Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَنظُر معًا إلى كلمةِ اللهِ في الأصحاح الثَّالث عشر مِن إنجيل مَتَّى. بوصولِنا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 13، نَكونُ قد وَصَلنا حَقًّا إلى واحدٍ مِنَ الأصحاحات المُهمَّة جدًّا في كلِّ صفحاتِ الكتابِ المقدَّس. وقد حاولنا في يومِ الرَّبِّ الماضي أن نُقدِّمَ لكم بِضعَ حَقائق تُساعدنا في فَهمِ هذا الأصحاح.

وفي هذا الصَّباح، سوفَ نَستمرُّ في هذه النَّظرةِ العامَّةِ التَّمهيديَّة، ثُمَّ إنَّنا سنَبتدئُ في يومِ الرَّبِّ القادِم بالتَّأمُّلِ في التَّفاصيل مِن خلالِ دراستِنا للأمثالِ المُدَوَّنَةِ في هذا الأصحاحِ العظيم. لقد قالَ الحَكيمُ في سِفْر الجامعة: "لِعَمَلِ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ لاَ نِهَايَة". وإن كانَ هناكَ جِيلٌ في العالَمِ يَفهمُ ذلكَ فإنَّهُ جِيلُنا. فالكُتُبُ تَفوقُ قُدرَتَنا على الاستيعاب. وهناكَ المزيدُ والمَزيدُ مِنَ الكُتُبِ الَّتي تُطبَعَ وتُنشَرُ كُلَّ يوم.

وحتَّى إنَّنا نحنُ المسيحيِّينَ نُدركُ أنَّهُ توجدُ آلافٌ وآلافٌ مِنَ الكُتُبِ الَّتي تُنشَرُ اليومَ عنِ الكنيسة. فقد تَمَّت دراسةُ الكنيسة، وفَحصُها، وتَحليلُها، وإلقاءُ اللَّومِ عليها، ومَدحُها، ورَفعُها، ولَعنُها، وانتقادُها، ودَعمُها. وقد تَمَّ تَطبيقُ كُلِّ ما يَخطُرُ على البالِ مِن بَرامجَ وأساليبَ ووَسائلَ وطَرائقَ على الكنيسة.

وهناكَ نِقاشاتٌ عنِ الكنيسةِ في كلِّ مكانٍ: مِنَ الغُرفةِ الخَلفيَّةِ إلى قاعةِ الاجتماعاتِ، ومِنَ المَطبخِ إلى غُرفةِ الصَّفِّ في كُليَّةِ اللاَّهوتِ بينَ العِلمانيِّينَ، وبينَ الرُّعاةِ واللاَّهوتيِّينَ، وحتَّى بينَ أهلِ العالَم. فالكنيسةُ هي شيءٌ مُهمٌّ جدًّا. ونحنُ نُحاولُ أن نَفهمَ المسيحيَّةَ في وَقتِنا الحاضِرَ وكيفَ نَجعلُ الكنيسةَ على النَّحوِ الَّذي يُريدُهُ الله.

ونحنُ نَجتمعُ طَوالَ الأسبوعِ معَ الرُّعاةِ هُنا في مؤتَمرِ الرُّعاةِ، ونُحاولُ أن نَفهمَ فَهمًا أفضلَ الكنيسةَ، وأن نَفهمَ فَهمًا أفضلَ كيفَ نَخدِمُ في الكنيسةِ وكيفَ نَخدِمُ رَبَّ الكنيسةِ: الربَّ يسوعَ المسيح. وكُلُّ هذهِ الأمورِ نَبيلَة. ولكنَّ كُلَّ جُهْدٍ نَبيلٍ لِفَهمِ الكنيسةِ ينبغي أن يَبتدئَ مِن نُقطةٍ جَوهريَّةٍ واحدةٍ في العهد الجديد وهي [في رأيي] الأصحاح الثَّالث عشر مِن إنجيل مَتَّى.

وأعتقدُ أنَّنا هُنا أمامَ تَحليلٍ لعصرِ الكنيسةِ مِن وُجهةِ نَظرِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ نَفسِه. فهذه هي المُقدِّمةُ الحقيقيَّةُ للطَّرحِ الكِتابيِّ لكنيسةِ يسوعَ المسيح. وفي هذا الطَّرْحِ، يُناقشُ الرَّبُّ طبيعةَ وسِماتِ هذه الفترةِ الَّتي تُعرَفُ لدينا باسم "عَصْر الكنيسة". وهو أصحاحٌ نَبويٌّ مُدهش. فالربُّ يَتحدَّثُ عن أمورٍ ستَحدُثُ في عَصرِ الكنيسة. لِذا، مِنَ المُهمِّ جدًّا أن نَفهمَ هذا الأصحاحَ لأنَّهُ العَصرُ الَّذي نَعيشُ فيه، ونَعملُ فيهِ، ونَخدِمُ فيهِ الرَّبَّ يسوعَ المسيح. لِذا، يجب علينا أن نَفهمَ طَبيعةَ هذا العصر.

والآن، تَذَكَّروا أنَّ مَتَّى قَدَّمَ يسوعَ المسيحَ بصفتِهِ المَلِك. وقد بَيَّنَ لنا بِلا أَدنى شَكٍّ أنَّ يسوعَ هو مَسيحُ اللهِ: المَسيَّا، المَسيح، المَلِك، مُخَلِّص العالَم. وقد جاءَ لكي يُؤسِّسَ مَلكوتَهُ. وقد قالَ يوحنَّا المَعمدانُ إنَّهُ سيُؤسِّسُ مَملكةً. وقد فَعلَ يسوعُ ما قالَ يوحنَّا إنَّهُ سيَفعلُه. فقد قَدَّمَ مَلكوتًا، وتَحدَّثَ عنِ المَلكوتِ، وعَلَّمَ عنِ المَلكوت، ودَعا النَّاسَ إلى الاعترافِ بهِ بصفتِهِ المَلِك. ولكن في الوقتِ الَّذي تَصِلونَ فيهِ إلى الأصحاحِ الثَّالث عشر مِن إنجيل مَتَّى ستَجدونَ أنَّهم رَفضوا المَلِكَ ورَفَضوا مَملكتَه. لِذا فإنَّنا في نُقطةٍ حَرِجَةٍ في تاريخِ الفِداء.

فشَعبُ اللهِ الَّذي دُعِيَ مِن نَسْلِ إبراهيمَ، والَّذي كانَ ينبغي أن يَكونَ القَناةَ الَّتي تَصِلُ مِن خلالِها البَرَكةُ إلى العالَم، والقناةَ الَّتي يأتي مِن خِلالها المَلكوتُ الَّذي يَحكُمُهُ مَلِكُهم، هذا الشَّعبُ قد رَفَضَ المَلِك. وقد رَفضوا مَملكتَهُ. لِذا، بوصولِنا إلى الأصحاحِ الثَّالث عشر، نَرى أنَّ المَلكوتَ قد تَأجَّل. فالمَلكوتُ لا يُمكِنُ أن يأتي عندما يَرفُضُ شَعبُ المَلِكَ مَلِكَهُم. لِذا فقد تأجَّلَ المَلكوتُ إلى وقتٍ مُستقبليٍّ، أو وقتٍ لاحِقٍ، أو إلى الوقتِ الَّذي يَقبَلُ فيهِ بنو إسرائيلَ المَلِكَ، ويَعترفونَ بمَلكوتِه، ويَقبلونَهُ بكُلِّ مِلئِهِ.

لِذا فإنَّ الوقتَ الواقعَ بينَ الرَّفضِ والعودةِ هو الوقتُ الَّذي نُسَمِّيه "الشَّكل السِّرِّيّ للمَلكوت" لأنَّهُ وقتٌ كانَ مَحجوبًا عن جميعِ الأجيالِ السَّابقة. ففي العددِ الحادي عشر مِنَ الأصحاحِ الثَّالث عشر، يُسَمِّيهِ يسوعُ "السِّرّ". فهذهِ هي اللَّفظةُ الَّتي يَستخدِمُها. لِذا، هناكَ فَترةٌ فاصلةٌ بينَ رَفضِ المسيحِ وعودةِ المسيحِ لتأسيسِ مَلكوتِهِ؛ وهي فَترةٌ لم تُوصَف مِن قَبل في كُلِّ تاريخِ الإعلان. فلم يَكُن أيُّ شخصٍ يَعلمُ تفاصيلَ هذه الفترةِ إلى الوقتِ الَّذي سُمِعَ فيهِ الكَلام المُدَوَّن في الأصحاح الثَّالث عشر. ويَسوعُ يُقدِّمُ لنا أوَّلَ وَصف. وذلكَ الوَصفُ يُستخدَمُ كقاعدةٍ لما جاءَ في بقيَّةِ العهد الجديد. ولكنَّهُ يَبتدئُ مِن هنا.

والآن، لكي أُعطيكم فكرةً صغيرةً عن كيفَ كانَ العهدُ القديمُ يَنظُرُ إلى هذه الفترةِ المَحجوبة، افتَحوا معي على الأصحاحِ الثَّاني عشر مِن نُبوءةِ زَكريَّا. وسوفَ نَستخدِمُ هذا كَمَثَلٍ إيضاحيٍّ لنا على حقيقةِ أنَّ هذه الفترةَ هي سِرٌّ. ففي سِفْر زكريَّا 12: 13 و14، نَجِدُ الكلماتِ التَّالية عنِ اهتداءِ إسرائيل وتأسيسِ مَلكوتِ الرَّبِّ العظيم.

ولكن توجدُ تفاصيل كثيرة أريدُ منكم أن تُلاحظوها. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاح 12 والعدد 10: "وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَعْظُمُ النَّوْحُ...".

والآن، ما الَّذي يَقولُهُ هذا النَّصُّ؟ إنَّهُ يقولُ إنَّهُ سيأتي يَومٌ يَنظُرُ فيهِ بنو إسرائيلَ إلى الَّذي طَعنوه (وهذه نُبوءة عنِ الصَّلب)، ويَنوحونَ لأنَّهم فَعلوا ذلك. وسوفَ يَشعرونَ بالمَرارةِ لأنَّهم فَعلوا ذلك. وهذا يُخبرُنا أنَّهُ عندما يأتي المَلِكُ فإنَّهُ سيُرفَض، ويُطعَن. والمَزمورُ الثَّاني والعِشرونَ يُخبرنا الشَّيءَ نَفسَهُ.

والأصحاح 53 مِن سِفْر إشعياء يُخبرُنا أيضًا الشَّيءَ نَفسَهُ. فسوفَ يَكونُ هُناكَ طَعْنٌ، ويكونُ هناكَ رَفضٌ، وصَلبٌ. ولكنَّهم سيَنوحونَ لاحقًا بسببِ قيامِهم بذلك. ولكنَّ زَكريَّا، والمُرَنِّمُ، وإشعياءُ لا يَقولونَ أيَّ شيءٍ عنِ الفترةِ الفاصلة. ولكن بعدَ انتهاءِ النَّوحِ، نَقرأُ في سِفْر زَكريَّا 13: 1: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ يَنْبُوعٌ مَفْتُوحًا لِبَيْتِ دَاوُدَ وَلِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ لِلْخَطِيَّةِ وَلِلْنَجَاسَة".

فعندما يَنظرونَ إلى الَّذي طَعَنوه سيَنوحونَ بمرارة، ويَندمونَ على خَطيَّتِهم المُتَمثِّلةِ في رَفضِ المَلِكِ ومَلكوتِه. ثُمَّ إنَّ اللهَ سيَفتَحُ يَنبوعَ الخلاصِ لَهُم. ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاح 14 والعدد 4: "وَتَقِفُ قَدَمَاهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ الَّذِي قُدَّامَ أُورُشَلِيمَ مِنَ الشَّرْقِ، فَيَنْشَقُّ جَبَلُ الزَّيْتُونِ مِنْ وَسَطِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ وَنَحْوَ الْغَرْبِ وَادِيًا عَظِيمًا جِدًّا، وَيَنْتَقِلُ نِصْفُ الْجَبَلِ نَحْوَ الشِّمَالِ، وَنِصْفُهُ نَحْوَ الْجَنُوب". هذا هو مَجيءُ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ حيثُ سيَقسِمُ الجَبَلَ هُناكَ؛ أي جَبلَ الزَّيتون.

ثُمَّ نَقرأُ في العددِ التَّاسع: "وَيَكُونُ الرَّبُّ مَلِكًا عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ الرَّبُّ وَحْدَهُ وَاسْمُهُ وَحْدَهُ". والآن، ما الَّذي نَراهُ؟ يَقولُ زَكريَّا إنَّهُ سيكونُ هناكَ طَعْنٌ، وقَتلٌ، ورَفضٌ. وقد رأى النَّبيُّ ذلك. ثُمَّ سيكونُ هُناكَ نَوْحٌ مِنْ قِبَلِ شَعبِ الله. ثُمَّ إنَّهُ سيكونُ هناكَ خَلاصٌ لشعبِ اللهِ يَعقُبُهُ تأسيسُ المَلكوت.

ولكنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي لم يَرَوْهُ هو ما حَدثَ بينَ الرَّفضِ والنَّوح؛ أي ما حَدثَ بينَ رَفضِ قَبولِ المَلِكِ والوقتِ الَّذي سيَقبَلونَ فيهِ المَلِك. فهذه هي الفترةُ السِّرِّيَّةُ المَحجوبةُ عن كُلِّ الأجيالِ السَّابقةِ والَّتي لم يَتطرَّقَ إليها كُتَّابُ الوحيِ المُقدَّسِ إلى أن فَتَحَ يَسوعُ أذهانَنا هُنا في الأصحاحِ الثَّالث عشر مِن إنجيل مَتَّى.

والآن، لدينا ذلك الجُزءُ مِن تاريخِ الفِداءِ (الَّذي يُعرَفُ بالفترةِ الفاصِلةِ، أوِ الفترةِ الانتقاليَّةِ أوِ المَرحلةِ المؤقَّتةِ) يُعَزِّزُ فَهمَنا مِن خلالِ كلماتِ رَبِّنا. والآن، لنرجِع إلى مَتَّى 13 بهذا الفِكر. ويُمكنكم أن تَتخيَّلوا مَدى أهميَّةِ أن يكونَ الأصحاح 13 مِن إنجيل مَتَّى في هذا المَوضِع. فأيُّ شخصٍ يَقرأُ إنجيلَ مَتَّى، وأيُّ شخصٍ يَقرأُ قصَّةَ يسوعَ المسيحِ ويَراهُ يأتي بصفتِهِ المَلِكَ، ويَراهُ يُرفَضُ، ويَرى أنَّ مَلكوتَهُ يُرفَضُ سيَطرحُ حالاً السُّؤالَ: ما الَّذي سيحدُثُ الآن؟

وإن كانَ قد تَمَّ تأجيلُ المَلكوتِ إلى وقتٍ مُستقبليٍّ يَقبلُ فيهِ شَعبُ المَلِكِ مَلِكَهُم ويأتي المَلكوتُ، ماذا سيحدُثُ في تلكَ الأثناء؟ وهذا هو السُّؤالُ المُحَدَّدُ الَّذي تَمَّتِ الإجابةُ عنهُ في الأمثالِ المُدَوَّنةِ في الأصحاحِ الثَّالث عشر مِن إنجيل مَتَّى. فكُلُّ مَثَلٍ يَصِفُ وَجهًا مُعيَّنًا مِن هذه الفترةِ الَّتي نَعيشُ فيها الآنَ والَّتي تُعرَفُ بالشَّكلِّ السِّرِّيِّ للمَلكوت. والآن، يُمكنُنا أيضًا أن نقولَ إنَّ هذا هو عَصر الكنيسة. وهذا تَعبيرٌ آخر وَحَسْب لنفسِ الفترة. وسوفَ تَنتهي هذه الفترة عندما يَختَطِفُ يسوعُ كَنيسَتَهُ. وقد ابتدأت عندما أَسَّسَ كَنيسَتَهُ.

والآن، عندما نَنظرُ إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 13، أريدُ أن أُقَدِّمَ لكم في هذا الصَّباح نَظرةً أو فِكرةً عامَّةً وَحَسْب عمَّا كانَ يَدورُ في ذِهنِ رَبِّنا عندما عَلَّمَ هُنا. وهناكَ ثلاثُ مُلاحظاتٍ أريدُ منكم أن تُلاحظوها: الخُطَّة، والقَصد، والوَعد. وأعتقدُ أنَّ هذه النِّقاط الثَّلاث ستُساعدُنا في فَهمِ هذا الأصحاحِ العظيم.

أوَّلاً، الخُطَّة إذْ نَقرأُ في العددِ الثَّالث: "فَكَلَّمَهُمْ كَثِيرًا بِأَمْثَال". فخُطَّةُ رَبِّنا كانت تَقتضي أن يَتكلَّمَ بأمثال. وهناكَ سَبَبٌ مُهمٌّ جدًّا كانَ يَدورُ في عَقلِه كما سنَرى في نُقطتِنا الثَّانية. ولكن لنتحدَّث عن تلك الخُطَّة. فنحنُ نَقرأُ في بدايةِ العددِ الثالثِ أنَّهُ "كَلَّمَهُم كَثيرًا".

وأعتقدُ أنَّ كُلَّ الأمثالِ المُدوَّنةِ هنا في هذا الأصحاحِ قيلت دُفعةً واحدةً. ففي هذه المُناسبةِ، وفي نفسِ اليومِ الَّذي غادَرَ فيهِ البيتَ وذهبَ إلى شَاطئِ البحرِ، واحتشدَ النَّاسُ حَولَهُ فَدَخَلَ قَاربًا، في تلك المُناسبةِ تحديدًا كَلَّمَهُم بهذه الأمثال.

ومِنَ المُحتملِ أيضًا أنَّ الأمثالَ المُدوَّنةَ في الأناجيلِ الأخرى قِيلت أيضًا في ذلك اليوم؛ ولكنَّ مَتَّى لم يَذكُرُها كُلَّها. وحَتَّى إنَّهُ مِنَ المُحتمَلِ أنَّهُ عَلَّمَ أكثرَ مِمَّا هو مُدَوَّنٌ في الكتابِ المقدَّس. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد تَكلَّمَ عن أمورٍ كثيرة. والآن، لقد تَحَدَّثَ عنِ تلكَ الأشياءِ بأمثال. فنحنُ نَقرأُ في العدد 34: "هذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ الْجُمُوعَ بِأَمْثَال، وَبِدُونِ مَثَل لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ". فقد كَلَّمَهُم بأمثالٍ ولم يُكَلِّمهُم بغيرِ الأمثال. اسمَعوني جيِّدًا: إنَّهُ لم يَشرَح الأمثالَ للجُموع، بل إنَّنا نَقرأُ في العدد 34 أنَّهُ كَلَّمَ الجُموعَ بأمثال.

والآن، ما هو المَثَل؟ "بارابولي" (parabol) ومَعناها في الحقيقة: "شَبيه" أو "نَظير". وهي تَعني أن تَضَعَ شَيئًا بمُحاذاةِ شيءٍ آخر، أو أن تَضَعَ شيئًا بجانبٍ شيءٍ آخر مِن أجلِ المُقارنةِ بينهما. هذا هو مَعناها الرَّئيسيّ. فهي مُقارنة أو تَشبيه.

فهناكَ حَقٌّ رُوحيٌّ رُبَّما مِنَ الصَّعبِ أن يُفهَم. وأنتَ تَضَعُ بُمحاذاتِهِ قِصَّةً ماديَّةً أو أرضيَّةً تَجعلُ ذلكَ الحقَّ الرُّوحيَّ مَفهومًا. هذا هو المَثَل. وقد تَمَّ استخدامُ الكلمة "مَثَل" في التَّرجمةِ اليونانيَّةِ للعهدِ القديمِ (الَّتي تُعرَفُ بالتَّرجمةِ السَّبعينيَّة) 45 مَرَّة. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الأمثالَ كانت طريقةً شائعةً جدًّا في التَّعليمِ اليهوديّ.

فهي مُقارنة مُوَسَّعة. فأنتَ تأخذ شيئًا خارجيًّا جدًّا جدًّا، ويُمكنُ مُلاحظتُهُ بسهولة، وشيئًا موضوعيًّا جدًّا، وشيئًا أرضيًّا جدًّا وتَضَعُهُ بجانبِ شيءٍ رُوحيٍّ، أو خارقٍ للطَّبيعةِ، أو سَماويٍّ، أو ذاتيٍّ لكي يُساعِدُكَ الأوَّلُ في فَهْمِ الثَّاني. وأعتقدُ أنَّهُ يُمكنُنا أن نُلَخِّصَ ذلكَ بالقولِ إنَّ المَثَلَ هو قِصَّة أرضيَّة مَعناها سَماويّ. هذا هو المَثَل.

وأيُّ مُعَلِّمٍ جَيِّدٍ يَعلمُ أنَّهُ يجب عليهِ أن يَتواصَلَ معَ النَّاسِ مِن خلالِ الأمثال. فيجبُ عليكَ أن تَتواصلَ معَ النَّاسِ مِن خلالِ التَّشبيهاتِ الحَياتيَّة. فلا يُمكنكَ أن تَتحدَّثَ وَحَسْب عن أمورٍ خارقةٍ للطَّبيعةِ أو عن أمورٍ مُجَرَّدة، بل يجبُ عليكَ أن تَضَعَ بمُحاذاةِ تلكَ المفاهيمِ اللاَّهوتيَّةِ والرُّوحيَّةِ تشبيهاتٍ مَلموسةٍ وأرضيَّةٍ لكي يُتمكَّنوا مِن فَهمِ الأمورِ العَويصةِ مِن خلالِ تلكَ التَّشبيهاتِ الَّتي فَهِموها.

لِذا فإنَّ يسوعَ يُعَلِّمُ هُنا دُروسًا روحيَّةً عميقةً عنِ الفترةِ الَّتي لم يَكُن أحدٌ يَعلَمُ عنها أيَّ شيءٍ. وهو يَفعلُ ذلكَ بأبسطِ طريقةٍ لكي يَكونَ بمقدورِ الأشخاصِ الرَّاغبينَ في فَهمِها أن يَفهموها بسهولة كبيرة. فهو يَستخدِمُ حَقلاً، ويَستخدِمُ زَرْعًا، ويَستخدِمُ طُيورًا، وطريقًا وشَوكًا وشَمسًا وقَمحًا وزَوانًا، وحَبَّةَ خَرْدَلٍ، وشجرةً، وخميرةً، وكَنزًا، ولؤلؤةً. وهو يَتحدَّثُ عن شَبَكَةٍ، ويتحدَّثُ عن رَبِّ بَيتٍ. وهذه كُلُّها مُفرداتٌ شائعة جدًّا جدًّا في حياةِ هؤلاءِ النَّاسِ الَّذين كانوا يَعيشونَ نَمَطَ حياةٍ رِيفيٍّ وزِراعيٍّ.

وهناكَ مُلاحظة في هذه النُّقطة وهي أنَّ هذا الأسلوبَ هو أبرَزُ أسلوبٍ يَستخدِمُهُ رَبُّنا في التَّعليم. والحقيقةُ هي أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يَشعرونَ عندما يُفكِّرونَ في تَعليمِ يسوعَ أنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ وَحَسْب بأمثال. ولكن مِنَ المُدهشِ أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّ الأمثالَ تَقترنُ بهِ كثيرًا، فإنَّها لم تَكُنِ الطَّريقة الوحيدة الَّتي استخدَمَها للتَّعليم. ولكن عندما كانَ يُعَلِّم، كانَ يَستخدمُ المواقفَ الحَياتيَّةَ معَ أنَّهُ لم يَكُن يَتوسَّعُ فيها كثيرًا لِتَصيرَ أمثالاً. فعلى سبيلِ المِثالِ، إنَّ الأصحاحَ الثَّالثَ عشر مِن إنجيل مَتَّى هو أوَّلُ مَرَّة في العهدِ الجديدِ نَقرأُ فيها مَثَلاً.

ولكن في كُلِّ تَعليمِ يسوع، قبلَ تَدوينِ هذا في إنجيل مَتَّى، كانَ يُقَدِّمُ لهم تَشبيهاتٍ تَصويريَّة. فعلى سبيلِ المِثال، لقد قالَ إنَّهُ يجب على المؤمنينَ أن يكونوا في العالَمِ كالمِلحِ والنُّور. وهذا تَعليمٌ مِن خلالِ التَّشبيهات. وفي الأصحاحِ السَّادسِ، تَحدَّثَ عن مَلكوتِ اللهِ، وتَحدَّثَ عن أهميَّةِ التَّأمُّلِ في العَصافيرِ وفي زَنابقِ الحَقلِ وَرَبْطِ ذلكَ بعلاقةِ المؤمنِ بملكوتِ الله.

وفي الأصحاحِ السَّابعِ، تَحدَّثَ عنِ البَنَّاءِ الحَكيمِ والبَنَّاءِ الجاهل. وقد تَحدَّثَ عنِ البيتِ القائمِ على الرَّملِ والبيتِ القائمِ على الصَّخر. وقد تَحدَّثَ عن بِناءِ بَيتٍ. وفي الأصحاحِ التَّاسعِ، تَحدَّثَ عنِ الثِّيابِ، وتَحدَّثَ عن وَضْعِ الخَمرِ في زِقاقٍ مُعيَّنة لتوضيحِ حَقٍّ رُوحيٍّ. وفي الأصحاحِ الحادي عشر، تَحدَّثَ عن أولادٍ يَلعبونَ في السُّوقِ لتوضيحِ تَجاوُبٍ رُوحيٍّ مُعيَّن.

فكُلُّ تلكَ الأقوال هي أشكالٌ مُبَسَّطَةٌ للأمثال. فهي جَميعُها تَتحدَّثُ مِن خلالِ تَشبيهاتٍ تَصويريَّة. ولكنَّ ذلكَ الأسلوبَ الَّذي استخدَمَهُ رَبُّنا سابقًا يُستخدَمُ هنا مِن خلالِ قِصَّةٍ كاملةٍ تَحوي أجزاءً عديدةً ويُشيرُ مِن خِلالها إلى حَقٍّ رُوحيٍّ. وجَميعُ المُعَلِّمينَ البارعينَ يَستخدمونَ ذلكَ الأسلوب.

والآن، اسمَحوا لي أن أُخبركم عن سببِ فاعليَّةِ الأمثال. سوفَ أَذكُرُ لكم أربعةَ أسباب: أوَّلاً، لأنَّها تَجعلُ الحقَّ مَلموسًا. فهي تَجعلُ الحقَّ مَلموسًا. وأنا أعني بذلكَ أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ يُفكِّرونَ في شَكلِ صُوَرٍ ويأخذونَ المفاهيمَ المُجَرَّدةَ ويَصنعونَ صُوَرًا لها. فقد لا نَفهمُ فِكرةَ نَشرِ الإنجيل، ولكنَّنا نَفهَمُها عندما نَرى شخصًا يَبذُرُ حُبوبًا في حَقل. فهي تُصَوِّرُ الحقَّ وتَعرِضُهُ بطريقةٍ مَلموسة.

ثانيًا، إنَّها تَجعلُ الحقَّ قابِلاً للتَّخزين. وأنا أعني بذلكَ أنَّهُ إن تَذَكَّرتَ القصَّةَ وخَزَّنتَ القصَّةَ في ذِهنِكَ، يُمكِنُكَ دائمًا أن تَسترجِعَ مَعناها الرُّوحيَّ لأنَّ كُلَّ العَناصرِ موجودة في القصَّة. لِذا فإنَّها تَسمَحُ لنا بأن نُخَزِّنَ الحَقَّ مَعَنا.

ثالثًا، إنَّها تَجعلُ الحقَّ مُمتِعًا. فهي تُغَيِّرُهُ مِن أفكارٍ جامدةٍ ومُمِلَّةٍ إلى مَواقفَ حَياتيَّة مُفعمة بالحيويَّة وتَجذِبُ أنظارَنا. رابعًا، إنَّها تَجعلُ الحقَّ شيئًا قابلاً للاكتشافِ شخصيًّا. بعبارة أخرى، عندما تَسمَعُ القصَّة فإنَّكَ تَبتدئُ في هَضْمِ الحقِّ الرُّوحيِّ داخليًّا ورؤيتِهِ مِن خلالِ القصَّةِ فتَستوعِبُ الحقَّ شخصيًّا.

لِذا فإنَّ الأمثالَ هي وسيلة تَعليميَّة مُدهشة لأنَّها تَجعلُ الحقَّ مَلموسًا، وقابلاً للتَّخزين، ومُمتِعًا، وقابلاً للاكتشافِ شخصيًّا. لِذا فقد تَحدَّثَ رَبُّنا بأمثالٍ كما كانَ يَفعلُ اليهودُ عادةً. فقد كانوا يَستخدمونَ اللَّفظةَ "مَشَال" (mashal) للإشارةِ إلى أسلوبِهمِ التَّعليميِّ مِن خلالِ الأمثال.

لِذا، سوفَ يَستخدِمُ الرَّبُّ الأمثالَ. فهذه هي خُطَّتُه. وحينَ تَبتدئونَ في النَّظرِ إلى هذا الأصحاحِ يُمكنكم أن تَرَواْ مَجموعةً مِنَ الأمثال. واسمَحوا لي أن أُمَهِّدَ وَحَسْب لهذهِ الأمثال. ومِن خِلالِ وَصْفي المَبدئيِّ لهذه الأمثالِ مِن دونِ قِراءَةِ التَّفاصيل أودُّ أن أَستَخلِصَ مِنها الحقَّ الَّذي يُعَلِّمُهُ يسوعُ في كُلِّ مَثَل. وسوفَ تَرَوْنَ وَصْفَ عَصرِ الكنيسةِ؛ وهي أوَّلُ مَرَّةٍ يُوصَفُ فيها مِن وُجهةِ نَظرِ رَبِّنا يسوعَ المسيح.

والآن، المَثلُ الأوَّلُ مُدَوَّنٌ في الأعداد مِن بدايةِ العدد 3 (العدد 4 أو 5) إلى نهايةِ العدد 23. وهو مَثَلٌ عن زارعٍ وَزَرْع. فقد ذَهبَ إلى الحَقْلِ وزَرَعَ الحُبوب. وهذا المَثَلُ يُصَوِّرُ الكِرازةَ بالإنجيل في كُلِّ العالَم. وهناكَ أُناسٌ سيَرفضونَهُ مَبدئيًّا. فَهُم يُشبِهونَ الأرضَ المُحجِرَة. وهناكَ أُناسٌ سيَقبلونَهُ مَبدئيًّا؛ ولكنَّ الأشواكَ والشَّمسَ ستَجعلُهم يَتراجعون. وهناكَ أشخاصٌ سيَقبلونَهُ مَبدئيًّا ويُثمِرونَ في النِّهاية.

ما الَّذي يَقولُهُ الرَّبُّ؟ إنَّهُ يَقولُ ببساطة ما يَلي: إنَّهُ سَيُكرَزُ بالإنجيلِ في كُلِّ أنحاءِ العالَم. وهناكَ أشخاصٌ سيَسمعونَهُ ويَرفضونَهُ، وأشخاصٌ سيَسمعونَهُ ويَقبلونَهُ إلى حين ثُمَّ يَرتدُّونَ عنه. وهناكَ أشخاصٌ سيَسمعونَهُ ويُؤمِنونَ ويُثمِرون. إنَّهُ مبدأٌ بسيطٌ جدًّا. فنحنُ لا نَستطيعُ أن نَربحَ العالَمَ كُلَّهُ. وأعتقدُ أنَّ هناكَ أُناسًا لا يَفهمونَ ذلكَ حتَّى الآن. نحنُ لن نَربحَ العالَمَ كُلَّهُ.

المَثلُ الثَّاني (المُدَوَّن في الأعداد مِن 24-30) هو مَثَلُ الحِنطةِ والزَّوان. فقد تَمَّ زَرْعُ الحِنطةِ في الحَقل. وفيما النَّاسُ نِيامٌ جاءَ العَدوُّ وزَرَعَ زَوانًا يبدو تمامًا مِثلَ الحِنطة. وقد ظَهَرَ الزَّوانُ ومَلأَ حَقْلَ الحِنطَة؛ ولكنَّهم لا يَستطيعونَ أن يَقلَعوا الزَّوانَ لأنَّهم لا يَستطيعونَ أن يُمَيِّزوه عنِ الحِنطة. لِذا، لا بُدَّ مِن تَركِهِما يَنْمِيانَ معًا إلى وقتِ الحَصاد.

وما الَّذي يَقولُهُ الرَّبُّ عن هذه الفترة؟ إنَّهُ يقولُ إنَّهُ سيكونُ هناكَ مؤمنونَ حقيقيُّونَ وأشخاصٌ يَتظاهرونَ بالإيمان. فسوفَ يكونَ هناكَ أشخاصٌ في المَلكوتِ يَقولونَ إنَّهم يَنتمونَ إليهِ ويَختلطونَ بالمؤمنينَ الحقيقيِّينَ ولكنَّهم مُدَّعون. وفي النِّهاية، سوفَ يَجْمَعُ اللهُ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ ويَحرِقُ الأشخاصَ المُدَّعين.

وما هوَ المبدأ؟ لن نَتمكَّنَ يومًا مِن تَطهيرِ الكنيسة. فطَوالَ فترةِ المَلكوت، سوفَ يكونُ هناكَ مؤمنونَ حقيقيُّونَ وأشخاصٌ مُدَّعونَ يَعيشونَ جنبًا إلى جنب، ويوجدون معًا إلى أن تأتي الدَّينونة. لِذا، لا مُبَرِّرَ للدَّهشةِ عندما نَجِدُ غيرَ مؤمنينَ في الكنيسة.

المَثَلُ الثالثُ مُدَوَّنٌ في العَدَدَيْن 31 و32، وهو مَثَلٌ عن حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وهي واحدةٌ مِن أصغرِ جَميعِ البُزور. وقد زُرِعَت في الأرضِ فَنَمَتْ وصارت شَجرةً كبيرة حَتَّى إنَّ الطُّيورَ أَتَتْ وأَوَتْ في أغصانِها. وهذا يعني أنَّها تَملِكُ أغصانًا كبيرةً وضَخمةً يُمكِنُها أن تُؤوي الطُّيور. فهي لم تَكُن مُجرَّدَ شُجيرةٍ صغيرة إذْ إنَّ حَبَّةَ الخَردلِ تَصيرُ عادةً شُجيرةً صغيرةً جدًّا.

والمَعنى المقصودُ هنا هو أنَّ عَصرَ الكنيسةِ سيَبتدئُ بدايةً صَغيرةً جدًّا... صغيرةً جدًّا. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ، سوفَ تَنمو نُموًّا هائلاً وكبيرًا حتَّى تَصيرَ مأوى للطُّيور. وما مَعنى ذلك؟ أنَّ المَلكوتَ سيبتدئُ صغيرًا ويملأُ العالَمَ كُلَّهُ. فسوفَ يَصيرُ واسعَ الانتشارِ ونافِذًا حتَّى إنَّ كُلَّ أنواعِ الأشياءِ ستَعيشُ في أغصانِه.

ثُمَّ إنَّ هناكَ مَثَل الخَميرة الَّذي يقولُ بصورةٍ رئيسيَّةٍ الشَّيءَ نَفسَهُ. فالخَميرةُ تَرمِزُ إلى المَلكوتِ، وهي مُخَبَّأة في عَجينةِ العالَمِ وستَقومُ في نِهايةِ الأمرِ بالتَّغلغُلِ فيهِ واختراقِهِ والتَّأثيرِ في كُلِّ الأرض. ومَثَلُ الخَميرةِ يُبَيِّنُ التَّأثيرَ الدَّاخليَّ القويَّ للمَلكوتِ والَّذي يَمَسُّ كُلَّ جانبٍ في الحياةِ البشريَّة.

وفي العدد 44، نَجِدُ مَثلاً آخرَ هو مَثَلُ الكَنْزِ المُخَبَّأ في حَقل. وقد كانَ إنسانٌ يَعملُ في الحَقلِ فوجدَ هذا الكَنْزَ. وقد اشترى الحَقلَ لأنَّهُ رَجُلٌ نَزيه. فهو لا يُريدُ أن يَسرِقَ الكَنز. لِذا فقد عَقَدَ صَفْقَةً واشترى الحَقلَ كُلَّهُ وحَصَلَ على الكَنزِ الَّذي فيه.

وما مَعنى ذلك؟ أنَّ الكَنْزَ هو الخلاص، وأنَّ الكَنزَ هو الفِداء. وعندما تَمَّ العُثورُ عليهِ، فَعَلَ الرَّجُلُ كُلَّ ما في وُسعِهِ وباعَ كُلَّ شيءٍ لَديهِ للحُصولِ عليه. وسوفَ يكونُ هُناكَ أشخاصٌ في فترةِ هذا المَلكوتِ يَتَخَلَّوْنَ عن كُلِّ شيءٍ مِن أجلِ الحصولِ على الكَنز.

والشَّيءُ الَّذي تَجدُرُ مُلاحظتُهُ بخصوصِ هذا المَثَلِ هو أنَّ الرَّجُلُ لم يَكُن يَبحثُ عنِ الكَنز، بل كانَ يَقومُ بعملِهِ الاعتياديِّ حَتَّى إنَّهُ دُهِشَ بحقيقةِ الفداء. وهناكَ أُناسٌ كثيرونَ سيعرفونَ يسوعَ المسيحَ في هذه الفترةِ دُونَ أن يَقصِدوا ذلكَ، بل بِمَحْضِ الصُّدفةِ وَحَسْب بِنِعمةِ الله.

والمَثَلُ الَّذي يَليه مُدَوَّنٌ في العدد 45، وهو مَثَلٌ عن رَجُلٍ كانَ يَتَمَنَّى العُثورَ على لُؤلؤة. وقد راحَ يَبحَثُ ويَبحثُ ويَبحثُ عن لآلِئَ حَسنة إلى أن وَجَدَ أخيرًا ما يَبحثُ عنه فباعَ كُلَّ شيءٍ واشتراها. فكما هي الحالُ في المَثَلِ الأخير، كانَ هذا الرَّجُلُ مُستعدًّا لدفعِ الثَّمنِ الغالي الَّذي يَتطلَّبُ دائمًا التَّخلِّي عن كُلِّ شيءٍ مِن أجلِ الحُصولِ على الفِداء. فالحالُ هي كذلكَ دائمًا. وهو يَأخُذُ هذه اللُّؤلؤة.

والفَرقُ هو أنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ يَبحثُ منذُ حين عن تلك اللُّؤلؤة. وهذا يَعني أنَّهُ سيكونُ هناكَ أُناسٌ في المَلكوتِ يَصرفونَ وقتًا طويلاً في البحثِ عنِ الحقِّ إلى أن يَجدوه في النِّهاية. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يأتونَ مِن دونِ بِحث، أو كما يَقولُ "سي.إس. لويس" (C.S. Lewis): "يُباغِتُهم الفَرَحُ مُباغَتَةً". وهناكَ أشخاصٌ يَصرفونَ وقتًا طويلاً وجُهدًا عظيمًا في البحثِ عنِ الحَقّ.

ثُمَّ إنَّ المَثَلَ الأخيرَ مُدَوَّنٌ في العدد 47، وهو مَثَلُ الشَّبَكة. فقد جَمَعَتِ الشَّبكةُ كُلَّ أنواعِ الكائناتِ البَحريَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَتِمُّ فَرْزُ السَّمَكِ الجيِّدِ وطَرْحُ الرَّديء. وهذه صُورة عن نِهايةِ عَصرِ الكنيسة، أي عن نِهايةِ الشَّكلِ السِّريِّ للمَلكوتِ عندما يَجمَعُ يسوعُ كُلَّ البشرِ ويَفرِزُ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ مِنَ الأشخاصِ المُدَّعين.

وهذهِ نَظرة مُدهشة وعميقة جدًّا عن زَمانِنا. ويُمكنُنا أن نُؤكِّدَ صِحَّةَ كُلِّ مَثَلٍ مِن هذهِ الأمثال. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَعلمُ أنَّ كُلَّ هذه الأمثالَ تَصِحُّ على هذا الزَّمان. فالشَّكلُ السِّريُّ للمَلكوتِ، أو عَصرُ الكنيسةِ كبير. فقد أَثَّرْنا في العالَم. وقد كَرَزنا برسالتِنا في جَميعِ أنحاءِ العالَم. وقد رأينا هذا يَحدُث. ولكنَّنا رأينا أيضًا أنَّ الكنيسةَ تَحوي أُناسًا صَالحينَ وأُناسًا أشرار. أليسَ كذلك؟ أي مُؤمِنينَ حقيقيِّينَ وأشخاصًا مُدَّعين، أو حِنطةً وزَوانًا. ونحنُ نَعلمُ أنَّهُ عندما نُنادي بالإنجيل، سوفَ يَرفُضُهُ أُناسٌ ويَقبَلُهُ أُناسٌ إلى حين. وهناكَ أُناسٌ يؤمنونَ إيمانًا حقيقيًّا ويُثمِرون.

ونحنُ نَعلمُ أنَّ العَدُوَّ يُهاجمُنا، ونَعلمُ أنَّنا نَتأثَّرُ بالعالَمِ وأنَّنا لن نَتمكَّنَ يومًا مِن تَطهيرِ الكنيسة. ونحنُ نَعلمُ أنَّهُ يوجدُ أشخاصٌ يَبحثونَ عنِ اللهِ ويَنتقلونَ أحيانًا مِن ديانةٍ إلى ديانةٍ بحثًا عنِ الجواب. وهناكَ آخرونَ يَأتونَ فجأةً ويَنالونَ الفداء. وكُلُّ ذلكَ سيَتَّضِحُ في النِّهاية مِن خلالِ المسيح. لِذا، هذهِ هي سِمَةُ زَمانِنا. وهكذا ستكونُ الحالُ قبلَ عودةِ المَلِك.

والآن، انظروا مَرَّةً أخرى إلى فِكرةِ الأمثال في العددِ الثَّالث. فالربُّ يُعَلِّمُ كُلَّ هذا في صيغةِ أمثال. والآن، اسمعوني جيِّدًا جدًّا: لا بُدَّ مِنَ الاعترافِ بأنَّهُ في حينِ أنَّ الأمثالَ تُوَضِّحُ الأشياءَ وأنَّ الأمثالَ تُساعِدُنا في فَهمِ الأشياء، وأنَّ الأمثالَ تَجعلُ الأمورَ واضحةً، اسمَعوني: فإنَّ ذلكَ يَحدُثُ فقط عندما يَتِمُّ شَرحُها لَنا. فالمَثَلُ مِن غيرِ تَفسير هو مُجرَّدُ أُحجية عَويصة. فالمَثَلُ مِن غيرِ تَفسير هو أُحجية عَويصة لا يُمكِنُ فَهمُها. لِذا فقد كانَ ينبغي ليسوعَ أن يُفَسِّرَ كُلَّ شيءٍ؛ حَتَّى لتلاميذِه.

ففي إنجيل مَرقُس 4: 10، نَجِدُ إشارةً إلى نفسِ المُناسبة: "وَلَمَّا كَانَ وَحْدَهُ سَأَلَهُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ عَنِ الْمَثَلِ، فَقَالَ لَهُمْ: «قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا سِرَّ مَلَكُوتِ اللهِ. وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ فَبِالأَمْثَالِ يَكُونُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ". فقد قال: "إنَّها مِن أجلِكُم أنتُم فقط". فيسوعُ فَسَّرَ الأمثالَ فقط للاثني عشرَ والَّذين يُؤمنون؛ ولكن ليسَ للبقيَّة. فكُلُّ ما حَصلَ عليهِ هؤلاء هو أمثالٌ مِن دونِ تَفسير؛ وهي مُجرَّدُ أَحاجي لا يُمكِنُ فَهمُها.

والآن، هذا يَقودُنا إلى العددِ العاشرِ والقَصدِ مِن خُطَّتِه: "فَتَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال؟" لماذا تُقَدِّمُ لهم هذهِ الأمثالَ مِن دونِ تَفسير؟ لماذا تَفعلُ ذلك؟ "فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ". وهذا يُبَيِّنُ لنا القصدَ مِنَ الأمثال. فالقصدُ مِنها هو الإعلانُ وماذا؟ الإخفاء. فبالنِّسبةِ إلى فئةٍ مِنَ النَّاسِ إنَّها تَجعلُ الحقَّ واضحًا، وبالنِّسبةِ إلى فِئةٍ أخرى مِنهم فإنَّها تَجعلُهُ أكثرَ غُموضًا.

فيسوعُ يقولُ: "قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَسْرَار". وعندما قالَ تلك الكلمة، لا شَكَّ في أنَّ تَعريفَهُم الثَّقافيَّ ساعَدَهُم في فَهمِ ذلكَ أفضلَ مِنَّا. فعندما نُفَكِّرُ في الكلمة "سِرّ"، قد يَخطُرُ ببالِنا "أغاثا كريستي" (Agatha Christi)، أو شخصًا مَا. وقد نُفَكِّرُ في رِوايةٍ بُوليسيَّة. ولكنَّهم لم يَكونوا يُفكِّرونَ هكذا. ففي الثَّقافةِ اليونانيَّة، وفي العالمِ الإغريقيِّ في تلكَ الحِقبة، كانتِ الأسرارُ أسرارًا مُقدَّسةً تُكشَفُ فقط للأشخاصِ المُتديِّنينَ مِن أعلى مُستوى. فقد كانت حقائقَ مُعلنة فقط للنُّخبة.

والآن، لدينا ما يُشبِهُ ذلكَ مِن جَمعيَّاتٍ سِريَّة في وقتِنا الحاضِرِ مِثلَ المَاسونيِّينَ وغيرهم مِمَّن يَعرفونَ هذهِ الأسرارَ الَّتي لا يَعرفُها أحدٌ آخر سِوى الأشخاص الَّذينَ يَبلُغونَ مُستوى مُعيَّنًا يُتيحُ لهُم مَعرفتَها. وهذا تُراثٌ خَلَّفَهُ الغَنوسطيُّونَ؛ وهي كلمة مَعناها: يَعرِف. فَقد كانوا يقولونَ: "نحنُ أصحابُ المَعرفة... نحنُ نَعرِفُ الأسرار". والدِّياناتُ السِّريَّةُ اليونانيَّةُ الَّتي ظَهَرت أوَّلاً في بابل كانت دياناتٍ تَحوي هذهِ الأسرارَ الَّتي تَحصُلُ عليها عندما تَرتقي سُلَّمَ تلك الدِّيانة.

فمثلاً، كانَ هُناكَ سِرٌّ مِن أشهرِ الأسرارِ هو سِرُّ "إيزيس" (Isis) و " أوسايريس " (Osiris). فقد كانَ أوسايريس مَلِكًا حَكيمًا وصالِحًا. وكانَ أخوهُ الشرِّير "سيث" (Seth) يَكرَهُهُ. وقد تآمَرَ أخوهُ معَ اثنينِ وسبعينَ مُتآمِرًا وأقنعَ المَلِكَ بأن يأتي إلى وَليمة. وعندما جاءَ إلى الوليمة، وَضعوهُ في تَابوتٍ وطَرحوهُ في نَهرِ النِّيل. ولكنَّ زَوجَتَهُ عَثَرت على جُثَّتِهِ وأعادتها إلى البيت.

وعندما كانَتِ الجُثَّةُ في البيت (والأمورُ تَزدادُ تَعقيدًا هُنا) جاءَ "سيث" مَرَّةً أخرى وقَطَّعَ جُثَّتَهُ إلى أربعَ عشرةَ قطعة ووَزَّعَها على أربعةَ عشرَ مَكانًا في كُلِّ أنحاءِ مِصر ظَنًّا مِنهُ بأنَّ هذه ستكونُ نِهاية أوسايريس. ولكنَّ أوسايريس تَمَكَّنَ مِن جَمْعِ أشلائِهِ، أو كما تَقولُ الأُسطورةُ فإنَّ زوجَتَهُ بَحَثَتْ في كُلِّ مكانٍ وَجَمَعَت أشلاءَهُ. وقد قامَ مِنَ الموتِ وصارَ المَلِكَ الخالِدَ للأحياءِ والأموات.

وقد تَمَّ إطلاعُ النُّخبةِ على مَعنى تلك القصَّة. فكُلُّ شيءٍ مِن تلكَ الأشياء الصَّغيرة هي سِرٌّ صغير. وهي تَتحدَّثُ عن تَعَرُّضِ الخيرِ للهُجومِ مِن قِبَلِ الشَّرّ، وعن عَناءِ البحثِ عنِ الحُبّ، وعنِ الاكتشافِ العظيمِ بأنَّ الحُبَّ يَنتَصِرُ في النِّهاية، وعنِ القيامَةِ مِنَ الموتِ إلى الحياةِ، وهَزيمةِ الموتِ، والولادةِ مِن جديد للحياةِ الأبديَّة.

والسِّرُّ الأعظمُ هو أنَّكَ إذا كُنتَ مُتعبِّدًا وقُلتَ لأوسايريس: "أنا أنتَ، وأنتَ أنا"، ستَتَّحِدُ معَ أوسايريس وتَحيا إلى الأبد. فقد كانَ هو أعظم سِرّ. ومِن دونِ تَفسير، يُمكنُكَ أن تَبذُلَ قُصارى جُهدِكَ لفهمِ كُلِّ هذا الأمر. ولكنَّهم حَلَّلوا تلكَ الأسطورةَ تَحليلاً دَقيقًا جدًّا.

ويَسوعُ يَقولُ: "سوفَ أُريكُم أسرارَ مَلكوتِ السَّماوات؛ وهي أسرارٌ لم تُعلَن مِن قَبل لأيِّ شخص. فقد أُعطيتُم القُدرةَ على فَهمِها، ولكنَّ هذه القُدرة لم تُمْنَح لهؤلاءِ لأنَّهم لا يَقبلونَ المَلِك". لِذا فإنَّ الربَّ يَكشِفُ ويَحجِبُ في نفسِ الوقت. انظروا إلى العدد 12: "فَإِنَّ مَنْ لَهُ..." [وهذا هو المَبدأُ الَّذي يَستخدِمُهُ] "فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ".

ويا لها مِن جُملةٍ رائعة! هل تَعلمونَ ما الَّذي يَقولُهُ هُنا؟ "مَن لَهُ". مَن لَهُ ماذا؟ "مَن لَهُ" بِمَعنى أنَّهُ حَصَلَ مِنَ اللهِ على تلك الهِبَة الَّتي تُوهَبُ لِلَّذين يُؤمنون، أو للأشخاصِ الَّذينَ يَختبرونَ التَّجديد، أوِ الَّذينَ هُم جُزءٌ مِنَ المَلكوت، أوِ الَّذينَ قَبلوا المَلِكَ وآمَنوا بالمَلِك وصاروا بالتَّالي يَقترنونَ بالمَلِك.

مَن يَقْبَلُ الحَقَّ الإلهيَّ سيَحصُلُ على المَزيدِ مِنَ الحَقِّ الإلهيِّ. وهذا ارتقاءٌ، وهذه استنارة، وهذهِ إنارة لأنَّ الشَّخصَ الَّذي حَصَلَ على هذه الهِباتِ سيَحصُلُ على المزيدِ والمزيدِ والمزيد. وهل تَتذكَّرونَ المَثَلَ الَّذي قالَهُ رَبُّنا عنِ الوكيلِ غيرِ الأمين؟ فالرَّبُّ سيقولُ دائمًا: "خُذوا ما لَهُ وأعطوهُ لِمَن لديهِم أكثر"؟ وما لَديه يَخسَرُهُ؟

فالَّذي يَقبلُ بَساطةَ المَلِكِ ومَلكوتِه، سوفَ يَبتدئُ اللهُ في الكَشفِ عن إعلانٍ تَدريجيٍّ للحقّ. هذا هو ما يَقولُه. فلِلَّذينَ يَعيشونَ حَسَبَ نُورِ المسيحِ سيُعطيهم نُورًا أكثرَ وأكثرَ وأكثر. ولكن حينئذٍ، انظروا إلى بَقيَّةِ الآية: "وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ" – أي مَن لم يَختبر التَّجديد، ومَن لم يَقبلِ المَلِكَ ومَلكوتَهُ، ومَن لا يُؤمِنُ بالله – "فَالَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ".

ما مَعنى ذلك؟ رُبَّما يكونُ هناكَ شُعاعُ نُورٍ عندما وَصَلَ إلى تلكَ النُّقطة. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ ذلكَ كانَ يَصِحُّ على بني إسرائيل. فقد جاءَ المَلِك، وعَلَّمَ، وكَرَزَ، وصَنَعَ المُعجزةَ تِلو المُعجزة تِلو المُعجزة. وقد كانَ لديهم فَهْمٌ لِمَن يَكون، وَفَهمٌ لِما يَستطيعُ أن يَفعلَه، ولَمَحاتٌ وشَذَرتٌ مِنَ المَلكوت. فقد رَأَوْا آياتِ رُوحِ الله. وقد رَأَوْا عَجائبَ. وقد اختبروا شَيئًا مِن ذلك. ولكن عندما رَفضوا المَلِكَ فَقدوا حَتَّى ما كانوا يَملِكون. فلم يَعُد هُناكَ أيُّ مَعنى لأيِّ شيءٍ. لِذا فقدِ ابتدأوا في الانحدارِ إلى ظُلمةٍ أشَدّ سَوادًا وأكثرُ حُلْكَةً طَوالَ الوقت.

وأعتقدُ أنَّنا نَرى هذا يَحدُثُ اليوم. فلا يوجد أحدَ في مُجتمعِنا، ولا توجد مَجموعة في مُجتمعنا تَعيشُ حالةَ تَشويشٍ بخصوصِ دِيانَتِها أكثرَ مِنَ الشَّعبِ اليهوديّ. فَهُم لَهُم العُهودُ، والوعودُ، وهِباتُ اللهِ، والآباءُ، والتَّبنِّي، وكُلُّ تلك الأشياء المَذكورة في رُومية 9. فقد قالَ بولس: "لقد كانَ لديكم كُلُّ شيء". ولكن ما إن رَفضوا المَلِكَ وانطفأَ النُّورُ، ابتدأوا في فُقدانِ المَغزى مِن كُلِّ شيءٍ لديهم.

وأنا أقولُ الآنَ إنَّهُ لا يوجد أحدٌ يُعاني حالةَ ضَياعٍ أكثرَ مِنهم لأنَّ الدِّيانةَ الَّتي يَتبعونَها لا تَعني شَيئًا حتَّى بالنِّسبة إليهم. فَهُم عاجِزونَ عن لَمْلَمَتِها. لِذا فقد انتقلتِ اليهوديَّةُ مِن دِيانةٍ قَويمةٍ إلى ما يُعرَفُ باليهوديَّةِ المُحافِظَة، وإلى يَهوديَّة مُصْلَحَة لا يُؤمنونَ فيها حتَّى بأنَّ الكتابَ المُقدَّسَ هو كلمةُ الله. فقد غَرِقَت في الظَّلامِ وغَاصَت في ظُلمةٍ أعظم وأعظم وأعظم.

وكما تَرَوْنَ، إذا عِشتُم حَسَبَ ذلكَ النُّور الَّذي يُعطيهِ المسيح، ستَحصُلونَ على نُورْ أعظم. وإن رَفضتُم ذلكَ النُّور، ستَغرقونَ في ظُلمةٍ أكثر حُلْكَةً. ومَثَلُ العَبيدِ ومَثَلُ الوَزَناتِ يَذكُرانِ ذلكَ المرَّة تِلو المرَّة: خَذوا ما لَهُ وأعطوهُ للأشخاصِ الَّذينَ تَجاوبوا مَعي. لِذا فإنَّهُ يقولُ إنَّهم سيَخسرونَ حتَّى ما لَديهم.

لِذا فإنَّ جَميعَ النَّاسِ... اسمعوني جيِّدًا: لِذا فإنَّ جميعَ النَّاسِ يَتحرَّكونَ إمَّا إلى أعلى وإمَّا إلى أسفل. وهذا شيءٌ مُخيف! فلا يوجد إنسان يَبقى في مَكانِه. فكُلَّما عَرفتَ يسوعَ المسيحَ أكثر، سيُعلِنُ لكَ حَقَّهُ أكثرَ فأكثر. وكُلَّما رَفضتَ يَسوعَ أكثر، ستغوصُ أكثرَ وأكثرَ في الظَّلام.

وفي العدد 13، يَقولُ يَسوع: "مِنْ أَجْلِ هذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال". أنا أُكلِّمُهم بأمثالٍ لأنَّ هذا العَمَلَ هو عَمَلُ دَينونة. "لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ". فلأنَّهم رَفضوا أن يَسمعوا ويَفهَموا ويَرَوْا، سأُكلِّمُهم الآنَ بطريقةٍ لا يَفهمونَها.

أَتَرَوْن؟ فَما يَحدثُ هو أنَّ الرَّفضَ الطَّوعيَّ يَصيرُ رَفضًا قَضائيًّا. فالإنسانُ يَقولُ "لا". لِذا فإنَّ اللهَ يَقولُ "لا" أيضًا. فاللهُ يُثَبِّتُ النَّاسَ على عِنادِهم، ويَربُطُهم بِقيودِهم. لِذا فإنَّ الأمثالَ تَصيرُ بالنِّسبةِ إليهم قِصَصًا مُشَوِّقةً فقط دونَ أن يَعلموا ما تَعنيه. فهي مُجرَّدُ أَحاجي.

ثُمَّ نَقرأُ تلكَ الجُملة المُدهشة في العَددين 14 و15: "فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ". فكُلُّ شيءٍ يَسيرُ حَسَبَ الخُطَّة. فلم يَكُن شيئًا مُفاجِئًا أن يَرفُضوا المَلِك. فهي لم تَكُن مُفاجأةً. فقد تَمَّموا نُبوءةَ إشعياء 6: 9 و10 الْقَائِلَةُ: "تَسْمَعُونَ سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَمُبْصِرِينَ تُبْصِرُونَ وَلاَ تَنْظُرُونَ. لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْب قَدْ غَلُظَ، وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ".

هل تَعلمونَ مَتى كَتَبَ إشعياءُ ذلك؟ لقد كَتَبَ إشعياءُ ذلكَ في وقتِ دَينونةٍ شديدةٍ على إسرائيل. فقد أَعلنَ وَحَسْب سِلسلةً مِنَ اللَّعناتِ عليهم. فقد لَعَنَهُم على كُلِّ سُكرِهم، وضَلالِهم، وانحِلالِهمِ الأخلاقيِّ، ولَعَنَهُم على الرَّشوة، ولَعَنَهُم على قَهْرِهم للفُقراء. وقد لَعَنَهُم على رِيائِهم الدِّينيِّ. ولا شَكَّ في أنَّ أَشَدَّ لَعنةٍ حَلَّت بِهم هي أنَّ المَلِكَ عُزِّيَّا ماتَ، وأنَّ الأُمَّةَ غَرِقَت في الظَّلامِ وقتًا طويلاً.

فقد كانوا على حَافَةِ الغَزوِ الوَشيكِ فجاءَ السَّبيُ البابليُّ ليُحَقِّقَ تلك الدَّينونة. وإشعياءُ يَقولُ لهم: "الآن، سوفَ يَدينُكُم اللهُ فلا تَعودونَ تَسمعونَ، ولا تَعودونَ تَرَوْنَ. وحينئذٍ، لن تَسمعوا ولن تَرَوْا، ولن تَهْتَدوا، ولن تُشْفَوْا. فالآن لا يوجد شِفاءٌ أو هِداية لَكُم".

وبعدَ وقتٍ طَويلٍ مِن ذلك، رَدَّدَ إرْميا رسالةَ إشعياء فجاءَت الجُيوشُ العَظيمةُ وقامت بِسَبْيِ الشَّعبِ إلى السَّبْيِ البابليّ. وقد كانَ ذلكَ أوَّلُ تَحقيقٍ لكلماتِ إشعياء. ويسوعُ يَقول: "هذا هو التَّحقيقُ الثَّاني". لِذا فإنَّ الأمثالَ [اسمعوني جيِّدًا] هي دَينونة على عدمِ الإيمان. فحقيقةُ أنَّ الإنسانَ الطَّبيعيَّ لا يَفهمُ أمورَ اللهِ هي ليست جُملةً وَحَسْب عن جَهلِهِ، بل هي جُملة تُشيرُ إلى دَينونةِ اللهِ لذلكَ الإنسان.

وحقيقةُ أنَّنا نحنُ الَّذينَ نُحبُّ يسوعَ المسيحَ نَفهمُ الكتابَ المقدَّسَ هي ليست جُملةً عن ذَكائِنا، بل هي جُملةٌ عن نِعمةِ اللهِ المُتمثِّلةِ في إنارَتِهِ لِقُلوبِنا وأذهانِنا. فهذه دينونة. انظروا إليها بالطَّريقةِ التَّالية: عندما جاءَ يسوعُ، كانت كلماتُهُ واضحة جدًّا. فقد قالَ إنَّهُ المَلِك. وقد بَرْهَنَ على أنَّهُ المَلِك. وقد كَرَزَ برسالةِ المَلكوت. وقد قال: "هكذا هي الحالُ في مَملكتي". وقد قال: "توبوا لأنَّ المَلكوتَ قدِ اقترب". وقد أعطاهُم كُلَّ ما يَحتاجونَ إلى مَعرفتِه عنِ المَلكوت. ولكنَّهم لم يَسمعوا، بل رَفضوه.

لِذا، فقد رَفضوا أن يَسمعوا الكلماتِ الواضحةَ الَّتي تَكلَّمَ بها. هل تَذكرونَ في إنجيل مَتَّى والأصحاحات 5-7 أنَّهُ كانَ يَقولُ إنَّ مَلكوتَ السَّماواتِ يُشبِهُ كَذا"، ثُمَّ كانَ يَستخدمُ تَشبيهاتٍ مِثلَ المِلْح أو العَصافير أو زنابق الحَقل ويَشرَحُ دائمًا مَعناها؟ لِذا فقد قال: "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ". فقد كانَ مِنَ الواضحِ جدًّا في جميعِ الأوقاتِ ما يَعنيه. ثُمَّ عندما قَسَّوْا قُلوبَهُم وجَدَّفوا عليهِ وقالوا إنَّهُ مِنَ الشَّيطان، صارَ يُكَلِّمُهم بأمثالٍ دونَ أن يُفَسِّرَها.

وهل تُريدونَ أن تَعرفوا ما هي الخُطوةُ الثَّالثة؟ انظروا إلى الأصحاح 14 مِن رسالة كورنثوس الأولى – الأصحاح 14 مِن رسالة كورنثوس الأولى والعدد 21: "مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوس"، ثُمَّ إنَّهُ يَقتبِسُ مِن سِفْر إشعياء والأصحاح 28. وهذه دَينونة أخرى أَعلنَها إشعياءُ على إسرائيل: "إِنِّي بِذَوِي أَلْسِنَةٍ أُخْرَى [أي بِلُغاتٍ أخرى] وَبِشِفَاهٍ أُخْرَى سَأُكَلِّمُ هذَا الشَّعْبَ، وَلاَ هكَذَا يَسْمَعُونَ لِي، يَقُولُ الرَّبُّ. إِذًا [اللُّغاتُ أوِ] الأَلْسِنَةُ آيَةٌ، لاَ لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِين".

والآن اسمَعوا ما سأقول: إنَّ النَّاسَ يَسألوني دائمًا ما هي الألسنة؟ إنَّ الجَوابَ مَذكورٌ هُنا. فهي آيَة. لِمَن؟ لا للمؤمنين، بل لغيرِ المُؤمنين. وأينَ استُخدِمَت الألسنةُ بصورة رئيسيَّة؟ في يومِ الخمسين أمامَ بني إسرائيل. لماذا؟ اسمَعوني بوضوح: إنَّهُم لم يكونوا يَسمعونَ عندما كانَ يُكَلِّمُهم بوضوح بلُغتِهم. لِذا فقد دَانَهُم بأن صَارَ يَتكلَّمُ بأمثال. فَهُم لم يكونوا يَسمعونَ ويَبحثونَ عنِ الحقِّ آنذاك. لِذا [ثالثًا] لقد كَلَّمَهُم بلُغةٍ لا يَفهمونَها. هل تَرَوْنَ تَدَرُّجَ الدَّينونة؟ فالألسنةُ آيةٌ للدَّينونةِ على بني إسرائيل. فاللهُ يَتكلَّمُ الآنَ بطريقةٍ لا يَفهمونَ فيها حتَّى اللُّغة.

والآن، ارجِعوا إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 13 بهذه النَّظرة. لِذا فإنَّهُ يقولُ إنَّ نُبوءةَ إشعياء قد تَحقَّقت. لِذا فقد كانتِ الخُطَّةُ تَتطلَّبُ أن يَتكلَّمَ بأمثال. وقد كانَ القَصدُ مِنَ الأمثالِ هوَ الإعلانُ والإخفاء. وقد رأينا هُنا الإخفاءَ. فلننظُر إلى الإعلانِ في العدد 16: "وَلكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ". أليسَت هذهِ الكلمات رائعة؟ وما أعنيه هو أنَّ هذا هو الجانبُ الآخر. فنحنُ نَفهمُ الأمثال. وقد تقول: "وكيفَ ذلك؟" لأنَّ يَسوعَ شَرَحَها لنا. ونحنُ لدينا نَصُّ العهدِ الجديد. وأيضًا لأنَّ رُوحَ اللهِ هو مُعَلِّمُنا. فهذه هي الاستنارة.

وتَقولُ الآية مَرقُس 4: 34 عن نَفسِ هذهِ الحادثة: "فَكَانَ يُفَسِّرُ لِتَلاَمِيذِهِ كُلَّ شَيْءٍ". ونَقرأُ في العدد 52 هل تَرَوْنَ تلكَ الآية في إنجيل مَتَّى والأصحاح 13؟ بل بالحَرِيِّ في العدد 51: "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَفَهِمْتُمْ هذَا كُلَّهُ؟" فقالوا لهُ ماذا؟ "أجل يا رَبّ". وَهُم لم يَكونوا أَذكى مِن غَيرهم، ولكنَّهم حَصلوا على حُضورِ يسوعَ المسيحِ المُنير.

وقد كانَ هذا الأمرُ جُزءًا مِن خِدمتِه. ففي نهايةِ إنجيل لوقا، في العدد 45، بعدَما سَارَ مَعَ التِّلميذَيْنِ في الطَّريقِ إلى عِمواس، نَقرأُ: "حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الكُتُب". وهل تريدونَ أن تَعلموا شَيئًا. اسمعوني: بالرَّغمِ مِن تَجديدكم، لن تَفهموا الكتابَ المقدَّسَ لولا عَمَلَ التَّنويرِ الَّذي يَقومُ بهِ رُوحُ الله.

فهذا عَمَلُ تَنويرٍ رائع. لِذا فإنَّ المُرَنِّمَ في المَزمور 119: 18 يَقول: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِك". وهذا... هذا هو قلبُ إشعياء في الأصحاح 64 والعددِ الأوَّل إذْ يَقول: "لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ". فهو يَقول: "يجب أن أحصُلَ على تَفسير". ولكنَّ يَسوعَ يَقولُ في العدد 17: "فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَارًا كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا".

لقد قالَ إشعياءُ: "لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ". وَهُوَ لم يَكُن حَيًّا عندما انشقَّتِ السَّماواتُ ونَزَلَ. "لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا..." [كما جاءَ في الأصحاحِ الحادي عشر مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين] "...بِدُونِنَا". وبُطرسُ يَقولُ إنَّهم كانوا يُفَتِّشونَ في نُبوءاتِهم ويَبحثونَ منِ الشَّخصُ وما الوقتُ الَّذي ستَحدُثُ فيهِ هذه الأمور. فَهُم لم يكونوا يَرَوْنَ ما نَراهُ نحن. فَهُم لم يكونوا يَرَوْنَ ما كانَ التَّلاميذُ يَرونَهُ؛ أي أنَّ السَّماواتِ انشقَّت، وأنَّ اللهَ جاءَ في جَسَدٍ بَشريٍّ لكي يُعلِنَ حَقَّهُ.

وما أروعَ أن نَعلمَ الآنَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَسكُنُ فينا ويُرشِدُنا إلى كُلِّ الحَقّ! فالرُّوحُ [كما جاءَ في رسالة كورنثوسَ الأولى] يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ ويُعلِنُها لنا. ونحنُ نَعرِفُها وَحَسْب لأنَّ الرُّوحَ يُعلِنُها لنا. فحتَّى بالنِّسبة إلى المُخَلَّصين، يجب أن تكونَ هناكَ استنارة إلهيَّة. وهذا لا يعني أنَّهُ لا مُبَرِّرَ للدِّراسة. فيجب علينا أن نَدرسَ كلمةَ اللهِ لِئَلاَّ نُخزَى. فهناكَ الاجتهادُ في الدِّراسة، وفي أثناءِ ذلك، هناكَ إنارةُ رُوحِ الله.

لِذا فإنَّ الأمثالَ تُخفي أُمورًا مُعيَّنةً كدينونةٍ على إسرائيل. وفي الوقتِ نفسِه فإنَّها تُعلِنُ أمورًا مُعيَّنةً لأنَّ يسوعَ أعطى الأمثالَ وأعطاكُم التَّفسير. واليوم، لدينا الكلمة. وقد تقول: "ولكنَّ يسوعَ ليسَ هنا ليَشرحَها". لا، ولكنَّهُ قال: "حينَ أمضي سأُرسلُ مُفَسِّرًا آخرَ - الرُّوحَ القُدُسَ. وَهُوَ سيُرشِدُكُم إلى كُلِّ الحَقّ".

هل تُدركونَ الامتيازَ الَّذي لنا؟ هل تُدركونَ أنَّنا نَملِكُ لا هذا الكِتابَ وَحَسْب، بل إنَّ كَاتِبَهُ الحَقيقيَّ يَسكُنُ فينا ليَشرَحَهُ لنا؟ وليُفسِّرهُ لنا؟ وليُطَبِّقهُ علينا؟ وما أكثرَ ما كانوا يَتوقونَ في العهدِ القديمِ إلى ذلك! إذًا، لقد رأينا الخُطَّةَ والقَصد. وهناكَ فِكرة أخرى خَطرت ببالي وهي الوَعد – الوَعد. فلأنِّي شخصٌ أحاولُ أن أُفَكِّرَ مَنطقيًّا، وأحاولُ أن أتوقَّعَ الأسئلة، فإنَّ السُّؤالَ الحَتميَّ هُنا [وَهُوَ سُؤالٌ يأتي مِن عِدَّة مَصادِر] هو: إن كانَ المَلِكُ قد عَرَضَ المَلكوتَ ولكنَّهُم رَفضوه، هل هذا يَعني أنَّ الخُطَّة قد فَشِلَت؟"

هلِ اللهُ في السَّماء يُجري تَعديلات؟ هل هو يُعَدِّلُ خُطَّتَهُ قائلاً: "لقد أرسلتُ المَلِكَ. فإن قَبِلوا المَلِكَ سيَحصُلونَ على المَلكوت. أمَّا إن لم يَقبلوا المَلِكَ فلن يَحصُلوا على المَلكوت. لِذا، يجب عليَّ أن أضعَ خُطَّةً رئيسيَّةً وخُطَّةً بَديلةً"؟ هل هَذا يُغَيِّرُ ما يَجري؟ فإن كانَ لا بُدَّ لهُ أن يَدينَ هؤلاءِ النَّاسَ بسببِ عدمِ إيمانِهم، وأنَّهُ كانَ لا بُدَّ مِن تأجيلِ المَلكوتِ وإحلالِ عَصرِ الأسرار، هل كانَ ذلكَ الأمرُ شيئًا إضافيًّا تَمَّ ارتِجالُهُ عندما لم تَسِر الأمورُ كما كانَ يَنبغي أن تَسير؟

لِننظُر إلى الوعد في العدد 35. فالعدد 34 يَقول: "وَبِدُونِ مَثَل لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ". ثُمَّ إنَّ العَددَ 35 يَقول: "لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «سَأَفْتَحُ بِأَمْثَال فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأسِيسِ الْعَالَم»". هذا رائعٌ! هل تَعلمونَ مَن قالَ ذلك؟ آساف. فقد كانَ آسافُ نَبيًّا ورائِيًا. وهذا هو ما قالَهُ في المَزمور 78: 2. فهذا مَزمورٌ لآساف.

وقد تَنبَّأَ آسافُ أنَّ المَسيَّا سيتكلَّمُ بأمثال، وأنَّهُ سيتكلَّمُ بأمثالٍ كَدينونة، وأنَّهُ سيُعلِنُ لِخاصَّتِهِ سِرًّا بَقِيَ مَكتومًا منذُ تأسيسِ العالَم. اسمعوني: إنَّ اللهَ لم يُغَيِّر شيئًا. فقبلَ تأسيسِ العالَمِ كانَ يَعلمُ أنَّهُم سيُرفَضون، وكانَ يَعلمُ أنَّهُ سيَضَعُ تلك الفترةَ السريَّةَ هناك. وما مَعنى ذلك؟ إنَّ ذلكَ يعني أنَّ كُلَّ شيءٍ كانَ يَسيرُ وَفقًا للجدول. فاللهُ لا يُجري تَغييراتٍ في آخرِ لحظة، بل هو صَاحِبُ السُّلطان. وكُلُّ شيءٍ يَسيرُ وَفقًا للجدول.

أرجو أن يَكونَ هذا قد فَتَحَ شَهِيَّتَكُم قليلاً لرسالةِ الأصحاحِ الثَّالث عشر مِن إنجيل مَتَّى. فهذه هي البدايةُ وحَسْب. والآن اسمعوا بعناية ما سأقول: هناكَ دُروسٌ عَميقةٌ جدًّا رأيناها في هذا الصَّباح. واسمَحوا لي أن أُلَخِّصَ الدُّروسَ الرئيسيَّة: أولاً، الحَقُّ مُتاحٌ فقط للأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ ويَتعلَّمونَ مِنَ الله.

والجانبُ الآخرُ مِن ذلكَ هو الحَقُّ الثَّاني التَّالي: رَفضُ يَسوعَ المسيحِ يَعني زيادة ظُلمةِ عدمِ الإيمان. فأنتَ لا تَبقى في المكانِ نَفسِه، بل إنَّ الظُّلمة تزدادُ أكثر وأكثر وأكثر. والنُّقطةُ الثَّالثةُ الَّتي أريدُ منكم أن تَرَوها هي أنَّ خُطَّةَ اللهِ تَسيرُ حَسَبَ الجَدول. فهي خُطَّة كبيرة حتَّى إنَّها تَستوعبُ عدمَ إيمانِ بني إسرائيلَ وسِرَّ هذا الدَّهر. دَعونا نَحني رؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

فيما تَتأمَّلونَ قليلاً قبلَ أن أقودَكُم في كلمةِ صَلاة، إذا نَظرتَ إلى قلبِكَ وأدركتَ أنَّكَ لا تَعرفُ الرَّبَّ يسوعَ المسيح، وأنَّكَ لم تَقبلهُ رَبًّا ومُخَلِّصًا، اعلَم أنَّكَ لن تَبْقَ في نفسِ النُّقطة، بل إنَّكَ ستَغرقُ تَدريجيًّا في ظَلامٍ أكثرَ حُلْكَةً، وتُعَرِّضُ نَفسَكَ لدينونةِ اللهِ المَحتومة.

ولكن لا مُبَرِّرَ لحدوثِ ذلك لأنَّ اللهَ يَدعوكَ إلى المسيحِ حتَّى في هذه السَّاعةِ الَّتي ما زالَ بمقدورِكَ فيها أن تَسمعَ. وهو يَعِدُكَ بأنَّكَ إن قَبِلتَ نُورَ الرَّبِّ يسوعَ المسيح، سيكونُ هناكَ نُورٌ مُتزايدٌ دائمًا، واستنارةٌ مُتزايدةٌ دائمًا للحقِّ الرُّوحيِّ إلى أن تَعرِفَ ذاتَ يومٍ كما عُرِفْتَ في حَضرةِ الرَّبِّ الحَيّ.

يُمكِنُكَ أن تُكَرِّسَ حياتَكَ ليسوعَ المسيحَ وأنتَ جَالِسٌ في مَكانِكَ في هذا الصَّباح. وهناكَ أشخاصٌ مؤمنونَ مِنَّا يَملِكونَ هذه الهِبَة الرَّائعة، ويَسكُنُ فينا المُعَلِّم؛ ولكنَّنا لا نُعطي أيًّا منهُما الفُرصةَ للعملِ فينا. لِذا، لَيتَنا نكونُ أُمناءَ في تَجديدِ ذلكَ التَّكريس للكلمة والرُّوح مِن خلالِ الكلمة. اعمَل عَملكَ، يا رَبُّ، في قُلوبِ جميعِ الأشخاصِ الحاضرينَ هُنا.

نَشكُرُكَ لأنَّكَ سَمَحتَ لنا بأن نَكونَ أحياءَ الآنَ في هذا الوقتِ الَّذي حَصَلنا فيهِ على الكِتابِ والرُّوح. ونَشكُرُكَ حَتَّى لأنَّكَ سَمَحتَ لغيرِ المؤمنينَ الحاضرينَ هنا بأن يكونوا أحياء في هذا الوقت لكي يَتمكَّنوا مِن سَماعِ ما جاءَ في هذا الكِتاب ومِنَ اختبارِ قُوَّةِ الرُّوحِ في أثناءِ تَغييرهِ للنُّفوسِ، وعَمَلِهِ في كَنيسَتِهِ، وتَبكيتِه. نُصَلِّي أَلاَّ يُغادرَ أحدٌ هذا المكانَ دُونَ أن يَقبلَ يسوعَ المسيحَ أو دونَ أن يُجَدِّدَ عَهْدَهُ بتكريسِ نَفسِه لَهُ. نُصَلِّي هذا باسمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize