Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، نَعودُ إلى دراستِنا لإنجيل مَتَّى والأصحاح 18. وقد لاحظتُ أنَّ نَشْرَةَ الكنيسةِ تَقول إنَّ مَوضوعَ العِظَة هو: "تَعَلَّم أن تَغفِر". وسوفَ أُعَلِّمُ عن ذلك الموضوع ولكن ليس اليوم، بل في الأسبوعِ القادِم لأنَّهُ إن كُنتُم تَذكرونَ قبلَ أُسبوعَيْن أنَّنا لم نُكمِل المَقطعَ الَّذي يَحوي الآيات مِن 15 إلى 20. وأريدُ أن أعودَ إلى ذلك المَقطع لا فقط لكي أُكمِلَهُ، بل أيضًا لكي أُعَبِّرَ عن مَشاعري تُجاهَ بِضعة أشياء كنتُ أُفَكِّرُ فيها وأُصَلِّي بشأنِها خلالَ الأسبوعَيْن المَاضِيَيْن.

لِنَنظُر معًا إلى إنجيل مَتَّى 18: 15. وسوفَ أقرأُ هذا النَّصَّ فيما تُتابِعونَهُ في كِتابِكُم المُقدَّس: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ.

"وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ".

والآن، إنَّ هذا النَّصَّ تَحديدًا يَتحدَّثُ عن وَصيَّةِ الرَّبِّ بخصوصِ قَداسةِ كنيستِه. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّ يسوعَ المسيحَ يَرغبُ في أن تكون الكنيسةُ طَاهرةً. ونَجِدُ هُنا وَصاياهُ المُختصَّةَ بِدورِنا في تلك الطَّهارة. وفي سِفْر الرُّؤيا والأصحاحِ الأوَّل، نَرى صُورةً مُدهشةً للمسيح. فهو يَتحرَّكُ في العددَيْن 12 و13 بينَ المَنائِرَ السَّبعِ الَّتي تَرمِزُ إلى الكنائسِ السَّبع الَّتي تُمَثِّلُ كُلَّ الكنيسة. وهُو يَرتدي ثِيابَ كاهِنٍ ومَلِكٍ ونَبِيٍّ. وهو هُناكَ بِكُلِّ مَجدِه.

ونَقرأُ في العدد 14: "وَأَمَّا رَأسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ كَالثَّلْجِ..." [إشارةً إلى طَهارَتِهِ]، "...وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ". فهو يَبحَثُ عن أيِّ دَنَسٍ أو أيَّةِ نَجاسة. "وَرِجْلاَهُ شِبْهُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ، كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ. وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَة". والآن، أنتُم تَرونَهُ بصِفَتِهِ دَيَّانًا مُستعدًّا للقَضاءِ على الخطيَّة وإعلانِ كلماتِ الدَّينونةِ الَّتي سَتَخرُجُ [كما هو مَذكورٌ لاحقًا في سِفْر الرُّؤيا] كَسَيْفٍ ذي حَدَّيْن. لِذا فإنَّكم تَرَوْنَ الرَّبَّ يَتحرَّكُ في كنيستِه ويُوصَفُ بأنَّهُ طَاهِرٌ مِن قِبَلِ شَاهِدِه. وعَيناهُ كَلَهيبِ نَارٍ تَبحثانِ عنِ الخطيَّة. وتلك الخطيَّة هي شيءٌ لا بُدَّ مِن مُعالجتِه.

وكيفَ يُعالِجُ الرَّبُّ الخطيَّةَ في كنيستِه؟ لقد رأينا تلك الصُّورة في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح ِالأوَّل، ولكن كيفَ يَفعلُ ذلك حَقًّا؟ أعتقد أنَّ هناكَ ثلاثةَ عناصر: العُنصرُ الأوَّلُ هو خِدمةُ الكَلِمَة. فالكَلِمَة هي أداةٌ للقداسة. ويَتحدَّثُ الأصحاحُ الخامسُ مِن رسالة غلاطيَّة عن الاغتسالِ بماءِ الكلمة. فهي مُطَهِّرَة.

ثانيًا، الرُّوحُ القُدُس. فهو يُدعَى في رسالة رُومية 1: 4: "رُوح القَداسة". وخِدمةُ الرُّوح مُهمَّة جدًّا لقداسة الكنيسة. لِذا، هناكَ خِدمة الكلمة وخدمة الرُّوح.

ولكن ثالثًا، أعتقد أنَّه يجب عليكم أن تَربطوا بينَ ما جاءَ في رؤيا 1 وإنجيل مَتَّى 18. وأعتقد أنَّ الرَّبَّ يَمشي في كنيستِهِ بَقصدِ تَطهيرِها إذ إنَّ عَينيهِ تُفَتِّشانِ وَتَبحثانِ عنِ الخطيَّة. وهو مُستعدٌّ للتَّصدِّي لها؛ لا فقط مِن خلالِ خِدمةِ الكلمة وخِدمةِ الرُّوح، بل أيضًا مِن خلالِ خِدمةِ الشَّعب.

وأعتقد أنَّ تَطبيقَ ما جاء في رُؤيا 1 هو ما جاء في مَتَّى 18 إذ إنَّ المسيحَ عَاكِفٌ على تَطهير كنيستِه مِن خلال الأشخاصِ الَّذينَ يُمَثِّلونَهُ في العالَم. لِذا فإنَّه يقول في خِتام هذا المقطع: "لأَنَّهُ حَيْثُمَا تَجتمعونَ معًا بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِكُم". بعبارة أخرى، عندما تَتحرَّكُ الكنيسة بهدفِ تَطهيرِ نفسِها فإنَّ المسيحَ سيكونُ موجودًا في الوسط، ويَمشي بينَ المَنائِرِ، ويَقومُ بعملِهِ المُطَهِّر.

واسمَحوا لي أن أقولَ شيئًا، ثُمَّ سأقولُهُ مَرَّةً أخرى لاحقًا. لا يُوجد شيء البَتَّة... البَتَّة يَجعلُ الكنيسةَ تَتَمَثَّلُ بيسوعَ المسيحِ أكثرَ مِنَ التَّصَدِّي للخطيَّة. ولا يوجد شيءٌ البَتَّة يَجعلُكَ أنتَ [بصفتِكَ فَردًا] تَتَمَثَّلُ بيسوعَ المسيحِ أكثرَ مِن الاهتمامِ بطَهارةِ كنيستِه. ومع ذلك، نَرى على نِطاقٍ واسعٍ في الكنيسةِ في جميعِ أنحاءِ بَلَدِنا اليوم أنَّ هذا الأمرَ لا يَخطُرُ بِبالِ النَّاس. وأنا أَتعجَّبُ مِن ذلك.

عندما غادرتُ قبلَ أُسبوعَيْن، كانَ لا بُدَّ لي أن أذهبَ إلى شيكاغو، ثُمَّ أن يأخذني شخصٌ بالسيَّارة إلى مدينةٍ أخرى لحُضورِ مُؤتمرٍ كتابِيٍّ. وكانَ لا بُدَّ أن يَأخُذُني شخصٌ بسيَّارته لأنَّني كنتُ عاكِفًا منذُ سنة تقريبًا على تَأليفِ كِتابٍ أَجْمَعُ أفكارَهُ منذُ نحوِ عشرِ سنوات؛ ولكنِّي كنتُ عَاكِفًا على تَأليفِ كِتابٍ عن العِبادة بعُنوان: "الأولويَّةُ القُصوى" (The Ultimate Priority). وهو يُعَبِّرُ تَعبيرًا حَقيقيًّا عن مشاعري القلبيَّةِ بخصوصِ العبادة. وقد كنتُ أكتُبُهُ على فَتراتٍ مُتقطِّعة.

عندما تَكتُبُ كِتابًا، أنتَ تَكتُبُ فَصلاً وتُرسِلُهُ للتَّنقيح، ثُمَّ تَستَلِمُهُ وتُعَدِّلُهُ ثُمَّ تُرسِلُهُ مَرَّةً أخرى. ثُّمَّ إنَّكَ تَكتُبُ فَصلاً آخرَ وتُرسِلُهُ. ثُمَّ إنَّ تَرتيبَ الفُصولِ يَتغيَّر فيصيرُ الفصلُ الثَّاني هو الفصل السَّابع، والفصلُ الثَّامِنُ يَصيرُ الفصلَ الثَّالث. وقد كَتبتُهُ وأرسلتُهُ ونَقَّحتُهُ كثيرًا على مَدى وقتٍ طويلٍ حتَّى إنَّني لم أعُد قادرًا على استيعابِهِ في عَقلي. وقد نَسَيْتُ ما الَّذي كَتَبتُهُ فيه.

ولكن قبلَ أن يَنتقلَ الكِتابُ إلى مَرحلةِ الطِّباعةِ والنَّشرِ في الأوَّلِ مِن شَهرِ حَزيران/يونيو، أَصَرَّ النّاشِر على أن أجلسَ وأقرأَ كُلَّ كلمةٍ وكُلَّ صَفحةٍ في جَلسةٍ واحدة، وأن أُجري كُلَّ التَّصحيحاتِ الأخيرة. لِذا فقد كانوا لُطفاءَ جدًّا واقترحوا عليَّ أن يُرسلوا شخصًا يَقودُني في السيَّارة طَوالَ تلك السَّاعاتِ السَّبع الَّتي أحتاجُ إليها لقراءةِ الكِتابِ عِوَضًا عن أن أُسافِرَ بالطَّائرة لكي أجلسَ هُناكَ وأقرأَ كُلَّ ذلك الكتاب. وهذا هو تَمامًا ما فَعلتُهُ ... طَوالَ سبعِ ساعاتٍ. وقد أخذتُ فقط استراحةً قصيرةً شَرِبتُ فيها كُوبًا مِن الشُّوكولاتة السَّاخنة. وقد كانَ الطَّقسُ باردًا. فقد كانَ باردًا جدًّا في الخارج.

وقد ساعَدني ذلكَ الأمرُ على فَحصِ نَفسي. فغالبًا، عندما تَكتُب شيئًا فإنَّكَ تَضعهُ جانبًا ولا تَرغبُ في رُؤيتِه مَرَّةً أخرى لأنَّه كانَ عِبئًا عليكَ إلى حَدٍّ ما وقتًا طويلاً. ولكنيِّ وَجدتُ نفسي أقرأُ كُلَّ تلك المعلوماتِ الكِتابيَّة عن العبادة. وقد استمتعتُ بذلكَ أعظمَ مُتعة. والحقيقة هي أنَّني تَساءلتُ عَمَّا كانَ يَدورُ في ذِهنِ الشَّخصِ الَّذي كانَ يَقودُ تلك السيَّارة بخصوصِ رُدودِ أفعالي على كِتابٍ كَتَبتُهُ أنا شخصيًّا. ولكنَّها لم تَكُن في نَظري دَهشةً بسببِ شيءٍ كَتبتُهُ أنا، بل كانت دَهشةً مِن الله. فقد تَقابلتُ وَجهًا لوجهٍ مع قَداسةِ اللهِ والطَّبيعةِ الخاطئة جدًّا للخطيَّة. فقد كانَت فُرصةً رائعةً فَحَصْتُ فيها قَلبي في سَكينةِ تلك الرِّحلة.

ثُمَّ إنَّني وَصلتُ إلى المكانِ الَّذي كنتُ سأتحدَّثُ فيه في المؤتمرِ الكِتابيِّ، وَكنتُ قد حَضَّرتُ عِظَةً وجاهزًا للوعظِ في تلك اللَّيلة. وقد اتَّصلَ بي شخصٌ مِن القائمينَ على تَنظيمِ المُؤتمرِ وقال: "لا أدري ما الموضوعُ الَّذي ستتحدَّثُ عنهُ اللَّيلة، ولكن هل يُمكنكَ أن تُقَدِّمَ عِظَةً عن قَداسةِ الله؟" قلتُ: "هل يُمكنني ذلك؟" قال: "هذا هو ما نَحنُ بحاجة إليه". ثُمَّ قال: "لقد كنتُ أُصلِّي منذُ وقتٍ طويل أن يَضَعَ اللهُ هذا الموضوعَ على قلبِك. وقد فَكَّرتُ وَحَسْب في الاتِّصالِ بكِ واقتراحِ ذلك".

وقبلَ أن أُغادرَ غُرفةَ الفُندق، تَلَقَّيتُ اتِّصالاً هاتفيًّا ثانيًا. فقد اتَّصلَ شخصٌ آخر وقال: "ما الَّذي تَفعلُهُ في مَكانٍ كهذا؟ أَلاَ تَعرفُ كَذا وكَذا وكَذا وكَذا عن هذا المكانِ الَّذي تَذهبُ إليه؟" وبعدَ أنِ انتَهى مِن حَديثِه قُلتُ: "يبدو أنَّهُ المكانُ المُناسبُ تمامًا الَّذي ينبغي أن أكونَ فيه". ثُمَّ قُلتُ: "قبلَ مُدَّةٍ طويلة، قَرَّرتُ أنَّني لن أصرِفَ حياتي كُلَّها في إخبارِ النَّاسِ عن أشياءٍ يُؤمنونَ أصلاً بها، بل أنَّني سأُخبرُهم عن أُمورٍ رُبَّما يحتاجونَ إلى سَماعِها".

وقد شَرحتُ لهُ أنَّهُ طُلِبَ مِنِّي أن أتكلَّمَ عن هذا الموضوعِ وقلتُ إنَّني أَثِقُ أنَّ الرَّبَّ جاءَ بي إلى هذا المَكانِ لَقَصْدٍ مَا". وقد فَعلتُ ذلك. والحقيقةُ هي أنَّني لم أكتُب أيَّة مُلاحظات، بل أخذتُ كِتابي المُقدَّسَ، وكانَ رأسي مُمتلئًا تمامًا بكُلِّ تلك الأشياءِ عنِ العبادةِ، وقداسةِ اللهِ، وأهوالِ الخطيَّة. وقد عَبَّرتُ عن كُلِّ ما في قَلبي بخصوصِ هذا الموضوع. وقد سَادَ الصَّمتُ جدًّا. لا أدري إن كانَ هناكَ أربعةُ آلافِ شخص أو خمسةُ آلافِ شخص، أو رُبَّما شَيئًا مِن هذا القَبيل. ولكنَّ المكانَ كانَ هادئًا جدًّا. وقد كانَ ذلك الصَّمتُ... أعتقد أنَّهُ كانَ صَمْتَ التَّبكيتِ إلى حَدٍّ مَا. وأعتقد أنَّهُ كانَ صَمتًا مِن ذلك النَّوعِ الَّذي يقول: "مِن أينَ جاءَ هذا الرَّجُل؟" وكما تَعلمونَ، لا أعتقد أنَّهم كانوا مُعتادينَ على ذلك الأسلوب، ولكنَّ الأمرَ كانَ مُدهشًا جدًّا.

وقد سَكبتُ قَلبي في التَّحَدُّثِ عن قداسةِ اللهِ، وأهوالِ الخطيَّة، وتحدَّثتُ عن أنَّه إن كانَ سيَحدُثُ تَجديدٌ حَقيقيٌّ، وإن كانَت ستَحدُثُ نَهضةٌ حقيقيَّةٌ في الكنيسة، فإنَّ ذلكَ سيحدث عندما نُدركُ مَرَّةً أخرى قَداسةَ اللهِ وبَشاعةَ الخطيَّة، وعندما نَجثو بانكسارٍ أمامَ اللهِ القُدُّوسِ لنَعبُدَهُ. وبعدَ أن أَنهيتُ العِظَة، استغرقني الأمرُ ساعةً وخمسَ عشرةَ دقيقة للوصولِ إلى البابِ لأنَّني وَقفتُ وتَكلَّمتُ مع أشخاصٍ كثيرينَ جدًّا.

وأخيرًا، كانَ هناكَ شخصٌ أخيرٌ يَنتظرني. وقد جاءَ ذلك الشَّخص وقال: "أنا طالبٌ في كُليَّةِ اللاَّهوت، في السَّنةِ الأخيرة. وأُريدُ فقط أن أقولَ لكَ أنَّني لم أُقَدِّرُ عِظَتَكَ البتَّة. فقد أَفْقَدْتَ المَوضوعَ قِيمَتَهُ". قلتُ: "لماذا تقولُ ذلك؟" "لأنَّكَ كُنتَ تَفتَقِرُ إلى المحبَّة. فرسالتُنا هي المحبَّة. وأنا لم أَجِد أيَّة مَحبَّة البَتَّة في عِظَتِك".

وقد أَحزَنَ ذلكَ قلبي. لِذا فقد قلتُ لهذا الطَّالب... قلتُ: "هل فَهِمتَ المَقاطِعَ الَّتي عَلَّمتُها؟" "أجل". "وهل هي تَتحدَّثُ عنِ المحبَّة؟" "لا". "هل هو أمرٌ مَشروعٌ أن تُعَلِّمَ مَقطعًا كِتابيًّا وأن تُعَلِّمَهُ بالطَّريقةِ الَّتي كَتَبَها اللهُ فيها؟ أَم أنَّه يجب علينا أن نُقْحِمَ في كُلِّ عِظَةٍ رسالةَ المحبَّة؟ بعبارة أخرى، إن فَعلتُ ذلك فإنَّنا لا نُنْصِفُ كَلمةَ الله. أليس كذلك؟ ورُبَّما كان الشَّيءُ الَّذي دَفَعَكَ إلى الشُّعورِ بهذه المشاعر هو فَرْطُ التَّوازُنِ أوِ اختلالُ التَّوازُنِ في فَهمِكَ الشَّخصيِّ لقداسةِ اللهِ مِن جِهَة ومحبَّتِهِ مِن جِهة أخرى". وقد قلتُ: "أعتقد أنَّكَ بحاجة على الأرجَح إلى هذه العِظَة. وهذا واضحٌ مِن خلالِ رَدِّ فِعلِكَ عَليها".

والحقيقةُ هي أنَّني حاولتُ أن أكونَ مُحبًّا قدرَ استطاعتي في قولِ ذلك، ولكنِّي أعتَرِفُ أنَّها كانت لَحظةً مُحزِنَةً لأنَّ واحدًا مِن القائِمينَ على المُؤتمر سألني لاحقًا عنِ الحَديثِ الَّذي دارَ بَيني وبينَ ذلك الشَّابّ. فقد رآنا نَتحدَّثَ على ما أعتقد. وقد أَعَدْتُ جُزءًا مِن الحَديثِ الَّذي دَارَ بينَنا فكانَ رَدُّهُ هو: "كما تَرى، فإنَّ النُّقطةَ الجوهريَّةَ لا تَكمُنُ في نَقْصِ مَحبَّتِكَ في عِظَتِك، بل إنَّ المسألةَ الجوهريَّةَ تَكمُنُ في أنَّهُ مِن وُجهةِ نَظرِ ذلك الطَّالب أنتَ لم تُظهِر كُلَّ المحبَّة في عِظَتِك لأنَّه لا يُوجَد مُتَّسَعٌ لأيِّ شيءٍ آخر".

المحبَّة. لا يوجد عَيبٌ في المحبَّة. وأنا أوَّلُ شخصٍ أشكُرُ اللهَ عليها. أَلاَ تُوافِقونَني الرَّأي؟ أَلاَ تَشكرونَ اللهَ على محبَّتِه؟ ولكنِّي أعتقدُ أنَّ نوعَ المحبَّة الَّذي تُفَكِّرُ فيه فئةٌ مِن النَّاسِ مُختلِفٌ عن المحبَّةِ المُقدَّسةِ الَّتي لدى الله. ولا أدري ما نوعُ تلكَ المحبَّة. وأخشى حَقًّا أنَّهُ إن كانت كُليَّاتُ اللاَّهوتِ تُخَرِّج أشخاصًا لا يُريدونَ سِوى أن يَعِظوا عنِ المحبَّة، أخشى أنَّه لن يَعُد هُناكَ في الكنيسة أيُّ مكانٍ لعملِ يسوعَ المسيحِ بالطَّريقةِ الَّتي يُريدُها هو.

وما يَهُمُّني أن أقولَهُ هو أنَّني أُلاحِظُ أنَّ أشخاصًا كثيرينَ جدًّا مِمَّن يُشبِهونَ هذا الطَّالبَ، ويُشبهونَ في تأثيرِهم كُليَّةَ اللاَّهوتِ تلك... ورُبَّما لا تكونُ كُلُّ كُليَّاتِ اللاَّهوتِ هكذا؛ أي كُليَّةَ اللاَّهوتِ تلكَ أو غيرَها... ولكنَّ ما يُدهشُني هو أنَّ نفسَ الأشخاصِ الَّذينَ يَتحدَّثونَ دائمًا عن هذا الأمر يَتحدَّثونَ دائمًا عن النَّهضةِ والتَّجديدِ ورَدِّ المؤمنينَ الَّذينَ يُخطِئونَ في الكنيسة.

وَهُم يَعيشونَ في وَهْمِ أنَّه لكي نُجَدِّدَ الكنيسة، ولكي نُنهِضَ الكنيسة، ولكي نَرُدَّ الكنيسة، ولكي نُحدِثَ نَهضةً، ولكي نَربَحَ نُفوسَ الضَّالِّينَ، يجب علينا فقط أن نَتكلَّمَ عنِ المحبَّة، ثُمَّ المحبَّة، ثُمَّ المحبَّة، ثُمَّ المحبَّة طَوالَ الوقتِ بمُستوىً عَاطِفيٍّ مُعَيَّن. ونحنُ جَميعًا نَتحدَّثُ عنِ التَّجديدِ وكُلِّ هذه الأمور المطلوبة في الكنيسة، ولكنَّهم لا يَفهمونَ أنَّهُ لا يُمكنهم يومًا أن يَشهَدوا نَهضةً وتَجديدًا ورَدًّا إلاَّ إذا أدركوا قَداسةَ اللهِ وخطيَّةَ الإنسانِ لأنَّ ذلكَ هو ما يُؤدِّي إلى الانكسارِ الحقيقيِّ والنَّهضةِ الحقيقيَّة.

أمَّا التَّهاوُنُ معَ الخطيَّة فلن يؤدِّي يومًا إلى تَجديدِ الكنيسة. وكُلُّ العِظاتِ عنِ المحبِّةِ والمحبَّةِ والمحبَّةِ [كما تَعلمونَ] لن تَفعلَ ذلك.

فإذا نَظرتُم إلى النَّهضةِ العظيمةِ الَّتي حَدثت في القرنِ الثَّامن عشر، ولا سِيَّما في زَمَنِ خِدمة "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards)، ستَجدونَ السِّمةَ المُمَيِّزَةَ للنَّهضةِ [وقد كانتِ النَّهضةُ الأولى نَهضةً عَظيمةً]، ولِكُلِّ نَهضةٍ أخرى أَعقبتها سَواَء في الأزمنةِ الكِتابيَّة أو بعدَ الأزمنةِ الكِتابيَّة، ستَجدونَ أنَّ هُناكَ سِمَتَيْنِ لتلك الانتعاشات، بما في ذلك النَّهضة العظيمة في القرن الثَّامن عشر: الأولى هي الوعظُ القويُّ عن قَداسةِ الله، والثَّانية هي الوعظُ القويُّ عن أهوالِ الخطيَّة. والحقيقةُ هي أنَّ الدَّعواتِ إلى قَبولِ الرَّبِّ لم تَكُن قد ظَهَرَت بعد في زمن جوناثان إدواردز. فهي لم تَظهر إلاَّ في زَمَنِ "فيني" (Finney) لاحقًا. ولا أعتقد أنَّنا نَدينُ حَقًّا لفيني على ما فَعلهُ مِن خلالِ التَّلاعُبِ بمشاعِرِ النَّاسِ مِن خلالِ دَعوتهم إلى الرَّبّ بتلك الطَّريقة.

ولكن في زمنِ إدواردز، يُقالُ إنَّهُ كانَ يَعِظُ وَحَسْب، وإنَّه كان يَعِظُ عن قداسةِ اللهِ وشَناعةِ الخطيَّة. وهو لم يكن مُضطرًّا إلى دَعوةِ النَّاسِ إلى القيامِ بأيِّ شيء، بل إنَّ النَّاسَ كانوا يَصرخونَ ويَبكونَ في أثناءِ عِظاتِهِ طَالبينَ مِنهُ أن يَتوقَّفَ لأنَّهم كانوا يَشعرونَ بتَبكيتٍ شديد. وقد حَدثت نَهضةٌ حقيقيَّة. ورُبَّما حَدَثَتْ بعضُ التَّجاوُزاتِ والقَسوةِ والتَّطَرُّفِ، ورُبَّما ابتدأتِ الأمورُ تَتَغيَّر قليلاً بانتهاءِ القرنِ الثَّامن عشر وابتداءِ القرنِ التَّاسع عشر، ولم تَعُد هناكَ نفسُ الصَّرامةِ والجِديَّةِ والقوَّةِ في الوعظِ عن قداسةِ اللهِ وشَناعةِ الخطيَّة. وقد ابتدأَ النَّاسُ يَتكلَّمونَ أكثر عنِ المحبَّة، وابتدأوا يُخَفِّفونَ مِن صَرامَةِ العِظاتِ، ويَتهاونونَ في ذلك بسببِ خَوفِهم مِن زيادةِ التَّطرُّف.

وقد كَتَبَ "ريتشارد لوفليس" (Richard Lovelace) مِن كُليَّة لاهوت "غوردون-كونويل" (Gordon-Conwell): "كانتِ الكنيسةُ كُلُّها تَتجنَّب الكلامَ الكِتابيَّ عن سيادةِ وقداسةِ اللهِ الغاضبِ مِن الأشرارِ في كلِّ يوم، والَّذي يَمكُثُ غَضبُهُ على الأشخاصِ الَّذينَ لا يَقبلونَ ابنَهُ. وبعدَ أن هَدَمتِ الكنيسةُ هذه الصُّورة ودَفَنَتها في زاوية مُعتِمَة مِن ضَميرِها، راحَت تُنادي بإلهٍ جديدٍ يَمْتازُ باللُّطفِ الشَّبيهِ بِلُطْفِ جَدَّاتِنا المَخلوطِ بوداعةِ وجاذبيَّةِ يسوعَ كما لو أنَّه بالكاد كانَ بحاجة إلى الموتِ عن خطايانا. وكانَ عَددٌ كبيرٌ مِن الرَّعايا الأمريكيَّة يَدفعونَ المالَ لِرُعاةِ كنائسهم لكي يَحموهُم مِنَ اللهِ الحَقيقيِّ".

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ هذه الكلماتِ العميقة: "وقد كانَ هذا الأمرُ مَسؤولاً مَسؤوليَّةً جُزئيَّةً لا فقط عنِ الانهيارِ الرُّوحيِّ العامِّ للكنيسة في هذا القرن، بل أيضًا عنِ الكثيرِ مِن الضُعفِ الكِرازيِّ الكبيرِ لأنَّهُ في عالَمٍ يَستخدِمُ اللهُ القُدُوسُ صاحِبُ السِّيادةِ المُطلقةِ دائمًا الأوبئةَ والمجاعاتِ والحروبَ والأمراضَ والموتَ كأدواتٍ لمُعاقبةِ الخطيَّةِ ودَفْعِ النَّاسِ إلى التَّوبة، لا يُمكنُ للنَّاسِ أن يُؤمِنوا بهذه الصُّورةِ المُشَوَّهَةِ عنِ اللهِ الَّتي تُصَوِّرُهُ فقط بأنَهُ مُنْعِمٌ وَمُحِبٌّ؛ فكم بالحَرِيِّ أن يَخْشَوْهُ ويَعبدوهُ بالطَّريقةِ المُبيَّنةِ في كُلٍّ مِن العَهدِ القديمِ والعهدِ الجديد!"

وما يَقصِدُهُ هنا هو التَّالي: عندما تَتَبَنَّى فقط هذه النَّظرة العاطفيَّة عنِ المحبَّة، أولاً، لن يُؤدِّي ذلك يومًا إلى تَجديدِ الكنيسة لأنَّه لن يَدفعَ النَّاسَ حَقًّا إلى مُواجهةِ خطاياهم. فهو لن يؤدِّي يومًا إلى تجديدِ الكنيسة. ثانيًا، لن يؤدِّي يومًا إلى الكِرازة. وهذا أكبرُ وَهْمٍ في الوُجود. فالنَّاسُ يَظُنُّونَ أنَّكَ إن تَحدَّثتَ عنِ المحبَّةِ، وعن أنَّ اللهَ مَحبَّة، وعن كيفَ أنَّ اللهَ يُحبُّ الجميعَ، فإنَّكَ تَكرِز. ولكنَّكَ واقِعٌ في مُشكلةٍ عويصة لأنَّهُ مِن جِهَة: أنتَ تُنادي بإلَهٍ كُلُّهُ مَحبَّة، ومِن جِهة أخرى: أنتَ عَالِقٌ في مُحاولةِ أن تُبَرِّرَ للنَّاسِ كيفَ يُمكنُ لإلهٍ كهذا أن يَسمحَ للأوبئةِ والأمراضِ والكوارثِ والحروبِ والمجاعاتِ والأهوالِ أن تُوجَد.

لِذا، يجب علينا أن نُنادي باللهِ القُدُّوسِ الَّذي يُبغِضُ الخطيَّةَ بُغضًا مُقَدَّسًا حَتَّى يَكونَ كُلُّ ما يَحدُثُ مَنطقيًّا. هل تَفهمونَ ذلك؟ وما لم تَرجِع الكنيسةُ إلى التَّركيزِ على قداسةِ اللهِ وبشاعةِ الخطيَّة، لن تَتجدَّد يومًا، بل ستَبقى كِرازَتُها سَطحيَّة، وغير فعَّالة، وغير قادرة على شَرْحٍ الأمورِ البَديهيَّة. فبالنِّسبةِ إلى غيرِ المؤمنِ الَّذي يَسمعُ فقط رسالةَ المحبَّة، كيفَ يُمكنُ لإلهٍ مُحبٍّ أن يَسمحَ بكُلِّ هذه الأهوال؟ ولكنَّ حَذْفَ كَراهِيَةِ اللهِ للخطيَّة يُضعفُ الكنيسةَ حَرفيًّا ويُعَطِّلُ الكِرازةَ عِوَضًا عن أن يُعَزِّزَها.

والآن، أعتقدُ أنَّ هناكَ أشخاصًا كثيرينَ يَظُنُّونَ أنَّ هناكَ نَهضة في حين أنَّ ما يَرَوْنَهُ هو مُجرَّدُ عاطفة. وقد كانَ "جوناثان إدواردز" يَعي ذلكَ تَمامًا. ففي مقالةٍ عن العَواطفِ الدِّينيَّةِ كَتَبَها في سنة 1746، كانَ مُهتمًّا جدًّا بتوصيلِ فِكرةِ أنَّ الطَّبيعةَ البشريَّةَ السَّاقطةَ هي أرضٌ خِصبةٌ للتَّديُّنِ الزَّائفِ الَّذي يَتَّخِذُ شَكلاً رُوحيًّا؛ ولكنَّهُ مُتأصِّلٌ جدًّا في مَحبَّةِ الذَّات.

وقد قال: "الخِبراتُ العاطفيَّةُ جدًّا، والكلامُ الشَّاعِرِيُّ والمُتدفِّقُ، بل وحَتَّى تَسبيحُ اللهِ والشُّعورُ بالمحبَّة تُجاهَ اللهِ والبشر يُمكن أن تَنبُعَ جميعُها مِن دَوافعَ شخصيَّة وأنانيَّة. على النَّقيضِ مِن ذلك فإنَّ التَّجديدَ الحقيقيَّ النَّابعَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ هو تَجديدٌ يُرَكِّزُ على اللهِ، ويقومُ على العِبادةِ، ويَعرِفُ قيمةَ اللهِ، ولا صِلةَ لهُ بالمَصلحةِ الشخصيَّة". وقد قَصَدَ "إدواردز" أن يُشيرَ إلى أنَّ تلكَ الخِبراتِ الحقيقيَّةَ تُوَلِّدُ اتِّضاعًا لدى المُؤمِنِ، لا كِبرياءً. وهي تُفْضِي إلى خَليقةٍ جديدةٍ وروحٍ جديد يَتَّصِفُ بالاتِّضاعِ والوداعةِ والغُفرانِ والرَّحمة. وهي تَتركُ المُؤمِنَ جائعًا وعَطِشَا إلى البِرِّ عِوَضًا عن أن يَكتفي بتهنئةِ نَفسِه.

بعبارةٍ أخرى، إنَّ النَّهضةَ الحقيقيَّةَ لا تَعني أن يقولَ النَّاسُ: "لقد بَلَغنا غايتَنا الرُّوحيَّة"، بل أن يَشعُرَ النَّاسُ بالانكسارِ بسببِ شُعورِهم بأنَّهم لم يَبلغوا تلك الغاية. لِذا، عندما تَنظُرونَ إلى ما نَراهُ في مُجتمعِنا وتَسألونَ أنفسكُم: هل هذه نَهضة حقيقيَّة؟ يُمكنكم أن تَسألوا أسئلةً أخرى مِثل: هل تُرَكِّزُ هذه النَّهضة بِشِدَّة على قَداسةِ اللهِ؟ وبالشُّعورِ العَميقِ ببشاعةِ الخطيَّة، وباختبارٍ رُوحيٍّ يُؤدِّي إلى الانكسارِ عِوَضًا عن تَهنئةِ النَّفس؟ فهذه هي الأشياءُ الَّتي تُسهِمُ في النَّهضةِ الحقيقيَّة.

أمَّا عندما تَسمَعونَ ما تَسمعونَهُ في الكنيسةِ اليوم، أي عندما تَسمعونَ هذا الحَديثَ الَّذي لا يَتوقَّفُ عنِ المحبَّةِ، والقَبول، والتَّسامُح، والرَّغبة في تَقديرِ الذَّاتِ، والشُّعورِ بمشاعر طَيِّبة تُجاهَ أنفسكم، وأنَّ اللهَ يُريدكم أن تتمتَّعوا بالصِّحَّةِ والغِنى والسَّعادةِ وكُلِّ تلكَ الأشياء، اعلَموا أنَّكم بَعيدونَ كُلَّ البُعدِ عن عناصِرِ النَّهضةِ الحقيقيَّة.

والسَّببُ في ذلك هو أنَّ الكنيسةَ الَّتي لا تَفهَمُ قَداسةَ اللهِ لا تَتَصَدَّى للخطيَّة، ولا تُطَهِّر نَفسَها في الحقيقة. وكما قُلتُ في البداية، هذا هو ما يُريدُ المسيحُ أن يَفعلَهُ في كنيستِه. فالكنيسةُ لا تَتَمَثَّلُ بيسوعَ المسيحِ في أيِّ وقتٍ مِن الأوقاتِ أكثرَ مِمَّا تَفعل حينَ تُطَبِّقُ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 18: 15-20 بخصوصِ التَّصدِّي للخطيَّة.

ويقولُ "لوفليس" Lovelace) أيضًا: "إنَّ أغلبيَّةَ الكنائسِ الَّتي تَضُمُّ مَسيحيِّينَ اسميِّينَ اليومَ مُشْبَعَة بنوعٍ مِن الصَّلاحِ المَيِّتِ والتَّهذيبِ الأخلاقيِّ الَّذي يَستمدُّ أُصولَهُ مِن الجسدِ، لا مِن الرُّوحِ القُدُس. فهو بِرٌّ سَطحيٌّ لا يَنبُعُ مِن الإيمانِ وتَجديدِ الرُّوحِ، بل مِن الكِبرياءِ الدِّينيَّةِ والانصياعِ الشَّكليِّ للتَّقاليدِ الَّذي لَهُ صُورةُ التَّقوى ولكنَّهُ يُنكِرُ قُوَتَها". وهو يُتابِعُ حَديثَهُ قائلاً إنَّ هذه تَقوى زائفة.

لِذا، يجب علينا أن نَرجِعَ إلى العَناصرِ الحقيقيَّةِ للنَّهضة. وقد قالَ "جون أوينز" (John Owens): "إنَّ قُوَّةَ وقُدرةَ الحياةِ الرُّوحيَّة تتوقَّفُ على إماتَةِ الخطيَّة. فينبغي التَّصَدِّي للخطيَّة، وكَشفُها، ومُعالجتُها". وأعتقد أنَّ هذا هو ما يُريدُ المَسيحُ أن يَفعلَهُ في كنيسته. وأعتقدُ أنَّ المسيحَ جاءَ إلى العالمِ لكي يَفعلَ شيئًا واحدًا. وهو يَقولُ ذلكَ في إنجيل يوحنَّا 5: 19، و5: 30، و6: 38، و 7: 16، وفي مَواضِع أخرى إذ إنَّه قال: "قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ [ماذا؟] مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي"؛ أي مَشيئة أبي. وهو يقولُ ذلكَ المَرَّة تِلو المَرَّة. ويُمكنُ تَلخيصُ مشيئةِ الآبِ في جُملةٍ واحدة مَذكورة في رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الأوَّل. رسالة بُطرس الأوَّلى والأصحاح الأوَّل: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ". كُونوا قِدِّيسينَ في كُلِّ شيء. وإليكُم السَّبب. وهو يَقتبسُ مَا جاءَ في سِفْر اللاويِّين والأصحاح 11: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ".

والآن، إن أردتُم أن تأخذوا كُلَّ مشيئةِ اللهِ بأشملِ مَعانيها وأن تُلَخِّصوها في جُملةٍ واحدة، هذه هي. فاللهُ يُريدُ مِن شَعبِهِ أن يكونَ مُقدَّسًا. هذه هي الرِّسالة. وهذا هو السَّببُ الَّذي يَتحرَّكُ المسيحُ لأجلِهِ في كنيستِهِ بِعينيهِ الفاحِصَتَيْنِ وحُضورِهِ المُقَدَّسِ، واستعدادِهِ التَّامِّ لمُمارسةِ الدَّينونةِ بقصدِ التَّطهيرِ والتَّنقية. وفي المَلكوتِ، كَما جاءَ في سِفْر إشعياء 35: 8، نَرى أنَّ اللهَ يُعِدُّ سِكَّةً وَطَرِيقًا يُقَالُ لَهَا: "الطَّرِيق المُقَدَّسَة".

وفي رسالةِ يَعقوب 4: 8، لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّه يقول: "اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ. اكْتَئِبُوا وَنُوحُوا وَابْكُوا. لِيَتَحَوَّلْ ضَحِكُكُمْ إِلَى نَوْحٍ، وَفَرَحُكُمْ إِلَى غَمٍّ. اتَّضِعُوا قُدَّامَ الرَّبِّ فَيَرْفَعَكُمْ".

فاللهُ يَدعو إلى التَّطهيرِ والتَّنقية. فمَشيئةُ الآبِ هي أن يَكونَ شَعبُهُ مُقدَّسًا. وهذا هو عَملُ المسيحِ في كَنيستِه. وهو يَفعلُ ذلك مِن خلالِ الكلمةِ، والرُّوحِ، وعملِ الشَّعب. فالكلمةُ تَقومُ بِدورِها عندما تُعْلَن. والرُّوحُ يَقومُ بِدورِهِ عندما يَتحرَّكُ في القلب. ولكن يجب علينا أن نَنْضَمَّ إلى الكلمةِ والرُّوحِ في الجسدِ البشريِّ وأن نَعملَ نِيابةً عنِ المسيحِ في وَسْطِ كنيستِه مِن أجلِ طَهارتِها. والطَّريقةُ مُبَيَّنَةٌ لنا في الأعداد 15-20. فيجب أن نَقتدي بالمسيحِ الَّذي يَتحرَّكُ في كنيستِه.

والآن، لِنَرى كيفيَّةَ القيامِ بذلك مَرَّةً أخرى. فمكانُ التَّأديبِ... لِنرجِع إلى النَّصّ. فمكانُ التَّأديبِ [وَفقًا للعدد 17] هو الكنيسة. فهو مَذكورٌ هناك. "فَقُل للكَنيسة". قُل للكنيسة. فالكنيسةُ هي المكان. وما المقصودُ بالكنيسة؟ إنَّها جَماعةُ شَعبِ اللهِ المَفدِيّ. فهذا هو مَكانُ التَّأديب. وهذا هو المكانُ الَّذي يَتحرَّكُ فيهِ المسيحُ للقيامِ بعمليَّةِ التَّطهير.

ثانيًا، الغاية في نِهايةِ العدد 15: "إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ". الرَّدّ. فالشَّخصُ الَّذي يُخطئ هو شَخصٌ تَخْسَرُهُ الشَّرِكَة. وهو شَخصٌ تَخسَرُهُ الخِدمةُ وينبغي رَدُّهُ كَما لو كانَ كَنْزًا مَفقودًا.

ثُمَّ مَن هو الشَّخصُ الَّذي يقومُ بالتَّأديب؟ نَقرأُ في العدد 15 مَرَّةً أخرى: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ". فأنتَ هو مَن يقومُ بالتَّأديب. أنتَ وأنا وجَميعُ المُؤمِنين. فنحنُ جميعًا مَسؤولون. ويجب علينا جميعًا أن نكونَ خُدَّامَ قَداسَة. ونَقرأُ في رسالة غلاطيَّة 6: 1: "فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا". ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ العاشِر: "وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ [بينَ الإخوةِ والأخوات]". لِذا، نحنُ بحاجةٍ إلى أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ لديهم الاستعدادَ لإطاعةِ ذلك، والَّذينَ لديهم غَيْرة مُقدَّسة على اسمِ اللهِ، والَّذينَ نَقَّوْا قُلوبَهُم كي يَقوموا بهذا العمل. فنحنُ بحاجة إلى خُدَّامِ قَداسة.

وقد وَضَّحتُ هذه النُّقطةَ تَمامًا، ولكنِّي أريدُ فقط أن أُؤكِّدَ على ذلكَ مِن دونِ الإطالةِ في الحَديثِ عنها. فنحنُ بحاجة في الكنيسة إلى خُدَّامِ قَداسة يَعملونَ عملَ المسيح؛ أي يَعملونَ على الحِفاظِ على الكنيسةِ طاهرةً. وهذا يعني مُواجهة الخطيَّة والتَّصَدِّي لها.

إذًا، مكانُ التَّأديب هو الكنيسة. والقصدُ منهُ هو أن تَربَحَ أخاكَ. والشَّخصُ الَّذي يقومُ به هو أنتَ. ثُمَّ ما الدَّافعُ إليهِ، أو ما السَّببُ الَّذي يَدفعُنا إلى مُمارسةِ التَّأديب؟ نقرأُ في العدد 15: "إن أخطأَ أخوكَ". وكُلُّ خطيَّةٍ هي خطيَّة مُوَجَّهة إلينا إمَّا بصورةٍ مُباشِرةٍ أو غير مُباشِرة (كما رأينا في دُروسِنا السَّابقة).

لِذا، حيثُما وُجِدت خَطيَّة لم يَعترِف بها مُرتَكِبُها ولم يَتُب عنها... حَيثُما وُجِدت خطيَّة مُستمرَّة أيًّا كانت، هناكَ حاجة إلى التَّأديب. إذًا، هذه هي عمليَّةُ التَّأديب كما رأيناها في الأعداد مِن 15-17. فهناكَ أربعُ خُطُواتٍ: اذهب وعاتِبْهُ على خطيَّتِهِ وَحدكُما؛ أي على انفراد. فإن تَجاوبَ، تَنتهي العمليَّةُ هُنا. وإن لم يَتُب، تأتي الخُطوةُ الثَّانية في العدد 16: خُذ معكَ شخصًا أو شَخصين لكي يَتحقَّقَ مَوقِفُهُ بشَهادةِ شاهِدَين أو ثلاثة. وبحسب ما جاءَ في النَّاموسِ في سِفْر التَّثنية، كانَ هذا هو مِعيارُ الصِّحَّةِ الشَّرعيَّة.

والآن، إن لم يَتجاوب مع ذلك، تأتي الخُطوةُ الثَّالثة في العدد 17 بأن تُخبِرَ الكنيسةَ كُلَّها. وهذا يَعني أن تَذهبَ الكنيسةُ كُلُّها وتُحاولُ أن تَرُدَّهُ. فيجب أن تَذهبَ الكنيسةُ بأسرِها وتُحاولَ أن تُرجِعَهُ. فإن لم يَنجَح فَردٌ واحدٌ، وإن لم يَنجَح فَردانِ أو ثلاثة، يجب على الجميعِ أن يَذهبوا إليه. أمَّا الطَّريقةُ الَّتي يَتِمُّ مِن خِلالها إخبارُ كلِّ الكنيسة فقد تَختلِف. فقد تَرغبُ في إخبارِ الكنيسةِ كُلِّها. وقد تَرغبُ في إخبارِ مَجموعة في الكنيسة أو إخبارِ الكَنيسةِ المُمَثلَةِ في قادَتِها. ولكِن [بعبارة أخرى] يجب عليكَ أن تُوَسِّعَ دَائرةَ الأشخاصِ الَّذينَ يُحاولونَ أن يُكَلِّموا الأخَ الخاطئَ (أوِ الأختِ الخاطئةِ) لإرجاعِه، ورَدِّهِ إلى التَّوبةِ، والاعترافِ، وتَرْكِ الخطيَّةِ، والعودةِ إلى الطَّهارة.

وإن استمرَّ في رَفضِ الإصغاء، تأتي الخُطوةُ الرَّابعة وهي أن تُعامِلَهُ كالوَثنيِّ أوِ العَشَّار. وقد أَشَرنا إلى أنَّ هَاتينِ الفِئتينِ مِن النَّاسِ كانَتا تُشيرانِ أو تَرمِزانِ إلى فِكرةِ أنَّهما فِئتانِ مَنبوذتان. عامِلهُ كما لو كانَ شخصًا مِن خارجِ مَجموعتِك. اطرُدهُ. وقد ذَكرنا بِضعَ آياتٍ كِتابيَّة عن ذلك. اطردهُ، ولا تَسمَح لهُ أن يَختلِط بالرَّعيَّة. ولا تَسمَح له أن يَختلط بالكنيسة. ولا تَسمَح لهُ أن يَشعُرَ بالانتماء. اجعَل الأمرَ صَعبًا عليه. سَلِّمهُ للشَّيطان (كما يَقولُ بولس). ولكنَّ النُّقطةَ الأخرى هي ماذا؟ بعدَ أن تَطرُدَهُ، ادعوهُ إلى الرُّجوع. ادعوهُ إلى الرُّجوع.

لِذا فإنَّ مَكانَ مُمارسةِ التَّأديب هو الكنيسة، والقصدَ مِن التَّأديب هو أن تَربَحَ أخاكَ، والدَّافعَ إلى التَّأديب هو وُجودُ أيَّة خطيَّة، وهُناكَ عمليَّةُ التَّأديب المؤلَّفَة مِن أربعِ خُطُوات. والآن، نأتي إلى الجُزءِ الأخيرِ وَحَسْب: القُدرة على التَّأديب. القُدرة. وإن أردتُم أن تَستخدِموا كلمةً أخرى، يُمكنكم أن تَستخدِموا الكلمة: "سُلطان".

فكما تَعلمونَ، عندما تَصِلونَ إلى نهايةِ العدد 17 فإنَّكم تُواجِهونَ دائمًا حقيقةَ أنَّكم لستُم أَكْفاءَ لذلك. فإن كنتَ مِثلي، قد تقول: "مَن أنا لأذهبَ إلى شخصٍ ما وأُواجِهَهُ بشأنِ خَطيَّتِه؟" وما أعنيه هو أنَّ هذا عالَمٌ خَاصٌّ، وأنَّ كُلَّ شخصٍ يَعيشُ حَياتَهُ الخاصَّة. فلا يُمكِنُكَ أن تَذهبَ وَحَسْب وأن تَقتَحِمَ حياةَ شَخصٍ آخر وتقول لهُ: "أنتَ تُخطِئ". بعبارة أخرى، ما الَّذي يُعطينا الحَقَّ في القيامِ بذلك؟ فأنا لستُ رَسولاً، وأنا لستُ كامِلاً. ثُمَّ إنَّ النَّاسَ يُسيئونَ تَفسير الآية الَّتي وَرَدَت في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابع: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا". فما الحَقُّ الَّذي لَدينا للقيامِ بذلك؟ وكيفَ يُمكِنُنا أن نُشَهِّرَ بخطايا النَّاسِ أمامَ الكنيسةِ كُلِّها وأن نُرسِلَ الجَميعَ لمُواجهتِهم؟ وكيفَ يُمكنُنا أن نَطرُدَ النَّاسَ مِن الكنيسةِ على مَرأى مِنَ الجميع؟ وما أعنيه هو: ألا نَكونُ بهذه الطَّريقةِ قد تَجاوَزنا الحُدودَ المَرسومَةَ لنا لا سِيَّما أنَّنا [نحنُ أنفسُنا] خُطاةٌ ضُعفاءُ وساقِطون؟

ما هي سُلطتُنا؟ وبأيِّ سُلطانٍ نَفعلُ ذلك؟ وما الحَقُّ الَّذي يُخَوِّلُنا أن نَفعلَ ذلك؟ وهذا هو ما نَقرأهُ في الأعداد مِن 18 إلى 20. وهذه هي ذُروةُ هذا النَّصّ. فَمِنَ الصَّعبِ القيامُ بذلك. إنَّهُ عَمَلٌ يَصعُبُ القيامُ به، ولكن لا بُدَّ مِن القيامِ به. ولا بُدَّ، يا أحبَّائي، مِن أن نقومَ بهِ إن أرادتِ الكنيسةُ أن تَختبرَ نَهضةَ وتَجديدًا حَقيقيَّيْن. فَكُلُّ الجُهْدِ المَبذولِ لأجلِ التَّجديدِ مِن دونِ التَّصدِّي للخطيَّة، ومِن دونِ المُناداةِ بالقداسةِ وَخَوفِ اللهِ هو جُهدٌ مَهدورٌ تَمامًا. فيجبُ علينا أن نَفعلَ ذلك بالرَّغمِ مِن صُعوبتِه. ولكِن ما هو سُلطانُنا؟

هناكَ سَببانِ يُبَيِّنان أنَّ لدينا السُّلطان... سَببان: أوَّلاً، لأنَّ الآبَ في السَّماء يَعملُ معنا. هل فَهمتُم ذلك؟ يجب عليكم أن تَكتُبوا ذلك في هَامِشِ كِتابِكُم المُقدَّسِ في مَكانٍ مَا. لأنَّ الآبَ في السَّماء يَعملُ معنا.

لقد عَدَّلتُ وَضعيَّةَ جُلوسي عندما وَصلتُ إلى هذا الجُزءِ مِن دراسَتي وفَكَّرتُ وَحَسْب في ذلك. وأنا أَعلمُ أنَّني لا أستطيعُ أن أُعَبِّرَ بالكلماتِ عَن مَشاعِري القَلبيَّة. فلا يُمكنني أن أستوعِبَ أنَّهُ يُمكنُني أن أعملَ بانسجامٍ تَامٍّ معَ اللهِ القُدُّوس. ولكنَّ هذا هو ما يَقولُهُ النَّصُّ. انظروا إلى العدد 18: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ...". ومِن الجيِّدِ أنَّهُ يَستخدِمُ الكلمة "الحَقَّ" هُنا لأنَّهُ أمرٌ يَصعُبُ علينا تَصديقُه. "الحَقَّ أقولُ لكم: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاء".

والآن، قد يبدو ذلك أوَّلَ وَهلةٍ أمرًا غامضًا بالنِّسبةِ إليكم، ولكنَّنا دَرسنا نفسَ الكلماتِ في إنجيل مَتَّى 16: 19 وفي إنجيل يوحنَّا 20: 23 قبلَ سَنواتٍ لأنَّها مَذكورة هناك. فهذه مُفرداتٌ كانَ يَستخدِمُها أحبارُ اليهودِ، وكانت مَألوفةً جدًّا لدى المُستمعينَ اليهود، ومَألوفةً جدًّا لدى مَتَّى ولدى رَبِّنا لأنَّهم كانوا يعيشونَ في ذلك الزَّمن. وهي تُشيرُ ببساطة إلى قيامِ الأحبارِ بِرَبْطِ خَطيَّةِ شخصٍ ما بهِ أو بإبرائِهِ مِن خَطاياه. وهي تَعني بصورة رئيسيَّة أن تَقولَ لشخصٍ مَا: "خَطاياكَ مُلتصقةٌ بِكَ" أو: "أنتَ في حِلٍّ مِن خَطاياكَ". بعبارةٍ أخرى، "أنتَ ما تَزالُ تَحتَ قَيدِ الخطيَّة"، أو "أنتَ في حِلٍّ مِنَ الخطيَّة".

والآيةُ تقول: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ...". بعبارةٍ أخرى، أن تَقولُ لشخصٍ على الأرض: "أنتَ مَا تَزالُ مَربوطًا بالخطيَّة". عندما تقولُ ذلكَ على الأرض، سيكونُ قد رُبِطَ أَصلاً في السَّماء. فعندما تقولُ على الأرض لشخصٍ مَا: "أنتَ في حِلٍّ مِن خَطاياك" (أي: "أنتَ حُرٌّ" أو "لقد صِرتَ في حِلٍّ مِنها)، تَكونُ السَّماءُ قد فَعلت ذلكَ أصلاً. وهذه هي الصِّيغةُ الكاملةُ للمَبني للمَجهول. وهذا يعني أنَّ ذلكَ قد حَدَثَ أصلاً وأنَّ نَتائِجَهُ مُستمرَّة.

بعبارةٍ أخرى، عندما تَجتمعُ الكنيسةُ أخيرًا وتقولُ إنَّ خَطاياكَ مُلتصقة بكَ، أو إنَّكَ في حِلٍّ مِن خَطاياكَ، فإنَّ الكنيسةَ تَبتدئُ حينئذٍ بالعملِ بطريقةٍ تَنسَجِمُ معَ الآبِ الَّذي في السَّماءِ والَّذي قالَ أصلاً إنَّ خطاياكَ مَربوطة أو مَحلولة وَفقًا لتَجاوبِ الشَّخصِ معَ التَّبكيتِ على الخطيَّةِ أو عَدمِ تَجاوُبِه.

والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هي التَّالية... وهي نُقطة بسيطة جدًّا: أنَّ السَّماءَ تُصادِقُ على ما تَمَّ على الأرضِ عندما تَتبَعُ الكنيسةُ عمليَّةَ التَّأديبِ هذه. فهذا هو تَمامًا المَعنى المقصود. فهذا هو السُّلطان. اسمعوني: إن كنتَ شخصًا في الكنيسة تُخطئ، وجاءَ إليكَ شخصٌ ولم تَتُب، وجاءَ إليكَ شَخصانِ أو ثلاثة ولم تَتُب، وجاءت إليكَ كُلُّ الكنيسةِ ولم تَتُب، يُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّ خَطاياكَ مَربوطة بكَ. ويُمكنُنا أن نَقولَ ذلكَ لأنَّنا قُمنا بالعملية المَطلوبة للتحقُّقِ مِن ذلك بناءٍ على ما تُعلِنُهُ كلمةُ اللهِ. وعندما نَقولُ ذلك، نحنُ نقولُ ببساطة ما قالَهُ الآبُ أصلاً في السَّماء. بعبارة أخرى، إنَّ الكنيسةَ تَتصرَّفُ نِيابةً عن مَشيئةِ الله. والآبُ في السَّماءِ يَتصرَّفُ مَعَنا. ويا لها مِن فِكرة عَظيمة!

مِن جِهةٍ أخرى، إذا كنتَ تَعيشُ في الخطيَّة وجِئنا إليكَ ولم تَتُبْ أوَّلَ مَرَّة، ثُمَّ ذَهبَ إليكَ شَخصانِ أو ثلاثة وتُبْتَ، وانكسَرَ قَلبُك، وحَزِنتَ، ورَجَعتَ عن خطيئتِك، وقُلنا إنَّكَ صِرْتَ في حِلٍّ مِن خطيئتِك وأهلاً بكَ في مِلْءِ الشَّركة، فإنَّنا نَعمَلُ وَحَسْب على الأرض ما عُمِلَ حَقًّا في السَّماء. لِذا فإنَّ السُّلطانَ المُعطى لَنا يعني أنَّنا نَتصرَّفُ نِيابةً عنِ الآبِ في السَّماءِ إذ إنَّهُ عَمِلَ أصلاً ما يَنبغي عَمَلُهُ بشأنِ حالتِك.

فنحنُ نقولُ في الكنيسةِ إنَّنا نُريدُ أن نَعملَ مشيئةَ الله. ونحنُ نُصلِّي. فَكَم كنيسة تَقِفُ يومَ الأحدِ، وكم أُناسٌ يَقفونَ ويقولون: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. لِيَأتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ [أين؟] كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ"، ولكنَّهم لا يَفعلونَ ما يَقولُهُ ذلكَ النَّصّ؟ هل تُريدونَ أن تَعمَلوا مشيئتَهُ على الأرض كما في السَّماء؟ إذًا، افعلوا هذا الأمر لأنَّ السَّماءَ ستكونُ قد عَمِلَتْ أصلاً ما عَملتُموه هُنا؟ فهذه استجابة لتلك الصَّلاة المذكورة في إنجيل مَتَّى 6: 9-12؛ أي صَلاة التَّلاميذ.

لِذا، أقولُ مَرَّةً أخرى: لا يُمكنُ للكنيسةِ البتَّة... البتَّة أن تَتَمَثَّلَ بيسوعَ المسيحِ، ولا يُمكنُ للكنيسةِ البتَّة أن تُتَمِّمَ مَشيئةَ اللهِ أكثر مِمَّا تَفعل عندما تُطَبِّق المبادئَ المَذكورة في هذا المَقطع. فهذا يأخُذُ ما يَحدُثُ في مَلكوتِ السَّماواتِ ويُطَبِّقُهُ على الأرض. هذا هو سُلطانُنا. فالسَّماءُ تَقِفُ مَعنا. وقد تقول: "إذًا، كيفَ يكونُ هذا هو سُلطانُنا؟" لأنَّنا طَبَّقنا النَّمطَ الكِتابيَّ. فعندما أَذهبُ إلى شخصٍ وأقول: "خَطيئتُكَ مُلتصقةٌ بكَ"، قد تقول: "ماك آرثر، مَن أعطاكَ الحَقَّ في أن تقولَ ذلك لهذا الشَّخص؟" لأنَّ الشَّخصَ لم يَتُب. مِن جهة أخرى، إن قلتُ لأحدِ الأشخاص: "أنتَ في حِلٍّ مِن خَطاياكَ"، أو إن قُلتَ ذلكَ لشخصٍ مَا، مَن أعطاكَ الحقُّ في قولِ ذلك؟ لأنَّهُ تابَ. أليسَ كذلك؟

في الآوِنَة الأخيرة، التقيتُ رَجُلاً قالَ لي: "أنا أُوْمِنُ بأنَّ هذا هو ما ينبغي للمرءِ أن يَفعلَهُ لكي يَذهبَ إلى السَّماء". وقد راحَ يَقولُ كَلامًا غريبًا جدًّا. وقد قال: "لقد مَضى على وُجودي في هذه الهيئةِ المسيحيَّةِ سنوات طويلة". لِذا فقد وَضعتُ إصبعي عليهِ بلُطفٍ قَدرِ استطاعتي وقلتُ: "يا صَديقي، أنتَ هَالِكٌ في خَطاياك". وقد تقول: "مَن أعطاكَ الحَقَّ في ذلك؟ ومَن تَظُنُّ نَفسَكَ؟" ولكنِّي أَملِكُ السُّلطانَ في أن أَربِطَ خَطاياهُ بهِ لأنَّه لم يَستَوْفِ الشُّروطَ الكِتابيَّةَ للتَّوبة. أليس كذلك؟ فقد قلتُ: "أنتَ هَالِكٌ. وأنتَ لا تَعرِفُ اللهَ. وأنتَ لم تَختبِر غُفرانَ خَطاياك. وأنتَ لا تَعرِفُ يسوعَ المسيحَ يا صَديقي".

وقد شَرحتُ الإنجيلَ لَهُ. إذًا، أنتُم تَملِكونَ الحَقَّ في أن تَقولوا لمُؤمِنٍ يُخطِئ: "أنتَ يا صَديقي مَربوطٌ في خَطاياك". والآبُ في السَّماءِ يَعملُ معكَ حينَ تقولُ ذلك. ألا تَعتقدونَ أنَّ هذا الأمرَ مُدهشٌ؟ وما أعنيه هو أنَّكَ تَصيرُ سَفيرَ السَّماءِ على الأرض. لِذا، يجب على الكنيسةِ أن تَفعلَ ذلك. اسمعوني: لقد قلتُ في البداية: "إن كانَ يُمكِنُ تَلخيصُ كُلِّ مشيئةِ اللهِ في جُملةٍ واحدة فإنَّها: ’كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ‘". لِذا فإنَّنا لن نُتَمِّمَ مَشيئةَ اللهِ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ أكثر مِمَّا نَفعل عندما نَحرِص على قَداسةِ شَعبِه. أليسَ كذلك؟

هذا هو ما تَعنيهِ الآية. فاللهُ يَفعلُ الشَّيءَ ذاتَهُ. وهذا أمرٌ مُطَمئِنٌ لي لأنَّ النَّاسَ يَقولونَ في أوقاتٍ كثيرة: "أتَدري أنَّكَ إن فَعلتَ ذلك، وحاولتَ أن تكونَ مُباشِرًا، وحاولتَ أن تُهاجِمَ الخطيَّة، وإن حاولتَ أن تَتصدَّى للخطيَّة وأن تُسَمِّيها باسمِها، فإنَّكَ ستكونُ غيرَ مُحِبٍّ"، وهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنَّ ما تَفعلونَهُ حَقًّا هو أنَّكم تَخوضونَ مَعركةَ الله، وتَتَّفِقونَ حَقًّا معَ السَّماء. ومِن الصَّعبِ أن تُقنِعوا النَّاسَ بذلك في هذا اليوم لأنَّ هذا النَّوعَ مِن المحبَّةِ العاطفيَّةِ المُفرِطَةِ قد خَرَجَ تمامًا عنِ السَّيطرة.

وهناكَ سَببٌ آخر. ولكن قبلَ أن نَتحدَّثَ عنهُ، يجب علينا أن نَنظُرَ إلى العدد 19. والعدد 19 يُكَرِّرُ بصورة رئيسيَّة ما قيلَ في العدد 18 لأنَّهُ أمرٌ يَصعُبُ تَصديقُه. فَمِنَ الصَّعبِ جدًّا أن نُصَدِّقَ أنَّ الآبَ السَّماويَّ يَعملُ مَعَنا. لِذا فإنَّهُ يقول: "وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ...". وما الأشياءُ الَّتي نَتحدَّثُ عنها هُنا؟ ما الأشياءُ الَّتي نَتحدَّثُ عنها؟ التَّأديبُ على خَطِيَّة. وما المقصودُ بوجودِ شَخصَيْن هنا؟ هذا هو أَقَلُّ عَددٍ مِن الأشخاص الَّذينَ يُمكن أن يُؤكِّدا أنَّ شخصًا قد أخطأ.

لِذا، عندما تَذهبانِ، وتؤكِّدانِ مَوقفَ ذلك الشَّخص، وتَتَّفِقان، وتَطلُبانِ مَشيئةَ اللهِ بذلك الخُصوص، سيَتحقَّق ذلك في حياتِكُما مِن خلالِ أبي الَّذي في السَّماء. بعبارة أخرى، إنَّ اللهَ يَعملُ مَعَكُما. فالاثنان هنا هُما الشَّاهِدانِ اللَّذانِ يُؤكِّدان عدمِ تَوبةِ ذلك الشَّخص، أو مِن جِهة أخرى اللَّذان يُؤكِّدان توبَتَهُ. فالآية تُشيرُ إلى أقَلِّ عَددٍ مُمكِن. فإنِ اتَّفقَ اثنانِ مِنكُم. بعبارة أخرى، إذا أكَّدتُما حقيقةَ أنَّ هذه هي الحقيقة، فإنَّ اللهَ سيَعملُ في السَّماء بِما يَنسَجِمُ مع ذلك.

وهذا سُلطانٌ عَظيم. فنحنُ سُفراءُ للسَّماء على الأرض. وهذه فِكرةٌ مَجيدةٌ جدًّا تَفوقُ استيعابَنا. والكلمة "اتَّفقَ" هُنا جَديرة بالمُلاحظة: "سومفونيئو" (sumphoneo)، وهي الكلمة الَّتي اشتُقَّت مِنها الكلمة "سِمفونيَّة". وهي تَعني: "يُناغِم صَوتان مَعًا". فعندما يَتَّفِقُ جَميعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَنظرونَ إلى حياةِ ذلك الشَّخص على أنَّ خَطيئتَهُ ما تَزالُ قائمة، أو على أنَّهُ تابَ عن خَطيئتِه، أو نَدِمَ عليها، أو لم يَعُد يُخْفِ شيئًا، فإنَّ الآبَ سَيكونُ في تَناغُمٍ مَعَكم.

ولا أعتقدُ أنَّ هذه الآية تَتحدَّثُ عن استجابةِ الصَّلاةِ أيًّا كانت، بل إنَّ كَثيرينَ يُسيئونَ فَهمَها تَمامًا. فقد تَمَّ إخراجُ هذه الآية مِن سِياقِها فصارَ هَذانِ الاثنانِ في نَظَرِ كَثيرينَ أيَّ شَخْصَيْن. فإن اتَّفقَ اثنان على أيِّ شيء، سوفَ يُعطيهُما اللهُ ما اتَّفقا عليه! وقد سَمِعتُ ذلكَ مَرَّاتٍ كثيرة. ولكنَّ هذا ليسَ المَعنى المَقصود.

فالاثنانِ هُنا هُما الشَّاهِدان في حالةِ التَّأديبِ الكَنَسِيِّ عندَ وُجودِ شخصٍ يُخطئ. وَهُما يُريدانِ حَقًّا أن يَفعلا مَشيئةَ اللهِ، ويُريدان حَقًّا أن يَفعلا الصَّواب. ولكِن إنِ اتَّفقا على هذه المسألة، وعلى اتِّباعِ النَّموذجِ الكِتابيِّ، يُمكنهما أن يَتيقَّنا مِن أنَّ خُضوعَهُما لمشيئةِ اللهِ يَضمَنُ لَهُما الحُصولَ عليها، ومِن أنَّ اللهَ سيَفعلُ الصَّواب.

وهذا يَقينٌ مُهِمٌّ لأنَّهُ عندما تُمارسُ التَّأديبَ، قد تَشُكُّ في نَفسِكَ وتَقول: "أرجو أنَّني أفعلُ الصَّواب. فأنا قَلِقٌ وَحَسْب. فرُبَّما كُنتُ أفعلُ أمورًا خاطئة. ورُبَّما أَدينُ غَيري". وقد شَعرتُ أنا شخصيًّا بهذا الشُّعور. فقد اختبرتُ مَوقِفًا أَدَّبْتُ فيهِ مُؤمِنًا واقعًا في الخطيَّة ثُمَّ قلتُ لزوجَتي "باتريشا" (Patricia): "أتَعلمينَ شيئًا؟ رُبَّما قَسَوْتُ كَثيرًا عليه. رُبَّما لم أَكُن مُرهَفَ الحِسِّ. رُبَّما لم أُحسِن التَّصرُّف. ولكنِّي لا أرى تَوبةً هًنا. وأنا لا أرى انكسارًا هُنا. ولا أرى نَدَمًا هُنا".

وقد قالت لي بِحكمَتِها البسيطة: "ولكنَّكَ تَعلمُ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس". وقد قلتُ: "أجل! أنَّهُ إنْ تَمَّ تأكيدُ ذلك، وكُنَّا جميعًا مُتَّفقين، وكُنَّا جَميعًا نَرى نفسَ العَلاماتِ بنفسِ الطَّريقة، ونَطلُبُ حِكمةَ اللهِ، يُمكننا أن نَعلمَ أنَّ الآبَ يَعمَلُ في وِفاقٍ مَعَنا". أليست هذه ثِقة مُدهشة؟ لِذا، نحنُ لا نَخشى مِن مُمارسةِ التَّأديب لأنَّنا نُتَمِّمُ مشيئةَ الآبِ في أن يكونَ شَعبُهُ مُقدَّسًا.

السَّببُ الثَّاني: لا يَقتصِرُ الأمرُ على أنَّ الآبَ في السَّماء يَعملُ معنا، بل إنَّ الابنَ على الأرضِ يَعمل معنا. وهذا سُلطانٌ إلهيٌّ مُزدوَج. فالابنُ على الأرضِ يَعمل مَعنا [وَفقًا للعدد 20). وهذه آية أُخرى يُساءُ جدًّا فَهمُها: "لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ". ورُبَّما سَمعتُم هذه الآية في اجتماعاتِ صَلاةٍ كثيرة ذهبتُم إليها. فإنِ اجتمعَ اثنان أو ثلاثة معًا، سيكونُ اللهُ هناك. اسمَعوني: إن كانَ هناكَ شخصٌ واحدٌ فقط فإنَّ اللهَ هُناك. أليس كذلك؟ فقد كنتُ أَشعُرُ بالقلقِ بسببِ تلك الآية عندما كنتُ صَبيًّا لأنِّي كنتُ أسمعُ وُعَّاظًا يَعِظونَ عن ذلك: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ". فقد كنتُ أقولُ لنفسي: "ماذا سيحدثُ إن صَلَّى شخصٌ واحِدٌ فقط؟"

وكما تَرَوْن فإنَّ الآيةَ لا تَعني ذلك. فما المقصودُ بالاثنين أوِ الثَّلاثة في هذا السِّياق؟ شخصانِ أو ثلاثة بِصِفَتِهم مَن؟ اثنان أو ثلاثة مِن الشُّهودِ في عمليَّة التَّأديب. وكما تَرَوْن، هذا هو السَّبب في أنَّه مِن المُهمِّ جدًّا أن نُعَلِّمَ أن نُفَسِّرَ الكتاب المقدَّس بحسبِ السِّياق. فالمقصودُ هو أن يُوجَدَ شاهِدان أو ثلاثة يَجتمعونَ باسمِي. وما المقصودُ بذلك؟ أن تَعملوا عَملي [كما يقولُ يسوع]. وما هو عَمَلُك؟ أنا أتحرَّكَ في الكنيسة. وعندما تَجتمعونَ معًا باسمي للتَّأمُّلِ في شَخصي ومَشيئتي، هناكَ أكونُ في وَسْطِكُم.

أليست هذه ثِقة عظيمة؟ فالأمرُ لا يَقتصِر فقط على أنَّ السَّماء تَعمل... أو بالحَرِيِّ: على أنَّ الآبَ يَعملُ في السَّماءِ معنا، بل إنَّ الابنَ على الأرض معنا أيضًا. فلا يُمكنكم البَتَّة أن تُتَمِّموا مَشيئةَ اللهِ وعملَ الابنِ أكثر مِمَّا تَفعلونَ عندما تَحرِصونَ على تَطهيرِ كنيستِهِ وتَنقيتِها. ويجب علينا جميعًا أن نَشتركَ في ذلكَ، يا أحبَّائي، بأن نكونَ خُدَّامَ قَداسة.

وفي الخِتام، أودُّ أن أقولَ كلمةً عنِ الضَّحيَّة في هذا الأمر. فيجب علينا حَقًّا أن نُعيدَ ذلكَ الأخ أو تلكَ الأخت. أليس كذلك؟ فلا يُمكننا أن نَدَعَهُم يَمْضون. لا يُمكننا ذلك. فيجب علينا أن نَرُدَّهُم.

لقد عاشَ "ديتريك بونهوفر" (Dietrich Bonhoeffer)، وهو لاهوتِيٌّ ألمانيٌّ لديهِ آراءٌ ليبراليَّة نَوعًا مَا واختبرَ جُزءًا مِنَ الأهوالِ الَّتي حَدثت في عهدِ ألمانيا النَّازيَّة. وقد كَتبَ كِتابًا صَغيرًا قَرأتُهُ قبلَ سنواتٍ عديدة عندما كنتُ طالبًا في كُليَّةِ اللاَّهوت بعُنوان: "الحياة معًا" (Life Together) قالَ فيه أفكارًا عميقةً جدًّا قد تُساعدُنا في فَهْمِ هذا الموضوع. اسمعوا ما يقول:

"الخطيَّة تَتطلَّب وجودَ إنسانٍ بمُفرده. فهي تَسحَبُهُ مِن المُجتمَع. فكُلَّما زادَ انعِزالُ الشَّخصِ، زادَت القوَّة التَّدميريَّة للخطيَّة عليه. وكُلَّما زادَ تَوَرُّطُهُ فيها، زادَت خُطورةُ انعزاله. فالخطيَّة تُريدُ أن تَبقى مُختبئة. لِذا فإنَّها تُطفئُ المَصابيحَ. وهي تَعملُ مِن خلالِ ظُلمةِ الأشياءِ الَّتي نُبقيها طَيَّ الكتمانِ على تَسميمِ الكِيانِ الكُليِّ للإنسان. وقد يَحدُث هذا حتَّى في وسطِ مُجتمعٍ تَقيٍّ.

"وعندَ الاعتراف، يَسطَعُ نُورُ الإنجيلِ في الظُّلمةِ وفي وَسْطِ عُزلةِ القلب، وتُكشَفُ الخطيَّةُ في النُّور، ويَتِمُّ الاعترافُ بالأشياءِ الَّتي أبقيناها طَيَّ الكِتْمانِ والإقرارُ بها، ويَتِمُّ الكَشفُ عن كُلِّ الأسرارِ والخَبايا. فهو صِراعٌ مَريرٌ إلى أن يَتِمَّ الاعترافُ بالخطيَّة؛ ولكنَّ اللهَ يُحَطِّمُ مَصاريعَ نُحَاسٍ وَيُقَطِّعُ عَوَارِضَ حَدِيد [كما جاءَ في المَزمور 107: 16].

ثُمَّ استمعوا إلى هذا: "وحيثُ إنَّ الاعترافَ بالخطيَّة يَجري في حَضرةِ أخٍ مُؤمِن، فإنَّ الحِصْنَ الأخيرَ لتبريرِ الذَّاتِ يَتِمُّ إخلاؤه. فالخاطئُ يَستسلِم. فهو يَتخلَّى عن كُلِّ شُرورِه، ويُسَلِّمُ قَلبَهُ لله، ويَجِدُ الغُفرانَ عن كُلِّ خطاياه، ويَتمتَّعُ بالشَّركةِ معَ يَسوعَ المسيحِ ومعَ إخوتِه. فالخطيَّةُ الَّتي تمَّ الإقرارُ بها فَقدَت كُلَّ سَطْوَتِها. وقد أُعلِنَت وأُدينَت بأنَّها خطيَّة. وهي لم تَعُد قادرةً على تَمزيقِ الشَّرِكَةِ إرْبًا.

"والآن، لقد باتتِ الشَّرِكَةُ تَحمِلُ خَطيَّةَ الأخ. وهو لم يَعُد وَحيدًا في مُواجَهَةِ هذا الشَّرِّ لأنَّهُ تَخلَّى عن خطيَّتِهِ مِن خلالِ الاعترافِ بِها، وطَرَحَها عندَ قَدَمَيِّ الله. فقد حُمِلَتْ عنهُ. والآن، إنَّهُ يَتمتَّعُ بالشَّركةِ معَ الخُطاةِ الَّذينَ يَعيشونَ في نِعمةِ اللهِ وصَليبِ يسوعَ المسيح. فالخطيَّةُ المَخفيَّة فَصَلتهُ عنِ الشَّركة وجَعلَت كُلَّ شَرِكَتهُ الظَّاهرة مُصْطَنَعةً. أمَّا الخطيَّةُ المُعتَرَفُ بها فساعَدَتْهُ على العُثورِ على الشَّركةِ الحقيقيَّةِ معَ الإخوةِ في يسوعَ المسيح".

يا لها مِن خِدمة! خِدمةُ رَدِّ أخٍ خاطِئ. فهي المِفتاحُ لطهارةِ الكنيسة. وهي المِفتاحُ لِنَهضةِ الكنيسة، وتَجديدِ الكنيسة، والكِرازةُ للعالَمِ مِن خلالِ كَنيسةٍ مُتجدِّدة. لِذا، يجب علينا أن نُصغي إلى تلكَ الكلماتِ الَّتي نَطَقَ بها رَبُّنا. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نَسألُكَ أن تُنعِشَ كَنيستَك. ويا رَبّ، نحنُ نَسعى إلى التَّجديدِ، وإلى الحُصولِ على تَجديدٍ حَقيقيٍّ للقوِّةِ المُقَدِّسةِ لشَعبِكَ. ونحنُ نَعلَمُ أنَّ هذا يَتأتَّى مِن خلالِ الحَديثِ عن قَداسَتِكَ وبَشاعَةِ خَطايانا. يا لَيتَ الكنيسةَ تَلتَزِمُ بذلك. ويا لَيتَ الكَنيسةَ تَتوقُ مِن خلالِ رُؤيةِ اللهِ القُدُّوسِ والإنسانِ الخاطئِ إلى أن تكونَ أداةً للقَداسة. ويا لَيتَنا نكونُ جَسَدَ المسيحِ الَّذي يَمشي في وَسْطِ المَنايِرِ [أوِ المَنائِرِ] وتَسمحُ لروحِ المسيحِ وكلمةِ المسيحِ أن يُطَهِّرَا الكنيسةَ مِن خِلالِنا. اجعلنا أدواتٍ للبِرِّ حَتَّى نَعملَ مشيئةَ الآبِ لكي يكونَ شعبُ اللهِ مُقدَّسًا كما أنَّهُ قُدُّوس.

يا أبانا، ساعِدنا على أن نَبتدئَ بأنفسِنا. وحَتَّى في أثناءِ اجتماعِنا معًا اللَّيلة حولَ مائدةِ الرَّبِّ، ليتَها تكونُ نُقطة البداية الَّتي نُطَهِّر فيها قُلوبَنا، ونَعترِف فيها بخطايانا، ونَسمحُ للرُّوحِ أن يَعملَ العملَ الَّذي لا يُمكنُ لأحدٍ سِواه أن يَعملَهُ. ويا لَيتَنا، يا رَبُّ، نَسعى إلى طَهارةِ كنيستِك؛ لا كأشخاصٍ يَفتخرونَ على الآخرينَ، بل كأشخاصٍ يَسْعَوْنَ بكُلِّ اتِّضاعٍ إلى رَدِّ أَخٍ - ناظرينَ إلى أنفسِنا نحنُ أيضًا لِئلاَّ نُجَرَّبَ ونُخطئ. ساعِدنا يا أبانا على إنارةِ النُّورِ حَتَّى لا تَجِدَ الخطيَّةُ الظُّلمةَ الَّتي تَبحثُ عنها وتَعملَ عَملَها المُميت.

نَشكُرُكَ على الوُضوحِالَّذي كَلَّمَنا بهِ رَبُّنا، ويا ليتَ الكنيسةَ تَسمعُ هذا الكلامَ وتُطَبِّقُهُ. يا أبانا، نحنُ نَعلمُ الآنَ ما تَقولُهُ الكلمةُ لنا. والمسألةُ الوحيدةُ المُتَبَقِّيةُ هي استعدادُنا للتَّجاوُب. نحنُ نَعلمُ أنَّ هذا هو شَوقُ قَلبِك. ويا لَيتَهُ يكونُ شَوقَ قُلوبِنا لكي نُتَمِّمَ كُلَّ قَصدِكَ المُقدَّسِ في كنيستِكَ بمحبَّة حَتَّى عَندما يَرى العالَمُ أنَّ اللهَ القُدُّوسَ يُبغِضُ الخَطيَّةَ يُدركونَ حَقًّا نِعمَتَهُ ومَحبَّتَهُ وغُفرانَهُ. اجعل هذا اليومَ يَومًا مُمَيَّزًا لنا جميعًا. ونحنُ نُبارِكُكَ على ما ستَفعلُهُ في كُلِّ قلب. باسمِ يَسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize