نحنُ فَرِحونَ في هذا الصَّباح بعودتِنا إلى دراسةِ الأمثالِ الواردةِ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّالث عشر. وفي هذا الصَّباح، سوفَ نَتأمَّلُ في مَثَلَيْنِ عَلَّمَهُما رَبُّنا؛ وهُما مَثلانِ قَصيرانِ جدًّا ويُمكنُنا أن نَتأمَّلَ في كِليهِما معًا. وهُما يَتحدَّثانِ عن نفسِ الموضوع. إنجيل مَتَّى 13 والأعداد مِن 44 إلى 46. إنجيل مَتَّى 13 والأعداد مِن 44-46.
فقد قالَ الرَّبُّ: "أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ كَنْزًا مُخْفىً فِي حَقْل، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى ذلِكَ الْحَقْلَ. أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا".
والآن، إن أردنا أن نُلَخِّصَ مَعنى هَذينِ المَثَلَيْن، يُمكننا أن نُلَخِّصهُما تحتَ العُنوان: "القيمةُ الَّتي لا تُضاهَى للمَلَكوت". القيمةُ الَّتي لا تُضاهَى للمَلَكوت. وقد كَتَبَ القِدِّيسُ العَجوزُ العَظيمُ "توماس غَثري" (Thomas Guthrie) ذاتَ مَرَّةٍ عن قيمةِ المَلكوتِ، أو عن قيمةِ الخلاصِ فقالَ ما يَلي: "في ضَوْءِ حَقيقةِ أنَّ دَمَ المَسيحِ يَغسِلُ أصعبَ بُقَعِ الخطيَّة، وفي ضَوْءِ حَقيقةِ أنَّ نِعمةَ اللهِ تُطَهِّرُ أَشَرَّ قَلبٍ، وأنَّ سَلامَهُ يُهَدِّئُ أَعْتَى عواصفِ الحياةِ، وأنَّ رَجاءَهُ يُعطي الأملَ في أَحْلَكِ ساعاتِ الشُّعورِ بالذَّنب، وأنَّ شَجاعَتَهُ تَتَحَدَّى الموتَ وتَصْعَدُ بهدوءٍ مِنَ القَبر، وأنَّهُ يَجعَلُ أفقرَ النَّاسِ أغنياء، وأنَّ الأغنياءَ مِن دونِهِ هُم فُقراءُ حقًّا، فإنَّ الإنجيلَ كَنْزٌ أعظمُ مِن كُلِّ كُنوزِ الشَّرقِ والغَرب. ومُكافآتُهُ أثمنُ مِن كُلِّ مَناجِمِ الذَّهَب".
وما يَقولُهُ هو ما يَقولُهُ رَبُّنا. فلا يوجد شيء في كُلِّ الكَون يُماثِلُ القيمةَ الَّتي لا تُضاهَى للمَلكوت. وهذا هو ما سنُحاولُ أن نَراهُ في أثناءِ تأمُّلِنا مَعًا في هَذَيْنِ المَثَلَيْن. والآن، تَذَكَّروا ما يَلي: أنَّ الرَّبَّ يُعَلِّمُ في هذا الأصحاحِ مِن خلالِ سِلسلةٍ مِنَ الأمثال؛ وهي سَبعةُ أمثالٍ تَحديدًا. وهذه هي طَريقَتُهُ في وَصفِ المَلكوت. فاللهُ يَسودُ على الكَونِ كُلِّهِ. واللهُ يَسودُ لأنَّ مَلكوتَهُ قائمٌ في هذا الكَونِ على هذهِ الأرض.
فطَوالَ فترةِ وُجودِ هذهِ الأرض، كانَ اللهُ وما زالَ يَحكُمُها. والشَّكلُ الَّذي يَعمَلُ فيهِ ذلك الحُكْم يَختلف مِن وقتٍ إلى آخَر. فقد يُمارِسُ اللهُ حُكمَهُ على الأرضِ مِن خِلالِ آباءٍ. وقد يُمارِسُ حُكمَهُ على الأرضِ مِن خلالِ أنبياء أو كَهَنة أو مُلوك. وقد يُمارِسُ حُكمَهُ على الأرضِ مِن خِلالِ حُضورِ الربِّ يسوعَ المسيحِ المُتَجسِّد (كما فَعلَ عندما عاشَ هُنا طَوالَ تلكَ السَّنواتِ الثَّلاثِ والثَّلاثين).
وقد يُمارِسُ حُكمَهُ على الأرضِ مِن خلالِ الرُّسُل، ومِن خلالِ الكنيسةِ الحَيَّةِ كما يَفعلُ اليوم. ولكن في كُلِّ لَحظةٍ مِن تاريخِ الأرضِ نَجِدُ أنَّ اللهَ هُوَ السَّيِّد. لِذا فإنَّنا نَعيشُ الآنَ في شَكلٍ مِن أشكالِ مَلكوتِ اللهِ على الأرض. وهو يُسَمَّى "مَلكوت السَّموات" هُنا في إنجيل مَتَّى والأصحاح 13. وفي هذا المَقطَع يَصِفُ الرَّبُّ لنا طَبيعةَ حُكْمِ اللهِ على الأرضِ في هذا الدَّهر؛ أي في الوقتِ المُمتدِّ مِن رَفضِ المسيحِ إلى عَودةِ المسيح.
والآن، في هذه السِّلسلةِ المُؤلَّفةِ مِن سَبْعةِ أمثال، يُمكنُنا أن نُلقي نَظرةً على هذه الفترة. فأوَّلُ مَثَلَيْنِ يُخبرانَا عن طَبيعةِ الشَّكلِ السِّرِّيِّ للملكوتِ (كما يُسَمَّى). أي هذا الجُزءُ مِنَ المَلكوتِ الَّذي أُخْفِيَ عن تلكَ الأجيالِ السَّابقةِ وأُعلِنَ الآنَ لنا. فَهُوَ سِرٌّ تَمَّ الكَشْفُ عنه. ويُمكنُنا أن نَرى، بادئَ بَدْءٍ، أنَّ طَبيعةَ هذا المَلكوتِ مَوصوفَة في مَثَلَيْن.
فَمَثَلُ التُّربةِ يُخبرُنا أنَّهُ يوجدُ في هذا المَلكوتِ أُناسٌ يُؤمنونَ وأُناسٌ لا يُؤمنون. لِذا فإنَّ هذا الجُزءَ مِنَ المَلكوتِ يَضُمُّ مُؤمنينَ وغيرَ مُؤمِنين. وفي المَثَلِ الثَّاني الَّذي هو مَثَلُ الحِنطةِ والزَّوان، نَجِدُ أنَّ المؤمنينَ وغيرَ المؤمنينَ سيَنمونَ معًا إلى أن يأتي الحَصادُ في النِّهاية. لِذا فإنَّ طَبيعةَ المَلكوتِ هي أنَّهُ يَضُمُّ خَيرًا وشَرًّا. والأشرارُ هُم ليسوا حَقًّا أعضاءَ في المَلكوتِ، ولكنَّهم يُوجَدونَ في إطارِ سِيادَةِ اللهِ لأنَّهُ يَسودُ في هذا الوقتِ في العالَم.
أمَّا المَثلانِ الثَّالث والرَّابع (إذْ إنَّ هذهِ الأمثالِ تأتي مُزدوجة)، يَتحدَّثُ المَثَلانِ الثَّالثُ والرَّابعُ عن قُوَّةِ المَلكوت. فبالرَّغمِ مِن حَقيقةِ أنَّ الخَيرَ والشَّرَّ يَنموانِ معًا فإنَّ الخيرَ سيَنتصرُ في النِّهاية. لِذا فإنَّنا نَرى عُنصُرَ الخيرِ في المَلكوتِ في هذا العالَمِ الشِّرِّيرِ يُشَبَّهُ أوَّلاً بحبَّةِ خَردَل زُرِعَت في الحَقل. وهي تَنمو وتصير شَجرة كبيرة. إذًا، معَ أنَّ المَلكوتَ ابتدأَ صَغيرًا جدًّا بمجموعةِ الرُّسُل، عندما يأتي يسوعُ لتأسيسِ مَلكوتِهِ فإنَّهُ سيَملأُ الأرضَ كُلَّها.
ثُمَّ إنَّ هُناكَ مَثَل الخَميرة الَّذي قَالَ بصورةٍ رَئيسيَّةٍ الشَّيءَ نَفسَهُ. فالخميرةُ تَرمِزُ إلى المَلكوت، وهي مُخَبَّأة في عَجينَةِ العالَم وسَتَتَغلغَلُ فيهِ في النِّهاية وتُؤثِّر في الأرضِ كُلِّها. ويُبَيِّنُ مَثَلُ الخميرةِ التَّأثيرَ الدَّاخليَّ النَّافِذَ للملكوتِ الَّذي يَلمَسُ كُلَّ بُعدٍ مِن أبعادِ الحياةِ البَشريَّة.
لِذا، نَرى إذًا طَبيعةَ المَلكوتِ، ونَرى قُوَّةَ المَلكوت. ولكن في هذهِ الأمثالِ الأربعةِ، نُلاحظُ أنَّنا نَنظُرُ إلى المَلكوتِ نَظرةً عامَّةً. فنحنُ نَنظُرُ إليهِ مِن أعلى ونَرى كيفَ يَعمل ويؤثِّر؛ ولكنَّنا لم نَقُل شيئًا عن كيفيَّةِ قَبولِنا لهُ شَخصيًّا. لِذا، سوفَ نَجِدُ السُّؤالَ التَّالي يُطرَحُ في هذهِ النُّقطة: إن كانَ المَلكوتُ يُغَطِّي الأرضَ ويَنفَذُ إلى الأرضِ ويَؤثِّرُ في الأرض، هل نُولَدُ وَحَسْب في المَلكوت؟ فهل هذا يُشبِهُ كَونَ المَرءِ يَهوديًّا؟ فهل تُولَدُ وَحَسْب في شَعبِ العَهد؟ هل هذا هو ما يَحدُث؟ هل تُولَدُ وَحَسْب في المَلكوتِ مِن خلالِ الانتماءِ إلى أبَوَيْنِ يَنتميانِ إلى الكنيسة؟
لِذا فإنَّ رَبَّنا يُريدُ أن يَتحدَّثَ في هذينِ المَثَلَيْنِ عن قَبولِ المَلكوت. فهناكَ طَبيعةُ المَلكوت، وقُوَّةُ المَلكوت، وقَبول المَلكوت. وهذانِ المَثلانِ، كما هي حالُ الأمثالِ الأربعةِ السَّابقةِ، يَتحدَّثانِ عن نفسِ الموضوع. والآن، لِنَنظُر أوَّلاً إلى المَثَلَيْنِ، ثُمَّ إلى المَبادئِ الَّتي نَتَعَلَّمُها مِنهُما. والمُخَطَّطُ بسيطٌ جدًّا. فسوفَ نَقرأُ المَثَلَيْنِ ثُمَّ نَتعلَّمُ تلكَ المَبادئ.
والآن، لنقرأ المَثَلَيْن. لِنَنظُر أوَّلاً إلى العدد 44. الأوَّلُ هو مَثَل الكَنزُ المُخفَى؛ وهي قصَّة بسيطة جدًّا: "أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ كَنْزًا مُخْفىً فِي حَقْل، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى ذلِكَ الْحَقْلَ". وقد كانت هذه القصَّة مألوفة جدًّا للنَّاسِ الَّذينَ يَعيشونَ في زَمَنِ رَبِّنا؛ ولكنَّها ليست كذلكَ بالنِّسبة إلينا. فنحنُ نَضَعُ أموالَنا في حِساباتِ تَوفيرٍ وحساباتِ ائتِمان، أو نَضَعُ أموالَنا في المَصارِف، أو نَضَعُ أموالَنا في أسهُمٍ أو سَنداتٍ أو أوراقٍ مَاليَّة، أو في العَقاراتِ أو في أيِّ شيءٍ آخر – في أيِّ شيءٍ آخر إن كُنَّا نَملِكُ مَالاً نَضَعُهُ في مَكانٍ مَا.
ولكِن في تلك الأيَّام، لم تَكُن لديهم مَصارِفُ لاستخدامِ الأشخاصِ العاديِّين. ولم تَكُنِ المَصارِفُ بالضَّرورة أماكِنَ جَيِّدة لوضعِ المالِ فيها. لِذا، كانَ الشَّيءُ المُتعارَفُ عليه هو أن يأخُذَ النَّاسُ الأشياءَ القَيِّمة جدًّا في نَظرِهم ويَدفِنوها في الأرض. وكانَ هذا الأمرُ شائعًا بصورةٍ خاصَّةٍ في فِلَسطين لأنَّ فِلَسطينَ كانت مَكانًا تَكثُرُ فيهِ الحُروب. فقد كانت أرضَ مَعركة. وتاريخُها حَافِلٌ حَقًّا بِسِجِّل المَعارِكِ المَعركةَ تِلو الأخرى، والحَربَ تِلو الأخرى.
وكانَت توجدُ شُعوبٌ غَازِيَة، وأشخاصٌ يأتونَ ليَسرُقوا ويَنهَبوا ويَسلُبوا. لِذا، غالبًا عندما كانت تَلوحُ مَعركةٌ في الأُفُق، كانَ النَّاسُ يأخذونَ أشياءَهُم الثَّمينةَ مِن بُيوتِهم، ويَحمِلوها إلى الحَقلِ، إلى مَكانٍ يَعرِفونَهُ جيِّدًا ويُمكنهم أن يَستَدِلُّوا عليهِ مَرَّةٍ أخرى، ويَدفِنونَ تلكَ الأشياءَ في الأرض. فقد كانوا يَفعلونَ هذا الأمرَ كثيرًا جدًّا. لِذا، كانتِ الأرضُ مُستودَعًا بِكُلِّ مَا في الكلمةِ مِن مَعنى.
لِذا، نَقرأُ هنا عن رَجُلٍ في الحَقل. ونحنُ لا نَعلمُ سِوى أنَّهُ كانَ يَعملُ في الحقلِ أو كانَ مَوجودًا لسببِ أو لآخرَ في ذلكَ الحَقلِ الَّذي هو مِلْكٌ لشخصٍ آخر. ورُبَّما كانَ أجيرًا عندَ صَاحِبِ الحَقل. وبينما كانَ يَعملُ في الحَقلِ إذْ رُبَّما كانَ يَحرُثُهُ أو يَفْلَحُ الأرضَ أو يَفعلُ شَيئًا آخر، وَجَدَ كَنزًا مَدفونًا في الأرض. وقد أَخفاهُ حالاً في المَكانِ الَّذي وَجَدَهُ فيهِ وباعَ كُلَّ شيءٍ يَملِكُهُ في العالَمِ، وعَمِلَ على تَصفيةِ كُلِّ ما لَهُ واشترى ذلكَ الحَقلَ لكي يَحصُلَ على ذلكَ الكَنز.
ولم يَكُن مِنَ العَجيبِ أن يَعثُرَ على شيءٍ في الحَقل. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 25، يَحكي رَبُّنا قِصَّةً عن رَجُلٍ أَعطَى وَزَناتٍ لعبيدِهِ. أَتَذكرونَ ذلك؟ وقد أخذَ العَبدان الأوَّل والثَّاني الوَزَناتِ الخَمس والوَزنتان وضاعَفوها. أمَّا العَبدُ الثَّالثُ الَّذي كانَ خائفًا جدًّا جدًّا مِنَ استثمارِ الوَزْنَة فَطَمَرَها في الأرض.
وهذا يُخبرُنا شيئًا عن رَجُلٍ لم يكن حَكيمًا. فقد كانَ ينبغي أن يَستَثمِرَ وَزْنَتَهُ ويَجني فائدةً بحسبِ قَولِ الرَّبّ. ولكنَّ هذا يُخبرُنا أيضًا أنَّ هذا الفِعْلَ كانَ أمرًا شائعًا يَقومُ بهِ النَّاسُ الَّذينَ لم يَرغبوا في استِثمارِ أموالِهم، بل يَرغبونَ في الاحتفاظِ بها. لِذا فإنَّنا نَرى هذا الرَّجُلَ يَأتي إلى هذا الحَقل ويَجِدُ كَنزًا فيُعيدُهُ إلى مَكانِهِ في الأرض ويَذهبُ ويَشتري الحَقل. وقد كانَ هذا الأمرُ شائعًا جدًّا جدًّا.
وقد قالَ "يُوسيفوس" (Josephus)، وهو مُؤرِّخٌ عاشَ في ذلك الوقت: "كانَ الذَّهبُ والفِضَّةُ وبَقيَّةُ الأشياءِ الثَّمينة الَّتي يَملِكُها اليهودُ ويُقَدِّرونَها تُخَبَّأُ تحتَ الأرضِ مِن أجلِ الاستعدادِ لأهوالِ الحَرب". إذًا، كانَ ذلكَ الأمرُ شائعًا جدًّا جدًّا. وقد كانَ هناكَ أشخاصٌ يَحرثونَ الأرضَ أو يَحفرونَ في الأرضِ لغاياتٍ أخرى فيَجدونَ كَنزًا بينَ الحين والآخر.
وعندَ هذه النُّقطة، يَعرِضُ المَثَلُ مَوقفًا أخلاقيًّا. فالنَّاسُ يَقولون: "انظر! إنَّ هذا الرَّجُلَ لا يَفعلُ الصَّواب. كيفَ يَروي يَسوعُ قِصَّةً تَحوي عُنصرًا غيرَ أخلاقيّ؟ كيفَ يَروي يَسوعُ قِصَّةً يَفعلُ فيها إنسانٌ شيئًا لا يَجوزُ فِعلُه؟ فهذا الرَّجُلُ يَجِدُ كَنزًا، ثُمَّ إنَّهُ يُخفيهِ مِن دونِ أن يُخبرَ صاحِبَ الحَقل. وهو يَمضي ويَشتري الحَقل. ولكن ما كانَ يَنبغي لهُ أن يَفعلَهُ عندما اكتشفَ الكَنزَ هو أن يأخُذَهُ ويقول لصاحبِ الحقل: "لقد وَجدتُ هذا الكَنزَ في حَقلِك". لِذا، هناكَ أشخاصٌ كثيرونَ صُعِقوا بسببِ هذا التَّصَرُّفِ الَّذي ظَنُّوا أنَّهُ غيرُ أخلاقِيّ.
ولكن اسمَحوا لي أن أُساعِدَكُم في فَهمِ ما جَرى؛ بالرَّغمِ مِن أنَّ هذه ليست النُّقطة الرَّئيسيَّة. فإن لم نَفهم ذلك، قد يَتَشَوَّش أُناسٌ ولا يَفهمونَ بَقيَّةَ العِظَة. أوَّلاً، كانت شَريعةُ أحبارِ اليهودِ تَقول: "إن عَثَرَ إنسانٌ على فاكِهَةٍ مُبَعثرةٍ أو مَالٍ، فإنَّ مَا تَمَّ العُثورُ عليه هو مِنْ نَصيبِ الشَّخصِ الَّذي عَثَرَ عليه". هذا هو ما قالَتهُ الشَّريعة. فإن تَمَّ العُثورُ على فاكِهَةٍ مُبَعثرةٍ أو مَالٍ، فإنَّ ما تَمَّ العُثورُ عليهِ هو مِن نَصيبِ الشَّخصِ الَّذي عَثَرَ عليه". وعليهِ فإنَّ هذا الرَّجُلَ تَصَرَّفَ بِحَسَبِ شَريعةِ أحبارِ اليهود. وهذا يعني أنَّ اليهودَ الَّذينَ سَمِعوا يَسوعَ يَقولُ هذا المَثَلَ لم يَظُنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الَّذي في هذا المَثَل عَديمُ الأخلاق.
ثانيًا، الكَنْزُ المُخفَى في الحَقل لم يَكُن مِلْكًا لِصاحبِ الحَقل. فلو كانَ كذلك لما باعَ حَقلَهُ مِن دونِ أن يُخرِجَ الكَنزَ أوَّلاً. ولكنَّهُ لم يَكُن يَعلَمُ أنَّهُ موجود. وهو لم يَبذُل أيَّ جُهدٍ في الحَفرِ وإخراجِهِ مِن مَكانِه. لِذا، لا بُدَّ أنَّهُ كانَ لشخصٍ كانَ يَملِكُ الحَقلَ في وقتٍ سابق ودَفَنَ الكَنْزَ فيه ثُمَّ مَاتَ في إحدى المَعارِك، أو مَاتَ في حادث ولم يَتمكَّن مِن إخراجِ الكَنز. لِذا فإنَّ الكَنزَ لم يَكُن مِلكًا للشَّخصِ الأوَّل ولا للشَّخصِ الثَّاني. وهذا يَعني أنَّهُ لم يَكُن لأيٍّ مِنهُما حَقٌّ فيه. والشَّخصُ الَّذي عَثَرَ على الكَنز هُوَ بِحَسَبِ شَريعةِ اليهودِ صاحِبَ الحَقِّ في المُطالبةِ به. أمَّا الشَّخصُ الثَّاني فلم يَفعل ذلك.
والآن، ثالثًا: كانَ هذا الرَّجُلُ مُنصِفًا جدًّا وعادلاً جدًّا. فلو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ نَزيهًا، لَفَعَلَ ماذا عندما وَجَدَ الكَنز؟ لأخَذَهُ وحَزَمَ أغراضَهُ ومَضَى ودَفَنَهُ في حَقلِهِ. فلماذا يُكَلِّفُ نَفسَهُ عَناءَ شِراءِ الحَقلِ كُلِّه في حين أنَّهُ كانَ بمقدورِهِ أن يأخُذَ الكَنزَ الَّذي بينَ يَديه؟ وقد تقول: "رُبَّما كانَ ضَميرُهُ يُعَذِّبُهُ. أو رُبَّما كانَ الحَقلُ لِوالِدِ زَوجَتِهِ أو أحدِ أقربائِه".
لقد فَكَّرتُ في ذلكَ ثُمَّ خَطَرَت ببالي فِكرة جَيِّدة. وهذا سيُريكُم كيفَ يَعملُ عَقلي. يُمكِنُكَ أن تأخذَ مِنَ الكَنزِ وتَبيعَ جُزءًا مِنه وتَستخدِمَ المالَ الَّذي حَصلتَ عليهِ مِن بَيعِ ذلكَ الجُزءِ مِنَ الكَنزِ لشراءِ الحَقل. وهذه فكرة ليست سَيِّئة. أليسَ كذلك؟ ولكنَّهُ لم يَفعل ذلك. فقد أخذَ الكَنزَ الَّذي وَجَدَهُ لأنَّهُ كانَ يَعلَمُ أنَّهُ صَارَ لَهُ بِحَسَبِ الشَّريعةِ اليهوديَّة.
فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ يَملِكُ حُقوقًا أكبرَ أو [على أقلِّ تَقديرٍ] حُقوقًا مُساويةً لحقوقِ مَالِكِ الحَقل. وقد أعادَ الكَنزَ إلى الأرض ولم يَستخدِم أيَّ جُزءٍ مِنه في شِراءِ الحَقل، بل إنَّهُ باعَ كُلَّ ما لَهُ على وَجهِ الأرض وذهبَ واشترى الحَقلَ كُلَّهُ لكي يَفعلَ الصَّوابَ ويَحصُل على ذلكَ الكَنز. فلا توجد مُشكلة أخلاقِيَّة هُنا. ولم يَتعرَّض أيُّ شخصٍ للاحتيال.
بعدَ أن قُلنا ذلك، فإنَّ هذا كُلَّهُ لا صِلَةَ لهُ بالمَثَل. فهذا تَوضيحٌ مَجَّانِيٌّ وبلا مُقابِل. أمَّا الغايةُ مِن هذا المَثَل فهي أنَّ شَخصًا وجَدَ شيئًا قَيِّمًا جدًّا حتَّى إنَّهُ ذهبَ وباعَ كُلَّ ما لَهُ لكي يَحصُلُ عليه. هذه هي الغاية مِنَ المَثَل. فقد فَرِحَ جدًّا وتَحَمَّسَ جدًّا حتَّى إنَّهُ أَبدَى الاستعدادَ للقيامِ بأيِّ شيءٍ مِن أجلِ الحصولِ على ذلك الكَنز.
والآن، لِنَنظُر إلى المَثَلِ الثَّاني وهو مَثَل اللُّؤلؤة: "أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا". والكلمة المُستخدَمة هُنا تَعني أنَّهُ تاجِرُ جُمْلَة ("إمبوروس" – "emporos") في اللُّغةِ اليونانيَّة. فهو تَاجِرٌ يَذهبُ ويَشتري أشياءَ بالجُملة ثُمَّ يَبيعُها لشخصٍ يَبيعُها بالمُفَرَّق. لِذا فقد كانَ تَاجرُ الجُملةِ هذا يَبحثُ عن لآلِئَ حَسَنَة. وقد كانَ ذلكَ الأمرُ شائعًا جدًّا في تلكَ الأيَّام إن كانَ الشَّخصُ تَاجرًا.
فهو يَعملُ تَاجِرَ لآلِئ بالجُملة. وهو يَقومُ بعمليَّةِ بحثٍ دقيقةٍ مِن جانِبِهِ للحُصولِ على اللآلِئِ الَّتي يَرغبُ في اقتنائِها. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَرغبونَ في تَنويعِ استثماراتِهم فيَستثمرونَ جُزءًا مِن أموالِهم في اللآلِئ. واللآلِئُ هُنا مُرادفة للألماسِ في وقتِنا الحاضِر. فقد كانتِ اللآلِئُ أكثرَ الأحجارِ الكَريمةِ قِيمةً في ذلكَ الوقتِ في العالَم. فإن كانت لديكَ لآلئ، تكونُ لديكَ ثَروة.
ومِنَ المُدهِشِ أن نَرى المَدى الَّذي بَلَغَهُ النَّاسُ في تلكَ الأيَّامِ بَحثًا عنِ اللآلِئ. وقد كانوا يَبحثونَ عنها بصورةٍ خاصَّةٍ في البحرِ الأحمر، والخَليجِ العَرَبِيّ، والمُحيطِ الهِنديّ. وقد كانَ بإمكانِهم أن يَعثروا على اللآلِئ هُناك؛ ولكنَّ ثَمَنها كان باهظًا جدًّا. وقد ماتَ كثيرونَ في سبيلِ الحُصولِ عليها. والحقيقةُ هي أنَّهم لم يكونوا يَستخدمونَ أيَّ مَعَدَّاتِ غَوصٍ حَديثةٍ للبحثِ عنِ اللآلِئ.
فما كانوا يَفعلونَهُ ببساطة هو أنَّهم كانوا يَربِطونَ حِجَارةً بأجسادِهم ويَقفِزونَ مِن حافَةِ قاربٍ صَغيرٍ ويَنزِلونَ إلى أعماقِ البحرِ في وَسْطِ كائناتٍ بَحريَّةٍ لم يكونوا يَعرفونَ عنها أيَّ شيءٍ (كأسماكِ القِرشِ وغيرِها)، ويَنبُشونَ القَعْرَ الطِّينيَّ بحثًا عن تلك المَحارات. وكانوا يَحبسونَ أنفاسَهُم وقتًا طويلاً ويَخشونَ النُّزولَ إلى أعماقٍ سَحيقةٍ لِئلاَّ تَنفَجِرَ رِئاتُهم ويَموتوا. وكانوا يَخرجونَ بتلكَ الكُنوز.
وعندَ العُثورُ عليها، كانتِ اللُّؤلؤةُ الجميلةُ والخاليةُ مِن أيِّ عَيبٍ تُساوي مَبلغًا كبيرًا جدًّا وتُباعُ بثمنٍ باهظ. وقد كانت قَيِّمَةً جدًّا حتَّى إنَّ التَّلمودَ يَقول: "اللآلِئُ لا تُقَدَّرُ بِثَمن". وكانت قَيِّمةً جدًّا حتَّى إنَّ المِصريِّينَ كانوا يَعبُدونَ اللآلِئ. وقد انتقلت تلك العِبادةُ إلى الحياةِ الرُّومانيَّة. وقد كانت قَيِّمةً جدًّا حتَّى إنَّهُ عندما كانتِ النِّساءِ يَرغبنَ في التَّباهي بثروَتِهِنَّ (بحسب ما جاءَ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 2: 9)، كُنَّ يَضَعْنُ اللآلئَ على رُؤوسِهِنَّ.
ويُقالُ عن سَيِّدةٍ تُدعى "لوليا بولينا" (Lollia Paulina)، وهي زوجة الإمبراطور "كاليغولا" (Caligula)، أنَّها كانت في إحدى المُناسباتِ مُرَصَّعَةً بلآلِئَ يُقَدَّرُ ثَمَنُها بستَّةٍ وثلاثينَ مَليون دولار. والحقيقة هي أنَّ المُؤرِّخينَ يَقولونَ إنَّها كانت تَضَعُ لآلئَ على رأسِها، وتَضَعُ لآلِئَ على شَعرِها، وتَضَعُ لآلئَ في أُذُنَيها، وتَضَعُ لآلئَ في عُنقِها، وتَضَعُ لآلئَ في أصابِعها. فقد كانَ بمقدورِها أن تَحِلَّ مَحَلَّ إحدى بَوَّاباتِ السَّماء.
ولكن هذه هي نَظرةُ النَّاسِ إلى اللآلِئِ في تلكَ الأيَّام. فقد قالَ "بلايني" (Pliny) المُؤرِّخُ إنَّ كليوبترا كانت تَملِكُ لُؤلؤتين يُقَدَّرُ ثَمَنُ كُلُّ واحدةٍ مِنهُما بنصفِ مَليون دولار. ونحنُ نَتحدَّثُ هُنا عن وَقتٍ كانت فيهِ قيمةُ النُّقود تُقَدَّرُ بعشرينَ ضِعفَ قيمتها الشِّرائيَّة في وقتِنا الحاضر. وعندما أرادَ الأباطِرَةُ الرُّومانُ أن يَتباهُوا بثروتِهم الباهظة وأن يُظهِروا غِناهُم الفاحِش، كانوا يُذيبونَ اللآلِئَ في الخَلِّ ويَشربونَها معَ الخَمر. لِذا فقد كانتِ اللآلِئُ قَيِّمَةً جدًّا.
ورَبُّنا يَقولُ في إنجيل مَتَّى 7: 6: "لاَ تَطْرَحُوا [ماذا؟] دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِير" لأنَّهُ يُحاولُ أن يُبايِنَ بينَ أسوأ شيءٍ مُمكنٍ وأثمنِ شيءٍ مُمكن. لا تَعطوا أثمنَ شَيءٍ لخِنزير. فهذهِ حَماقة. لِذا فقد كانَ يُنظَرُ حَقًّا إلى اللآلِئِ كما نَنظُرُ إلى الألماسِ اليوم إذْ إنَّها قَيِّمَة جدًّا جدًّا جدًّا. والحقيقةُ هي أنَّهُ إذا نَظرنا إلى سِفْر الرُّؤيا نَجِدُ أنَّهُ عندما يَبتدئُ اللهُ بوصفِ السَّماءِ فإنَّهُ يقولُ إنَّها تُشبِهُ اللآلِئَ في جَمالِها.
لِذا، نَرى هنا رَجُلاً ذَهَبَ للبحثِ عن لآلِئَ حَسَنة. وقد راحَ يَبحثُ عنها لأنَّها كانت استثمارًا جيِّدًا. فقد كانَ ثَمَنُها يَزدادُ دائمًا. ويُمكِنُكَ أن تُنَوِّعَ بأن تَستثمِرَ جُزءًا مِن أموالِكَ في شراءِ الأراضي، وأن تَستثمِرَ جُزءًا مِن أموالِكَ في شِراءِ اللآلِئ، وأن تَستثمِرَ جُزءًا مِن أموالِكَ في أيِّ شيءٍ آخر. فهذه هي الطَّريقةُ الَّتي يُديرُ بها النَّاسُ أعمالَهُم. فالشَّيءُ الوحيدُ الَّذي لا تَفعَلُهُ إن كُنتَ ذَكِيًّا هو أنَّكَ لن تَستثمِرَ كُلَّ أموالِكَ في مَشروعٍ واحد.
ولكن أليسَ مِنَ المُدهشِ في كِلتا هاتينِ الحالَتَيْنِ أنَّ هذا هو بالضَّبط ما فَعَلَهُ هذانِ الرَّجُلان! فالرَّجُلُ الأوَّلُ باعَ كُلَّ شيءٍ واشترى حَقلاً واحدًا. والرَّجُلُ الثَّاني باعَ كُلَّ شيءٍ واشترى لُؤلؤةً واحدةً. والآن، ما هي المَبادئُ الَّتي نَتَعَلَّمُها مِن هَذينِ المَثَلَين؟ أنتُم تَفهمونَهُما الآن. ولكن ما هي المبادئ؟ سوفَ أَذكُرُ لكم سِتَّةَ مَبادئ. استَمِعوا جيِّدًا:
المبدأُ الأوَّل: المَلكوتُ لا يُقَدَّرُ بثمنٍ مِن جِهَة قيمتِه. المَلكوتُ لا يُقَدَّرُ بثمنٍ مِن جِهَة قيمتِه. فكِلا المَثَلَيْنِ يَرميانِ إلى تَعليمِنا القيمةَ الَّتي لا تُقَدَّرُ بثمن لمَلكوتِ الرَّبّ. وعندما نَتحدَّثُ عن مَلكوتِ الرَّبِّ فإنَّنا نَتحدَّثُ عنِ الخلاص، ونَتحدَّثُ عنِ المسيحِ نَفسِهِ وعَطيَّةِ الخلاصِ الَّتي يَهَبُها؛ أي عن مَعرفةِ اللهِ مِن خلالِ يسوعَ المسيحِ، وعنِ القيمةِ الَّتي لا تُقَدَّرُ بثمن للوجودِ في مَلكوتِهِ، وعنِ القيمةِ الَّتي لا تُقدَّرُ بثمن للشَّركة معَ المَلِك، وعنِ القيمةِ الَّتي لا تُقَدَّرُ بثمن لأن نَكونَ رَعيَّةَ السَّيِّد.
فبَرَكَةُ المَلكوتِ قَيِّمة جدًّا حتَّى إنَّها أغلى شيءٍ يُمكِنُ العُثورُ عليه. ومِنَ الحَماقةِ أن يَمتَنِعَ الإنسانُ عن بَيعِ كُلِّ شيءٍ لَديهِ مِن أجلِ الحُصولِ عليه. فلا يوجدُ شيءٌ يُضاهيهِ في القيمة. ففي المسيحِ وفي مَلكوتِهِ، هُناكَ كَنْزٌ. هُناكَ كَنْزٌ عَظيمٌ لا يُقَدَّرُ بثمن. وهناكَ كَنْزٌ عَظيمٌ لا يُمكِنُ استيعابُه. وهناكَ كَنزٌ لا يَفنى، ولا يَتَدَنَّسُ، ولا يَضْمَحِلُّ؛ بل هو أبديٌّ.
فهناكَ كَنزٌ سَماويٌّ مَحفوظٌ في حَقْلِ هذا العالَمِ الفَقيرِ والمُفلِسِ والمَلعون. وهو كَنْزٌ يَكفي لإغناءِ كُلِّ شخصٍ إلى الأبد مِن فُقَراءِ العالَمِ البائسينَ والعُمي والعُريانين. فالخلاصُ، والغُفرانُ، والمَحبَّةُ، والفَرحُ، والسَّلامُ، والفَضيلةُ، والصَّلاحُ، والمَجدُ، والسَّماءُ، والحياةُ الأبديَّةُ، كُلُّ ذلكَ مَوجودٌ في ذلكَ الكَنز. والكَنزُ هو ذلكَ الخلاصُ. واللُؤلؤةُ هي ذلكَ الخلاصُ الَّذي يُوازي الوجودَ في المَلكوت.
وهو الشَّيءُ الَّذي قَصَدَهُ كَاتِبُ التَّرنيمةِ حينَ قال: "وَجَدْتُ اللُّؤلؤةَ الكثيرةَ الثَّمن في الحياةِ الأبديَّةِ الرَّائعةِ جدًّا. مِن خلالِ ذَبيحةِ المُخَلِّصِ وَجدتُ تلك اللُّؤلؤةَ الفَريدة". فَمِن بينِ كُلِّ لآلئِ العالَمِ الحَسَنة، ومِن بينِ كُلِّ الأشياءِ الَّتي قد تكونُ في الحَقل، نَجِدُ أنَّ الخلاصَ يَتَفَوَّقُ عليها جميعًا في قيمتِهِ الأبديَّة. يا لها مِن لُؤلؤة! ويا لهُ مِن كَنز! وما أكثرَ مَا يَجهلُ النَّاسُ ذلكَ الكَنز! فَهُم لا يَفهمونَهُ البَتَّة. فَهُم يَتَزَيَّنونَ وَحَسْب بأشياء لا قيمةَ لَها!
المبدأُ الثَّاني يَنطوي على الدَّرسِ التَّالي: المَلكوتُ لا يُرى سَطحيًّا. فقد كانَ الكَنزُ مُخفَى. أليسَ كذلك؟ وكانَ لا بُدَّ مِنَ البحثِ عنِ اللُّؤلؤة. فهي لم تَكُن مَوجودة على السَّطحِ وحَسب. والكَنزُ ليسَ ظاهِرًا للنَّاس. فالقيمةُ النَّفيسَةُ لمَلكوتِ السَّماواتِ، والقيمةُ النَّفيسةُ للخلاصِ لا تُرَى مِن قِبَلِ النَّاس. فَهُم لا يَرونَ ذلكَ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ مَاثِلٌ أمامَ أعيُنِهم.
فالعالَمُ يَنظُر إلينا ولا يَفهمُ سَببَ انشغالِنا هذا بعبادةِ الله. وَهُم لا يَفهمونَ لماذا نَرغبُ في تَقديمِ حياتِنا ليسوعَ المسيح. وَهُم لا يَفهمونَ لماذا نُريدُ أن نَحيا ونُطيعَ القانونَ الأخلاقيَّ والقواعدَ الَّتي تُخالِفُ بِذرةَ أعمق شَهواتِنا ورَغباتِنا. وَهُم لا يَفهمونَ سَبَبَ تَقديرِنا الشَّديدِ للمَلكوتِ في حين أنَّهُ لا يَعني شيئًا بالنِّسبةِ إليهم. لا، إنَّ المَلكوتَ لا يُرَى سَطحيًّا.
ونَقرأُ في رسالة كورنثوس الأولى والأصحاحِ الثَّاني: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ". ونَقرأُ في رسالة كورنثوسَ الثَّانية والأصحاح الرَّابع: "الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيح". لِذا فإنَّهُ ليسَ واضحًا جدًّا. فمعَ أنَّ الرِّسالة مَوجودة، والكلمة مَوجودة، فإنَّهم لا يَرَونَها. فَهُم عُميان. وهي ليست ظاهرة سَطحيًّا. وفي كِلتا الحالتَين، كانَ هُناكَ بَحثٌ في الحالةِ الأولى. وفي الحالةِ الثَّانية، كانَ هناكَ اكتشافٌ أو سَعيٌ أدَّى إلى ذلك الاكتشاف.
وهناكَ أشخاصٌ لا يُكَلِّفونَ أنفسَهُم عَناءَ البحثِ تحتَ السَّطح. فَهُم مُنهَمِكونَ في اللَّعِبِ بالأشياءِ التَّافهةِ والحِلِيِّ الرَّخيصَةِ، والألعابِ والأشياءِ المَوجودة على السَّطح؛ ولكنَّهم لم يُبالوا يَومًا بالكَنْزِ المَوجودِ تَحتَهُ. وقد عَبَّرَ أحدُ الكُتَّابِ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "تَحتَ ذلكَ النَّاسوت، وتحتَ خُصوصيَّةِ وفَقْرِ ذلكَ النَّاصِرِيِّ، كانَ هُناكَ مِلْءُ اللاَّهوتِ مَحجوبًا في ذلك اليوم عنِ الحُكماءِ والفُهَماءِ في هذا العالَم. فقد كانَ النُّورُ قَريبًا مِنهم؛ ولكنَّهم لم يَرَوْه. وقد تَمَّ جَلْبُ غِنى النِّعمةِ الإلهيَّةِ إلى عَتَبَةِ دَارِهم؛ ولكنَّهم استمرُّوا في العَيشِ في فَقرِهم وبُؤسِهم".
وهذا صَحيح. فهناكَ أوقاتٌ كثيرةٌ جدًّا قُمنا فيها أنا وأنتُم بوصفِ الكَنزِ واللُّؤلؤةِ لأشخاصٍ أداروا ظُهورَهُم ومَضَوْا في طَريقِهم دُونَ اكتراث. فَهُم لا يُريدونَ ذلك. وَهُم لا يَفهمونَ قيمَتَهُ الغالية جدًّا. فهو لا يُمكِنُ أن يُفهَمَ بِسطحيَّة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 7: 14: "مَا أَكْرَبَ الطَّرِيقَ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!" وَلِذا نَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 11 أنَّ المَلكوتَ يُغصَبُ عُنْوَةً ويُختَطَفُ اختِطافًا. بعبارة أخرى، لا بُدَّ أن يَجِدَّ الإنسانُ في طَلَبِه.
فالمَلكوتُ ثَمينٌ. ولكنَّ المَلكوتَ مُخفَى أيضًا عن أعيُنِ الباحثينَ السَّطحيِّينَ الَّذينَ لا يَرغبونَ في البحثِ عَميقًا عنِ الحقِّ الكامِنِ في كلمةِ الله. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في إنجيل لوقا 13: 24: "اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُون".
وَحَتَّى إنَّ اللُّؤلؤةَ تُقَدِّمُ نفسَ هذه الفِكرة. فمعَ أنَّ اللُّؤلؤةَ ليست مُخَبَّأةً بِمَعنى أنَّ الإنسانَ ليسَ مُضطرًّا إلى التَّنقيبِ عنها في مكانٍ مَا، فإنَّهُ لا يُمكِنُ الحُصولُ عليها إلاَّ بطريقةٍ شَاقَّةٍ جدًّا إذْ يَنبغي للمرءِ أن يَغوصَ في أعماقِ البحثِ، ويَنبُشَ القَعرَ، ويَفتَحَ الصَّدَفَة ليَجِدَها هناك. وها هو هذا الرَّجُلُ يَبحثُ في كُلِّ العالَمِ إلى أن يَجِدَها.
وبِمَعنىً مِنَ المَعاني فإنَّنا نَرى أنَّ الرِّسالةَ مَحجوبة. فالعالَمُ لا يَراها. فكما تَعلمونَ، لقد قالَ يسوع: "وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ". ثُمَّ إنَّهُ قال: "فَتِّشُوا الْكُتُبَ...هِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي". وقد قالَ يُوحنَّا: "كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ [ماذا؟] الْعَالَمُ. إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ".
وكما تَرَوْنَ، إنَّ عِشتُم حَياتَكُم بالطَّريقةِ السَّطحيَّةِ المُعتادة، واكتفيتُم بالعَيشِ كَيفما اتَّفَق، وسَلَكْتَ في دَربِ الحياةِ وَحَسْب يومًا بعدَ يَوم دُونَ أن تُفَكِّرَ في أيِّ شيءٍ عَميقٍ أو قَيِّمٍ أو ذي قِيمةٍ حَقيقيَّةٍ فإنَّكَ لن تَعرِفَ الحقَّ البتَّة. فالحقُّ ليسَ مُلقىً على السَّطح، بل ينبغي أن تَكونَ لديكَ تلك الرَّغبة في وقتٍ مِنَ الأوقات حَتَّى تَتجاوَبَ كما يَنبغي. فَحَتَّى في حالةِ الرَّجُلِ الَّذي عَثَرَ على الكَنْز، لقد سَعى إلى الحُصولِ على ما عَثَرَ عليه. فرُبَّما شَعَرَ بارتطامِ مِحراثِهِ بشيءٍ مَا فأبدى الاستعدادَ لمَعرفةِ مَاهيَّةِ ذلك الشَّيء.
المبدأُ الثَّالث: المَلكوتُ يُقبَلُ شَخصيًّا. وهذه هي الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ مِنْ هَذينِ المَثَلَيْن. المَلكوتُ يُقبَلُ شَخصيًّا. فالمَثلانِ السَّابقانِ يُعطيانا الفِكرةَ بأنَّ المَلكوتَ مُؤثِّرٌ، أو أنَّهُ كَبير. ولكنَّهُما لا يَقولانِ أيَّ شَيءٍ عن قَبولِهِ شَخصيًّا. لِذا فإنَّ رَبَّنا يُقَدِّمُ هَذينِ المَثَلَيْن. فهناكَ رَجُلٌ في العدد 44. وهُناكَ رَجُلٌ آخرُ في العَدد 45. ونحنُ نَتعامَلُ الآنَ معَ أفراد. وكُلٌّ منهُما يَجِدُ شيئًا مُحَدَّدًا لنفسِه ويَقبلهُ لنفسِه. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا.
والآن اسمعوني: هذا يُرينا أنَّكَ قد تكونُ في المَلكوتِ، وتحتَ سُلطانِ اللهِ، ولكنَّكَ لستَ عُضوًا في المَلكوت. فإن كُنتَ تَعيشُ على الأرض، وإن كُنتَ تَعيشُ في الكَون، أنتَ تَحتَ سِيادةِ الله. هل هذا صَحيح؟ لأنَّهُ صَاحِبُ السِّيادَةِ على الكَون. وإن كنتَ تَعيشُ على الأرض فإنَّكَ بِمَعنىً مِنَ المَعاني في المَلكوتِ لأنَّهُ يَسود. ولكنَّكَ لستَ مِن رَعيَّةِ المَلِك، وأنتَ لستَ عُضوًا شَخصيًّا في المَلكوت. وهَؤلاءِ يُشبهونَ أُناسًا كثيرينَ يَأتونَ إلى الكنيسةِ ولكنَّهُم ليسوا مُؤمِنين.
فالعالَمُ الواسِعُ هو تحتَ سُلطانِ يسوعَ المسيح، ولكنَّهُ ليسَ جُزءًا مِن مَلكوتِهِ الحَقيقيّ. لِذا نَقرأُ في إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ الثَّامِنِ أنَّهُ تَحدَّثَ إلى اليهودِ وقالَ لَهُم: "وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". بعبارة أخرى، هُناكَ يَهودٌ؛ ولكن بالرَّغمِ مِن كَونِهم يَهودًا، وبالرَّغمِ مِن أنَّهُم يَعيشونَ تَحتَ عَهدِ اللهِ معَ إسرائيل فإنَّهم سَيَخسرونَ كُلَّ تلكَ الامتيازاتِ لأنَّهم لم يُقبِلوا شَخصيًّا إلى مَعرفةِ الله. أليسَ كذلك؟
ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّاني: "وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا"، بل هو خِتانُ القَلب. ونَقرأُ في رسالة رُومية 9: 6: "لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّون". لِذا، قد تَكونُ يَهوديًّا، وتعيشُ في تلكَ المَملكة، أو في ظِلِّ تلكَ الحُكومَةِ الدِّينيَّةِ، أي تَحتَ حُكمِ اللهِ، ولكنَّكَ لستَ عُضوًا في المَلكوت. وهذا يَصِحُّ اليومَ أيضًا. فهناكَ أشخاصٌ يَعيشونَ على الأرضِ ولكنَّهم لم يَقبلوا المَلكوت. لِذا فإنَّنَا نَأتي إلى نُقطةِ القَبولِ الشَّخصيِّ في هَذينِ المَثَلَيْن.
فلا يَكفي أن نَكونَ تَحتَ تأثيرِ المَلكوت. ولا يَكفي أن نَكونَ تحتَ تأثيرِ الكنيسة، أو تَحتَ تأثيرِ المَسيحيَّة. ولا يَكفي أن نَتآوى في أغصانِها أو أن نَتأثَّرُ بتأثيرِها النَّافِذ؛ بل ينبغي أن يَكونَ هُناكَ قَبولٌ شَخصيٌّ. وفي نُقطةٍ مَا، لكي نَفعلَ ذلك، يجب على الرِّجالِ والنِّساءِ أن يَصِلوا إلى نُقطةٍ يُدركونَ فيها قيمةَ ذلك.
ولا بُدَّ أنَّكُم تَعلمونَ أنَّ النَّاسَ يَصرفونَ وَقتَهُم في البحثِ عنِ أشياءٍ لا قيمةَ لها. وما أعنيه هو أنَّ هذا أمرٌ يَصعُبُ تَصديقُه. وإن رَجعتُم إلى الوراءِ ستجدونَ أنَّهم كانوا يَبحثونَ عنِ اللآلِئ في تلكَ الأيَّام. أمَّا اليوم فإنَّهم يَبحثونَ عنِ الألماس. فكما تَعلمونَ فإنَّ الألماسَ في عالَمِنا يَرمِزُ إلى القيمةِ العالية. ولا أدري إن كُنتُم تَعلمونَ كيفَ يَتِمُّ البحثُ عنِ الألماس؛ ولكنَّ ذلكَ مُذهلٌ حَقًّا.
وقد قَرأتُ مَقالةً نُشِرَت في مَجلَّةِ لوس أنجليس تايمز (Los Angeles Times) تَصِفُ كيفَ تَعثُرُ شَرِكَةُ مَناجِمِ الألماسِ التَّضامُنيَّة (Consolidated Diamond Mines) على الألماس. وهذا بِكُلِّ تأكيد يَحدُثُ على شَاطئِ البحرِ في جنوبِ غَربِ إفريقيا. وهو عَمَلٌ دَؤوبٌ يَستمرُّ نَهارًا وليلاً بَحثًا عنِ الألماس. وتَقولُ المَقالة: "يَتِمُّ العُثورُ على الألماسِ مَدفونًا في ما يُسَمَّى بالمَصاطِبِ المَائيَّةِ، وشَواطِئِ المُحيطِ الأطلسيِّ القديمَةِ بِصُخورِها المَلساءِ بِفِعْلِ الأمواج، وأحجارِها، وَحَصْبائِها، وَرِمَالِها الَّتي تَكَتَّلَت وصارت مادَّةً صُلبةً تُشبِهُ الإسمنتَ وتُسَمَّى بالصُّخورِ المُتراصَّة.
"وفي تلكَ الصُّخورِ المُتراصَّة يُوجَدُ الألماس. وهو مُغَطَّى في أماكن كثيرة بخمسينَ قَدَمًا مِنَ الأتربةِ الَّتي تَطرَحُها الأمواجُ أو تَحمِلُها الرِّياحُ مِنَ الصَّحراء. وتَعملُ الكاشِطاتُ الأرضيَّةُ العِملاقةُ والجَرَّافاتُ على جَرْفِ التُّرابِ في سَبيلِ الوصولِ إلى المَصاطِبِ البَحريَّة. وتَعملُ كَاشِطاتٌ وجَرَّافاتٌ أخرى على إزاحَةِ الصُّخورِ المُتراصَّةِ للكشفِ عن الطَّبقةِ الصَّخريَّةِ العَميقةِ لشاطئ المُحيطِ. ويَبلُغُ عُمقُ تلكَ الصُّخورُ المُتراصَّةُ نَحوَ خمسة أقدام في المُتوسِّط. ثُمَّ تَقومُ حَفَّاراتٌ هيدروليكيَّة دَقيقة بِمُعاونةِ عِشرينَ رَجُلاً يَحملونَ فُرَشًا مَصنوعةً مِنَ النَّايلون طُولُها قَدَمٌ بإزالةِ مُخَلَّفاتِ الحَفْرِ مِنَ شُقوقِ الطَّبقةِ الصَّخريَّةِ القديمةِ وتَجاويفِها، ويَستمرُّ البحثُ عنِ الألماس.
"وقد تَعثُرُ هذه المَكانِسُ على نَحوِ ألفَيِّ ألماسَة في الأسبوع. وبعدَ كَشْطِ تلكَ الصُّخورِ المُتراصَّةِ وحَفرِها وتَكنيسِها وتَفجيرِها بالمُتفجِّراتِ فإنَّها تُنقَلُ إلى مَعملِ التَّكريرِ حيثُ تُطحَنُ صُخورُها وحَصباؤها ورِمالُها، وتُدَقُّ، وتُغسَلُ، وتُهَزُّ، وتُسحَقُ، وتُجْرَشُ. ثُمَّ إنَّ الرِّمالَ البَاقية الَّتي تُشَكِّلُ 15 بالمِئة تُغسَلُ في مَحلولٍ مِنَ السِّليكون كَثافَتُهُ النَّوعيَّةُ ثلاثة". وكأنَّ أحدًا يُبالي بذلك! "ثُمَّ إنَّ كُلَّ شيءٍ تَزيدُ كَثافَتُهُ النَّوعيَّة عن ثلاثة ونصف يَنزِل إلى القَعر فيَفصلونَهُ".
وَهُم يَقومونَ بما يُعرَفُ بعمليَّةِ فَحصِ اللَّمَعان للعُثورِ على الألماس. وَهُم يَضعونَهُ في وِعاءٍ ويُنَخِّلونَهُ ويَفرِزونَهُ ويَقطعونَهُ وما إلى ذلك. وفي نِهايةِ المَقالة، يَقولُ مُديرُ المَشروع: "نحنُ نُعالِجُ مِئةً وثمانينَ مَليون جُزءٍ مِنَ المادَّة في سبيلِ الحُصولِ على جُزءٍ واحدٍ مِنَ الألماس".
وهذا يُذكِّرُني بما جاءَ في سِفْر أيُّوب والأصحاح 28. فكُلُّ شيء يُذكِّرُني بآيةٍ كِتابيَّة. ولكنَّ هذا يُذكِّرُني بما جاءَ في سِفْر أيُّوب والأصحاح 28 إذْ نَقرأُ أنَّ النَّاسَ يَبحثونَ في الأرضِ عن الألماسِ والياقوتِ وأيِّ شيءٍ ثَمين، وعنِ الحِجارةِ الكريمة. وَهُم يَحفرونَ حُفَرًا، ويَذهبونَ إلى أماكِنَ لم يَصِلها النُّورُ ولم تَراها الطُّيورُ، وَيَبنونَ سُدودًا على الأنهارِ، ويَحفرونَ عَميقًا في الأرضِ، ويَفعلونَ كُلَّ هذا بَحثًا عن هذا النَّوعِ مِنَ الأشياءِ الَّتي لا تُساوي شَيئًا.
فعندما تَحصلونَ على ألماسَةٍ، هل تَعلمونَ ما الَّذي تَحصُلونَ عليه؟ تَحصُلونَ على ألماسَة. هذا هو ما تَحصُلونَ عليه. وهي لا تَقدِرُ أن تَنفَعَكَ بأيِّ شَيء. ولا تَقدِرُ أن تَجعَلَكَ تَشعُر بمشاعرَ أفضل، ولا أن تُعطيكَ سَلامًا، ولا أن تَحُلَّ مُشكلاتِك. فأنتَ تَحصُلُ على ألماسَةٍ وحَسب. وقد كنتُ أمشي في شارعٍ في واشنطن دي.سي (Washington D.C.) قبلَ بِضعة أشهُر فرأيتُ مَتجَرًا يَضَعُ لافتةً تقول: "ألماس. القِراطُ بمئة دولار". فقلتُ لنفسي: "هذا رَخيص!"
لِذا فقد دَخلتُ المَتجَرَ فوجدتُ شخصًا يُرَحِّبُ بالنَّاس، فقلتُ: "كيفَ تَبيعونَ الألماسَ بهذا السِّعر! فقد كنتُ أمشي في الشَّارع فلاحظتُ اللاَّفتة. كيفَ تَبيعونَ الألماسَ بهذا السِّعر الرَّخيص؟" قال: "إنَّهُ ليسَ مَاسًا حَقيقيًّا، ولكن لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَعرِفَ الفَرق". لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَعرفَ الفَرق! هذا يَجعلُ الألماسَ عَديمَ القيمة حَقًّا. فهو لا يُساوي أيَّ شيء.
ولكنَّ النَّاسَ يَتكبَّدونَ مَشَقَّةً كبيرةً في سبيلِ الحصولِ عليه! ثُمَّ نَقرأُ في سِفْر أيُّوب والأصحاح 28 بعدَ ذلك مَا يلي إذ يَقولُ في العدد 12: "حيثُ إنَّكُم تَبحثونَ عن كُلِّ تلكَ الأشياء، دَعوني أُخبرُكم شيئًا. هُناكَ شيءٌ قَيِّمٌ حَقًّا لا تُكَلِّفونَ أنفسَكُم عَناءَ البحثِ عنه وهو الحِكمة". فإن أردتُم أن تَعرفوا القيمةَ الحقيقيَّةَ للأشياءِ في الحياةِ، لن تَجِدوها في تلكَ الأماكن، بل ستجدونَها في إعلانِ الله. فهذا هو ما يَقولُهُ هذا الأصحاح. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ اللهَ يُقدِّمُ للبشرِ الشَّيءَ القَيِّمَ حَقًّا. ومِنَ المُدهشِ جدًّا أن نَرى العَناءَ الشَّديدَ الَّذي يَتَكَبَّدونَهُ في البحثِ عن أشياءٍ لا قيمةَ لها.
المبدأُ الرَّابع. فقد قُلنا إنَّ المَلكوتَ ثَمينٌ، وإنَّهُ مُخفَى، وإنَّهُ يَنبغي أن يُقبَلَ شَخصيًّا. رابعًا: المَلكوتُ هو مَصدرُ الفَرَح. فإذا نَظرتُم إلى العدد 44 ستَجدونَ أنَّ الرَّجُلَ فَرِحَ فَرَحًا عَظيمًا حتَّى إنَّهُ ذهبَ وباعَ كُلَّ شيءٍ لكي يَشتري الحَقل. فقد فَرِحَ. وهذه إضافة مُهمَّة جدًّا جدًّا لهذا المَثَل. فهو لم يَكُن مُضطرًّا إلى قولِ تلكَ الكلماتِ هُنا؛ ولكنَّهُ يَفعلُ ذلك. وهو أمرٌ مُهمٌّ جدًّا جدًّا لأنَّ الرَّبَّ يُقِرُّ بشيءٍ آمَنْتُ بأنَّهُ صَحيحٌ طَوالَ حياتي. وهو يُؤكِّدُهُ هُنا.
فشَوقُ قلبِ كُلِّ البشرِ على وجهِ الأرضِ هو أن يَكونوا سُعداء. هذا هو شَوقُ قُلوبِهم. وقد تقول: "ولكنِّي أعرفُ أُناسًا يُحِبُّونَ التَّعاسَة!" هذا صَحيح، فَهُم سُعداءَ بحقيقةِ أنَّهم تُعساء؛ ولكنَّ السَّعادةَ هي ما يَتوقونَ إليه. وأنا لا أَفهمُ ذلكَ النَّهج، ولكن إن كانت التَّعاسةُ تَجعلُهم سُعداء، فإنَّها ما تَزالُ تُؤكِّدُ هذه النُّقطة. فالعالَمُ يَتوقُ إلى السَّعادة وإلى الفَرح. والنَّاسُ يُريدونَ أن يَشعروا بمشاعر طَيِّبة. والرَّبُّ يَعلمُ ذلك. الفَرَح!
وما أعنيه هو أنَّ يسوعَ قالَ في إنجيل يوحنَّا 15: 11 لتلاميذِهِ تَلخيصًا لأفضلِ ما لَديهِ ليُقدِّمُهُ لهم: "كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ [وماذا؟] وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ". وفي رسالة يوحنَّا الأولى، يَقولُ يوحنَّا: "وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً". وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 16، يَقولُ رَبُّنا في العدد 24: "إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً".
والأصحاحُ الرَّابع عشر مِن رسالة رُومية يَقول: "مَلَكُوتُ اللهِ...هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُس". فهو فَرَح. وفي رسالة رُومية والأصحاح 15، نَقرأُ في تلكَ الصَّلاةِ الرَّائعة: "وَلْيَمْلأكُمْ إِلهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ". فالنَّاسُ يُريدونَ أن يَكونوا فَرِحين، ويُريدونَ أن يَكونوا سُعداء. وها هو المَصدر. فهو كُلُّهُ يَكْمُنُ في الكَنز. الفرحُ الحَقيقيّ. وهو يَتأتَّى مِنَ اكتشافِ مَلكوتِ السَّماواتِ في الرَّبِّ يسوعَ المسيح.
لِذا فإنَّ المَلكوتَ ثَمين. والمَلكوتُ مُخفَى. والمَلكوتُ يَنبغي أن يُقبَلَ شَخصيًّا. والمَلكوتُ هو مَصدرُ الفَرحِ الحَقيقيّ. فَمِنْ فَرَحِهِ، مَضى وبَاعَ كُلَّ ما كانَ لَهُ في سبيلِ الحُصولِ على ذلكَ الكَنز لنفسِه. مِن فَرَحِه. "مِنْ فَرَحِهِ". ولا خَطأَ في ذلك. فالرَّبُّ يُريدُ مِنَّا أن نَفرَح. والكِتابُ المُقدَّسُ يَقول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". فيجب علينا أن نَكونَ فَرِحينَ أكثرَ مِن جَميعِ النَّاس لأنَّنا وَجَدنا الكَنز.
وهناكَ مَبدأٌ خامسٌ. وَهُوَ مَبدأٌ يُساعِدُنا جدًّا جدًّا. فيُمكِنُنا أن نَدخُلَ المَلكوتَ بِطرائقَ مُختلفة. يُمكنُنا أن نَدخُلَ المَلكوتَ بِطرائقَ مُختلفة. صَحيحٌ أنَّهُ توجدُ سِماتٌ مُشترَكة. ففي كِلتا الحَالتَيْن، لدينا رَجُل. وقد وَجَدا في كِلتا الحَالتَيْن شَيئًا عَظيمَ القيمة. وقد فَهِما في كِلتا الحَالتَيْنِ قيمَتَهُ. وقد أبدَيا في كِلتا الحالَتَيْنِ الاستعدادَ لدفعِ أيِّ ثَمَنٍ في سَبيلِ الحُصولِ عليه. لِذا فإنَّهُما مُتشابهان جدًّا. أليسَ كذلك؟
ولكن يوجد فَرقٌ واحدٌ كبير. ففي الحالةِ الأولى، عَثَرَ الرَّجُلُ على الكَنز وَحَسْب. أمَّا في الحالةِ الثَّانية فإنَّ الرَّجُلَ يَعرِفُ تمامًا ما يَبحثُ عنه. والآن، حَتَّى لو كانَ الرَّجُلُ الأوَّلُ يَبحثُ عن كَنزٍ فإنَّهُ لم يَكُن يَعلمُ ما الَّذي يَبحثُ عنه. أمَّا الرَّجُلُ الثَّاني فكانَ يَعلمُ ذلك.
والآن، ما الَّذي نَستدلُّ عليهِ مِن هذا؟ أنَّ الرَّجُلَ الَّذي كانَ في الحقل لم يَكُن على الأرجحِ يَبحثُ عن كَنز. فقد كانَ يَقومُ بعملِهِ الَّذي اعتادَ القيامَ بِهِ إذْ إنَّهُ رُبَّما كانَ يَحرُثُ الحَقلَ، أو يَبني شَيئًا مَا، أو يُعِدُّ التُّربةَ لشيءٍ مَا. فقد كانَ يَعملُ في الحقلِ ويَتعَبُ في سَبيلِ كَسْبِ رِزْقِه. فقد كانَ يَفعلُ ما يَفعل فوجدَ كَنزًا.
وهناكَ أشخاصٌ يَدخلونَ المَلكوتَ هكذا. أليسَ كذلك؟ بِكُلِّ تأكيد. فهل كانَ الرَّسولُ بولسُ يَسعى إلى دُخولِ المَلكوت؟ لا، البَتَّة! فقد كانَ يَظُنُّ أنَّهُ فيه. فقد كانَ في طَريقِهِ إلى دِمَشق لكي يَقتُلَ المَسيحيِّين. والشَّيءُ التَّالي الَّذي حَدَثَ لَهُ هو أنَّ اللهَ صَعَقَهُ مِنَ السَّماءِ وأسقَطَهُ على الرِّمال فَنالَ الفِداء. فقد كانَ يَقومُ بعملهِ وحَسْب. فقد كانَ يَحرُثُ حَقلَهُ فَعَثَرَ على كَنْز.
وماذا عنِ المرأةِ السَّامريَّة؟ لقد كانت عَطشى. فقد جاءت إلى البِئرِ لكي تَحصُلَ على جُرعةِ ماء؛ ولكنَّها عادت إلى بَيتِها مَفديَّة. ثُمَّ إنَّ هُناكَ ذلكَ الرَّجُل الَّذي وُلِدَ أَعمي. وقد كانَ كُلُّ طُموحِهِ في الحياةِ هو أن يستعيدَ بَصَرَهُ. ولكنَّهُ عادَ إلى بَيتِهِ مَفديًّا أيضًا. وكما تَعلمونَ، هناكَ أشخاصٌ يَأتونَ إلى الكنيسةِ لكي يَسخروا مِنَ الواعِظ؛ ولكنَّهُم يَخلُصون. لِذا، ينبغي أن تَتوخَّوْا الحَذَر. فهناكَ أشخاصٌ لا يَبحثونَ تَحديدًا عن ذلك؛ ولكنَّهم يَعثرونَ على الكَنز.
عندما كانَ "تشارلز هادُّون سبيرجن" (Charles Haddon Spurgeon) شابًّا، كانَ يَذهبُ إلى الكنيسةِ بانتظامٍ لأنَّهُ مُضطرٌّ للقيامِ بذلك. ولكنَّهُ لم يَكُن يَعرفُ المسيح، ولم يَكُن يَبحثُ عنِ المسيح. فقد كانَ راضِيًا بتَدَيُّنِه. وعندما كانَ عُمرُهُ خمسَ عشرةَ سنة فقط، قَرَّرَ في صَباحِ أوَّلِ يومٍ في السَّنةِ الجديدة أنَّهُ مِنَ اللاَّئقِ أن يَذهبَ إلى الكنيسة. ويَقولُ كاتِبُ سِيرتِهِ الذَّاتيَّة إنَّهُ كانت هناكَ عاصفة ثَلجيَّة فلم يَتمكَّن مِنَ الذَّهابِ إلى الكنيسةِ الَّتي كانَ مُعتادًا على الذَّهابِ إليها.
وهو يَقول: "عندما لم يَعُد بمقدوري السَّيرَ أكثر، دَخَلْتُ حَيًّا مُجاورًا فرأيتُ كنيسةً ميثوديَّةً صغيرةً مُتواضعة. ولم يَتمكَّن راعي تلك الكنيسة مِنَ المجيءِ إلى الكنيسة بسببِ الأحوالِ الجويَّةِ القاسية. وسُرعانَ ما جاءَ واحدٌ مِن خُدَّامِ الكنيسةِ لكي يَعِظَ مَجموعةً لا تَزيدُ عن خمسَةَ عشرَ شخصًا. وقد قالَ سبيرجن: "لقد كانَ ذلكَ الشَّخصُ أحمقَ حَقًّا. فقد قرأَ الآيةَ الَّتي تقول: ’اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْض‘ واستمرَّ في تَرديدِها لأنَّهُ لم يَدري ماذا يَقول".
ثُمَّ إنَّ شَيئًا جَعَلَ سبيرجن الشَّاب يَنظُر إلى عَينيِّ الواعِظِ الَّذي قالَ لَهُ فجأةً: "أيُّها الشَّابُّ! أنتَ تَبدو في حالةٍ مُزريةٍ جدًّا. وسوفَ تَبقى بائسًا في حياتِكَ وتَكونُ بائسًا في مَوتِك إن لم تُطِع ما تَقولُهُ هذه الآية". وفجأةً صاحَ قَائِلاً حَرفيًّا: "أيُّها الشَّابُّ! التفِت إلى يسوع! التَفِت! التَفِت! التَفِت!"
وقد قالَ سبيرجن: "لقد التَفَتُّ! وفي تلكَ اللَّحظةِ وذلك المكان، انقشعت الغَيمةُ وتَلاشى الظَّلامُ، ورأيتُ في تلكَ اللَّحظةِ الابن". وَهُوَ لم يَكُن يَبحثُ عن أيِّ شيءٍ، ولكنَّهُ وَجَدَهُ. فقد عَثَرَ على كَنْز. وَقِلَّةٌ قَليلةٌ مِنَ النَّاسِ تَركت التَّأثيرَ في نُفوسٍ كثيرةٍ كما فَعلَ تشارلز هادُّون سبيرجن. ولا أدري مَن هو ذلك الشَّخص الأحمق الَّذي استمرَّ في تَرديدِ تلكَ الآية؛ ولكنَّ ما قالَهُ كانَ مِنَ الله.
ثُمَّ إنَّ هُناكَ الشَّخصَ الآخرَ الَّذي بَحَثَ عنِ اللآلِئ. فقد كانَ يَعلمُ ما الَّذي يَبحثُ عنه. فهو لم يَكُن رَجُلاً عاديًّا كذلكَ الرَّجُل الَّذي كانَ يَحرُثُ الحَقلَ. وَهُوَ لم يَكُن رَجُلاً راضيًا بحياتِهِ العاديَّةِ أوِ الدِّينيَّةِ، بل كانَ يَبحثُ حقًّا عن شيءٍ ذي قيمةٍ حقيقيَّة. ومِن وُجهة نَظري، هذا هو الباحِثُ الحَقيقيُّ. هذا هو الخَصِيُّ الحَبَشِيُّ المَذكور في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح الثَّامن. وهذا هو كورنيليوس المَذكور في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح العاشِر. وهذا هو ليديَّة المَذكورة في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 16. وهذا هو سَجَّانُ فيلبِّي المَذكور في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 16. وهذا هو أهلُ بيريَّة المذكورين في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 17.
فهذا هو الشَّخصُ الَّذي يَبحثُ عنِ اللهِ، ويَبحثُ عنِ الفضيلةِ، ويَبحثُ عن ذلكَ الشَّيءِ القَيِّمِ حقًّا. ولكنَّ ما لا يَفهَمُهُ في بَحثِهِ عنِ التَّدَيُّنِ الَّذي يأتي دائمًا مِن خلالِ أعمالِ البشر هو أنَّ كُلَّ ذلكَ مَوجودٌ في لُؤلؤةٍ واحدة فقط – في لُؤلؤةٍ واحدة فقط. فقد كانَ يَبحثُ عن لآلئ، ويَبحثُ عن أشياء قَيِّمة.
فقد كانَ يَبحثُ عنِ الصَّلاحِ، والنَّزاهةِ، والفضيلةِ، واللهِ، والغُفرانِ، والسَّلامِ، والفرحِ، والسَّماءِ، والخلاص. ورُبَّما ظَنَّ أنَّ ذلكَ مَوجودٌ في كُلِّ مكان، أي في لآلئَ كثيرة. وقد كانت صَدمَتُهُ كبيرة حينَ اكتشفَ أنَّ كُلَّ ذلكَ مَوجودٌ في لُؤلؤة واحدة. فكُلُّ ما يَحتاجُ إليه مَوجودٌ في لُؤلؤة واحدة. لِذا، هناكَ أشخاصٌ يأتونَ إلى المَلكوتِ بِمَحْضِ الصُّدفةِ؛ ولكن ليسَ مِن وُجهةِ نَظرِ الله. وهُناكَ أشخاصٌ يَبحثون.
قبلَ بِضعةِ أشهُر، كانَ هُناكَ رَجُلٌ وامرأةٌ يَحتفلان بعيدِ زواجِهما الخَمسين. وكانَ الرَّجُلُ أعمى. وقد جَلَسَا هُنا في الصَّفِّ الأماميّ. وقد جاءَا إليَّ بعدَ العِظَة والدُّموعُ تَملأُ أعينُهما وقالا: "هل يُمكنُنا أن نَتناولَ العشاءَ معكَ ومعَ عائلتِكَ اليوم؟" ونحنُ لا نَفعلُ ذلكَ عادةً، ولكنَّنا شَعرنا لسببٍ مَا أنَّ الرَّبَّ يُريدُنا أن نَفعلَ ذلك فقُلنا: "أجل، يُمكنُنا أن نَفعلَ ذلك". وقد جَلسنا حولَ المائدة فابتدأ الرَّجُلُ وزوجَتُهُ يَبكيان وقالا: "هل تَعلمُ أنَّنا بَحَثنا عنِ اللهِ خَمسينَ سنة؟ خمسينَ سنة!
"فعندما تَزَوَّجنا، كُنَّا نَرغبُ في البحثِ عنِ الله، ونَرغبُ في مَعرفةِ الله. وقد بَحثنا عنهُ في ديانةٍ تِلو الأخرى، تلو الأخرى، تلو الأخرى. وأخيرًا، انتَهى المَطافُ بنا في كنيسةِ الوَحدة"؛ وهي بِدعَة. "وذاتَ يوم، رَجَعنا إلى البيتِ وبَدا لنا أنَّهُ يوجدُ فَراغٌ في حياتِنا. وقد فَتَحنا المِذياعَ فسمِعناكَ تَعِظ! وقبلَ أن نَسمَعَ نِصفِ العِظة، رُحنا نَبكي وقُلنا: ’هذا هو الحقُّ الَّذي نبحثُ عنهُ منذُ خمسينَ عامًا‘. وقد قَرَّرنا المجيءَ إلى هنا مِن أوكلاهوما لكي نقولَ لكَ ذلك".
فهناكَ أشخاصٌ يَبحثونَ عنِ الكَنز، وهناكَ أشخاصٌ يَجدونَ الكَنزَ وحسب. وهُناكَ مَزيجٌ مِنَ الاثنين. أليسَ كذلك؟ ولكنَّ دُخولَ المَلكوتِ قد يَحدُثُ بطرائقَ مُختلفة.
والآن، نأتي إلى النُّقطةِ الأخيرة. ويجب عليكم أن تُرَكِّزوا في هذا المبدأ لأنَّهُ مُهمٌّ جدًّا: المَلكوتُ يَصيرُ شَخصيًّا مِن خلالِ صَفْقَة. المَلكوتُ يَصيرُ شَخصيًّا مِن خلالِ صَفْقَة. ففي كِلتا هَاتينِ الحالتَين، نَجِدُ أنَّ الكلمة "شِراء" أو "اشترى" مُستخدَمَة. وهناكَ أشخاصٌ يَشعرونَ بالتَّوتُّرِ هنا ويَقولون: "مَهلاً! أنتَ لا تَعني أنَّهُ يُمكنُكَ أن تَشتري خَلاصَك! أنتَ لا تَعني أنَّ الرَّجُلانِ في هذا المَثَل اشتريا خَلاصَهُما!"
اسمَعوني جيِّدًا: بِمَعنى مِنَ المَعاني، الكتابُ المُقدَّسُ يَقولُ إنَّهُما فَعلاَ ذلك؛ ولكن يجب أن تَفهموا بأيِّ مَعنى. فالشَّيءُ المُؤكَّدُ هو أنَّ القصَّة في ذاتِها تَقولُ إنَّ واحدًا اشترى كَنزًا حقيقيًّا بذلك المال، وإنَّ الثَّاني اشترى لؤلؤةً حقيقيَّةً بذلك المال. ولكنَّ هذا هو ما تَقولُهُ القصَّةُ وحسب. وقد تَمَّ شِراءُ المَلكوتِ، ولكن لا يُمكنكم أن تأخذوا المالَ مِنَ المَثَلِ وأن تَستخدموهُ في المَلكوت. لِذا، أيًّا كانَ الثَّمنُ هُنا فإنَّهُ ليسَ المال.
والحقيقةُ هي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَشتري خَلاصَكَ بالمال. فالإنسانُ الغَنيُّ لا يَستطيعُ أن يَشتري طَريقَهُ إلى المَلكوتِ كما أنَّ الجَملَ لا يَستطيعُ أن يَمُرَّ مِنْ ثَقْبِ إبرة. ولكنَّ هذه ليست النُّقطة الجوهريَّة. فالكتابُ المُقدَّسُ يُخبرُنا أنَّ الخلاصَ هو هِبَة مَجَّانيَّة مِنَ الله في رسالة رُومية والأصحاح الثَّالث. وهو "لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". فنحنُ لا نَشتريه بأنفسِنا مِن خلالِ صَلاحِنا الذَّاتيّ. ولكنَّهُ يُشتَرى بالرَّغمِ مِن ذلك.
فهناكَ آيةٌ في العهدِ القديم يَذكُرُها النَّاسُ دائمًا للإشارةِ إلى الخلاصِ بالنِّعمة، وهي في الأصحاحِ الخامسِ والخمسين؛ وسوفَ أقرأُها على مَسامِعِكُم وَحَسْب. فهي الآيةُ الأولى مِن سِفْر إشعياء والأصحاح الخامسِ والخمسين. وهي تَقول: "أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا. هَلُمُّوا اشْتَرُوا بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ خَمْرًا وَلَبَنًا".
والجَميعُ يَقولونَ: "أجل، بلا مَال! أجل، بلا ثَمَن! فأنتَ لستَ بحاجة إلى أيِّ مال". ولكنَّهم يَنْسَوْنَ أنَّ الآيةَ تقول: "تَعالَوْا واشتَرُوا". تَعالَوْا واشتَرُوا! تَعالَوْا واشتَرُوا! فأنتُم تَشترونَهُ؛ ولكنَّكم لا تَشترونَهُ بالمال. فهناكَ صَفْقَة شِراء في الخلاص. وقد تقول: "وما هي هذه الصَّفْقَة؟" إنَّها ليست مالاً، وليست أعمالاً بَشريَّة. لِذا فإنَّكَ تقول: "ما هي؟" لا بُدَّ مِن مُبادَلة. وهي كالتَّالي. فالصَّفْقةُ هي كما يَلي: أنتَ تُقَدِّمُ كُلَّ ما لديكَ مِن أجلِ الحُصولِ على كُلِّ ما لَدى الله. هل فَهمتُم ذلك؟ هذا هو جَوهرُ صَفْقَةِ الخلاص. فأنا أُقَدِّمُ كُلَّ ما لَديَّ، واللهُ يُقَدِّمُ لي كُلَّ ما لَديه.
والآن اسمَعوني جيِّدًا جدًّا. فأنا لا أريدُ أن تُسيئوا فَهمَ هذه النُّقطة. فيجب عليكم أن تَفهموها بوضوح في أذهانِكُم. نَقرأُ في إنجيل لوقا 9: 57: "وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «يَا سَيِّدُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي»". أي أنا أريدُ أن أدخُلَ مَلكوتَكَ، وأريدُ أن أكونَ تابِعًا لَكَ، وأريدُ أن أكونَ مِن رَعيَّتِك، وأريدُ أن تَكونَ رَبِّي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأسَهُ»".
حسنًا! هذا هو الثَّمن: راحَتُك. أعطِني راحَتَكَ فأُعطيكَ مَلكوتي. ولكنَّ الصَّفْقَةَ لم تَتِمّ. فالرَّجُلُ لم يَقبل الصَّفْقَة. وقد قالَ آخر: "أريدُ أن أتبَعَكَ، ولكنِّي أريدُ أن أَدْفِنَ أَبِي". ولم يَكُن أبوهُ قد ماتَ بَعد، ولكنَّهُ أرادَ أن يَبقى بالقُربِ مِن أبيه إلى أن يأخُذَ المِيراث. فقالَ لَهُ يَسوع: "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ". ولكنَّهُ لم يَقبل الصَّفْقَة. فالشَّخصُ الأوَّلُ لم يَرغب في التَّخلِّي عن راحَتِه، والشَّخصُ الثَّاني لم يَرغب في التَّخلِّي عن أموالِهِ أو ميراثِه.
وقد قالَ الشَّخصُ الثَّالثُ: "أَتْبَعُكَ يَا سَيِّدُ، وَلكِنِ ائْذَنْ لِي أَوَّلاً أَنْ أُوَدِّعَ الَّذِينَ فِي بَيْتِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ الله»". فلا يُمكنُكَ أن تَحرُثَ بِخَطٍّ مُستقيمٍ وأنتَ تَنظُرُ إلى الجِهَةِ المُعاكِسَة. وهذا الشَّخصُ لم يَقبل الصَّفْقَةَ أيضًا. فهو لم يَرغب في تَرْكِ عائلتِه.
والآن، أنتُم لا تَخلُصونَ بواسطةِ المالِ، ولا تَخلُصونَ بكُلِّ هذهِ العناصِرِ الأخرى. فهذا ليسَ العامِلُ في الخلاص، ولكنَّهُ يُشيرُ إلى ما إذا كُنتَ مُستعدًّا لِعَقْدِ صَفْقَةِ الخلاصِ الَّتي تقولُ إنَّهُ لا يَجوزُ أن يَكونَ هُناكَ أيُّ شيءٍ يَحُولُ بينَ استعدادي لتقديمِ نفسي مِن أجلِ قَبولِك. هذه هي النُّقطةُ الجوهريَّة. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 10: 37: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي".
بعبارةٍ أخرى، إن لم تَكُن تَرغبُ في تَقديمِ نَفسِكَ للهِ حَتَّى إنِ اقتضى الأمرَ التَّخلِّي عن عائلتِك، فإنَّكَ لن تَدخُلَ المَلكوت. "مَنْ لاَ يَأخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي". ونَقرأُ أيضًا: "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ [يَفعلُ ماذا؟] يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا". هذه هي الصَّفْقَة. فيجب عليكَ أن تَتخلَّى عن كلِّ شيءٍ لديكَ لكي تَحصُلَ على كُلِّ ما يُقدِّمُهُ لك. هذا هو الخلاص. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 16... ويُمكنني أن أستمرَّ في قراءةِ آياتٍ عن ذلك؛ ولكن في إنجيل مَتَّى 16: 24، قالَ يسوعُ لتلاميذِه: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي..." [هذه هي الصَّفْقَة] "...فَلْيُنْكِرْ [مَن؟] نَفْسَهُ".
فالخلاصُ صَفْقَةٌ أَتَخلَّى فيها عن نفسي لأجلِهِ لكي يَكونَ الرَّبُّ سَّيِّدًا على حياتي. هذا هو المبدأُ الرَّئيسيُّ. فقد جاءَ حاكِمٌ شابٌّ إلى يسوعَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 19 وقال: " أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لكي أدخُلَ مَلكوتَكَ؟ أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟" وإليكُم ما قالَهُ يسوع: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ في مَلكوتي فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاء".
هل تُريدُ كَنزي؟ كما هي حالُ الكَنزِ الَّذي في الحَقل؟ هل تُريدُ كَنزي؟ إذًا، تَخَلَّى عن كُلِّ أملاكِكَ. والآن، هل تَخلُصُ بواسطةِ إعطاءِ كُلِّ أموالِكَ للفُقراء؟ لا. بل إنَّكَ تأتي إلى المسيحِ فتَخلُص عندما تُبدي الاستعدادَ للتَّخلِّي عن كُلِّ شيءٍ لكي تُؤكِّدَ أنَّهُ رَبٌّ على حياتِك. هذه هي الصَّفْقَة. هذه هي الصَّفْقَة.
فنحنُ نُقَدِّمُ أنفسَنا، وخطايانا، ومَشيئتَنا، ونُسَلِّمُ دَفَّةَ حَياتِنا لقيادةِ المسيح. والآن، لا أَظُنُّ أنَّ الأشخاصَ المُخَلَّصينَ كانوا في لَحظةِ خَلاصِهم يَفهمونَ كُلَّ ما يَتَرَتَّبُ على ذلك. ولا أعتقدُ أنَّهم كانوا يَفهمونَ كُلَّ عَناصِرِ ذلك. ولكنِّي أُوْمِنُ بأنَّ الخلاصَ الحقيقيَّ يَظهَرُ مِن خلالِ الاستعدادِ للقيامِ بهذا الأمر عندما يَفهمونَ ذلك.
فالنَّصُّ لا يَقولُ: "يُمكنُكَ أن تَخلُصَ إن تَوقَّفتَ عنِ الخطيَّةِ، وتَوقَّفتَ عنِ التَّجديفِ، وتَوقَّفتَ عنِ الشُّربِ، وتَوقَّفتَ عن ضَربِ زَوجتِك، وتَوقَّفتَ عنِ المُجادلةِ والشِّجارِ والشَّهوةِ ثُمَّ أتيتَ إليَّ". لا، لا، لا! بل إنَّهُ يَقول: "لا يُمكنني التَّخلُّصُ مِن تلك الأشياء، ولكنِّي أُقَدِّمُ كُلَّ إرادَتي الشَّخصيَّةِ، وقُوَّتي الذَّاتيَّة، ومَوارِدي، وأتَنازَلُ عن كُلِّ شيءٍ يَختصُّ بي لكي أحصُلَ على قُوَّتِكَ وقُدرتِك". هذه هي الصَّفْقَة. فهي الاستعدادُ للتخلِّي عن كلِّ شيءٍ وإخضاعِ كُلِّ شيءٍ لرُبوبيَّةِ المسيح.
وهُناكَ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ عن ذلكَ في رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّالث. وأريدُ منكم أن تُصغوا بعناية إليه. وبولسُ هو المُتحدِّث هُنا. والنَّصُّ يقولُ إنَّهُ سيُخبرُكم عَمَّا كانَ يَملِكُهُ في الجسد. فهذه هي الأشياءُ الَّتي كانَ يَحسَبُها مَصدرَ غِناه. فهي كُلُّ ما كانَ يَملِكُهُ، وكُلُّ ما لديه. فهو يَقول: "مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ".
بعبارة أخرى، لقد كانَ يَتَّكِلُ كثيرًا على أنَّهُ يَهوديٌّ، وعلى انتمائِهِ إلى سِبْطِ بِنيامين. وقد كانَ ذلكَ أمرًا مُهمًّا لأنَّ سِبْطَ بِنيامين كانَ واحدًا مِنَ الأسباطِ الصَّالحة تاريخيًّا. لِذا فقد كانَ يُعرَفُ بأنَّهُ يَهوديٌّ حَقيقيٌّ، وبأنَّهُ فَرِّيسيّ. فقد كانَت لديهِ الغَيرَةُ، وكانَ بارًّا بحَسَبِ النَّاموسِ، وبلا لَوم. انظُروا نَسَبي اليَهوديّ، وبِرِّي، وقداسَتي، وكُلَّ هذه الأشياء. فقد كانَ هذا هو رأسُ مَالي. وكانَ هذا هو مَصدَرُ فَخري.
ولكن عندما التقى المسيحَ ما الَّذي حَدث؟ "لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ [ماذا]؟ خَسَارَةً". وهذه هي الصَّفْقَة. "بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً [وأحسِبُها نُفايةً وشَيئًا مُبتَذَلاً] مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيح". وكما تَرَوْنَ، نحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ اشترى الكَنزَ. أليسَ كذلك؟ ونحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ اشترى اللُّؤلؤة. فهو يَبيعُ كُلَّ شيء. فهو يَتخلَّى عن كُلِّ بِرِّهِ الذَّاتيِّ، وكُلِّ مَوارِدِهِ الشَّخصيَّة، وكُلِّ إرادَتِهِ الذَّاتيَّة مِن أجلِ الاعترافِ برُبوبيَّةِ يسوعَ المسيح.
وَهُوَ لا يَفهمُ كُلَّ ما يَنطوي عليهِ ذلك الأمر. وَهُوَ لا يَفهمُ كُلَّ مَا يَعنيه ذلك؛ ولكنَّ الاستعدادَ مَوجود. أنا مُستعدٌّ أن أدفعَ أيِّ ثَمَنٍ إن كانَ ذلكَ يَعني أن أُوجَدَ فيه، وأن أعرِفَهُ، وإن كانَ بمقدوري أن أَبلُغَ إلى قِيامةِ الأموات. فأنا مُستعدٌّ لِدفعِ أيِّ ثَمَن. والآن، أعتقدُ أنَّ عُنصرَ الثَّمَن لا يُعطَى حَقَّهُ عندَ تقديمِ الخلاص. ولكنَّنا نَدْعو إلى صَفْقَة.
في إنجيل لوقا والأصحاح 14، يَقولُ رَبُّنا: "وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ ... وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟" فلا أحدَ يَمضي وهو مُغمَضُ العَينين. فيجب عليكَ أن تَحسِبَ النَّفقة. فهناكَ نَفَقة، ولكنَّ الأمرَ يَستأهِلُ النَّفقة. فاللُّؤلؤةُ ثَمينة جدًّا، والكَنزُ ثَمينٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ يَستأهِلُ أيَّ ثَمَن.
قبلَ أسبوع، استلقيتُ على الأريكةِ معَ "ميلندا" (Melinda) وقلتُ لها: "أريدُ أن أقرأَ لكِ قِصَّة، يا عَزيزتي، أعتقدُ أنَّكِ ستُحبِّينَها. وهي عن أُسْروعٍ اسمُهُ ’سترايب‘ (Stripe)". لذا فقد جَلَسَتْ بجانبي وقرأنا عن سترايب. كانَ سترايب أُسْروعًا، وكانَ يَفعلُ ما يَفعلُهُ الأُسروع. فقد كانَ كُلُّ ما يَفعلُهُ هو السَّيرُ في الحَقل، ولكنَّهُ شَعَرَ بالضَّجَر. لِذا، نَظرَ سترايب ذاتَ يومٍ إلى مَكانٍ بعيدٍ فرأى عَمودًا يَرتَفِعُ إلى السَّماء. وقد راحَ يُفَكِّرُ قائلاً: "ما هذا يا تُرى؟"
وعندما اقتربَ رأى سِرْبًا مِنَ الأساريع. فقد كانَ سِربًا مِنَ الأساريعِ الَّتي تَتَسَلَّقُ إلى أعلى. ولم يَتمكَّن مِن رُؤيةِ القِمَّة لأنَّهُ كانت هُناكَ غَيمة هُناك. فقد كانت مَجموعة مِنَ الأساريعِ الَّتي تَتَسَلَّقُ بعضُها على بعض باتِّجاهِ الغُيوم. وقد فَكَّرَ قائلاً: "حسنًا! رُبَّما كانَ هذا هو ما تَفعَلُهُ الأساريع. فهي تَتَسَلَّقُ عُمودَ الأساريع". لِذا فقد صَعِدَ إلى عَمودِ الأساريعِ وابتدأَ يَتسلَّق.
وعندما تَتسلَّقُ عَمودَ الأساريع، قد تَدوسُ رأسَ أيَّ أُسروعٍ آخرَ لكي تَصِلَ إلى الأعلى. لِذا فقد استمرَّ يَشُقُّ طَريقَهُ إلى أعلى عَمودِ الأساريع ويَسألُ الأساريعَ بينَ الحينِ والآخر: "ماذا يوجدُ في الأعلى؟" وقد قالوا جميعًا: "لا نَدري، ولكن يبدو أنَّ الجَميعَ يَذهبونَ إلى هُناك. لِذا، لا بُدَّ أنَّهُ شيءٌ مُهمّ". لِذا فقد استمرُّوا جميعًا في التَّسلُّق. وفجأةً، دَاسَ رأسَ أُسروعةٍ صَغيرةٍ صفراء جميلة جدًّا فشعرَ بالنَّدمِ بسببِ ذلك.
ثُمَّ إنَّهُ فعلَ شيئًا لا يَنبغي أن يَفعلَهُ عندما تَتسلَّقُ عَمودَ أساريع. فقد نَظرَ إلى الأسروعَةِ مُباشرةً. ولا يَجوزُ أن تُنشِئَ أيَّة علاقاتٍ بأشخاصٍ تَدوسُهم. وعندما أخطأَ وَنَظَرَ إلى الأُسروعةِ مُباشرة قالَ في نفسِه: "هذه أُسروعةٌ صغيرةٌ جميلةٌ صَفراءُ اللَّون". وقد قالَ لها: "رُبَّما مِنَ الأفضل أَلاَّ نَتسلَّقَ عَمودَ الأساريعِ هذا، بل يجب علينا أن نَعودَ إلى الحَقلِ وأن نَتعانَق كثيرًا".
لِذا فقد نَزَلَ الاثنانِ إلى أسفلِ عَمودِ الأساريعِ وذَهبا إلى الحقلِ وتَعانَقا كثيرًا. وبعدَ قليل، صَارَ العِناقُ مُمِلاًّ قليلاً فقال: "أعتقدُ أنَّني سأعودُ إلى تَسَلُّقِ عَمودِ الأساريعِ لأرى ماذا يوجد في الأعلى. فالعِناقُ مُمِلٌّ قليلاً". قالت: "لا يُمكنُني العَودة إلى هناك". لِذا فقد تَرَكَها فشَعَرت بوَحدةٍ مُوحِشَة.
وبينَما كانت تَزحَفُ في الحَقلِ وتَنظُرُ إلى أحدِ الأغصانِ رأت شيئًا مُضحِكًا مُعَلَّقًا عليه. فقد كانَ ذلكَ الشَّيءُ نِصفَ كِيْسٍ صَغيرٍ ونِصفَ أُسروع. وقد قالت للأُسروع: "ماذا تفعل؟" قال: "أنا أَغْزِلُ شَرنَقَةً". قالت: "ولماذا تَفعل ذلك؟" قالَ الأُسروع: "لأنِّي سأموت". قالت: "ولكن لماذا تُريدُ أن تَموت؟" قال: "لأنَّكِ إنْ مُتِّ تُولَدينَ ثانيةً وتصيرينَ فَراشَة".
قالت: "هل أنتَ مُتأكِّد؟ لأنَّهُ ماذا سيحدثُ إنْ مُتَّ وانتهى الأمر ولم تُولَد في هَيئة فَراشة؟" قال: "سوفَ تُولَدينَ بهيئة فَراشة لأنَّ هذا هو ما يَحدُثُ للأساريع إذْ إنَّها تَصيرُ فَراشات. ولكن يجب عليها أن تَموتَ أوَّلاً". وقد فَكَّرَت في ذلك وقتًا طويلاً لأنَّ تلكَ كانت مُغامرة كبيرة. وقد قَرَّرت هي أيضًا أنَّها مُستعدَّة للموتِ لكي تُولَد فراشة. وحينئذٍ، لن تُضطرَّ إلى تَسَلُّقِ عَمودِ الأساريع. فيمُكنها حينئذٍ أن تَطيرَ إلى أعلى وتَنظُرَ إلى أسفل وتَرى ماذا يوجد هناك. لِذا فقد غَزَلَت شَرنقةً وماتت.
واحزَروا ماذا حَدث؟ لقد وُلِدَت في هيئةِ فَراشة. وقد طَارت فوقَ عَمودِ الأساريع ووجدت هُناكَ سترايب. وقد كانَ قد وَصَلَ تَقريبًا إلى أعلى. وقد كانَ قَريبًا جدًّا مِن أعلى نُقطة وعلى وَشْكِ أن يَعرِفَ ماذا يوجدُ في الأعلى. وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَحدُثُ عندما تَصِلُ إلى أعلى؟ هُناكَ مَن يَدفَعُكَ ويُوقِعُكَ فتسقُطُ كُلَّ تلكَ المَسافةِ إلى أسفل وتَموت. وقبلَ أن يَسقُط، أنقذتهُ وغَزَلَت شَرنقةً لَهُ فصارَ فَراشةً أيضًا.
ما مَعنى ذلك؟ هذا هو ما سألتُهُ لميلندا فأجابت: "أنا أعرِفُ مَعنى ذلك؟ فمَعنى ذلكَ هو أنَّهُ إنْ كُنتَ مُستعدًّا للموت، يُمكنكَ أن تُولدَ مِن جديد وتصيرَ مؤمِنًا مَسيحيًّا". هذا صحيح. وهذه هي رِسالةُ المَثَل. فهذا هو ما يَقولُهُ. فَكِّروا في المسيح. فقد أخذَ حَياتَهُ وبَذَلَها لأجلِ العالَمِ ليَفديه. وقبلَ أن يَنتهي عَذابَهُ قبلَ غُروبِ الشَّمس، كَلَّلَ ذلكَ اليومَ بتاجٍ قِرمِزيّ. فقد كانَ يَعلَمُ أنَّهُ انتصر.
إنَّ المَلكوتَ ثَمين. والمَلكوتُ مُخفَى. والمَلكوتُ شَخصيٌّ. والمَلكوتُ مُفرِحٌ. ويُمكِنُنا أن نَدخُلَ المَلكوتَ بِطرائقَ مُختلفة؛ ولكنَّ الثَّمنَ الَّذي يَنبغي أن يُدفَعَ دائمًا هو أن أَبذُلَ نَفسَي في سَبيلِ قَبولِ رُبوبيَّةِ يسوعَ المسيح.
This article is also available and sold as a booklet.
