في وقتِنا التَّعليميِّ في هذا الصَّباح، نَأتي مَرَّةً أخرى إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّالث عشر إذْ نَتأمَّلُ في أمثالِ رَبِّنا الَّتي تَصِفُ المَلكوتَ في الوقتِ الواقعِ بينَ رَفضِهِ ومَجيئهِ الثَّاني. وأريدُ أن أقرأَ على سَبيلِ التَّمهيدِ لِدَرسِنا في هذا الصَّباح الآياتِ مِن 31 إلى 33 مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّالث عشر. وهو مَقطعٌ يَضُمُّ مَثَلَيْن. وقد ابتدأنا بالتَّأمُّلِ في المَثَلِ الأوَّل في المرَّة السَّابقة، وسوفَ نَتأمَّلُ في المَثَلِ الثَّاني اليوم. ولكن يجب علينا أن نَقرِنَ بينَهُما لأنَّهما يَتحدَّثانِ عن نفسِ الفكرة:
"قَدَّمَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ قَائِلاً: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَل أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ، وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ. وَلكِنْ مَتَى نَمَتْ فَهِيَ أَكْبَرُ الْبُقُولِ، وَتَصِيرُ شَجَرَةً، حَتَّى إِنَّ طُيُورَ السَّمَاءِ تَأتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا». قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيق حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ»".
يَتحدَّثُ كِلا هَذينِ المَثَلَيْن عن نفسِ الفِكرة. فهُما يَتحدَّثانِ عنِ التَّأثير، وَيَتحدَّثانِ عنِ البِداياتِ الصَّغيرةِ الَّتي تُؤدِّي إلى نَتائجَ عظيمة. وقد كَتَبَ الشَّاعرُ "جون غرينليف ويتيار" (John Greenleaf Whittier): "لا يوجد شَيءٌ لا يَتركُ أثرًا. فإن ألقيتَ حَجَرًا في البحرِ فإنَّهُ سيَختفي عنِ الأنظارِ ويَغوصُ في أعماقِ البحرِ إلى الأبد، ولكنَّ الأمواجَ الَّتي يُحدِثُها تَستمرُّ في التَّشَكُّلِ إلى أن تَرتَطِمَ تلكَ الأمواجُ الدَّائريَّةُ بالشَّواطِئِ فتَقفِزُ المياهُ الدَّاكنةُ والمَيِّتَةُ فَرِحَةً تحتَ أشِعَّةِ الشَّمس". فإن أَلقيتَ حَجرًا في بُحيرةٍ فإنَّ تأثيرَهُ سيَنعَكِسُ على كُلِّ شاطِئٍ مِن شَواطِئِها.
وقد قُلنا في المَرَّة السَّابقة إنَّ هذا هو ما يَقولُهُ رَبُّنا. فهناكَ شَيءٌ يَبتدئُ صَغيرًا جدًّا جدًّا، ولكنَّه يَنتهي كبيرًا جدًّا جدًّا. وهذا هو ما سيَحدُثُ فيما يَختصُّ بالمَلكوت. فهو سيَبتدئُ صغيرًا. ولكن في النِّهاية، سوفَ يكونُ تأثيرُهُ في كُلِّ الأرض. هذا هو ما يَقولُهُ هنا. فهو يَتحدَّثُ عنِ المَلكوتِ بعظمَتِهِ النِّهائيَّة، وبأنَّهُ سيَكتملُ ويَتحقَّقُ ويَكتسبُ تلكَ القوَّةَ العالميَّةَ الَّتي قَصَدَها الله. ونحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ يَحدُثُ فيهِ ذلك.
فلم يَسبِق في تَاريخِ العالَمِ أن تَرَكَتِ المسيحيَّةُ تَأثيرًا عَالميًّا كهذا التَّأثيرِ الَّذي تَترُكُهُ اليوم. وهذا أمرٌ مِنَ المُدهشِ أن نُفَكِّرَ فيه. فالمسيحيَّةُ ابتدأت بمجموعةٍ صغيرةٍ مَغمورةٍ مِنَ الأشخاصِ وصارت بالحَجمِ الَّذي نَعرِفُهُ اليوم. ولكنَّ هذا هو تمامًا ما يُخبرُنا هذانِ المَثلانِ أنَّهُ سيَحدُث. فَهُما مَثلانِ نَبَوِيَّان. وصِدْقُ يسوعَ المسيحِ على المِحَكِّ فيما يَختصُّ بتحقيقِهما. وصِدْقُ كلمةِ اللهِ على المِحَكِّ مِن جِهةِ تَحقيقِ الغايةِ الَّتي قالَ الرَّبُّ إنَّهما سيُحَقِّقاها.
والآن، اسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم خَلفيَّةً صغيرةً لكي تَفهموا ما يَقولُهُ الرَّبُّ في سِياقِ هَذَيْنِ المَثَلَيْن. ففي العهدِ القديم، تَنبَّأَ الأنبياءُ بأنَّ مَلكوتَ اللهِ سيأتي في النِّهاية على الأرض، وأنَّهُ بمَجيئهِ إلى الأرضِ فإنَّهُ سيَلمَسُ الأرضَ في كُلِّ جُزءٍ مِنها إذْ إنَّ نِطاقَهُ سيكونُ واسعًا جدًّا. وسوفَ يكونُ يسوعُ المسيحُ مُمَثِّلَ اللهِ، وابنَ داود العَظيم، والمَمسوح أوِ المَسيَّا، والمَلِك الَّذي سيَجلِس على العَرشِ في مَدينةِ أورُشليم ويَحكُم العالَم.
وسوفَ يَعُمُّ السَّلامُ في كُلِّ العالَم، وستَنتهي الحروبُ والجرائمُ، ويَنتهي الفقرُ، ويَتراجَعُ الألمُ وحتَّى الموت. وسوفَ يكونُ هناكَ خلاصٌ بينَ الأُمم، وأيضًا بينَ اليهود. وسوفَ يَتِمُّ تَوقيرُ يسوعَ المسيحِ وإكرامِهِ بِصِفَتِهِ المَلِك. وسوفَ يَهلِكُ جَميعُ المُتمرِّدين. وسوفَ يُدانُ كُلُّ المُجَدِّفينَ عندما يأتي المَلكوت. وقد كانت لديهم أسبابٌ لتصديقِ ذلك.
فميخا النَّبيُّ كَتَبَ ما يَلي في الأصحاحِ الرَّابع: "وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتًا فِي رَأسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ شُعُوبٌ". فقد رأى مِيخا المَلكوتَ في الأيَّامِ الأخيرة مُرتفعًا وعاليًا، ورأى المسيحَ يَجلِسُ على العَرشِ، ورأى الأُمَمَ تأتي إليهِ كي تَسجُدَ لَهُ، وتَعبُدَهُ، وتُقَدِّمَ لهُ الولاءَ، وتَخضَعُ لَهُ.
"وَتَسِيرُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ وَيَقُولُونَ: «هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، وَإِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ، وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ". بعبارة أخرى، سوفَ يَخرُجُ المُلْكُ مِن أورُشليم. وسوفَ تَتجاوبُ الأُمَمُ وتَرجِعُ إليه. "فَيَقْضِي بَيْنَ شُعُوبٍ كَثِيرِينَ. يُنْصِفُ لأُمَمٍ قَوِيَّةٍ بَعِيدَةٍ".
بعبارة أخرى، سوفَ يُهيمِنُ على العالَم. أمَّا الَّذينَ لا يأتونَ، بل يُقاومونَ، فإنَّهُ يُوبِّخُهم حتَّى لو كانوا بَعيدين. فهو سيَسودُ على العالَم. "فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا، وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ". فسوفَ تكونُ تلكَ هي نِهايةُ الحربِ في كُلِّ الأرض. وسوفَ يَتخلَّصُ هؤلاءِ مِن سُيوفِهم.
"بَلْ يَجْلِسُونَ كُلُّ وَاحِدٍ تَحْتَ كَرْمَتِهِ وَتَحْتَ تِينَتِهِ". بعبارة أخرى، سوفَ يكونُ هُناكَ طَعامٌ يَكفي الجَميع. فسوفَ يكونُ لدى كُلِّ شخصٍ ما يَكفيه. "وَلاَ يَكُونُ مَنْ يُرْعِبُ". فلن تكونَ هناكَ جَريمة، ولن يكونَ هناكَ شيءٌ مُخيف. "لأَنَّ فَمَ رَبِّ الْجُنُودِ تَكَلَّمَ. لأَنَّ جَمِيعَ الشُّعُوبِ يَسْلُكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ بِاسْمِ إِلهِهِ، وَنَحْنُ نَسْلُكُ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِنَا إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَد".
فسوفَ يأتي العالَمُ عندَ قَدميِّ المَسيَّا. وأينما وُجِدَ أشخاصٌ مُتمرِّدونَ فإنَّهم سَيُوَبَّخون. وقد قالَ الأنبياءُ الآخرونَ إنَّ اللهَ سيَملِكُ مِن خلالِ ابنِهِ بقضيبٍ مِن حَديد، وإنَّ العَدالةَ ستأخُذُ مَجراها سريعًا وحالاً.
وهناكَ كَلامٌ آخر جاءَ إلينا على فَمِ زَكريَّا النَّبيِّ في الأصحاحِ الثَّامن. وهو كلامٌ مُدهشٌ جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّامنِ والعددِ الثَّامن عشر مِن سِفْر زَكريَّا: "وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ رَبِّ الْجُنُودِ قَائِلاً". وهذه صورةٌ أخرى لذلكَ المَلكوتِ العظيمِ المُستقبليّ: "هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنَّ صَوْمَ الشَّهْرِ الرَّابِعِ وَصَوْمَ الْخَامِسِ وَصَوْمَ السَّابعِ وَصَوْمَ الْعَاشِرِ يَكُونُ لِبَيْتِ يَهُوذَا ابْتِهَاجًا وَفَرَحًا وَأَعْيَادًا طَيِّبَةً". بعبارة أخرى، سوفَ تَصيرُ الأصوامُ أعيادًا.
فقد كانتِ الأصوامُ أوقاتَ نَوْحٍ، وأوقاتَ حُزْنٍ، وأوقاتًا يَتذكَّرُ فيها الشَّعبُ الأحداثَ المأساويَّة. فقد كانَ اليهودُ يَتذكَّرونَ السَّبيَ، وكانوا يَتذكَّرونَ الأوقاتَ الَّتي هُزِموا فيها، وسُحِقوا، وأُسِروا. وقد خَلَّدوا تلك الذِّكرى بأصوامٍ مُعيَّنة. فقد كانوا يَنقطعونَ عن تَناولِ الطَّعامِ لكي يَتذكَّروا تلكَ الأوقاتَ المُحزِنَة.
والنَّصُّ يَبتدئُ بالقول: "صَوْم الشَّهْر الرَّابِع". فقد كانوا في الشَّهرِ الرَّابعِ يَصُومونَ لأنَّهم كانوا يَتذكَّرونَ هُروبَ النَّسلِ المَلكيِّ واحتلالَ أورُشَليم. ثُمَّ إنَّهم كانوا يَصومونَ في الشَّهرِ الخامسِ إذْ كانوا يَصومونَ حُزنًا على دَمارِ الهَيكل. وقد كانوا يَصومونَ أيضًا في الشَّهرِ السَّابعِ تَذكارًا لقَتْلِ حاكِمِهم "جَدَلْيَا". وقد كانوا يَصومونَ في الشَّهرِ العاشرِ تَذكارًا لبَدءِ الحِصارِ الَّذي أدَّى في النِّهاية إلى أَسرِهِم.
وما يَزالُ يوجدُ يَهودٌ في العالمِ اليومِ يَصومونَ تلكَ الأصوام. ولكنَّ النَّبيَّ يقولُ إنَّ تلكَ الأصوامَ ستصيرُ أعيادًا مُبهِجَةً. فلن تَعودُ هناكَ أصوامٌ، ولن تكونَ هناكَ حاجةٌ لتَذَكُّرِ الحُزن. فكُلُّ شيءٍ سيتغيَّر. "سَيَأتِي شُعُوبٌ بَعْدُ، وَسُكَّانُ مُدُنٍ كَثِيرَةٍ. وَسُكَّانُ وَاحِدَةٍ يَسِيرُونَ إِلَى أُخْرَى قَائِلِينَ: لِنَذْهَبْ ذَهَابًا لِنَتَرَضَّى وَجْهَ الرَّبِّ وَنَطْلُبَ رَبَّ الْجُنُودِ. أَنَا أَيْضًا أَذْهَبُ. فَتَأتِي شُعُوبٌ كَثِيرَةٌ وَأُمَمٌ قَوِيَّةٌ لِيَطْلُبُوا رَبَّ الْجُنُودِ فِي أُورُشَلِيمَ، وَلْيَتَرَضُّوا وَجْهَ الرَّبِّ". فسوفَ يأتي العالَمُ إلى المَسيَّا.
"فِي تِلْكَ الأَيَّامِ يُمْسِكُ عَشَرَةُ رِجَال مِنْ جَمِيعِ أَلْسِنَةِ الأُمَمِ بِذَيْلِ رَجُل يَهُودِيٍّ قَائِلِينَ: نَذْهَبُ مَعَكُمْ لأَنَّنَا سَمِعْنَا أَنَّ اللهَ مَعَكُمْ". فسوفَ يكونُ اليهودُ الأداةَ الَّتي ستَقودُ العالَمَ إلى السُّجودِ عندَ قَدميِّ المسيح. بعبارة أخرى، سوفَ يأتي يومٌ يَملِكُ فيهِ المَسيَّا وتكونُ هناكَ أعيادٌ، ويكونُ هناكَ فَرحٌ وتَهليلٌ، ويَسجُدُ العالَمُ عندَ قَدَمَيْه. فسوفَ يَتِمُّ استئصالُ المُتمرِّدين. هذا هو المَلكوت.
وقد عاشَ اليهودُ وَهُم يَترقَّبونَ هذا المَلكوت. فقد تَرَقَّبوا حُدوثَ ذلكَ كُلَّهُ. وها هو يسوعُ قد جاءَ. لِذا فإنَّهُ سيكونُ المَلِك. ولكنَّ ذلكَ كُلَّهُ لم يَحدُث. فلم يَتِمُّ إهلاكُ المُتمرِّدين. ولم يَكُن هناكَ أُناسٌ كثيرونَ مِنَ الأُمَمِ يُمسِكونَ بأذيالِ اليهودِ ويَقولون: "خُذونا إليه... خُذونا إليه". ولم يَكُن هناكَ جُلوسٌ على العَرش. ولم يكن هناكَ طَردٌ للقُوَّةِ الرُّومانيَّة. ولم يَكُن هناكَ تَطهيرٌ للعالَم.
وكانت الحربُ ما تَزالُ دائرةً. ولم يَكُنِ النَّاسُ يَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا، وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِل. ولم يَكُن هناكَ سَلامٌ في العالَم. ولم يَكُن هناكَ عِقابٌ وإدانةٌ للمُتمرِّدينَ والرَّافضينَ والمُجَدِّفين. لِذا، مَعَ أنَّهُم كانوا يُؤمنونَ بأنَّ يسوعَ هو المَسيَّا في قُلوبهم، فإنَّ الشُّكوكَ كانت تُؤرِقُهم لأنَّهم لم يَرَوْا تَحقيقَ تَوقُّعاتِهم المُختصَّةِ بملكوتِه. لِذا فقد كانت لديهم صِراعات. ونحنُ نَتأمَلُ في ذلك. وبصراحة، لم يؤمنِ اليهودُ بأنَّهُ المَلِك لأنَّهُ لم يَفعل ما تَوقَّعوا مِن مَلِكٍ أن يَفعلَه.
انظروا معي قليلاً إلى الأصحاحِ الثَّامن عشر مِن إنجيل يوحنَّا. وأعتقد أنَّكم ستُدركونَ شيئًا آخر. الأصحاح الثَّامن عشر مِن إنجيل يوحنَّا. فنحنُ نقرأُ هنا عن وقوفِ رَبِّنا أمامَ بيلاطُس. وقد قالَ بيلاطُس لَهُ في العدد 33: "أنْتَ مَلِكُ الْيَهُود؟" والآن، كما تَرَوْنَ، كانَ ذلك هو السُّؤال. وقد قالَ يَسوعُ إنَّهُ هو، وقَدَّمَ لَهُ دَليلاً دامغًا لا يَقبلُ الجَدَلَ على أنَّهُ هو مِن خلالِ مُعجزاتِهِ وكلماتِه.
فقد كانوا عاجِزينَ عن إنكارِ ذلك لأنَّهُ أولاً وأخيرًا استأصلَ الأمراضَ مِن فِلَسطينَ في فترةِ خِدمتِه. فقد أظهرَ قُدرةً مُذهلةً ومُدهشةً ولا مَثيلَ لها لا يُمكنُ أن تأتي إلاَّ مِن فِكْرِ اللهِ غيرِ المَحدود. وقد كانَ يَعلَمُ عِلْمًا مُطْلَقًا ما في قلبِ الإنسان. ولكنَّهم لم يُصَدِّقوا ذلكَ لأنَّ الأحداثَ لم تَكُن مُنسجمةً معَ فِكرتِهم عنِ المَلكوتِ الآتي.
وذاتَ مَرَّة حاولوا أن يَجعلوهُ مَلِكًا، وأن يُرغموهُ على تأسيسِ مَملكة، وأن يُرغموهُ على الجُلوسِ على العَرش، وأن يُرغموهُ على الإطاحَةِ بِروما؛ ولكنَّهُ هَرَبَ مِنهم ولم يَسمَح لهم أن يَفعلوا ذلك. لِذا، بصراحة، لم يَقبلوا حقيقةَ أنَّهُ المَلِك بالرَّغمِ مِن كُلِّ مُؤهلاَّتِهِ الَّتي تُؤكِّدُ ذلك. لِذا فقد طَرَحَ بيلاطُسُ السُّؤالَ الَّذي لم يَكُن سُؤالَهُ هو. فهو لم يَكُن حَتَّى يَفهمُ النُّبوءاتِ المَسيحانيَّة.
فهو يَقول: "أنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟" أَجَابَهُ يَسُوعُ: "أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟" هل أنتَ مَن يَطرحُ ذلك السُّؤال، أم أنَّكَ تُرَدِّدُ ما يَسألُهُ اليهود؟ وما نَفهَمُهُ هُنا هو أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُ تمامًا ما كانوا يَسألونَهُ. فهل يُمكِنُ أن يكونَ هذا هو المَلِك؟ وقد سألَ بيلاطُس: "أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟" بعبارة أخرى: هل أعرفُ أيَّ شيءٍ عن هذه الأشياء؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّني لا أعرفُ أيَّ شيءٍ عنها.
"أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ". هذه مُشكلتُهم. "مَاذَا فَعَلْتَ؟" فهو لم يَكُن يَعلمُ حَتَّى ما هي التُّهمةُ المُوَجَّهَةُ إلى يَسوع. ولكنَّ المُشكلةَ المُختصَّةَ بِكونِهِ مَلِكًا تَختصُّ بهم، لا بِهِ هُوَ. "أَجَابَ يَسُوعُ: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَم". يا بيلاطُس، إنَّ مَملكتي ليست شيئًا تَفهَمُهُ. ومَملكتي ليست شَيئًا يَفهمونَهُ هُم أيضًا.
"لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ [أي مَملكةً أَرضيَّةً كما تَفهَمُ أنتَ المَملكةَ]، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُود. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا". فمَملكتي مُختلفة عن مَملكتِك، أو عن فَهمِكَ للمَملكة، أو عَن فَهمِهم لها. ثُمَّ إنَّ بيلاطُسَ قال: "أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟" أَجَابَ يَسُوعُ: "أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. فقد وُلِدْتُ لأكونَ مَلِكًا، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأكونَ مَلِكًا. وأنا مَلِك".
والآن يا أحبَّائي، لا شَكَّ لَديَّ البتَّة في عَقلي في أنَّ يسوعَ مَلِك. فلهذا وُلِد. ولهذا جاءَ إلى العالَم. ولا شَكَّ لديَّ في عَقلي أيضًا بأنَّ هذا المَلكوتَ هو المَلكوتُ الَّذي نَعيشُ فيه. ولكنَّهُ لا يُرَى بأنَّهُ مَلكوتٌ كما يَفهمُ البَشَرُ المَلكوت. فهو مَلكوتٌ نابعٌ في المَقامِ الأوَّلِ والأخير مِنَ القلب.
لِذا فإنَّ بولسَ يقولُ في رسالتِهِ إلى أهلِ رُومية 14: 17: "لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا". فهو ليسَ خَارجيًّا. "بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُس". فهو دَاخليٌّ. ويُمكنكُم أن تَرَوْا في مُناسبةٍ أخرى (في إنجيل لوقا 17: 20) أنَّهم قالوا لهُ في الحقيقة: "إن كنتَ أنتَ المَلِك، أينَ هو المَلكوت؟" وقد أجابَهُم قائلاً: "مَلَكُوتُ اللهِ [أين؟] دَاخِلَكُمْ". فهو في وَسْطِكُم. ولكنَّكم لا تُدركونَهُ لأنَّهُ لا يُدرَكُ بالحَواسِّ البَشريَّة. ولكنِّي مَلِكٌ بالرَّغمِ مِن ذلك.
والآن، كانَ التَّلاميذُ يَحُكُّونَ رُؤوسَهُم ويقولون: "إنَّهُ المَلِك. فهذهِ حَقيقةٌ لا يُمكِنُنا أن نُنكِرَها. ولكن أينَ هوَ المَلكوت؟" لأنَّه كانوا يَبحثونَ عنِ المَظهرِ الخارجيِّ، وكانوا قدِ اختبروا رَفضًا مُريعًا في الأصحاحِ الثَّاني إذْ إنَّهُ تَعَرَّضَ للتَّجديفِ واتُّهِمَ بأنَّهُ مِنَ الشَّيطان. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَقول: "اسمَعوا! سوفَ أُعَلِّمُكُم الآنَ كيفَ تَفهمونَ هذه الفترةَ مِن مُلكي، أو هذهِ الفترةَ مِن مَلكوتي".
فسوفَ يَكشِفُ المُستقبَلُ عنِ المَجْدِ الكامِلِ للمَلكوتِ بجلالِهِ الألفيِّ الخارجيِّ الأرضيّ؛ تَمامًا كما تَنبَّأَ زَكريَّا ومِيخَا. أمَّا الآن، هناكَ شَكلٌ للمَلكوتِ يُسَمِّيهِ في العدد 11 مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح 13: "السِّرّ". وفي هذه الفترةِ، سيكونُ المَلكوتُ مُختلفًا عَمَّا سيكونُ عليهِ في النِّهاية. لِذا فإنَّهُ يُتابِعُ كَلامَهُ ويَصِفُهُ. وهو يَضرِبُ لهم سبعةَ أمثال كما ذَكَرنا.
والمَثلانِ الأوَّل والثَّاني يَصِفان طَبيعةَ المَلكوت... طَبيعةَ المَلكوت. فهناكَ المَثَلُ المُختصُّ بأنواعِ التُّربة، ومَثَلُ الحِنطةِ والزَّوان. وطبيعةُ المَلكوتِ تَقتضي أن يَعيشَ الخيرُ والشَّرُّ معًا. فهناكَ أنواعُ تُربةً تَرفُضُ الزَّرعَ، وهُناكَ تُربةٌ حقيقيَّة.
بعبارة أخرى، سيكونُ هناكَ أشخاصٌ يَرفضونَ المَلكوتَ، وأشخاصٌ يَقبلونَ المَلكوت. والمَثَلُ الثَّاني يَقولُ إنَّ الزَّرعَ الجَيِّدَ والرَّديءَ سيَنموان معًا إلى أن يأتي وقتُ الدَّينونةِ الأخيرة. لِذا، لا ينبغي لكم أن تَتوقَّعوا أنَّ المُتمرِّدينَ سيُدانون، ولا يَنبغي أن تَتوقَّعوا أنَّ المُتمرِّدينَ وَرافضي المسيحِ سيَهلِكونَ، أو يُحرَقونَ، أو يَفْنَوْنَ، أو ما شَابَهَ ذلك. فالأبرارُ والأشرارُ سيَعيشانِ معًا. وبعدَ أن قالَ ذلك فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن قُوَّةِ المَلكوتِ في المَثَلَيْنِ الثَّالثِ والرَّابع.
وهو يَقول: "بالرَّغمِ مِن ذلك، أي بالرَّغمِ مِن عَيْشِ الأبرارِ والأشرارِ معًا، وبالرَّغمِ مِنَ القُوَّةِ الهائلةِ للخطيَّةِ والشَّيطان، وبالرَّغمِ مِنَ الزَّوانِ الكثيرِ المَزروعِ بينَ الحِنطةِ، وبالرَّغمِ مِن حَقيقةِ أنَّ ثلاثةً مِن أنواعِ التُّربةِ الأربعةِ شِرِّيرة ورافضة، فإنَّ سُلطانَ المَلكوتِ ما يَزالُ عَظيمًا جدًّا وسيَنمو. فَهو يَنمو مِن بِزرةٍ صغيرةٍ جدًّا كحبَّةِ الخَردَل ويصيرُ شُجيرةً كبيرة. فهو يَنمو مِن أصغَرِ البُذورِ ويَصيرُ أكبرَ شُجيرة. وهو يُشبِهُ أيضًا الخَميرةَ الصَّغيرةَ المَخفيَّةَ في كميَّة هائلة مِنَ العَجينِ ولكنَّها تَتَغَلغَلُ في العَجينِ كُلِّه وتُؤثِّرُ فيهِ كُلِّه.
والآن، هذا كَلامٌ مُشَجِّعٌ يا أحبَّائي بعدَ المَثَلَيْنِ الأوِّلِ والثَّاني اللَّذانِ لم يكونا مُشَجِّعَيْنِ البَتَّة. فالمَثلانِ الأوَّلُ والثَّاني يُخبرانا أنَّهُ يجبُ علينا أن نَسمحَ للشَّرِّ بالاستمرارِ في هذا العالَم. وسوفَ أكونُ صَادقًا جدًّا معكم: أنا أَكرَهُ الخطيَّة. وهناكَ مَرَّات كثيرة جدًّا شَعرتُ فيها بقلبِ داود عندما صَرَخَ داودُ إلى اللهِ وطَلَبَ مِنهُ أن يُهلِكَ الخُطاةَ ويَبيدَ الخَطيَّة.
فهناكَ أوقاتٌ تَتَمَنَّوْنَ فيها وَحَسْب أن تُنَفِّذوا دَينونةَ اللهِ وتَقوموا بَعمليَّةِ تَطهير. ولكنَّ أوَّلَ مَثَلَيْنِ يَقولانِ: لا! لا! فهذا الدَّوْرُ ليسَ مُنَاطًا بِكُم. وهذا الوقتُ هو وقتُ نِعمةِ الله. أمَّا الدَّينونةُ فستكونُ في المُستقبَل. لِذا فإنَّ الخيرَ والشَّرَّ يَنموانِ جنبًا إلى جنب. وهذه رسالةٌ مُخيفةٌ، ومُرعبةٌ، ومُؤرِقَةٌ لأنَّنا نَحتمِلُ كُلَّ هذه الأمور.
ولكنَّ رسالةَ الرَّجاءِ تأتي في المَثَلَيْنِ اللاَّحِقَيْن. فبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ المَلكوتَ سيَنمو ويَملأُ في النِّهايةِ الأرض. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هَذينِ المَثَلَيْنِ يأتيانِ بنا حَقًّا إلى المُلْكِ الألفيِّ حيثُ ستكونُ الشَّجرةُ بأكبرِ حَجمٍ لها، وستكونُ مُمتلئةً بالطُّيور، وستكونُ الخَميرةُ قد خَمَّرَتِ العَجينةَ كُلَّها. ونحنُ نَترقَّبُ ذلك. لِذا فإنَّ هَذينِ المَثَلَيْنِ يُعطيانَا رَجاءً عَظيمًا... رَجاءً عَظيمًا.
وبالمُناسبة، إنَّ المَثَلَيْنِ اللَّاحِقَيْنِ يَتحدَّثانِ عنِ الموضوعِ نَفسِه. فَهُما يَتحدَّثانِ عن حُصولِ الإنسانِ على المَلكوت. فالأمثالُ الأربعةُ الأولى تَنظرُ إلى المَلكوتِ نَظرةً عامَّةً، والمَثلانِ اللاِّحِقانِ يَنظرانِ إليهِ نَظرةً مُحَدَّدةً. لِذا فإنَّ المَثَلَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني يَتحدَّثانِ عن طبيعةِ المَلكوت، والمَثلانِ اللاَّحقانِ يَتحدَّثانِ عن قُوَّةِ المَلكوت. والمَثلانِ اللاَّحِقانِ يَتحدَّثانِ عنِ الحُصولِ على المَلكوت. وهذا أمرٌ مُهمٌّ جدًّا لأنَّهُ عندما تُفَسِّرونَ هذا المَثَل، يجب عليكم أن تُفَسِّروه تَفسيرًا يَنسَجِمُ معَ المَعنى الَّذي يَرمي إليهِ رَبُّنا في أثناءِ سَردِهِ لهذهِ الأمثال. وسوفَ نَرى ذلكَ بعدَ قليل.
والآن، سوفَ يكونُ هذا أَشبَهُ بدَرسٍ كِتابيٍّ. وسوفَ أَصْحَبُكُم إلى مَوقفٍ تَفسيريٍّ أعتقدُ أنَّهُ يَنبغي أن يُوَضَّح لأنِّي أعتقدُ أنَّ ذلكَ المَثَلَ الَّذي سنَتأمَّلُ فيهِ اليومَ (أيْ مَثَلَ الخَميرة) قد أُسيءَ فَهمُهُ كثيرًا. دَعونا نَنظر إليه؛ أي إلى مَثَلِ الخميرةِ في العدد 33. وقد نَظرنا إلى مَثَلِ حَبَّةِ الخَردلِ وتَعَلَّمنا ثلاثةَ دُروسٍ مِنه. فالمَلكوتُ سيَبتدئُ صغيرًا ويَصيرُ كبيرًا. والأُمَمُ ستَتمتَّعُ في النِّهاية بِفوائِدِه. ولكنَّنا سنَنظُرُ الآنَ إلى دَرسٍ مُشابِهٍ جدًّا في مَثَلِ الخَميرة.
"قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيق حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ". وكما هي الحالُ دائمًا فإنَّ رَبَّنا يَنتقي أمثالَهُ مِنَ الحياةِ العامَّة... مِنَ الحياةِ العامَّةِ جدًّا. فعندما كانَ صَبيًّا يافِعًا، كانَ يَرى أُمَّهُ تَفعلُ هذا مَرَّاتٍ كثيرةً جدًّا. فهي تَصنَعُ الخُبزَ وتُعِدُّهُ باستخدامِ الخَميرةِ أوِ الاختِمارِ أوِ العَجينةِ المُختمِرَة كما تُسَمَّى أحيانًا. وقد كانَ هذا أمرٌ يَحدُثُ دائمًا في البيت.
فأنتُم تأخُذونَ كَميَّةً جديدةً مِنَ الدَّقيقِ تَمَّ إعدادُه وعَجْنُهُ، وتُحضِرونَ قِطعةً صغيرةً مُختمرةً مِنَ عَجينَةٍ سَابقةٍ وتَضعونَها في تلكَ العَجينةِ الجديدة فتَتَخَمَّرُ، وتُشَكِّلُ فُقاعاتٍ، وتَتَغَلْغَلُ إلى أن تُخَمِّرَ العَجينَ كُلَّهُ وتَجعَلَهُ يَنتَفِخ. وقد رأى رَبُّنا هذا المَشهَدَ (كما هي حالُ الجميعِ) مَرَّاتٍ كثيرةً جدًّا. والقطعةُ المُختمرةُ هي قطعةٌ صغيرةٌ جدًّا... صغيرة جدًّا. ولكنَّكم تُلاحظونَ أنَّها كانت مُخَبَّأةً في ثلاثةِ أكيالِ دَقيق.
وهذه كَميَّة هائلة مِنَ العَجين. هل تريدونَ أن تَعلموا كَم حَجمُها؟ ثلاثةُ أكيالِ دَقيق تُساوي إيْفَة. هل أنتُم سُعَداء بمعرفة ذلك؟ وبالمُناسبة، لم يَكُن مِنَ المُستغرَبِ أن يَعجِنَ النَّاسُ كَميَّةً كبيرةً كهذه لأنَّ الخُبزَ كانَ قِوامَ الحياةِ، ولأنَّ العائلاتِ كانت كبيرةً، وكانَ هُناكَ خَدَمٌ في المَنزل، وأشخاصٌ آخرون. لِذا فقد كانوا يَصنعونَ مِقدارًا كبيرًا مِنَ الخُبز.
وأودُّ أن أقولَ مُلاحظةً صغيرةً: عندما رأيتُ ثلاثةَ أكيالِ دَقيق، صُدِمتُ مِن حَجمِها. فهي تَصنَعُ كميَّةً وَفيرةً جدًّا مِنَ الخُبز. لِذا فقد رَجَعْتُ واكتشفتُ أنَّهُ عندما زارَ الرَّبُّ والمَلاكانِ في الأصحاحِ الثَّامن عشر مِن سِفْر التَّكوين سَارة وإبراهيم، صَنَعت سَارة خُبزًا. وهل تَعلموا الكَميَّةَ الَّتي عَجَنَتْها؟ ثلاثة أكيال دَقيق.
وعندما رَاجَعْتُ ما جاءَ في سِفْر القُضاة 6: 19، وَجدتُ في قِصَّةِ جِدْعَون أنَّ العَجينَ الَّذي تَمَّ تَحضيرُهُ كانَ ثلاثةَ أكيالِ دَقيق أو "إيْفَة". لِذا، يبدو أنَّ هذه كانت الوَصفة المُتعارَف عليها. فإن كانت سَارة قد صَنعَت هذه الكَميَّةَ للهِ، لا عَجَبَ أنَّهُم استمرُّوا في صُنعِ العَجينةِ بنفسِ الكَميَّة. أليسَ كذلك؟ وقد كانت كَميَّةُ الدَّقيقِ الكبيرة في اعتقادي تَرمِزُ إلى ضَخامةِ المَهمَّةِ الَّتي تنجِزُها كَميَّةٌ صغيرةٌ مِنَ الخَميرة.
وهذا يُشبهُ كثيرًا نُمُوَّ أصغرِ بِذرةٍ إلى أن تَصيرَ أكبرَ شُجَيرة. فها هي هذه العَجينةُ الصَّغيرةُ تتركُ أثرًا أو تأثيرًا بالغًا في كَميَّة كبيرة جدًّا مِنَ العَجين. وبالمُناسبة، لقد تَمَّتِ الإشارةُ إلى المرأةِ هُنا لأنَّ هذا العَملَ كانَ مُناطًا بالمرأة. فالرِّجالُ فكانوا يَعملونَ في الحَقلِ، في حينِ أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَعملنَ في المَطبخِ في تلكَ الأيَّامِ إذْ كُنَّ يَطهينَ الطَّعام. وما يَزالُ هذا الأمرُ هكذا تقريبًا حَتَّى وقتِنا هذا.
والقطعةُ المُختَمِرَةُ هي قطعةُ عَجينٍ مُختمرة مِن عَجينَةٍ سابقةٍ لكي تَختمرَ وتَعملَ عملَ الخَميرةِ في تَخميرِ العَجينةِ كُلِّها. وبصراحة، اسمَحوا لي أن أُضيفَ مُلاحظةً: إنَّ الخُبْزَ المُختَمِرَ أطيبُ مَذاقًا بكثير مِنَ الخُبْزِ الفَطير. أَلاَ تُوافِقونَني الرَّأي؟ فالخُبزُ الفَطيرُ مُسَطَّحٌ، وقاسٍ، وجافٌّ، وغيرُ شَهِيٍّ. أمَّا الخُبزُ المُختَمِرُ فطَرِيٌّ، وإسفِنجِيٌّ، ودافئٌ، وطَيِّبُ المَذاق. فهو شَهِيٌّ. أليسَ كذلك؟
ولا أريدُ أن أتعمَّقَ كثيرًا في هذا الأمرِ لِئَلاَّ تُغادِروا المَكان. ولكن إليكُم فِكرة أخرى تَضَعونَها في أذهانِكُم. فخميرةٌ صَغيرةٌ تُؤثِّرُ في عَجينةٍ ضَخمة. ثانيًا، إنَّها تُؤثِّرُ فيها تأثيرًا إيجابيًّا. فهيَ تَترُكُ تأثيرًا إيجابيًّا. فهي تَجعلُ العَجينةَ أفضلَ وأطيبَ مَذاقًا. فهي تَترُكُ تأثيرًا جيِّدًا في النِّهايةِ فيها. فهي تَجعلُ الخُبزَ أفضل.
وهناكَ شيءٌ آخرُ نَراهُ هُنا وهو أنَّها خَبَّأتِ الخَميرةَ في العَجينة. فيجب أن تُوضَعَ الخَميرةُ في الدَّاخل. فلا يَجوزُ أن تَترُكي الخَميرةَ على سَطحِ المَطبَخِ وأن تَصيحي على العَجينة. فاللهُ لم يَترُك تأثيرًا في العالَمِ مِن خلالِ الوقوفِ على غَيمةٍ والصُّراخِ نَحوَ الأسفل. أَتَرَوْن؟ فالخميرةُ ينبغي أن تُوضَعَ في العَجينة. فيجب أن تُوضَعَ في الدَّاخل. وحينئذٍ ستَبتدئُ بالتَخمُّر والتَّخمُّر والتَّخمُّر. وقد كانَ هذا الأمرُ شَيئًا يَعرِفُهُ كُلُّ يَهوديٍّ، ويَفهَمُهُ كُلُّ شخصٍ. فهو ليسَ أمرًا صَعبًا جدًّا.
وما هي الدُّروس؟ إنَّها قِصَّةٌ بَسيطةً جدًّا تُعَلِّمُ دُروسًا بَسيطةً جدًّا. وبالرَّغمِ مِن ذلك، أريدُ أن أقولَ لكم إنَّهُ مِن بينِ كُلِّ الأمثالِ الَّتي دَرستُها، لاحظتُ أنَّ هُناكَ تَشويشًا بينَ النَّاسِ بخصوصِ هذا المَثَلِ أكثر مِن أيِّ مَثَلٍ آخر. ولكنَّهُ بَسيطٌ جدًّا. وإن لم أُخبركم ما هي وُجْهاتُ النَّظرِ البَديلة للتَّفسيرِ الَّذي سأقولُهُ لكم، ولم تكونوا قد سَمِعتُم بِها مِن قَبل، لا أعتقدُ أنَّ ذلكَ كانَ سيَخطُرُ بِبَالِكُم. فهي وُجْهاتُ نَظرٍ غَريبةٍ جدًّا في نَظري. ولكنِّي سأقولُها لكم حَتَّى إن صَادفتُم أُناسًا يُؤمنونَ بها يُمكنكم أن تُساعِدوهُم في حالِ أنَّهُم لا يَتَّفِقونَ معَ تَفسيري.
والآن، إليكُم هذهِ الحَقائقَ الرَّئيسيَّة. ها هي. هذه هي الدُّروس: أوَّلاً، قوَّةُ الملكوتِ عظيمة. هذا هو الدَّرس. قُوَّةُ المَلكوتِ عَظيمة. وما أعنيه هو أنَّ خَميرةً صغيرةً تُؤثِّرُ في قطعةٍ كبيرةٍ مِنَ العَجين. هذا هو ما يَقولُه. فحقيقةُ أنَّ المَلكوتَ يَبتدئُ صَغيرًا ليست بالضَّرورة مُحبِطَة لأنَّهُ يَملِكُ القُدرةَ على التَّأثيرِ في كُلِّ شيء.
فالدَّقيقُ هُنا (أي أكيالُ الدَّقيقِ أوِ العَجينُ) يُشبِهُ العالَم. وأنتُم تَزرعونَ مَلَكوتَ السَّماواتِ في وَسْطِ العالَم. وبالرَّغمِ مِن كَونِهِ صَغيرًا فإنَّهُ سيؤثِّرُ في كُلِّ شيءٍ لأنَّهُ يَملِكُ قُدرةً خارقةً للطَّبيعةِ على تَشكيلِ الفُقاعاتِ والتَّخَمُّر. وأنا أُوْمِنُ، دُونَ أَدنى شَكٍّ، بأنَّ الخَميرةَ تَرمِزُ إلى التَّأثيرِ الصَّالِحِ للمَسيحِ، ومَملكتِهِ، وإنجيلِهِ، ورَعاياه في العالَم.
وفي المَقامِ الأوَّل، أنا أُوْمِنُ بذلكَ بسببِ الطَّريقةِ الَّتي قالَ فيها يسوعُ الأمثال. فالمَثَلانِ الأوَّلُ والثَّاني يُشيرانِ إلى طَبيعةِ المَلكوت. والمَثلانِ الثَّالث والرَّابع يُشيرانِ في اعتقادي إلى قُدرةِ المَلكوتِ على الانتصارِ على الشَّرِّ الموجود. وهناكَ أشخاصٌ يَقولونَ... سوفَ أقولُ لكم ما هو الرَّأيُ الآخَرُ السَّائِد. فهناكَ أُناسٌ يَعتقدونَ أنَّ الخَميرةَ تَرمِزُ إلى الشَّرِّ، وأنَّ ما يُعَلِّمُهُ المَثَلُ هو أنَّ الشَّرَّ سيكونُ موجودًا في المَلكوتِ ويَخترِقُ المَلكوت.
ولكنِّي أَجِدُ العَديدَ مِن نِقاطِ الضَّعفِ في هذا الرَّأي. أوَّلاً: أنَّهُ لا يَنسَجِمُ معَ تَركيبَةِ الأمثال. فقد تَطَرَّقنا إلى الشَّرِّ الموجودِ في العالمِ في المَثَلَيْنِ الأوَّل والثاني. أمَّا الآن فإنَّنا نَتحدَّثُ عن قُدرةِ المَلكوتِ على القيامِ بذلك. لِذا فإنَّ هذا الرَّأيَ لا يَنسَجِمُ معَ النَّمَطِ الَّذي استخدَمَهُ رَبُّنا.
ثانيًا، تَقولُ الآيةُ ما يَلي: "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ [ماذا؟] خَمِيرَةً". والآن، إن سألتُكُم سؤالاً واضحًا وبسيطًا: ما الَّذي تُشيرُ إليهِ الخَميرةُ وَفقًا لتلكَ الجُملة؟ ماذا سيكونُ رَدُّكم؟ مَلكوتُ السَّماواتِ يُشبِهُ خَميرةً. لِذا فإنَّ الخَميرةَ تَرمِزُ إلى ماذا؟ أحسنتُم! إلى مَلكوتِ السَّماوات. فلا حاجةَ إلى أن تَكونوا نَوابِغَ لكي تُدركوا ذلك.
ويبدو لي أنَّهُ مِنَ الواضحِ جدًّا أنَّ مَلكوتَ السَّماواتِ يُشبِهُ الخَميرةَ؛ وهذا يَعني أنَّ الخَميرةَ تَرمِزُ إلى مَلكوتِ السَّماوات. ويجبُ عليَّ أنْ أُوْمِنَ بأنَّهُ (بهذا المَعنى) يَرى مَلكوتَ السَّماواتِ بمَعناه الجَيِّد. فملكوتُ السَّماواتِ جَيِّد. وتأثيرُهُ يَجعَلُ الشَّيءَ الَّذي يُؤثِّرُ فيهِ بحالةٍ أفضل كما تَفعلُ الخميرةُ بالخُبز.
والآن في هذه النُّقطة، يجب علينا أن نَتذكَّرَ ما هي الحُجَّةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي يَستَنِدُ إليها الأشخاصُ الَّذينَ يَقولونَ إنَّ الخميرةَ تَرمِزُ إلى الشَّرِّ هُنا. إليكُم الحُجَّة الَّتي يَستَنِدونَ إليها: أنَّ الخَميرةَ في كُلِّ مَوضعٍ آخرَ في العهدِ الجديدِ تَرمِزُ دائمًا إلى الشَّرّ. لِذا، لا بُدَّ أن يكونَ هُناكَ اتِّساق. وَهُم يَقولونَ إنَّ يَسوعَ يَستخدِمُ الخَميرةَ هُنا للإشارةِ إلى الشَّرّ. والآن، اسمَحوا لي أن أُفَنِّدَ ذلك. رَكِّزوا مَعي، ولا سِيَّما أولئكَ الَّذينَ عَلَّموا ذلكَ بتلك الطَّريقة: إنَّ الخَميرةَ لا تُشيرُ في الأصلِ إلى الشَّرّ. فهذا ليسَ القَصدُ مِنها.
وقد تقول: مَهلاً مِن فَضلِك! نحنُ نَقرأُ في إنجيل لُوقا 12: 1: ’تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ‘". اسمعوني: إنَّ الخميرةَ هناكَ لا تُشيرُ إلى الرِّياءِ في ذاتِهِ بِقَدْرِ ما تُشيرُ إلى تأثيرِه. فكما تَرَوْنَ فإنَّ الخَميرةَ هي تَشبيهٌ يُمكِنُ استخدامُهُ وَحَسْب للإشارةِ إلى التَّأثيرِ القَويّ. هل تَفهمونَ ذلك؟ لِذا فإنَّ الغايةَ مِنَ استخدامِ الخميرةِ لوصفِ رِياءِ الفَرِّيسيِّين هو أنَّ رِياءَ الفَرِّيسيِّين يؤثِّرُ فيهم كما تؤثِّرُ الخميرةُ في الخُبز.
فهو يُؤثِّرُ في كُلِّ شيءٍ يَفعلونَه. لِذا فإنَّ الخَميرةَ لا تَرمِزُ إلى الخطيَّة، بل تَرمِزُ إلى التَّأثير. وهذه نُقطةٌ مُهمَّةٌ جدًّا. فقد تأثَّروا برِياءٍ يُمكِنُ لتأثيرِ الخميرةِ أن يَرمِزَ إليهِ بصورة جيِّدة. لِذا فإنَّ التَّشبيهَ يَختصُّ بالتَّأثير. والآن، إن فَكَّرتُم في الخميرةِ تَفكيرًا مُغايِرًا لذلك، تُفسِدونَ التَّشبيه. فهي ليست تَشبيها لشيءٍ شِرِّير.
وعندما يُريدُ الكتابُ المقدَّسُ أن يَتحدَّثَ عن شيءٍ شِرِّيرٍ فإنَّهُ يُسَمِّيهِ ظُلمةً أو ظَلامًا. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَرى تلكَ الألفاظَ الَّتي تُشيرُ إلى الشَّرِّ مُمَثَّلاً بغيابِ النُّورِ لأنَّ هذا هو التَّعريفُ الثَّابِتُ للشَّرّ. ولكن عندما يَستخدِمُ الكتابُ المقدَّسُ الخَميرةَ كتشبيه، فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن شيءٍ يَتغلغَل. فهذه هي فائدةُ ذلك التَّشبيه. وأعتقدُ أنَّهُ يجب علينا أن نَراها هكذا هُنا. فهي تُشيرُ إلى شيءٍ يَتغلغَل.
والآن، هل يُمكنُني أن أُضيفَ مُلاحظةً أخرى؟ وهذا شيءٌ قد يَعرِفُهُ بَعضٌ منكم، ولكنَّهُ سيكونُ لفئةٍ أخرى مُفيدًا: لا يَجوزُ أن تأخذوا تَشبيهاتٍ وتَصيغوها في شكلِ ألفاظٍ لاهوتيَّةٍ مُطلَقَة. بعبارة أخرى، إنَّ الخميرةَ هي مُجرَّدُ تَشبيهٍ ليسَ لَهُ أيُّ مَعنىً لاهوتيٍّ مُطلَق. لِذا لا يُمكنكم أن تَنسِبوا إليها مَعنىً لاهوتيًّا مُطلَقًا يقولُ إنَّهُ في كُلِّ مَرَّةٍ تَرِدُ فيها الكلمة "خَميرة" فإنَّها تُشيرُ إلى الخطيَّة. فهذا مُجرَّدُ تَشبيه. وهو مُجرَّدُ مَثَلٍ إيضاحيّ.
وسوفَ تُوقِعونَ أنفسَكُم في مُشكلةٍ عَويصةٍ عندما تَقرأونَ في العهدِ القديمِ عن عيدِ الأسابيع إذْ إنَّ اللهَ يُوصي جَميعَ اليهودِ بأن يُقدِّموا لَهُ رَغيفَيْنِ مَخْبوزَيْنِ بِخَمير. فنحنُ أمامَ مُعضلة! فهل يُقدِّمونَ شَرًّا لله؟ وكما تَرَوْنَ، لا يُمكنكم أن تفعلوا ذلكَ بتشبيهٍ أو مَثَلٍ إيضاحيٍّ بسيط. لِذا، يجب أن تَنظروا إلى ما وراءِ الكلمة نَفسِها. فمَعناها الرَّئيسيُّ هو التَّغلغُل. فهي تُستخدَمُ للإشارة إلى نَفْعِها.
وعندما تَنظرونَ إلى العهدِ الجديد، ستُلاحظونَ أنَّها تُستخدَمُ مَرَّات كثيرة. فهي تُستخدَمُ للإشارةِ إلى خطايا مُختلفة؛ لا فقط إلى الرِّياء، بل إلى أشياءٍ مُختلفة. فهي تُستخدَمُ للإشارةِ إلى النَّاموسيَّةِ في رسالة غَلاطيَّة 5: 9. وهي تُستخدَمُ للإشارةِ إلى الفَسادِ الأخلاقيِّ في رسالة كورنثوسَ الأولى والأصحاحِ الخامس. لِذا، قد تُشيرُ الخميرةُ إلى الرِّياءِ، أوِ النَّاموسيَّةِ، أوِ الفَسادِ الأخلاقيّ. وهي قد تُشيرُ إلى أيِّ شيءٍ يُؤثِّرُ أو يَتَغَلغَل. فهذا هو السَّببُ الَّذي تُستخدَمُ لأجلِهِ الخَميرة كتشبيه. فهي مُجرَّدُ مَثلٍ إيضاحِيٍّ على الشَّيءِ القادرِ على التَّغلغُل. لِذا، عندما تَقرأونَ هذا النَّصَّ لا يُمكنكم أن تَأخذوا الكلمة "خَميرة" وتَنسِبوا إليها مَعنىً لاهوتيًّا مُطلَقًا قائلينَ إنَّها تَرمِزُ إلى الشَّرّ، بل ينبغي أن تَستخدموها كتَشبيه.
فهي تَشبيهٌ يُشيرُ إلى ذلكَ الشَّيءِ الَّذي يَملِكُ القُدرةَ على التَّغلغُل. ويَجوزُ استخدامُها كتَشبيهٍ لذلك الشَّيءِ الَّذي يُؤثِّرُ تأثيرًا إيجابيًّا بِقدرِ ما يَجوزُ استخدامُها كتشبيهٍ لذلك الشَّيءِ الَّذي يُؤثِّرُ تأثيرًا سَلبيًّا بالرَّغمِ مِن حقيقةِ أنَّها رُبَّما لم تُستخدَم في أيِّ مَوضعٍ آخرَ في العهدِ الجديدِ كتشبيهٍ لشيءٍ يُؤثِّرُ تأثيرًا إيجابيًّا. هل تَفهمونَ ما أقول؟ فما يَزالُ الرَّبُّ قادرًا على استخدامِها مَرَّةً واحدةٍ بتلك الطَّريقة. لِذا، لا يَجوزُ أن تُهمِلوا الاستخداماتِ الأخرى.
والآن، اسمَحوا لي أن أذكُرَ لكم سَببًا آخرَ لذلك. انظروا إلى رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الخامس – رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الخامس. وسوفَ أَكتفي بإعطائِكُم فِكرةً قد تُساعدُكم على رُؤيةِ ذلك. العدد 6. يُوَبِّخُ بولسُ كنيسةَ كورِنثوس على خَطيَّتِهم مُستخدِمًا الخَميرةَ كمَثَلٍ إيضاحِيٍّ قائلاً: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ [في العددِ السَّادسِ مِن رسالةِ كورنثوس الأولى والأصحاحِ الخامِس] أَنَّ خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟"
وهذه [ببساطة] جُملة تَجري مَجرى المَثَل. فهو مُجرَّدُ قَولٍ مَأثور. وهو تَشبيهٌ رائعٌ. فحتَّى إن كانَ التَّأثيرُ صَغيرًا جدًّا فإنَّهُ قد يُفسِدُ أمورًا كثيرةً جدًّا. وهناكَ مَثَلٌ شَعبيٌّ مُماثِلٌ لدينا لا يَستخدِمُهُ الكتابُ المقدَّسُ. ومَثَلُنا الشَّعبيُّ هو: "تُفَّاحةٌ فاسِدَةٌ تُفسِدُ [ماذا؟] الصُّندوقَ كُلَّهُ". ولكنَّ مَثَلَنا هذا يَحوي عُنصُرًا إضافيًّا لأنَّهُ يقولُ إنَّ التُّفاحةَ ماذا؟ فاسِدَة. لِذا فإنَّ تأثيرَها سَيِّءٌ.
أمَّا الخَميرةُ فمُحايِدَةٌ. فالأمرُ يَتوقَّفُ على كيفيَّةِ استخدامِنا لها. فالخميرةُ تَجعلُ الخُبزَ أطيب مَذاقًا؛ ولكنَّها قد تُستخدمُ للإشارةِ إلى أيِّ شيءٍ يُحدِثُ تأثيرًا كبيرًا جدًّا مِن بِدايةٍ صَغيرة. فهو تأثيرٌ نافِذ. ولكن انظروا إلى ما يَلي. فهو يُطَبِّقُ ذلكَ في العدد 7. وإليكُم كيفَ يَستخدِمُ التَّشبيه: "إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا". فهناكَ عَجين. أليسَ كذلك؟ وما الَّذي يَتحدَّثُ عنه؟
إنَّهُ يَقول: "أنتُم مؤمنونَ الآن. أنتُم عَجينٌ جَديدٌ". أليسَ كذلك؟ "لا تَضعوا في ذلك العَجين الجديد خَميرةً". والآن، مِن أينَ جاءت تلك الخميرة؟ لقد جاءت مِن عَجينٍ سابِق. أليسَ كذلك؟ لِذا، عندما كُنتُم تَخبُزونَ خُبزًا، أخذتُم قطعةً مِنَ العجينِ ووضعتموها جانبًا وتَركتموها حَتَّى تَختَمِر، ثُمَّ وَضعتموها في ذلك العجينِ الجديد. هل تَعلمونَ ما الَّذي يَقولُهُ بولُس؟ أنتُم خَليقة جديدة في المسيح. لا تَجلِبوا أيَّ شيءٍ مِن حياتِكُم السَّابقة، ولا تَسمَحوا لهُ أن يُؤثِّرَ في تلك الحياة الجديدة. أَتَرَوْنَ ما الَّذي يَقولُهُ؟ إنَّهُ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ رائع!
فهو مَثَلٌ إيضاحِيٌّ عنِ الاستمراريَّة. فهو يَقولُ: "لا تَستمرُّوا في فِعْلِ ذلك لأنَّهُ عندما تَعجِنونَ عَجينًا، أو تَخبُزونَ خُبزًا، فإنَّكم تأخذونَ قِطعةً صغيرةً مِنها وتَستخدمونَها في تَخميرِ العَجينِ الجديد. وهذا هو ما يُسَمَّى لدى الخَبَّازينَ: "المُحَفِّز". أليسَ كذلك؟ فأنتُم تَفعلونَ ذلكَ باستمرار إذْ تَستمرُّونَ في تَخميرِ العَجينِ الجديدِ باستخدامِ قِطعةٍ مِنَ العَجينِ القديم. وَهُوَ يَقول: "تَوقَّفوا عن ذلك، وابتدِئوا بعجينٍ جديد".
وَهُوَ يَقولُ في العدد 8، أو في العدد 7 بالحَرِيّ: "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا. إِذًا لِنُعَيِّدْ". وهو يَتحدَّثُ الآنَ بالمَعنى الرُّوحيِّ. "لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ". والآن، ما المَقصودُ مِن كُلِّ هذا الكلام؟ كُلُّ يَهوديٍّ يَقرأُ هذا الكَلامَ يَفهَمُ مَعناه. فالمسيحُ هو فِصْحُنا. وما مَعنى كَلامِهِ هُنا؟
استَمِعوا إليَّ جَيِّدًا: في سِفْر الخروج والأصحاح الثَّاني عشر [لا حاجة إلى أن تَفتحوا عليه، بل استمعوا وحَسْب]، قالَ اللهُ: "سوفَ تُغادرونَ مِصر. سوفَ أُخرجُكم مِن مِصر، ومِنَ العُبوديَّةِ الَّتي استمرَّت أربعمئة سنة. وعندما تَخرجون، أريدُ منكم أن تَحتفلوا بعيدِ الفِصح". أتَذكرونَ ذلك؟ وسوفَ يأتي مَلاكُ الموتِ. لِذا ضَعوا الدَّمَ على عَتَبَةِ الباب، وهَلُمَّ جَرَّا، لكي تَكونوا في مَأمَن. إذًا، سوفَ يأتي الملاكُ وهَلُمَّ جَرَّا، ويَعبُرُ عنكم. ولكنِّي أريدُ منكم أن تَستمرُّوا في حِفْظِ عيدِ الفِصْحِ تَذكارًا لأنَّ اللهَ المُنعِمَ قد عَبَرَ عنكم ونَجَّاكُم برحمتِه.
والآن، عندما تَحفظونَ عيدَ الفِصح، يجب عليكم أن تَستخدِموا خُبزًا ماذا؟ خُبزًا فَطيرًا. ويجب عليكم أن تَحتفلوا بذلكَ العيد سبعةَ أيَّام وأن تأكُلوا خُبزًا فَطيرًا سبعةَ أيَّام. لماذا؟ نَقرأُ في سِفْر الخُروج 12: 39 عن حقيقةِ أنَّهم اضطُرُّا إلى مُغادرةِ مِصر بسُرعة. عَدا عن ذلك، كانَ هناكَ رَمْزٌ نَجِدُ تَفسيرَهُ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الخامس. وما هو ذلك الرَّمز؟ سوفَ تُغادرونَ مِصر. فها هي مِصر، وأنتُم ستُغادرونَ مِصر. وسوفَ تَصيرونَ شَعبًا جديدًا. وستَذهبونَ إلى أرضٍ مَوعودة.
لا تَصنَعوا خُبزًا مُختمرًا. لماذا؟ لأنَّهُ إن صَنعتُم خُبزًا مُختمرًا هُنا، مِن أينَ ستأتي قِطعةُ العَجينِ المُختمرَة؟ مِنَ الخُبزِ الَّذي صَنَعتُموهُ أين؟ في مِصر. اقطَعوا الحَبل. وكما تَرَوْنَ فقد صارَ الخُبزُ الفَطيرُ رَمزًا للانفصالِ عن مِصر. اقطعوا ذلكَ الحَبل. وبعدَ سبعةِ أيَّام، يُمكنكم أن تَصنعوا خُبزًا مُختَمِرًا مِن جَديد.
ثُمَّ نَقرأُ في سِفْر اللاَّويِّين أنَّهُ عندما يأتي أخيرًا وقتُ الاحتفالِ بعيدِ الخمسين (في سِفْر اللاَّويِّين والأصحاح 23)، قَدِّموا إليَّ ذلكَ الخُبزَ المُختَمِر. والآن، إن كانتِ الخَميرةُ تَرمِزُ إلى الشَّرِّ دائمًا، لا يُعقَلُ أن يُوصيهم اللهُ بتقديمِ خُبزٍ مُختَمِرٍ لَهُ. ولا يُعقَلُ أن يُحَدِّدَ اللهُ استخدامَ الخُبزَ الفَطيرَ بسبعةِ أيَّامٍ فقط لأنَّهُ إن كانتِ الخميرةُ تُشيرُ دائمًا إلى الشَّرِّ، فإنَّ هذا يعني أنَّهُم عاشوا بَقيَّةَ حَياتِهِم يُظهِرونَ احتمالَ اللهِ للشَّرِّ في كُلِّ مَرَّةٍ صَنعوا فيها خُبزًا.
ولكن كما تَرَوْنَ، لقد كانت تلكَ نُقطةُ استمراريَّة. والسَّببُ في أنَّهُ أَوصاهُم بالتَّوقُّفِ عن عَمليَّةِ التَّخميرِ تلك هو أنَّهم كانوا سيبتَدِئونَ بدايةً جديدةً مِن دونِ تأثيرٍ مِصريٍّ. وقد لاقَوْا صُعوبةً بالِغَةً في تَرْكِ مِصر. أليسَ كذلك؟ فقد خَرجوا إلى البَريَّةِ وابتدأوا يَتذمَّرونَ قائِلين: "نُريدُ الْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ وَالثُّومَ". ولا بُدَّ أنَّهم تَعَلَّقوا بتلكَ المأكولاتِ ذاتِ الرَّائِحةِ القَويَّةِ في أثناءِ مَعيشَتِهم في مِصر. وقد أرادوا أن يَرجِعوا وأن يَحصُلوا على كُلِّ تلكَ الأشياءِ الَّتي كانوا يأكُلونَها في مِصر. ولكنَّ الرَّبَّ أرادَ أن يَقطَعَ ذلكَ الحَبل. أتَرَوْن؟ هذه هي النُّقطةُ بأسرِها.
وعندما تأتونَ إلى رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الخامس، تُدركونَ ما يَقول. فبالمَعنى الرُّوحيِّ، المسيحُ هو فِصحُنا. أليسَ كذلك؟ فقد خَلَّصَنا. والآن، بعدَ أن تَمَّ تَخليصُنا مِن حَياتِنا العَتيقةِ وابتدأنا حياةً جديدةً، لا تأخذوا أيًّا مِن تلك الخميرةِ مَعَكُم. لِذا فإنَّ الخميرةَ ليست تَعريفًا للخطيَّةِ، بل إنَّها تُشيرُ إلى التَّأثيراتِ العميقةِ النَّابعةِ مِن حياتِنا السَّابقة. لا تَجعلوا حَياتَكُم الحاضرةَ تَتأثَّر بأشياءٍ مِنَ الماضي.
إذًا فإنَّ الخميرةَ تُشيرُ إلى ذلكَ التَّأثيرِ القويّ. وكما تَعلمونَ، كانَ أحبارُ اليهودِ يَقولونَ أمثالاً عن ذلك. فقد كانَ أحبارُ اليَهودِ يَتحدَّثونَ عن حقيقةِ أنَّ الخَميرةَ ليست سَلبيَّةً بالضَّرورة، بل إنَّها إيجابيَّة. فقد قالَ أحدُ أَحبارِ اليَهود: "السَّلامُ عَظيمٌ حَتَّى إنَّ أهميَّةَ السَّلامِ للأرضِ تُشبِهُ أهميَّةَ الخَميرةِ للعَجين". وكما تَرَوْنَ، لقد استخدموها بمَعنىً إيجابيّ. فقد كانت مَضْرِبَ الأمثالِ ويُمكِنُ أن تُستخَدمَ بأيَّة طَريقة.
ورُبَّما تَرغبونَ في مَعرفةِ شيءٍ مُدهشٍ صغيرٍ آخر. عندما كانت ابنةُ امرأةٍ يَهوديَّةٍ تَتزوَّج، كانتِ الأُمُّ تُقَدِّمُ لابنَتِها هَدايا. وواحدةٌ مِنَ الهَدايا الَّتي كانتِ الأُمُّ تُقَدِّمُها لابنتِها اليَهوديَّةِ هي قِطعة صَغيرة مِنَ العَجين مِن آخرِ عَجينةٍ صَنَعَتْها قبلَ الزَّواج. وكانَ ينبغي للفتاةِ أن تَعْجِنَ أوَّلَ عَجْينَةٍ لها بعدَ زَواجِها باستخدامِ تلكَ القِطعةِ المُختمرةِ الَّتي أَهْدَتها إيَّاها أُمُّها. وإلى ماذا كانَت تَرمِزُ تلكَ القِطعة؟ كانت تَرمِزُ إلى أَحَرِّ أُمنياتِ الخيرِ والتَّوفيقِ والبَرَكةِ مِن تلكَ العائلةِ إلى العائلةِ الجديدة. وقد كانَت أُمنيةِ إنجابِ نَسْلٍ بَارٍّ تَنتقلُ إلى الجيلِ القادِمِ ويُرمَزُ إليها بتلكَ العادةِ اليهوديَّةِ البسيطةِ جدًّا المُتَمَثِّلة في تَقديمِ قِطعةِ عَجينٍ مُختمرة إلى الابنة. فهي تُشيرُ إلى الاستمراريَّة هُنا.
وكُلُّ ما أقولُهُ هو أنَّ طريقةَ استخدامِ الخَميرةِ في الكتابِ المقدَّسِ واسعة جدًّا. وهي مَثَلٌ رائعٌ جدًّا على التَّأثيرِ القويّ. لِذا فإنَّنا نَرى أنَّ رَبَّنا يَستخدِمُها [في اعتقادي] بنفسِ تلك الطَّريقةِ هنا. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّها تُستخدَمُ في العهدِ الجديدِ للإشارةِ إلى الشَّرِّ وتأثيرِها القويِّ، ولكن هل نقولُ إنَّ اللهَ لا يَستطيعُ أن يَستخدِمَها أيضًا للإشارةِ إلى تأثيرِ الخير؟ لا سِيَّما عندما يَقول: "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً"، ولا سِيَّما عندما تُستخدَمُ في مَثَلَيْنِ مِنَ الواضحِ أنَّهُما يَهدفانِ إلى الإشارةِ إلى أنَّ قُوَّةَ المَلكوتِ تَفوقُ تأثيرَ الشَّرِّ المُشار إليهِ في المَثَلَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني.
وقد قالَ "وليام آرنو" (William Arnot) كلماتٍ رائعة جدًّا بهذا الشَّأن. فقد قالَ ما يَلي: "كانَ هذا المُعَلِّمُ يَتَحَلَّى بالشَّجاعَةِ الَّتي تَليقُ بِإلَهٍ كُلِّيِّ السِّيادةِ حَتَّى إنَّهُ استخدَمَ مَثَلاً شَعبيًّا للتَّدليلِ على استراتيجيَّاتِ العَدُوِّ النَّاجحة، وخَتَمَ المَعدِنَ بِصُورةِ ونَقْشِ المَلِكِ صَاحِبِ المُلْك. فالشَّرُّ يَنتشرُ كالخَميرة. وأنتُم تَرتَجِفونَ أمامَ تَقَدُّمِهِ الخَفِيِّ وقَبضَتِهِ الَّتي لا تَلين.
ولكن افرحوا، يا تَلاميذَ يَسوع، لأنَّ الَّذي مَعَكُم أقوى مِنَ الَّذي عَليكم. فكلمةُ الحياةِ المُخَبَّأة في العالَمِ، والمُخَبَّأة في القُلوبِ المُؤمِنة هي خَميرة أيضًا. وَمَسْحَةُ القُدُّوسِ أقوى وأكثر نَفاذًا وسُلطانًا مِنَ الخطيَّةِ والشَّيطان. فحيثُما كَثُرت الخطيَّة، ازدادتِ النِّعمةُ جدًّا" [نِهايةُ الاقتباس].
وما يَقولُهُ رائعٌ جدًّا. فهو يقولُ إنَّ يَسوعَ كانَ يَعلمُ أنَّهُم فَهِموا تَشبيهَ الخَميرةِ فيما يَختصُّ بالشَّرّ، وأنَّهُم أدركوا الانتشارَ الهائلَ للشَّرّ. ولم يَكُن هناكَ شيءٌ أفضل مِن أن يَستخدِمَ شَيئًا يَفهمونَهُ وأن يَقول: "وهذا هو تَمامًا مِقدارُ سُرعةِ وقُوَّةِ ونُفوذِ المَلكوت". وقد أَبدَعَ حَقًّا في تَصويرِ الحَقِّ المُختصِّ بامتدادِ المَلكوت.
لِذا فإنَّ الخَميرةَ هي المَلكوتُ في العالَم. والعَجينَةُ الكبيرةُ هي العالَم. وهي تَبتدئُ مِنَ الدَّاخلِ بتَشكيلِ الفُقاعاتِ والتَّخمُّر. وكما تَعلمونَ فإنَّ المَسيحيَّةَ تُؤرِقُ العالَمَ بِمَعنىً مِنَ المَعاني. أليسَ كذلك؟ فهي تُؤثِّرُ فيهِ للخَيرِ. ولكنَّ العالَمَ لا يُطيقُ ذلكَ أحيانًا. وأنا أُفَكِّرُ دائمًا فيما قالَهُ آخآبُ عندما ظَهَرَ إيليَّا ورآهُ وَجهًا لِوجه فقال: "أَأَنْتَ هُوَ مُكَدِّرُ إِسْرَائِيلَ؟" وقد كانت هذه هي دائمًا رَدَّةُ فِعلِ العالَمِ تُجاهَ أنبياءِ الله.
ففي تَسالونيكي قالوا: "إِنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمَسْكُونَةَ حَضَرُوا إِلَى ههُنَا أَيْضًا". وفي فيلبِّي قَالوا: "هذَانِ الرَّجُلاَنِ يَهودِيَّانِ، وَهُما يُبَلْبِلاَنِ مَدِينَتَنَا". وهذا جَيِّد! فنحنُ نُزعِجُ النَّاسَ مُنذُ ألفَي سَنَة. ولكن أليستِ النَّتائجُ مُذهلة؟
فقد ابتدأَ الأمرُ بمئةٍ وعِشرينَ تِلميذًا اجتمعوا في أورُشليم. ولكن انظروا إلى عَدَدِ المسيحيِّينَ اليوم! فهناكَ مَلايينُ الأشخاصِ على وَجهِ الأرضِ تأثَّروا بالمسيحيَّة. المَلايين. حَتَّى إنَّ كُلَّ تَقدُّمٍ على الصَّعيدِ الاجتماعِيِّ، وكُلَّ أنظمةٍ قانونيَّةٍ وقَضائيَّةٍ، وكُلَّ بَرامِجِ المُساعَداتِ والبَرامِجِ التَّعليميَّةِ والفَنِّ والمُوسيقا وكُلَّ شيءٍ يَعكِسُ تأثيرَ المَسيحيَّة.
وكُلُّ جَمعيَّاتِ الرِّعايةِ والإحسان، وكُلُّ تلكَ المؤسَّساتِ الَّتي تُساعِدُ الفُقراءَ وتُقدِّمُ المَعونةَ للأشخاصِ المَكروبينَ والمُحبَطينَ وما إلى ذلكَ نَبَعَت مِن رُوحِ المسيحِ ووُضِعَت في قُلوبِ شَعبِهِ بِوَصفِهم خَميرةً في العالَم. وإن لم تُصَدِّقوا ذلكَ، اذهبوا إلى البُلدانِ الَّتي لم تَعرِف يَومًا لَمسةَ المَسيحيَّةِ وانظروا كيفَ يُعامِلونَ النَّاس.
فالعالَمُ قدِ اختَمَرَ وتأثَّرَ كثيرًا جدًّا وبطريقةٍ هائلة. ويا لَهُ مِن مَثَلٍ يَبعَثُ على الأملِ والرَّجاء للتَّلاميذِ الَّذينَ كانوا مُحْبَطينَ جدًّا وقَلِقينَ مِن أنَّ الرَّبَّ لن يُؤسِّسَ المَلكوتَ بِملئِه. فما الَّذي سيَحدُثُ بهذه المَجموعةِ الصَّغيرةِ جدًّا؟ وهذا صحيح؛ ولكنَّهُ يَقول: "أنتُم مِثلَ الخَميرة. فسوفَ تُحدِثونَ فُقاعاتٍ، وتَختَمِرونَ، وتُؤثِّرون. وسُرعانَ ما ستؤثِّرونَ بقوَّة في العالَمِ كُلِّه".
أمَّا الدَّرسُ الثَّاني فهو أنَّ التَّأثيرَ الإيجابيَّ للمَلكوتِ يأتي مِنَ الدَّاخل. فهو يأتي مِنَ الدَّاخل. فلا بُدَّ أن يَضَعَ اللهُ خَميرَتَهُ في العالَم. والسَّببُ الَّذي يَدفَعُهُ إلى تَرْكِ المؤمنينَ وغيرِ المُؤمِنينَ يَنموان معًا هو أن يَكونَ لنا تأثير. فهذا هو الوقتُ الَّذي يَخلُصُ فيهِ البَشر. وهذا هو الوقتُ الَّذي تَعمَلُ فيهِ المَسيحيَّةُ عَمَلَها. فالعالَمُ... ورُبَّما لا تُفَكِّرونَ في الأمرِ بهذه الطَّريقة؛ ولكنَّ العالَمَ قد حُقِنَ بالحَياةِ الأبديَّةِ. وهي تَنتَشِر.
وأنا أُفَكِّرُ في قِطعةِ العَجينِ الصَّغيرةِ المُختمرةِ تلكَ الَّتي زُرِعَت وقتَ التَّجَسُّد؛ أي في ذلك الصَّبيِّ الصَّغيرِ الَّذي وُلِدَ في بيتِ لحم. فتلكَ الخَميرةُ الصَّغيرةُ الَّتي وُضِعَت في العالَم ستُهيمِنُ في النِّهاية على العالَم. ففي النِّهاية، سوفَ تَنحَني كُلُّ رُكبة. وها نَحنُ امتداداتٌ لتلكَ الحياةِ الأبديَّةِ نَفسِها. فالمسيحُ يَحيا فِيَّ. فالحياةُ الَّتي أَحياها إنَّما أحياها بالإيمانِ بابنِ اللهِ الَّذي أحَبَّني وأَسْلَمَ نَفسَهُ لأجلي. "فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَل [ماذا؟] الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ".
فحياةُ المَسيحِ فِيَّ مَوجودة في العالَم وتَختَمِر، وتَختَمِر، وتَختَمِر. والتَّأثيرُ يَنتقلُ ويَنتقلُ ويَنتقل. وهذا مُدهش. فهو يَحدُثُ مِنَ الدَّاخل. ونحنُ لسنا بحاجةٍ إلى مَنصِبٍ سِياسيٍّ للقيامِ بذلك. فنحنُ لسنا بحاجةٍ إلى أن نكونَ رَئيسَ الوِلاياتِ المُتَّحدة. ونحنُ لسنا بحاجةٍ إلى أن نكونَ في الحُكومةِ للقيامِ بذلك. ونحنُ لسنا بحاجة إلى التَّشريعاتِ والأسلحةِ والجُنودِ والزَّحفِ والهَيمنةِ على العالَمِ مِن خلالِ المَسيحيَّة. لا، لا؛ بل يُمكنُنا أن نَبتدئَ بالتَّحرُّكِ مِن بدايةٍ صَغيرة.
وأنا أُفَكِّرُ في أوَّلِ شَريطٍ سَجَّلناه، وكيفَ تَقدَّمنا مِن شَريطٍ إلى آخر باستخدامِ جِهازَيِّ تَسجيلٍ إذْ كُنَّا نَنسَخُ الأشرطةَ واحدًا واحدًا. وكانَ نَسْخُ كُلِّ شريطٍ يَستغرِقُ ساعةً كاملة... لكُلِّ شَريط. أمَّا الآن، فإنَّنا نَنسَخُ كُلَّ بِضعة أشهُر مَليونَ نُسخةٍ مِنها. فقد كانتِ البدايةُ صَغيرةً. أمَّا التَّأثيرُ فهائل إذْ إنَّهُ يَتغَلغَلُ، ويَتغلغَلُ، ويَتغلغَل. وكما تَعلمونَ، لقد أَنْتَجْنا ذلكَ الفيلم عنِ العائلة؛ وهذه مُلاحظة وَحَسْب. وقد أرسَلنا رسالةً إلى الرُّعاةِ نَسألُهم فيها إن كانوا يَرغبونَ في طَلَبِ نُسَخٍ مِنَ الفيلم.
وقد أخبرَنا القائمونَ على هذا العَمل في قِسْمِ إنتاجِ الأفلامِ في مَعهد مودي (Moody Institutes Films) أنَّهُم تَلَقَّوْا ثلاثةَ آلافِ طَلَبٍ في الأسبوعِ الأوَّل. إنَّها فُرصةٌ رائعةٌ للتَّأثير. ثلاثةُ آلافِ كنيسةٍ مُختلفة في أسبوعٍ واحد. وهذا فقط في الأسبوعِ الأوَّل. فَمِنَ المُذهِلِ أن نَرى كَم أنَّ المسيحيَّةَ تُحدِثُ تأثيرًا! وكما تَعلمونَ فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّهُ قبلَ عَودةِ الرَّبِّ [في إنجيل مَتَّى 24: 14]: "يُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَة". فسوفَ يَمتدُّ، ويَتَغلغَلُ في كُلِّ شيء. وأخيرًا، سوفَ يأتي رَبُّنا ويُؤسِّس مَلكوتَهُ.
واسمَحوا لي أن أَختِمَ بالأفكارِ التَّالية، وهذا رائع. هل تَعلمونَ إلى أينَ وَصلتِ المسيحيَّةُ بعدَ بِداياتِها المُتواضِعَةِ تلك؟ وأنا أُدركُ أنَّهُ ليسَ كُلُّ مَن يَسَمِّي باسمِ المسيحِ هو مَسيحيّ، ولكنَّ الرِّسالةَ انتشرت على أقلِّ تَقدير. والنَّاسُ يَعلمونَ ما هي ويَتآوونَ في أغصانِها. فَهُم يَسكُنونَ فيها ويَتقدَّسونَ [كما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى 7: 14] بوجودِ المسيحيَّةِ في العالَم.
ولكنَّ آخِرَ الإحصائيَّاتِ تُشيرُ إلى أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَقولونَ إنَّهُم مَسيحيُّون في العالم هُم أكثرُ مِن أيَّة ديانة أخرى على وَجهِ الأرض. فهناكَ مِليارٌ ومئةٌ وخمسونَ مَليونِ شخصٍ يَقولونَ عن أنفسهم إنَّهم مَسيحيُّون. ويأتي بعدَ ذلك الإسلام الَّذي يَبلُغُ عددُ أتباعِهِ 750 مَليون شخص. فواحدٌ مِن أصلِ كُلِّ ثلاثة أشخاص يَقولُ عن نَفسِهِ إنَّهُ مَسيحيّ. وهذا مُذهل! إنَّهُ التَّأثير!
ولا شَكَّ أنَّ الأمورَ ليست على ما يُرام هُنا وهناك، ولكن بالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ المَلكوتَ يَنتشرُ في كُلِّ العالَم. وكلمةُ رَبِّنا صَادقة. وهناكَ ثمانونَ ألفَ مُرْسَلٍ في الأرض يُنادونَ بالمسيحيَّة. وقد فُتِحَ بابُ الصِّين. هل تُريدونَ أن تَسمعوا إحصائيَّةً مُدهشة؟ يُقَدِّرونَ الآنَ أنَّهُ يوجدُ نِصفُ مَليون كنيسة بَيتيَّة تَجتمع في الصِّين الشُّيوعيَّة، وأنَّهُ يوجد ما بين 25-50 مَليون مَسيحيِّ في الصِّينِ وَحدِها.
ونحنُ نُفكِّرُ في كُوبا، وكاسترو، والشُّيوعيَّة، وكُلِّ ذلك. فهناك طَوائف مسيحيَّة كثيرة اليوم تَعملُ في كُوبا. فالكنيسةُ حَيَّة هناك. ويُقَدِّرُ أُناسٌ أنَّ ثلاثةً وسِتِّينَ ألفَ شخصٍ يَقبلونَ المسيحيَّةَ كُلَّ يوم، وأنَّ ألفًا وسِتُّمئة كنيسة جديدة تُزرَعُ في كُلِّ أسبوع.
هل تُدركونَ أنَّهُ عندما كانتِ الكنيسةُ تَجتمعُ في أورُشليم، فإنَّ سَبعةَ سِنينَ انقضَت قبلَ أن يُؤسِّسوا أوَّلَ كنيسة إرساليَّة في أنطاكِيَة؟ والآن، هناكَ ألفٌ وسِتُّمئة كنيسة تُؤسَّسُ كُلَّ أسبوع! وخَمسٌ وتِسعونَ بالمئة مِن سُكَّانِ العالَمِ يَملِكونَ كُلَّ الكتابِ المقدَّسِ أو أجزاءٍ مِنهُ بلُغتِهم. وتِسعونَ بالمئة مِن كُلِّ القبائلِ الموجودةِ على وَجهِ الأرضِ أُتيحت لها فُرصةُ سَماعِ إنجيلِ يسوعَ المسيح. أليسَ هذا الأمرُ مُدهشًا؟ إنَّهُ تأثيرُ المَسيحيَّة!
لِذا، بالرَّغمِ مِنَ الأعشابِ الضَّارة، وبالرَّغمِ مِنَ الطُّيورِ الَّتي تَخطَفُ الزَّرعَ، وبالرَّغمِ مِن أَشِعَّةِ الشَّمسِ الحارقةِ المُمَثَّلَة في الاضطهاد، هناكَ تُربةٌ جَيِّدة. وبالرَّغمِ مِن وُجودِ الزَّوان فإنَّ الحِنطةَ مَا تَزالُ تَنمو. وبالرَّغمِ مِن كُلِّ هذه المُقاومةِ الشرِّيرة فإنَّ حَبَّةَ الخَردلِ تَنمو، والخَميرةَ تَعمَلُ عَمَلَها.
وهذا يُلَخِّصُ حَقًّا ما قالَهُ رَبُّنا. ففي إنجيل مَتَّى 16: 18 قالَ ما يَلي: "أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا". أليسَت هذهِ كلماتٌ واثقة؟ فالمسيحُ يَبني مَلكوتَهُ. وسوفَ يأتي اليومُ الَّذي يَبلُغُ فيهِ كُلُّ شيءٍ الذُّروة. وهذا كُلُّهُ مُشارٌ إليهِ في سِفْر الرُّؤيا. وقد قَرأتُ ذلكَ لكم: "ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ".
هذا هو ما سيَحدُثُ في النِّهاية. فالمسيحيَّةُ ستَنتصِر. ويسوعُ سيَملِك. والشَّرُّ سيَفنَى. والأشرارُ سيُطرَحونَ في جَهنَّمَ الأبديَّة. والمَلكوتُ سيأتي بمِلئِهِ الكامِل. ويا لهُ مِن مَثَلٍ مُفعَمٍ بالأملِ والرَّجاء! وفي المَرَّة القادمة، سوفَ نَرى كيفَ يُمكنُنا أنا وأنتُم أن نَقبلَ المَلكوتَ شَخصيًّا في حياتِنا. دَعونا نَنحني معًا حَتَّى نُصَلِّي:
يا أبانا، نحنُ نَعلمُ أنَّكَ قَدَّمتَ لنا في إعلانِكَ حَقًّا عَميقًا، وحَقًّا أبديًّا. فقد أعطيتَنا مَا يَخرُجُ مِن فِكْرِ اللهِ غيرِ المَحدود. نَشكُرُكَ لأنَّكَ وَضعتَ ذلكَ بعباراتٍ بسيطةٍ يُمكنُنا أن نَفهمَها. ونَشكُرُكَ على الرَّجاءِ بأنَّ مَلكوتَكَ يَسيرُ نَحوَ النَّصرِ بالرَّغمِ مِن كُلِّ المُقاومةِ الَّتي في العالَم.
يا أبانا، أُصَلِّي أن يكونَ كُلُّ شخصٍ في هذا المَكانِ جُزءًا مِن ذلكَ المَلكوت، وألاَّ يَعرِفُ أيٌّ مِنَّا البُكاءَ والعَويلَ وصَريرَ الأسنانِ في جَهنَّمَ الأبديَّة في مَلكوتِ الظُّلمةِ لأنَّهم سيأتونَ إليكَ مِن خلالِ المسيح. نَشكُرُكَ يا أبانا على حِفْظِكَ لكَلِمَتِك. فقد قالَ يسوعُ إنَّها ستَنمو. وقد نَمَت حقًّا. فكلامُهُ جَديرٌ بالثِّقة. ونَشكُرُكَ لأنَّنا نَستطيعُ أن نَستَنِدَ في مَصيرِنا الأبديِّ على صِدْقِها. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
