينَ حَسَبوا النَّفَقة، وضَحُّوا، ودَفعوا الثَّمنَ في الوقتِ الَّذي تَراجَعَ فيه الجميع. وَهُوَ يقولُ لهم: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" ولا يُمكنكم أن تَفهموا ذلكَ تَمامًا في التَّرجمة، بل يجب عليكم أن تَروا النَّصَّ اليونانيَّ. فالسُّؤالُ في اللُّغةِ اليونانيَّة مُصاغٌ بطريقةٍ لا تَنتظرُ إجابةً بالنَّفي. بعبارة أخرى، فإنَّ يسوعَ يَقولُ ما يلي. فإن نَظرتُم إلى ذلك في النَّصِّ اليونانيِّ فإنَّه يقول: "أنتُم لن تَمْضُوا. أليسَ كذلك؟" وقد نَطَقَ بطرسُ بلسانِ المجموعةِ فقال: "إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ، وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ". ثُمَّ قالَ يسوعُ إنَّ واحدًا منهم شَيطان. ولكنَّ المَعنى المقصودَ هو أنَّ الجَمْعَ كانَ سَطحيًّا ولا يَهتمُّ إلاَّ بالأشياءِ الجسديَّة. ولكنَّ بُطرسَ يقول: لقد تَخَطَّينا تلكَ المَرحلة. ونحنُ نَنظرُ إلى الحقِّ الرُّوحيِّ، ونَراكَ بِصِفَتِكَ المسيحَ ابنَ اللهِ الحيِّ. لقد فَهمتَ ذلكَ يا بُطرس.

والآن، لماذا قَرأتُ لكم هذا النَّصَّ؟ ارجِعوا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ العاشر. لأنِّي أريدُ منكم، يا أحبَّائي، أن تَفهموا أنَّ هؤلاءِ الرِّجالَ الَّذينَ نَتأمَّلُ فيهم في هذا الأصحاحِ هُم رِجالٌ أخذوا قَرارًا، وعَبروا خَطًّا، وكَرَّسوا أنفسَهُم تَكريسًا تامًّا بأن يَتبعوا يسوعَ المسيحَ، وبأن يأكُلوا جَسَدَهُ ويَشربوا دَمَهُ، وبأن يَدفعوا أيَّ ثَمنٍ ينبغي دَفعُه. إنَّه التَّكريس. هل تَذكرونَ التِّلميذَ الَّذي مَضى لأنَّه أرادَ أن يَدفِنَ أباهُ؟ وهل تَذكرونَ التِّلميذ الَّذي مَضى لأنَّه أرادَ أن يُودِّعَ أقرباءَهُ؟ والتِّلميذَ الَّذي مَضى لأنَّه أرادَ الرَّاحة؟ ولكنَّ هؤلاءِ الرِّجال لم يَفعلوا ذلك، بل إنَّهم كَرَّسوا أنفسَهُم لدفعِ الثَّمن. فَهُمُ النُّخبَة. ولماذا أقولُ ذلك؟ لأنِّي سأُحدِّثُكم عن ثلاثةِ أشخاصٍ لا نَعرِفُ أيَّ شيءٍ عنهم. وعلى أقلِّ تقدير، إن لم نَكُن نَعلمُ أيَّ شيءٍ آخر، يجب علينا أن نَعلمَ أنَّهم كَرَّسوا أنفسَهُم. أليس كذلك؟ فسوفَ نَذكُرُ أسماءً غامضةً إذ إنَّنا سنتحدَّثُ اليومَ عن يَعْقُوب بْن حَلْفَى، وَلَبَّاوُس الْمُلَقَّب تَدَّاوُسَ، وسِمْعَان الْقَانَوِيّ. وعلى أقلِّ تقدير، إن لم نَكُن نَعرفُ أيَّ شيءٍ عنهم، قد نَظُنُّ أنَّهم مَجموعةٌ مِن الأشخاصِ المُشَرَّدينَ مِن الطَّبقةِ الثَّانية؛ في حين أنَّهم كَرَّسوا أنفسَهُم ذاتَ التَّكريسِ الَّذي أَظهَرَهُ بُطرسُ والبقيَّة. فقد عَبروا الخطَّ في طاعةٍ تامَّةٍ ومُطلَقَةٍ للمسيح.

والآن، لقد طَرحنا سُؤالاً. والسُّؤالُ الَّذي طَرحناهُ هو: ما نوعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَستخدمُهم اللهُ في خِدمَتِهِ الخاصَّة؟ فعندما ذهبَ الرَّبُّ لاختيارِ تلاميذَ لَهُ، ما نوعُ الأشخاصِ الَّذينَ اختارَهُم؟ وقد وَجدنا إجاباتٍ مُدهشة. أليسَ كذلك؟ فقد اختارَ أُناسًا مِن كلِّ الأنواع، وأشخاصًا مِن شَتَّى الأصناف. وما أعنيه هو أنَّنا رأينا أنَّ الرَّبَّ يَستطيعُ أن يَأخُذَ أيَّ مادَّةٍ خام وأن يَستخدِمَها لأجلِ مَلكوتِهِ الأبديِّ المَجيد. فقد كانَ بمقدورِ "لونغفيلو" (Longfellow) أن يأخُذَ قُصاصةً لا قيمةَ لها وأن يَكتُبَ عليها قَصيدةً، ويَجعلها في الحالِ تُقَدَّرُ بآلافِ الدُّولارات. وهذا إبداعٌ. وكانَ بمقدورِ "روكيفيلر" (Rockefeller) أن يُوَقِّعَ اسمَهُ على قُصاصةٍ فيجعلُ قيمتَها ملايين الدُّولارات. وهذا غِنىً. وباستطاعةِ الحُكومةِ الأمريكيَّةِ أن تأخذَ خَتْمًا ذَهبيًّا أو أن تَضَعَ نَسرًا على قِطعة مَعدِنيَّة فتجعل قيمتَها عشرينَ دولارًا. وباستطاعةِ الميكانيكيِّ أن يأخذَ قطعةً قيمتُها خمسة دولارات وأن يَجعلها حالاً تُساوي خَمسمئة دولار. وَهُم يقولونَ إنَّ تلكَ مَهارة! وباستطاعةِ فَنَّانٍ أن يَأخذَ قِطعةَ قُماشٍ ثَمَنُها نصفُ دولارٍ وأن يَرسُمَ عليها ويَجعل قيمتَها آلاف الدُّولارات. وباستطاعةِ يسوعَ أن يأخذَ شخصًا خاطئًا لا قيمةَ لهُ، وأن يَغسِلَهُ بالدَّمِ، ويَضع روحَهُ فيه ويَجعلهُ مُبارَكًا. وهذا هو ما يُعرَفُ بالتَّقديس. وهذا هو ما يَفعلُهُ الرَّبُّ. فهو يأخذُ مادَّةً خامًا غيرَ مَصقولةٍ ويَستخدِمُها.

هناكَ كنيسة في "ستراسبورغ" (Strasbourg). وفي الحربِ العالميَّة الثَّانية تَمَّ قَصفُها هي وكنائس كثيرة أخرى. وقد عادَ النَّاسُ الَّذينَ يَذهبونَ إلى تلك الكنيسة بعد القَصف ليرَوْا ما تَبَقَّى مِن كنيستهم العزيزة على قُلوبهم فوجدوا أنَّ السَّقفَ كُلَّهُ قد سقط. وفي وسط الكنيسة، كان يوجد تِمثالٌ جميلٌ جدًّا للمسيحِ يُصَوِّرُهُ وهو يَمُدُّ ذِراعيهِ على امتدادِهما. وقد تَمَّ نَحْتُ التِّمثالِ قبلَ قُرونٍ مِن قِبَلِ فَنَّانٍ عظيم. وكانَ ذلك التِّمثالُ قِطعةَ فَنيَّةً مُهمَّةً جدًّا للكنيسة. وعندما عادوا ووجدوا أنَّ الكنيسة قد انهَدمت، دُهشوا لأنَّهم وجدوا أنَّ التِّمثالَ ما زالَ في مكانه؛ ولكنَّ عَمودًا سَقطَ على كِلتا الذِّراعَيْنِ فحَطَّمهُما. ذهبَ سُكَّانُ البَلدة بسُرعة إلى نَحَّاتٍ كانَ يعيشُ في البلدة وسألوهُ: "هل يُمكنُكَ أن تُعيدَ بناء يَدَيِّ التِّمثال؟" وقد أبدى الاستعدادَ للقيامِ بذلكَ مَجَّانًا. وقد عَرَضَ ذلكَ على قادةِ الكنيسة فَعقدوا اجتماعًا لمجلسِ الإدارة. وبعد الاجتماع خَرجوا وأعلنوا شيئًا أَدهشَ الفَنَّانَ إذ إنَّهم قالوا إنَّهم قد رَفضوا عَرضَهُ. وكانَ السَّببُ في ذلك هو أنَّهم شَعروا أنَّ التِّمثالَ مِن غيرِ يَدين سيكونُ أعظمَ دَليلٍ على حقيقةِ أنَّ اللهَ يَقومُ بعملِه مِن خلالِ شَعبِه، وأنَّ الأيدي الوحيدة الَّتي يَستخدِمُها هي أيديهم. لِذا فقد بقي التِّمثالُ مِن دونِ يَدين.

والحقيقةُ هي أنَّ هذا صحيح. فيسوعُ المسيحُ يَختارُ أيدٍ بشريَّة. وأحيانًا، قد تبدو هذه الأيدي الأكثرَ عَجزًا والأقلَّ قُدرةً على النَّجاح. وفي أثناءِ تأمُّلِنا في الرُّسُل، دُهِشنا [في اعتقادي] بسببِ ضُعفِ مُؤهِّلاتِهم. والحقيقة هي أنَّه لا توجد مُؤسَّسة واحدة مُتخصِّصة في البحثِ عنِ الكَفاءاتِ في البلد يُمكن أن تَختارَ أيًّا مِن هؤلاءِ الأشخاص. فَهُم لم يكونوا مُؤهَّلينَ وَفقًا لِمَعاييرِ العالَم.

كانَتِ المجموعةُ الأولى تَضُمُّ قائِدَينِ قَويَّيْنِ جدًّا هُما يَعقوب وبُطرس، وقائِدَيْنِ راسِخَيْنِ ومُحِبَّيْنِ هُما أندَراوُس ويوحنَّا. وكانتِ المجموعةُ الثَّانيةُ تَضُمُّ أشخاصًا جَيِّدينَ جدًّا هُم: فيلبُّس، وبَرثولَماوُس، وتُوما، ومَتَّى. ولكِنْ ماذا عن يَعْقُوب بْن حَلْفَى، وَلَبَّاوُس، وسِمْعَانُ الْقَانَوِيُّ؟ مَن سَمِعَ بِهم؟ هل تَعلمونَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ لم يَقُل أيَّ شيءٍ عنهم؟ وقد يقولُ أُناسٌ منكم: "هل هذا يعني أنَّه يُمكننا الانصراف؟" لا! لأنَّه مع أنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَقولُ أيَّ شيءٍ عنهم، لديَّ أمورٌ أقولُها عنهم. كانت هذه المجموعةُ هي الأقلُّ حَميميَّةً. هل تَذكرونَ أنِّي قلتُ لكم إنَّهم يَظهرونَ دائمًا في نفسِ المجموعات؟ أربعة، ثُمَّ أربعة، ثُمَّ أربعة. فأينَما نَجِدُ لائحةً بأسماءِ الرُّسُل (وهي مَذكورة أربع مَرَّات في الكتابِ المقدَّس) فإنَّ جميعَ الأسماءِ تَظهر دائمًا في نفس المجموعةِ الرُّباعيَّة بحسبِ علاقتها الحميمةِ بالمسيح. ولكنَّهم جميعًا أشخاصٌ رائعونَ اختارَهُم الرَّبُّ. وَجميعُهم كَرزوا بالملكوت، وجَميعُهم عَلَّموا الحقائقَ المُختصَّةَ بالملكوت، وجميعُهم شَفوا المَرضى، وجَميعُهم طَردوا شَياطين. فقد كانوا أوَّلَ كارِزينَ بالملكوت بعدَ المسيحِ نفسِه. وَهُم سيَجلسونَ على عُروشٍ ويَدينوا أسباطَ بني إسرائيلَ الاثني عشر في المُلْكِ الألفيِّ. وما أعنيه هو أنَّهم صَاروا مُميَّزينَ بعدَ أن غَيَّرَهُم الرَّبُّ.

وما الَّذي تَعلَّمناهُ عنهم مِن جهةِ نوعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَستخدمُهم الرَّبُّ؟ لقد رأينا أنَّه يَستخدِمُ قادةً أقوياءَ وديناميكيِّينَ وشُجعانًا على غِرارِ بُطرس الَّذي كانَ يَتَولَّى القيادة، ويأخُذ زِمامَ المُبادرة، ويَضعُ الاستراتيجيَّات، ويُواجِه. وهو يَستخدِمُ أشخاصًا مُتواضعينَ ولُطفاءَ ولا يُحِبُّونَ الأضواءَ على غِرارِ أندَراوس الَّذي كانَ يَخدِمُ بهدوءٍ ولا يَسعى إلى الشُّهرة، بل يَكتفي بِجلبِ النَّاسِ إلى المسيحِ وبالعملِ في الكَواليس. وهو يَستخدِمُ أشخاصًا مُتحمِّسينَ، وشَغوفينَ، وطَموحينَ، ولا يُساومونَ، ويُركِّزونَ على المَهمَّة، وغيرَ مُرهَفي الحِسِّ على غِرارِ يعقوب الَّذي كانَ أوَّلَ مَنِ استُشهِدَ مِنَ الرُّسُل. وهو يَستخدِمُ أشخاصًا مُحبِّينَ، ومُرهَفي الحِسِّ، ويُركِّزونَ على النَّاسِ، ويمتلكونَ إيمانًا قويًّا، وثِقةً راسخةً، وحَميمينَ، وباحثينَ عنِ الحقِّ على غِرارِ يوحنَّا. وهو يَستخدِمُ أشخاصًا شَكَّاكينَ، وتَحليليِّينَ، وبَطيئي الإيمانِ، ولا يَملكونَ سُرعةَ بَديهة، وليست لديهم رُؤية، ومُتشائمينَ، وغيرَ واثقينَ على غِرارِ فيلبُّس. وهو يَستخدِمُ أيضًا أشخاصًا لديهم تَحَيُّزٌ في قُلوبهم، ويبحثونَ عنِ الحقِّ، وصادقينَ، ومُنفتِحينَ، ويَمتلكونَ ذِهنًا صافيًا وتَسليمًا عميقًا على غِرارِ نَثَنائيل. وهو يَستخدِمُ أشخاصً مَنبوذينَ، واستغلاليِّينَ، وعَشَّارينَ، وخائنينَ، وأكثرَ أشخاصٍ مَكروهينَ في المُجتمعِ كُلِّهِ على غِرارِ مَتَّى الَّذي كانَ يَعلمُ أنَّهُ خاطئٌ وطَلَبَ الغُفران. وقد جَعَلَهُ الرَّبُّ شخصًا وَديعًا وهادئًا ومُتواضعًا يُحبُّ الخُطاةَ في المُجتمع ويؤمنُ إيمانًا عظيمًا بالمسيح.

والآن، نأتي إلى المجموعةِ الأخيرة. وفي هذا الصَّباح، سوف ننظر إلى هؤلاءِ الثَّلاثة: يَعقوب، ولَبَّاوُس، وسِمعان. أولاً، يَعقوبُ بنُ حَلْفَى. هناكَ سَطْرٌ مَشهورٌ في أحدِ الأسفارِ المَنحولةِ (الأبوكريفا) قد يكونُ مِن المُناسبِ أن نَقرأهُ الآن. وهو يقول: "لِنَمْدَح الأشخاصَ المَشهورين". وإن كُنَّا سنفعلُ ذلك، لن يكونَ يعقوبُ بنُ حَلْفَى واحدًا مِن هؤلاء. فهو لم يكن واحدًا مِن المَشاهير. ولو كانَ يعيشُ الآنَ لَما ظَهَرَ في أحدِ البرامجِ التِّلفزيونيَّة، ولَما طُلِبَ مِنهُ أن يَكتُبَ مُقدِّمةَ كِتابٍ، أو أن يُصلِّي في مُؤتمر، ولَما أُجريت معه مُقابلة في مَجلَّة "المَسيحيَّة اليوم" (Christianity Today). يعقوبُ بنُ حَلْفَى! مَن يكونُ هذا الشَّخص؟ هل تَعلمونَ ماذا يقولُ عنهُ الكتابُ المقدَّس؟ لا شيءَ البَتَّة! هذا صحيح. لا شيءَ البَتَّة. فهو يَذكُرُ اسمَهُ فقط. وقد كانَ اسمُهُ شائعًا جدًّا. وأعتقد أنَّه عانى كثيرًا لأنَّهُ كانَ يوجد شخصٌ اسمُهُ يَعقوب بن زَبْدِي أثارَ غَضَبَ السُّلُطات. إنَّهُ ابنُ الرَّعدِ (كما يُسَمِّيهِ الكتابُ المقدَّس). وكانَ هناكَ أيضًا يَعقوبُ أخُ الرَّبّ. ثُمَّ كانَ هناكَ يَعقوبُ بنُ حَلْفَى. وهو لم يَكتُب أيَّ شيء، ولم يَقُل أيَّ شيء، ولم يَسأل أيَّ سؤال، ولم يَفعل أيَّ شيءٍ مُدَوَّن في الكتاب المقدَّس. والحقيقةُ هي أنَّه يُسَمَّى في إنجيل مَرقُس 15: 40: "يَعقوب مايكروس"؛ أي: "يَعقوب الصَّغير"... يَعقوب الصَّغير. احزروا مَن كانَ يعقوب الكبير؟ يعقوب الكبير هو ابنُ الرَّعد. أمَّا هذا فكانَ يعقوب الصَّغير. فقد كانَ يَعقوب الصَّغير وحَسْب.

فالكلمة "مايكروس" (mikros) تَعني بصورة أساسيَّة: "قصير القَامَة". ورُبَّما كانَ هذا يعني أنَّهُ كانَ صَغير الحَجم. وهي قد تعني أيضًا "صَغير السِّنّ". وهي قد تعني أيضًا أنَّه كانَ صغيرًا وشابًّا. وهي قد تعني أنَّه كانَ صَغيرًا في تأثيره. لِذا، فقد كانَ صغيرًا، أو شابًّا، أو غيرَ مُؤثِّرٍ جدًّا. وأعتقد أنَّه رُبَّما كانَ يَجمَعُ كلَّ تلك الصِّفات. وربَّما كانَ هذا هو السَّبب في أنَّهم أطلقوا عليه ذلك اللَّقَب: "يَعقوب الصَّغير"... يَعقوب الصَّغير (كما يُسَمِّيهَ مَرقُس). فلو كانَ أكبرَ سِنًّا مِن يعقوب بن زَبْدِي، لَما لَقَّبوهُ "الصَّغير" لأنَّ ذلكَ سيُشَوِّش النَّاس، بل ربَّما كانوا قد لَقَّبوهُ: "يَعقوب الكبير" أو "يَعقوب الأكبر سِنًّا". لِذا، مِن المُرجَّح أنَّه كانَ أصغر سِنًّا. ولو كانَ ضَخْمَ الجُثَّة، لَما لَقَّبوهُ "يَعقوب الصَّغير". ولو كانَ قد تَرَكَ تأثيرًا كبيرًا لما لَقَّبوهُ "يَعقوب الصَّغير"، بل لكانوا قد أطلقوا عليهِ لَقَبًا يُلائمُ تأثيرَهُ مِثلَ "يَعقوب الجَريء" أو شيئًا مِن هذا القَبيل. لِذا، رُبَّما كانَ صغيرًا، أو ضَئيلَ الحَجمِ، أو شابًّا لا يَملِكُ شخصيَّةً قويَّةً بصورةٍ استثنائيَّة.

ويجب أن تَعلموا أنَّه مِن المُشَجِّع بالنِّسبة إليَّ أن أَعلمَ أنَّ الرَّبَّ لا يَعتمِد على الأشخاصِ المُتفوِّقين. أليس كذلك؟ فالنَّاسُ يقولون: "لو أنَّ فُلانًا صارَ مَسيحيًّا، فَكِّر وَحَسْب فيما قد يَحدُث". وقد تُدهَشونَ مِمَّا يقولُهُ النَّاسُ لي: "أنا أُصلِّي أن يَصيرَ بوب هوب [Bob Hope] مَسيحيًّا لأنَّه إن صارَ بوب هوب مسيحيًّا، هل يُمكنكَ أن تَتخيَّل ما قد يحدث؟" هل تَعلمونَ شيئًا؟ مِن الرَّائعِ أن تُصَلُّوا صلاةً كهذه. وأنا أُحبُّ أن يَصيرَ مَسيحيًّا، ولكنَّ ملكوتَ اللهِ لن يَتقدَّم بسُرعة أكبر إن صارَ هُوَ أو غَيرُهُ مُؤمِنًا لأنَّ اللهَ لا يَعتمِد على ذلك. فيعقوبُ بنُ حَلْفَى سيَجلس على عَرشٍ ويَدينُ واحدًا مِن أسباطِ بني إسرائيل في المُلكِ الألفيِّ. وما الَّذي تَعرفونَهُ عنه؟ أنتُم لا تَعرفونَ أيَّ شيءٍ عنه. وما المَعنى المقصود؟ أنَّ اللهَ هو صَاحِبُ القُدرة، أليسَ كذلك؟ لا يَعقوب. فالكتابُ المقدَّسُ لا يَقولُ أيَّ شيءٍ عنه؛ لا عن أعمالِهِ ولا شخصيَّتِه. فهو لا يَذكُر أيَّ شيء. فصورَتُهُ مَحجوبة. وأعتقد أنَّ هذا رائعٌ؛ أي أن يَذكُرَ اللهُ شخصًا ويُبقيهِ مَحجوبًا. فهو أكثرُ شخصٍ مَحجوبٍ مِن بينِ التَّلاميذ جميعًا. فهو لا يَطرحُ أيَّ سؤالٍ، ولا يَقولُ أيَّ شيء، ولا نَعرفُ أيَّ شيءٍ عنه. ورُبَّما كانَ مُطيعًا طَوالَ الوقتِ ولم يكن يوجد شيء يُمكن أن يُقالَ عنه. وما أعنيه هو أنَّ بُطرس يَظهَر كثيرًا؛ ولكنَّهُ يَظهر عادةً بصورةٍ سَلبيَّة. أمَّا يعقوبُ فلا يَظهر البتَّة. وربَّما كانَ السَّببُ في ذلك يَرجع إلى أنَّه كانَ يُصيبُ الهَدَفَ دائمًا.

وهناكَ شيءٌ صَغيرٌ يَقولُهُ عنهُ التَّقليد. فآباءُ الكنيسةِ الأولى يقولونَ إنَّهُ كَرَزَ في بلادِ فارِس. وبلادُ فارس هي ما يُعرفُ اليومَ بإيران. أي أنَّه كَرَزَ بإنجيل يسوعَ المسيح في تلك الأرض، وأنَّهم رَفضوا أن يَسمعوهُ يَكرِز، وأنَّهم صَلبوه. وأنا أتساءلُ كيفَ كانت حالُ العالَمِ اليومَ لو أنَّ إيرانَ سَمِعَت الإنجيلَ الَّذي كَرَزَ بهِ يعقوبُ بنُ حَلْفَى. رُبَّما لن يكونَ لديهم تُراثٌ مِن الدِّيانةِ الإسلاميَّة. إنَّ الرَّبَّ يَستخدِمُ أشخاصًا عاديِّينَ للقيامِ بأمورٍ غير عاديَّة. فَهُم جُنودٌ صَامِتونَ مَجهولون. وبينما كنتُ أتأمَّلُ في هذا الرَّسول، كنتُ أُفكِّرُ في ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الحادي عشر إذْ نَقرأُ: "وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟" [في العدد 32] "لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ". ونحنُ نَعرِفُ هذه الأسماء. ثُمَّ إنَّه يقول: "الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضُعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ". ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ قائلاً: "أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ... وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضًا وَحَبْسٍ. رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِالسَّيْفِ..." إلخ، إلخ، إلخ. فَهُم أشخاصٌ مَجهولونَ، ولا ذِكْرَ لأسمائِهم، ولا نَعرِفُ هُويَّتُهم ماتوا لأجلِ إيمانِهم. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ: "وَهُمْ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ [ماذا؟] مُسْتَحِقًّا لَهُمْ". مَعَ أنَّني لا أعرفُ حتَّى أسماءَهُم!

وهل يُمكنني أن أُضيفَ مُلاحظةً مُدهشةً عن يعقوب؟ كانَ الاسمُ "حَلْفَى" اسمًا شائعًا. وكذلكَ هي حالُ الاسمِ "يَعقوب". ولكن كانَ يوجد تلميذٌ آخر اسمُ أبيهِ "حَلْفى" وهو "مَتَّى". فوَفقًا لما جاءَ في إنجيل مَرقُس 2: 14، كانَ مَتَّى يُدعى "لاوي"... لاوي أو مَتَّى. فهو نفسُ الشَّخص. ونحنُ نَقرأُ أنَّ اسمَهُ كانَ "لاوي" [في إنجيل مَرقُس 2: 14] "بن حَلْفَى". لِذا، رُبَّما كانَ يعقوبُ أَخَ مَتَّى.

هل يُمكنني أن أقولَ لكم شيئًا أشعُرُ به في قلبي في عُجالة؟ يُبَيِّنُ الرُّسُلُ لنا... وهذا أمرٌ يُمكنكم أن تَروه بأنفسكم. فهو شيءٌ اتَّضَحَ لي في أثناء دِراستِنا لهذه السِّلسلة: يُبيِّنُ الرُّسُلُ لنا أنَّ الخادِمَ ليسَ هو العُنصُرَ الرَّئيسيَّ حَقًّا في عملِ الملكوت. فالأمرُ لا يتوقَّف البتَّة على الخادِم. ولا أعتقد أنَّني فَهمتُ يَومًا ما قَصَدَهُ بولس حينَ قال: "مَن هو أبُلُّوس ومَن هو بولُس؟ اللهُ هو الَّذي يُنَمِّي" (في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الثَّالث). فالخادِمُ لا شيء. لِذا فإنَّ العهدَ الجديدَ لا يُركِّزُ البتَّة على هؤلاءِ الأشخاص. وما أعنيه هو أنَّه لا يقول: "يجب عليكم أن تَهتمُّوا بشيءٍ مُهِمٍّ جدًّا وهو أن تَدرسواَ عن هؤلاءِ الرِّجالِ الاثني عشر. فيجب عليكم أن تَفهموا مِهنَتَهُم، ونَمَطَهُم، وطريقتَهُم، وأساليبَهُم". والكِتابُ المُقدَّسُ لا يَختارُ أفضلَ واعظٍ ويُقدِّم لكم أسلوبَهُ في الوعظ. والكتابُ المُقدَّسُ لا يَختار التِّلميذَ الَّذي كانَ أفضلَ مَن شَفى الأمراضَ، أو الأكثر فَعاليَّة في هذا الشَّيءِ أو ذاك. بل إنَّه لا يَتحدَّث عنهم. فالمرَّةُ الوحيدةُ الَّتي يُذكَرُ فيها التَّلاميذُ في الكتابِ المقدَّسِ هي عندما يَتفاعلونَ معَ المسيح لغايةٍ مُعيَّنة. فيسوعُ هو النُّقطة الجَوهريَّة. والكِتابُ المُقدَّسُ لا يَحيدُ عن ذلك. ونحنُ لا نَقرأ البتَّة عن مِهنَةِ أيِّ تِلميذ. فأنتُم لا تقرأونَ أيَّ شيءٍ عن مِهنةِ أيٍّ مِن الرُّسُل لأنَّهم لم يكونوا النُّقطة الجوهريَّة. فالآنيةُ البشريَّةُ ليست ماديَّةً عندَ البشر. فهو يَستطيعُ أن يَستخدِمَ حِمارَ بَلعام إن شاء. وهو يَستطيعُ أن يَجعلَ الصَّخرةَ تَتكلَّم إن شاء. فالآنيةُ البشريَّةُ ليست هي النُّقطة الجوهريَّة. فلا يَنبغي أن تكونَ نابغةً، ولا مَوهوبًا جدًّا. فهذه ليست النُّقطة المُهمَّة. والكتابُ المُقدَّسُ لا يُبالي البتَّة بذلك. فالتَّركيزُ يَنصَبُّ دائمًا على يسوعَ المسيح. وكانَ هؤلاءِ التَّلاميذ يَدخلونَ المَشهدَ ويُغادرونَهُ وَحَسْب. وكانوا يَطرحونَ عادةً أسئلةً غَبيَّة.

ولَعَلَّكُم قرأتُم قصَّة الرَّجُل الَّذي رَسَمَ لوحةَ العَشاءِ الأخير الرَّائعة. فقد استَدعى صَديقَهُ وقالَ لَهُ: "أريدُ منكَ أن تَنظُر إليها. فقد انتهيتُ مِن رَسمِها. قَيِّمها". نَظرَ صَديقُهُ إلى اللَّوحة وقالَ لهُ: "أريدُ أن أقولَ لكَ شيئًا. إنَّ هذه الكُؤوس الَّتي رَسمتَها على المائدة هي أروعُ شيءٍ رأتهُ عَيناي". وقد صُدِمَ صَديقُهُ حالاً لأنَّ الفَنَّانَ أخذَ رِيشةً وطِلاءً وَطَمَسَ كُلَّ كأس وقال: "لقد أَخفقتُ لأنِّي أردتُ منكَ أن تَرى المسيح؛ ولكنَّكَ رأيتَ الكُؤوس". مِنَ الرَّائعِ أن نكونَ آنيةً نافعةً للسيِّد، ولكنَّ النُّقطةَ الجوهريَّةَ ليست هذه. وأعتقد أنَّ واحدًا مِن أكبرِ المآسي الموجودة في المسيحيَّة في زَمانِنا ومَكانِنا هذا هو أنَّنا نَرى الكُؤوسَ ولا نَرى المسيح. فنحنُ نُرَكِّزُ على الشَّخصيَّة، ونَدرسُ أساليبَ البَشر وطُرُقِهم عِوَضًا عن أن نَختبرَ قُدرةَ الله. وأعتقد أنَّ واحدًا مِن أسبابِ ضُعفِ الكنيسةِ يَكمُنُ في عَقليَّةِ النَّجْمِ المَسيحيِّ هذه. ولكنَّ النُّقطةُ الجوهريَّةُ ليست هذه، بل إنَّ المسيحَ هُوَ النُّقطةُ الجوهريَّة.

لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَستخدِمُ شخصًا صغيرًا مَجهولاً، وغيرَ مَعروف، ومَغمورًا. فقد كانَ يُمكِنُ أن يُقالُ إنَّهُ أخو مَتَّى، ولكنَّه يَمضي بهدوء دونَ أن نُلاحِظَهُ في كلِّ روايةِ الإنجيل. وبالرَّغمِ مِن ذلك، لقد كانَ بلا أدنى شَكٍّ كَارِزًا مؤثِّرًا يَتَّصِفُ بالتَّكريسِ الشَّديدِ جدًّا حتَّى إنَّ اللهَ استخدَمَهُ. وذاتَ يومٍ، ستتمكَّنونَ مِن قراءةِ السِّجلِّ السَّماويِّ بأنفسكم ومعرفةِ كلِّ ما لم يَذكرهُ الكتابُ المقدَّس.

وماذا عنِ التِّلميذِ الثَّاني؟ نقرأُ في العددِ الثَّالث: "لَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُس". وإذا نَظرتُم إلى إنجيل لوقا 6: 16، وإلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 1: 13 (ولا حاجةَ إلى أن تَفتحوا عليهما الآن)، ستجدونَ أنَّهُ كانَ يُعرَفُ باسمٍ ثالثٍ هو: يَهوذا أخو يَعقوب. وهو يُدعى في مَوضِعٍ ما: "يَهوذا ليسَ الإسخريوطيّ". وقد كانَ الاسمُ "يَهوذا" اسمًا شائعًا أيضًا. وهو يَعني "يَهْوَه يَقود". وكانَ هناك أُناسٌ كثيرونَ في ذلك الوقت يُسَمُّونَ أبناءَهُم: "يَهْوَه يَقود" أو "اللهُ يَقود". وهذا هو يهوذا. ورُبَّما كانَ هذا هو اسمُهُ الأوَّل. ورُبَّما صارَ يُلَقَّبُ "لَبَّاوُس" و "تَدَّاوُس" كما يَفعلُ النَّاسُ عادةً عندَ استخدامِ الألقاب. والكلمة "تَدَّاوُس" هي كلمة مُدهشة. فهي مُشتقَّة مِن الجَذرِ العِبريِّ "ثاد" (thad) الَّذي يُشيرُ إلى ثَدْيِ المرأة. وبصورة رئيسيَّة، كانَ الاسمُ "تَدَّاوُس" يَعني "الطِّفل المُتَعَلِّق بِثَديِ أُمِّه". ومِن المُرَجَّحِ أنَّهُ يَعكِسُ حقيقةَ أنَّ تَدَّاوسَ كانَ الطِّفلَ المُدَلَّلَ في عائلته. فقد كانَ مِن الشَّائع أن تكونَ العائلاتُ كبيرة. وكانَ تَدَّاوُس الطِّفلَ المُدَلَّل. فهو تَدَّاوُس. هل رأيتُم يومًا أُمًّا تأتي وتقول: "أريدُ أن تَلتقي طِفلي". وهي تَنظُر لأعلى وتُشيرُ إلى شابٍّ طُولُهُ مِتران! أليسَ كذلك؟ "هذا طِفلي!" هذا هو الوَلدُ المُدَلَّل في العائلة. إنَّهُ "آخِرُ العُنْقود". أليسَ كذلك؟ فهو الطِّفلُ المُتَعَلِّقُ بِثَديِ أُمِّه. ويبدو أنَّ هذهِ الكلمة كانت مُصطلحًا عاميًّا يُشيرُ إلى الولدِ المُدَلَّل. لِذا، فقد كانَ في نَظرِ عائلتهِ الابن المُدَلَّل. فهو آخِرُ العُنقود، أوِ الولدُ المُفَضَّلُ لدى أُمِّه على الأرجح. ثُمَّ إنَّه كانَ يُدعى أيضًا "لَبَّاوُس". ورُبَّما كانَ ذلكَ لَقَبٌ أيضًا. وهو مُشتقٌّ مِن الجَذرِ العِبريِّ "لِب" (leb) ومَعناهُ: "قَلب". وهو يَعني: "الوَلَدُ الشُّجاع". والوَلَدُ الشُّجاع هو وَلدٌ كانَ يَمتلكُ قلبًا كقلبِ الأسد. وكانَ ذلك يَرتبطُ عادةً بالشَّجاعة.

لِذا فقد رأت عائلتُه أنَّهُ ابنُها المُدَلَّل. ورُبَّما أَطلقَ التَّلاميذُ عليهِ كُنيةً أو رُبَّما أَطلقَ عليهِ النَّاسُ الآخرونَ الَّذينَ كانوا يَعرفونَهُ الكُنية "لَبَّاوُس" لأنَّها كُنيةٌ تُعَبِّرُ عن شَجاعَتِه. فربُّما كانَ رَجُلاً شُجاعًا. ولا يُمكننا التَّيقُّن مِن هذه الأمور، ولكن مِن وُجهةِ نَظرِ أُمِّه رُبَّما كانَ الطِّفلَ الرَّقيق. أمَّا مِن وُجهةِ نَظرِ أصدقائه فقد كانَ رَجُلاً شُجاعًا جدًّا. وهو أيضًا تلميذٌ يَلُفُّهُ الغُموض. وهو لا يُمكن أن يُضافَ إلى لائحةِ الأشخاصِ المَشهورينَ أيضًا. ولكنَّهُ طَرحَ سؤالاً مُهمًّا جدًّا. وهي المَرَّة الوحيدة الَّتي نَلتقيهِ فيها في الكتابِ المقدَّس (في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14). انظروا معي بسُرعة... وسوفَ نُلقي نَظرةً خاطفةً وَحَسْب على هذه النُّقطة. فقد كانَ يسوعُ يَتكلَّم في اللَّيلةِ الَّتي سَبقت مُحاكمتِه. وهو يقولُ في العدد 21: "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي". وهذه جُملةٌ مُدهشة. فيمكنكم أن تَجلسوا وتنظُروا إليها، وتُفكِّروا فيها، وتتأمَّلوا فيها لساعات. إن حَفظتُم وصايايَ فإنَّكم تُظهرونَ مَحبَّتَكُم لي. هذا هو مَعناها بصورة رئيسيَّة. يُمكنني أن أقولَ لكم مَنِ الَّذي يُحبُّني: إنَّهُ ذاكَ الَّذي يُطيعُني. فقد تَدَّعي أنَّكَ تُحبُّ اللهَ وتُحبُّ المسيحَ. ولكن إن لم تَكُن تُطيعُه فإنَّ ادِّعاءَكَ زائفٌ. الَّذي يَحفظ وَصايايَ هو الَّذي يُحبُّني. "وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي". وهذه جُملة مُهمَّة جدًّا. فاللهُ لا يُظهِر ذاتَهُ إلاَّ للقلبِ الَّذي يُحبُّه. وهذا هو السَّببُ في أنَّ النَّاسَ في العالَم لا يَعرفونَ الله. وهذا هو السَّبب في أنَّهم لا يَستطيعونَ أن يَفهموا الحقَّ: لأنَّهم لا يُحبُّونَ الله. فيجب أن تكونَ لديهم مَحبَّة تُجاهَ الله، واستعدادٌ للطَّاعة. فحينئذٍ فقط، سيُظهِرُ اللهُ ذاتَهُ لهم. والنُّقطةُ المقصودةُ أوِ المَعنى المَقصودُ هو التَّالي: اللهُ لا يُظهِرُ ذاتَهُ إلاَّ للقلبِ المُحبِّ. هل فَهمتُم ذلك؟ هذا هو كلُّ ما في الأمر. فهو لا يُظهِرُ ذاتَهُ إلاَّ للأشخاصِ الَّذينَ يُحبُّونَهُ.

وقد قادتِ الكلمةُ "أُظُهِرُ" إلى الفِكرة التَّالية إذ إنَّ يَهوذا (أو لَبَّاوُس، أو تَدَّاوُس) أجابَ في العدد 22 إذ نَقرأُ: "قَالَ لَهُ يَهُوذَا لَيْسَ الإِسْخَرْيُوطِيَّ" فهو يَهوذا آخر. إنَّه يهوذا بنُ يَعقوب: "يَا سَيِّدُ، مَاذَا حَدَثَ حَتَّى إِنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَم؟" أنتَ تقولُ إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُحبُّونكَ هُمُ الوحيدونَ الَّذينَ سيرونَكَ ويَعرفونَكَ، وأنَّكَ ستُظهِر ذاتكَ فقط لأولئكَ الَّذينَ يُحبُّونك. كيفَ تُظهِرُ ذاتَكَ لنا وليسَ للعالَم؟ ما الَّذي يَعنيه؟ إنَّهُ يُفكِّرُ في الظُّهورِ كما لو أنَّهُ ظُهورٌ خارجيٌّ. فقد كانَ يَنظُرُ إلى الرَّسوليَّة كالبقيَّة لأنَّه كانَ يُفكِّرُ في مُلْكٍ أرضيٍّ، وفي حُكْمٍ أرضيٍّ، وفي الإطاحَةِ بِروما، وفي الرَّجاءِ العَظيمِ بتأسيسِ مَملكةٍ أرضيَّة. وَهُوَ يقولُ لهُ: كيفَ ستُحقِّقُ الرَّجاءَ المَسيحانيَّ، وكيفَ ستُؤسِّس المملكةَ على الأرض، وكيفَ ستَملِك على عَرشِ داود، وكيفَ ستُظهِر مَن تَكون دونَ أن يَرى العالَمُ ذلك؟ بعبارة أخرى: كيفَ ستفعلُ ذلك؟ كيف ستفعلُ ذلك بطريقةٍ لن يَرونَكَ فيها؟

ورُبَّما كانَ يوجدُ تَلميحٌ آخر في جُملتِه. فرُبَّما قَصَدَ أن يقول: لماذا تُفكِّرُ في إظهارِ نفسِكَ لنا فقط؟ أي لهذهِ المجموعة غيرِ المُتناغمةِ مِن الأشخاصِ المَغمورين. بعبارة أخرى: إن كنتَ أنتَ المَسيَّا، وكانت هذه هي اللَّحظةُ المُناسبة، لماذا ستُظهر ذاتَكَ لنا فقط؟ فالعالَمُ هو النِّطاقُ الَّذي سيَملِك عليهِ المَسيَّا. وَهُوَ سؤالٌ جَيِّد. لِمَ لا يَراكَ الجميع؟ فإن كانَ الوقتُ قد حانَ لتأسيسِ المَملكة، لنفعل ذلك. وربَّما يُمكنكم أن تَروا تلك الشَّجاعةِ الَّتي كانَ يَشتَهِرُ بها. لنفعل ذلك يا رَبّ. فالعالمُ كُلُّه ينبغي أن يَعلَم. لماذا تريدُ أن تُظهرَ ذاتكَ لنا نحنُ فقط؟ ولكن كما تَرَونَ، فإنَّه لم يَكُن يَفهمُ ما قالَهُ الرَّبُّ. لِذا فقد قالَ الرَّبُّ ثانيةً: "إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً". فهو يُعيدُ نفسَ المبدأ. والمَعنى المقصودُ هو التَّالي: "يا يَهوذا [أو لَبَّاوُس أو تَدَّاوُس]: إنَّ الأشخاصَ الوحيدينَ الَّذينَ سيَفهمونني هُم أولئكَ الَّذي يُحبُّونني. هذا هو كلُّ ما في الأمر. وهو يقول في العدد 24: "اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي. وَالْكَلاَمُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي". بعبارةٍ أخرى: إنَّ الشَّخص الَّذي لا يُحبُّني لا يَعلمُ ما أتحدَّثُ عنه، ولا يَعلمُ أنَّهُ مِن عندِ الله. فهو يقول: الظُّهورُ يَقتصِرُ على الاستقبال. فهو يُشبِهُ المَحطَّةَ الإذاعيَّة. فيمكنكَ أن تُرسلَ إشارةً، ولكن ما لم تَضبِط المَوجة، لن تتمكَّنَ مِن استقبالِها.

اقتبسَ "روبرت لويس ستيفنسون" (Robert Louis Stevenson) ذاتَ مَرَّة قَولاً للفَيلسوف "ثورو" (Thoreau). وقد قالَ في ذلك الاقتباسِ المُدهش إنَّ ثورو قالَ في إحدى المَرَّات: "إنَّ الأمرَ يَتطلَّبُ شَخصين لقولِ الحقِّ: شَخصًا يَقولُ الحَقَّ، وشخصًا يَسمَعُهُ". وهذا صحيح. فيسوعُ جاءَ إلى خاصَّتِه، ولكنَّ خاصَّتَه [ماذا؟] لم تَقبلهُ. وقد "كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ". وإلهُ هذا الدَّهر قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غيرِ المُؤمِنين. والنُّورُ قد جاءَ إلى العالَم، ولكنَّ النَّاسَ يُحبُّونَ الظُّلمة. وكما تَرَون، فإنَّ المُتَلَقِّينَ ليسوا مُهتمِّين. ويسوعُ يقولُ: "أنا لا أُظهِرُ ذاتي إلاَّ للأشخاصِ الَّذينَ يَقبلونَني". وأنا مَسرورٌ جدًّا لأنَّ تَدَّاوُس طَرحَ ذلكَ السُّؤال لأنَّ هذا الحقَّ هو حَقٌّ رائعٌ ينبغي أن نَعرفَهُ. أليس كذلك؟ وأنا مسرورٌ جدًّا لأنَّ يسوعَ أجابَ عن ذلك السُّؤال. فقد كانَ ذلك السُّؤالُ رائعًا. فقد كانَ تَدَّاوُس شخصًا مُفكِّرًا. فقد فَكَّرَ بِعُمق في النَّظرة التَّقليديَّة المُختصَّة بالملكوت؛ أي أنَّهُ سيكونُ مَلكوتًا أرضيًّا وحَرفيًّا وماديًّا. فهذا هو بالضَّبط ما كانَ اليهودُ يُؤمنونَ به. وهو لم يَستوعب كيف سيُظهِرُ المسيحُ ذاتَهُ مِن دونِ أن يَعلمَ الجميعُ بذلك. وهذا يَعكِسُ أيضًا تَواضُعَهُ: "لماذا تُخبرُنا بذلك ولا تُخبِرُ العالَمَ كُلَّهُ؟ لماذا تُظهِرُ ذاتَكَ لنا فقط؟" لِذا، يُمكننا أن نَرى أنَّهُ كانت توجدُ في تَدَّاوُس صِفاتٍ رائعة.

وقد قالَ أحدُ الكُتَّابِ إنَّهُ يُمكنكَ أن تأخذَ تَرنيمةً لتشارلز ويسلي (Charles Wesley)، وأن تَفصِلها عن كِتابِ التَّرانيم وتَرميها في الشَّارع، وتُبقيها هُناكَ إلى أن يأتي كَلبٌ ويَشُمها ويَبتعد عنها لأنَّها لا تَعني أيَّ شيءٍ بالنِّسبةِ إليه. وربَّما يأتي عامِلُ القُمامة ويَلتقطها ويَطرحُها في النُّفايات. أو قد يأتي شخصٌ يَهتمُّ بنظافةِ الشَّارع ويقول: "هذه قُمامة"، ويَلتقطها. أو قد يأتي شخصٌ ماديٌّ جدًّا ويقول: "سوفَ ألتقطُها. فقد تكونُ صَكَّ مِلكيَّة لعَقارٍ مَا أو شَيئًا مِن هذا القَبيل". وقد يَلتقطُها أَديبٌ ويقول: "لِنَقرأ ما جاءَ في هذه الورقة! إنَّها تَرنيمة لتشارلز ويسلي. لقد كانَ شخصًا أديبًا. وهذه التَّرنيمةُ تَعكِسُ مَوهبةً شِعريَّةً رائعة". وقد يأتي شخصٌ مُؤمِنٌ ويَلتقطها فيَتبارَك بها. فالورقة هي نفسُها، ولكنَّ طريقةَ استقبالِها هي المُهمَّة. فهذا هو ما يَحدُثُ في العالَمِ أيضًا. فالأشخاصُ الَّذينَ يَملِكونَ قُلوبًا نَقيَّةً ومُحبَّةً ومُطيعةً هُمَ الوحيدونَ الَّذينَ يُدركونَ إعلانَ الله. وأعتقد أنَّ تَدَّاوُس كانَ شخصًا مِن هذهِ النَّوعيَّة. لِذا، يُمكننا أن نَرى أنَّ الرَّبَّ يَستخدِمُ أشخاصًا مَغمورينَ مِثلَ يَعقوب بن حَلْفى وتَدَّاوُس المُلَقَّب لَبَّاوُس أو يَهوذا. ومعَ أنَّهم لم يكونوا مَشهورينَ يومًا، فإنَّهم سيَملِكونَ معَ المسيحِ في المُلْكِ الألفيِّ.

وبالمُناسبة، يُخبرُنا التَّقليدُ الكَنيسيُّ القديمُ شيئًا عن تَدَّاوُس. فقد كانَ مَوهوبًا جدًّا إذ إنَّ اللهَ أعطاهُ قُدرةً على شِفاءِ المَرضى. وقد سَمِعَ أحدُ المُلوكِ في سُوريَّا يُدعى "أبغار" (Abgar) عنهُ وكانَ مَريضًا، فاستدعى تَدَّاوس كي يأتي ويَشفيه. وفي الطَّريق، شَفى تَدَّاوُس بِضعَ مِئاتٍ مِن النَّاسِ في كُلِّ رُبوعِ سُوريَّا. وعندما وَصَلَ في النِّهاية إلى المَلِك، شَفى المَلِك وقَدَّمَ الإنجيلَ للمَلِك. ويقولُ التَّقليدُ إنَّ المَلِكَ صارَ مَسيحيًّا. وقد أدَّى ذلكَ إلى حُدوثِ اضطرابٍ عنيفٍ في المدينة حتَّى إنَّ ابنَ أخِ المَلِكِ (وهو شخصٌ غير مُؤمِن) قَبضَ على تَدَّاوُس وسَجَنَهُ وأعدَمَهُ. لِذا فقد استُشهِدَ في سُوريَّا. وإن قرأتُم كتابًا قديمًا عن تَاريخِ الكنيسة يَتحدَّثُ عن تَدَّاوس ستجدونَ أنَّ كلَّ تِلميذٍ كانَ لهُ رَمْز. وقد كانَ يُرْمَزُ إلى تَدَّاوُس بهَراوةٍ كبيرة لأنَّ التَّقليدَ يقولُ إنَّهُ ضُرِبَ حتَّى الموت بهَراوة. فقد كانَ أمينًا لِرَبِّه.

وأخيرًا، التِّلميذُ الأخيرُ الَّذي سَنتحدَّثُ عنهُ في هذا الصَّباح هو سِمْعان الغَيور. والآن اسمعوني جيِّدًا لأنَّني سأتحدَّثُ عنهُ بسُرعة كبيرة. قد تَقرأونَ في بِضْعِ التَّرجماتِ الإنجليزيَّة أنَّهُ كانَ يُدعى سِمْعان الكَنعانيّ". وهذه تَرجمة غير مُوفَّقة للكلمة "كانانايوس" (Kananaios). وقد ظَنَّ أُناسٌ أنَّها صِفَة مُشتقَّة مِن الاسم "كَنعان" – أي مِن تلك المنطقة الجُغرافيَّة. ولكنَّ هذا غير صحيح. فهي كلمة مُشتقَّة مِن الجَذر "كينا" ومَعناها: "غَيور" أو "غَيورٌ على النَّاموس". وهو يُسَمَّى في إنجيل لوقا: "سِمْعان الغَيور" ("زيلوتيس" – "zelotes")؛ وهي كلمة أخرى وَحَسْب تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ؛ أي: سِمْعان المُمتلئ غَيْرَةً، أو سِمْعان الغَيور. ورُبَّما كانت تعني أنَّه كانَ يَنتمي حَقًّا إلى ذلك الحِزْبِ اليهوديِّ الَّذي كانَ يُعرَفُ بالغَيورين. وعندما صارَ تِلميذًا لم يُغيِّروا ذلكَ الاسم لأنَّه استمرَّ في إظهارِ نفسِ تلك الحماسة الشَّغوفةِ الَّتي كانَ يُظهِرُها عندما كانَ غَيورًا. فقد كانت توجد أربعُ مجموعات أساسيَّة في اليهوديَّة وهي: الفَرِّيسيُّون (وَهُمُ الحِزْبُ المُتطرِّف أوِ الأُصوليُّ أوِ النَّاموسيُّ). ثُمَّ كانَ هناكَ الصَّدُّوقيُّونَ (وَهُمُ اللِّيبراليُّون). وكانَ هناكَ "الأسِّينيُّونَ" (الَّذينَ كانوا مُتَقَشِّفينَ، ومُتَصَوِّفينَ، ونُسَّاكًا يعيشونَ في الكُهوف). ثُمَّ كانَ هناكَ "الغَيورون". وقد كانوا حِزبًا سِياسيًّا بالدَّرجةِ الأولى، وكانوا إرهابِيِّينَ، وكانوا فِدائيِّينَ، وكانوا قُطَّاعَ طُرُق. فقد كانوا يَنْهَبونَ ويَحرقونَ ويَقتُلون. وكانت هناكَ فِرقة مِنَ الغَيورينَ تُعرَفُ بِحَمَلةِ الخَناجِر... حَمَلَة الخَناجِر. وكانَ هؤلاءِ هُمُ مَنْ يُنَفِّذونَ الاغتيالات. وقد ثاروا ضِدَّ الاحتلالِ الرُّومانيّ. والحقيقة هي أنَّهم نَشأوا في الحقيقة في فترةِ المَكابيِّين؛ ولا نَدري إن كانوا يَنْتمونَ إليهم اسميًّا فقط أَم لا. ولكن في فترةِ المَكابيِّينَ عندما قادَ يَهوذا المَكابيُّ اليهودَ للثَّورة على الاحتلالِ اليونانيِّ، صَدَرَت بَياناتٌ عن ضرورةِ الثَّورة والوقوفِ للدِّفاعِ عن عَهْدِ الله. ونَجِدُ في سِفْر المَكابيِّينَ الأوَّل بصورة خاصَّة إشارة إلى ذلك.

ويبدو أنَّه انبثقَ مِن ذلك حِزْبٌ لَهُ تَوَجُّهات سِياسيَّة إرهابيَّة صارَ يُعرَفُ لاحقًا بالغَيورين. وقد وَجدوا قائدًا لهم في فترةِ العهدِ الجديد اسمُهُ يَهوذا. وهوَ اسمٌ كانَ شائعًا جدًّا [كَما ذَكرتُ سابقًا]. وبقيادَةِ يهوذا الجَليليِّ هذا، ابتدأوا بالقيامِ بأعمالٍ تَحريضيَّة في جميعِ أنحاءِ الأرض. والحقيقة هي أنَّه إن قرأتُم المزيدَ عنِ التَّاريخ في أثناءِ قراءتكم للعهدِ الجديد، يمكنكم أن تروا إشارات كثيرة إلى حدوثِ حالاتِ شَغَبٍ كانَ الرُّومانُ يُخمِدونَها كما يُخمِدونَ نيرانًا صغيرة. فقد كانَ الغَيورونَ يُنَفِّذونَ عَمليَّةَ قَتْلٍ هُنا، وعَمليَّةَ قَتْلٍ هناك، وعَمليَّةَ نَهْبٍ هُنا، وعَمليَّةَ حَرْقٍ هُناك، وعمليَّاتٍ أخرى يَتمكَّنونَ مِن تَنفيذِها. وهذا يُشبِهُ كثيرًا ما يَحدُثُ في الشَّرقِ الأوسطِ اليوم مِن جِهَةِ العَمليَّاتِ الإرهابيَّة.

وعلى مَدى سنواتٍ كثيرة، كانَ يَمْلِكُ على الأرضِ مَلِكٌ أَدومِيٌّ [وليسَ يَهوديًّا] اسمُهُ هيرودُس الكبير. وعندما ماتَ هيرودُس الكبير، كانَ قد قَسَّمَ مَملكتَهُ بينَ ثلاثةٍ مِن أولادِه هُم: "فيليب" الَّذي حَكَمَ المناطقَ الشَّماليَّةَ الغَربيَّة، و "أنتيباس" الَّذي حَكَمَ الجَليل، و "أرخيلاوُس" الَّذي حَكَمَ منطقة اليهوديَّة والسَّامرة. وقد أَثبَتَ أرخيلاوُس فَشَلَهُ فَتَمَّ استبدالُه بِوالٍ رُومانِيٍّ. وبهذه الطَّريقة دَخَلَ بيلاطُس المَشهَد. ولكن في خِضَمِّ كلِّ تلك الاضطرابات السِّياسيَّة، والتَّقلُّبات والتَّغييرات والصِّراعات على السُّلطة، ابتدأت حَماسةُ الغَيورينَ تَتَّقِد بقيادةِ يهوذا. وأخيرًا، قَتَلَ الرُّومانُ يهوذا؛ ولكنَّهم لم يَنجحوا في القضاءِ على الغَيورين. لِذا فقد استمرُّوا في القيامِ بما كانوا يقومونَ به. وقد قادوا ما كانوا يُسَمُّونَها "حَربًا مُقدَّسَةً". ويقولُ المؤرِّخُ "يوسيفوس" (Josephus) إنَّهم كانوا يُؤمنونَ بأنَّها حَربٌ مُقدَّسة. وقد كانوا يَنهبونَ، ويَحرِقونَ، ويَسلُبونَ، ويَقتلونَ، ويَفعلونَ كلَّ تلكَ الأمور. ومِن المُرجَّح جدًّا أنَّ سِمْعان كانَ يَنتمي إلى الغَيورين. وهو يُدعى "سِمْعان الغَيور". فقد كانَ إرهابيًّا يُشارِك في الأعمالِ الإرهابيَّة.

وقد يُدهِشُكُم أن تَعلموا أنَّهم كانوا يُعادونَ الرُّومانَ جدًّا حتَّى إنَّهم لم يكونوا يَتردَّدونَ في قتلِ أيِّ شخصٍ رُومانيٍّ. وَحَتَّى إنَّهم كانوا يُعادونَ الرُّومان جدًّا حتَّى إنَّهم لم يكونوا يَتردَّدونَ في قَتلِ أيِّ شخصٍ يهوديٍّ يَقِف بأيَّة طَريقة معَ الرُّومان إذا كانوا يَغتالونَهُ. وأخيرًا، في سنة 70 ميلاديَّة، قَرَّرَ الرُّومانُ أن يَضَعوا حَدًّا لما يَجري. لِذا فقد جاءوا ودَمَّروا أورُشليم. ويقولُ "يوسيفوس" في كِتابِهِ "العَادِيَّاتِ اليهوديَّة" (Antiquities) إنَّ السَّببَ الرَّئيسيَّ في تَدميرِ أورُشليم هو أعمالُ الغَيورين. فقد تَعِبَ الرُّومانُ جدًّا مِن مُقاتلةِ تلك الجماعة المُنتشرة في كلِّ مكان فقَرَّروا أن يأتوا ويَقضوا على الجماعةِ بِرُمَّتِها. فإن كانَ بمقدورهم أن يَهدموا أورُشليم، يُمكنهم الخروجُ منها. وقد فعلوا ذلك. فقد دَمَّروا أورشليم في سنة 70 ميلاديَّة وخَرجوا منها. وقد قَتلوا النَّاسَ في 985 بَلدة في الجليل. فقد أبادوا الأُمَّة. وكانَ الغَيورونَ شَوكَةً في جَنْبِهم أدَّت في النِّهاية إلى ذلك الدَّمار.

والآن، كانَ هناك قائدٌ بعدَ سنة 70 ميلاديَّة مِن الغَيورينَ يُدعى "أليعازر" قادَ الغيورينَ في عَمليَّاتِ نَهْبٍ كثيرة. وكانَ قد بَقِيَ مِنهُم عددٌ قليلٌ فقط، ولكنَّهم كانوا يَذهبونَ إلى كلِّ مكان ويَفعلونَ ما كانوا يَفعلونَهُ دائمًا. وأخيرًا عَثروا على مَكانٍ اختبأوا فيه. وكانَ ذلك المَكانُ هو "مَسْعَدة" (Masada). لِذا فقد استقرَّ الغَيورونَ في مَسعَدة. ومِن هناكَ، كانوا يَنطلقونَ لتنفيذِ عَمليَّاتِهم الهُجوميَّة. وقد كانَ هذا بِكُلِّ تأكيد بعدَ زَمنِ سِمْعان. وهل تَذكرونَ كيفَ انتهى ذلك في النِّهاية. لقد استولى الرُّومان أخيرًا على مَسعدَة. وإذ لم يَرغب الغَيورونَ في فُقدانِ حياتِهم على يَدِ الأعداءِ الرُّومان الَّذينَ كانوا يَحتقرونَهُم ويُبغضونهم، أَقدَموا على الانتحار. وقد كَتَبَ "يوسيفوس" في كِتابٍ لَهُ بعُنوان "حَرْبُ اليَهود" (The War of the Jews) إنَّ "أليعازر" استدعى الغيورينَ وألقى خطابًا حَماسيًّا حَضَّهُم فيهِ على قَتلِ زَوجاتِهم وأطفالهم، ثُمَّ قَتْلِ أنفسهم. وقد اقتنعوا بكلامِهِ، وعانقوا زوجاتِهم بحَنان، وقَبَّلوا أطفالَهُم، وابتدأوا عَمَلَهُم الدَّمويّ. وقد ماتَ منهم 960 شخصًا. وقد نَجا امرأتانِ وخمسة أطفال مِن القتل إذ إنَّهم اختبأوا في مَغارة. ومؤخَّرًا، صَدَرَ فيلمٌ يُشيدُ بأمجادِ مَسْعَدة. ولكنَ هؤلاءِ لم يكونوا يهودًا عاديِّين، بل كانوا إرهابيِّينَ سياسيِّين. وقد آثَروا أن يَقتلوا أنفسَهُم قبلَ أن يُزهِقَ الرُّومانُ حَياتَهُم. فقد بَلَغَتْ كَراهِيَّتُهم ذلكَ الحَدّ.

والآن، حيثُ إنَّ سِمعانَ كانَ يَنتمي إليهم، لا بُدَّ أنَّه كانَ شخصًا شَغوفًا جدًّا ومُتحمِّسًا جدًّا. ويُمكنكم أن تَتخيَّلوا أنَّه كانَ مُلتهبًا حَماسةً عندما كانَ الأمرُ يَختصُّ بعملِ الرَّبّ. فقد وَجَدَ قائدًا أفضل وقضيَّةً أفضل. واسمُهُ يُذكَر... هل لاحظتُم ذلك؟ إنَّ اسمَهُ يُذكَر قبلَ اسمِ مَن؟ يَهوذا الإسخريوطيّ. وهذا مُدهشٌ في نَظري؛ ولكنَّهما رُبَّما كانا رَفيقَيْن. فرُبَّما كانا رَفيقَيْن. فعندما ذَهبا اثنينِ اثنين، ذَهبَ هو ويهوذا لأنَّ يهوذا كانَ يَحمِلُ نفسَ الانتماءِ السِّياسيِّ. أليس كذلك؟ ورُبَّما كانا يُفكِّران بالشَّيءِ نَفسِه، وعلى المُستوى نفسِه ويقولان: "يا للرَّوعة! بإمكانِ يسوعَ هذا أن يَدعمَ قَضيَّتَنا". وكانَ يُمكنُ أن يكونَ سِمعان هو الخائِن. وحينئذٍ، كنتُم ستُسَمُّونَ أولادَكُم "يَهوذا"، لا "سِمعان". ولكنَّ سِمعان آمَنَ وتَغيَّر. أمَّا يهوذا فلم يفعل ذلك. لِذا، لا يوجد مَن يُسَمِّي ابنَهُ "يَهوذا".

لقد صارَ سِمعانُ تِلميذًا للمسيح. فَكِّروا في روعةِ ذلك بالنِّسبة إليه؛ أي أن يَكونَ رَفيقًا لمَتَّى الَّذي كانَ يَجمَعُ الضَّرائبَ لصالحِ الحُكومةِ الرُّومانيَّة! ولا أدري إن كانَت تُراوِدُهُ كَوابيسٌ صغيرة بشأنِ مَتَّى. ولكنَّ الرَّبَّ يَستخدِمُ جميعَ أنواعِ الأشخاصِ غير المُؤهَّلين. أليس كذلك؟ وهو يَستطيعُ أن يَستخدِمَكَ ويَستخدمَني.

سوفَ أَختِمُ حَديثي بهذا المَثلِ الإيضاحيِّ. كانَ هناكَ عازِفُ كَمانٍ مَشهور أرادَ أن يُثبِتَ وجهةَ نَظرٍ مُهمَّة جدًّا يؤمِنُ بها. لِذا فقد استأجرَ قاعةً ضخمةً في المدينةِ وأَعلنَ أنَّه سيُقيمُ حَفلةً يَعزِفُ فيها على آلَةِ كَمانٍ ثَمَنُها عشرونَ ألفَ دولار. وقد امتلأَتِ القاعةُ بعُشَّاقِ الكَمان فصَعِدَ إلى المَسرَح وعَزَفَ عَزفًا رائعًا جدًّا. وقد صَفَّقوا لهُ تَصفيقًا حارًّا جدًّا. وقد انحَنى عندَ تَصفيقِهم لَهُ ثُمَّ طَرَحَ آلَةَ الكَمانِ أرضًا فَتَناثَرت أجزاؤُها في جميعِ أرجاءِ المكان. وقد ذُعِرَ النَّاس. ثُمَّ إنَّه غادرَ المَسرح فخَرجَ مُديرُ المَسرحِ وقال: "سَيِّداتي سادَتي، لكي أُريحَ أعصابَكُم، إنَّ ثَمَنَ آلةِ الكَمانِ هذه عشرونَ دولارًا فقط. والآن، سوفَ يَعودُ ويَعزِف على الكَمانِ الَّذي ثَمَنُهُ عشرونَ ألفَ دولار". وهل تَعلمونَ شيئًا؟ لم يَتمكَّن الجُمهورُ مِن مَعرفةِ الفَرقِ بينَ الآلَتَيْن. وقد أَثبَتَ وُجهةَ نَظرِه. فالأمرُ لا يَتوقَّفُ على الآلة، بل على الفَنَّان. أليس كذلك؟

والآن، يا أحبَّائي، لِنُواجِه الحقيقة! إنَّ أغلبيَّتَنا هُم آلاتُ كَمانٍ لا يَزيدُ ثَمَنُها عن عشرينَ دولارًا في أفضلِ الأحوال. أليس كذلك؟ في أفضلِ الأحوال. ولكن ما أروعَ المُوسيقا الَّتي يَستطيعُ اللهُ أن يُخرِجَها مِنَّا! دَعونا نُصَلِّي:

نَشكُرُكَ يا أبانا على كلمتِكَ لنا مِن خلالِ حياةِ هؤلاءِ الأشخاصِ المَجهولين. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ حَفِظتَ مَكانَهُم الخاصَّ إلى الأبد، ولأنَّنا سنَراهُم يَملِكونَ في مَلكوتِك، ولأنَّنا سنَحيا الأبديَّةَ معهم ونَعرِفُ كلَّ الحقائق المَحجوبة عن خِدمتهم الرَّائعة والعظيمة. يا رَبُّ، ساعِدنا على أن نَعرفَ أنَّ التَّركيزَ لا يَنصَبُّ البَتَّة على الأدواتِ البشريَّة، بل عليكَ أنتَ. وكم يُذَكِّرُنا هذا بحقيقةِ أنَّه يجب علينا أن نَعملَ بقوَّةِ اللهِ، لا بقوَّتِنا نحن. حَرِّرنا مِن حَماقةِ أن نَرى الكُؤوسَ عِوَضًا عن أن نَرى المسيح. يا أبانا، اجمَعنا معًا في هذا المساءِ مَرَّةً أخرى لكي نَفتحَ كِتابكَ وننظر إلى الخِدمةِ الرُّوحيَّةِ ونَتعرَّف إلى الخِدمةِ الَّتي دَعوتَنا إلى القيامِ بها. اغرُس هذه الحقائق عميقًا في قلوبِنا لكي نَرى ما تستطيعُ أن تَفعلَهُ مِن خلالِ حياةٍ بسيطةٍ لأجلِ مَجدِك. نَشكُرُكَ على هذا الوقتِ الَّذي صَرفناهُ معًا. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize