Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نأتي الآنَ إلى الامتيازِ العظيمِ والمُقدَّسِ المُتمثِّلِ في دراسةِ كلمةِ اللهِ الثَّمينة. وأودُّ أن أُشَجِّعَكُم على أن تأخُذوا كِتابَكُم المُقدَّسَ وتَفتحوهُ معي على إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّالث عشر. إنجيل مَتَّى والأصحاح الثَّالث عشر. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذا الصَّباح في الأعداد مِن 47-52. إنجيل مَتَّى 13: 47-52. ونأتي إلى المَثَلِ السَّابعِ والأخيرِ الَّذي قَدَّمَهُ رَبُّنا يسوعُ المسيحُ في هذا الأصحاحِ الثَّالث عشر. وهذا المَثَلُ هو الذُّروة.

فهذا المَثَلُ تَحديدًا هو مَثَلٌ عنِ الدَّينونة. وهو مَثَلٌ عن جَهنَّم. والفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ لهذا المَثَلِ مَوجودةٌ في العدد 50 وتتَمَثَّلُ في أَتونِ النَّار إذْ "هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". وقد تَكَلَّمَ رَبُّنا مَرَّاتٍ كثيرة وعَديدة جدًّا عن جَهنَّم. وقد قالَ أشياءً كثيرةً عن مَثوى المُدانينَ أوِ الأشرارِ الَّذينَ يَرفضونَ المَسيح.

ولكِن مِن بينِ كُلِّ الأشياءِ المُرعبةِ والمُريعةِ الَّتي قالَها يسوعُ، رُبَّما كانَ أكثرَ شيءٍ مُرَوِّعٍ قَالَهُ هو ما قالَهُ لقادةِ اليهود: "كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟" في إنجيل مَتَّى 23: 33. "كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟"

وقد نَتعجَّبُ مِن صُدورِ كلماتٍ كهذهِ مِن فَمِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح لأنَّنا لا نَقرِنُ الرَّبَّ يسوعَ المسيحِ بجَهنَّم كما يَنبغي لنا أن نَفعل. ولكنَّهُ تَحدَّثَ عن جَهنَّمَ أكثرَ مِمَّا تَحدَّثَ عنِ المحبَّة. وقد تَحدَّثَ عن جَهنَّمَ أكثرَ مِمَّا تَحدَّثَ وُعَّاظُ الكتابِ المقدَّسِ مُجتَمِعين. وإن أردنا أن نَقتدي بِهِ في وَعْظِنا، سيكونُ الحَديثُ عن جَهنَّمَ مَوضوعًا رَئيسيًّا في عِظاتِنا.

قبلَ بِضعِ لَيالٍ، سَمِعْتُ مُقابلةً مع فتاةٍ تُغَنِّي بأسلوبِ "البَنْك الصَّاخِب" (punk rocker). وقد سَألَها المُذيع: "ما الَّذي تَطمحينَ إليه؟ ما الَّذي تَسعينَ إليهِ مُستقبَلاً مِن خلال تَقديمِ هذا النَّوع مِنَ الأغاني؟" فأجابت قائلةً: "الموت! أنا أَتوقُ إلى الموت!" قال: "لماذا؟" قالت: "أريدُ أن أذهبَ إلى جَهنَّم لأنَّ جَهنَّمَ ستكونُ مَكانًا مُمتعًا. أرجو أن أذهبَ إلى جَهنَّم. فأنا أريدُ أن أموتَ لكي أذهبَ إلى جَهنَّمَ وأستمتع".

يا لهُ مِن ضَلال! فجهنَّمُ ليست مُمتعة. وقد كَتَبَ أحدُ الكُتَّابِ: "لا توجد كلماتٌ تَصِفُ جَهنَّم، ولا يوجد شيءٌ على الأرضِ يُشبِهُها، ولا يوجد شخصٌ حَيٌّ لديهِ فكرة حقيقيَّة عنها، ولا يَستطيعُ أيُّ شخصٍ مَهما بَلَغَ مِنَ الجُموحِ والجُنون أن يَحتملَ هَولَها، ولا يَستطيعُ أيُّ شخصٍ مَهما بَلَغَ هَذَيانُهُ أن يَتخيَّلَ مَكانًا مُريعًا كهذا.

"ولا يُمكِنُ لأيِّ كابوسٍ قادِرٍ على العَبَثِ بعقلٍ إنسانٍ مُصابٍ بحُمَّى شَديدة أن يُصَوِّرَ رُعبًا يُشبِهُ أبسطَ أهوالِ جَهنَّم. ولا يُمكِنُ لأيِّ مَسرحِ جَريمةٍ مَهما احتوى على الدِّماءِ والجُروحِ أن يُصَوِّرَ شيئًا مُنَفِّرًا يُشبِهُ أبسطَ شيءٍ في جَهنَّم. لِذا، معَ أنَّ أكثرُ كاتِبٍ مَوهوبٍ قد يَستخدِمُ مَوهبتَهُ لوصفِ أَتُونِ النَّارِ هذا الَّذي لا يُطفَأ، فإنَّهُ سيَبقى عاجزًا عن تَصويرِ أقربِ حَافَةٍ مِن جَهنَّم" [نِهايةُ الاقتباس].

إنَّ هذا المَثَلَ هو مَثَلٌ يُحَذِّرُ رَبُّنا فيهِ مِن جَهنَّم. والآن يجب عليكم أن تَتذكَّروا أنَّ رَبَّنا يُخبرُنا في هذه الأمثال كيفَ ستكونُ هذه الفترة مِن تاريخِ العالَم، وكيفَ سيكونُ هذا الشَّكلُ مِن مُلكِه. فهو المَلِكُ، وهو يَحكُمُ هذا العالَم. وهو يَسمَحُ في هذهِ الفَترةِ بأن يَنمو الخيرُ والشَّرُّ معًا كما رأينا في مَثَلِ الحِنطةِ والزَّوان. وهو يَحتَمِلُ وُجودَ الخيرِ والشَّرِّ معًا في هذه الفترة. ولكن في النِّهاية، سوفَ تأتي الدَّينونة. لِذا فإنَّ هذا هو آخِر مَثَل.

وقد تَأمَّلنا الآنَ في الأمثالِ الَّتي تَصِفُ طَبيعةَ المَلكوتِ، وقُوَّةَ المَلكوتِ، والقَبولَ الشَّخصيَّ للمَلكوت. والآن، نأتي إلى الذُّروةِ والنِّهايةِ والدَّينونة. وهذا تَحذير. فهو تَحذيرٌ مُخيفٌ بأنَّهُ في النِّهاية، سوفَ يَحْدُثُ فَرْزٌ أبديٌّ للهَالِكينَ عنِ المَفديِّين.

والعالَمُ، كَما تَعلمونَ، يَقتربونَ مِن تلك النِّهاية. فكُلُّ حَياةٍ بَشريَّة تَقتربُ مِن تلك السَّاعةِ المَحتومة. واليوم، هناكَ ما لا يَقِلُّ عن 5282 شخصٍ سيَموتونَ في الولاياتِ المُتَّحدةِ وحدِها ويُواجِهونَ مَصيرَهُم الأبديَّ. والأغلبيَّةُ منهم سيَذهبونَ إلى جَهنَّم. وهذا المَثَلُ الأخيرُ يُعطينا إحساسًا بوجودِ تَحذيرٍ قَويٍّ جدًّا.

والآن، أريدُ قبلَ كُلِّ شيءٍ أن نَنظرَ إلى الصُّورةِ الَّتي يَرسِمُها رَبُّنا. فالصُّورةُ أوَّلاً في العدد 47: "أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ شَبَكَةً مَطْرُوحَةً فِي الْبَحْرِ، وَجَامِعَةً مِنْ كُلِّ نَوْعٍ". وهذا يُعطينا الصُّورةَ الَّتي نَحتاجُ إليها لِفَهْمِ التَّعليمِ هُنا.

فقد كانَ صَيْدُ السَّمَكِ شَيئًا شائعًا. وكانَ صَيدُ السَّمَكِ أُسلوبَ حياة. فقد كانَ صَيدُ السَّمَكِ بالنِّسبةِ إلى مَجموعةٍ مِنَ التَّلاميذِ أُسلوبَ حياةٍ. لِذا فقد كانوا يَفهمونَ بوضوحٍ تامٍّ ما يَقول. وبصورة رئيسيَّة، هناكَ ثلاثُ طُرُقٍ للصَّيد. وهذه الطُّرُقُ الثَّلاثُ ما تَزالُ مُستخدمة في ذلك البلد في بُحيرةِ "جَنِّيسَارَت" الَّتي تُعرَفُ ببحرِ الجَليل.

الطَّريقةُ الأولى هي باستخدامِ خَيْطٍ وخُطَّافٍ؛ وهي طريقة يَتِمُّ فيها صَيدُ الأسماكِ سَمَكَةً تِلو الأخرى. ففي إنجيل مَتَّى 17: 27، قالَ الرَّبُّ يسوعُ لبُطرس: "اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً، وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلاً خُذْهَا، وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارًا، فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ [الضَّرائبَ] عَنِّي وَعَنْكَ".

وقد كانَ هذا مَثَلٌ تَوضيحيٌّ على نَوعِ صَيدِ السَّمَكِ الَّذي يُستخدَمُ فيهِ خَيطٌ وخُطَّافٌ. وفي مَقطعٍ سابقٍ (وتَحديدًا في الأصحاحِ الرَّابع مِن إنجيل مَتَّى)، التقى الرَّبُّ التِّلميذينِ بُطرسَ وأندَراوُسَ بينما كانا يَصطادانِ السَّمكَ إذْ نَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابع والعدد 18 أنَّهُما كانا "يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْر".

لِذا فإنَّ الطَّريقةَ الثَّانيةَ للصَّيد هي باستخدامِ شَبَكةِ صَيْد. والكلمة "أمفيبليسترون" (amphiblestron) هي الكلمة المُستخدَمة في اللُّغةِ اليونانيَّة. وقد كانت شَبَكَةً خاصَّةً جدًّا. فقد كانت شَبَكَةً تُشبِهُ دائرةً كبيرةً تُوجَدُ على أطرافِها الخَارجيَّةِ أثقال. وقد كانت تُجْمَعُ معًا مِنَ الوسط. وكانَ لها حَبْلٌ يُربَطُ بذراعِ الصَّيَّاد.

وكانتِ الشَّبكةُ تُحمَلُ على الكَتِف. وعندما يَصِلُ الصَّيَّادُ إلى الشَّاطئ، كانَ يُلقي الشَّبكة. وإن كانَ بارعًا، كانت الشَّبكةُ تأخُذُ شَكلاً دائريًّا كاملاً وتَرتطمُ بالماءِ كدائرة كبيرة وتَغوصُ في الماءِ بسببِ الأثقالِ المُثَبَّتة على أطرافِها فتُمسِكُ كُلَّ الأسماكِ الموجودةِ في تلك المِنطقة.

لِذا فقد كانَ الصيَّادُ يَنتظرُ إلى أن يَرى مَجموعةً كبيرةً مِنَ الأسماك، ثُمَّ يُلقي الشَّبكةَ فَتَنفَتِحُ في شَكلِ دائرة كاملة وتَصطادُ الأسماك. ثُمَّ إنَّهُ يَسحَبُ ذلكَ الحَبْلَ المَربوطَ بمِعصَمِهِ فيُقفِلُ الشَّبكةَ بإحكامٍ، ثُمَّ يَسحَبُها فتأخُذُ شَكلَ كِيسٍ، ثُمَّ يَسحبُ الشَّبكة إلى الشَّاطئِ وهي مَمْلُوءَة بالصَّيد. وهذه هي الشَّبكة الَّتي كانَ رَبُّنا يُشيرُ إليها عندما يَقولُ لتلاميذِهِ إنَّهُ سيَجعلُهم صَيَّادي النَّاس. فسوفَ يُلقونَ الشَّبكةَ ويَصطادونَ أُناسًا للمسيحِ ويَجذِبوهُم إليه.

ولكنَّ هذه ليست الشَّبكة المُستخدمة هُنا. فهذه كلمة يونانيَّة مُختلفة تمامًا. فالكلمة المُستخدمة هنا هي كلمة فريدة. فهي الكلمة "ساغيني" (sagene)، وهي الشَّبكة الكِيسيَّة أوِ الشَّبكة التَّحويطيَّة. وهي كلمة فريدة جدًّا. فهي تَصِفُ شبكة كبيرة جدًّا جدًّا.

والآن، عندما أقولُ إنَّها كبيرة جدًّا فإنِّي أعني أنَّها كبيرة جدًّا. ويَقولُ المُفَسِّر "لينسكي" (Lenski) إنَّهُ كانت توجدُ شِباكُ صَيدٍ تُغَطِّي مِساحَةً تَصِلُ إلى نِصفِ ميل. فهي شِباكٌ كبيرةٌ جدًّا. وهي شَبَكة لم يَكُن بالإمكانِ أن تُستخدَمَ يَدويًّا. أمَّا طَريقةُ استخدامِها فبسيطة جدًّا. فقد كانَ أحدُ طَرَفَيِّ هذه الشَّبكة الكبيرة يُثَبَّتُ على الشَّاطئ، والطَّرفُ الآخرُ يُثَبَّتُ بالقارب.

وعندما يَبتعدُ القاربُ عنِ الشَّاطئ فإنَّهُ يَسحبُ الشَّبكة فَتَنتشرُ الشَّبكة في البُحيرةِ على طُولِ المِساحةِ المُمتدَّةِ بينَ القاربِ والشَّاطِئ. ثُمَّ كانَ القاربُ يُبحِرُ بِشَكلٍ دَائريٍّ. وفي أثناءِ حَرَكَتِهِ الدَّائريَّةِ، كانَ يَجتَذِبُ إلى هذه الشَّبكةِ الضَّخمةِ كُلَّ الكائناتِ البحريَّةِ الموجودةِ أمامَ الشَّبكة.

فهو يَلْتَفُّ دَورةً كاملةً ويَعودُ إلى المَكانِ الَّتي رُبِطَت فيه الشَّبكةُ فَيَجذِبُ كُلَّ الحياةِ الموجودةِ في البحرِ إلى تلك الشَّبكة. ولأنَّ الجُزءَ العُلويَّ مِنَ الشَّبكة يَحوي عَوَّاماتٍ، فإنَّ الشَّبكةَ تَطفو على سَطحِ الماء. ولأنَّ الجُزءَ السُّفليَّ مِنَ الشَّبكة قد ثُبِّتَتْ فيهِ أثقالٌ فإنَّ تلكَ الأثقالَ تَجعَلُها تَنزلُ إلى الأعماق. لِذا فإنَّ الشَّبكةَ تَتحرَّكُ في البحرِ مِثلَ جِدارٍ عَموديٍّ فتَجذِبُ إليها كُلَّ شيء.

والآن، إنَّ ما يُريدُ مِنَّا الرَّبُّ أن نَفهمَهُ بخصوصِ هذه الشَّبكة هو شَيئانِ رَئيسيَّان: الأوَّلُ هو الحَجمُ الهائلُ للشَّبكة، والثَّاني هو حقيقةُ أنَّها تَجذِبُ إليها كُلَّ شيءٍ، وتَصطادُ صَيدًا وَفيرًا جدًّا. وحالَما يَحدُثُ ذلكَ ويَتحرَّكُ القاربُ في البحر، يَكونُ هذا الجِدارُ العَموديُّ الكبيرُ قد اجتذبَ كُلَّ شيءٍ حَيٍّ ومَيِّتٍ.

فهي تَجرُفُ أحيانًا القَعرَ وتَسحَبُ مَعَها كُلَّ أنواعِ الأشياءِ كالأعشابِ البحريَّةِ وكُلِّ أشكالِ الحياةِ الموجودِ هُناكَ تَعلَقُ في تلك الشَّبكة. ثُمَّ إنَّها تُجْذَبُ إلى الشَّاطئ. وفي تلك النُّقطةِ نأتي إلى العدد 48: "فَلَمَّا امْتَلأَتْ أَصْعَدُوهَا عَلَى الشَّاطِئِ، وَجَلَسُوا وَجَمَعُوا الْجِيَادَ إِلَى أَوْعِيَةٍ، وَأَمَّا الأَرْدِيَاءُ فَطَرَحُوهَا خَارِجًا".

والآن، إنَّ الشَّخصيَّةَ الرَّئيسيَّةَ في المَثَلِ هي مَجموعةٌ مِنَ صَيَّادي السَّمك. وَهُم يَجلسونَ على الشَّاطئِ في العدد 48. فَهُم يَجلسونَ عندَ حَافَةِ المياهِ بجانبِ تلك الشَّبكةِ الضَّخمةِ الَّتي جَذَبوها للتَّوّ. وهي مُبَلَّلة تمامًا وتَزخُرُ بالحياةِ إذْ إنَّها مَملوءةٌ بكُلِّ أصنافِ الحياةِ البحريَّة.

ثُمَّ تَبتدئُ عَمليَّةٌ بَطيئةٌ جدًّا، ومَقصودَة، وحَذِرَة، وصَبورة، ومُتأنِّية، ودقيقة نابعة مِنَ الخِبرةِ والمَهارة بهدفِ فَرْزِ الأسماكِ الصَّالحةِ مِنَ الرَّديئة. فَهُم يَجلسون. وهو عَمَلٌ يَقومونَ بهِ بعناية شديدة وصَبرٍ كبير. وقد كانَ هذا المَشهَدُ مألوفًا جدًّا للنَّاسِ الَّذينَ كانَ الرَّبُّ يُكَلِّمُهم؛ ولا سِيَّما التَّلاميذ.

فقد كانوا يَجمعونَ الأسماكَ الجَيِّدةَ ويَضعونها في أوعيةٍ؛ وهي غالبًا أوعية مَملوءة بالماء مِن أجلِ إبقاءِ الأسماكِ حَيَّةً إن أرادوا نَقْلَها. أمَّا إن كانت ستُستخدَمُ لغايةٍ أخرى، كانوا يَضعونها في أوعية أخرى. أمَّا الرَّديئةُ فكانت تُطرَح خارجًا.

والآن، إنَّ الصُّورةَ واضحةٌ جدًّا. أليسَ كذلك؟ لِنَنظُر ثانيًا إلى المبدأ في العدد 49. وإليكُم تَفسيرَ الرَّبِّ شَخصيًّا: "هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَار". ويُمكنُنا أن نَتوقَّفَ عندَ تلك النُّقطة.

يُمكننا أن نَقولَ الكثيرَ عن ذلك المَثَل. وهناكَ أمورٌ كثيرةٌ يُمكنكم أن تَفعلوها به. وهناكَ احتمالاتٌ مُدهشة. ولكنَّ الرَّبَّ مُهتمٌّ بعُنصُرٍ واحدٍ فقط وهو عَمليَّةُ الفَرزِ الَّتي تَحدُثُ على الشَّاطئ لأنَّهُ صُورة لعمليَّةِ الفَرزِ الَّتي سيقومُ بها الملائكةُ في الدَّينونة. فهذا هو ما يَهتمُّ به.

وكما تَرَوْنَ، طَوالَ هذه الفترةِ، كما تَعَلَّمنا، سوفَ يَستمرُّ الخيرُ والشَّرُّ في الوُجودِ معًا. وسوفَ يَحتَمِلُ اللهُ الشَّرَّ. ولكنَّ الوقتَ سيَأتي عندما يَفصِلُ بينَ أولئكَ الَّذينَ يَعرِفونَ المَلِكَ، أيْ بينَ رَعايا المَلِكِ الَّذين يَعرفونَ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ وبينَ أولئكَ الَّذينَ لا يَعرفونَهُ.

وهذا الفَصلُ هو أمرٌ مَحتومٌ ونِهائيٌّ. وشَيئًا فشيئًا فإنَّ تلكَ الشَّبكة تَتحرَّكُ بصمتٍ وبصورة غير مَلحوظة في بَحْرِ الزَّمنِ وتَجذِبُ جَميعَ النَّاسِ إلى شَواطِئِ الأبديَّةِ مِن أجلِ عَمليَّةِ الفِرزِ المَحتومَةِ تلك. هذا هو المَبدأ. فالشَّبكةُ تَجذِبُ كُلَّ أنواعِ السَّمك. فهي لا تُحابي أحدًا؛ بل تَجمَعُ كُلَّ ما تُلاقيهِ في طَريقِها.

لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 47 أنَّ المَلكوتَ يُشبِهُ تلك الشَّبَكة. فهو يَتحرَّكُ بصمتٍ في بَحرِ الحياة، ويَجذِبُ النَّاسَ (دونَ حَتَّى أن يَعلَموا ذلك) إلى شَاطئِ الأبديَّة. وعندما يُدركونَ ما يَحدُثُ يَكونُ الأوانُ قد فَات. فسوفَ تَكونُ الأبديَّةُ قد جاءت. فقد تَمَّ جَمْعُهُم لعمليَّةِ الفَرْز.

وقد تَمَّ تَعليمُ هذا الحَقِّ في مَثَلِ الحِنطةِ والزَّوان كما تَرَوْنَ في العدد 41: "يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". فهي نَفسُ الفِكرة، ولكنَّ الربَّ يُكَرِّرُها. والشَّيءُ الرُّوحيُّ الوحيدُ الَّذي يُنَبِّرُ الرَّبُّ عليهِ في هذا المَثَل هو العملُ الأخيرُ الَّذي يَقومُ بهِ الصَّيَّادون. أمَّا كُلُّ شيءٍ آخر فلم يُعَلِّق عليه.

وأعتقد أنَّهُ يجب علينا أن نَترُكَ البقيَّةَ بلا تَعليق وأن نَلتَفِتَ فقط إلى ما قَصَدَ رَبُّنا أن يُعَلِّمَهُ. فعندما تَحدَّثَ عن إلقاءِ الشَّبَكة، استَخدَمَ ذلكَ استخدامًا إيجابيًّا كي يُخبِرَ التَّلاميذَ عن صَيْدِ البشرِ للمسيح. وعندما يَتحدَّثُ عن جَذْبِ هذه الشَّبكةِ الكبيرة، أو هذه الشَّبكةِ الضَّخمةِ الَّتي تُسَمَّى "ساغيني" (sagene) فإنَّهُ يَتحدَّثُ عن جَمْعِ النَّاسِ للدَّينونة.

انظروا إلى العدد 49: "هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَم". فعندما يَنتهي يومُ الإنسان ويَعودُ يسوعُ لتأسيسِ مَلكوتِهِ المجيد، ستأتي الدَّينونة. والآن، هذا ليسَ جَدولاً تِقَنِيًّا أو زَمَنيًّا أو أُخرَويًّا. فهذه ليست مُحاولةً للإشارةِ إلى كُلِّ عُنصُرٍ مِن عناصرِ الدَّينونة، وكُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ. ونحنُ لا نَتحدَّثُ هنا عنِ العَرشِ الأبيضِ العَظيمِ، ولا عنِ الخِرافِ والجِداء، ولا عن كُرسيِّ الدَّينونةِ أو ما إلى ذلك.

بل إنَّهُ كَلامٌ عامٌّ يُشيرُ إلى أنَّ جميعَ النَّاسِ الَّذينَ في العالَمِ سيُجمَعونَ أخيرًا في شَبَكةِ الدَّينونة ليُفرَزوا في النِّهاية. وأَلاَ لاحظتُم مِن فَضلِكُم في العدد 49 أنَّ المَلائكةَ هُمُ المُنَفِّذون؟ فالملائكةُ هُمُ الَّذينَ يَقومونَ بالفَرز؛ تَمامًا كما رأينا في العدد 41، وكما نَرى في إنجيل مَتَّى والأصحاح 24. فالملائكةُ يأتونَ معَ الرَّبِّ لتنفيذِ الدَّينونة.

وكما نَرى في إنجيل مَتَّى والأصحاح 25، وكما نَرى مِرارًا في سِفْر الرُّؤيا؛ ولا سِيَّما في الأصحاح 14. فالملائكةُ هُم الأعوانُ الَّذينَ يُنَفِّذونَ الدَّينونةَ الإلهيَّة. لِذا، معَ أنَّ المَلكوتَ قد يَحتَمِلُ إلى حِين وُجودَ الخيرِ والشَّرِّ معًا، فإنَّ الفَرْزَ يَقترب أكثر فأكثر طَوالَ الوقت. وقد تَحدَّثَ يَسوعُ عن نفسِ هذا الموضوع في إنجيل مَتَّى والأصحاح 25 عندما قالَ في العدد 31: "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ".

وما الَّذي سيَفعلُه حينَ يأتي؟ نَقرأُ: "وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ". فسوفَ يَفرِزُهم. "ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأسِيسِ الْعَالَم"... ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ".

وقد قالَ يسوع في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الخامس إنَّهُ سيَأتي وقتٌ يَقومُ فيهِ جَميعُ البَشر: "فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَة". فسوفَ تَحدُثُ عَمليَّةُ فَرْزٍ في النِّهاية. وسوفَ يَتقرَّرُ المَصيرُ الأبديُّ لكُلِّ نَفسٍ عاشَت يومًا على وَجهِ الأرض.

والآن، هناكَ أشخاصٌ يَسألون: "لماذا يُذكَرُ هذا المَثَل إن كانتِ فِكرةُ الفَرْزِ الرَّئيسيَّة مَذكورة أيضًا في مَثَلِ الحِنطةِ والزَّوان؟" والجوابُ على ذلكَ هو أنَّ هناكَ أسبابًا عديدة: أوَّلاً، إنَّ الفِكرةَ تَتكرَّر لأنَّ الحِنطةَ والزَّوان يُشيرانِ تَحديدًا إلى الوجود المُشترَك. أمَّا هذا المَثَلُ فيُشيرُ فقط إلى الفَرْز. والفِكرةُ تَتكرَّرُ أيضًا لأنَّ قَلبَ الرَّبِّ حَنونٌ، وهو يُريدُ أن يُضيفَ تَحذيرًا آخر.

وهذا شَيءٌ فَعَلَهُ رَبُّنا مِرارًا. فقد حَذَّرَ مِن جَهنَّمَ مَرَّاتٍ كثيرة وعديدة لأنَّهُ لا يُريدُ البتَّة أن يَذهبَ النَّاسُ إلى هناك. وقد قالَ مَرَّاتٍ عديدة: "اسْهَرُوا!" "اسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَان". وقد حَذَّرَ النَّاسَ مِرارًا مِن خُطورةِ الاستخفافِ بخطاياهم لأنَّ اللهَ سيُحاسِبُهم لا مَحالةَ عليها.

وقد تَحدَّثَ عَمَّا حَدَثَ في أيَّامِ نُوح وكيفَ أنَّ النَّاسَ يَعيشونَ في بُحبوحَةٍ ورَخاءٍ ظَاهريٍّ، وسَعادةٍ، ويَفعلونَ كُلَّ ما يَفعلونَهُ في الحياة؛ ثُمَّ تأتي الدَّينونةُ المُريعة. وقد حَذَّرَ مِن ذلكَ المَرَّة تِلو المَرَّة تلو المَرَّة. وقد قالَ مِن خلالِ نَبِيِّهِ يوحنَّا المَعمدان إنَّهُ سيأتي بنارٍ لا تُطفأ ويَحرِق الضَّالِّين.

وقد نَظرَ إلى العالَمِ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ التَّاسعِ ورأى حَصادًا يَمضي نحو الدَّينونة. وقد كانَ يَحزَنُ كثيرًا حينَ يَرى أنَّ النَّاسَ يَسيرونَ في طريقِ الهَلاكِ، وكانَ يَدعوهُم. لِذا، هذا هو سَبَبُ وجودِ هذا التَّحذيرِ هنا. فهو يُركِّزُ على عَمليَّةِ الفَرْزِ الَّتي ستَحدُثُ في نِهايةِ هذا الدَّهر. وهذا يُعطي الرَّبَّ فُرصةً للتَّعبيرِ عن قَلبِهِ الحَنونِ ذاك.

وكما تَرَوْنَ فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ إنَّ اللهَ لا يُسَرُّ بموتِ الشِّرِّير. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ اللهَ لا يَشاءُ أن يَهْلِكَ أُناسٌ. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ اللهَ مُخَلِّصَنا يُريدُ أنَّ جَميعَ النَّاسِ يَخلُصون. وقد بَكى يسوعُ على أورُشليم وقال: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ!... كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا". وقد قالَ أيضًا بِحُزن: "وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ [أبديَّة]". فقَلبُهُ الحُنونُ يُحَذِّرُ النَّاسَ لأنَّهُ يُحِبُّ.

والآن انظروا مَرَّةً أخرى: إنَّ مَلكوتَ السَّماواتِ يُشبِهُ شَبَكَةً. ويُمكنكم أن تَروا كَم أنَّ هذه الصُّورة حَيَّة. فتلكَ الشَّبكة تَتحرَّكُ في العالَم. وهي غير مَنظورة مِن قِبَلِ الأشخاصِ الَّذينَ ليسَ بِمقدورِهم أن يَرَوها. وإن لَمَسَتِ الشَّبَكَةُ صُدفةً ظَهْرَ سَمكةٍ فإنَّ السَّمكةَ تَندفع قليلاً إلى الأمام وتَتمتَّع بالحُريَّة الَّتي تَصْبو إليها دائمًا.

والنَّاسُ يَعيشونَ في هذا العالَمِ ويَتخيَّلونَ أنفسَهُم أحرارًا، ويَرُوحونَ ويَجيئونَ، ويُشبِعونَ رَغْباتِهم، ويَذهبونَ إلى هُنا وهُناك كما يَحلو لَهُم دونَ أن يَعلَموا أنَّ الشَّبكة تَقترِب وتَقترِب وتَقترِب. فالنَّاسُ يَعومونَ بِحُرِّيَّة في أعماقِ البحرِ الواسع في هذه الحياة دونَ أن يَعلَموا أنَّ شَبَكَةَ الدَّينونةِ المَحتومةِ وغير المَنظورة تَقترب أكثر فأكثر فأكثر. وفي كُلِّ مَرَّةً تَتلامَسُ الشَّبَكَةُ مَعَهُم فإنَّهم يَبتعدونَ أكثر عنها. وَهي تَلمَسُهم مَرَّةً أخرى فيَبتعدونَ عنها أكثر.

وأخيرًا فإنَّهم يَبتعدونَ عنها مَرَّةً أخرى فتَصطادُهُم مِنَ الجِهةِ الأخرى لأنَّها تَتحرَّكُ نحو الشَّاطئ. وحينئذٍ تُحاولُ السَّمكةُ جاهِدَةً أن تَهرُبَ إلى أعماقِ البحرِ ولكنَّها تَقَعُ مَرَّةً أخرى في الشَّبكةِ نَفسِها ثُمَّ تُجَرُّ أخيرًا إلى الشَّاطئِ وتَقومُ بآخرِ حَرَكاتٍ يائسةٍ لها لتَموتَ بصمت.

فهكذا يَجري الأمر. فقد لا يَقبلُ النَّاسُ المَلكوت. وقد لا يَرَوْنَ اللهَ يَتحرَّكُ في العالم؛ ولكنَّهُ يَتحرَّك. وعندما يَتلامسُ النَّاسُ غالبًا معَ إنجيلِ يسوعَ المسيحِ أو يُواجِهونَ تَهديدَ الدَّينونة فإنَّهم يَهربونَ إلى الحُريَّةِ الَّتي يَظُنُّونَ أنَّها أمامَهُم. ولكِن عاجِلاً أَم آجِلاً، سيَقعونَ في نفسِ الشَّبكة لأنَّهُ لا توجد حُريَّة في العالَم. فَهُم يَقتربونَ أكثر فأكثر مِنَ الدَّينونةِ المَحتومة. فجَميعُ البَشرِ سيُجمَعونَ في الشَّبَكة. وسوفَ يُحاصِرُهم المَلكوتُ جَميعًا في نِهايةِ المَطاف. وسوفَ يقومُ اللهُ وملائكتُهُ بعمليَّةِ الفَرْز.

وهذا يَقودُني إلى فِكرةٍ ثالثةٍ وهي العَذاب... العَذاب إذْ نَقرأُ في العدد 50: "وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". وهذه آيةٌ مُفزِعَة. وأعترِفُ لكم أنَّها تُفزِعُني بقدرِ ما تُفزِعُ أيَّ شخصٍ آخر. فهي آية مُخيفة ومُفزِعة.

وإن كانت هناكَ أيَّة عقيدة في الكتاب المقدَّس قد تَتَمَنَّوْنَ عدمَ وُجودِها فإنَّها عقيدةُ جَهنَّم. ولكنَّ هذا لا يَكفي لِحَذفِها. فهي موجودة. وهذه هي الحقيقة. فسوفَ يُطرحونَ في أَتونِ النَّار. وهذهِ كلماتٌ مُفزِعَةٌ مِن رَبِّنا. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد تَحدَّثَ عن جَهنَّمَ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر.

وأعتقدُ أنَّ هناكَ سَببًا لذلك. هل تَعلمونَ ما الَّذي يَدورُ في ذِهني؟ أعتقدُ أنَّهُ لو لم يُعَلِّمُنا يسوعُ أيَّ شيءٍ عن جَهنَّم لَما صَدَّقنا أيَّ شخصٍ آخرَ عَلَّمَنا عنها. فقد كانَ لا بُدَّ أن يُعَلِّمَ عنها شخصيًّا. فهي شيءٌ لا يُمكِنُنا أن نَستوعِبَهُ حَتَّى إنَّنا قد نَرفُضُ الفِكرةَ تَمامًا. فلا يُمكنُنا أن نَستوعبَ العَذابَ الأبديّ. وقد كانَ لا بُدَّ لِرَبِّنا أن يقولَ ذلكَ وإلاَّ لَما صَدَّقنا ذلك. فقد كانَ ينبغي لهُ أن يُؤكِّدَ ذلكَ بنفسِه. وقد وَعَظَ كثيرًا عن جَهنَّم. فقد كَلَّمَ النَّاسَ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخرَ وحَذَّرَهُم مِن جَهنَّم. وإن لم تُصَدِّقوا أنَّهُ فعلَ ذلك فإنَّ هذا يَعني أنَّكُم لم تُلاحظوا بعناية خِدمَتَهُ.

ففي الأصحاحِ الخامسِ على سبيلِ المِثال... ويُمكنُني أن أصرِفَ كُلَّ الصَّباحِ في الإشارةِ إلى الآياتِ الَّتي قالها يسوعُ عن ذلك. لا تَفتحوا معي على هذهِ الآياتِ، بل استَمِعوا وَحَسْب إليها وَدَوِّنوا الشَّواهِدَ إن أردتُم ذلك. ولكن استمعوا إلى ما قالَهُ في إنجيل مَتَّى 5: 22. فقد قال: "وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ". وقد قالَ في العدد 29 مِنَ الأصحاحِ الخامِس: "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ".

وفي العدد 30: "وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ". وقد قالَ في الأصحاحِ السَّابعِ والعدد 27: "فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيمًا".

وتلكَ صُورةٌ للدَّينونةِ أيضًا. وفي الأصحاحِ الثَّامنِ والعدد 12: "وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". وفي الأصحاحِ الحادي عشر والعدد 20: "حِينَئِذٍ ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ". وقد قالَ لها: "سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَة".

إنَّها كَلِماتٌ صَارِمَةٌ جدًّا جدًّا مِن رَبِّنا. ونَجِدُ الشَّيءَ نَفسَهُ يَتكرَّر في الأصحاحِ الثَّاني عشر. فهو يَقولُ في العدد 36: "إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ. لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ [أو تُعاقَب]". وهو يَتحدَّثُ عن رُوْحٍ نَجِسٍ يَخرُجُ مِن إنسانٍ ثُمَّ "يَذْهَبُ وَيَأخُذُ مَعَهُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ، فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ! هكَذَا يَكُونُ أَيْضًا لِهذَا الْجِيلِ الشَّرِّير".

وفي الأصحاح 18، وهذه مُجَرَّد أمثلة، نَقرأُ ما يَلي: "وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْر". ثُمَّ إنَّهُ يَعودُ ويتحدَّثُ عنِ الطَّرْحِ في النَّارِ الأبديَّةِ في العدد 8، وعنِ الطَّرحِ في جَهنَّم الأبديَّة في العدد 9 مِنَ الأصحاح 18.

فقد كان هذا الكَلامُ جُزءًا مِمَّا عَلَّمَهُ رَبُّنا. وإن نَظرتُم إلى الأصحاح 21 والعدد 43 تَقرأونَ ما يَلي: "إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ. وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ".

والأصحاحُ الثَّالثُ والعِشرون يَتحدَّثُ عن جَهنَّم مِرارًا. وكذلكَ الأصحاح الرَّابع والعشرون والخامس والعشرون، وإنجيل مَرقُس والأصحاح التَّاسع، وإنجيل لوقا والأصحاح السَّادس، وإنجيل لوقا والأصحاح الثَّاني عشر، وإنجيل لوقا والأصحاح السَّادس عشر. وَهَلُّمَّ جَرَّا. وقد سَرَدَ يَسوعُ قِصَّةً بأسرِها عن رَجُلٍ ماتَ وذهبَ إلى جَهنَّم، وكانَ يَتعذَّبُ ويَصرُخُ عَسى أن يأتي شخصٌ بماءٍ ويُبَرِّدَ لِسانَهُ.

والآن، إن أردتُم أن تَعرفوا ما هو مَوضوعُ الوعظِ الرَّئيسيّ وَفقًا لنَمَطِ يسوع، ستَجدونَ أنَّهُ كانَ يَعِظُ عن جَهنَّم. ولكنَّ جيلَنا لا يَفعلُ ذلك. فهو مَوضوعٌ مُبَكِّتٌ جدًّا حتَّى إنَّنا لا نَتحدَّثُ سِوى قليلاً عن جَهنَّم. فهي شيءٌ يَصعُبُ تَصديقُه. وهي شيءٌ مُرعِب. وهي شيءٌ مَهولٌ كانَ ينبغي أن يَخرُجَ مِن فَمِ الرَّبِّ وإلاَّ لما قَبِلناهُ يَومًا. والآن، ما هو أَتونُ النَّارِ هذا؟ ما هي جَهنَّم؟ اسمَحوا لي أن أَذكُرَ لكم أربعَ حَقائق عن جَهنَّم أعتقدُ أنَّها ستُجيبُ عن ذلك السُّؤال.

الحقيقةُ الأولى هي أنَّ جَهنَّمَ مَكانُ عَذابٍ لا سَبيلَ إلى التَّخَلُّصِ مِنه. فهي مَكانُ عَذابٍ لا سَبيلَ إلى التَّخَلُّصِ مِنه. فهي مكانٌ بُؤسٍ مُريع. والكتابُ المقدَّسُ يُعَرِّفُها بأنَّها ظُلمة. فهي ظُلمة خارجيَّة. وهي حُفرة عميقة لا قَعْرَ لها. وهي ظُلمة لا تَعرِفُ النُّور. وهي ظُلمة لا يَنفَذُ إليها النُّور. وهي ظُلمة تامَّة. وهي ظُلمة بلا أيِّ رَجاءٍ في أن تَصيرَ نُورًا البَتَّة. هل اختبرتُم الظُّلمةَ يَومًا وتَلَهَّفتُم إلى ضَوْءِ النَّهار؟

هل اختبرتُم الظُّلمةَ يومًا وتَمَنَّيتُم أن يأتي شخصٌ ويُنيرَ المِصباح؟ فهي تَعني أن تَقبَعَ في تلكَ الظُّلمةِ التَّامَّةِ المُخيفةِ والمُرعبةِ وتَعلمُ أنَّكَ ستَبقى فيها طَوالَ الأبديَّةِ ولن تَرى النُّورَ يَومًا. فهذه هي الطَّريقةُ الَّتي يَصِفُ فيها رَبُّنا جَهَنَّم. فهي ظُلمةٌ لا سَبيلَ إلى النَّجاةِ مِنها إلى الأبد، ولا يُرافِقُها رَجاءٌ بأنَّهُ سيكونُ هناكَ نُور، ولا يُرافِقُها رَجاءٌ بِطُلوعِ الفَجر.

والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ أيضًا إنَّها نَارٌ. وهي ليست نَارًا كالنَّارِ الَّتي نَعرِفُها والَّتي تَحرِقُ الأشياءَ الَّتي في هذا العالم؛ ولكنَّ اللهَ يَصِفُها بأنَّها نَارٌ لأنَّها نَارٌ تُعَذِّبُ مَن فيها ولا رَاحَةَ مِنها. وهي مُرعبة أكثر مِن أيِّ نارٍ عَرَفناها يَومًا. ولكنَّ النَّارَ تَصِفُ عَذابَ الهَالِكين، والظُّلمةَ تَصِفُ عَذابَ الهَالِكين. فلن يَكونَ هناكَ نُور، لن يَكونَ هناكَ أيُّ نُور البتَّة - البَتَّة. ولن تكونَ هناكَ راحة مِنَ الكَرْبِ والعَذابِ والألم إلى الأبد. وهناكَ نَصَّانِ فقط في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ يَتحدَّثان عن كيفيَّةِ تَجاوبِ النَّاسِ معَ جَهنَّم.

النَّصُّ الأوَّلُ هو مَثَلُ رَبِّنا في إنجيل لوقا والأصحاح 16 إذْ يَقولُ إنَّ الرَّجُلَ صَرَخَ وَهُوَ في العَذابِ وقال: "بَرِّد لِسَانِي لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هذَا اللَّهِيب". والنَّصُّ الثَّاني هو تلك الجُملة الَّتي رَدَّدَها رَبُّنا مِرارًا وهي: "هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". فَرَدَّةُ الفِعلِ تُجاهَ جَهنَّمَ ليست المَرَح، بل هي بُكاءٌ. فهُناكَ بُكاءٌ، وعَويلٌ، وصُراخٌ، وصَريرُ أسنانٍ بسببِ الألم. فهذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. هذه هي جَهنَّم. فهي مَكانُ عَذابٍ لا سَبيلَ إلى التَّخلُّصِ مِنه.

الحقيقةُ الثَّانية هي إنَّها مَكانٌ عَذابٍ لا سَبيلَ إلى التَّخَلُّصِ مِنهُ لكُلٍّ مِنَ الجسدِ والنَّفس. لكُلٍّ مِنَ الجسدِ والنَّفس. والنَّفسُ هي الجُزءُ الدَّاخليُّ. فعندما يَموتُ أحدُ الأشخاص فإنَّ نَفسَهُ تَنْفَصِلُ عن حَضرةِ اللهِ وتَذهبُ إلى عَذابِ جَهنَّم. وقد لا تَكونُ هذه هي بُحيرةُ النَّارِ الأخيرةِ الَّتي ستأتي بعدَ دَينونةِ العَرشِ الأبيضِ العَظيم لأنَّها تَحتاجُ إلى جَسَدٍ يَتَعَذَّبُ بها.

ولكنَّها عَذابٌ كما هو مُبَيَّنٌ في حالةِ الرَّجُلِ الغَنِيِّ الَّذي كانَ يُعَذَّبُ في جَهنَّم. فعندما يَموتُ إنسانٌ فإنَّ نَفسَهُ تَذهبُ إلى ذلكَ العذاب. وفي المستقبل، سوفَ تَقومُ أجسادُ الهَالِكينَ ويُعْطَوْنَ أجسادًا تَذهَبُ إلى بُحيرةِ النَّار. وهو سيكونُ جَسَدًا مُختلفًا عن أجسادِنا الحاليَّة. فهي ستكونُ أجسادًا مُختلفةً جدًّا. فَهُم سَيَقومونَ مِنَ المَوتِ كَما سيَقومُ المؤمنون.

فسوفَ نَقومُ مِنَ المَوتِ لأنَّ هذا الجسدَ لا يُمكِنُ أن يَحيا إلى الأبد في السَّماء. أليسَ كذلك؟ فيجب أن نَحصُلَ على أجسادٍ فائقة، أو مُمَجَّدة، أو مُختلفة. وكذلكَ هي حالُ الهالِكين. وسوفَ يَقومونَ (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الخامس)... سوفَ يَقومونَ بأجسادٍ جديدةٍ مُمَجَّدة لكي يُعَذَّبوا إلى الأبد في تلكَ الأجساد.

هذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ. فَهُم سيُعَذَّبونَ إلى الأبد. فسوفَ يَحصُلونَ على جَسَدٍ يُلائمُ ذلكَ العَذابَ الأبديّ. لِذا فقد قالَ يسوعُ في إنجيل مَتَّى 10: 28: "لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ... بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ". فكما تَرَوْنَ، فإنَّ جَهنَّمَ مَكانٌ لتعذيبِ النَّفسِ والجَسَد.

وهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ جَهنَّمَ هي مُجرَّدُ ذِكرياتٍ سَيِّئة. ولكن لا، فهي ليست مُجرَّد ذِكرياتٍ سَيِّئة. فهي ليست عَمليَّة تَفكير داخليَّة وحسب، بل إنَّهُ عَذابٌ للجسدِ أيضًا. فالأجسادُ الفائقةُ والأبديَّةُ ستكونُ أعظمَ مِن أيِّ شيءٍ حَصلنا عليهِ على هذه الأرض؛ وهي أجسادُ ستُمنَحُ للهالِكينَ لكي يَتعذَّبوا في تلك الأجسادِ إلى الأبد. وهذا هو السَّببُ الوحيدُ لحصُولهم على تلك الأجساد.

ففي الجسدِ الحاليِّ، لا يَستطيعُ الإنسانُ أن يَحتملَ جَهنَّم. فالجسدُ الَّذي نَمْلِكُهُ الآن سيَحترِقُ في لَحظة. لِذا، كما أنَّ اللهَ سيُعطي المَفديِّينَ أجسادًا جديدةً مُلائمة للسَّماء، فإنَّهُ سيُعطي الهَالِكينَ أجسادًا جديدةً مُلائمة لجَهنَّم. ونحنُ نَعلمُ القَليلَ عن ذلك مِن خلالِ شَيئينِ قالَهُما الرَّبُّ.

فقد قالَ إنَّ الدُّودَ لا يَموت. وما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ عندما يُدفَنُ الجَسَدُ في القبر فإنَّهُ يَتعفَّنُ ويَأتي الدُّودُ إلى ذلك الجسد ويَبتدئُ بالتهامِ ذلك الجسد. والدُّودُ سيموتُ عندما لا يعودُ هناكَ طَعام. فبعدَ أن يَأكُلَ الدُّودُ الجسدَ كُلَّهُ فإنَّهُ سيموت. أمَّا في جَهنَّم فإنَّ الدُّودَ لن يَموتَ البتَّة لأنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ سيَلتَهِمُ الجسدَ بصورةٍ مُستمرَّةٍ فإنَّ الجسدَ لن يَفنى. لِذا فإنَّ الدُّودَ لن يَموت.

بعبارة أخرى فإنَّ الرَّبَّ يقولُ إنَّ العَذابَ الَّذي لا سَبيلَ للتَّخلُّصِ مِنه للجسد سيَستمرُّ ويَستمرّ. وهو يقولُ أيضًا إنَّ النَّارَ لن تُطفأ. فالنَّارُ تَنطفِئُ دائمًا عندما يَنفَدُ الوَقود. ولكنَّ الوَقودَ لن يَنفَد يَومًا. فمعَ أنَّ الاحتراقَ سيَستمرُّ فإنَّ الوَقودَ لن يَنفَدَ يَومًا. لِذا سيكونُ هناكَ عَذابٌ مُستمرٌّ للجسدِ والنَّفس.

وهَذا يَقودُنا إلى الحقيقةِ الثَّالثة وهي أنَّهُ يوجدُ في جَهنَّم عَذابٌ بدرجاتٍ مُتفاوِتَة – بدرجاتٍ مُتفاوِتَة. بعبارة أخرى، سوفَ يَذوقُ أُناسٌ العَذابَ في جَهنَّم أكثرَ مِن غَيرِهم. ولكنَّها ستكونُ بالنِّسبةِ إلى جَميعِ مَن فيها عَذابًا مُريعًا. فهي ستكونُ عَذابًا لا يُحتَمَل.

ولن تكونَ هناكَ راحَةٌ مِن ذلكَ العَذاب، ولكن ستكونُ هناكَ دَرجاتٌ أقصى مِن ذلكَ العَذاب لجُزءٍ مِنَ النَّاس. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ العاشر: "فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا؟" فالأشخاصُ الَّذينَ دَاسوا ابنَ اللهِ، أيِ الَّذينَ رَفَضوا صَليبَهُ، سيُعَذَّبونَ بعذابٍ يَفوقُ عَذابَ مَن لم يَفعلوا ذلك.

فسوفَ تكونُ هُناكَ دَرَجاتٌ للعَذاب؛ تَمامًا كما أنَّهُ ستكونُ هناكَ دَرَجاتٌ للمُكافأة في السَّماء. وقد رأينا ذلكَ أيضًا، في اعتقادي، في إنجيل مَتَّى والأصحاح الحادي عشر إذْ نَقرأ أنَّ "أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ". بعبارة أخرى، إنَّ الأمرَ نِسبيٌّ وَحَسْب. فلن يَقدرَ أحدٌ على احتمالِ ذلك العَذاب، ولكن سيبدو أنَّهُ أكثر احتمالاً لأهلِ سَدوم مِمَّا لَكُم بسببِ ما اختَبَرتُموه.

فيَسوعُ المسيحُ في مَدينَتِكُم. أمَّا أهلُ سَدوم فلم يَحْظَوْا بذلك. وقد رَفضتُموه بالرَّغمِ مِن وُجودِ نُورٍ أعظَم. لِذا، سوفَ تكونُ جَهنَّمُ أكثر هَوْلاً لَكُم. وهناكَ أيضًا ذلكَ المَثَل المُدهش المَذكور في إنجيل لوقا والأصحاح الثَّاني عشر إذْ يَقولُ الرَّبُّ: "وَأَمَّا ذلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي يَعْلَمُ إِرَادَةَ سَيِّدِهِ وَلاَ يَسْتَعِدُّ وَلاَ يَفْعَلُ بحَسَبِ إِرَادَتِهِ، فَيُضْرَبُ كَثِيرًا. وَلكِنَّ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ، وَيَفْعَلُ مَا يَسْتَحِقُّ ضَرَبَاتٍ، يُضْرَبُ قَلِيلاً". لِذا، سوفَ تكونُ جَهنَّمُ عَذابًا مُستمرًّا للجسدِ والنَّفسِ بدرجاتٍ مُختلفة. ويَقولُ "جون غيرستنر" (John Gerstner): سوفَ يَكونُ العَذابُ في جَهنَّمَ مُريعًا جدًّا حتَّى إنَّ الخاطئَ سيُبدي استِعدادَهُ، لو استطاعَ، للتَّخلِّي عن كُلِّ العالَمِ في سَبيلِ التَّكفيرِ عن خَطيَّةٍ واحدةٍ مِن خَطاياه".

الحقيقةُ الرَّابعة: جَهنَّمُ هي مَكانُ عَذابٍ لا سَبيلَ إلى التَّخلُّصِ مِنهُ للجسدِ والنَّفسِ بدرجاتٍ مُتفاوتةٍ، وهو سيَستمرُّ بِلا تَوقُّف، بِلا تَوقُّف. فالدُّودُ لا يَموت، والنَّارُ لا تُطفأ، والنُّورُ لا يُشرِق، ورَاحَةُ المَوتِ الحُلوة لا تأتي. فهو عَذابٌ يَستمرُّ بِلا تَوقُّف. والسَّببُ الوحيدُ أوِ الطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي تُساعِدُنا في هذه الحياةِ على اجتيازِ المِحَنَ والألمَ والمُعاناةِ والأمراضِ هي أنَّنا نُؤمِنُ بأنَّهُ سيأتي وَقتٌ تَزولُ فيها.

ولكنَّهم لن يَحصُلوا على أيِّ أمل. ويُمكنكم أن تَتخيَّلوا الجُنونَ الشَّديدَ الَّذي سيَنجُمُ عن ذلك. وقد تقولون: "هل أنتَ مُتيقِّنٌ مِن أنَّ العَذابَ سيكونُ أبديًّا؟" سوفَ يكونُ أبديًّا كما هي حالُ السَّماءِ لأنَّهُ في نفسِ الآية، استخدَمَ الرَّبُّ نَفسَ الألفاظ. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 25: 46: "فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ". فأيًّا كانَ طُوْلُ الحياةِ الأبديَّةِ فإنَّهُ سيكونُ طُوْلُ العَذابِ الأبديّ أيضًا. هذه هي جَهنَّم.

واللهُ لم يُعِدَّ جَهنَّم للبشر، بل أعَدَّها لإبليسَ وأعوانِه. ولكنَّ النَّاسَ يَختارونَ الذَّهابَ إليها. وهذا بُؤسٌ لا مَثيلَ لَهُ. وهناكَ أشخاصٌ يَتعذَّبونَ في نُفوسِهم بانتظارِ قِيامَةِ أجسادِهم منذُ آلافِ السِّنين. وَهُم ليسوا قَريبينَ مِنَ النِّهاية أكثرَ مِمَّا كانوا عليهِ في البداية. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ يسوعَ عَلَّمَ هذه العَقيدة.

وقد تقول: "وكيفَ نَتجنَّبُ جَهنَّم؟" لا يُمكنكَ أن تَتجنَّبَ جَهنَّمَ إلاَّ مِن خِلالِ قَبولِ يسوعَ المسيحِ رَبًّا ومُخَلِّصًا لحياتِك. فإن لم تَقبل المَلكوت، وإن لم تَأخُذ الكَنز، وإن لم تَشْتَرِ اللُّؤلؤة الكثيرة الثَّمن، لا سَبيلَ إلى النَّجاة.

وقد كَتَبَ رَجُلُ اللهِ المُبارَك "جون بَنيان" (John Bunyan) ما يَلي: "في جَهنَّم، لن تَجِدَ رِفْقةً سِوى رِفقة النُّفوس المُدانَة، ورِفقة أعدادٍ لا تُحصَى مِنَ الشَّياطين الَّتي ستَبقى بِرفقتِك. فمعَ أنَّكَ تَعيشُ في هذا العالَم فإنَّ فِكرةَ الشَّياطينِ تَجعلُكَ تَرتَعِد وتَجعلُ شَعرَ رأسِكَ يَقِف.

"ولكن ماذا ستَفعلُ حينَ لا يَقتصِرُ الأمرُ على افتراضِ ظُهورِ الشَّيطانِ وَحَسْب، بل إنَّ كُلَّ شَياطينِ جَهنَّم ستكونُ برفقَتِكَ وهي تَصيحُ وتُزَمجِرُ وتَصرُخُ صَرَخاتٍ مُرعبة حَتَّى إنَّكَ ستَرتعبُ جدًّا وتَعودُ مَرَّةً أخرى إلى اختبارِ الألمِ والعَذاب".

"فإن عَلِمْتَ أنَّهُ ستكونُ هُناكَ نِهاية بعدَ عشرةِ آلافِ سنة، سيكونُ هناكَ عَزاء. ولكن لِتَعاسَتِكَ، سوفَ يَستمرُّ هذا العَذابُ إلى الأبد. وحينَ تَرى الأعدادَ المَهولَةَ للشَّياطينِ الَّتي ستكونُ برفقتِها، ستُفَكِّرُ مَرَّةً أخرى قائلاً: ’هذه هي قُرعتي إلى الأبد‘.

"وحَتَّى عندما تَمُرُّ عليكَ في جَهنَّم بِضعَةُ آلافٍ مِنَ السِّنينَ كعَدَدِ نُجومِ السَّماء، أو كعددِ قَطراتِ الماءِ في البحر، أو كعددِ حَبَّاتِ رِمالِ الشَّاطئ، ستَعلمُ أنَّكَ ستَبقى هناكَ إلى الأبد. وما أقسى العبارة ’إلى الأبد!‘ فهي ستكونُ عَذابًا لنفسِك!" وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ في الشَّبكةِ إذْ إنَّهُم مَاضونَ إلى أَتُونِ النَّارِ المَحتومِ ذاك.

والآن، هذا يَقودُنا إلى النُّقطةِ الرَّابعةِ والأخيرة وهي: الإعلان. فقد رأينا الصُّورةَ، والمبدأَ، والعَذاب. ثُمَّ هُناكَ الإعلان في العدد 51. انظروا إليه: "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَفَهِمْتُمْ هذَا كُلَّهُ؟" والمَعنى الحَرفيُّ للفِعلِ "يَفهَم" هو: "يُرَكِّبُ الأجزاءَ معًا".

هل رَكَّبتُم كُلَّ هذهِ الأجزاء معًا؟ هل رَكَّبتُم كُلَّ هذه الأشياءِ في أذهانِكُم وأدركتُم أنَّ هذا الشَّكلَ للمَلكوتِ يَضُمُّ الخيرَ والشَّرَّ معًا؟ وأنَّ الخيرَ سيَستمرُّ في التَّغلغُل، ويَستمرُّ في النُّموّ، ويَستمرُّ في التَّأثير؟ وأنَّهُ لكي تَكونوا جُزءًا مِنَ الملكوتِ، يجب عليكم أن تَشتروا مِن خلالِ التَّخلِّي عنِ الكُلِّ لأجلِ المَسيح؟

هل رَكَّبتُم كُلَّ الأجزاءِ معًا؟ وهل تَرَوْنَ أنَّ هذا هو ما سيَحدُثُ للخيرِ والشَّرِّ إلى النِّهاية ثُمَّ تأتي عَمليَّةُ الفَرْزِ النِّهائيَّة؟ هل فَهمتُم هذا؟ "فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا سَيِّدُ". نحنُ نَفهمُ ذلك. نَحنُ نَفهمُ ذلك. وأعتقدُ أنَّهُ قَبِلَ جَوابَهُم الإيجابيَّ؛ وإلاَّ لما قالَ ما قالَهُ في العدد 52.

فهو يَقولُ لهم: "هَل تَفهمونَ هذا؟" لماذا يَقولُ هذا لهم؟ استمعوا إليَّ: لأنَّهُ في الأصحاحِ التَّاسعِ والعدد 38 رأى العالَمَ كَحَصادٍ يَتَّجِهُ نَحوَ الدَّينونة، ورأى أنَّ اللهَ سيأتي وَيُعْمِلُ مِنْجَلَهُ في الحَصاد. وقد قال: "فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ"؛ أي أن يُرسِلَ أشخاصًا إلى حَصادِهِ لتحذيرِ البَشَر.

لِذا فقد دَعا في الأصحاحِ العاشرِ التَّلاميذ. أليسَ كذلك؟ وفي الأصحاحَيْنِ الحادي عشر والثَّاني عشر، دَرَّبَ التَّلاميذَ وَأَعَدَّهُم. وفي الأصحاحِ الثَّالث عشر، عَلَّمَ التَّلاميذ. وها هُوَ يَقولُ الآن: "هل أنتُم مُستعدُّونَ للخُروجِ وتَحذيرِ الأشخاصِ الَّذينَ في الحَصاد؟ هل أنتُم مُستعدُّونَ للخُروجِ وتوصيلِ الرِّسالة؟" وقد قالوا: "لقد فَهِمنا ذلك. لقد فَهِمنا ذلك".

لِذا، هذا هو ما يَقولُهُ. فهو يَقولُ مَا يَلي في العدد 52: "كُلُّ ’غراميتيوس‘ (grammeteus)؛ وهي كلمةٌ نُتَرجِمُها "كَاتِب"، ولكنَّها تَعني "مُتَعَلِّم" أو "مُعَلِّم" أو "مُفَسِّر للشَّريعةِ أوِ العهدِ القديم. "كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ"؛ وهي كلمة مُشتقَّة مِنَ الفِعل "ماثيتيو" (matheteuo) وتَعني "تِلميذ". "فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ".

فقد تَلمَذَهُم بخصوصِ المَلكوت. لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ عنهم. "كُلُّ واحدٍ منكم، أيُّها المُتَعلِّمونَ المُؤهَّلونَ والمُدرَّبونَ، قد تَتَلمَذَ على الأشياءِ المُختصَّةِ بملكوتِ السَّماوات. أنتُم مُدَرَّبونَ الآن. وأنتُم جاهِزونَ الآن". هذا هو ما يَقولُه.

والحقيقةُ هي أنَّهُ يُمكنكم أن تُترجِموا هذه الآية كما يَلي: "أنتُم الآنَ قد تَتَلمذتُم وصِرتُم عُلماءَ أو مُعَلِّمينَ للكتابِ المُقدَّس". فقد كانَ هذا هو الكاتِبُ حَقًّا. فقد كانَ تِلميذًا أو مُفَسِّرًا أو شَارِحًا للكتابِ المُقدَّس. وقد كانَ يُعرَفُ باللاَّهوتِيِّ أو مُعَلِّمِ الشَّريعةِ أوِ المُعَلِّمِ أوِ الكارِز. وقد كانَ هؤلاءِ أعضاءَ في المَجلسِ الأعلى لليهود. وقد كانوا مَراجِعَ في العهدِ القديمِ والتَّقليد. وقد كانوا يُدْعَوْنَ "أحبارًا". وكانُوا أصحابَ نُفوذ.

وهو يَقول: "لقد فَعلتُ مَعَكُم الشَّيءَ نَفسَهُ كما كانَ اليهودُ يَفعلونَ مَعَ أحبارِهم. فقد تَلمذتُكُم، وجَعلتُكُم تَلاميذَ، ومُتَبَحِّرينَ في الكتابِ المقدَّسِ، ومُعَلِّمين. والآن سوفَ أقولُ لكم مَن تُشبِهون (في العدد 52): "أنتُم تُشبِهونَ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ".

وما مَعنى ذلك؟ يَقولُ الرَّبُّ: "لقد تَلمذتُكُم ودَرَّبتُكُم وأعددتُكُم وجَهَّزتُكُم لتكونوا الفَعَلَةَ الَّذينَ سيَذهبونَ إلى الحصادِ ويُحَذِّرونَ النَّاس. والآن، أنتُم تُشبهونَ رَجُلاً رَبَّ بَيتٍ". وقد كانَ رَبُّ البيتِ يَبني مَخزَنًا. وكانَ يُخرِجُ مِن ذلكَ المَخزَن ما يَحتاجُ إليهِ أفرادُ بَيتِه.

فإن كانوا بحاجة إلى طَعامٍ مُعيَّن، أو إلى مَلابسَ مُعيَّنة، أو إلى رِعاية مُعيَّنة، أو إلى أيِّ شيءٍ آخر، كانَ يُوفِّرُهُ لهم. وقد كانَ حَكيمًا حَتَّى إنَّهُ كانَ يُقَدِّمُ الجديدَ والعَتيق. لِذا فإنَّهُ لم يَكُن يُقدِّمُ دائمًا الجديدَ لِئلاَّ يَصيرَ العتيقُ عَديمَ الاستعمالِ في النِّهاية.

وهذا يُشبِهُ بَقايا الطَّعام. فقد تُضطَرُّ إلى أكلِ بَقايا الطَّعامِ مَرَّةً في الأسبوعِ لأنَّكَ إن لم تأكُلها فإنَّها ستُطرَحُ في القُمامة في نِهايةِ المَطاف. ورَبُّ البيتِ الحَكيمِ يُوازِنُ بينَ تَقديمِ العتيقِ والجديد، ويُحسِنُ تَدبيرَ كُلِّ ما يَملِكُه. والرَّبُّ يقول: أنتُم تُشبِهونَ هذا الرَّجُل. والآن، أنتُم لديكم مَخزَن. وذلك المَخزَن مُملوء بالأشياءِ العَتيقةِ والجديدة".

ماذا تَعني؟ لقد كانوا يَعرفونَ العهدَ القديمَ. وها هُم قد سَمِعوا الآنَ أسرارَ المَلكوت. وقد كانوا يَعرفونَ الحَقَّ المُختصَّ بالميثاقِ القديم. وكانَ فَجْرُ المِيثاقِ الجديدِ قد لاحَ. فَلا يَجوزُ لهم أن يُخبروا النَّاسَ عنِ العهدِ القديمِ والتَّقليدِ اليَهوديِّ فقط، بل ينبغي أن يُخبروهُم بأسرارِ العهدِ الجديد. أليسَ كذلك؟ فقد كانوا مُتقدِّمينَ عنِ الكَتَبة. فالكَتبةُ جميعًا كانوا يَعرفونَ العهدَ القديمَ فقط، والأشياءَ القديمةَ، والأمورَ العَتيقة.

ولكنَّهُ يَقول: "أنتُم رَبُّ البيتِ الَّذي يَملِكُ العَتيقَ والقَديم باتِّزانٍ تامٍّ. فقد دَعاكُم اللهُ، ودَرَّبَكُم، وأعَدَّكُم لكي تَنشُروا ذلك". والفِعلُ المُستخدَمُ هُنا هو فِعْلٌ مُدهش. فالآيةُ تَقولُ إنَّ رَبَّ البيتِ "يُخرِجُ"؛ ومَعناهُ: "يَطرَحُ" أو "يَنشُرُ".

بعبارة أخرى، أنتُم تَملِكونَ كُلَّ هذا الكَنزِ الآن. انشُروه. وهو يُشيرُ هُنا إلى السَّخاءِ والغِنَى. فهناكَ وَفْرَة. فالآن بعدَ أن تَتَلمذتُم، وبعدَ أن صِرتُم عُلماءَ ومُعَلِّمينَ مُقتَدِرينَ في الكتابِ المقدَّسِ، انشُروا ذلك. قَدِّموا لَهُم العهدَ القديمَ والعَهدَ الجديدَ باتِّزانٍ تامٍّ؛ أي ما قالَهُ اللهُ في القَديمِ وما قالَهُ في الجَديدِ مِن جِهَةِ المَلكوت.

والآن، هل تَرَوْنَ ما يَقولُهُ لهم؟ فهذا كُلُّهُ يَستَنِدُ إلى ما جاءَ في الأصحاحِ التَّاسعِ والعدد 38. فالنَّاسُ هُم في طَريقِهم إلى جَهنَّم. والآن، أريدُ منكم أن تَرَوْا كيفَ سيكونُ المَلكوت. فالخيرُ والشَّرُّ يُوجدانِ معًا، ولكن في النِّهاية، سوفَ يَنتهي الأمرُ بالفَصلِ بينهما. والآن، أنتُم تَعلمونَ ذلكَ فانشُروه! نَادوا بِهِ!

ويا أحبَّائي، أريدُ أن أقولَ لكم إنَّ رِسالتَنا في ضَوءِ ذلكَ هي عن جَهنَّم. هذه هي رسالتُنا. فالعالَمُ مَاضٍ إلى جَهنَّم. وفي المَثلِ المَذكور في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّاني والعِشرين، يُقَدِّمُ الرَّبُّ مَثَلاً إيضاحيًّا مُشابِهًا جدًّا. فهناكَ عُرْسٌ. وقد جاءَ أُناسٌ كثيرونَ إلى العُرس.

ثُمَّ جاءَ المَلِك. وقد جَمَعَ العُرسُ كُلَّ النَّاس. ولكنَّ المَلِكَ يأتي ويَرى شخصًا لا يَرتدي مَلابسَ العُرس فيقول: "يَا صَاحِبُ، كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ الْعُرْس؟"

بعبارة أخرى، لقد عَلَقْتَ في شَبَكَةِ المَلكوتِ؛ ولكنَّكَ لا تَنتمي إلى رَعيَّةِ المَلكوتِ الحقيقيَّة. فأنتَ لا تَرتدي لِباسَ العُرس. ونَقرأُ أنَّ الرَّجُلَ سَكَتَ. فهو لم يَقدر أن يُجيب، ولم يَتمكَّن مِن قَولِ أيِّ شيء. ثُمَّ إنَّ الرَّبَّ قال: "ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ، وَخُذُوهُ وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ... لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ". وهذا هو المبدأُ نَفسُه.

فشَبكةُ المَلكوتِ تُمسِكُ أشخاصًا كثيرين، ولكن ليسَ جَميعُ الَّذينَ يُجْمَعونَ في الشَّبكة هُم جُزءٌ مِنَ المَلكوت. ونحنُ أمامَ مَسؤوليَّةٍ عَظيمة. فقد أُعطي لنا أن نَعرِفَ أسرارَ المَلكوت. أليسَ كذلك؟ ولكنَّ ذلكَ لم يُعْطَ لَهُم. فنحنُ نَملِكُ ما يَحتاجونَ إليه.

وقد قالَ بولُس في رسالتِهِ الثَّانية إلى أهلِ كورنثوس والأصحاحِ الخامس: "فَإِذْ نَحْنُ عَالِمُونَ مَخَافَةَ الرَّبِّ نُقْنِعُ النَّاسَ". فإن لم تَعلَم في قَلبِكَ حَقيقةَ أنَّ النَّاسَ يَموتونَ ويَذهبونَ إلى جَهنَّم في كُلِّ ثانيةٍ تَتَنَفَّسُ فيها، لا بُدَّ مِن وُجودِ خَطْبٍ مَا. أليسَ كذلك؟ وهذا هو أسوأُ شَكلٍ مِن أشكالِ الأنانيَّة. وقد فَقَدَتْ مَسيحيَّتُنا اليومَ هذه النَّظرةَ بطريقةٍ مَا.

في الآوِنَةِ الأخيرة، أو في الحقيقة قبلَ يَومين، وَصَلَتْ رسالة إلى مَكتبي مِن مَحَطَّة إذاعيَّة مَسيحيَّة. فقد أرسلوا ألينا سِياسَتَهُم المُختصَّة بِبَثِّ البَرامِج. وهذا هو ما جاءَ في الرِّسالة. وأنا لن أذكُرَ لكم اسمَ المَحطَّةِ الإذاعيَّة، ولكنَّها تقولُ "إنَّ المَحَطَّةَ الفُلانيَّة تُريدُ أن تَكونَ جَارًا صَالِحًا لجميعِ المُستمِعين". ثُمَّ إنَّها تَذكُرُ جَميعَ أنواعِ النَّاس.

"لِذا، عندما تُعِدُّونَ بَرامِجَكُم كي تُذاعَ على هذهِ المَحطَّة، نَرجو أن تَتجنَّبوا الإشارةَ إلى الأشياءِ التَّالية: نَقدَ الدِّياناتِ الأخرى، أو الاهتداءات، أو الهيئات الإرساليَّة، أو المؤمنين، أو غير المؤمنين، أو العهد القديم، أو العهد الجديد، أو الكنيسة، أو الصَّليب، أو الصَّلْب، أو الجُلجُثة، أو المسيح، أو دَم المسيح، أو الخلاص مِن خلالِ المسيح، أو الفِداء مِن خلالِ المسيح، أو ابن الله، أو يَهْوَه، أو الحياة المسيحيَّة".

ثُمَّ إنَّ الرِّسالةَ تَقولُ ما يَلي: "فهؤلاءِ المُستمِعونَ يَتوقونَ إلى سَماعِ كلماتٍ مُعَزِّية. ونحنُ نَطلُبُ منكم أن تَلتزموا بهذه التَّعليمات كي تَستمرَّ كلمةُ اللهِ في الانتشار. نرجو أن تُساعِدونا في الحفاظِ على دَورِنا في تَقديمِ التَّعزية لهؤلاءِ الأشخاصِ المُتألِّمين". ولكنَّ هذه ليست تَعزية، بل هي دَينونة. فالتَّعزيةُ الزَّائفةُ تَدينُ النَّاس. فيجب أن تُخبروا النَّاسَ الحقيقة. حسنًا! دَعونا نُصَلِّي:

نحنُ نَعلمُ الآنَ يا أبانا... نحنُ نَعلمُ الآن. هل فَهمتُم هذه الأشياء؟ أجل، لقد فَهِمنا. فنحنُ عُلماءٌ كِتابيُّونَ ومُعَلِّمونَ مُدَرَّبونَ ينبغي لنا أن نَكونَ مِثلَ رَبِّ بَيتٍ، وأن نُقَدِّمَ هذا الكَنزَ الَّذي يَحوي الحَقَّ العَتيقَ والجديدَ لكي نُحَذِّرَ النَّاسَ مِنَ الحَصادِ، والفَرْزِ، والشَّبكة. ساعِدنا يا أبانا على أن نكونَ أُمناء، وعلى أن نَضَعَ جَانبًا الأشياءَ الثَّانويَّةَ والسَّخيفةَ في الحياةِ ونَهتمَّ بالأشياءِ المُهمَّةِ حقًّا؛ أي بنفوسِ البشرِ الأبديَّة.

يا أبانا، أُصَلِّي أن تَجذِبَ إلى غُرفةِ الصَّلاةِ أولئكَ الأشخاصَ الَّذينَ يَحتاجون جدًّا إلى المجيء إليها. وَصَلاتي هي ألاَّ يَظُنَّ أيُّ شخصٍ هُنا أنَّهُ قادرٌ على النَّجاةِ مِنَ الشَّبكة، وألاَّ يَظُنَّ أحدٌ أنَّها ليست حقيقيَّة. ليتَ رُوحَكَ يَقودُهُم إلى قَبولِ المسيحِ حَتَّى يَعرفوا فَرَحَ وَبَرَكَةَ الحياةِ الأبديَّة هُنا والآن وإلى الأبد في حَضرتِك. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize