Grace to You Resources
Grace to You - Resource

ابتداءً مِن هذا الصَّباح، سيكون مِن دواعي سُرورنا أن نَبتدئ سلسلةً انتظرتُها سنواتٍ عديدةً وطويلة؛ وهي دراسة إنجيل مَتَّى والأصحاحَيْن 24 و 25 - وهُما الأصحاحان اللَّذان يُعرفان عادةً باسم "العِظَة على جَبل الزَّيتون" لأنَّها عظة قَدَّمَها رَبُّنا إلى تلاميذه على جبل الزَّيتون. والفكرة مِن هذه العظة الرَّائعة هي المجيء الثَّاني ليسوع المسيح. وهي عظة مِن رَبِّنا عن مجيئه، ونهاية الدَّهر الحاضر، وتأسيس مَلكوته. وأيُّ مُعَلِّم تفسيريٍّ للكتاب المقدَّس سيُحِبُّ أن يُعلِّم هذا المقطع. وأنا مُتحمِّس حقًّا لأن أكون هنا. وأنا أشعر أنَّنا سنبقى هنا مُدَّة طويلة نسبيًّا لأنَّ هناك الكثير في الأصحاحين 24 و 25 مِن إنجيل مَتَّى لنتحدَّث عنه. والعظة بأسرها قُدِّمت بسبب سؤالٍ مِن التَّلاميذ. والجواب الَّذي يُقدِّمه الربُّ هو أطول جوابٍ عن أيِّ سؤال مُدَوَّن في العهد الجديد. ومِن المؤكَّد أنَّ أفكاره ضروريَّة لأيِّ فَهْمٍ للمستقبل. وأنا على يقين بأنَّه في أثناء دراستنا، ستتحمَّسون وتُدهشون كما شعرتُ أنا في أثناء دراستي لهذه الحقائق الرَّائعة عن مجيء الربِّ يسوع المسيح.

والكتاب المقدَّس يقول الكثير عن ذلك. فهناك أنبياء العهد القديم (ولا سيَّما إشعياء وحزقيال وزكريَّا)، والعهد الجديد (ولا سيَّما سِفْر الرُّؤيا). ونحن نَعلم بدرجةٍ أو أخرى ما يقوله الكتاب المقدَّس عن المستقبل. والجزء الأكبر مِن ذلك موجود في نُبوءات دانيال، ولا سيَّما عند مُقارنتها بسفر الرُّؤيا. وأعتقد أنَّه في خِضَمِّ جميع المحاولات الرَّامية إلى دراسة هذا الموضوع، فإنَّ الأصحاحَيْن 24 و 25 مِن إنجيل مَتَّى يُهمَلان أحيانًا. وبالرَّغم مِن ذلك، عندما حان الوقت المُناسب وأراد ربُّنا أن يتحدَّث عن هذا الموضوع، هذا هو ما قاله. لِذا، مِن وجهة نظري، هذا هو السَّبب في أنَّه ينبغي أن ندرس هذا النَّصَّ بتمعُّنٍ شديد. فهو تَعليم رَبِّنا نفسه عن مجيئه بمجد لتأسيس ملكوته. وسوف نَرى ذلك في أثناء دراستنا للأصحاحَيْن 24 و 25.

والآن، أريد أيضًا أن أقول إنَّه بالرَّغم ِمِن كثرة الحديث عن هذين الأصحاحين، فإنَّه كثيرًا ما يُساء فَهمها. وسوف نَرى وجهات نَظر وتَفسيرات كثيرة جدًّا لهذا المقطع في أثناء دراستنا له. ومَرَّةً أخرى، كما هي حال أمورٍ كثيرة في الكتاب المقدَّس، يبدو لي أنَّه ليس مقطعًا مُعقَّدًا جدًّا كما يُحاول أُناسٌ أن يُصَوِّروه، بل إنَّه يَتكشَّف ببساطة لي. وأنا أعترف أنَّ هذه قد تكون مشكلةً لأنَّ ذلك يحدث معي كثيرًا إذْ إنِّي أرى الأشياء بسيطة إلى حَدٍّ ما. ولكنِّي أحاول أن أضع نفسي مَحَلَّ التَّلاميذ الَّذينَ لم يكونوا أعمق الرِّجال؛ وهو أمر يَعرفه أيُّ تلميذٍ للكتاب المقدَّس، والَّذين مِن المؤكَّد أنَّ رَبَّنا كان يَرى أنَّهم سيَفهمون هذه الأمور. لذا، أعتقد أنَّنا نستطيع أن نَفهم الأصحاحَيْن 24 و 25 مِن إنجيل مَتَّى. وأعتقد أنَّنا نستطيع أن نفهمهما بوضوحٍ تامٍّ، وبساطةٍ تامَّة، وبصورة مُباشرة تمامًا. وأعتقد أنَّ هذا النَّصَّ يمكن أن يترك أعمق وأقوى تأثير في حياتنا. وأعتقد أيضًا أنَّنا سنجد أنَّه أكثر التَّعاليم إدهاشًا، وأكثر التَّعاليم حَفْزًا مِن بين جميع التَّعاليم الَّتي عَلَّمناها وتَعلَّمناها. وسوف نَرى ذلك في أثناء دراستنا له.

ولكنَّ الشَّيء الَّذي يَعرفه أيُّ شخص يُفسِّر الكتاب المقدَّس هو أنَّه ينبغي لك أحيانًا أن تتعامل مع أمورٍ عَمليَّة. فأحيانًا، ينبغي لك أن تُرَكِّب أجزاء الإطار معًا. ونحن في هذا الموقع في هذا الصَّباح. فيجب عليَّ أن أضع بضعة أساسات كي نَفهم أين سنمضي في هذه الخُطبة المُحَدَّدة الَّتي قَدَّمَها رَبُّنا، أو هذا الخِطاب الرَّائع، أو هذه العِظة الرَّائعة عن مَجيئه. لِذا في هذا الصَّباح، ما أودُّ أن أفعله هو أن أرى إن كان بمقدوري أن أُرَسِّخ في أذهانكم الفَهم الأساسيَّ الَّذي سيجعل هذا النصَّ بأسره مفهومًا حقًّا في أثناء دراستنا له.

إنَّ كلَّ شخصٍ مِنَّا لديه فضول بخصوص المستقبل. وما أعنيه هو أنَّ هذا واضح. فجميعنا كذلك. فلسببٍ أو لآخر، نحن نُحِبُّ أن نَرى ما سيحدث مُستقبلاً. ونحن نُحبُّ أن نَعلم ما نَجهله. والجميع تقريبًا يُحبُّون أن يَعلموا كيف ستكون حياتهم في المستقبل. وهناك أشخاص يُحبُّون أن يَعلموا ما سيحدث في الاقتصاد لكي يَعلموا الاستثمار الصَّحيح. فهناك أسباب كثيرة وراء رغبتنا في فَهْم المستقبل. لذا فإنَّ الإنسان يَسعى دائمًا لفهم الأمور الَّتي يَجهلها عن المستقبل. فهناك رغبة شديدة في فَهْم ذلك. والانشغال بمعرفة الأمور المستقبليَّة لا يَقتصر فقط على الأشخاص الَّذينَ يَدرسون الكتاب المقدَّس بأيِّ حال. فطَوال تاريخ الإنسان، ومِن ديانةٍ إلى أخرى، كان هناك عَرَّافون، وأنبياء، ومُتنبِّئون، ومُتَكَهِّنون، ووُسطاء، ومُستَشرِفون، ومُنَجِّمون، وقادة دينيُّون، وكلُّ أنواع النَّاس الَّذينَ يحاولون دائمًا أن يَقفزوا إلى المستقبل [إن جاز التَّعبير] وأن يأخذوا صورةً لما سيحدث هناك، وأن يعودوا ويُخبروا الآخرين بما رأوه كي يَتصرَّفوا بطريقة أفضل في الحاضر مِن خلال فَهْمِ شيءٍ ما عن المستقبل.

ولم يكن اليهود في زمن يسوع مُختلفين عن ذلك. فقد أرادوا أن يَعلموا المستقبل أيضًا. وقد كانت لديهم أسبابهم. وما أعنيه هو أنَّهم كانوا قد مَلُّوا مِن الاضطهاد. وكانوا قد مَلُّوا مِن البقاء تحت هَيمنة أُمَّة أخرى. فقد كانوا، مِن جميع الأوجه، شعبًا شَريفًا. وَهُم ما زالوا كذلك. فالنَّسل اليهوديُّ مِن البشر هُم حقًّا نسل شريف مِن النَّاس. وَهُم ليسوا شعبًا لا يَملكون ما يَلزمهم ليكونوا أحرارًا. وَهُم ليسوا شعبًا لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه وأن يُؤسِّس مُجتمعه النَّاجح الخاصّ به وأن يُسهِم في ذلك. وَهُم ليسوا بحاجة حقًّا إلى أن يكونوا خاضعين لأيِّ شخصٍ آخر. ولكنَّ هذا هو تمامًا الموضع الَّذي وَجَدَهُم فيه التَّاريخ في أغلبيَّة حياتهم. لِذا، في الوقت الَّذي نَصِل فيه إلى زمن يسوع، كانوا يَرغبون بشدَّة في رؤية نهاية الاضطهاد الَّذي أَثْقَلَ كَواهِلَهُم طَوال الفترة الَّتي يُسمِّيها الكتاب المقدَّس أزمنة الأُمم حتَّى تلك النُّقطة.

وقد كانوا يَتوقون أيضًا إلى مجيء المسيَّا الَّذي ينتظرونه لأنَّهم كانوا يَعلمون أنَّه عندما يأتي المسيَّا فإنَّه سيُصَحِّح كلَّ شيء. فهو سيطرد المُحْتَلِّين، ويَحُلُّ المشاكل الَّتي تَحتاج إلى حَلّ، ويُؤسِّس مَرَّةً أخرى مَملكة إسرائيل، وأنَّ الأمور ستكون كما وَعَدَ اللهُ أن تكون وكما ينبغي أن تكون. لذا فقد كانوا مُمتلئين بالتَّرقُّب الإسخاتولوجيّ. والكلمة "إسخاتولوجيّ" (Eschatological) مُشتقَّة مِن كلمة "إسخاتوس" (eschatos) في اللُّغة اليونانيَّة ومعناها: "الشَّيء الأخير". لذا فإنَّها دراسة الأمور الأخيرة. وقد كان اليهود مُتشوِّقين جدًّا للأمور الأخيرة. فقد مَلُّوا مِن كلِّ المَشقَّات. فقد اضطُهدوا على يد الأشوريِّين الَّذينَ سَبَوْا الأسباط العشرة الشَّماليَّة. وقد اضطُهدوا على يد البابليِّين الَّذينَ سَبَوْا المملكة الجنوبيَّة: يهوذا. وقد اضطُهدوا على يد الحُكم الفارسيِّ والحُكم اليونانيِّ، والآن على يَدِ الاضطهادِ الرُّومانيّ. وقد كانوا يَشعرون في أنفسهم (كما عَبَّروا عن ذلك في الأصحاح الثَّامِن من إنجيل يوحنَّا في حديثهم مع يسوع) أنَّهم لم يُستعبَدوا لأحدٍ قَطّ. فقد كانوا يَنتظرون اليوم الَّذي سيكونون فيه أحرارًا مَرَّةً أخرى، واليوم الَّذي سيَحكمون فيه مَرَّةً أخرى تحت سُلطان مَلِكٍ عادلٍ. وكانوا يَعلمون أنَّ المملكة الَّتي وعدهم الله بها ستَمتاز بكلِّ ما فيها مِن ازدهارٍ وهِبات وبَركات كما وَعَدَ العهدُ القديم.

وكانوا قد قرأوا العهد القديم وعَلِموا أنَّ العهد القديم تَحدَّث عن مُستقبلٍ مُشرقٍ ومُفعَمٍ بالرَّجاء. وكانوا يَعلمون أنَّ العهد القديم تَحدَّث عن تأسيس الله لملكوتٍ. وكانوا يَعلمون أنَّه يجب عليهم أن يَنتظروا شخصًا مَمسوحًا، مَلِكًا، مَسيَّا، أو باليونانيَّة: "مَسيحًا" سيأتي ويُؤسِّس حُكم داود وسُلطانَهُ مَرَّةً أخرى على الأرض. وكانوا يتوقون إلى الوقت الَّذي سيحدث فيه ذلك، وإلى الوقت الَّذي سيَعُمُّ فيه البِرُّ والسَّلام، وإلى الوقت الَّذي ستعود فيه أورُشليم مدينة الرَّخاء والأمان؛ لا فقط فترةً قصيرة، بل إلى أبد الآبدين كما أخبرهم النَّبيُّ إشعياء. وقد كانوا يَتوقون إلى رؤية ذلك اليوم الَّذي سَيُرَدُّ فيه المُلْك كما وَعَدَ اللهُ أن يَحدث.

لِذا، فقد كانوا مُفعَمين بالرَّجاء بشأن المستقبل. ولا شَكَّ في أنَّهم قرأوا بمُتعة أنبياء العهد القديم. ولا شَكَّ في أنَّهم ابتهجوا وَهُم يَترقَّبون ما قاله إشعياء في الأصحاح التَّاسع عندما قال إنَّه سيأتي شخصٌ تكون الرِّياسة على كتفيه، وإنَّه سيَحكُم ويَسود. "وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَد"، وهَلُمَّ جَرَّا. فقد كانوا يَفهون ذلك حقًّا. وقد كانوا مُتحمِّسين لذلك. ولا بُدَّ أنَّهم قرأوا إشعياء 11: 1: "وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى" الَّذي هو أَبُ داود. فالمسيَّا يُشبه داود. فهو ليس داود، ولكنَّه يُشبه داود. فهو مَلِك مِثل داود يَسود في وقت رَخاء. وهذا الشَّخص تحديدًا الَّذي سيكون مِثل داود (بحسب ما جاء في إشعياء 11: 2) سيُمْسَح بقوَّة الرُّوح القُدس السُّباعيَّة. وإن أكملتم قراءة الأصحاح 11 ستَرون أنَّه مِن المؤكَّد أنَّهم قرأوه مَرَّات كثيرة ورأوا كلَّ الأشياء الَّتي ستحدث.

ولا بُدَّ أنَّهم قرأوا أيضًا سِفْر إرْميا والأصحاح 23، والأصحاح 30، وأنَّهم قرأوا عن كيف أنَّه سيأتي شخص يَجلس على عرش أبيه داود ويَحكُم ويسود، وأنَّ إسرائيل ستعود مَرَّةً أخرى الزَّهرة الَّتي ينبغي أن تكون، وأنَّها ستُزهر تمامًا وتَتمجَّد تحت بَركة الله. ومِن المؤكَّد أنَّهم قرأوا سِفْر زَكريَّا لأنَّ سِفْر زكريَّا يتحدَّث عن ذلك؛ ولا سِيَّما في الأصحاح 14. ومِن المؤكَّد أنَّهم كانوا يَعرفون سِفْر دانيال. ومِن المؤكَّد أنَّهم كانوا يَعلمون أنَّه يوجد في سِفْر دانيال وعد بحدوث مَذبحة جماعيَّة عظيمة في النِّهاية، ولكنَّ تلك المذبحة لن تكون النِّهاية لأنَّه سيأتي حجر مقطوع بغير يَدَيْن ويؤسِّس مملكةً أبديَّة على الأرض. فقد كانوا مُطَّلِعين تمامًا على ما قاله الأنبياء.

لِذا، في الوقت الَّذي تَصِلون فيه إلى الجزء الخاصّ بحياة يسوع، كان هناك سيناريو واضح جدًّا جدًّا للأحداث الأخيرة في فكر اليهود. وقد أخذوا بصورة رئيسيَّة تعليم العهد القديم مِن دانيال وزكريَّا وإشعياء وإرْميا وصَاغوا ذلك مع تعليم حزقيال فحصلوا على نظرة شاملة عَمَّا ستكون عليه الحال في النِّهاية. ونحن نرى تلك الأمور، أي تلك الأمور الأخيرة، مِن خلال ما كُتب في تلك الفترة. فإن قرأتم المؤلَّفات غير الكِتابيَّة في الفترة المُحيطة بزمن يسوع، ستجدون أنَّها تُعطينا فكرةً عن تفكير اليهود في ذلك الوقت. وهذا مُهمٌّ جدًّا كخلفيَّة لِنَصِّنا. فما الَّذي كان يدور في أذهان اليهود بخصوص نهاية الدَّهر؟ وما الَّذي كانوا يُفكِّرون أنَّه سيحدث فيما يختصُّ بمجيء ابن الإنسان أو المسيح؟ وما الَّذي كان يدور في أذهانهم بخصوص الدَّينونة الَّتي ستأتي؟ فما هي الأحداث الَّتي تَوقَّعوها؟

حسنًا! إن نظرنا إلى المؤلَّفات الَّتي كتبوها في تلك الفترة، أي إلى الكُتب غير الكِتابيَّة إذْ إنَّهم كتبوا كُتبًا دينيَّة تَختلف عن الكتاب المقدَّس. فمثلاً، هناك كتاب اسمه: "أَخنوخ"، وكتاب اسمه: "مزامير سُليمان"، وكتاب اسمه: "انتقال مُوسى"، و "كتاب اليوبيل"، و "صُعود إشعياء"، و "كتاب عَزرا الرَّابع"، و "رُؤيا باروخ"، و "كتاب أسرار أخنوخ"، وكُتب مِن هذا القَبيل... وكتاب "نُبوءات سيبيلا"؛ وهي كُتب دينيَّة مُختلفة لم يكتبها الله، أي أنَّه ليس مُوحى بها مِن الله، بل هي مؤلَّفات أشخاص قَدَّموا أفكارهم الدينيَّة. ولكنَّها كُتب كَشَفت ما كان يُفَكِّر فيه اليهود. فهي تُطلعُنا على ما كانوا يُفكِّرون فيه في ذلك الوقت. ونحن نرى أنَّ الكثير مِن هذه الكُتب تُهيمن عليها الأفكار الأُخرويَّة، أي الأفكار المستقبليَّة. وإن نَظرنا إلى تلك الكُتب، سنجد عددًا مِن المعتقدات المدهشة.

واسمحوا لي أن أرى إن كان بمقدوري أن أشارك معكم كِتابًا يُوَضِّح ذلك لكم. وهذه، في نظري، نُقطة مُدهشة جدًّا. فهناك شخص اسمه "شورر" (Schurer) كَتب كتابًا بعنوان: "تاريخ الشَّعب اليهوديّ في زمن المسيح" (The History of the Jewish People in the Time of Christ). وهذا الرَّجُل الَّذي ليست لديه نظرة أُخرويَّة يُفتَخر بها، على الأقلِّ ليس مِن وُجهة نظرنا، يُخبرنا عَمَّا كان اليهود يؤمنون به في ذلك الوقت. وهذا مُدهش جدًّا. وهو يَستخلص ذلك مِن كتاباتهم المُعاصرة وإلى ما كانوا يكتبونه. واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم أمثلةً على ذلك. أوَّلاً، يقول "شورر" إنَّ اليهود كانوا يؤمنون بأنَّه قبل أن يأتي المسيَّا، ستأتي ضيقة عظيمة. إذًا، قبل أن يأتي المسيح، سيكون هناك وقت مَخاض. فكما أنَّ المرأة تُعاني آلام المَخاض قبل أن تَخرج حياة جديدة مِن رحمها مباشرةً، فإنَّه قبل تأسيس مملكة المسيَّا، ستُعاني الأُمَّة ضيقًا وألمًا.

والآن، ربَّما فَهِموا ذلك ببساطة مِن خلال قراءة الأصحاح 14 مِن سِفْر زكريَّا لأنَّ هذا في الحقيقة هو تمامًا ما يقوله هذا الأصحاح. ونحن نَرى أنَّ هذا هو ما كانوا يُفكِّرون فيه حين نقرأ مثلاً سِفْر باروخ الثَّاني الَّذي يقول: "ستَصير الكِبرياء عارًا، ويُزدَرى بالقوَّة فتصير هَوانًا، ويَصير الجمال رَمادًا، ويَزيد الحسد في نفوس أولئك الَّذينَ لا يَقنَعون البتَّة بما لديهم، وتتأجَّج مَشاعر الأشخاص الَّذينَ كانوا مُسالمين، ويثور كثيرون غضبًا فيقتلون كثيرين وَيُهَيِّجون جيوشًا لِسَفْكِ الدِّماء. وفي النِّهاية، سيهلِكون جميعًا معهم".

إذًا، لقد كانوا يترقَّبون زمن انحطاطٍ مُريعٍ في الأخلاق، وزمنًا تَسقط فيه الكرامة والاحترام، وزمنًا يصير العالَم فيه ساحة حرب، وتزداد فيه الفوضى الأخلاقيَّة الجسديَّة في العالم. وسوف يكون هذا هو المَخاض الَّذي سيؤدِّي إلى مجيء المسيَّا. وفي كتاب عَزرا الرَّابع، وهو كتابٌ آخر مِن كُتبهم الَّتي تُخبرنا عَمَّا كان يَدور في فكرهم، نقرأ أنَّه ستكون هناك زلازل، وفتنة بين النَّاس، ومؤامرات بين الأمم، وفوضى بين القادة، وفَزع بين الأمراء.

كذلك، نقرأ في نُبوءات سيبيلا: "مِن السَّماء ستسقط سيوف مُلتهبة إلى الأرض، وسيصير النُّور باهرًا ويصير هناك وميض في وسط البشر. والأرض، الأرض الكونيَّة، ستهتزُّ في تلك الأيَّام على يد الله الأزليّ. وأسماك البحر، ووحوش الأرض، وأسراب لا تُحصى مِن الكائنات الطَّائرة، وكلُّ نفوس البشر، وكلَّ بحر سيرتعد أمام الله الأزليّ ويَسود الرُّعب. وقمم الجبال العالية وتِلال العمالقة سيهدمها. وسوف تصير جهنَّم المجهولة مَنظورة للجميع. وسوف تَمتلئ الوديان العالية والجبال المرتفعة بالجُثث. وسوف تَنضح الصُّخور بالدِّماء ويفيض كُلُّ سَيْلٍ فيملأ السُّهول. وسوف يَدين الله الجميع بالحرب والسَّيف. وسينهمر الكبريت مِن السَّماء؛ أجل! وستنهمر الحجارة والمطر والبَرَد دون توقُّف بصورة كارثيَّة. وسوف يَفتك الموت بذوات الأربع. أجل! وسوف تشرب الأرض نفسُها مِن دماء الأموات. وستأكل الحيوانات أحشاءَها".

والآن، إن لم يكن لديكم الاطِّلاع الكافي، ستظُنُّون أنَّ هذا الشَّخص كان يقرأ سِفْر الرُّؤيا، ولكنَّه لم يكن قد كُتِب بعد. فقد رأوا زمنًا مستقبليًّا مِن الألم والضِّيق الشَّديد سيأتي على العالم كُلِّه. والحقيقة هي أنَّهم يقولون في المِشنة إنَّ: "التَّصَلُّفَ سيَتفاقم، والطُّموح سيزداد كثيرًا، وإنَّ الكُروم ستُعطي عنبًا ولكنَّ الخمر سيصير شَحيحًا، وإنَّ الحكومة ستصير بِدعةً، وإنَّه لن يعود هناك تعليم، وإنَّ المَجمَعَ سيصير مكان دَعارة، وإنَّ الجليل ستُهدَم، وإنَّ قَبلان سَتُخرَب، وإنَّ سُكَّان الضَّواحي سيذهبون مِن مدينة إلى مدينة دون أن يَجدوا مَن يَتعاطف معهم، وإنَّ حِكمة الحُكماء ستُبغَض، وإنَّ الأتقياء سيُحتقَرون، وإنَّ الحقَّ سيزول، وإنَّ الأطفال سيُهينون الشُّيوخ، وإنَّ الشُّيوخ سيَمثُلون في حضرة الأطفال، وإنَّ الولد سيَزدري بأبيه، وإنَّ الابنةَ ستتمرَّد على أُمِّها، وإنَّ الكَنَّة ستتمرَّد على حماتها، وإنَّ أعداء الإنسان سيكونون أهل بيته". هذا الكلام موجود في المِشنة. وَمعَ أنَّهم لم يكونوا يَعلمون ذلك، فإنَّهم كانوا يؤمنون بمجيء المسيح قبل المُلك الألفيّ. وقد كانوا يترقَّبون الضِّيقة. لذا فقد كانوا يَعلمون أنَّ الوقت الَّذي يَسبق مجيء المَسيَّا سيكون وقت ضيق حول العالم.

والشَّيء الثَّاني الَّذي كان موجودًا في تفكيرهم المُختصّ بالأمور الأخيرة هو أنَّه في هذه الضِّيقة سيأتي صوتُ صَارِخٍ أو مُنادٍ يُعلن المجيء المباشر للمسيَّا، وأنَّه سيكون مِثل إيليَّا. فكما أنَّ المسيَّا هو ليس داود بل يُشبه داود، فإنَّ هذا الصَّوت الصَّارخ ليس إيليَّا، ولكنَّه يُشبه إيليَّا. وكما أنَّ المَلِك نفسه يأتي في الرُّوح [إن جاز القول]، وبقوَّة داود، بل بقوَّة أعظم منها، فإنَّ ذلك المُنادي سيأتي بالرُّوح وبقوَّة إيليَّا، بل بقوَّة أعظم منها. لِذا فقد كانوا يَترقَّبون أنَّ شخصًا مِثل إيليَّا سيأتي. لِذا فقد انجذبوا بصورة رئيسيَّة إلى يوحنَّا المَعمدان لأنَّه كان يُشبه كثيرًا إيليَّا. وقد كان بإمكان يوحنَّا المعمدان أن يكون إيليَّا ذاكَ وأن يُتَمِّم النُّبوَّة لو أنَّهم قَبِلوا يسوع المسيح ومملكته. ولكن لأنَّهم رفضوه، وتأجَّل المَلكوت، لا بُدَّ أن يكون هناك شخص آخر يُشبه إيليَّا يأتي قبل المجيء الثَّاني للملك.

لِذا فإنَّ اليهود (الَّذينَ لم يَكونوا يَرون بالضَّرورة كلَّ هذه الأشياء الَّتي قلتها لكم) كانوا يَرون أنَّه سيأتي شخص مثل إيليَّا يُعلن عن مجيء المسيَّا. والحقيقة هي أنَّ شريعة اليهود الشَّفويَّة كانت تقول إنَّ المال والأملاك (وهي أمور كانت مِلكيَّتُها مُحتقَرة)، أو أيَّ شيءٍ يتمُّ العثور عليه ولا يُعرَف مَن هو صاحبه ينبغي أن يَنتظر "إلى أن يأتي إيليَّا" لأنَّه سيُصَحِّح كلَّ شيء لتحضير كلِّ شخص لاستقبال المَسيَّا.

أمَّا الشَّيء الآخر الَّذي كانوا يَرونه فهو مَجيء المَسيَّا. فأوَّلاً، هناك وقت ضيقة. ثُمَّ هناك مُنادٍ. ثُمَّ مَجيء المسيح شخصيًّا الَّذي هو المَلِك. فهو الله العظيم الَّذي سيأتي ويُنهي الدَّهر الحاليّ ويؤسِّس عصر المجد والملكوت، ويُبرئ شعب الله.

والشَّيء التَّالي الَّذي كانوا يَرونَهُ في نظرتهم إلى الأمور الأخيرة وَفقًا لما يقوله "شورر" هو أنَّ الأمم ستَتَّحِد وتَجتمع لمحاربة المسيَّا. وهذا مُدهش. فمثلاً، في نُبوءات سيبيلا، نَقرأ مَرَّةً أخرى التَّعليم اليهوديَّ التَّالي: "سوف يَتَّحد ملوك الأُمم ضِدَّ هذه الأرض فيَجلبون القَصاص على أنفسهم. وسوف يَسعون إلى تدمير هيكل الله القدير وأشرف البشر عندما يَغزون الأرض. وفي حلبة حول المدينة، سيضع المَلك المَلعون كلَّ واحدٍ على عرشه وشعبه الخائن بجانبه. ثُمَّ إنَّ الله سيَدين بصوتٍ عظيم كلَّ النَّاس الأشرار والسُّفهاء فتنزل الدَّينونة عليهم مِن الله القدير فيهلِكون جميعًا على يد الله الأزليّ".

فهو يَرى كلَّ الأمم مجتمعة في أورُشليم، أو حولها، وكلَّ الأمم مُجتمعة في إسرائيل لمحاربة الله. وَهُم يُقيمون آلهتهم وكلَّ شعبهم حولهم. وفي وسط كلِّ ذلك الجهد لمحاربة الله فإنَّ الله يُدمِّرهم جميعًا. وفي كتاب عزرا الرَّابع، نقرأ: "ويحدث عندما تسمع جميع الأمم ذلك..." [أي صوت المسيَّا] "...أنَّ كلَّ إنسان سيترك أرضه والحرب الَّتي شَنُّوها كُلُّ واحد ضدَّ الآخر، وأنَّ جيشًا لا يُعَدُّ ولا يُحصى سيجتمع معًا رغبةً في قِتاله". فسوف تتوقَّف كلُّ الحروب الأخرى ويذهب كلُّ شخص لمحاربة المسيَّا. ومَرَّةً أخرى، كان هذا هو اعتقاد اليهود في زمن المسيح بحسب "شورر". وهو يَنسجم تمامًا مع ما يُعلِّمه الكتاب المقدَّس، ويَنسجم تمامًا مع ما نَفهمه مِن أنبياء العهد القديم ومِن سِفْر الرُّؤيا أيضًا.

والآن، هذا يقودنا إلى الشَّيء التَّالي الَّذي عَلَّموه بخصوص الأمور الأخيرة وهو أنَّ نتيجة تلك المعركة ضِدَّ المسيَّا ستكون دمارًا شاملاً لجميع تلك الأمم. فسوف يكون هناك دمار شامل للأمم الَّتي تُعارض المسيَّا. والحقيقة هي أنَّ "فيلون" (Philo) قال إنَّ المسيَّا "سينزل إلى ساحة المعركة، ويُحارب، ويُهلِك أُممًا عظيمة وكثيرة". ونقرأ في "كتاب عزرا الرَّابع" مَرَّة أخرى: "سوف يُعاقبهم على شُرورهم، ويُوبِّخهم على عدم بِرِّهم، ويؤنِّبهم في وجوههم على خياناتهم. وعندما يُوبِّخهم سيُهلكهم". ونقرأ في كتاب أخنوخ: "ما سيحدث في تلك الأيَّام هو أنَّه لن ينجو أيُّ شخص، لا بالذَّهب ولا بالفضَّة. فلن يتمكَّن أحد مِن النَّجاة. ولن يكون هناك حَديد لخوض حرب. ولن يتمكَّن أحد مِن ارتداء درعٍ. ولن يبقى هناك نُحاس. ولن يُقَدِّر أحد الصَّفيح، ولن يرغب أحد في الرَّصاص. وسوف تَزول كلُّ الأشياء مِن خدمة الأرض". بعبارة أخرى، سوف يأتي ويُهلِك كلَّ الأُمم المُعادية حتَّى إنَّ دُروعهم وكلَّ الأشياء الَّتي يستخدمونها لحماية أنفسهم ستكون عديمة الفائدة.

والآن تَذكَّروا أنِّي لا أُقدِّم لكم نظرة تدبيريَّة مُعاصرة قائمة على مجيء المسيح قبل المُلك الألفيّ، بل إنَّ هذه نظرة إلى إسرائيل في زمن المسيح. فقد كانوا يعتقدون أنَّه ستأتي ضيقة عظيمة قبل أن يأتي المسيَّا عَقِبَ مَجيء مُنادٍ يُعلِن عن مجيئه. وعندما يأتي ستُحاربه الأمم فيهزمها هَزيمةً نَكراء.

كذلك، لقد كانوا يؤمنون بأنَّ الحدث التَّالي سيكون تجديد أورُشليم. فسوف يكون هناك تجديد شامل لأورُشليم. وسوف يكون ذلك التَّجديد تطهيرًا لتلك المدينة حيث إنَّها ستكون أورُشليم المُلك الألفيِّ العظيم، أو أورُشليم المملكة العظيمة، أو أورُشليم المجد الأبديّ العظيم للمَلِك. والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في أخنوخ... أي في كتاب أخنوخ: "كانت كُلُّ الأعمدة جديدة، وكانت الأحجارُ الكَريمةُ أكبر مِن تلك الَّتي كانت في أورُشليم الأولى". لِذا فقد كانوا يَرَوْنَ هذا التَّجديد لأورُشليم بأسرِها.

أمَّا الحدث الآخر الَّذي كانوا يَرونه فهو أنَّ اليهود المُشَتَّتين الَّذينَ تَفَرَّقوا في جميع أنحاء العالم سيُجمَعون ثانيةً. فسوف يُجمَعون ثانيةً في مدينة أورُشليم. والحقيقة هي أنَّه حتَّى هذا اليوم فإنَّ صلاة اليهود اليوميَّة هي (بصورة جُزئيَّة): "ارفع رايةً لِتَلُمَّ شَمْلَنا وتَجمعنا مِن زوايا الأرض الأربع" [نهاية الاقتباس]. فهذا جُزءٌ مِن الصَّلاة اليهوديَّة اليوميَّة. فقد كانوا ينتظرون اليوم الَّذي سيأتي فيه المسيَّا ويَهزِم كلَّ تلك الأمم، ويُجَدِّد أورُشليم، ثُمَّ سيُعيد لَمَّ شَمْل جميع اليهود مِن شَتَّى أنحاء العالَم.

والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في مَزامير سُليمان: "اضرِبوا بالبوقِ في صِهيونَ لاستدعاءِ القِدِّيسينَ، لأنَّهُ ستُسمَعُ في أورُشليم بُشْرى البَشير لأنَّ الله أشفق على إسرائيل وافتقَدَهم. قِفي على الجبال يا أورُشليم، وانظري أولادكِ يأتون مِن المَشارِق والمَغارِب. الربُّ جَمَعَهُم مِن الشَّمال فجاءوا فَرِحين بإلههم. مِن الجُزُر البعيدة جَمَعُهم الرَّبُّ. جَعَلَ الآكام سهلاً لأجلهم. فَرَّت التِّلالُ عند دُخولهم. والغابات كانت ظِلاًّ لهم عند عُبورهم. أنبتَ اللهُ لهم كلَّ شجرة عَطِرة كي يَعبُر إسرائيل بجوارها ساعة افتقاد رَبِّهم المجيد. البُسي يا أورُشليم ثوب مَجدك، وأَعِدِّي ثوبك المُقدَّس، لأنَّ الله نَطَق بالخير على إسرائيل إلى أبد الآبدين. ليفعل الربُّ ما قاله بخصوص إسرائيل وأورُشليم. ليرفع الربُّ إسرائيل باسمه المجيد. لِتَكُن نعمة الربِّ على إسرائيل إلى أبد الآبدين" [نهاية الاقتباس].

إذًا فقد كانوا يَرون أنَّ الله سيأتي، وأنَّه سيجمع كلَّ اليهود ويُرجهم إلى أورُشليم المُمَجَّدة. فقد كان هذا هو حُلمهم. وقد كان هذا هو ما يَترقَّبونه بناءً على نُبوءات العهد القديم. والمعنى المقصود هو أنَّهم كانوا يَفهمون نُبوءات العهد القديم بنفس الطَّريقة الَّتي نفهما بها نحن. فنحن نَفهم نفس التَّتابُع. فالنَّاس يقولون: "حسنًا! إن كنتَ تُؤمن بمجيء المسيح قبل المُلك الألفيّ، وإن كنتَ تؤمن بالرَّأي الَّذي يقول إنَّ المسيح سيعود قبل المُلك الألفيّ، وإن كنتَ تُؤمن بأنَّ المسيح سيعود بعد الضِّيقة العظيمة ليؤسِّس ملكوته على الأرض، فإنَّ هذا التَّعليم جديد". لا، إنَّه ليس تعليمًا جديدًا، بل إنَّه فَهْمٌ لنبوءات العهد القديم بذات الطَّريقة الَّتي كان اليهود في زمن يسوع يَفهمونَها بها.

ثُمَّ بعد ذلك، كانوا يؤمنون بأنَّ فِلَسطين ستصير مركز العالم. فقد كان هذا هو المُعتقد اليهوديّ: أنَّ فِلَسطين ستصير مركز كلِّ شيء. فكلُّ العالم سيكون خاضعًا لها. وكلُّ الأمم ستخضع لها. وكلُّ الأُمم ستأتي إلى أورُشليم لتعبد المَلِك. والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في نُبوءات سيبيلا مَرَّةً أخرى أنَّ: "جميع الجُزُر والمُدن ستقول: ’كيف يُحِبُّ اللهُ الأزليِّ هؤلاء النَّاس؟" [إشارةً إلى اليهود] "لأنَّ كلَّ الأشياء تَعمل معًا لمصلحتهم ومساعدتهم! تَعالوا، ولنركع جميعًا على الأرض ونَعبُد الملك الأزليّ، الله الأبديَّ القدير. لنتقدَّم إلى هيكله لأنَّه الملك الوحيد". لِذا فقد كانوا يؤمنون بأنَّ العالم كُلَّه سيَخضع للمسيَّا ويأتي إلى أورُشليم ليعبد ذلك الإلَه. وأخيرًا، أو النُّقطة الأخيرة في هذه الخلفيَّة الأُخرويَّة المُختصرة، هي أنَّه سيأتي عصرٌ جديد مِن السَّلام والخير والمجد الَّذي سيدوم إلى الأبد.

والآن، نَرى مِن خلال ذلك نظرة اليهود إلى الأمور الأخيرة في زمن يسوع. فقد كانوا يؤمنون بأنَّه سيأتي زمن ضيق، أي زمن صعب، وزمن عصيب. ثُمَّ إنَّه سيأتي مُنادٍ يُعلن عن مَجيء المسيَّا. ثُمَّ إنَّه سيأتي المسيَّا. وعندما يأتي المسيَّا، سوف تَجتمع أُمم الأرض لمحاربته، ولكنَه سيهزمهم ويُهلكهم. ثُمَّ إنَّه سيُطَهِّر مدينة أورُشليم ... تابعوا هذا معي بدقَّة ... فهو سيُطهِّر مدينة أورُشليم، ويَجمع اليهود مِن جميع أنحاء الأرض ليؤسِّس مَملكته الأبديَّة. فقد كانت هذه هي نظرة اليهود إلى الأمور الأخيرة. والآن، تابعوا تفكيرهم. فقد كانوا تحت الضِّيق (مِن وجهة نظرهم) مُدَّةً طويلة. أليس كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّهم كانوا تحت الآلام. فقد خَضعوا للفُرس، ولليونانيِّين، ثُمَّ الآن للرُّومانيِّين. وقد كانوا ينظرون إلى الاحتلال الرُّومانيِّ بأنَّه زمن ضيق، وبأنَّه زمن صعب. وقد كان مِن السَّهل عليهم أن يتذكَّروا أنَّه قبل وقتٍ ليس طويلاً فإنَّ شعبهم عانى (في زمن المَكابِيِّين) التَّدنيس المُريع الَّذي قام به أنطيوخُس إبيفانيس واليونانيِّين. لِذا، مِن المُرجَّح أنَّهم كانوا يَعتقدون أنَّ الضِّيقة العظيمة قائمة حقًّا، وأنَّ المُحتلَّ الرُّومانيَّ الَّذي يَخضعون له الآن هو تلك الضِّيقة.

ثُمَّ جاء يوحنَّا المَعمدان. وما الَّذي فَكِّروا فيه الآن في رأيكم؟ فها قد جاء ذاك الَّذي يُشبه مَن؟ إيليَّا. ثُمَّ فجأةً، جاء يسوعُ المسيح. وها هو يَشفي النَّاس. وهو يُقيم المَوتى. وهو يَمتلك هذه القوَّة العظيمة الَّتي مَكَّنتهُ مِن إطعام الجُموع. وهو يَصنع الآيات والمُعجزات ويَشفي الأمراض في فِلَسطين خلال فترة خدمته. وقد أتى راكبًا على جحشٍ حين دَخَل أورُشليم في عيد الفِصح. وقد طَرحوا سُعُف النَّخيل والثِّياب أمامه وكانوا يقولون في أنفسهم: "هذا هو...إنَّه المَسيَّا". وقد تَذكَّروا. فما هو أوَّل شيء سيحدث عندما يأتي المسيَّا؟ إنَّ أوَّل شيء سيحدث هو أنَّ أُمم الأرض ستجتمع ضِدَّه، وهو سَيُهلكهم. لذا فقد ظَنُّوا مباشرةً أنَّه سَيَشُنُّ حَربًا، وأنَّ الرُّومان سيكونون أوَّل الجيوش الَّتي ستُهزَم، وأنَّ المذبحة الجماعيَّة ستبتدئ سريعًا. وحالما ينتهي مِن ذلك، سوف يُطَهِّر أورُشليم. ثُمَّ إنَّه سيَطرد جميع المُرائين، ويُنهي كلَّ الدِّيانات الزَّائفة، وكلَّ العبادة الزَّائفة. ثُمَّ إنَّنا سنَرى ذلك الهيكل المجيد... ولَعَلَّهُم كانوا يُفَكِّرون في الهيكل الَّذي تَحدَّث عنه حزقيال في الأصحاحات 40-48 مِن سِفْر حزقيال... ذلك الهيكل المجيد النِّهائيّ الَّذي ستجري فيه العبادة الحقيقيَّة. ثُمَّ إنَّه سيَجمع كلَّ اليهود مِن جميع أنحاء العالم ويؤسِّس المملكة الأبديَّة.

والآن، أنتم تعرفون ما كان يدور في أذهان التَّلاميذ عند وصولنا إلى الأصحاح 24. أليس كذلك؟ فهذه هي الأفكار الَّتي كانت تدور في أذهانهم. وكان المَشهد يَتكشَّف بصورة واضحة جدًّا، على ما يبدو، لهم. وقد تقول: "حسنًا، ولكن ماذا عن المَرَّة الَّتي أخبرهم فيها يسوع بأنَّه سيموت؟ وحتَّى إنَّه قال لهم يوم دُخوله الانتصاريِّ: ’إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا‘. ماذا عن ذلك؟" هذا لا يُحسَب. فهو لم يكن في نظرهم جُزءًا مِن المشهد المُختصّ بالأمور الأخيرة. فقد عَجِزوا عن احتمال ذلك. وقد رفضوا ذلك. وقد كانوا يقولون دائمًا: "لا، لا، لا. هذا لا يُمكن أن يحدث". لذا فقد كانوا عاجِزين عن استيعاب موت المسيح. ولم يكونوا يستوعبون قيامة المسيح، بل كانوا يَرون فقط المجد الآتي. أترون! وقد كانت لديهم فكرة ضَيِّقة جدًّا عن المسيح. فقد كانوا يَعتقدون أنَّ كلَّ ذلك سيحدث عند مجيئه الأوَّل. ولكنَّهم لم يفهموا ما نفهمه نحن. فقد جاء مَرَّةً. وقد مَضى على ذلك وقت طويل. أليس كذلك؟ إلى أن يأتي ثانيةً. ولكنَّ أنبياء العهد القديم لم يكونوا يَرَون ذلك، ولم يتكلَّموا عن ذلك؛ بل كانوا يَرون فقط أنَّ المسيح سيأتي وأنَّ كلَّ شيءٍ سيحدث. فَهُم لم يروا عامِل الزَّمن هنا. لِذا فإنَّنا نُسَمِّي ذلك سِرًّا لأنَّه لم يكن مُعلنًا في العهد القديم. والحقيقة هي أنَّ بولس يُسَمِّي كلَّ العهد الجديد "السِّرَّ المَكتوم مُنذ الدُّهور" لأنَّه يَكشِف عن فترة زمنيَّة لم تَكُن منظورة سابقًا. والكلمة "سِرّ" تعني شيئًا مَحجوبًا.

لِذا فقد كان نَبيُّ العهد القديم يَرى كلَّ ذلك يحدث دُفعةً واحدةً. وقد كان التَّلاميذ يَرون الأمور هكذا أيضًا. لذا فقد تَوَقَّعوا أنَّ ذلك سيحدث حالاً. فالأحداث الأخيرة ستحدث قريبًا. وقد أَصَبْنا في تفسير نبوءات العهد القديم. وقد اجتزنا الضِّيقة العظيمة مِن جهتنا. وقد رأينا إيليَّا يأتي مِن خلال يوحنَّا المعمدان. وها هو المسيح أو المَسيَّا. ها هو يَدخل المدينة. وهو يَقبل الهَلِّلويا مِنَّا والتَّسبيح الانتصاريَّ مِنَّا. وهو سيقوم، أوَّل شيء، بإدانة كلِّ العالَم الأُمميِّ في يوم الأمم. وسوف يُطَهِّر الهيكل، ويَجمع اليهود، ويُؤسِّس مَلكوته. فكلُّ شيء في وقته الصَّحيح وحسب الخُطَّة.

والآن، أعتقد أنَّ هذا هو تمامًا السَّبب الَّذي دفع يَهوذا إلى فِعل ما فَعل. فلا أعتقد أنَّ يهوذا آمَن يومًا حَقًّا بشخص المسيح، ولكنَّه بقي حَولَهُ. وعندما سَمِعَ العظة في إنجيل مَتَّى والأصحاحين 24 و 25، لا بُدَّ أنَّ ذلك جَعَلَهُ يُحَلِّق فقال في نفسه: "هذا هو ما كُنَّا ننتظره. سوف نَدخُل. فالملكوت هُنا، وأنا فيه. فسوف أكون واحدًا مِن المجموعة الداخليَّة" لأنَّ هذا هو ما كان يُحَرِّكه في المقام الأوَّل: الجَشَع والرَّغبة الأنانيَّة. لهذا عندما تأتون إلى الأصحاح 26، أي حالما أَنهى يسوع عِظَته عن كلِّ المجد وكلِّ المجيء الثَّاني، وكلِّ نهاية الدَّهر والمواضيع الأخرى، فإنَّ أوَّل شيء فَعله (كما جاء في الأصحاح 26) هو أنَّه أَنهى كلَّ الأشياء وقال للتَّلاميذ: "تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ".

اسمعوني: عندما قال ذلك، كانت تلك الضَّربة القاضية ليهوذا فرجع إلى نُقطة الصِّفْر مَرَّةً أخرى. فهو لا يفهم ذلك! كيف يُعقل أنَّ كلَّ تلك العَظَمة عن المجيء الثَّاني، وكلَّ هذا التَّرقُّب، وكلَّ تلك الأحداث الأخرويَّة موافقة لما كانوا يَترقَّبونه؛ ثُمَّ يأتي يسوع الآن ويقول مَرَّةً أخرى إنَّه سيموت وإنَّ هذه هي النِّهاية. لِذا فقد تَحَطَّمت آمالُه آخر مَرَّة. فقد كان يَتخبَّط صُعودًا ونُزولاً. ولكنَّه لا يستطيع أن يَحتمل ذلك أكثر. لذا فقد خرج وابتدأ يخون يسوع ويسعى إلى الحصول على أكبر مبلغٍ مِن المال والخروج مِن هناك. ولكن حتَّى ذلك الوقت، كان هناك نوع مِن التَّعَلُّق لأنَّه كان مُمتلئًا بالتَّرقُّب. ولا بُدَّ أنَّ العِظة على جبل الزَّيتون زادت وأَجَّجَتْ ذلك التَّرقُّب.

والآن، ما يُسَلِّط الضَّوء على ذلك هُنا هو العددان 38 و 39 مِن الأصحاح 23. اسمحوا لي أن أتأمَّل في ذلك قليلاً معكم. فقد كان يسوع قد صَرَفَ يومًا كاملاً في الهيكل، وكان أغلب الوقت يُجادل القادة الدينيِّين. ولا يُفترَض بي أن أقول "يُجادل" لأنَّ ذلك لم يكن جِدالاً. فقد قالوا شيئًا فأسكتهم. فقد أجاب عن أسئلتهم بأجوبةٍ تجعلهم يَدينون أنفسهم بأنفسهم؛ أو بالحَرِيِّ: بأجوبةٍ فيها إدانة لهم، وبأمثالٍ فيها إدانة لهم. ولكنَّه كان يَتصدَّى لهؤلاء القادة الدينيِّين. وقد انتهى ذلك الحديث... انتهى بإعلان الدَّينونة عليهم إذْ نقرأ في العدد 38: "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا". ثُمَّ إنَّه يقول في العدد 39: "لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَنـِــي مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِــي بِاسْمِ الرَّبِّ!". فهو يقول إنَّ الدَّينونة ستأتي عليكم. ثُمَّ إنَّكم سترونني مَرَّةً أخرى عندما آتي باسم الرَّبّ.

والآن، إنَّ العبارة "الآتي باسم الرَّبّ" (كما أخبرتكم في السَّابق) هي لقب مَسيحانيّ. وهذه هي العبارة المُحدَّدة الَّتي استقبلوا بها يسوع عندما دخل المدينة في الدُّخول الانتصاريّ. لِذا فإنَّه يقول لهم... والآن لاحظوا ما يلي: لقد كان التَّلاميذ يستمعون إلى هذا وهو يُقدّم عِظته العامَّة الأخيرة لليهود ويقول: "[انظروا!] هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا... وفي المَرَّة القادمة الَّتي ستَرونَني فيها سأكون آتيًا بمجدي". فهذا هو ما يقوله. وكيف سيَفهم التَّلاميذ ذلك؟ آه! لقد اجتزنا الضِّيقة، وجاء الشَّخص الَّذي يُشبه إيليَّا، والمسيَّا هنا، والحدث التَّالي هو هَلاك الأمم المُعادية. ثُمَّ سيأتي وقت تَجديد أو تَطهير أورُشليم، ثُمَّ وقت جمع اليهود للملكوت. لِذا، عندما سمعوه يقول: "سوف أُجَدِّد بيتَكم ثُمَّ آتي"، ظَنُّوا حقًّا أنَّه يَسير بحسب الجدول. وَقد توقَّعوا بكلِّ تأكيد هَلاك الأُمم الَّذينَ سيُحاربونه.

والآن تَذَكَّروا أنَّهُ أَعلن دينونته الأخيرة على أُمَّة إسرائيل، ولكنَّه أثار في ذهن التَّلاميذ كلَّ هذه الأفكار فقالوا: "هل هذه هي تلك اللَّحظة؟" هل هذه هي تلك اللَّحظة؟ والسُّؤال الَّذي يُطرَح في العدد الثَّالث هو: "قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟ وَمَا هِيَ الْعَلاَمَةُ عِنْدَمَا يَتِمُّ جَمِيعُ هذَا؟" وكما تَرون، لقد كانوا يُفَكِّرون فقط في ذلك القَالَب. فقد كانوا يُفكِّرون: "إنَّها اللَّحظة الحاسمة يا رِفاق! مَتى سيحدث ذلك؟" ويجب أن تَعلموا أنَّ المَعنى الضِّمنيَّ مِن الكلمة "مَتى" هو: اليوم أَم غدًا؟ أو: هل سيحدث ذلك رُبَّما يوم الثلاثاء القادِم؟ وما هي الإشارة؟ ما هي العلامة؟ بعبارة أخرى: ما هو أوَّل مُؤشِّر يُرينا أنَّ هذا سيحدث؟ فقد بَلَغنا نهاية الدَّهر.

إذًا، كما تَرون، هذا هو ما كان يدور في أذهانهم حين نأتي إلى الأصحاح 24. ولنقرأ أوَّل عَدَدَيْن: "ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَمَضَى مِنَ الْهَيْكَلِ، فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ لِكَيْ يُرُوهُ أَبْنِيَةَ الْهَيْكَلِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!»".

إذًا، فقد كانوا خارجين مِن الهيكل. أليس كذلك؟ وكان قد قال قبل قليل: "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا" – ليس "بَيتي". فقد اعتاد أن يُسَمِّيه كذلك. لا "بيت أبي"، بل كان يُسَمِّيه كذلك. فهو الآن بيتكم لأنَّ الله قد فَارقهم. "إيخابود" ...أجلَ "إيخابود". اقرأوا سِفْر حزقيال 9: 3، والأصحاح 10 والعدد 4، والأصحاح 11 والعدد 23، وانظروا كيف أنَّ مجد الله يُفارقهم. "إيخابود". فالله ليس هناك. وَهُوَ ليس بيت الآب. "إنَّه ليس بيتي، بل بيتكم". والكلمة "خرابًا" ("إيريموس" – “eremosis”) تَعني: "تُرِكَ خَرابًا". فهذا هو ما تعنيه: "تُرِكَ خَرابًا". فهذا المكان قد هُجِر. فالله قد فارقه. فهو مَلعون، ومتروك للخراب. وأنتم لن تَرونَني إلاَّ حين آتي بمجدٍ مَسيحانيٍّ كامل.

فقد كانوا يَرون ذلك آنذاك. ولكن عندما غادروا الهيكل، كان هناك سؤال صعب حقًّا يُزعجهم. وكما تَرون، لقد كانوا أشخاصًا قرويِّين بسطاء. وكانوا ينظرون إلى هذا الهيكل العظيم الَّذي كان يَضُمُّ أكثر مِن مبنى واحد. وقد كان مُحاطًا بسور. وقد كان مُقامًا في أعلى تَلَّة. ولا أدري إن كنتم قد زُرتموه. فإن لم تزوروه، يجب عليكم أن تَفهموا شيئًا. فقد كان الهيكل مُقامًا في أعلى الجبل. وقد كان مُقامًا على أرض كبيرة وشاسعة مُسَطَّحة. وفوق ذلك الجبل، كان هناك سور عظيم يُحيط به. وفي داخل ذلك السُّور، كانت هناك مُبانٍ مُختلفة تُعَدُّ جُزءًا مِن منطقة الهيكل. ويمكن القول إنَّ كلَّ ذلك كان مُدَعَّمًا بجدارٍ سَانِدٍ، ولا سيَّما في الجهتين الجنوبيَّة والغربيَّة. وكان ذلك الجِدار السَّانِد يَمتدُّ إلى أسفل ويُثَبِّت الجبل في مكانه. وكان هناك مُنحدَر طبيعيّ في الجزء الغربيّ، وأرض مُنبسطة في الجزء الشَّماليّ. لذا فقد كان ذلك الجزء مَسنودًا. لِذا فقد وضعوا تلك الأسوار السَّاندة الضَّخمة في الجهتين الجنوبيَّة والغربيَّة كي يَسندوا جبل الهيكل الَّذي كان مُحاطًا بأسوار صاعدة آنذاك مِن هناك. لِذا، إن نَظرتَ مِن قِمَّة السُّور إلى أسفل حيث يوجد جبل الهيكل، وإلى الجزء السُّفليِّ مِن الجدار السَّانِد في الجزء الخارجيّ، ستلاحظ أنَّ هناك مسافة كبيرة جدًّا في الجزء الجنوبيّ. وربَّما أخذ الشَّيطان يسوع إلى هناك وأخبره أن يَقفز لأنَّها سقطة هائلة جدًّا.

لِذا فقد كانت منطقة الهيكل ضخمة جدًّا. وقد كانت تُشبه القلعة أكثر مِن أيِّ شيء آخر. لذا، عندما كان التَّلاميذ في طريقهم إلى الخارج مِن ذلك المكان مع يسوع في غَسَقِ ذلك اليوم، لا شَكَّ في أنَّهم كانوا مُنذهلين مِن هذا الشَّيء. بعبارة أخرى، لقد كانوا مُعتادين على رؤية البُحيرات والتِّلال الصَّغيرة والبيوت الصَّغيرة. ولكن رُبَّما لم يكونوا يستوعبون كيف تَمَّ بناء هذا الهيكل بالرَّغم مِن أنَّهم رأوه في مناسبات عديدة. فهو ضخم جدًّا. وهو بِناءٌ يَصعُب استيعابه. وهو بِناءٌ لا يستوعب المرء كيف تَمَّ بناؤه؛ فما بالكم أن يُهدَم! أترون؟ "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا [أو رُكامًا]". وقد عَجِزوا عن استيعاب ذلك، وراحوا يُحاولون أن يفهموا كيف يمكن لأمر كهذا أن يحدث. أتَرون؟ لذا فقد كان يسوع يَعلم ما يدور في أذهانهم.

ونقرأ في إنجيل مرقس 13: 3، وهي آية مُشابهة، أنَّهم ذَكروا الأبنية العظيمة. ونقرأ في إنجيل لوقا 21: 5 أنَّ الأبنية كانت مُزَيَّنة بتُحف إذ إنَّ النَّاس كانوا قد جلبوا تلك التُّحف الثَّمينة ووضعوها في كلِّ مكان فامتلأ الهيكلُ بالكُنوز. ويقول المؤرِّخ "تاسيتوس" (Tacitus) إنَّه كان مكانًا غَنيًّا جدًّا إذْ إنَّه كان يَضُمُّ ويحوي كلَّ الكُنوز الَّتي جَلبها اليهود إلى هناك (كما يقول "تاسيتوس"). ويقول التَّلمود البابليّ إنَّ الشَّخص الَّذي لم يَرَ هيكل هيرودس لم يَرَ قَطّ بناءً عظيمًا. ويقول لوقا إنَّه كان بناءً مُزَيَّنًا بحجارةٍ حَسنة. والحقيقة هي أنَّكم إن درستم قليلاً عنه ستجدونه رائعًا. ويُخبرنا المؤرِّخ "يوسيفوس" (Josephus) أنَّ هيرودس بنى ذلك المكان. وبالمناسبة، لم يكن هيرودس يهوديًّا. وهذا شيء عَالِق في أذهان اليهود إذ إنَّ هيكلهم بُنِيَ بيد شخصٍ أَدوميّ. لذا فقد كانوا يُحِبُّون أن يُفكِّروا في أنَّ الهيكل النِّهائيّ سيُبنى بيد شخصٍ آخر، وليس بيد شخص غير يهوديّ.

ولكن بالرَّغم مِن ذلك، لقد بَنى هيرودس مكانًا رائعًا وضخمًا. فمثلاً، كانت هناك حجارة حجمها 12مترًا × 4 أمتار × 4 أمتار. وهذا حجر واحد تَمَّ قطعه واستخراجه ونقله إلى هناك. أمَّا كيف كانوا يحملون حجرًا كهذا يَزِن نحو مئة طُنّ فإنَّه أمر يصعب فهمه. وقد كانوا يحملونها إلى ارتفاعات شاهقة إذ إنَّها كانت تصل أحيانًا إلى ارتفاع سِتِّين إلى تسعين مترًا حيث كانوا يُكَدِّسونها عاليًا مِن قاعدة الجِدار السَّانِد إلى أعلى السُّور المحيط بالهيكل. فقد كان بناءً ضخمًا. وكانت هناك حجارة يصل طولها إلى سِتَّةٍ وعشرين مترًا. ونحن نتحدَث هنا عن حجرٍ واحدٍ تَمَّ قَصُّه واقتلاعه. وقد كان التَّلاميذ يَخرجون مِن الهيكل وينظرون إلى هذا الصَّرح العظيم ويقولون: "كيف يُعقل أنَّ هذا المَبنى الضَّخم سيُهدَم؟" وكيف يُعقل أنَّ مكانًا مُزدحمًا كهذا، وهو مَركز الحياة، سيَصير متروكًا ومهجورًا وخَرابًا؟ كيف يُعقَل أن يحدث هذا؟ كيف يُمكن أن يحدث شيء كهذا؟"

إذًا، فقد كانوا يُغادرون الهيكل وَهُم يَحُكُّون رؤوسهم بخصوص الكيفيَّة الَّتي سيصير فيها خَرابًا. ولكنَّ عِلمهم بالأمور الأخيرة يُخبرهم أنَّه سيصير كذلك. وهناك هيكل موصوف في سِفْر حزقيال والأصحاحات 40-48. ورُبَّما كانوا يُفكِّرون في ذلك. ولكنَّهم لم يكونوا يَعرفون وحسب كيف سيحدث ذلك.

لذا فإنَّه يقول في العدد الثَّاني: "انظروا إلى كلِّ هذه الأشياء، انظروا إلى كلِّ هذه الأبنية". فهو يقرأ أفكارهم. وَهُوَ يعرف تمامًا ما يُفكِّرون فيه. فقد جاءوا إليه وقالوا له: "انظر إلى كلِّ هذه الأشياء! انظر إلى كلِّ هذه الأبنية وكلِّ هذه الحجارة". وَحتَّى أنَّهم لم يطرحوا السُّؤال بعد، ولكنَّه يقول لهم: "أجل! انظروا إليها". ثُمَّ استمعوا إلى ما يقول: " اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!". ويمكنكم وحسب أن تَروا أنَّهم ذُهلوا. وما أعنيه هو أنَّهم لا يَعلمون كيف وَضعوا تلك الحجارة هناك؛ فما بالكم بكيفيَّة نَقْضِها! فهو هيكلٌ ضخم جدًّا. وما أعنيه هو أنَّني وقفتُ هناكَ عند قاعدةِ السُّور الغربيِّ؛ وهي حجارة مِن هيكل هيرودس. وقد وقفتُ عند الزَّاوية الجنوبيَّة والزَّاوية الجنوبيَّة الغربيَّة حيث تجدون حجارة الزَّاوية الضَّخمة تلك في معبد هيرودس. وهي هناك مُنذ زمن المسيح. ولا يبدو أنَّ هناك شيئًا يستطيع أن يَنقُضَها.

والآن، قد تقول: "أليس هذا الكلام مُناقضًا للكلام السَّابق؟" البَتَّة! لأنَّ تلك حجارة تُدَعِّم الجِدار السَّانِد. فهي ليست حجارة الهيكل أو السُّور المُحيط به، بل هي حجارة الجِدار السَّانِد الَّذي يُثَبِّت الجبل في مكانه. وإن أُزيلت، سينهار الجبل. ولكن ببساطة، لقد قال يسوع هنا إنَّ الحجارة في ذلك المكان ستنهار، وإنَّه لن يبقَ حجر واحد فوق حجر. وهذا هو ما حدث تمامًا. فإن قرأتم ما كَتبه يوسيفوس أيضًا ستجدون أنَّه يقول إنَّ ذلك المكان انهار بطريقةٍ تَجعلك تعتقد إن زُرتَ ذلك المكان أنَّه لم يسبق لأحد أن عاش فيه. فقد نَقضوا ذلك الهيكل تمامًا...أي الرُّومان. فقد كانوا يَعلمون أنَّه إن أرادوا أن يُلحقوا الهزيمة ببني إسرائيل حقًّا، يجب عليهم أن ينقضوا تمامًا قاعدتهم الدينيَّة. وهذا هو تمامًا ما فعلوه. لذا فإنَّ يسوع يقول إنَّ تلك الحجارة ستُنقض؛ وَهُوَ يقول ذلك بكلمات قويَّة جدًّا: "لاَ يُتْرَكُ ههُنَا..." (والعبارة "لاَ يُتْرَكُ ههُنَا" هي نَفي مُزدوج) "...حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ". فسوف يكون المكان مهجورًا جدًّا ومُدمَّرًا جدًّا ومُحطَّمًا جدًّا. وهذا هو تمامًا ما حدث.

"هذا... هذا كُلُّهُ سيحدث!" فقد كانوا يقولون في أنفسهم: "أوه! إنَّ الأمر يزدادُ روعةً! فأورُشليم ستُجَدَّد. لقد حان الوقت. فها هي الضِّيقة. فقد اختبرنا هذا الجزء. وقد جاء المُنادي. وها هو المسيَّا هنا. وقد دَخَل دخوله الانتصاريّ، وعَرَّف بنفسه. والآن، يمكننا أن نرى تَطهير الهيكل وتجديدة. ولا شَكَّ في أنَّ هذا الكلام يَشمل المدينة. فقد كان هذا هو ما يدور في أذهانهم. وبينما كانوا يُغادرون ذلك المكان، كانت أذهانهم غارقة في هذه الأفكار. وقد كانوا مُفعمين بالرَّجاء. وقد نزلوا مِن الجهة الخلفيَّة لجبل الهيكل وعَبروا وادي قدرون الصَّغير حيث يجري نهر وجدول صغير، وصَعِدوا إلى جبل الزَّيتون. وَهُوَ طريق صاعِد. وعندما تصعد إلى القمَّة، تحتاج إلى قِسط مِن الرَّاحة. لِذا فقد كانوا يَصعدون الطَّريق كُلَّه إلى القمَّة ويَصيغون سؤالهم في أثناء صعودهم. ويُخبرنا مَرقس أنَّ يعقوب وبطرس ويوحنَّا وأندراوس... أنَّ هؤلاء التَّلاميذ الأربعة هُم الَّذينَ كانوا يصيغون السُّؤال نيابةً عن البقيَّة. وعندما بَلغوا القمَّة، جلسوا.

ويمكنك أن تتخيَّلهم جالسين هناك في وقت غروب الشَّمس. فقد كان المشهد رائعًا، بل هو واحد مِن أروع المشاهد في العالم كُلِّه... أن تجلس على جبل الزَّيتون وتَرى الشَّمس تَغرب فوق مَباني أورُشليم البيضاء الَّتي تُبنى اليوم مِن نفس الحجارة الَّتي كانت تُبنى فيها في تلك الأيَّام. وفي حالات كثيرة فإنَّها تُبنى بنفس التَّصميم المِعماريّ. ولكن في تلك الأيَّام، عوضًا عن أن تَتلألأ قُبَّة الصَّخرة ومسجد عُمر عند مغيب الشَّمس، كان هناك الهيكل المُغَشَّى بالذَّهب مِن أعلى. وربَّما كانوا يجلسون على الجبل وينظرون إلى أسفل إلى ذلك المبنى العظيم. وقد كانوا يُفكِّرون قائلين: "لقد آن الأوان يا رفاق! إنَّ كلَّ شيء سيتحقَّق هنا. سوف يبلغ كلُّ شيء ذُروةً رائعة. نحن نعيش في هذه اللَّحظة المجيدة في تاريخ إسرائيل".

لِذا، مِن مُنطلق ذلك التَّساؤل الَّذي كان في قلوبهم، جاء بُطرس ويعقوب ويوحنَّا وأندراوس إلى الربِّ (كما يقول مَرقس) وسألوه سؤالاً إذْ نقرأ في العدد الثَّالث: "وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ [وقد أخبرتُكم مَن هُم هؤلاء] عَلَى انْفِرَادٍ...". فلم تَعُد هناك خدمة عَلنيَّة، بل جاءوا بمفردهم. "قَائِلِينَ...". ولا شَكَّ في أنَّ هذا رُبَّما يعني أنَّ بُطرس هو الَّذي تَكلَّم لأنَّ بطرس كان يتكلَّم دائمًا عندما يكون هناك شيء ينبغي أن يُقال. فقد كان النَّاطق الرَّسميّ. وقد قال نيابةً عنهم جميعًا، ولا سيَّما الأربعة الَّذينَ كانوا هناك: "قُلْ لَــنَا مَتَى يَكُونُ هذَا؟" وما المقصود بهذا؟ أي الأشياء الَّتي تَحدَّث عنها قبل قليل. وما هي الأشياء الَّتي كان يتحدَّث عنها؟ هَدْم الهيكل. وماذا أيضًا؟ خَراب أورُشليم (في العدد 38). وماذا أيضًا؟ المجيء باسم الرَّبّ (في العدد 39). فقد كانوا يَرَوْنَ ذلك كُلَّه حدثًا واحدًا. فالهيكل سيُهدَم، والمدينة ستصير خَرابًا، والمسيَّا سيأتي بمجده. متى ستحدث تلك الأشياء؟ وقد كانوا يَرون أنَّ ذلك يعني أيضًا حُلول الدَّينونة الَّتي كان يتحدَّث عنها على الأمم الَّتي تُحاربه. وقد رأوا لَمَّ شَمْل بني إسرائيل مِن جميع أنحاء العالم، ونهاية الدَّهر الحاضر، وتأسيس ملكوته.

لذا فقد قالوا: "متى ستحدث هذه الأمور؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟" وكما تَرون، فقد كانوا يَقرنون تلك الأشياء بِـ "مجيئك وانقضاء الدَّهر". فَهُم لا يَرون أيَّ فراغ. فدمار أورُشليم هو جزء مِن الأمر كُلِّه. لذا فقد كانوا... لقد كان هذا أكثر شيءٍ مُشَوِّق رأوه يومًا، في اعتقادي، طَوال خدمة المسيح. وما أعنيه هو: كيف ستشعر إن كنت تَظُنُّ أنَّك تعيش في الوقت الَّذي سيؤسِّس فيه يسوع المسيح ملكوته في أيِّ لحظة؟ وَهُوَ يجلس هناك ويُخبرك أنَّه سيهدم الهيكل، ويترك المدينةَ خَرابًا، وفي المرَّة التَّالية الَّتي ستَراه فيها سيكون آتيًا في مجدٍ باسم الرَّبّ؟ لقد تَحَمَّسوا. لِذا فقد طَرحوا السُّؤال. والسُّؤال هو: "مَتى؟" وَ "ما؟" ما هي العلامة؟ بعبارة أخرى: كيف يمكننا أن نَعلم أنَّ ذلك سيحدث؟ أعطِنا إشارةً. فلا بُدَّ أنَّ شيئًا ما سيحدث أوَّلاً. ما هو؟ ظَلام؟ نُورٌ سَاطع؟ ما هو؟ مَلاك؟ بُوق؟ ما هو؟ ومتى سيحدث ذلك؟ وقد كانوا مُتحمِّسين وقَلقين.

ويجب أن تَعلموا أنَّ هذا استمرَّ... سواء صَدَّقتُم ذلك أم لم تُصَدِّقوه... أنَّ هذا استمرَّ حتَّى بعد القيامة. هل قرأتم الأصحاح الأوَّل مِن سِفْر أعمال الرُّسُل مؤخَّرًا؟ فبعد القيامة، قالوا عندما اجتمعوا به... عندما اجتمعوا بيسوع... قالوا: "يَا رَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟" هل في هذا الوقت؟ أليس كذلك؟ بعبارة أخرى، لقد كانوا ما يزالون يسألون نفس السُّؤال. والقيامة لم تضع حَدًّا لذلك، بل عَزَّزَتْهُ وحسب. وما أعنيه هو أنَّه عندما ماتَ فإنَّهم شَعروا باليأس. فهل يَئِسوا عندما مات؟ أجل! لماذا؟ بسبب الرَّجاء الَّذي كان لديهم. أترون؟ فعندما كان مُسَمَّرًا على الصَّليب، كان ذلك سببًا في تَحطيم كلِّ شيء. وقد شعروا باليأس حالاً. وعندما قام مِن القبر، عاد الرَّجاءُ مِن جديد فقالوا: "هل هذا هو الوقت؟ هل هذا هو الوقت؟ هل هو الآن؟ هل هو الآن؟" لأنَّهم كانوا يعيشون في تَرَقُّبٍ دائم في أنَّ الوقت قد حان، وأنَّ الملكوت سيأتي.

وفي إنجيل لوقا والأصحاح 19، أي حتَّى قبل هذا الحدث، في العدد 11: "وَإِذْ كَانُوا يَسْمَعُونَ هذَا عَادَ فَقَالَ مَثَلاً، لأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ أُورُشَلِيمَ، وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ عَتِيدٌ أَنْ يَظْهَرَ فِي الْحَالِ". فها هو ... إنجيل لوقا 19: 11. فقد ظَنُّوا أنَّ ملكوت الله عَتيد أن يَظهر في الحال. والآن، لقد كان آنذاك خارجًا مِن أريحا في طريقه إلى أورُشليم. فقد كانوا يعيشون في تَرَقُّبٍ طَوال الوقت. وهذه الكلمات الَّتي كان رَبُّنا يقولها كانت تُؤَجِّجُ الأمر وحسب.

لِذا فإنَّكم تَفهمون الآن. فنحن نأتي إلى الأصحاح 24 ونرى أنَّهم كانوا يُفَكِّرون في ماذا؟ الآن سيأتي الملكوت، والآن سيحدث المجيء الثَّاني، والآن هي الدَّينونة، والآن سيكون تأسيس المملكة الأبديَّة للمسيح المُمَجَّد. سوف يحدث ذلك الآن. والنُّقطة الرَّئيسيَّة مِن هذه العِظَة هي أن يقول لهم ما يلي: "يا رفاق، إنَّه ليس الآن". هذه هي النُّقطة الرئيسيَّة. والآن، أنتُم تَفهمون مَتَّى 24 و 25. "إنَّه ليس الآن. أنتم مُخطئون". فهذا هو المَعنى المقصود.

والآن، انظروا إلى العدد الثَّالث. وقد بقيت نُقطتان ثُمَّ أختم حديثي. فأنا أودُّ أن أجذب انتباهكم إلى الكلمة "مَجيئك". فما الَّذي قَصدوه بقولهم: "وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ"؟ قد تقول: "لقد كانوا يتحدَّثون عن المجيء الثَّاني". لا، هذا غير صحيح. فكما تَعلمون، لم يكونوا حَتَّى يؤمنون بالمجيء الثَّاني فعليًّا. ولم يكونوا يَرون أيَّ فَرق. فَهُم لم يكونوا يَرون أنَّ هناك مَجيئًا أوَّلاً، ثُمَّ فترةَ انتظارٍ طويلة، ثُمَّ مَجيئًا ثانيًا؛ بل كانوا يَرون أحداثًا مُتلاحقةً! فكلُّ ذلك سيحدث. لماذا؟ لأنَّ نُبوءاتِ العهد القديم صَوَّرَتْها هكذا. فقد كان أنبياء العهد القديم ينظرون إلى المستقبل ويَضُمُّون كُلَّ العوامل الزَّمنيَّة معًا فيرونَ أنَّ المسيح سيأتي، ويؤسِّس ملكوته، ويفعل كلَّ تلك الأمور. ولكنَّهم لم يكونوا يَرون الفجوة الكبيرة. وكما قلتُ، هذا هو السَّبب في أنَّ ذلك يُسَمَّى "سِرًّا".

إذًا، لقد كانوا يَرون أنَّ ذلك كُلَّه سيحدث دُفعةً واحدةً. لِذا فإنَّهم لم يكونوا يتحدَّثون هنا عن المجيء الثَّاني. فما الَّذي كانوا يتحدَّثون عنه؟ الحقيقة هي أنَّكم إذا نظرتم إلى الكلمة "مَجيء" ستجدون أنَّها الكلمة "پاروزيا" (parousia)، وهي كلمة مُؤلَّفة مِن كلمتين يونانيَّتين: "پارا" (para)، وفعل الكَينونة، ومعناها: "وُجود" أو "تَواجُد" أو "حُضور". وأفضل تَرجمة لهذه الآية هي: "وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ حُضورك الكامل [أو وُجودك هُنا]؟" فهي لا تحمل فكرة المجيء بقدر ما تحمل فكرة الحُضور الدَّائم. فالكلمة "پاروزيا" تُستخدم أربع مَرَّات في هذا الأصحاح (في العدد 3، والعدد 27، والعدد 37، والعدد 39). وبعد أن استخدمها يسوع، صارت كلمة أساسيَّة استخدمَها كُتَّاب العهد الجديد. فقد استخدمَها يعقوب، واستخدمَها بُطرس، واستخدمَها يوحنَّا. وقد صارت لفظةً اصطلاحيَّةً تُشير إلى مَجيء يسوع المسيح لتأسيس ملكوته، أو إلى مجيئه الثَّاني؛ أي مجيئه بمجد. ولكنَّهم كانوا يقولون ببساطة: "متى ستأتي بحضورك الكامل؟ متى ستأتي إلى هنا بإعلانك المَسيحانيّ الكامل؟ متى ستأتي إلى هنا لتكون كلَّ ما تَرَقَّبنا منك أن تكون؟ مَجيئك؟" بعبارة أخرى، فإنَّ الفكرة لم تَكُن قائمةً على أنَّه ينبغي أن يذهب وأن يعود مَرَّةً أخرى لأنَّ معنى الكلمة لا يُشير إلى مَجيئه فعليًّا، بل إلى حُضوره. لذا فقد كانوا يقولون: "متى ستدخُل في مِلْء حُضورك المَسيحانيّ؟" فهذه هي الفكرة.

وقد قالوا: "وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟" وأودُّ أن أختم بالتحدُّث عن تلك العبارة. وَيا لها مِن عبارة! "انقضاء الدَّهر". فهي عبارة واضحة جدًّا جدًّا: "سونتيليا تو أيونوس" (sunteleias tou aionos). وهي تُستخدم خمس مَرَّات في إنجيل مَتَّى؛ نفس تلك العبارة: انقضاء الدَّهر... انقضاء الدَّهر... انقضاء الدَّهر. وإحدى المَرَّات هي في هذه الآية: "انقضاء الدَّهر". والكلمة "سونتيليا" تَعني "النِّهاية الكاملة، أو: النِّهاية التَّامَّة، أو: النَّهاية الأخيرة. فالكلمة "تيليا" (teleo) تعني: نهاية. والكلمة "سونتيليا" أو "تيليا" (المُرَكَّبة) تعني: النِّهاية الأخيرة الكاملة. إذًا، متى ستكون النِّهاية الكاملة والأخيرة لعصر الإنسان أو يوم الإنسان؟ وهي تُستخدم أيضًا لا فقط في هذه الآية، بل أيضًا في إنجيل مَتَّى 28: 20 حيث إنَّ يسوع يَعِد بأنَّنا قد أُعطينا سُلطانًا، وبأنَّه يجب علينا أن نذهب ونُتلمِذ. ثُمَّ إنَّه يقول: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ ..." إلى مَتى؟ "إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْر". إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْر. أي: "إِلَى النِّهاية الأخيرة الكاملة، سأكون معكم".

ولكن في ثلاث مَرَّات أخرى... وأريد منكم أن تُلاحظوها. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 13، انظروا بعناية إليها. فهذا مُهمٌّ جدًّا. في إنجيل مَتَّى 13: 39، نَقرأ مَثل الحِنطة والزَّوان. وفي مُنتصف الآية، نقرأ ما يلي: "وَالْحَصَادُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعَالَم". إذًا، انقضاءُ العالَم هو حَصادُ الله (كما يقول يسوع)، "وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَةُ. فَكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ". وهذه العبارة تُستخدم في مَوضِعَيْن آخرَيْن في ذلك المَثل. فهو الوقت الَّذي يَخرجُ اللهُ فيه، ويَجمعُ الحِنطة والزَّوان، ويَفصلهما، ويَطرح الزَّوان في جَهنَّم ليحترق في النَّار (كما جاء في العدد 42): "وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". وَهُوَ سيَجمع الحِنطة، أي: الأبرار. "حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ". لِذا فقد كانت عبارة "انقضاء العالَم" بالنِّسبة إلى مَتَّى عبارة أُخرويَّة تعني: النِّهاية الأخيرة لكلِّ شيء عندما يأتي اللهُ بدينونته الأخيرة والنِّهائيَّة والكاملة ويَجمع غير المؤمنين ويَطرحهم في جَهنَّم، ويَجمع المؤمنين ويأخذهم إلى حَضرته.

والآن، في الأصحاح نفسه والعدد 49، تُستخدَم نفس تلك العبارة مَرَّةً أخرى: "هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ [في العدد 49]: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَان". ومَرَّةً أخرى، تُستخدم العبارة "في نهاية العالَم" عندما يقوم الرَّبُّ بعمليَّة الفَصْل. فهناك، تُطرَح شَبَكة كبيرة، وتَجمَعُ سَمكًا. فَكَما أنَّ الصيَّاد يَسحب الشَّبكة الَّتي تَحوي كلَّ أنواع الأسماك ويَفرز الأسماك الصَّالحة للأكل عن الأسماك الَّتي سيَطرحها خارجًا، فإنَّ الله يُمسك الجميع في شَبكة، ويَسحَب الشَّبكة، ويَفرز الأبرار إلى المجد، وغير الأبرار إلى الدَّينونة. فذلك يَحدث أيضًا في نهاية العالَم.

لِذا فقد كان سؤال التَّلاميذ يَختصُّ بانقضاء الدَّهر. فهو سؤال يَختصُّ بالنِّهاية. والآن، يمكنكم العودة قليلاً إلى الأصحاح 24 مِن إنجيل مَتَّى. فَقد كانوا يَسألونه إذًا أسئلةً عن الأمور الأخيرة أو الأمور النِّهائيَّة: مَتى سيأتي المسيَّا بحضورٍ كاملٍ ومَجد؟ متى ستحدث الدَّينونة الأخيرة والكاملة والنِّهائيَّة والحاسمة الَّتي سيُدان فيها الأشرار ويُطرحون في جَهنَّم، والَّتي سيُرسَل فيها الأبرار إلى مَجد الملكوت؟ متى سيحدث ذلك؟ وما هي العلامة الَّتي سنَعلم مِن خلالها أنَّ ذلك سيحدث؟ لقد كان هذا هو سؤالهم. وقد كانت كلُّ الأحداث حتَّى هذه النُّقطة تُشير إلى تفكيرهم الَّذي قادهم إلى هذا السُّؤال.

وجوابُ الرَّبِّ يبتدئ مِن العدد 4. حسنًا؟ والآن، اسمعوني جيِّدًا جدًّا: إنَّ جواب الرَّبِّ يبتدئ مِن العدد 4. ومِن العدد 4 فصاعدًا، اسمعوني جيِّدًا: إنَّه يُجيب عن سؤالهم. وسؤالهم يَختصُّ بالمجيء الكامل للمسيح ونهاية عصر الإنسان. فذلك هو السُّؤال الَّذي يُجيب عنه. وَهُوَ لا يقول أيَّ شيء عن دمار أورُشليم مِن الآن فصاعدًا. فذلك الكلام كان خارج نِطاق العِظة على الجبل... في العدد الثَّاني قبل حَتَّى أن يُطرَح هذا السُّؤال. فتلك الدَّينونة لأورُشليم كانت لتلك الفترة مِن التَّاريخ، ولذلك الوقت وذلك الشَّعب الَّذي لم يولد ثانيةً، والذي كان شِرِّيرًا ورافضًا للمسيح. وهي مُجَرَّد نموذجٍ صغير على نوع الدَّينونة الَّتي سيَجلبُها الله في انقضاء الدَّهر عندما يأتي المسيَّا بمجدٍ كاملٍ وحُضورٍ كامل.

لِذا، فإنَّ ما يقوله لهم هو: "انظروا! ما رأيتموه هو ليس انقضاء الدَّهر. وما رأيتموه هو ليس شيئًا سابقًا للمجيء الكامل للمسيَّا في مجد. دَعوني أُريكم ما هي عَلامة مُجيئه الكامل. دَعوني أُريكم ما هي علامات مُجيئه الثَّاني. دَعوني أُريكم ما هي الأشياء الَّتي تُشير إلى انقضاء الدَّهر". هذه هي الفكرة مِن العظة في العِظَة على جبل الزَّيتون. فقد قادَهُم مِن فَهْمِهم ذاكَ إلى سِمَاتِ الدَّهر الَّذي سيأتي فيه الرَّبُّ. لِذا فقد نَقَلَهُم مِن تلك اللَّحظة في التَّاريخ إلى المستقبل البعيد (وهو مُستقبل لم نَصِل إليه بعد) ووَصَفَ كُلَّ الأحداث المُحيطة بمجيء الرَّبِّ يسوعَ المسيح. وهذا هو ما سنَراه عندما نَصِل إلى العدد الرَّابع في دَرسِنا القادِم.

هل تَعلمون أين أنتم؟ حسنًا! دَعونا نُصَلِّي إذًا:

نَشكُرك، يا أبانا المُبارَك، على الشَّرِكَة الطَّيِّبة الَّتي حَظَيْنا بها في هذا الصَّباح في وقت عبادتنا. ويا لها مِن بَرَكة رائعة في أن نَفتح كلمتَك ونَراها بوضوحٍ شديد إذ إنَّها تكشف لا فقط الماضي وفداءَنا، بل أيضًا المستقبل ومَجدنا في المسيح. نَشكرك، يا رَبّ، لأنَّ المُخلِّص سيعود، ولأنَّه في عودته سيأخذنا إلى المجد، وسيَملِك بِصفَتِهِ مَلِكَ المُلوك ورَبَّ الأرباب في انقضاء الدَّهر. ولكنَّنا، يا رَبُّ، نُدرك أيضًا أنَّه في نهاية الدَّهر ستكون هناك دينونة للأشرار، ومَجد للأبرار. لِذا فإنَّنا نُصَلِّي بأن لا يَقوم أيُّ شخصٍ حاضر هُنا في هذا اليوم، عند سماعه هذه الرِّسالة، بإدارة ظَهْرِهِ للمُخلِّص الوحيد الَّذي يستطيع أن يَفدي البَشر مِن الدَّينونة ويأخذهم إلى المَجد.

نَشكرك، يا أبانا على كلمتَك. افتحها لنا في الأيَّام المُقبلَة كي نَفهم لا فقط مَعنى مَجيء المُخلِّص في الماضي، بل كي نَفهم أيضًا فَهمًا تَامًّا، قدر استطاعتنا، مَعنى مَجيئه في المستقبل، وكي نَفهم (نحن الَّذين نَعيش في أروع زَمانٍ على الإطلاق، في الفترة الواقعةِ بين مَجيئه الأوَّل والثَّاني) مَعنى كِلا المَجيئَيْن، وأن نَجِدَ أنفسنا بسبب فَهمِنا هذا مُتَحَمِّسين للنُّموِّ في النِّعمة وفي معرفة الرَّبِّ والمُخلِّص يسوعَ المسيح الَّذي نُحِبُّه ونَخدمه. نُصَلِّي هذا باسمه. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize