Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أودُّ أن أدعوكم الآن إلى أن تأخذوا كتابكم المقدَّس، وأن تَفتحوه على الأصحاح السَّادس والعشرين من إنجيل مَتَّى إذْ نعود إلى الآياتِ المختصَّة بآلام ربِّنا في بُستان جَثسيماني؛ وهي دراسة ابتدأناها يوم الأحد الماضي وسنختمها في هذا الصَّباح. منذ سنواتٍ طويلة، أشعر بالفرح والامتياز على الصَّعيد الشخصيِّ عندما أقوم بدراسة مُكثَّفة لحياة المسيح. وما زِلتُ أَذكُر في فترة دراستي في كُليَّة اللاَّهوت أنَّني كنت أذهب إلى المكتبة وأشتري كُتُبًا قديمةً عن حياة المسيح، وأقرأها بشغف ومُـتعة. ففي وقتٍ مِن الأوقات، غَرس الرَّبُّ في قلبي رغبةً في معرفة كلِّ التَّفاصيل عن المُخلِّص، وفي معرفة كلِّ شيءٍ يمكنني معرفته عن شخصيَّته، وعَمَّا قاله، وعَمَّا فعله، وعن كيفيَّة تجاوبه. لِذا فإنَّه دائمًا موضوعٌ مُحبَّبٌ جدًّا لديَّ.

وفي وقتٍ مَضى مِن الخدمة هنا، صَرفنا سنواتٍ عديدةً في دراسة إنجيل يوحنَّا. فقد صَرفنا يوم أَحَدٍ تِلو الآخر تِلو الآخر في التَّأمُّل في شخص الربِّ يسوعَ المسيح كما قَدَّمَهُ يوحنَّا. وبعد بضع سنواتٍ مِن قيامِنا بذلك، درسنا الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين؛ وهي رسالة مجيدة عن سُمُوِّ المسيح. وقد نَظرنا أسبوعًا تلك الآخر أيضًا إلى يسوعَ المسيح. ثُمَّ إنَّنا حَظَيْنا بامتيازٍ رائعٍ ومُفرح طَوال خمس سنوات في دراسة إنجيل مَتَّى، وفي التعرُّفِ أسبوعًا تلو الآخر أيضًا على يسوعَ المسيح. فخلال أكثر مِن نصف السَّنوات الستَّ عشرة الَّتي خَدمتُ فيها هنا، اشتركَتْ رَعيَّتُنا في دراسةٍ مُكثَّفةٍ ليسوعَ المسيح. فهو الفكرة الأساسيَّة مِن كلِّ ما نفعله، وكلِّ ما نُرَنِّمه، وكلِّ ما نقوله، وكلِّ ما نُحِبُّه، وكلِّ ما نرجوه. لذا فإنَّ الربَّ يسوعَ المسيح هو نُقطة تركيزنا مَرَّةً أخرى اليوم فيما نتأمَّلُ في هذا النَّصِّ المدهش.

وفيما كنتُ أُفكِّر في ذلك، وفي الامتيازِ الَّذي لنا في أن نصرف كلَّ هذا الوقت في دراسة حياته، تَذكَّرتُ حقيقة أنَّ مؤمنين كثيرين جدًّا لا يعرفون سوى القليل جدًّا عن المسيح. وما أعنيه هو أنَّهم لا يَعرفون كلَّ التَّفاصيل الرَّائعة والمدهشة الَّتي يبدو أنَّها غائبة عن أذهان أغلبيَّة النَّاس. فبالرَّغم مِن غِناها الفائِق، وروعتها الفائقة، وعُمقها الشَّديد، وبَرَكَتِها العظيمة، فإنَّها غير معروفة لدى أغلبيَّة المؤمنين. والحقيقة هي أنِّي فَكرتُ في أنَّ هناك مؤمنين كثيرين يَعرفون شخصيَّاتِ وتفاصيلَ البرامج التِّلفزيونيَّة أكثر مِمَّا يعرفون التَّفاصيلَ المختصَّة بحياة يسوعَ المسيح. فهناك مؤمنون كثيرون يستطيعون أن يُخبروك كلَّ شيء عن الأفلام، ونجوم الأفلام، والتِّلفزيون. ويمكنهم أن يُغَنُّوا لك كلَّ أغنيةٍ تَمَّ إصدارُها في السَّنوات العشر الأخيرة. وَهُم يَعرفون كلَّ المُغَنِّين والمُغنِّيات. وهناك أشخاص يمكنهم أن يَسردوا لك قصَّة حياة الشخصيَّات المذكورة في الكُتب والرِّوايات. وهناك مؤمنون يَفهمون كلَّ ما يُمكن فهمُه عن السيَّارات والقوارب. وهناك مؤمنون يستطيعون أن يُخبروك عن مُعَدَّل عدد الكُراتِ الَّتي قَذَفَها لاعبو فريق "دودجرز" (Dodgers).

ونحن نعيشُ الآنَ في عالَمٍ يَعُجُّ بالتَّفاهات الَّتي تَتدفَّقُ علينا مِن كلِّ جهة. ومِن المدهش أن تَلعبوا تلك اللُّعبة وأن تكتشفوا كلَّ الأمور التَّافهة الَّتي تَحشون بها أذهانكم. فمِن المدهش أن نَرى سِعَةَ اطِّلاعنا على أمورٍ كثيرة جدًّا، وشُحَّ معرفتنا بيسوعَ المسيح الَّذي هو مُخَلِّصُنا الَّذي ينبغي أن نُحبُّه حُبًّا جَمًّا حتَّى إنَّه لا يجوز لنا أن نَسمح لأيِّ معلومة صغيرة عن شخصه المُبارك أو حياته أن تَفوتَنا. وقد شعرتُ بذلك في قلبي أنا شخصيًّا حين قرأتُ هذا النَّصِّ مَرَّةً أخرى. وقد شعرت برغبة عميقة جدًّا في فَهم كلِّ شيءٍ ينبغي أن نفهمه. وبالرَّغم من كلِّ محاولاتي، وجدتُ نفسي عاجزًا عن القيام بذلك طَوال الوقت لأنَّ السِّرَّ عميقٌ جدًّا. فهو اللهُ-الإنسان. فَهُوَ اللهُ الكامل مئة بالمئة، والإنسان الكامل مئة بالمئة. وبالرَّغم مِن ذلك، نَراهُ يَتضرَّعُ إلى الله كي يُنَجِّيه! وبالرَّغم من ذلك فإنَّه يَمضي طَوعًا (بالرَّغمِ مِن كونِهِ اللهَ) إلى الصَّليب الَّذي يَنتظره. فالتَّناقضات الظاهريَّة عميقة جدًّا إلى حَدٍّ يَجعل استيعابَها صعبًا. لِذا، في حين أنَّنا نُحبُّ أن نَعرف كلَّ معلومةٍ دقيقة عن حياة المسيح، لا يمكننا أن نمضي في ذلك إلاَّ إلى حَدٍّ مُعيَّن. وأرجو أن يكون قلبُكم مفتوحًا لما يريده روحُ اللهِ، ولما يريد أن يُعلِّمكم إيَّاه حين تتأمَّلون مَرَّةً أخرى في هذا النَّصِّ العظيم.

في الثَّاني عشر مِن شهر نيسان/إبريل سنة 1885، قَدَّمَ واعظٌ رائعٌ ومعروفٌ جدًّا يُدعى "تشارلز هادُّون سبيرجن" (Charles Haddon Spurgeon) واحدةً مِن أعظم عِظاته الكثيرة. وعُنوان هذ العظة الرَّائعة الَّتي قَدَّمها "سبرجن" هو: "المسيحُ يسوعُ الإنسان" (The Man Christ Jesus). وطَوال العِظة، كان يَصرخ ويَطلب مِن النَّاس أن يَتأمَّلوا في الإنسان المسيح يسوع. وفي منتصف تلك العِظة قال ما يلي: "لا يَكفي أن تَسمعوا أو تقرأوا عن المسيح، بل ينبغي أن تُفَكِّروا وتَتأمَّلوا شخصيًّا في رَبِّكم بأنفسكم. فالخمرُ لا تُصنَع عن طريق جَمْعِ عناقيد العنب، بل عن طريق عصر العنب في المعصرة. فتحت الضَّغط، يخرج العصير الأحمر. فليسَ الحقُّ الَّذي تقرأونه هو الَّذي يُبارككم، بل إنَّ الحقَّ الَّذي تتأمَّلون فيه هو الَّذي سيُبارككم. احرصوا على خَلوتكم بيسوعَ إن أردتم أن تعرفوه". ثُمَّ إنَّه قال ما يلي: "إنَّ أكثر وقتٍ أتضايَق فيه مِن نفسي هو عندما أفعل كلَّ ما في وُسعي لتمجيد اسمه العزيز. فذلك لا يَختلف في شيء عن حَمْلِ شمعةٍ أمام الشَّمس؟ يا أحبَّائي، لا يمكنني أن أتكلَّم عنه كما يجدر بي لأنَّ وهج الشَّمس يُعميني" [نهاية الاقتباس].

لذا فقد كان "سبيرجن" عالِقًا في صِراعٍ لا يَخفى عَليَّ إذْ إنَّك تتوق بكلِّ قلبك إلى معرفة كلِّ شيءٍ، وتحاول أن تُفسِّر كل معلومة. ولكنَّك تُدركُ بعد أن تبذل قُصارى جهدك أنَّك ما زلتَ بعيدًا جدًّا عن تحقيق ذلك. لِذا عندما أقتربُ مَرَّةً أخرى مِن هذا المقطع، فإنَّني أفعل ذلك راجيًا مِن أعماق قلبي أن تفهموا روعة ما يحدث، وأن تُدركوا أيضًا ضَعفكم لأنَّ النَّصَّ عميقٌ بصورة تفوق استيعابكم، وحتَّى استيعابي. لِذا فإنَّنا نحاول أن نَفهم ما يمكننا أن نفهمه مِن قُدسيَّة هذه اللَّحظة المهمَّة في حياة ربِّنا. وأتمنَّى أن ننظر إلى هذا النَّصِّ نظرة جادَّة. فأنا أعتقد أنَّ كثيرين قرأوه قراءةً عابِرةً وحسب. فنحن نُحِبُّ أن نُركِّز على الصَّليب، ولكنَّنا نَنسى البُستان. والبُستان مكان لا يَقِلُّ عنه ألمًا. فمِن أجلكم... مِن أجلكم، ومِن أجلي، تألَّم هناك. وإن لم نكن نرغب في معرفة كلِّ شَارِدَة ووارِدَة يمكننا أن نستوعبها، مِن المؤكَّد أنَّنا نُعاني نقصًا في محبَّتنا للمُخلِّص الَّذي تألَّم لأجلنا.

ولعلَّكم تَذكرون ما جاء في الآية 36: "حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي" ومَعناها: معصرة الزَّيتون. وقد كان ذلك بُستانًا على سفح جبل الزَّيتون يَملِكه واحدٌ مِن أتباع يسوع وسَمحَ ليسوعَ أن يَستخدمه كما يَشاء. فقد جاء إلى ذلك البُستان الَّذي كان معروفًا جدًّا. وكان الوقتُ بعد منتصف اللَّيل. وكانوا قد احتفلوا للتَّوّ بعيد الفصح. وكان يوم الجُمعة قد جاء؛ أي اليوم الَّذي سيموت فيه. وكانت تلك هي آخر مَرَّة يَجتمعُ فيها مع تلاميذه. وقد أخذهم إلى ذلك المكان لأجل العُزلة والخُصوصيَّة كي يُصَلِّي إلى الآب. وعندما دَخل مِن بَوَّابة البُستان، قال لتلاميذه: "اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ. ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي" [أي: يَعقوب ويوحنَّا]. إذًا فقد دَخل مِن البوَّابة فبقي ثمانية منهم هناك. وكان يهوذا قد ذهب أصلاً. وذهب ثلاثة منهم معه إلى مكانٍ أبعد داخل البُستان، في موضعٍ خَلاء. إذًا، لقد بات المشهدُ واضحًا. ومع أنَّ الوقت كان قد تجاوزَ مُنتصفَ اللَّيل، كانت المدينة صاخبة وحيَّة لأنَه كان موسم عيد الفصح. وكان يهوذا (الَّذي عَقَدَ صفقةً لأجل المال) يقودُ الآن ذلك الحشد مِن الرِّجال كي يأتوا ويُلقوا القبض على المسيح. وكانوا على أقلِّ تقديرٍ يَتجمَّعون في ذلك الوقت. وكان يسوعُ يَعلم أنَّه بعد لحظاتٍ سيؤخذ ويُسجن إلى أن يَتِمَّ إعدامُه. وهو يقول: "اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ". هذه هي المُقدِّمة.

وقد أخبرتكم أنَّه توجد خمسُ كلماتٍ رئيسيَّة أريد منكم أن تُلاحظوها كي تَفهموا هذا النَّصَّ. هل تَذكرون أنَّ الكلمة هي: الحُزن؟ أليس كذلك؟ فنحن نقرأ في العدد 37 أنَّه: "ابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ". وفي العدد 38، قال لهم: "نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي". ونحنُ، قبلَ أيِّ شيءٍ آخر، نُدركُ حُزنَ الرَّبِّ وكآبته. ولا شَكَّ في أنَّ رَبَّنا عند هذه النُّقطة تحديدًا كان يُفكِّر في نُبوءة إشعياء والأصحاح 53. ولا بُدَّ أنَّكم تَذكرونها. فقد ذَكرناها بإيجاز في الأسبوع الماضي. فنحن نقرأ في سِفْر إشعياء 53: 3 عنه: "مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ". والعبارة "رَجُلُ أوجاعٍ" تَصِفُ شَخصَهُ. بعبارة أخرى، فإنَّه رَجُلٌ يَتَّصِفُ بالوجع. فهو رَجُلُ أوجاعٍ. فالوجعُ ليس جُزءًا وحسب مِن حياته، بل هي صِفَة سائدة في حياته. فقد عاشَ يسوعُ حياتَهُ مُتألِّمًا... فقد عاشَ مُتألِّمًا طَوال حياته. فقد كان دائمًا رجُل أوجاع. وقد كان "مُخْتَبِر الْحَزَن" كشيءٍ سائدٍ في حياته. فقد حَمَلَ أحزانَنا، واحتملَ أوجاعنا. لذا فقد كانت الصِّفةُ السَّائدةُ ليسوعَ هي الحزن. وكان ذلك الحُزن يَظهر أحيانًا في صورة دُموع. وكان أحيانًا يَظهر في صورة تَنَهُّد. وكان يَظهر أحيانًا مِن خلال قَسمات وجهه الحزينة. وكان أحيانًا مَخفيًّا. ولكنَّه كان موجودًا دائمًا لأنَّه كان يتألَّم دائمًا في اتِّضاع ناسوته.

لِذا، فإنَّه رَجُل أوجاع. وإن درستم بالتَّفصيل الأصحاح الثالث والخمسين مِن سِفْر إشعياء، ستَعلمون الشَّيء الَّذي أدَّى إلى ذلك الحُزن لأنَّ إشعياء يقول إنَّه كان "مُحتقرًا". وتلك الكلمة تعني بصورة رئيسيَّة أنَّه كان مُبغَضًا، وكان مَرفوضًا. وتلك الكلمة تعني أنَّه كان مَتروكًا. ولكنَّها تعني حرفيًّا: "الشَّخص الَّذي لم يَعُد يُعامَل مُعاملةً إنسانيَّة". فقد كان مرفوضًا جدًّا حتَّى إنَّه يمكن القول إنَّه لم يكن يُعامل كإنسان، ولا أن يَلقى الاهتمام الَّذي يَلقاه البشر. "فَلَمْ نَعْتَدَّ بِه". وهذا يعني أنَّه كان يُعامَل بازدراء. والعدد 4 يقول إنَّه كان "مُصابًا". وتلك الكلمة تعني بصورة رئيسيَّة أنَّه كان يُعامل كالأبرص، أو كشخصٍ مُصاب بمرض مُميت، أو مَرض مُعْدٍ حتَّى إنَّه صار مَنبوذًا. وقد كان "مَضروبًا"؛ أي أنَّه قد ضُرِب. وقد كان "مَذلولاً"؛ أي أنَّه كان يُعامل بقسوة شديدة. وقد كان مَجْرُوحًا؛ أي أنَّه طُعِنَ. ويُتابع إشعياء الحديث في الأصحاح 53 قائلاً إنَّه "مَسحوقٌ. فقد سُحِقَ. وقد حَمَلَ آثار السَّوْط؛ أي أنَّه جُلِد. وقد ظُلِم. والكلمة "ظُلِم" تعني بصورة رئيسيَّة أنَّه دَفعَ عنكَ أُجرة خطاياك. ويقول إشعياء أيضًا إنَّه سِيْقَ كما تُساقُ الشَّاةُ إلى الذَّبح كي تُقدَّم ذبيحةً. وقد سُجِنَ. وقد حُوكِمَ ظُلمًا. وأخيرًا، لقد قُطِعَ أو قُتِل. وما أعنيه هو أنَّه كان ألمًا مَدى الحياة بالنِّسبة إليه... مَدى الحياة.

ولكنَّه احتملَه. فنحن نقرأ أنَّه احتملَه (في العدد 11): "يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا". "مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ". فقد احتملَ كلَّ ذلك، ولكنَّه كان مسرورًا بالقيام بذلك لأجلكم ولأجلي. لذا فإنَّ آلام يسوعَ المسيح ليست مُنفصلة وحسب عن الصَّليب. ففي مُعاناته الَّتي سبقت الصَّليب، نَأتي إلى الذُّروة في هذا النَّصِّ حين نرى يسوع في البُستان. فهو يتألَّم هنا أكبر ألم (قبل موته فعليًّا) في كُلِّ حياته. وَهُوَ يتألَّم هنا في صراعه مع الشيطان الَّذي كان يريد أن يُبعد نظره عن الصَّليب. وَهُوَ يتألَّم هنا لأنَّه كان يترقَّب أن يصير (بالرَّغم مِن عدم اقترافه أيَّ خطيَّةٍ) خطيَّةً، وأن يَتعرَّضَ (بالرَّغم مِن سَرمديَّته) للموت، وأن ينفصل عن الله. فالألم يَفوقُ جدًّا قدرَتنا على الاستيعاب أو حتَّى التَّفسير.

أمَّا الكلمة الثانية الَّتي نراها فهي ليست الألم فقط، بل إنَّ الكلمة الثانية الَّتي نراها هي: "التَّضرُّع"... التَّضرُّع. ففي وسط آلامه، صَرخ إلى الله. ففي الأعداد 39 و 42 و 44، نجد فترات الصَّلاة الثلاث المختلفة الَّتي صرخ فيها إلى الله. والآن، ما الَّذي كان يجري هنا؟ أعتقد جازِمًا أنَّ هذه كانت تجربة. وهناك أشخاص قالوا لي شخصيًّا إنَّها لم تكن تجربة. ولكنِّي أشعر أنَّها كانت تجربة، وأشعر أنَّ الشَّيطان كان موجودًا هناك بكلِّ قوَّته ويحاول أن يُثْني المسيح عن الذَّهاب إلى الصليب، وأن يَمنع الصَّلب، وأن يَمنع القيامة. وقد تقول: "وما الَّذي يَجعلك تعتقد ذلك؟ فالشَّيطان ليس مذكورًا في هذا النَّصّ!" هذا صيح. فَالبشير مَتَّى لا يُعطي أيَّ اعتبارٍ للشَّيطان. فهو لا يُعطي مكانًا للشَّيطان هنا. ولكنَّ الشَّيطان في الكواليس؛ وهذا واضح جدًّا. فإن رجعتم إلى العِليَّة، لَعلَّكم تَذكرون أنَّ الشَّيطان ظهر هناك وملأ يهوذا. أليس كذلك؟ فقد ملأ يهوذا ليفعل ما سيفعل. ولا أدري إن كنتم تَذكرون تلك الآية الاستفزازيَّة جدًّا في إنجيل يوحنَّا 14: 30 حيث إنَّ يسوع كان في العِليَّة قبل مغادرتهم مباشرةً وقال: "لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا". فنحن لن نتحدَّث كثيرًا. لماذا؟ "لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأتِي". "أنا ذاهبٌ الآن [بحسب ما يقول] لأدخلَ في صِراعٍ مع الشَّيطان". فأنا أُوْمِنُ بأنَّه كان يَعلم ذلك. ثُمَّ إنَّه يقول: "وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ". بعبارة أخرى، قد يأتي الشَّيطان بتجربته، ولكنَّه لن يجد موضعًا فِيَّ يمكن للتَّجربة أن تنجح فيها. فلا يوجد شيءٌ فِيَّ يَخضع لذلك. ولكنَّه قال: "لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأتِي". وأعتقد أنَّه عندما اقترب من البُستان، كان يَعلم أنَّه سيدخل في صراع مع الشَّيطان نفسه. كذلك نقرأ في الأصحاح الثَّاني والعشرين مِن إنجيل لوقا والعدد 53 أنَّه يقول: "هذِهِ سَاعَتُكُمْ". وَهُوَ يقول ذلك للقادة والجنود الَّذينَ جاؤوا للقبض عليه. "وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ". فهذه ساعة الشَّيطان. وهي ساعتُكم. فقد كان يَعلم أنَّ الشَّيطان كان متورِّطًا في كلِّ هذه الأشياء. وكان يشعر بذلك الصِّراع حتَّى في العِليَّة. لِذا، أعتقد أنَّه عندما ذهب إلى البُستان، دخل في أعنف صِراع مع الشَّيطان في كلِّ حياته. فالتَّجربة الأعنف حَتَّى مِن التجربة الَّتي تَعرَّضَ لها في بداية خدمته هي هذه التَّجربة في النِّهاية لأنَّه في البداية لا توجد إشارة إلى أنَّ عَرَقَهُ صار كقطراتِ دَمٍ نازلة. فالكَرْبُ في هذه التَّجربة لا مَثيل له. وقد جاء الشَّيطان وحاول أن يُبعد المسيح عن الصَّليب كي لا يتحقَّق الفِداء، وكي لا تتحقَّق الكفَّارة، وكي لا يَتِمَّ التَّكفير عن الخطيَّة. لِذا، في منتصف هذه التَّجربة الهائلة تأتي الكلمة الثانية وهي: "التَّضرُّع".

ففي وسط التَّجربة، يَصرخ يسوعُ إلى الله. لذا فإنَّ ما نَتعلَّمه هنا، يا أحبَّائي، لا يقتصر على معرفة المزيد عن المسيح. فنحن لا نتعلَّم فقط عن آلامه؛ وَهُوَ أمرٌ مِن الرَّائع أن نَتعلَّم عنه لأنَّه كلَّما زادت معرفتنا عن آلامه، زاد فَهمُنا لمحبَّة. وكلَّما زاد فَهمُنا لمحبَّته، زاد شُكرنا له. فَمِن الرَّائع أن نَرى وحسب آلامه لأجلنا كي نَعرف عُمق محبَّته. ولكن عدا عن ذلك، فإنَّه يُعطينا أيضًا درسًا في كيفيَّة مواجهة التَّجربة، وكيفيَّة التَّعامل مع الصِّراع الَّذي يواجهه الشَّخص الَّذي يسعى إلى عمل مشيئة الله كي يَختبر قوَّة الله. والطَّريقة الصَّحيحة لمواجهة التَّجربة هي الصَّلاة. لذا فإنَّ العدد 39 يقول إنَّه: "تَقَدَّمَ قَلِيلاً"؛ أي أنَّه تَقَدَّم عن التَّلاميذ الثَّلاثة (بطرس ويعقوب ويوحنَّا) الَّذينَ تَعَمَّقوا داخل البستان لمسافة أبعد مِن التَّلاميذ الثَّمانية الآخرين. فقد تَقدَّم عنهم. "وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ»".

فهو يقول: "يا أبتاه، أريد أن أفعل مشيئتك. إن كانت توجد في مشيئتك طريقة أخرى غير هذه الطَّريقة، لَيتك تُنَفِّذها. ولكنِّي أريد أن أفعل مشيئتك". فلم يكن هناك أيُّ تَردُّد بهذا الخصوص. فهو يقول: "كما تريد أنت" في نهاية العدد 39. وفي نهاية العدد 42: "فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". ونقرأ في العدد 44: "وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ". فهو لم يقل شيئًا سوى: "لِتَكُن مَشيئتُك... لِتَكُن مَشيئتُك... لِتَكُن مَشيئتُك...". ولكنَّ الكَرْبَ كان عظيمًا جدًّا. وكان الألم شديدًا جدًّا. وكان هَوْلُ حَمْل الخطيَّة، والموت، والانفصال عن الله، وكلُّ ذلك الصِّراع الجاري كان عميقًا جدًّا حتَّى إنَّه قال: "إن كانت هناك طريقة أخرى، استخدمها. وإن لم تكن هناك طريقة أخرى لتكن مشيئتُك". فهو لم يكن يحاول أن يَتجنَّب الصَّليب. ففي إنجيل يوحنَّا 12: 23-27 (في ذلك النَّصِّ العظيم) قال: "إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ..." – وقد قال هذا قبل أيَّام قليلة مِن وقوع هذه الحادثة في البُستان. "إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ". فقد كان يَعلم أنَّه ينبغي أن يموت.

وقد قال: "وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَةِ؟ وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى العالَم" [كما يقول]. لذا فقد قال: "أنا لا أطلبُ مِن الله أن يُنَجِّيني مِن هذا. فقد جئتُ لهذا السَّبب". ولكنَّ الألمَ والكَرْبَ والرُّعبَ المَهولَ كانت أمورًا قاسية جدًّا حتَّى إنَّه كان يوجد فيه شيء يَصرخ ويقول: "إن كانت هناك طريقة أخرى، يا أبتاه، استخدِم الطَّريقة الأخرى. وإن لم تكن هناك طريقة أخرى، أنا مُستعدّ". وفي هذه اللَّحظة، ابتدأ يَتعرَّق. وقد كانت ليلة باردة. فهو وقتٌ في السَّنة لا يكون فيه الطَّقسُ حارًّا. لذا، لا بُدَّ أنَّ التَّعرُّقَ حدث بسبب كَرْبِه. فقد ابتدأ يَتعرَّق كثيرًا. ثمَّ في إنجيل لوقا 22: 44، يقول لنا لوقا شيئًا مدهشًا. فقد ابتدأ يتعرَّق: "وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ". والكلمة "قطرات" هنا هي "ثرومبوس" (thrombos) الَّتي اشتُقَّت منها الكلمة "ثرومبوسيس" (thrombosis)؛ أي: تَخَثُّرات... تَخَثُّرات هائلة للدَّمّ. وقبل التَّعرُّق الَّذي بَدا كتخثُّرات دمويَّة كثيرة، يقول الكتاب المقدَّس في إنجيل لوقا 22: 43: "وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ" – "وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ".

فقد كان تَضرُّعُه شديدًا جدًّا [بحسب العدد 38] حتَّى إنَّه حَزِن جدًّا حتَّى الموت. وكما قلتُ لكم في المَرَّة السَّابقة، رُبَّما كان يسوع سيموت في البُستان لولا أنَّ ملاكًا جاء مِن السَّماء وقَوَّاه. فقد جاء الملاكُ وقوَّاه في وسط هذا الكرب الشَّديد الَّذي جَعل قطراتٍ مِن الدَّم تَظهر على جِلده. فقد كان حُزنه عميقًا جدًّا. وقد أدَّت عُزلته في صلاته الَّتي صَلاَّها وحده إلى تَفاقم حُزنه. وأن يكون حزينًا حتَّى الموت يُفاقِمُ ذلك. وأن يَصرخ إلى الله ويَتضرَّع عَسى أن تكون هناك طريقة أخرى، ثُمَّ أن يتعرَّق، ثُمَّ أن يصير العرق كقطرات دمٍ هو أمرٌ يَصعب علينا تَخيُّله. وظاهرة التَّعرُّق الدَّمويّ هي ظاهرة نادرة جدًّا جدًّا... نادرة جدًّا. وأفضل طريقة لتفسيرها تفسيرًا بسيطًا هي كما يلي: عندما يتعرَّض المرء إلى كَرْبٍ شديد، ويكونُ مُرهَفَ الحِسِّ [كما هي حالُ رَبِّنا هنا]، قد يزيد التَّوتُّر الشَّديد في نهاية المطاف ويؤدِّي إلى تَوَسُّع الأوعية الشَّعريَّة الواقعة تحت الجلد، أو الأوعية الواقعة تحت الأنسجة. وعندما تبتدئ هذه الأوعية بالتَّوسُّع تحت هذا النَّوع مِن الضَّغط، قد تنفجر. ولا بُدَّ أن يجد الدَّمُ الجاري في هذه الأوعية المُنفجرة مَخرجًا له. وهو يفعل ذلك مِن خلال الغُدد العَرقيَّة.

لذا فإنَّ ما حدث هو أنَّ يسوعَ راح يتعرَّق كثيرًا بسبب كَرْبِه. وكما جاء في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح الخامس: "إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ...". فهو يبكي، ويَنْتَحِب، ويَذرف الدُّموع، ويتعرَّق بشدَّة. وبسبب تلك الشِّدَّة، انفجرت الأوعية الشَّعرية الواقعة تحت الجلد فخرج الدَّم مِن الغُدد العَرقيَّة مُختلطًا بالعرق. وقد بدا كما لو أنَّه كان يَتعرَّق دَمًا مِن جسده. فقد كان الدَّم يسيل على وجهه، ويقطر مِن ملابسه. فمن المؤكَّد أنَّ الكَرْبَ كان شيئًا يَعسُر علينا أن نَتخيَّلَه... يَعسُر علينا أن نَتخيَّلَه. وبعد تلك الجلسة الأولى، تَقَوَّى دون شَكٍّ بحضور الملاك. وقد نَهض مِن الصَّلاة بعد أن هَزمَ العدوَّ في تلك اللَّحظة، وعاد إلى تلاميذه في العدد 40. ثُمَّ نقرأ في العدد 42 أنَّه عاد للمرَّة الثَّانية. ولنذهب إلى العدد 42، ثُمَّ سنعود إلى الأعداد الأخرى. "فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً...". وَهُوَ في هذه المَرَّة يقول: "يَا أَبَتَاهُ". ومَرَّةً أخرى، إنَّه يَستخدم نفس العبارة. فهو يَستخدم العبارة: "يا أَبتاه". وهي المُناسبة الوحيدة الَّتي يَفعل فيها ذلك طَوال حياته لأنَّه كان مُتمسِّكًا بعلاقته الحميمة بالله. وَهُوَ يشعر أنَّ العدوَّ يحاول أن يُبعده عن الله، وأن يُبعده عن مشيئة الله، وأن يَجعله يفعل ما يريد منه أن يفعله، وأن يَسلك في الطَّريق السَّهل عوضًا عن القيام بما يريده الله. لذا فإنَّه يتمسَّك بعلاقته الحميمة بالآب.

ثُمَّ إنَّه يُغيِّر صلاتَه. فقد قال بادئ الأمر: "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ". وَهُوَ يقول الآن: "إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا"؛ أي أن أحتمل كلَّ شيء، "فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". فقد قال أولَ مَرَّة: "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ". وَهُوَ يقول الآن: "إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ". ومَرَّةً أخرى، نَرى أنَّ الفكرة مِن التَّجربة هي أن يتجنَّب الصَّليب. فالصَّليب هو كأس الغضب، والدَّينونة، واختبار حَمْل الخطيَّة. والمُجرِّب يقول: "تَجنَّب الصَّليب... تَجَنَّب الصَّليب. فلا يجوز أن يحدث هذا لك. طالب بحقوقك. فأنت ابنُ الله. يَكفيك ذُلاًّ. يكفيك تَعَرُّقًا وكَرْبًا. انْسَ الصَّليب... انْسَ الصَّليب". لذا فإنَّه يقول: "إن أمكنَ أن تَعبُر الكأس، فلتعبُر". وَهُوَ يَعلم أنَّ هذا غير مُمكن. لذا فإنَّه يقول: "إن لم يكن بالإمكان أن تَعبُر، سأفعل ذلك". لذا، يمكننا أن نشعر أنَّه تَقوَّى مِن خلال تكريسه بعمل مشيئة الله. ثُمَّ إنَّه يُنهي الجولة الثَّانية ويرجع. ثُمَّ إنَّه في العدد 44 يعود إلى الصَّلاة مِن جديد. وهذه هي الآية الثَّالثة الَّتي تَذكُر الكلمة "صَلاة" إذ نقرأ: "فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ".

ورُبَّما كان معناها جازمًا أكثر. فالكلمة "إن" والعبارة "حيث إنَّ" هما نفس الكلمة. وربَّما أنَّه قال في المَرَّة الثَّالثة: "حيثُ إنَّ هذا غيرُ مُمكن، لتكن مشيئتُك". فربَّما قال أوَّل مَرَّة: "إن أمكنَ أن تَعبُر الكأس، فلتعبُر". وفي المرَّة الثَّانية: "إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي، سأفعل ذلك". وفي المرَّة الثَّالثة: "حيثُ إنَّها لن تَعبُر، لِيَكُن ذلك". فعوضًا عن أن يزدادَ ضَعفًا في كلِّ جولة، ازدادَ ماذا؟ قُوَّةً. فقد كان يُحرز نصرًا على العدوِّ. ويا لها مِن صورة بديعة! صراخ شديد، ودموع منهمرة بقوَّة، وكَرْب، وتَضرُّع أمام الله. فهو يتمسَّك بمشيئة الله ضِدَّ كلَّ ما جَلَبَهُ الجحيم. اسمعوني: إن كان الشَّيطانُ قادرًا أن يُجرِّبَ فإنَّه جَرَّبه هناك. وإن كان يَملِك سُلطانًا أن يُجَرِّب إلى أقصى حَدٍّ ممكن، فقد أَطلَقَ قُوَّته هناك. فقد مَارسَ ذلكَ هناك كي يُبعد المسيحَ عن الصَّليب. ولكنَّ الخطَّ الفاصل في كلِّ هذه التَّجربة هو: "لتكُن مشيئتُك... لتكُن مشيئتُك". فقد كان عاقِدَ العَزمِ، وكان مُكرَّسًا لعمل مشيئة الله.

وقد يسأل أحدكم: "لماذا نقرأ هنا عن ثلاثِ جلسات؟ لماذا صَلَّى ثلاث مَرَّات؟" أعتقد أنَّ أفضل إجابة هي: لأنَّه كانت هناك ثلاث أمواج مِن الهجوم الشَّيطانيّ؛ تمامًا كما أنَّه كانت هناك ثلاث أمواج مِن الهجوم الشيطانيِّ في إنجيل مَتَّى والأصحاح الرَّابع حينَ جُرِّبَ عندما ابتدأَ خدمتَه. وقد هاجَمَهُ الشَّيطانُ ثلاثَ مَرَّاتٍ مَرَّةً أخرى. فقد تَطلَّب الأمر تلك المَرَّات الثَّلاث كي يَشُنَّ الشَّيطان كلَّ أسلحته ويُمْنَى بالهزيمة. وقد تَطلَّب الأمر هذه المَرَّات الثَّلاث كي يُكَرِّسَ المسيحُ كلَّ مشيئته لله بكلِّ معنى الكلمة. وقد تَطلَّب الأمر هذه المَرَّات الثَّلاث كي يَختبر كلَّ الكَرْب العظيم الَّذي أراد له اللهُ أن يَختبره. والدَّرسُ الَّذي تَتعلَّمونه عن الصَّلاة هنا مُهمٌّ جدًّا. والدَّرسُ هو أنَّ الصَّلاة ليست الشَّيءَ الَّذي نَتغلَّب فيه على مشيئة الله، أو الشَّيء الَّذي نَتغلَّب فيه على رفضه لطلبتنا؛ بل إنَّ الصَّلاة في الأصل هي وسيلة يُعطينا إيَّاها اللهُ (المُستعدّ دائمًا لإعطائنا كلَّ ما هو لخيرِنا) حين نُبدي استعدادنا لعمل مشيئته. فالصَّلاةُ تعني أن أتَّفق مع ما يريد الله أن يفعله أيًّا كان الثَّمن – حتَّى لو اقتضى الأمر أن أبذل حياتي.

والشَّيطان يأتي ويريد أن يُبعدنا عن مشيئة الله وأن يَجعلنا نَفعل مشيئتنا نحن، ويريد أن يُبعدنا عن درب الطَّاعة كي نحصل على ما نريده نحن. ولكنَّ ما تفعله الصَّلاة هو أنَّها تَجعلنا نقول: "يا رَبُّ، أنا لا أريد أن أفعل ذلك. فهذا ليس ما أريد أن أفعله. قَوِّيني! قَوِّيني!" لذا فإنَّ الصَّلاة تجعلنا نأتي إلى ذلك المكان الرَّائع الَّذي يَضمن لنا البَرَكة. وبعد تلك التَّجربة الثَّالثة، كان يسوعُ هو المُنتصر والشَّيطانُ هو المَهزوم. فقد ذَهبَ عدوُّ نفسه. لقد ذهب. وكان المسيحُ في انسجامٍ تامٍّ مع مشيئة الله، وخاضعًا تمامًا لقصد الله، وهادئًا ومُستعدًّا للمِضِيِّ إلى الصَّليب. وكان الشَّيطان مهزومًا. ومِفتاحُ النُّصرة هو الصَّلاة. فقد صَرخ يسوعُ إلى الله. ويمكنني أن أقول، يا أحبَّائي، إنَّه إن كان هو بحاجة إلى القيام بذلك مع أنَّه اللهُ نفسُه، ما أحوجنا نحن الشر إلى القيام بذلك في وسط التَّجربة! فهذا هو الدَّرس الَّذي أراد مِن تلاميذه أن يَتعلَّموه... ومِنَّا نحن أيضًا.

ولكن توجد كلمة ثالثة ينبغي أن ننظر إليها وهي الكلمة "نِيام" لأنَّها تُخبرنا شيئًا عن هذا المشهد أيضًا. ففي العدد 39، مَضى يسوع ليُصلِّي أوَّل مَرَّة. وقد أَخبر تلاميذه أن يبقوا هناك... أن يبقوا هناك. وقد عاد في العدد 40 "فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا"... فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا. وهذه حَماقة! وما أعنيه هو أنَّهم كانوا نائمين في أعظم لحظة صِراع في تاريخ العالَم. وقد كانوا نِيامًا في وقتٍ كان ينبغي لهم فيه أن يُصلُّوا. وما أعنيه هو أنَّه مِن الواضح عندما تَركهم وذهب ليُصلِّي، أنَّه أراد منهم أن يُصلُّوا حيثُ هُم. وحتَّى إنَّه يقول في العدد 41: " "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا". والفكرة هي أنَّه كانت هناك أمور كثيرة ينبغي أن يُصلُّوا لأجلها؛ ولكن هل يُعقَل أنَّهم كانوا عَديمي المُبالاة إلى هذا الحَدِّ بآلام يسوعَ المسيحِ حتَّى إنَّهم ناموا؟ وأنَّهم لم يستطيعوا حتَّى أن يَسهروا ويُصَلُّوا مِن أجل سَيِّدهم؟ ألم يَقُل لهم للتَّوّ (في العدد 31) إنَّهم سيَشُكُّون، وإنَّهم سيَقعون في الفَخّ، وإنَّهم سيتشتَّتون، وإنَّهم سيهربون مِثل خِرافٍ خائفة؟ ألم يَعلم بُطرس قبل قليل أنَّه سيُنكر يسوع المسيح ثلاث مَرَّات قبل أن يَصيح الدِّيك؟ ألم يكن لديهم شيء يُصلُّون لأجله حين قال لهم يسوع إنَّه سيموت، ويُقدَّم ذبيحة، ويقوم ثانيةً، وإنَّ ذلك سيحدث في هذه اللَّيلة؟ كيف يُعقَل أن يَناموا؟

ولكنَّهم ناموا! وأودُّ أن أُذكِّركم بأنَّ ثمن النُّصرة الروحيَّة هو دائمًا السَّهَر. لذا فإنَّ العدد 40 يقول: "ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا". والآن، لقد كان مِن الطَّبيعيِّ أن يناموا. فقد كان الوقت قد تجاوزَ مُنتصف اللَّيل. وكان أسبوعهم حافِلاً. وكان التَّعبُ قد تَراكم تدريجيًّا خلال ذلك الأسبوع الحافِل. وليس هذا فحسب، بل إنَّهم كانوا قد أكلوا وجبةً كبيرة... كُلَّ خروفِ الفِصح. فقد أكلَهُ اثنا عشر شخصًا في وقتٍ مُتأخِّرٍ مِن تلك اللَّيلة. وقد أكلوا معه كلَّ الأشياء الأخرى مِنْ خُبْزٍ فَطير، وعصير العنب، والحِساء. وما أعنيه هو أنَّه كان هناك سبب يدعو إلى شعورهم بالنُّعاس. وكانوا قد مشوا مسافةً طويلةً وصَعِدوا جبل الزَّيتون. لِذا، لا بُدَّ أنَّهم شعروا بالتَّعب بسبب ذلك. ثُمَّ إنَّ لوقا يُضيفُ أنَّهم شعروا بالنُّعاس وناموا بسبب الحُزن. فكلُّ شيءٍ كان يَبعثُ على الكآبة الشَّديدة. وعندما تَكتئبُ جدًّا، قد ترغب في الهروب مِن ذلك الشُّعور مِن خلال النَّوم.

ولكنَّ ذلك يشير إلى أنَّهم لم يفهموا حتَّى ذلك الوقت القضيَّة الجوهريَّة. ولا أدري كيف هو رَدُّ فِعلِكُم، ولكن بِغَضِّ النَّظر عن تعبي الجسديِّ، إن كان ذهني مشغولاً بصراعٍ رُوحيٍّ لا يمكنني أن أنام. فأنا أبقى مستيقظًا. وقد تَبَيَّن لي أنَّني إن كنتُ أخوضُ صِراعًا روحيًّا، وإن كنتُ أَمُرُّ بأزمةٍ كبيرة، فإنَّ النَّومَ يُفارِقُني. فهناك معركة. ولكن في حالتهم، لم يحدث ذلك. فقد كانوا ضعفاء جدًّا وخُطاة جدًّا حتَّى إنَّهم لم يُبالوا بالصِّراع القادِم مِن جهتهم ومِن جهة الرَّبِّ. لذا فقد ناموا! وهو أمر يَصعُب تَخيُّله. وبالمناسبة، لا ينبغي لنا أن نندهش مِن نوم بُطرس ويعقوب ويوحنَّا [في اعتقادي] لأنَّهم ناموا في حادثة التَّجلِّي أيضًا. أليس هذا الأمر مُدهشًا؟ فلو كنتُ مكانهم لما تَمكَّنتُ مِن النَّوم. حادثة التَّجلِّي! إنَّها رائعة! اقرأوا إنجيل لوقا 9: 32. فقد ناموا. لِذا فإنِّي لا أرغب في أن يجلسوا في الصُّفوف الأماميَّة في كنيستي. وما أعنيه هو أنَّه في ضَوْء شِدَّة الصِّراع، وفي ضوء ضَعفهم، وتحذير الرَّبِّ، وتَنَبُّئِه بأنَّ ذلك سيحدث اللَّيلة، والألم الواضح الَّذي يشعر به المسيح، وتأسيس عشاء الرَّبّ، والدَّم والخُبز الَّذي يرمز إلى الجسد، كان ينبغي لهم أن يَعلموا ما يجري. لِذا فإنَّ الربَّ يأتي ويقول لبطرس (القائد): ماذا! "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟" مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا سَاعَةً وَاحِدَةً؟ وهذا يعني أنَّه غابَ عنهم وقتًا قصيرًا. أَلَمْ تتمكَّنوا مِن البقاء مُتيقِّظين ذهنيًّا ساعةً واحدةً؟ أَلَمْ تتمكَّنوا مِن الانضمام إليَّ في صِراعي الروحيِّ ساعةً واحدةً؟

ثُمَّ إنَّه يمضي (في العدد 42) كي يُصلِّي مَرَّةً ثانية. وبعد أن صَلَّى مَرَّةً ثانيةً عادَ في العدد 43: "فَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا". والكلمة "أيضًا" تساعدنا كثيرًا لأنَّه لو كانتِ الآيةُ تقول إنَّه "جاء فوجدهم نيامًا"، قد نَستنتج أنَّهم لم يستيقظوا في المرَّة الأولى. ولكنَّ حقيقة أنَّهم ناموا مَرَّةً أخرى تعني أنَّ الرَّبَّ أيقظهم في المرَّة الأولى وقال لهم: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ". فقد حَذَّرهم عندما استيقظوا، ولكنْ حتَّى ذلك التَّحذير لم يتمكَّن مِن إبقائهم مُتيقِّظين. وقد مَضى مَرَّةً أخرى ليُصلِّي فناموا ثانيةً. ولماذا ناموا؟ "إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً". فقد كانت أعيُنُهم ثَقيلةً. فقد تَغلَّبتْ عليهم حاجاتُ الجسد. وهذا مُحزنٌ حقًّا لأنَّ الربَّ كان وحيدًا جدًّا. ولكنَّهم لم يُظهروا أيَّة مُبالاة. ثُمَّ نقرأ في العدد 44: "فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ. ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا!" هل ما تزالون عَديمي المُبالاة تمامًا؟ ولا صِلَةَ لكم بما يحدث؟ وهذا أمرٌ صَادِمٌ! وأعتقد أنَّه مِن الأفضل أن نُترجمَ هذه الكلمات بصيغة استفهام؛ أي بصيغة سؤال. فالنَّصُّ اليونانيُّ يُمكن أن يُترجَم بتلك الطَّريقة. والتَّرجمة الدوليَّة الجديدة تُترجمه هكذا؛ وأعتقد أنَّها أصابَت في ذلك. فهو يسألهم سؤالاً مُحزنًا ومؤلمًا. هل ما زلتم نيامًا وتأخذون قَسطًا مِن الرَّاحة؟ وهل ما زلتم غير مدركين لطبيعة المعركة الروحيَّة، وغير مُدركين لما يَجري؟

يا لهم مِن رجالٍ ضُعفاء، وغير مُبالين بحاجات المسيح، وغير مُبالين بقدرة العَدُوّ الَّذي سيُجرِّبهم. فَهُمْ على وشك الغَرق في حَمأة الخطيَّة. فالعدد 56 يقول إنَّهم جميعًا سيتركون المسيح ويهربون. فَهُم جميعًا لن يَنجحوا في هذه التَّجربة. فسوف يسقطون في الخطيَّة بسبب إنكارهم ورفضهم للمسيح. ولن يرغبوا في أن يكون لهم أيُّ شأنٍ به. فسوف يهربون. فَهُمْ لم يكونوا مستعدِّين. وما يقوله رَبُّنا هنا هو أنَّه في كلِّ المعارك الروحيَّة، سيكون النَّصرُ حَليفَ الأشخاص السَّاهرين لأنَّهم يَعرفون ضعفَهم. فَهُم ليسوا حَمقى مِثل التَّلاميذ الَّذينَ قالوا: "لن نَشُكَّ فيكَ يومًا، ولن نُنكرك يومًا، بل إنَّنا مُستعدُّون أن نُسجن معك ونموت معك قبل أن نفعل ذلك". فقد اتَّكلوا كثيرًا على حُسن نَواياهم، ولم يُدركوا ضعفَهم. ولكنَّ المعركة لا تُحسَم لِصالِح النِّيام، بل لِصالِح اليَقِظين. ومِن المؤسف أن نرى الثِّقة بالذَّات في معركةٍ روحيَّةٍ كهذه مِن خلال عدم الاستعداد.

وهناك كلمة رابعة... كلمة رابعة رئيسيَّة وهي: "القوَّة"... القوَّة. لاحظوا العدد 45؛ وهي آية رائعة جدًّا. فبعدَ أن مَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً، وقال: "هل ما زلتم نيامًا؟" قال: "هُوَذَا"؛ أي: انظروا! فالكلمة تعني: "انظروا!" فهل كان يَرى شيئًا؟ أعتقد ذلك. أعتقد أنَّه رأى شيئًا. وما الَّذي رآه؟ أعتقد أنَّه رأى مَشاعِل. وأعتقد أنَّه رأى رجالاً يَحملون سيوفًا. وأعتقد أنَّه رأى جنودًا رومانيِّين قادِمين مِن قلعة أنطونيوس. وأعتقد أنَّه رأى قادة اليهود. وأعتقد أنَّه رأى يهوذا. ففي سَفْحِ جبل الزَّيتون، كان بمقدوره أن يَرى تَحرُّك هذا الحشد مِن النَّاس القادمين إليه. "هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ". ويا لهُ مِن تَناقُض! ويا له مِن اتِّضاع! فذاك الَّذي هو بلا خطيَّة يُسَلَّم لِخُطاة. انظروا، انظروا! إنَّهم قادمون. أنتم نِيامٌ وَهُم قادمون!" لقد أَحرَزَ النَّصر. لقد أَحرزَ النَّصر وهَزَمَ قُوى الجحيم الهاربة. وقد وقفَ وَهُوَ يَتصبَّبُ عرقًا مُنتصرًا. وقد كان الغَالِبُ مُتأهِّبًا بكلِّ شجاعة لمواجهة الصَّليب. وقد قال: "أنتم نِيام! لن تَجتازوا هذه التَّجربة. فأنتم لستم مُستعدِّين". أمَّا هو فكان مستعدًّا. وقد هَزَمَ العدوُّ بقوَّة أبيه. أمَّا هُم فكانوا نِيامًا.

ثُمَّ إنَّه يقول في العدد 46: "قُومُوا! انهَضوا!" فهو يقول هذا لهم جميعًا. "قوموا نَنطلق". وهذا لا يعني: "لِنُغادر هذا المكان. لنهرب!" لا! بل هي كلمة مدهشة جدًّا؛ أي الكلمة "نَنطلق". فهي تعني بصورة أساسيَّة: "يَتقدَّم لمُلاقاةِ عَدوٍّ مُهاجِم". فهي لفظة عسكريَّة. فهو يقول: "انهضوا! سنذهب لمُلاقاتهم". وهذه قُوَّة. فقد تَقوَّى في التَّجربة. وقد كان مُنتصرًا. وَهُوَ يَسير بحزمٍ باتِّجاههم. فلا حاجة إلى أن يبحثوا عنه. وإن تَتبَّعتم القصَّة (وسوف نفعل ذلك بعد عيد الميلاد المجيد)، ستجدون أنَّه مَشى نحوهم وقال لهم: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟" أَجَابُوهُ: "يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ". قَالَ لَهُمْ: "أَنَا هُوَ". يا لها مِن شجاعة عظيمة! إنَّها شجاعةُ شخصٍ لا يُقهَر، وشجاعةُ شخصٍ كَرَّس حياته للهِ ويَقدر أن يُقيم الأموات. أنتُم تَعلمون أنَّه جُرِّبَ مِن الشَّيطان. هل تَعلمون أنَّ الله سيُقيمكم مِن الأموات؟ ماذا لو مُتُّمْ ولم تقوموا ثانيةً؟ وماذا لو كان الموت هو النِّهاية؟ وماذا لو مُتُّم وهَلكتُم في جَهنَّم؟ وهو يُكرِّس نفسه للهِ القادر أن يُقيم الأموات، ويتقدَّم بثباتٍ نحوهم بثقة. فعندما كان ذاهبًا إلى الصَّليب، كان بمقدوره أن يَرى وراء ذلك الصَّليب السُّرور الموضوع أمامه (كما تَصِفُه لنا الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 12). فَمِن أجلِ السُّرُورِ المَوْضُوعِ أَمَامَهُ احتملَ الصَّليبَ طَوعًا. لذا، نجد قُوَّةً عظيمةً هنا. والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 18 أنَّه عندما قال: "مِن تَطلُبون؟" وقالوا: "يسوعَ النَّاصريَّ"، وردَّ عليهم، فإنَّهم جميعًا سَقطوا على الأرض. فقد سقطوا جميعًا على الأرض. فقد كان قويًّا جدًّا. لذا، فقد واجهَ بقوَّةٍ العَدوَّ.

فَلا توجد في الكتاب المقدَّس آية تقول: "اهرُب مِنَ الشَّيطان"، بل إنَّ الكتاب المقدَّس يقول: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ..." [فماذا يَفعل؟] "...فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ". فيجب أن تقاوموه بقوَّة الصَّلاة، وبقوَّة كلمة الله الَّتي أَظهرها في تجربته الأولى. ففي كلِّ مَرَّة في التَّجربة الأولى، أجابَ بآية. وفي كلِّ مَرَّة في التَّجربة الكبيرة الثَّانية، أجاب بالصَّلاة. فكلمة الله والصَّلاة هُما السَّيفُ ذو الحَدَّيْن الَّذي نَهزِم به العَدوَّ. لِذا فإنَّه يقول: "وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ". ومِن خلال العبارة "أيدي خُطاة" فإنَّه يُشير إلى جميع أولئك الَّذينَ سيكونون مسؤولين عن صلبه: أي إلى اليهودِ والرُّومانِ على حَدٍّ سَواء. فَهُمُ الخُطاةُ الَّذينَ قَتلوه. "قُومُوا نَنْطَلِقْ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُني قَدِ اقْتَرَبَ!" وَهُوَ يُشير إلى يهوذا الَّذي كان يَقود الحَشْد. والكلمة "يُسَلِّمُني" تَعني: "يُسَلِّمُني إلى الأعداء". الشَّخص الَّذي يُسَلِّمُني إلى الأعداء. انظروا. ها هو! لنذهب لمُلاقاته. يا لها مِن نُصرة في تلك التَّجربة!

وهذا يقودنا إلى الكلمة الأخيرة وهي الكلمة "التَّعاقُب". وقد لا تبدو هذه كلمة واضحة في هذا النَّصّ. لِذا، سأوضِّحها بعد قليل. ولكن ارجعوا إلى العدد 41. فبعد صلاة يسوع الأولى، جاء وقال: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟" وقد قال ذلك لبُطرس. ثُمَّ إنَّه يُقدِّمُ المبدأ الَّذي أعتقد أنَّه يريد أن يُعلِّمَه: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ". توقَّفوا عند تلك النُّقطة. فهو يقول لهم بعد صلاته الأولى، وبعد نَومهم أوَّل مَرَّة: "اسهروا وصَلُّوا! استمرُّوا في الصَّلاة". فهو فِعلٌ مُستمرّ: استمرُّوا في السَّهر، واستمرُّوا في الصَّلاة. وما أعنيه هو: امتَلِكوا حُسْنَ تَمييزٍ يُمكِّنكم مِن معرفة الأوقات الَّتي تَدخلون فيها في حرب روحيَّة وتحتاجون فيها إلى اللُّجوء إلى الله. لا تَسمحوا لثِقتكم بأنفسِكم أن تُفقِدَكُم حَماسَتكم فتنامون. لا تَسمحوا لنواياكُم الطيِّبة أن تَجعلكم تَنعسون لئلاَّ تدخلوا في تجربة. فالطَّريقة الَّتي تَحميكم مِن الوقوع في تجربة هي أن تكونوا حَذِرين منها، وأن تَدركوا مَكْرَ الشَّيطان، وأن تُدركوا ما يفعله، وما يجري، وأن تُصَلُّوا إلى الآب.

وكم أُحِبُّ ما قاله بطرس! ولا بُدَّ أنَّه تَعلَّمَ ذلك في تلك الحادثة. فهو يقول في رسالة بطرس الثانية 2: 9: "يَعْلَمُ الرَّبُّ أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَة". أليست هذه الجُملة رائعة! فَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَة. لِذا، إلى مَن تَلتجئ؟ تَلتجئ إليه... تَلتجئ إليه. فعندما يَرى الكَشَّافُ في الجيش عَدُوًّا يَتقدَّم فإنَّه لا يُحارب العدوَّ. فهذه ستكون حماقةً. بل إنَّه يعود ليُخبر القائد بما رآه. والقائدُ هو الَّذي يقود الجيش في المعركة. فلا يمكن لأيِّ مؤمنٍ كَشَّافٍ يَتواجهُ مع الشَّيطان أن يُحارب الشَّيطان بنفسه وينتصر عليه، بل يجب عليك أن تُبلغ ذلك للقائد. فقد تَقدَّم يسوعُ مُتسلِّحًا بالقوَّة الإلهيَّة. وهذا مُهمٌّ جدًّا. لذا فإنَّ الربَّ يقول: يجب عليكم أن تسهروا، وأن تَحذروا، وأن تُبقوا أعينكم مفتوحةً لمراقبة الشَّيطان، وأن تستمرُّوا في الصَّلاة والاتِّكال على الله.

وهذا يُشبه تمامًا ما جاء في إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس حيث نُصَلِّي قائلين: "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي..." [ماذا؟] "...في تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ..." [ماذا؟] "...مِنَ الشِّرِّير". ونحنُ نَلتجئ إلى الربِّ مِن أجل ذلك. فلا يمكننا أن نفعل ذلك مِن تِلقاء أنفسنا. فقد ظَنَّ التَّلاميذ أنَّهم يقدرون. "لن نَخونك يومًا. لن نُنكِرُك يومًا. لن نَستحي بكَ يومًا. لن نَتركُك يومًا". وقد فَعلوا كلَّ ذلك. لِذا، إن لم يُعطِنا رَبُّنا شيئًا آخر سوى هذا، فإنَّه أعطانا مبدأً عظيمًا للنُّصرة. وقد تقول: "ولكنَّ ذلك ليس سهلاً. هل هو سهل؟" لا، إنَّه ليس سهلاً. وهو ما يزال ليس سهلاً. لماذا؟ النِّصفُ الثَّاني مِن الآية يَشرح لماذا. "أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ [فماذا؟] فَضَعِيفٌ". ورَبُّنا يقول هنا شيئًا مُهمًّا جدًّا جدًّا ينبغي لكلِّ مؤمنٍ أن يَفهمه. هناك مشكلة موجودة فيكم وغير موجودة في الحقيقة في المسيح. فكَمالُهُ أَتاح له أن يتصرَّف بكمال، وأن يتجاوب بكمال في كلِّ تجربة لأنَّه كان بلا خطيَّة. ولكنَّنا نُعاني مشكلةً عويصةً. فالرُّوحُ لدينا نشيطٌ، ولكنَّ الجسدَ ضَعيف. والمقصود بذلك هو أنَّ الأشخاص الَّذينَ اختبروا التَّجديد ويُحبُّون اللهَ يرغبون في القيام بما هو صواب. ولا شَكَّ في أنَّ بطرس ويعقوب ويوحنَّا المُبارَكين كانوا يُحبُّون المُخلِّص وأرادوا أن يَفعوا ما هو صَواب؛ ولكنَّهم كانوا ضُعفاء. ولا شكَّ في أنَّ التَّلاميذ الثمانية الآخرين أرادوا أن يَفعلوا ما هو صواب. فقد كان يوجد في قلوبهم شيء يَتوق إلى فِعل ما يريد منهم الربُّ أن يَفعلوه، وأن يَفعلوا مشيئة الله؛ ولكنَّهم كانوا ضُعفاء.

وهذه المشكلة بعينِها موصوفة لنا بوضوحٍ تامٍّ في رسالة رومية والأصحاح 7. هل تسمحون لي أن ألفت أنظاركم إلى العدد 15 مِن رومية 7؟ فبولس يشير بوضوحٍ تامٍّ إلى نفس هذه الفكرة. والحقيقة هي أنَّ رَبَّنا يَستخدمُ ألفاظًا استخدمَها بولس. لذا فإنَّه يتحدَّث عن الحقِّ نفسه. وبولس يقول ما يلي بصفته مؤمنًا في العدد 15: "لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ". فأنا لا أفهمُ ما أفعله. "إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". اسمعوني: أنا على يقينٍ بأنَّه عندما بَكى بُطرسُ في وقتٍ لاحقٍ وذَرَفَ الدُّموع بسبب إنكاره، فإنَّه بَكى لأنَّه فَعلَ أمورًا لم يرغب في فِعلها، ولم يفعل الأشياء الَّتي كان يرغب في فِعلها. وفي وقتٍ لاحقٍ، كَتَبَ بُطرسُ [بارَكَ اللهُ قَلبَهُ] رسالة بطرس الأولى. وقد قال في الأصحاح الخامس والعدد 8: "اصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ". وفي اعتقادِكم، مِن أين تَعلَّم ذلك؟ لقد كان الدَّرسُ الأوَّل هنا، في البُستان. فيجب عليكم أن تَصحوا، ويجب عليكم أن تَسهروا لأنَّ الشَّيطان يَعمل. وَهُوَ يَسعى إلى افتراسِكُم. فقد افترسَني. وقد افترسنا جميعًا. ففي اللَّيلة الَّتي كان فيها رَبُّنا في أَمَسِّ الحاجة إلينا، وبالرَّغم مِن أنَّنا لم نرغب في تَركه، فإنَّ هذا هو ما فعلناه. ويسوعُ يقول إنَّ ذلك حدث لأنَّ رُوحَكُم نشيط ولكنَّ جسدكم ضعيف جدًّا.

وبولس يَختبر الشَّيء نفسَه هنا. فهو يقول: "انظروا! لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". وفي العدد 16: "فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ". بعبارة أخرى، أنَّ ناموسَ اللهِ حَسَنٌ، وأنَّ الأشياء الَّتي أريد أن أفعلها حَسَنَة. "فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ [وإليكُم ما يقول]، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ". فهذه هي المشكلة الَّتي لدينا. فقد حصلنا على رُوحٍ اختبر الولادة الجديدة أو الولادة الثانية. وبسبب ذلك الرُّوح المُتجدِّد فإنَّك ترغب في عمل الصَّواب، وفي عمل الخير، وفي تطبيق ناموس الله والمبادئ الإلهيَّة. ولكنَّك تَملِك أيضًا في تكوينك: الجسد. والمقصود بذلك هو طبيعتك البشريَّة. فهناك جسدُك، أو شهواتك الجسديَّة، أو شهواتك العقليَّة. فهي كُلُّها شهواتٌ نابعة مِن طبيعتك البشريَّة أو شهوات الجسد. وأنت تَملِك الرُّوح الَّذي اختبر التَّجديد أو الولادة الجديدة أو الولادة الثانية أو الَّذي جعلنا خليقةً جديدة. وَهُوَ يتوق إلى أن يفعل الصَّواب، وإلى أن يُطيع، وإلى أن يفعل الأشياء الَّتي يُسَرُّ اللهُ أن نَفعلها. ولكنَّه مَكبوح. فهو مَهزومٌ غالبًا بسبب طبيعتك البشريَّة أو جسدك. والآن، احتفظوا بهذه الفكرة في أذهانكم.

إذًا، هناك حقًّا معركة بين طبيعتك الجديدة وطبيعتك البشريَّة. لذا فإنَّه يقول إنَّ ذلك موجود في جسدي. فهو يقول في العدد 19: "لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". ثُمَّ إنَّه يقول في العدد 20: "فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا..." [أي: ليس روحي، وليس إنساني الجديد، وليس أنا المخلوق مِن جديد]، "...بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ". وأين تَسكُن الخطيَّة؟ إنَّها تسكن في جسدي، أو في طبيعتي البشريَّة. وَهُوَ يقول في العدد 22: "فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِن". إنَّ رُوحي يُسَرُّ بناموس الله. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي [في أجزاء جسدي، أو في طبيعتي البشريَّة] يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي [أي الرُّوح أو الجانب الصَّالِح فِيَّ]، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي". وَهُوَ يَستمرُّ في التَّمييز بين الاثنين. فهو التَّبايُن بين الرُّوح والجسد، والنَّاموس الصَّالح والشَّرّ الحاضِر. الرُّوح والجسد. فهو نفس التَّبايُن. إنَّه ذهني مُقابِل أعضائي. فهذه هي الطَّريقة الَّتي يُصَوِّر فيها هذا الأمر.

لِذا فإنَّ الاستنتاج الَّذي يَخرج به في العدد 24 هو: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ!" لقد دَخلتُ في معركةٍ حقيقيَّة! وهي مُدمِّرة! "مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" وهل هذا يَمنع الرُّوح مِن القيام بما يريد أن يَقوم به. وَهُوَ يُجيب بنفسه عن هذا السُّؤال فيقول في العدد 25: "أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا!" فيسوعُ المسيحُ سيُخلِّصني. وفي يومٍ ما... في يومٍ ما، سيَحسِمُ المسيحُ المعركة. وسوف يُنقذني مِن جسدي. وهل تَعلمون ماذا يحدث عندما تموتون وتذهبون إلى السَّماء؟ أنتم تتخلَّصون مِن الجسد فتصير أرواحُكم حُرَّة لتفعل ما تريد أن تفعله وَفقًا لكمال القصدِ الإلهيِّ المُقدَّس. وإلى أن يحين ذلك الوقت، فإنَّه يقول في العدد 25: "[إلى أن يحدث ذلك] أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّة". وهكذا هي الحال في حياةِ أيِّ مؤمن. فهذه هي أرض المعركة. فالرُّوحُ نشيطٌ لأنَّه يأخذُ العزيمةَ مِن الله. أمَّا الجسد فضعيف. وكيف يمكنك أن تَنتصر؟ كيف ستُحقِّق النَّصر؟ هل تسمحون لي أن أقول لكم إنَّ الإجابة مُقدَّمة مِن الرَّسول بولس في رسالة غلاطيَّة والأصحاح 5؟ فهو يقول ما يلي: "اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَد". فالأمر يَتوقَّف على السُّلوك في طَاعة الرُّوح القُدُس، والامتلاء بكلمة الله، وتسليم حياتك لروح الله. فهذا هو الحَلّ.

والآن كي نَختِمَ حديثَنا، ما هو إذًا التَّتابع الَّذي نَراه في هذا الدَّرس. إنَّه تَتابُعٌ رائع! واسمحوا لي أن أُقدِّم لكم التَّتابُع في أوقات المِحَن، وفي أوقات التَّجارب. إليكم التَّتابُع. فقد عاشَ التَّلاميذ ذلك. وإليكم التَّتابُع الَّذي أريد منكم أن تَروه. فهو يَسيرُ على النَّحو التَّالي: الاتِّكال على الذَّات، النَّوم، التَّجربة، الخطيَّة، الكارثة. الاتِّكال على الذَّات، النَّوم، التَّجربة، الخطيَّة، الكارثة. الاتِّكال على الذَّات: يمكنني القيام بذلك. أنا لستُ بحاجة إلى الصَّلاة. لن أُنكِر يومًا الرَّبَّ. سوف أكونُ أمينًا. لن أفشل يومًا في أن أكون قويًّا بالقدر الَّذي يجعلني مُنتصرًا. فأنا على ما يُرام. الاتِّكال على الذَّات. والنَّوم يَلي الاتِّكال على الذَّات. ما الَّذي ينبغي أن تَحذر منه؟ ولماذا تُزعج نفسك باليقظة؟ ولماذا تُزعج نفسك بمراقبة ما تراه، وما تقرأه، وما تسمعه، والأماكن الَّتي تذهب إليها، والأشياء الَّتي تُفكِّر فيها؟ نَمْ وَحَسْب. والنَّوم يَقود إلى التَّجربة، وإلى الخطيَّة، وإلى الكارثة. وقد اختبرَ التَّلاميذُ ذلك التَّعاقُب بهذه الطريقة.

ولكن ماذا عن تَعاقُب النُّصرة؟ استمعوا إلى ما سأقول. هذا هو النَّمَط الَّذي نَراه في الرَّبّ. وَهُوَ مُختلف تمامًا. فعوضًا عن الاتِّكال على الذَّات، هناك الاتِّضاع. وَهُوَ أمر مُدهش. فيسوع أَخْلى نَفسَهُ وصار مُتَّكِلاً على الله. ففي حين أنَّ التَّلاميذ كانوا يقولون بثقة: "لن نَخذلك يومًا"، كان يسوع يَعلَم ضُعف الوجود البشريِّ، ويَعلم أنَّه إنسان (بالرَّغم مِن كونِه إنسانًا بلا خطيَّة)، ويَعلم أنَّه بحاجة إلى الالتجاء إلى الله كي يَتقوَّى. وقد تَقَوَّى مِن قِبَل مَلاك. إذًا، في حين أنَّكم تَرون الاتِّكال على الذَّات مِن جهة التَّلاميذ، تَرون الاتِّضاع مِن جهته هو. فالاتِّكال على الذَّات يُؤدِّي إلى النَّوم. أمَّا الاتِّضاع فيؤدِّي إلى ماذا؟ ما الَّذي فعله يسوعُ بينما كانوا نيامًا؟ لقد صَلَّى. لقد صَلَّى. ثُمَّ جاءت التَّجربة. وفي التَّجربة، هناك إطاعة مشيئة الله، ثُمَّ النُّصرة. هل تَرون التَّعاقُب؟ ويجب عليك أن تَختار. فيجب عليك أن تختار في حياتك إمَّا أن تَتَّكِل على ذاتك، وتنام، وتَنتهي بكارثة؛ وإمَّا أن تَتواضع، وتَجثو على رُكبتيك أمام الله مِن خلال الصَّلاة كي تَحصل على القوَّة. وفي التَّجربة هناك الطَّاعة. ومِن خلال الطَّاعة تأتي النُّصرة. وهذا هو الدَّرسُ الَّذي يُريد مِنَّا رَبُّنا أن نَتعلَّمَه. دعونا نَحني رؤوسَنا حتَّى نُصلِّي:

يا أبانا، نحنُ نَعلم أنَّنا جميعًا نواجه... أنَّنا جميعًا نواجه جَثْسَيماني في حياتنا الشخصيَّة. فنحن جميعًا نتعرَّض للكَرْب، والألم، وخيبة الأمل، والأسى، والحزن. ونحن جميعًا نواجه التَّجربة. فالعدوُّ يُهاجمنا، وأحيانًا في موجات. وأنا أُفكِّر في الأوقات السَّابقة، يا رَبّ، بل وحتَّى في هذا الأسبوع في أثناء تحضيري لهذا الدَّرس إذْ شَعرتُ بأنِّي مُحاصَر جدًّا ومَضغوط جدًّا مِن العدوّ الَّذي لا يريد بصورة خاصَّة لآلام المسيح أن تكون مَعروفة. وأنا أُفكِّر في كلِّ الأوقات في حياتي الَّتي بالرَّغم مِن معرفتي بمشيئتك الكاملة، جُرِّبْتُ في أن أُخالفها. فنحن جميعًا لدينا جَثْسيماني الخاصَّة بنا، ونَختبرُ النُّصرة حينًا والهَزيمة حينًا آخر. ولكن يا رَبّ، عَلِّمنا الأمور الَّتي تُفْضِي إلى النَّصر: التَّواضُع، والصَّلاة في التَّجربة، والطَّاعة مَهما كان الثَّمن مِن أجل النُّصرة. ونحن نشكرك لأنَّ المسيحَ هو مِثالُنا. يا لَهُ مِن مُخلِّصٍ لي! ففيهِ، اجتمعت مَراحِمُ اللهِ فيه. ومحبَّتُه لا تَضعُف. فهو يُحبُّني. وكم نَرى مَحبَّته تلك مِن خلال الآلامِ الَّتي احتَمَلَها لأجلنا.

فيما تَحنونَ رؤوسَكُم، في هذه اللَّحظات الخِتاميَّة، إذا كنتَ لا تعرف الربَّ يسوعَ المسيح الَّذي مات لأجلك، وإن لم تكن قد قَبلته رَبًّا ومُخلِّصًا، افعل ذلك الآن في قلبك. افتَح قلبَك. فقد تكون مؤمنًا بكلِّ ما في الإنجيل، ولكنَّك لم تَفتح يومًا قلبك لقبول المُخلِّص. وهناك أشخاص منكم يَسلكونَ مع الربِّ ولكن ليسَ كما ينبغي. وأنتم تَختبرون الهزيمة والكارثة المَرَّةَ تلو الأخرى. وقد حان الوقت لتغيير ذلك. كَرِّس نفسكَ مِن جديد له مِن أجل ذلك.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize