في هذا الصَّباح، إنَّه امتيازٌ لنا أن نَشترك في مائدة الرَّبّ كما تَعلمون. ولكي نُهيِّئ قُلوبَنا لتلك المائدة، أَدعوكم إلى أن تَفتحوا كِتابَكم المُقدَّس على إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس والعشرين. ومِن المُلائم جدًّا أن نَتأمَّل في هذا المقطع في يومٍ نَأتي فيه إلى مائدة الرَّبِّ لأنَّه نَصٌّ مُناسبٌ جدًّا لأنَّه النَّصُّ الَّذي أَسَّسَ رَبُّنا فيه مائدتَه. وسوف نتأمَّل في ذلك ثُمَّ نَشترك في المائدة، كما أرجو، بعقليَّة جديدة وفَهمٍ جديد بعد أن نكون قد اشتركنا معًا في دراسة هذا النَّصِّ الرَّائع مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس والعشرين.
والآن، تَذكَّروا أنَّ مَتَّى يُهَيِّئُنا هنا لصليبِ المسيح. فالأصحاح السَّادس والعشرون مُخَصَّص لتَهيئتِنا للصَّليب. وقد تحدَّثنا عن الاستعداد الَّذي قام به الله، واستعداد القادة الدِّينيِّين، واستعداد مَريم (أُخت مَرثا ولعازَر) الَّتي دَهَنَتْ يسوعَ بطيبٍ غالي الثَّمن. وقد تحدَّثنا عن استعداد يهوذا. والآن، ابتداءً مِن العدد 17، نأتي إلى استعداد الرَّبِّ نفسِه إذْ إنَّه يَبتدئ بالاستعداد لموته. وهذا يَتضمَّن الفصحَ الأخيرَ وتأسيسَ مائدته. وهو يَتَضَمَّن تخصيصَ وقتٍ لتعليم التَّلاميذ الضُّعفاء. وهو يَتضمَّن وقتًا لرفع صلاة شفاعيَّة إلى الآب في بُستان جَثْسَيماني. وكلُّ هذه العناصر هي عناصر يُقدِّمُها لنا مَتَّى كجزءٍ مِن الاستعداد لموت يسوعَ المسيح الَّذي هو [بكلِّ تأكيد] ذُروةَ حياته وخدمته.
والآن، لقد ابتدأنا بالنَّظر إلى العدد 17. ومِن بدايةِ العدد 17 إلى نهايةِ العدد 25، نَرى أنَّ رَبَّنا يَحتفل بالفصحِ الأخير... بالفصحِ الأخير؛ وهو عملٌ مُهمٌّ يقومُ به رَبُّنا مع تلاميذه قبل ذهابه إلى الصَّليب. والآن، إذْ نَنظر إلى نَصِّ الآيات 17-25 قليلاً، نَتذكَّر أنَّ هناك عناصر أو أجزاء كثيرة في ذلك النَّصِّ تُساعِدُنا في النَّظر إلى هذا الفِصحِ الأخير.
أوَّلاً، تَعيين الوقت. ففي الأعداد 17-19، نَظرنا بتفصيلٍ دقيق إلى وقتِ وإعدادِ هذا الفصح الأخير. وقد ناقشنا الأسباب الدَّاعية إلى اجتماع يسوع بتلاميذه. وقد ناقشنا ما فَعلوهُ في الفصح. وقد تحدَّثنا عن موعد قيامهم بذلك وعَرفنا أنَّه أكلوا الفصحَ في وقتٍ مُتأخِّر مِن يوم الخميس بعد مغيب الشَّمس. وكان اليوم التَّالي هو اليوم الَّذي سيُصلَب فيه. وقد تحدَّثنا أيضًا عن حقيقة أنَّه في ذلك الوقت مِن تاريخ بني إسرائيل، كان يُحتفَل بالفصح إمَّا يومَ الخميس وإمَّا يومَ الجُمُعة لأنَّ العادات في الجليل كانت تَختلف عن العادات في اليهوديَّة. لذا فقد احتفلَ الرَّبُّ يوم الخميس مساءً بعيدِ الفصحِ بحسب الجَليليِّين، ولكن كان يوجد يومٌ آخر للفِصْح وهو الجُمُعة. وهذا يعني أنَّه كان بمقدور يسوع أن يَحفظَ الفصح في يوم، وأن يموت في الفصح كخروف الفصح في اليوم التَّالي. وكان اللهُ قد رَتَّبَ التَّاريخَ والعادات والتَّقاليد والظُّروف لكي يَجعل ذلك مُمكنًا.
لذا، فقد رأينا أنَّ الربَّ عَيَّنَ وقتًا لأكل وليمة الفصح؛ وهي وليمة كان ينبغي له أن يَحفظها، ويَتوقُ جدًّا إلى أكلها مع تلاميذه لكي يَحظى بوقتٍ يُدرِّبهم فيه، ويُعلِّمهم فيه، ويَقطع لهم الوعدَ بحُلول الرُّوح القُدُس، ويؤسِّس فيه هذه الفريضة الجديدة الَّتي تُعرَفُ لدينا باسم مائدة الرَّبّ أو عشاء الرَّبّ، ولكي يَحظى بوقتٍ يَكشف فيه هُويَّة الخائن. فقد كان وقتًا مُهمًّا جدًّا. وسوف نَرى سببًا آخر مُهمًّا دَفَعَهُ إلى حفظ الفصح الأخير، ولكن بعد قليل.
إذًا، لقد نَظرنا إلى تَعيين الوقت. لِذا، لننتقل في هذا الصَّباح إلى العدد 20. والعُنصرُ الثَّاني في هذا الفصح الأخير بعد تَعيين الوقت هو: "مُشاركة المائدة". ويَتطرَّق مَتَّى إلى هذا الفصح بإيجازٍ شديد فيقولُ في العدد 20: "وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُونَ...". ويمكننا أن نتوقَّف عند هذه النُّقطة. فهذا هو في الحقيقة كلُّ ما يقوله مَتَّى عن العشاء نفسه، أو عن وجبة الفصح، أو عن وَليمة الفصح كما كانت تُسَمَّى. ولعلَّكم تَذكرون الآن أنَّ الوقتَ كان قد تجاوزَ السَّاعة السَّادسة مساءَ يوم الخميس. وسوف يَتِمُّ القبضُ على يسوع في وقتٍ لاحقٍ مِن تلك اللَّيلة، ويُحاكَم مُحاكمةً صُوَريَّة في الصَّباح الباكِر، ويُصلَب ويَموت في نحو السَّاعة الثَّالثة مِن بعد ظُهر يوم الجُمُعة. لِذا، كانت هناك ساعات قليلة تَفصلنا عن موته. وَها هُم يأكلون وليمة الفصح. وكان لا بُدَّ أن تؤكَل، كما تَذكرون، في تلك اللَّيلة. فقد كان لا بُدَّ أن تُؤكَل قبل مُنتصف اللَّيل. ولم يكن يجوزُ أن يَبقى من الخَروفِ أيُّ شيء حتَّى الصَّباح. لذا، عندما نأتي إلى العدد 20، نَجِدُهُ يجلس إلى المائدة مع تلاميذه الَّذينَ أَعَدُّوا ليأكلوا تلك الوجبة.
ولاحظوا أنَّ العدد 20 يقول إنَّهُ "اتَّكأَ". وهذه مُلاحظة مُدهشة لأنَّه إن رَجَعنا في التَّاريخِ ونَظرنا إلى الفصح في سِفْر الخروج، ستُلاحظون أنَّ اللهَ الَّذي أَسَّسَ الفِصحَ أَوصاهُم بأن يأكلوا الفصح وَهُمْ في وَضعيَّة الوقوف: "وَهكَذَا تَأكُلُونَهُ: أَحْقَاؤُكُمْ مَشْدُودَةٌ، وَتَأكُلُونَهُ بِعَجَلَةٍ، وَعِصِيُّكُمْ فِي أَيْدِيكُمْ، وَأَحْذِيَتُكُمْ فِي أَرْجُلِكُمْ" وأنتُم جاهزونَ للرَّحيل. ولكن بمرور السِّنين، صارَ مِنَ المُعتادِ أن تَستغرقَ وليمةُ الفِصح وقتًا طويلاً. وحيث إنَّهم لم يكونوا مُضطرِّين للخروج بسرعة مِن مصر كما هي الحال في الفصح الأوَّل، صارتِ العادةُ هي أن يَتَّكِئوا كما كانوا يَفعلون في العديد مِن الولائم العديدة الأخرى وأن يأكلوا ببُطء. لذا، نجد أنَّ يسوعَ يَتصرَّف وَفقًا لتلك العادة دون أن يجد عِلَّةً فيها. فهو يَتَّكئ مع الاثني عشر.
ونَقرأ في العدد 21: "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُون" – وهذا يَنقلُنا إلى وجبة الفصح ذاتِها. وكان هناك تَتابُع مُحَدَّد وراسِخ جدًّا في تَناوُل وجبة الفصح. والتَّقليدُ واضحٌ جدًّا: فأوَّلُ شيءٍ كان يحدث هو أن تُخلطَ الكأس الأولى الَّتي تحوي خَمرًا حمراء بالماء. وكانت عادتهم دائمًا هي أن يَخلطوا الخمر بالماء لِئَلاَّ يَسكروا. ونحنُ نَعلم أنَّهم كانوا في الفصح يَخلطون الخمر بكميَّة مُضاعَفة من الماء لِئَلاَّ يُنَجِّسوا هذه المُناسبة المُقدَّسة في حالِ سُكْرِهم بسبب كثرة تَناوُل الخمر. لذا فقد كانوا يَمزجونها بكميَّة مُضاعفة من الماء ويَشربون تلك الكأس الأولى الَّتي تُسَمَّى "كأس البَرَكة". والحقيقة هي أنَّ تلك الكأس الأولى كانت تُشْرَبُ بعد صَلاة البَرَكة. ورُبَّما لا يجوزُ لنا أن نُطلِقَ عليهم اسم "كأس البَرَكة" لأنَّ هذه التَّسمية كانت تُطلق على الكأس الثَّالثة، بل ينبغي أن نقول إنَّها كانت كأسًا تَنطوي على بَركة خاصَّة. بعبارة أخرى، لقد كانت تَرمِزُ إلى بَرَكة الله. ويُمكنكم أن تنظروا إلى إنجيل لوقا 22: 14-17 وتقرأوا أنَّهم ابتدأوا بشُربِ تلك الكأس الأولى الَّتي تَرمِزُ إلى بَرَكة الله.
وبعد شُرب تلك الكأس الأولى، كان الحَدَثُ التَّالي؛ وهذا أمرٌ مُهمٌّ جدًّا في وجبة الفصح إذ إنَّهم كانوا يَغسلونَ أيديهم. وكان هذا الغَسْلُ تَطهيرًا طَقسيًّا، وكان يَرمِز إلى حقيقة أنَّه قبل أن يَشتركوا حقًّا في الوجبة نفسِها، كان ينبغي لهم أن يُدركوا الحاجة إلى الطَّهارة الشَّخصيَّة وإلى التَّطهيرِ الشَّخصيِّ. فقد كانوا في نهاية المَطافِ يَحتفلون بخلاصِ اللهِ وتَحريرِ اللهِ لهم. وعندما كانوا يَحتفلون بخلاص الله، كان ينبغي لهم أن يَتيقَّنوا مِن عدم وجود أيِّ شيءٍ فيهم غير نَقيّ لأنَّه كيف يُمكنهم أن يَحتفلوا بالله الَّذي خَلَّصَهم في حين أنَّهم يَرْعَوْنَ خَطيَّةً خَلَّصَهُم منها؟ لذا، كان هناك وقتُ تَطهير، أو وقتُ غَسْلٍ طَقسيٍّ لأيديهم.
والآن، مِن المُحتمل جدًّا أنَّه في هذا الوقت الَّذي غَسَلوا فيه أيديهم، أو في هذا الفاصِلِ الصَّغير في الوليمة الفعليَّة، جَرَى ذلك الحوار بين التَّلاميذ؛ وَهُوَ حوارٌ كان شائعًا جدًّا بينهم. ففي إنجيل لوقا 22: 24، نَقرأُ: "وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضًا مُشَاجَرَةٌ مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَر". وها نحنُ نَعودُ هُنا إلى ذلك الجِدال بينهم مَرَّةً أخرى. فقد ابتدأوا يَتجادلونَ في وَسْطِ تلك المُناسبة مَن مِنهم سيكون الأعظم. وهذا أمر مُذهل حقًّا. فقد كانوا يَغسلونَ أيديهم طَقسيًّا علامةً على تَطهير نفوسهم الدَّاخليَّة. وطَوال فترة قيامهم بالطَّقسِ الخارجيِّ كانت نفوسُهم مُمتلئة بالكبرياء، والمنفعة الشخصيَّة، والمجد الذَّاتيِّ، والطُّموح. فلم تكن هناك أيَّة صِلَة حقيقيَّة بين ما كانوا يفعلونه خارجيًّا (وَهُوَ أمرٌ كان ينبغي أن يكونَ رَمزًا لما يجري في داخلهم)، وبين ما كانوا يفعلونه حقًّا في داخلهم. وهذا لا يَختلف كثيرًا عن أشخاصٍ كثيرين يأتون إلى مائدة الرَّبِّ ويَفعلونَ كلَّ ما هو مَطلوب خَارجيًّا في حين أنَّهم يَرْعَوْنَ خطيَّةً في حياتهم.
لذا فقد تجاهلوا القصدَ الحقيقيَّ مِن هذا التَّطهير وأَظهروا كبرياءَهُم في هذا الغَسْلِ الَّذي كان يَرمِز إلى تَطهيرهم الدَّاخليّ. وأعتقد أنَّه في هذا الوقت الَّذي كانوا يَغسلون فيه أيديهم، أعتقد أنَّهم أدركوا حاجتهم أيضًا إلى غَسْلِ أرجُلهم. فكما تَرَوْن، نحن نقرأ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13: "فحينَ كان العشاء". إذًا، كانوا قد ابتدأوا بتناول الوجبة نوعًا ما، أو رُبَّما شربوا تلك الكأس الأولى وابتدأوا بأكلِ وَجبة الفصح الرَّسميَّة. أو رُبَّما أنَّه في أثناء غَسلهم لأيديهم، أدرك الجميع أنَّ أقدامَهم مُتَّسخة أيضًا. وإن كان غسلُ الأيدي شيئًا رَمزيًّا، كان غسلُ الأرجُلِ أمرًا عَمليًّا صِرْفًا؛ ولا سيَّما إذا كنتَ تَتَّكئ إلى مائدة الطَّعام ورأسُكَ لا يَبعُد سوى بضعِ بوصات عن أَرْجُل الآخرين. وكان النَّاسُ في تلك الأيَّام يَلبسونَ صَنادِل. والصَّنادِل لا تُغَطِّي أيَّ شيء. لذا فقد كانت الأرجُلُ إمَّا مُوحِلَة وإمَّا مُتَّسِخة. وكان مِن المُعتاد أن تُغسَل الأرجُلُ عند الدُّخول إلى أيِّ بيت. ولم يكن هناك خادمٌ ليفعل ذلك. ولم يتوقَّف أحدُ التَّلاميذ للقيام بذلك لأنَّهم كانوا يَتجادلون بشأنِ مَن هو الأعظم. ولم يكن أيُّ شخصٍ يَرغب في القيام بدور الخادم لأنَّ ذلك سيُجَرِّدْهُ مِن العَظَمة الحقيقيَّة.
لِذا فقد مَنَعتهُم كِبرياؤهم مِن القيام بذلك. وأعتقد أنَّهُ في تلك المَرَّة الثانية، وَهُوَ وقتٌ مُناسبٌ كأيِّ وقتٍ آخر في الوليمة، أنَّ يسوعَ (كما يَصِفُ إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13 الأمرَ بِرُمَّتِه) قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا... وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ"، وأنَّهُ عَلَّمهم دَرسًا عميقًا في التَّواضُع، ودَرسًا عميقًا في المحبَّة المُتواضعة، ودرسًا عميقًا في سَدِّ حاجات الآخرين والقيام بدور العَبْد. وقد قال: "كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. إن كُنتُم تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، افعلوا ما أوصيتُكم به وما فَعلتُهُ أمامَكُم". لِذا فقد عَلَّمهُم دَرسًا في التَّواضُع.
وكان ذلك الدَّرسُ في التَّواضُع توبيخًا شديدًا لكبريائهم. ولكنَّ يسوعَ وَبَّخَهُم لَفظيًّا أيضًا. ففي إنجيل لوقا 22: 25-27، وَبَّخَهُم لَفظيًّا بسبب كبريائهم. لِذا فقد رأينا للتَّوّ حَدَثَيْنِ في هذه الوجبة: الكأس الأولى والغَسْل. وقد شَعَرَ هؤلاء الرِّجال بالخوف. فقد تَمَّت مُواجهتُهم. وقد تَمَّ توبيخُهم وسَمعوا كلامًا شديدًا عن كبريائِهم، وبَشاعتِهم، وأنايَّتِهم، وطُموحِهم الشخصيِّ، وهَلُمَّ جَرَّا. لِذا فقد كانوا قد وُبِّخوا حقًّا في هذا الوقت. ومِن المُهمِّ أن تَحتفظوا بهذه الصُّورة في أذهانكم. فعندما كان يسوعُ يُوَبِّخ شخصًا، أعتقد أنَّه كان يُوبِّخُه حقًّا. لذا فقد وَبَّخَهُم توبيخًا صَارمًا، وكَشَفَ القِناعَ عن غُرورهم، وما إلى ذلك. وهذا هو الأمر الَّذي جَعلهم يَتصرَّفون على النَّحو الَّذي سنَراه بعد قليل.
لِذا، رُبَّما يَنتقل يوحنَّا 13 إلى لحظةِ الغَسْل. وهذا يأتي بنا إلى الجُزء الثَّالث مِن وليمة الفصح، وهي لحظة تَناوُل الأعشاب المُرَّة. وقد كانت الأعشابُ المُرَّة تَرمِز إلى مَرارة العبوديَّة في مِصر. وكانت تُؤكَل مع الخُبز الفَطير والخاروسيث (charoset) الَّتي كانت صَلْصَةً يُعِدُّونها في الفصح. وقد كانوا يَغمسون الخُبزَ، أي الخُبزَ الفَطيرَ في تلك الصَّلصة وتلك الأعشاب. ثُمَّ يأتي الجزءُ الرَّابع مِن الفصح وهو شُربُ الكأس الثَّانية. ومَرَّةً أخرى، كانت الخمرُ الحَمراء تُمزَجُ بالماء. وكانَ الأبُ أو الشخصُ الَّذي يَترأَّسُ المائدة (وهو في هذه الحالة الربُّ نفسُه) يأخذُ الكأسَ ويُعَلِّم الحاضرينَ عن مَعنى وجبة الفصح. لِذا فإنَّ هذا الجُزءَ يَحوي حَديثًا أو سَرْدًا. إذًا، هناك تَناوُل الكأس الأولى، ثُمَّ الغَسْل، ثُمَّ الأعشاب المُرَّة، وغَمْس الخُبز الفَطير، ثُمَّ تَناوُل الكأس الثَّانية.
بعد ذلك، كانوا يُرَتِّلون. وقد كانوا يُرَتِّلونَ مَزامير الهَلِّيل الَّتي اشتُقَّت منها الكلمة "هَلِّلويا" ومَعناها: "تَسبيح". ومَزامير الهَلِّيل هي المزامير مِن 113 إلى 118. وفي هذا الوقت، كانوا يُرَتِّلونَ المَزمورَيْن 113 و 114. إذًا، فقد كانَ هذا هو ما يُرَتِّلونَه. وبعد تَرتيل المَزمورين الأوَّل والثَّاني مِن مَزامير الهَلِّيل، كانوا يُحضِرونَ خروفَ الفصح. والآن، كان الجزء الرَّئيسيُّ مِن الفِصح يَبتدِئ. وكانتِ الأعشابُ المُرَّة والخُبز الفَطير الَّذي يُغْمَسُ في الصَّلصة يُشبِهُ المُقَبِّلات. والآن، حان وقتُ الوجبة الرئيسيَّة. وكان الأبُ يَغسِل يَديه، ويأخذ رَغيفَ الخُبز ويُباركُهُ ويُكَسِّرُهُ ويأكُلُه مع الخروف. وحين كان يفعل ذلك، كان يَسْمَح للجميع أن يأكلوا فيَبتدئُ الجميعُ بأكل الخروف. لذا، هذا هو المشهدُ الَّذي نَراهُ هنا في العدد 21 إذْ إنَّهم كانوا يأكلون. وكانوا قد أكلوا على أقَلِّ تقدير الأعشابَ المُرَّة في هذا الوقت ... وعلى أقلِّ تقدير رُبَّما شربوا الكأس الثَّانية. فقد كانوا قد ابتدأوا بأكلِ الوجبة الرئيسيَّة.
وأثناء أَكْلِ الوجبة، نَنتقل مِن تَعيينِ الوقتِ والاشتراكِ في المائدة إلى ما أُسَمِّيهِ "إذهالُ الاثني عشر". انظروا إلى العدد 21 مَرَّةً أخرى: "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُونَ قَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي [أو: يَشِي بي، أو: يُخبِر عَنِّي، أو: يُبْلِغ عَنِّي]»". فالكلمة الأصليَّة لا تَعني "يَخون". ولكنَّ المُترجمينَ تَرجموها كذلك لأنَّ يهوذا كان خائنًا. ولكنَّ الجُملةَ تَعني ببساطة: "إنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي". ويُضيفُ مَرقُس في الآية مَرقُس 14: 18 في الجُزءِ المُوازي لهذا: "إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي. اَلآكِلُ مَعِي". وهذه مَعلومة صَادِمَة! واحدٌ مِن الآكلينَ معي سيُسَلِّمُني. ولا شَكَّ أنَّه في ذلك الجُزءِ من العالَم في ذلك الوقت مِن التَّاريخ، عندما تأكُل وجبةً مع شخص فإنَّكَ تُعلِن أنَّكَ صديقُه. لِذا، إن أكلتَ وجبةً مع شخصٍ آخر وسَلَّمتَهُ لقَتَلَتِه فإنَّها خيانة لا يُصَدِّقُها عقل لأنَّ الطَّعام كان يَرمِز إلى الصَّداقة.
ولعلَّكُم تَذكرون في المزمور 55 كلماتِ داود عندما تَحدَّثَ عن مِثل هذه الخِيانة قائلاً: "لأَنَّهُ لَيْسَ عَدُوٌّ يُعَيِّرُنِي فَأَحْتَمِلَ. لَيْسَ مُبْغِضِي تَعَظَّمَ عَلَيَّ فَأَخْتَبِئَ مِنْهُ. بَلْ أَنْتَ إِنْسَانٌ عَدِيلِي، إِلْفِي وَصَدِيقِي، الَّذِي مَعَهُ كَانَتْ تَحْلُو لَنَا الْعِشْرَةُ. إِلَى بَيْتِ اللهِ كُنَّا نَذْهَبُ فِي الْجُمْهُور". بعبارة أخرى، فإنَّه يقول: إنَّ الصَّدمةَ الحَقيقيَّة في هذه الخيانة هو أنَّكَ كُنتَ صَديقي، لا عَدُوِّي. فقد كان أمرًا صَادِمًا أن يَفعلَ صَديقٌ ذلك. وبالرَّغم مِن ذلك، قال يسوع: "إنَّ واحدًا مِن الآكلين معي سيفعل ذلك". وقد نَطَقَ يسوعُ دائمًا بالحقّ. لِذا فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ واحدًا منهم سيفعل ذلك. وقد صُعِقوا. ونقرأ في العدد 22 أنَّهم حَزِنوا جدًّا. وهذه طريقة مُعبِّرة للدَّلالة على شُعورهم بالحُزنِ والأَسى. وربَّما كانت هناك دُموع. وربَّما كان هناك كَرْبٌ شديد في الدَّاخل عندما سمعوهُ يقول: "إنَّ واحدًا مِن الآكلينَ معي على هذه المائدة سيُسَلِّمُني". فقد حَزِنوا جدًّا.
وتقولُ الآية يوحنَّا 13: 22 (وهي آية مُوازية لهذه) إنَّهم احتاروا في مَنْ قالَ عنه. فَهُم لم يَعلموا هُويَّة الشَّخص الَّذي يَتحدَّث عنه. فَهُم لم يَعلموا ذلك ويقولوا: "آه، إنَّهُ يَهوذا". لا، فَهُم لا يقولون ذلك. فقد كان يهوذا مُرائيًا بارعًا. لقد كان بارعًا جدًّا في إخفاء حقيقتِه وراءَ قِناع. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأ في إنجيل لوقا 22: 23 (وَهُوَ أيضًا نَصٌّ مُواز لهذا): "فَابْتَدَأُوا يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: «مَنْ تَرَى مِنْهُمْ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْعَلَ هذَا؟»". فقد كان الواحدُ يقولُ للآخر: "مَن هو؟" فيُجيب: "لا أدري! مَن هو؟" وكانَ السُّؤالَ يَدورُ حول تلك المائدة الَّتي رُبَّما كانت نصفَ دائريَّة حيثُ كانوا يَتَّكِئونَ في هذه الوليمة إذْ كانوا يقولونَ بعضُهم لبعض: "مَن هو؟ مَن هو؟ مَن هو؟"
وكما تَرَونَ، كان يَهوذا بارعًا جدًّا في إخفاءِ رِيَائِه. وحقيقةُ أنَّهم اختاروهُ ليكونَ أمينَ الصُّندوق تُرينا أنَّهم لم يكونوا يَشُكُّون البتَّة في نَزاهَتِه. فقد كانوا يأتَمنونَهُ على مُواردهم الماليَّة الَّتي كانت شَحيحةً في أحسنِ الأحوال. ولم يَفعل يَسوعُ أيَّ شيءٍ خارجيّ يَكشِفُ حَقيقَتَه. والحقيقة هي أنَّ الشَّيءَ المؤكَّد هو أنَّ يسوع قد فَعَلَ كلَّ ما يُمكن لجعلِهِ مُقَرَّبًا إليه. وها هو يَجلس هنا عن يَسارِه على المائدة؛ وهو مكانٌ يَقولُ "إدِرشايم" (Edersheim)، المُؤرِّخ والعالِم اليهوديّ، إنَّه كانَ مَكانًا رَفيعًا جدًّا. وقد غَمَسَ يسوعُ الخُبزَ في الصَّلْصَة وأعطاه. وهو شيء يَدُلُّ أيضًا على أنَّهُ عامَلَهُ كَضيفٍ مُكَرَّم. فقد فَعلَ يسوعُ كلَّ ما في وُسعِه دون أن يُظهِرَ أيَّ مَظهرٍ مِن مَظاهر الازدراء والاحتقار والكراهِيَة ليهوذا، ودونَ أن يَفْضَحَهُ بصفتهِ خائنًا.
لذا فإنَّهم لم يَعلموا أنَّ يهوذا هو الخائن، بل لَعَلَّكُم تُلاحظون أنَّ العدد 22 يقول: "وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟»". كلُّ واحدٍ منهم. والآن، لماذا تَخَيَّلَ كلُّ واحدٍ منهم أنَّه قد يكون الخائن؟ مِن السَّهل أن نَفهم سبب ذلك؛ وَهُوَ أمرٌ ذَكَرتُهُ قبل قليل. فالحقيقة هي أنَّهم تَلَقَّوا قبل قليل فقط تَوبيخًا بسبب بَشاعة كِبريائِهم وخطيَّتِهم وطُموحِهم وإرادَتِهم الذَّاتيَّة. فقد وُبِّخُوا تَوبيخًا صَارمًا. وما أعنيه هو أنَّهم شَعروا بالخَجَلِ مِن أنفسهم. فقد خَجِلوا بسبب توبيخِ يسوعَ لهم. كذلك، لقد شَعروا بخِزيٍ مُضاعَف لأنَّ يسوعَ غَسَلَ أرجُلَهُم. فَلعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ بُطرسَ قال: "لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا! لن أَسمَحَ بأن تَغسِلَ رِجليَّ أبدًا!" ولكنَّ يسوعَ وَبَّخَ بُطرسَ وقال: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُ رِجْلَيْكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ". لِذا فقد وُبِّخوا وكانوا يَشعرونَ بالخِزي. وفي تلك الحالة الَّتي كُشِفَت فيها خطاياهُم، وعَجِزوا فيها عن إخفائها، وأدركوا فيها جدًّا ضُعفَهُم، لم يعودوا يَثقونَ بأنفسهم في هذا الأمر فابتدأوا يقولون... كُلُّ شخصٍ منهم: "هَلْ أَنَا هُوَ؟ هَلْ أَنَا هُوَ؟" ففي ذلك الوقت، كانوا قد أدركوا جدًّا مَيلَهُم إلى فِعْل الشَّرّ".
لِذا فقد راحوا يَطرحونَ ذلك السُّؤالَ ويَشُكُّونَ في أنفسهم. وهذا تَصَرُّفٌ لا يَخلو مِن الصِّدق، ولا يَخلو مِن النَّزاهة. فقد كانوا يَعلمونَ في قَرارةِ نُفوسهم أنَّ هناك مَيلاً للخطيَّة قد يكون بَشِعًا جدًّا حتَّى إنَّه قد يَدفعهم إلى خيانة الشَّخصِ الَّذي يُحِبُّونَه. فقد كانوا (بحسب قول "وليم هندركسن" – “William Hendriksen”) "لا يَثِقونَ البتَّة في أنفسهم". لِذا فقد قالوا: هَلْ أَنَا هُوَ؟ هَلْ أَنَا هُوَ؟ وفي العدد 23، أجابَ يسوعُ قائلاً: "الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ [أيِ الَّذي يَغمِسُ الخُبزَ الفَطيرَ والأعشابَ المُرَّة في الصَّلْصَة] هُوَ يُسَلِّمُنِي! فلم تكن لديهم آنذاك سَكاكين أو شُوَك، بل كانوا يأكلونَ بأيديهم ويَغمِسونَ الخُبزَ، ويَغمِسونَ الأعشابَ، ورُبَّما يَغمسونَ لَحْمَ الخَروف. وَهُوَ يقول: "إنَّهُ الشَّخصُ الَّذي سيفعل ذلك". والآن، مَنِ الَّذي فَعلَ ذلك؟ جَميعُهم فَعلوا ذلك. فقد كانوا جميعًا يأكلون. وكانوا جَميعًا يَغْمِسون. وما قَصَدَهُ هو: إنَّهُ واحدٌ مِنكُم. فهو واحدٌ من الحاضرين هنا، وَمِنَ الَّذينَ يأكلون هُنا، ومِنَ الَّذينَ يَغمِسون في الصَّحْفَة. إنَّه واحدٌ منكم. وفي إنجيل يوحنَّا 13: 18، يَقتبس يسوعُ مِنَ المَزمور 41: 9 ويقول شيئًا يُشيرُ إلى بَشاعة ذلك. فهو يقول في العدد 18: "لكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ" (وَهُوَ اقتباس مِن المَزمور 41: 9). ولا شَكَّ في أنَّ هذه الكلمات كانت تُشيرُ إلى "أَخيتوفَل". ففي سِفْر صموئيل الثَّاني والأصحاح 16، نَقرأ عن أخيتوفَل الَّذي كان الصَّديقَ الحَميمَ لداود، ولكنَّهُ خَانَهُ. وأخيتوفل يَرمِز إلى يَهوذا الَّذي هو الخائن الأكبر والأبشَع [إن جاز القول] لأنَّهُ خانَ يسوعَ المسيح. فقد اتَّكأَ هذا الشَّخصُ البائسُ على المائدة، وغَمَسَ في الصَّحْفَة، وأكلَ معَ يسوع، ثُمَّ أدارَ ظَهرَهُ وَخانَهُ.
ونَقرأ في إنجيل لوقا 22: 21 (وهو أيضًا نَصٌّ مُوازٍ لهذا): "هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَة". لِذا فإنَّ أوَّلَ شيءٍ قالَهُ هو: "إنَّهُ واحدٌ منكم". ثُمَّ إنَّه قال: "هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَة". وَهُوَ الشَّخص الَّذي يَغمِس معي في الصَّحْفَة. وقد كانت الصَّدمة أكبر مِن أن تُوصَف حين سَمِعوا أنَّ واحدًا سيفعل ذلك. ولكنَّ العدد 24 يُعيدُ التَّوازُنَ قَليلاً. فهو ليس ضَحيَّة لخيانةٍ حَمقاء. وَهُوَ ليس ضَحيَّة لخائن. ويجب عليهم أن يَعلموا ذلك، وأن نَعلمَهُ نحنُ أيضًا. لِذا فإنَّه يقول عن نفسه في العدد 24، مُستخدمًا أكثرَ لَقَبٍ شائع له: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ". بعبارة أخرى، لا تَظُنُّوا أنِّي ضَحيَّة. ولا تَظُنُّوا أنَّها خُطَّة لم تَنجح. ولا تَظُنُّوا أنَّ الأمر لن يَسيرَ كما كان ينبغي أن يَسير، بل إنَّه يَسيرُ وَفقًا لما كَتَبَهُ اللهُ حَرفيًّا في التَّاريخِ النَّبويّ. ولا يَستطيعُ أحدٌ أن يَفعل بي أيَّ شيءٍ لا يُحَقِّق تَحقيقًا مُباشرًا وصَريحًا خُطَّة الله الأزليَّة. لِذا فإنَّ كاتب سِفْر الرُّؤيا يقول إنَّه الخَروفُ المَذبوحُ مِن قبلِ تأسيس العالَم. ولِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل 2: 23 أنَّ بُطرسَ قال عندما وَعَظَ في يوم الخمسين: "يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ الَّذي قَتلتُموه لم يُقتَل بأيديكم الأثيمة، بل بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِق" (كما يَقول). بعبارة أخرى، إنَّها الخُطَّة الإلهيَّة.
لذا فقد كان يهوذا خائنًا. فقد كان يهوذا خائنًا باختياره. وكان يهوذا خائنًا رَفَضَ النِّعمة، ورَفضَ عَرْضَ الخلاص، ورَفضَ النِّعمة الَّتي قَدَّمها يسوعُ له على المستوى الشخصيِّ. فقد رَفض يهوذا كلَّ ذلك، وصَنَعَ قراراتَهُ بنفسه؛ ولكن مِن جهة أخرى، ومِن خلالِ سيادة الله العَجيبة المُذهلة فإنَّ كلَّ ما خَطَّطَ له إلى الوقتِ الَّذي خانَ فيه يسوعَ المسيح كانَ يُحَقِّق مقاصِدَ مُقدَّسة. لذا فإنَّه رَجُلٌ نَجِسٌ بينَ يَدَيِّ اللهِ صاحب السِّيادة ويُحَقِّق غايةً مُقدَّسة. ولكنَّ ذلك لا يَجعل منهُ رَجُلاً صالحًا.
عندما كنتُ في السَّنة الأخيرة في كُليَّة اللاَّهوت، قَرَّرتُ أن أُعِدَّ بَحثي أو أُطروحَتي عن يهوذا. وقد دُهشتُ حين قرأتُ في كُتُبٍ كثيرة أنَّ هناكَ أشخاصًا يريدون مِنَّا أن نَنظر إلى يهوذا كما لو كان بَطلاً يَستَحِقُّ المَدْحَ لأنَّ يهوذا هو الَّذي جَعلَ ما حَدَثَ يَحدُث؛ أي أنَّه هو الَّذي دَفَعَ يسوعَ إلى الذَّهابِ إلى الصَّليب لتحقيق النُّبوَّة. وحتَّى إنَّ هناك أشخاصًا يَتخيَّلون أنَّ يهوذا كان يَعلم ما يَفعل، وأنَّه هو الَّذي خَطَّطَ لصَلْب المسيح لكي يَكونَ فِداءُ العالَمِ مُتاحًا.
لا تصدِّقوا ذلك. فإذا نَظرتم إلى العدد 24 ستجدون أنَّ يسوعَ يقول: "وَلكِنْ وَيْلٌ [أو دَينونةٌ أو لَعنةٌ] لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَان". فذلك الرَّجُل مَلعون. وقد قال يسوعُ إنَّه شيطان. والكتابُ المقدَّسُ يقولُ إنَّه كانَ لِصًّا. وقد كانَ مُحبًّا للمال. فقد باعَ يسوعَ لأجل المال. فهذا هو كلُّ ما كان يُريدُه. فهو لم يكن يُبالي بمجيء الملكوت، ولم يكن يُبالي بخلاص العالَم، بل أراد المال. فهذا هو كلُّ ما كان يُبالي به.
وأجل، فالعهدُ القديمُ قالَ إنَّ يسوعَ سيموتُ على صَليب. والمَزمور الثَّاني والعشرون قد كُتِبَ عنه. والصَّلبُ كُلُّه مَوصوفٌ بدقَّة مُتناهية في المزمور الثَّاني والعشرين. وإشعياء 53 يَصِفُ ذلكَ أيضًا. فمَكتوبٌ أنَّه سيموتُ على الصَّليب. ومَكتوبٌ أنَّه سيموتُ عن خطايا العالَم، وأنَّه سيكونُ الحَمَلَ المَذبوح. ولكن بالرَّغم مِن أنَّ ذلكَ كانَ في خُطَّة الله فإنَّ الشَّخصَ الَّذي فَعَلَ ذلك، أي الشَّخص الَّذي سَلَّمَهُ هو شخصٌ مَلعون ومُدان. ويسوعُ يقولُ عنهُ شيئًا مُريعًا حتَّى إنَّه مِن الصَّعب التَّعبير عن مُحتواه. فنحن نَقرأ في نهاية العدد 24: "كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!" بعبارة أخرى، كان خِيرًا لذلك الرَّجُل لو لم يُولَد على أن يَحتملَ ما يَنتظرُه مِن عَذاب. وكان خَيرًا لذلك الرَّجُل لو لم يُولد على أن يُوجد إلى الأبد في جَهنَّم الأبديَّة. ولا شَكَّ في أنَّنا نُدرك أنَّ درجة العقاب في جَهنَّم الأبديَّة مُرتبطة بالرَّفض. بعبارة أخرى، كُلَّما زادَ رَفضُك، وزادَ الحقُّ الَّذي تَفهمُه وتَرفُضُه، زادت قسوةُ العَذابِ في جَهنَّم. لِذا فإنَّ أقسى دَينونة في جَهنَّم ستكونُ مِن نَصيبِ يهوذا الَّذي تَسري عليه حَقًّا الكلمات الَّتي وَردت في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح العاشر لأنَّه: "دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا"، ولأنَّه رَفضَ يسوعَ المسيحَ بعد أن تَبِعَهُ ثلاثَ سَنوات. وعندما يقولُ الرَّبُّ إنَّ ذلك الرَّجُلُ مَلعون فإنَّه يَعني ذلكَ بأعمق المعاني الأبديَّة. وعندما يقول إنَّه لو لم يُولَد لكان ذلك أفضل له فإنَّه يعني ذلك تمامًا. فلو أنَّه لم يولد لكان ذلك أفضل مِن أن يَقضي الأبديَّة في أعماق جَهنَّم.
لذا فقد اتَّخذ يهوذا خياراتِه، وجَلَبَ على نفسه الدَّينونة؛ ولكنَّ ما فَعَلَهُ كان يُوافق تمامًا خُطَّة الله الكُلِّيّ السِّيادة. وهذا يعني أنَّ الله يُهيمِن لا فقط على الأشخاص الصَّالحين، ولا فقط على الأبرار في العالَم، بل على شَرورهم وعلى الأشرار منهم مِن أجل تَحقيق مَقاصِده. وَهُوَ لا يُعيِّن هُويَّة التِّلميذ في العدد 24، بل يُعلن وحسب الدَّينونة على ذلك الشَّخص المُذنب. وأعتقد، مِن زاوية مُعيَّنة، أنَّ هذه كانت مُلاحظة مُفْعَمَة بالنِّعمة لتذكير يهوذا ودَعوته إلى التَّوبة. لِذا فقد جَلسَ التَّلاميذُ الاثني عشر في ذهول بعد أن سَمِعوا هذا الكلامَ العَجيبَ عن أنَّ شخصًا منهم سيُسلِّم يسوع إلى الحُكَّامِ ليَقتلوه.
وهذا يَقودُنا إلى الفكرة الأخيرة وهي: "تَحديد هُويَّة الخائن" ... تَحديد هُويَّة الخائن في العدد 25؛ وهذا شَيءٌ مُحَدَّد: "فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَالَ: «يا سَيِّدي! هَلْ أَنَا هُوَ؟»" وكانَ لا بُدَّ له أن يقول ذلك. فإن لم يَقُل شيئًا سيَنفَضِحُ أَمرُه. لِذا، كان لا بُدَّ أن يقولَ ما يَقولُهُ الجميع. لِذا، كان لا بُدَّ أن يَقولَ ذلك. وهذا يعني أنَّه كانَ يَحسَب نفسَه جُزءًا مِن المجموعة. وكان أفرادُ المجموعة يقولون: "هَلْ أَنَا هُوَ؟" لِذا فإنَّه يُقلِّدهم قائلاً: هَل أنا هُوَ؟" لكي يُخفي رِياءَهُ كما لو أنَّه كان باستطاعته أن يُخفي أيَّ شيء بأن يَدعو يسوعَ "هَا ديكاسكالوس" (ho didaskalos) ومَعناها: "يا سَيِّد" أو "يا رَبّ" أو "يا مُعَلِّم"؛ مع أنَّه لم يَكُن مُكَرَّسًا لذلك ولا لأيِّ شَيءٍ آخر يَختصُّ بيسوع في الحقيقة. فكلُّ ما كان يُريدُه هو المال والمَجد.
ولكنَّه حصل على جوابٍ مُباشِر إذ نَقرأ في نهاية العدد 25 أنَّ يسوعَ قال له: "أنتَ قُلتَ". "أنتَ قُلتَ. لقدِ اعترفتَ بذلك بِفَمِك. أنتَ قُلتَ ذلك". في تلك اللَّحظة تحديدًا (حَسَبَ ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 13: 23-26)، أَوْمَأَ سِمعان بُطرس إلى يوحنَّا [الَّذي كان يَجلس عَن يمين يسوع، في حين كان يَهوذا يَجلس عن يَسارِه] أن يَسألَ الربَّ "مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ". لِذا فإنَّه لم يَسمع هذا الحِوارَ القصيرَ الَّذي دارَ بينَ يهوذا ويسوع. ومِن الواضح أنَّ يهوذا كانَ يُحاولُ أن يُخفي حَقيقَتَهُ عن يسوع في خِضَمِّ كُلِّ تلك الدَّمْدَمَة. ومِن الواضح أنَّ بُطرس ويوحنَّا لم يَسمعا ذلك. لذا فقد قال بُطرس ليوحنَّا: "اسأل يسوعَ مَن هو ذلك الشَّخص". لِذا، نَقرأ في إنجيل يوحنَّا 13: 23-26: "فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: «مَنْ هُوَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيه!». فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا". حينئذٍ، عَلِمَ يوحنَّا. أمَّا البقيَّة فلم يَعلموا.
وفي نفسِ ذلك المَقطع مِن إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13، نَقرأُ أنَّهم لم يَعلموا، ولكنَّ يوحنَّا عَلِمَ. فهو التِّلميذُ الَّذي غَمَسَ اللُّقمةَ وأعطاها له. لذا فقد أخبرَ يهوذا، وأَطلَعَ يوحنَّا على هُوِيَّة الخائِن. فقد قالَ ذلكَ ليُوحنَّا - التِّلميذ العَزيز الَّذي كان يُحِبُّهُ يَسوع. ثُمَّ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 13: 27 عن أكثرِ شَيءٍ مُخيفٍ حَدَث في حياة يهوذا: "فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ". فقد دَخَلَ الشَّيطانُ يَهوذا!
وهذا شيءٌ مُخيف! فالشَّيطانُ نَفسُهُ جاءَ شخصيًّا وسَكَنَ في يَهوذا. فقد كانَ جَهَنَّمِيًّا في الصَّميم في هذه اللَّحظة. وكان عَميلاً بكلِّ ما في الكلمة مِن مَعنى للملاكِ السَّاقطِ "لوسيفر" كي يُنَفِّذَ عَمَلَهُ الشَّيطانيَّ ضِدَّ يسوعَ المسيح. وكانَ ضَحيَّةً، لا بصورةٍ تَقِلُّ عن أيِّ إنسانٍ يَرفُض المسيح، بل بصورةٍ تَفوقُ أيَّ إنسانٍ آخر لأنَّه كان أكثرَ مُجرمٍ مُتواطئٍ على مَرِّ التَّاريخ إذ إنَّ إبليس كان يَسكُنُه شخصيًّا. فقد كان جُهنَّميًّا بأكبر صورة مُمكنة في نِطاق العالَمِ الطَّبيعيِّ والخارق للطَّبيعة. ثُمَّ إنَّ يسوعَ قال له: "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَة". ونَقرأُ أنَّ التَّلاميذ لم يَفهموا لماذا جَعَلَهُ يَذهب. فقد ظَنَّ بعضٌ أنَّه ذَهَبَ لشراء مزيدٍ مِن الطَّعام، وظَنَّ بعضٌ أنَّه ذَهَبَ ليُعطي مالاً للفُقراء. لِذا فإنَّهم لم يكونوا يَعلمونَ بعد. ولكنَّ يهوذا كانَ يَعلم. ويسوعُ كان يَعلم. ويوحنَّا كان يَعلم. أمَّا البقيَّة فلم يكونوا يَعلمون.
ولكنَّ يسوعَ تَخَلَّصَ منه قبل أن يأكلوا فِعليًّا الوجبة لأنَّه لا يَجوزُ أن يَشترك فيها [أليسَ كذلك؟]؛ أي في مائدةِ الرَّبّ. لِذا فقد صَرَفَهُ. ويا لهُ مِن مَشهدٍ لاستعدادِ يسوع عندما أكلَ الفِصْحَ الأخير! بعد ذلك، بكلِّ تأكيد، نَقرأ في العدد 26: "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُون..." – فقد عادوا إلى الوجبة. فقد عادوا إلى وليمة الفِصح.
والآن، لماذا أكلوا هذا الفِصح الأخير؟ اسمعوا بعناية شديدة ما سأقول. فهو مُهِمٌّ جدًّا لكي تَفهموا الكتاب المقدَّس. فقد كان هذا الوقتُ مُهمًّا جدًّا جدًّا في التَّاريخ. لقد كان الفِصحُ أقدمَ نِظامٍ يَهوديٍّ. فهو أَقدَمُ مِن أيِّ نِظامٍ يهوديٍّ آخر باستثناء السَّبت. فطَوالَ ألفٍ وخمسمئة سنة، ظَلُّوا يَحتفلونَ بالفصح وذلك حتَّى قبل تأسيس كَهَنوت هارون، وحتَّى قبل كلِّ الطُّقوس الَّتي نَقرأ عنها في سِفْر اللَّاويِّين وقبلَ إعطاء ناموس مُوسَى. فقد كان الفصحُ قديمًا جدًّا وعَتيقًا جدًّا. وكان اللهُ هو الَّذي أَسَّسَهُ وأوصاهُم بأن يَحفظوهُ كلَّ سنة. وكانَ كلُّ يَهوديٍّ تَقِيٍّ يَحتفل به كلَّ سنة. أمَّا الآن... اسمعوني، فإنَّ هذا الفِصحَ، بعدَ أكثر مِن ألفٍ وخمسمئة سنة، سيكونُ الفصح الأخير الَّذي أَقَرَّهُ اللهُ وصَادَقَ عليه. فأيُّ فِصْحٍ آخر تَمَّ الاحتفالُ به بعد هذا الفِصح هو ليسَ فِصْحًا صَادَقَ عليه الله. بل إنَّه بَقايا تَدبيرٍ سابِق، أو بَقايا تَدبيرٍ انقَضى، أو بَقايا عهدٍ قديم. فهو عيدٌ قَديم. وَهُوَ لا يَخدِمُ أيَّ قَصْدٍ مُهمّ. فيسوعُ هُنا يَحتفلُ بالفصحِ لكي يُنهيه.
لقد قُرِعَ الجَرَسُ في العِلِّيَّة مُعلنًا انتهاء التَّدبير القديم. فقد أَنهى المسيحُ سنواتٍ طويلةً مِن الفصح وابتدأَ وليمةً احتفاليَّةً جديدة ابتدأَ بتأسيسِها في العدد 26. وهذه الوليمة الجديدة هي ليست مِن التَّدبير القديم، بل مِن التَّدبير الجديد. وهي ليست مِن المِيثاق القديم، بل مِن المِيثاق الجديد. وهي ليست مِن العهد القديم، بل مِن العهد الجديد. وهي لا تَرمِزُ إلى حَمَلٍ في مِصر، بل إلى خَروف الله على تَلِّ الجُلجُثة. لذا فقد أَنهى يسوعُ القديمَ قبلَ أن يَبتدئ الجديد. وبعد أن أَسْدَلَ السِّتارة على عَشاءِ فِصْحِ التَّدبير القديم، أَسَّسَ عَشاءَ التَّدبيرِ الجديد. ونحنُ نَقرأُ عن ذلك ابتداءً مِن العدد 26.
وأريدُ منكم فقط أن تَرَوْا ثلاثة أشياء بسرعة كبيرة: التَّعليمات، والعقيدة، والمُدَّة. ولأنَّنا دَرسنا هذا العَشاءَ مَرَّاتٍ عديدة وَمَحَّصناهُ عندما دَرسنا رسالة كورنثوس الأولى، لا حاجة إلى التَّحدُّث عن ذلك بالتَّفصيلِ الدَّقيق، بل سنَكتفي بمَسْحٍ سَريعٍ للمَشهَد. فما هي التَّعليمات الَّتي يُعطيها؟ "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُون..." – "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُون..." فنحنُ نَقرأ في العدد 21: "وَفِيمَا هُمْ يَأكُلُون...". ولا نَدري ما الوقتُ الَّذي حَدَثَ فيه ذلك. ولكنِّي أعتقد أنَّهم فَعلوا ذلك بعد أن شَرِبوا الكأسَ الأولى. فقد كَسَروا الخُبزَ وأكلوا الأعشابَ المُرَّة وغَمَّسوا الخُبزَ فيها. وقد شَربوا الكأسَ الثَّانية ورَتَّلوا مزامير الهَلِّيل. وقد تَخَلَّلَ ذلكَ غَسْلُ الأرجُل والدَّرس المُرافِق لذلك. وقد تَخَلَّلَ ذلك أيضًا صَرْف يَهوذا. والآن، عندما ابتدأوا في أكلِ الوجبة الكاملةِ الَّتي تَشتملُ على أَكْلِ الخَروف، كانَ العاداتُ تَقضي بأن يقومَ المُضيفُ أوِ الأبُ (أو في هذه الحالة: المَسيح) بأخذِ الخُبز، وكَسرِه، وأكلِه مع الخروف. وكانَت هذهِ إشارة بابتداء الوليمة. في تلك اللَّحظة تحديدًا، رُبَّما حَدَث هذا الأمر؛ ولكنَّنا لا نَدري! ورُبَّما حدث ذلك في أثناء الوليمة عندما كانوا يأكلونَ الخروف. ولا سَبيلَ لدينا لمعرفة ذلك. ولكن في وقتٍ ما في أثناء أكلِ الفصح: "أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ وَشَكَرَ...". فهذا هو مَعنى هذه الكلمة. فقد شَكَرَ؛ أي أنَّهُ شَكَرَ اللهَ على نِعْمَةِ الخُبز إذْ إنَّهُ ينبغي لنا أن نأخُذَ كلَّ شيء مَعَ الشُّكْر كما جاءَ في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس؛ أو بالحَرِيِّ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 4: 4. لِذا فقد شَكَرَ اللهَ على نِعَمِهِ الَّتي يُعطيها – لا فقط على النِّعَمِ الَّتي يُعطيها اللهُ مِن خلال الطَّعام، بل على النِّعَمِ الَّتي يُعطيها اللهُ مِن خلالِ قدرَتِه المُخَلِّصة الَّتي كانَ يَرمَز إليها في تلك الوليمة الرَّائعة. ثُمَّ إنَّهُ كَسَّرَ الخُبز. وقد كَسَّرَهُ لأنَّهُ [ببساطة] كان يُصْنَع في شكل أرغفة مُنْبَسِطَة ورَقيقة كبيرة الحَجم لا بُدَّ مِن تَكسيرها لتوزيعها. "وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا".
ثُمَّ نَقرأ في العدد 27: "وَأَخَذَ الْكَأسَ..."، أو الحقيقة هي أنَّ النَّصَّ يقول هُنا: "كَأسًا". ومَرقُس يقول: "كأسًا". ومَتَّى يقول: "كأسًا". ولوقا يقول: "الكأس". وبولس يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورِنثوس والأصحاح 11 "الكأس". ونَستنتج مِن ذلك أنَّها كانت كأسًا، ولكنَّها صارت "الكأس". وقد شَكَرَ أيضًا ("يوكاريستيئو" – “eucharisteo”)؛ وهي الكلمة الَّتي جاءت منها الكلمة "إفخارستيَّا" لأنَّها تَعني: "يَشكُر" أو "يُبارِك". لِذا فقد شَكَرَ على الخُبز، وشَكَرَ على الكأس وقَدَّمَهَا لهم وقال: "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ"... "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ". والآن، هذه هي التَّعليمات.
والآن، بصراحة، إنَّ سَماعَنا لحدوث هذه الأشياء في هذا الوقتِ مِن الاحتفال لا يُدهشنا كثيرًا. فَكَسرُ الخُبز وتوزيعُه كان يمكن أن يَحدث عند بداية أكل الخروف نفسه. لذا فإنَّه ليسَ أمرًا خارجًا عن المألوف، أو ليس أمرًا مُختلفًا البتَّة عن أيِّ فِصحٍ آخر. والكأسُ المذكورة في العدد 27 كانت على الأرجح الكأس الثَّالثة الَّتي كانت تُسَمَّى "كأس البَرَكة"... كأس البَرَكة. والحقيقة هي أنَّ بولس يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورِنثوس 10: 16: "كَأسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ..." كَذا وَكَذا.
لِذا فقد كانت كأسُ البَرَكة (وَهُوَ تَعبير يُطلَق على الكأس الثَّالثة في وجبة الفصح) هي أيضًا كأس الشَّركة الَّتي يَتحدَّث عنها بولس في العدد السَّادس عشر مِن رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 10. وهذا يُخبرُنا، بِمَعنى مِن المَعاني، أنَّها رُبَّما كانت نفس الكأس. ومِن المُرجَّح أنَّ الكأس الثَّالثة (الَّتي تُسَمَّى كأس البَرَكة) كانت الكأسَ الَّتي أَخَذها الربُّ. وبالمناسبة، بعد بِضعِ آيات (وتَحديدًا في الأصحاح العاشِر والعدد الحادي والعِشرين مِن رسالة كورِنثوس الأولى)، يُغيِّر بولسُ اسمَها ويُسَمِّيها "كأس الرَّبّ". لِذا فإنَّ كأس البَرَكة (كما تُسَمَّى في الفِصح) تَصيرُ كأسَ الرَّبِّ في الوليمة الجديدة.
لِذا، لا يوجد شيء في الحقيقة خارج عن المألوف. فهو يَكسر الخُبز بأيِّ حال. وَهُوَ يَكسرُهُ ويُناولهُ لهم. فلا يوجد رَمْزٌ حَقيقيٌّ في الكسر. فهناك أشخاصٌ يَظُنُّون أنَّ ذلك يَرمز إلى الجسد المكسور. ولكنَّ جسدَ يسوعَ لم يُكسَر. فنحن نقرأ في إنجيل يوحنَّا 19: 36: "عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ ... لأَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَاب". فقد كُسِرَ الخُبز لأنَّها كانت الطَّريقة الوحيدة لتقديمه للآخرين. فقد كان الأمرُ صُدفةً بصراحة. فالرَّمزُ ليس في الكسر. ثُمَّ إنَّهُ "أَخَذَ الْكَأسَ وَشَكَر"؛ أي أنَّه صَلَّى شاكِرًا قبل أن يُعطيهم. ثُمَّ إنَّهُ قال: "خُذُوا كُلُوا"، وقال: "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ".
والآن، هذه هي التَّعليمات البسيطة. وبالمناسبة، يقولُ لنا مَرقُس إنَّ كلَّ التَّلاميذ الأحدَ عَشَر شربوا الكأس. فقد اشتركوا فيها جميعًا. وهذه هي الفكرة الَّتي نُريد أن نُرَكِّز عليها: أنَّ جميع الأشخاص الَّذينَ يِتقدَّمونَ إلى مائدة الرَّبِّ هُم مُشاركون. وعلى مَرِّ هذه السِّنين الطَّويلة، رُبَّما اختلفَتِ الحالُ في عِدَّة أماكن. ففي الكنيسة الكاثوليكيَّة، يَشربُ الكاهنُ وَحدُهُ الكأسَ ولا يَسمح للرَّعيَّة أن تَشربها. وهذا غَريبٌ عَمَّا قِصَدَهُ الكتاب المقدَّس. فجميعُنا نَشترك في دم المسيح، وفي جسد المسيح، وفي موتِ وقيامةِ المسيح. ونحنُ جميعُنا نَشترك في مائدته. لذا فإنَّه يقول: "اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ" ... خُذُوا كُلُوا". وقد فعلوا ذلك.
والآن، ماذا عن العَقيدة؟ فالتَّعليماتُ بسيطة. ولو كان هذا هو كلُّ ما قالَهُ لاعتقدنا أنَّنا ما نَزال في الفصح لأنَّه لا يوجد اختلاف. ولكنَّ العقيدة تأتي في نهاية العدد 26 حين يقول: "هذا هو جسدي". وقد كان هذا الأمرُ جديدًا تمامًا. فالخُبزُ الفَطير كان يَرمز دائمًا إلى مُغادرة مصر. وكانت عمليَّة إعداد خُبْزٍ جديد لا يَحوي خَميرة تَرمز إلى أنَّه لا يجوز لهم أن يأخذوا معهم أيَّ شيءٍ مِن حياتهم السَّابقة في مِصر. فقد كانت الخَميرة تُؤخذ، كما تَعلمون، مِن الخُبز. فعندما كانَ العَجينُ يُعجَن، قبلَ أن يُخبَز، كانت تؤخذ قطعة منه وتُترك لتَختَمِر وتصير الخميرة الَّتي تُخَمِّر بقيَّة العَجين. والخميرة تَرمز إلى التَّأثير (كما أخبرتُكم في المَرَّة السَّابقة). وكان الخُبزُ الفَطيرُ يَعني أنَّنا نَبتدئ بدايةً جديدة مِن دونِ أيِّ تأثيرٍ مِن حياتِنا السَّابقة. لذا، كان ذلك يَرمِز إلى الحياة الجديدة. فقد كان يَرمِز إلى الانفصال عن مِصر، وعن الانفصال عن العالَم.
أمَّا الآن فإنَّه شيءٌ مُختلِف. فالخُبزُ الفَطير لم يَعُد يُشيرُ الآن إلى عدم التَّأثُّر بالشَّرِّ الموجودِ في العالَم، بل إنَّ الخُبزَ الفَطيرَ صار يَعني الآن: "جسدي" (كما يقول). وَهُوَ يُحَوِّل الفِصح. وكانَ هذا الأمرُ يَتطلَّب سُلطانًا عظيمًا يا أحبَّائي. فأنتَ تُغَيِّر شيئًا أَسَّسَهُ الله. ولكنَّ يسوعَ هو الله الظَّاهر في الجسد. وَهُوَ يستطيع أن يُعيدَ كِتابة النَّصّ. وبعدَ أن أَنهى التَّدبيرَ القديم فإنَّه يُؤسِّس تَدبيرًا جديدًا قائلاً: "أريدُ منكم أن تأخذوا هذا الخُبزَ وتأكلوه لأنَّه يُمَثِّل جسدي".
والآن، قد يَظُنُّ أُناسٌ أنَّ هذا الخُبزَ هو جَسَدُهُ حَقًّا. فالكنيسة الكاثوليكيَّة تُعَلِّم عقيدة "الاستحالة الجَوهريَّة"؛ أي أنَّ الخُبزَ صارَ حَرفيًّا وجسديًّا جسدَ يسوعَ المسيح. ولكنَّ هذا ليس هو المَعنى المقصود هنا. فقد كانت تلك فكرة سخيفة ابتَدعها الفَرِّيسيُّون في يوحنَّا 6. وَهُوَ أمرٌ سَخيفٌ حقًّا. وَحَتَّى إنَّهم يُعَلِّقونَ تَعليقًا سَخيفًا على ذلك: "إن أَكلنا جَسَدك، كيفَ سَتبقى مِنْكَ أجزاءٌ على قَيْد الحَياة؟" فقد كانوا يُفَكِّرونَ بتلك الطَّريقة. فهذا هُوَ فَحوى كَلامِهم في يوحنَّا 6.
لِذا، لم يكن هذا هو المعنى المقصود. فعندما نقولُ إنَّ "يسوعَ هو الكَرْمَة" فإنَّنا لا نَعني بذلك أنَّه يَنمو في الحقل وله أغصان. وعندما نقولُ إنَّه الماء فإنَّنا لا نَعني أنَّه سائل. فهذه كلمات تَشبيهيَّة. هذا يُشيرُ إلى جسدي. هذا يَرمِزُ إلى جسدي. وتُضيفُ الآية لوقا 22: 19 الكلمات التَّالية: "الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي". وهذا هو ما يَقولُه بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورِنثوس 11: 24. لِذا فإنَّه يأخذ الخُبز فيصيرُ رَمْزًا لجسده ... رَمزًا وصورةً.
والآن، يقولُ المسيحُ: "أنا أَبذل جسدي ليموت عنكم". فهذا هو ما يقوله. فجسدي يُشبه هذا الخُبز الَّذي يُكسَر ويُؤكَل. فجسدي سوف يُبذَل. وأريدُ منكم أن تَصنعوا هذا لِذِكري. ثُمَّ إنَّه يقول في العدد 28 عن الكأس: "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْد". "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْد". فَمَتَّى ومَرقُس يقولان وحسب: "للعهد". أمَّا لوقا وبولس فيقولان: "للعهد الجديد". ولكنَّ الكلمة "جديد" وَجَدت طريقها في التَّرجمة المُعتمَدة لإنجيل مَتَّى. ولكنَّ ما يقوله هو: "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْد". وَهُوَ العهد الجديد ... العهد الجديد المكتوب بدمه. وإن رَجعتُم إلى سِفْر الخروج 24: 8، ستجدون أنَّ هذه الجُملة مُقتبسَة تقريبًا مِن سِفْر الخُروج 24: 8. وما يَقولُه يسوعُ هو إنَّه عندما قَطَعَ اللهُ عهدًا مع الإنسان، كان ذلك العهدُ يَتطلَّب ماذا؟ دَمًا. فعندما قَطعَ اللهُ عَهدًا مع إبراهيم، كان هناك سَفْكُ دَمِ حَيَوانات. وعندما أَبْرَمَ اللهُ عَهدًا مع مُوسَى، كانَ هُناكَ دَمٌ مَسفوك. وعندما أَبْرَمَ اللهُ عَهدًا مع نوح، وُضِعَت ذبيحة على المَذبح. فقد كان اللهُ يَطلُب سَفْكَ دَمٍ عندما يَقطعُ عَهدًا مع البَشَر. وعندما وَضَعَ اللهُ طَريقةٍ لمُصالحتنا معه، كان الثَّمنُ هو دَم لكي يَعلم النَّاسُ أنَّ العلاقة بالله ستُكلِّفهم دَمَ ذَبيحة.
وكانَ هذا كُلُّه يُشير إلى المسيح الَّذي سيكون تلك الذَّبيحة. وعندما كان الكاهن يَقِف في وَسْطِ بِركة دِماء تَصِلُ إلى رُكْبَتَيْه بسبب دماء الآلاف والآلافِ والآلافِ مِن الحُملان المَذبوحة، كانت الغاية مِن ذلك هي تَذكيرُهم بتَكلُفة مُصالحة الله مع الإنسان؛ أيَّ أنَّ تلك المُصالحة تَقتضي سَفْكَ دَمٍ، وتَقتضي ذَبْحَ حَيَوان. لِذا فإنَّ الآية عِبرانِيِّين 9: 22 تقول: "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ". فقد كانَ العهدُ مع الله يتطلَّب دائمًا لا مَوتًا وحسب... لا موتًا وحسب، أي لا فقط أن تَضرِبَ حَيَوانًا على رأسه لكي يموت، بل يَتطلَّب سَفْكَ دَمٍ "لأنَّ نَفْسَ الجَسَدِ هي في الدَّم" (كما جاء في سِفْر اللاَّوِيِّين). وقد كانَ سَفْكُ الدَّمِ أمرًا بَشِعًا جدًّا ومُؤلمًا جدًّا، وكانَ صُورةً حيَّةً جدًّا لفُقدان الحياة. لِذا فقد مات يسوعُ لكي يُخَلِّصنا مِن خطايانا. ولكن لم يكن يَكفي أن يموت فقط، بل كان ينبغي أن يموتَ، وأنْ يَسْفُكَ في مَوتِهِ دَمَهُ مِن خلال الثُّقْبَيْنِ اللَّذين في مِعْصَمَيْه، والثُّقْبَيْنِ اللَّذين في قَدَمَيْه، والجُرْحُ الَّذي في جَنْبِه، وآثارُ الشَّوكِ في رأسِه. فقد كانَ الدَّمَ يَسيلُ في كلِّ مكان مُظهرًا بذلك أنَّ الحياةَ تُزْهَقُ مِنْهُ بصورة واضحة ومَنظورة، وأنَّه كان يَبذُل نفسَهُ ذبيحةَ دَمويَّةً عن الخطيَّة.
لِذا، يقولُ يسوعُ إنَّه عندما تَشربونَ الكأسَ فإنَّ الغايةَ مِن ذلك هي ليس أن تُذَكِّرَكُم بعد الآن بِدَمِ الخروفِ في مِصر، ولا بالدَّمِ المَرشوشِ على قائِمَتَيّ البابِ وعَتَبَتِه العُليا. فالغاية منها هي ليست أن تُذكِّرَكُم بذلك، بل ينبغي أن تُذكِّرُكم مِن الآن فصاعدا بدمي الَّذي يُسفَك. والكلمة "يُسْفَك" هي المِفتاحُ لفهمِ هذهِ الآية بمُجملها. فهوَ دَمٌ مَسفوك. "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ، الَّذِي يُسْفَكُ" (كما يقولُ النَّصُّ اليُونانيُّ). فلا بُدَّ أن يكونَ دَمًا مَسفوكًا. فهي الطَّريقة المَنظورة لرؤية الحياة تُزْهَق.
والآن، مِن البَديهيِّ أنَّنا نِلنا الخلاصَ بموتِه. فلا توجد مادَّة كيمياويَّة في دَمِه قادرة أن تُخَلِّصَنا، بل إنَّنا نَخلُص بموته. ولكن كان ينبغي له أن يَسفُكَ ذلكَ الدَّمَ لأنَّ الله كان قد أَمَرَ بأن يَجري دَمُ الذَّبيحة أو بأن يُسْفَكَ دَمُها لكي تكونَ الصُورة حَيَّة، ولكي يَرى النَّاسُ أنَّ حَياةَ الخَروفِ قد أُزْهِقَت. لِذا فإنَّ يسوع يقول: "هذه الكأس ستُذكِّركم بدمي الَّذي يُسفَك". ولاحظوا العبارة "مِنْ أَجْلِ كَثِيرِين" أو حَرفيًّا: "لِمَنفعةِ كَثيرين"... لِمَنفعةِ كَثيرين. ومَن هو الكَثيرون؟ جَميع مَن يُؤمنون سَواءٌ مِنَ اليهودِ أوِ الأُمم. فالأمر لا يَقتصِر على أنَّ الدَّم سيُسفَك وحسب كما حدث في العهد القديم عن أُمَّة إسرائيل، بل إنَّهُ سيُسفَك عنِ اليهود والأُمم. فالكلمة "كثيرين" لا تُشير فقط إلى إسرائيل، بل إلى الجميع "لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا". بعبارة أخرى، لقد سُفِكَ دَمُه مِن أجل غُفران الخطايا. فقد سَفَكَ دَمَهُ كَفَّارةً وماتَ موتًا بَدَليًّا لكي يَجلبَ الغُفران.
فهذا هو السَّببُ الَّذي لأجلِهِ جاءَ يسوع. وقد أَسَّسَ ذِكرى ذلك في اللَّيلة الَّتي سَبَقت موتَه. لذا فقد ذَهبَ رَبُّنا إلى الصَّليب ليَسفِك دمَه كَفَّارةً عن الخطيَّة. وقد أَسَّسَ الخبزَ والكأسَ ذِكرى دائمة حَتَّى نَتذكَّر ذبيحته الشَّخصيَّة، وموتَ المسيحِ الَّذي سَفَكَ فيه دَمَهُ لأجلنا. فقد كان العهد القديم يَحوي كلَّ تلك الحَيَوانات، ولكنَّها جميعَها لم تكن تَقدر أن تَرفعَ الخطيَّة. فَدَمُ المسيحِ هو الوحيد الَّذي يَستطيع أن يفعل ذلك. وهذا هو سبب احتفالِنا بهذه الوليمة وهذه المائدة مِن خلال الاشتراك في الخُبزِ والكأس.
وأخيرًا، المُدَّة. إلى مَتى ينبغي لنا أن نفعل ذلك؟ فقد انتهى الفصح في تلك اللَّيلة. ولم يَعُد هناك فِصْحٌ مُعْتَمَد مُنذ ذلك الوقت فصاعدًا. صحيحٌ أنَّ هناك يهودًا كثيرين ما زالوا يَحتفلون بالفصح. وربَّما كانت تَقليدًا لا بأس به، ولكنَّهُ عيدٌ مَيِّت، ولا يُحَقِّقُ أيَّ غاية. وَهُوَ يَتجاهل الاحتفال الحقيقيَّ بالفداء. إذًا، إن كان ذلك العيد قد انتهى آنذاك، إلى مَتى ينبغي لنا أن نَحتفل بهذه المائدة؟ نقرأ في العدد 29: "وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذا..." [وهذه لَفظة عاميَّة تُشيرُ إلى الخَمْر] "...إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي". وما يقوله هو: "استمرُّوا في القيام بذلك إلى أن أُشارككم فيه في الملكوت". أي إلى أن يأتي يسوعُ ثانيةً ويُؤسِّس الملكوت؛ وَهُوَ ذلك الحَدث العظيم الَّذي قال في إنجيل مَتَّى والأصحاحين 24 و25 إنَّه سيحدث. فقد كان يُخبرهم هنا أنَّه سيموت. وكان يُخبرهم عن سَفْكِ دَمِه.
وقد كان هذا الخَبَرُ مأساويًّا بالنِّسبة إليهم. لِذا فإنَّه يَطرح هذه الفكرة قائلاً: "ولكنِّي سأعودُ مَرَّةً أخرى. وسوف أفعل ذلك معكم في ملكوتي. لا تَقلقوا. سوف أعود". ونَرى أنَّهُ يُعيدُ تأكيدَ ذلك في العدد 29 بخصوص وعد الملكوت: "سوف أفعل ذلك معكم في مَلكوتي". وأعتقد أنَّه عندما يأتي يسوعُ، ونَدخُل ملكوتَه، فإنَّنا سنفعل هذا معه. فسوف نَحتفل بهذه المائدة معه. فسوف نَتذكَّر ذبيحَتَه معًا. ولا أدري إن كُنَّا لن نفعل ذلك إلى أبد الآبدين وإلى دَهر الدُّهور طَوال الأبديَّة بطريقة رائعة صَمَّمَها هو لأنَّه فداءٌ مَجيدٌ لا يُنسى ولا يَنبغي البَتَّة أن نَتجاهَلَهُ، بل يجب علينا دائمًا أن نَحتفل به.
لذا فإنَّه يقول: "اصنعوا هذا...[فِعليًّا] إلى أن أفعلَهُ معكم في ملكوت أبي"؛ ولكنَّ المَعنى المَقصودَ هو: "سوف أعودُ وأشربُهُ معكم مَرَّةً أخرى". والأناجيلُ الثَّلاثة [بالمُناسبة] تقولُ إنَّ الرَّبَّ قال ذلك. وهذا شيء رائع جدًّا إذْ إنَّه يُؤكِّد لنا جميعًا أنَّه سيأتي لتأسيس ملكوتِه المجيد. ثُمَّ نقرأ في العدد 30 أنَّهُم رَتَّلوا تَرتيلةً، أو حَرفيًّا [بحسبِ النَّصِّ اليونانيِّ] أنَّهُم "سَبَّحوا"... أنَّهُم "سَبَّحوا". وما مَعنى ذلك؟ لقد كانوا قد رَتَّلوا المزمورَيْن 113 و114. ومِن المُرَجَّح أنَّهم رَتَّلوا المزمور 115، ورُبَّما المزمور 116. ثُمَّ إنَّهم شربوا الكأسَ الرَّابعة، ثُمَّ رُبَّما رَتَّلوا المزمور 117 و118 ثُمَّ خَرجوا إلى جبل الزَّيتون. لذا، هذا هو الفصحُ الأخير. وهذا هو تأسيسُ عشاءِ الرَّبّ. تَخَيَّلوا أنفُسَكُم هناك في هذا المساء فيما نَشترك معًا. دَعونا نُصَلِّي:
يا رَبَّنا المُبارَك يسوع، أمامَ صَليبِك نَجثو ونَرى بَشاعةَ خطايانا وآثامِنا الَّتي جَعَلَتْكَ تَصير مَلعونًا، ونَرى الشَّرَّ الَّذي فينا والَّذي جَلَبَ الغَضبَ الإلهيَّ عليك. يا رَبّ، اجعلنا نَرى فَداحَةَ ذَنبِنا مِن خلالِ إكليل الشَّوك، ومِن خلالِ يَديكَ ورِجليكَ المَثقوبتين، ومِن خلالِ جسدِكَ المَطعون، ومِن خلال صَرخات الموت، والدَّم، أي دَمِكَ أنتَ أيُّها الله المُتجسِّد. فيا لِفَداحَة خَطايانا، ويا لِفداحة إثمِنا حتَّى إنَّه تَطَلَّبَ أُجرةً كهذه! فالخطيَّة هي الشَّرُّ الَّذي يُولَد معنا مُنذ لحظة الحَبَل بنا، ويَعيش معنا طَوال حياتِنا، ويَصيرُ مُستفحِلاً مِن خلال شخصيَّاتِنا وسائدًا مِن خلال خِصالِنا. فالخطيَّة تَتْبَعُنا كَظِلِّنا، وتُقْحِم نَفسها في كلِّ فِكرة أو دافِع أو فِعْل. وهي مِثل قُيودٍ تُبقينا مُقَيَّدين. ونحنُ نَسألُ يا رَبّ: لِمَ أنتَ مُنْعِمٌ علينا؟ ومع ذلك فإنَّنا نُباركُكَ على إشفاقِكَ علينا معَ أنَّنا خُطاة، وعلى قلبِكَ الَّذي يُسارِع إلى إنقاذنا، وعلى مَحبَّتك الَّتي تَحتمل عِقابَنا، وعلى رَحمتِك إذِ احتَملتَ الجَلَدَاتِ عَنَّا. نحن نَعترف بخطايانا. ونحنُ نَسألك، يا رَبّ، أن تُساعِدنا على أن نَسلُك باتِّضاع، وبضميرٍ طاهرٍ لكي نَسلُكَ أيضًا بمجدٍ لأنَّنا عَتيدينَ أنْ نَرِثَ الخَلاص.
This article is also available and sold as a booklet.
