فيما نُرَكِّز أنظارَنا على كلمة الله في هذا الصَّباح، أوَدُّ أن أُذكِّركم بأنَّنا نَدرس ما يُعرف تقليديًّا بآلام الربِّ يسوعَ المسيح؛ أي تلك الأحداث الَّتي أحاطت بموته على الصَّليب. ونحن نتأمَّل فيها مِن خلال عَينيِّ البَشير مَتَّى الَّذي أَوحى إليه الرُّوحُ القُدُس أن يُدوِّن (إلى جانب مَرقُس ولوقا ويوحنَّا) تلك الأحداث الرَّائعة. ونحن نجد أنفسَنا في الأصحاح السَّادس والعشرين؛ وتحديدًا في الأعداد 47-56. وهذا المقطع المُحدَّد يتحدَّث عن خيانة يسوعَ المسيح واعتقالِه. وهو يُوضِّح تمامًا خاتمةَ وذُروةَ مؤامرة ومَكيدَة يهوذا الَّذي خَطَّط للخروج، والحصول على تعويضٍ لما حَسِبَ أنَّها سَنواتٌ أَهدرها في اتِّباع شخصٍ لم يَتَّضِح أنَّه المَلِكُ الأرضيُّ الَّذي ظَنَّ أنَّه هو. وقد قَدَّمت بيتُ لحم للعالم أروعَ وألطفَ شخصٍ ألا وهو: يسوع المسيح. أمَّا مدينة "قَريوت" الصَّغيرة الواقعة على بُعد 23 ميلاً إلى الجنوب مِن أورُشليم، والَّتي تتألَّف مِن عددٍ مِن القُرى الزِّراعيَّة، فَقدَّمت إلى العالَم أحقرَ شخصٍ ألا وهو: يهوذا. وهذان الشَّخصان يتواجهان معًا في هذا النَّصِّ عَينِه.
وكان يسوعُ قد احتفل في ليلة الخميس بعيد الفصح مع تلاميذه، وقال لهم إنَّ واحدًا منهم خائن، وعَرَّفَ الخائن، ثُمَّ قال له أن يذهب ليفعل بسرعة ما هو مُزمِعٌ أن يَفعله. وبعد أن مَضى، احتفلوا بعشاءِ الرَّبِّ، وعَلَّمَهُم يسوعُ وصَلَّى إلى الآبِ لأجلهم. وعندما انتهت الصَّلاة، ذهب هو والتَّلاميذ الأحد عشر الباقين إلى جبل الزَّيتون، إلى موقعٍ خاصٍّ جدًّا يُسَمَّى "بُستان جَثْسَيماني" حيثُ كان يذهب غالبًا كما يُخبرنا يوحنَّا. وهناكَ، صَلَّى الرَّبُّ. وقد جاء الشَّيطان في ثلاث مَوجاتٍ مِن التَّجربة ضِدَّه، ولكنَّه صَلَّى إلى الله الآب، وتَقوَّى بواسطة مَلاك، واستعدَّ تمامًا للمِضِيِّ إلى الصَّليب. وبينما كان يُصلِّي، كان التَّلاميذُ نِيامًا. فقد كان ينبغي لهم أن يُصلُّوا، ولكنَّهم ناموا.
وبعد الجلسة الثَّالثة والصَّلاة الثَّالثة، عادَ الربُّ يسوعُ إلى التَّلاميذ النَّائمين، وأيقظهم، وقال لهم أن يَنهضوا لأنَّ الوقت قد حان لتعرُّضه للخيانة. فقد كان يَرى مِن بعيد المشاعلَ والمصابيحَ والرُّعاع قادِمين باتِّجاه البُستان بقيادة يهوذا. لِذا فقد أيقظهم لأنَّ اللَّحظة الَّتي تَنبَّأ بها قد حانت. وفي تلك اللَّحظة عينِها، نأتي إلى العدد 47 مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح 26. والآن، عندما ننظر إلى هذا المشهد، وعندما نَتَفَحَّص بدقَّة عناصِرَه، نجد أنَّ أفضل طريقة لفهمه واستيعاب كلِّ ما يجري فيه هو أن ننظر إلى الأشخاص المُشاركين في هذا الحدث. فأوَّلاً، هناك هُجوم الرُّعاع. ثُمَّ هناك قُبلة الخائن. ثُمَّ هناك هزيمة [أو هروب] التَّلاميذ. وأخيرًا، هناك انتصار المُخلِّص. وعندما نَتأمَّل في النَّصِّ وننظر إلى كُلِّ مُشتركٍ مِن هؤلاء، يَتكشَّفُ النَّصُّ بكلُّ الأمور المُدهشة الَّتي فيه وبكلِ واقعيَّته الصَّاعقة لأنَّه مشهدٌ دراميٌّ جدًّا.
والآن، اسمحوا لي أن أَصحبكُم إلى الوراء قليلاً، إلى النُّقطة الَّتي وصلنا إليها في المرَّة السَّابقة، وأن أبتدئ بهجوم الرُّعاع. انظروا إلى العدد 47: "وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ...". وأودُّ أن أتوقَّف هنا وأقول إنَّ كلامَهُ كان يَهدف إلى إيقاظ التَّلاميذ النَّائمين. فقد كانوا نائمين. ولم يكن نومهم، مِن جهة، أمرًا لا يَستحقُّونه. فقد كان أسبوعًا حافِلاً، وكان يومًا حافِلاً. وكان الوقت قد تَجاوزَ مُنتصف اللَّيل. وكانوا قد مَشوا مسافةً طويلةً وصَعِدوا جَبلاً عاليًا جدًّا. وكانوا قد أكلوا وجبة فِصْحٍ كبيرة. وقد تَراكمت كلُّ هذه الأشياء معًا، بالإضافة إلى عدم مُبالاتهم الرُّوحيَّة، وشعورهم بالنَّصر، وشعورهم بأنَّهم لا يُهزَمون (وهي أمور لم يكن يجدر بهم أن يَشعروا بها) فأسهَمَت جميعُها في نَومهم عوضًا عن الصَّلاة. لذا، فقد أيقظَهم الرَّبُّ. وبينما كان يُوقظهم، وَصَلَ يهوذا في الصَّباح الباكر ليوم الجُمعة. وسوف يُصلب يسوع قبل انتهاء يوم الجُمعة. والحقيقة هي أنَّه سيكون في القبر قبل غروب الشَّمس. لذا، كان كلُّ شيءٍ سيحدث بسرعة... في غضون ساعات. وقد ابتدأ كلُّ ذلك بالاعتقال بعد وقتٍ قصيرٍ مِن مُنتصف اللَّيل صباح يوم الجُمعة.
والآن، سوف تُلاحظون أنَّ يهوذا يُعَرَّف (كما أشرتُ في المَرَّة السَّابقة) بهذه العبارة المُدهشة جدًّا: "أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ". وهذه العبارة تُستخدم للإشارة إلى يهوذا مِرارًا وتَكرارًا في الكتاب المقدَّس. وهي تَترك في نفس القارئ شعورًا صادِمًا. فيهوذا [بطريقةٍ لا يَتخيَّلُها عقل]، ويهوذا [بطريقةٍ لا يُمكن تفسيرُها]، ويهوذا [بطريقة تَستعصي على الأذهان] هو أَحَدُ الاثني عشر. وكأنَّ هذه العبارة تعني أنَّ هذا الوصفَ يُوَضِّح أكثر مِن أيِّ وصفٍ آخر العَجَبَ العُجابَ في أن يكون هناك شخص يَنتمي إلى تلك المجموعة ويَفعل ما فَعله هذا الرَّجُل. "إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ". ويُضيفُ يوحنَّا: "بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَح"، "مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْب". ونحن نَعلم أنَّ العقلَ المُدبِّرَ لهذا كُلِّه هُم رؤساء الكهنة والشُّيوخ. فقد كان اليهود هُم المُدَبِّرون. فَهُم الَّذينَ جَمعوا ذلك الحَشْد. وَهُم الَّذينَ طَلبوا مساعدة الجنود الرُّومان أو الـ "سبايرا" (speira)؛ أي الكتيبة الرُّومانيَّة الَّتي تَضُمُّ 600 جُنديّ (وهي عُشْر الفَيْلَق) جاؤوا معهم. فقد كانوا هُم الَّذي دَبَّروا ذلك كُلَّه.
فَهُمُ الَّذينَ أرادوا أن يُهلِكوا يسوع. فالرُّومان لم يكونوا على خِلافٍ حقًّا مع يسوع. وحتَّى إنَّ تَطهيرَهُ للهيكل كان مُقتصرًا على مكانٍ يهوديٍّ خاصٍّ جدًّا، ولم يؤثِّر في شيء على الحُكمِ الرُّومانيِّ أو القانون الرُّومانيِّ أو السُّلطة الرُّومانيَّة. فيسوع لم يَكُن يبدو في نظرهم شخصًا يُشكِّل أيَّ تهديد للسُّلطة الرُّومانيَّة. ولكنَّ قادة اليهود أقنعوا الرُّومان بأنَّه كذلك. وكما قلتُ في المَرَّة السَّابقة، لا شَكَّ في أنَّهم عقدوا اجتماعًا سِرِّيًّا ببيلاطس أقنعوهُ فيه بأنَّ يسوعَ كان مِثل باراباس؛ أي أنَّه كان ثائرًا، وأنَّه سيقود ثورةً إن لم يَتِمَّ القبض عليه حالاً. لذا فقد طلبوا مُساعدة الرُّومان. وَهُم لم يكونوا مُزمِعين أن يذهبوا وحدهم. فقد جَرَّبوا ذلك في يوحنَّا 7. فقد ذهب أفراد شُرطة الهيكل للقبض على يسوع وعادوا صِفْرَ اليَدَيْن. لِذا، لم يكونوا يَنوونَ الفَشل مُجدَّدًا. لِذا فقد حَرصوا هذه المَرَّة على طلب المساعدة مِن الرُّومان. ولا بُدَّ أنَّ الرُّومان اقتنعوا تمامًا بأنَّ يسوع يُشكِّل تهديدًا للأمن الرُّومانيّ. لذا فقد وافقوا. وقد جاء حَشْدٌ يَضُمُّ نحو ألف شخصٍ على الأرجح إلى البُستان للقبض على يسوع ووضعه في السِّجن.
وعندما تأمَّلنا في ذلك المشهد في المَرَّة السَّابقة، قلتُ لكم إنَّه مَثَلٌ إيضاحيٌّ جيِّد جدًّا على شَرِّ العالَم الرَّافِض للمسيح، وإنَّ ما حدث هناك مِن أحداثٍ مُرعبة لا يَختلف في شيء عَمَّا يَحدث طَوال الوقت ليسوعَ المسيح. فما يزال هناك أُناسٌ كثيرون يُهاجمون المسيح كما كان يحدث في ذلك الوقت، وهناك أُناسٌ كثيرون يَرفضونه ولا يريدونه رَبًّا على حياتهم، ولا يُريدونه إلهًا لهم، ولا يُريدونه مَلِكًا عليهم؛ بل يَرونَهُ تَهديدًا وشخصًا ينبغي لهم أن يُطاردوه، ويَقبضوا عليه، ويَقتلوه. وقد قلتُ إنَّ سِماتِ ذلك الجَمْع في ذلك اليوم كانت كما يلي: أوَّلاً، لقد كان جَمْعًا ظالِمًا. بعبارة أخرى، لقد كانوا يقومون بشيءٍ لا يَستحقُّهُ يسوعُ نهائيًّا. بعبارة أخرى، لم يَقترف يسوعُ أيَّة جريمة. وكان مِن الظُّلم تمامًا أن يَقبضوا عليه ويُعدموه. ولكنَّ العالَم ما يزالُ ظالمًا اليوم. والجَمْعُ الَّذي يَرفضُ يسوعَ المسيح، والنَّاس الَّذينَ لا يريدون أن يرتبطوا به بأيِّ شكلٍ مِن الأشكال، والأشخاص الَّذينَ يُعادونه، والأشخاص الَّذينَ يرفضون محبَّتَه وحَقَّه لا يَقِلُّون عن أولئك ظُلمًا. فلو كان الحَقُّ مَعروفًا، فإنَّه مَلِكُ البِرِّ. والإساءة إليه أو رفضه هو الظُّلم بعينه. لِذا فإنَّ النَّاس اليوم ظالِمون بالقدر نفسه. فَرفضُ يسوعَ المسيح، والاستهانةُ به، وإنكار أنَّه ابنُ الله ومُخلِّص العالَم هو عَمَلٌ جائِر، وظالِم، ومُجحِف، ومُستَبِدّ. وحُشودُ النَّاس الَّذينَ يَرفضون المسيح اليوم لا يَختلفون عن الرُّعاع الَّذينَ صَعِدوا جبل الزَّيتون.
ثانيًا، لم يَقتصر الأمر على أنَّ الجَمْعَ كان ظالمًا، بل إنَّنا رأينا في المَرَّة السَّابقة أنَّهم كانوا أغبياء. فهناك صِفَة يَتَّصف بها أيُّ نوعٍ مِن الحشود وهي أنَّهم يَسيرون وراء عددٍ قليل مِن الأشخاص. فالأغلبيَّة السَّاحقة تفعل دون تفكير ما تُقنعهم مجموعة صغيرة مِن الأشخاص الغاضبين أن يَفعلوه. والحالُ هي كذلك اليوم. فهناك أشخاص في كلِّ هذا البلد وكلِّ أنحاء العالَم يَرفضون يسوع المسيح لمُجرَّد أنَّ الأغلبيَّة تفعل ذلك. وهذا هو السُّلوك الغَبيُّ الَّذي يَسلُكه الأشخاصُ المُحيطون بهم. وَهُم يَنجرفون بشدَّة وراء مَرارة وكراهِيَة أشخاصٍ آخرين دون أن يُقيِّموا شخصيًّا يسوعَ المسيح. فالعالَم الشرِّير الَّذي يرفضه اليوم غَبيٌّ بالقدر نفسه في حالاتٍ كثيرة كما هي حال الجَمع الَّذي احتشدَ ضِدَّه في ذلك اليوم.
ثالثًا، لقد قُلنا إنَّهم كانوا جُبناء. فالأشرار الرَّافضون للمسيح جُبناء. فَهُم يجدون القوَّة لرفض المسيح في كَثرتهم. ولكن عندما يُعزَل هؤلاء النَّاس ويُواجَهون بيسوع المسيح لا نجدهم بنفس الجرأة الَّتي يكونون عليها عندما يجتمعون مع الرُّعاع الأغبياء الظَّالمين الَّذينَ يُعادون يسوعَ المسيح. وقد قُلنا رابعًا إنَّهم نَموذجٌ على العالَم الشرِّير المُجَدِّف. فقد قال يسوع إنَّه سَيُسَلَّم إلى أيدي خُطاة. فمِن الصَّعب أن نتخيَّل أن يُسَلَّمَ ابنُ الله القدُّوس إلى أيدي أشخاصٍ دَنِسين، وأن يُلَوَّث بِدَنَسِ خَطيَّة الأشخاص الَّذينَ قبضوا عليه؛ أي الأشخاص الَّذينَ وضعوا أيديهم الخاطئة عليه، والذين قَيَّدوه بأيديهم الخاطئة، والذين ضَربوه بأيديهم الخاطئة، ولَطموه، ونَتفوا لِحيَتَه، وغَرزوا تاجًا مِن الشَّوك في رأسه، وطَعنوه بحربة في جنبه، وسَمَّروه على صَليب. فأن يُجَدَّف عليه هكذا ويُعامَل بدناءة هو أمرٌ لا يُعقَل. وبالرَّغم مِن ذلك فإنَّ الحال هي هكذا اليوم. فالنَّاس الأغبياء والظَّالمون والجُبناء يَفعلون الشَّيء نفسه اليوم. فَهُم يُعاملون يسوع المسيح بكُلِّ تجديفٍ مِن خلال رفضهم له. لذا، لقد رأينا هُجوم الرُّعاع.
ثانيًا، لقد نظرنا في المرَّة السابقة إلى قُبلة الخائن. فقد رأينا هذا الأمر. أليس كذلك؟ في العدد 48. "وَالَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلاً: «الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ»" أو: "اقبضوا عليه". "فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: «السَّلاَمُ يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ". والمقصود هنا هو أنَّ هذه القُبلة الحارَّة، أو أنَّ هذه القُبلة الطَّويلة، أو أنَّ هذه القُبلة المُفعمة بالعاطفة، أو أنَّ هذه المُعانقة كانت هي علامة الخيانة! وأيُّ عقلٍ مُنحرفٍ يَختارُ هذه العلامة؟ فقط إن كان شخصًا يَسكنه الشَّيطان نفسُه. فكما قال يسوع: لقد دَخل الشَّيطانُ يهوذا. وقد تَكلَّم يسوعُ عندما تَقدَّم يهوذا إليه وقَبَّلَهُ فقال له: "أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَان؟" (في إنجيل لوقا 22: 48). ويبدو أنَّ الآية مَرقُس 14: 45 تُشير إلى أنَّ يهوذا في تلك اللَّحظة لم يَرُدَّ بشيء، بل اكتفى بالقول: "يَا سَيِّدِي، يَا سَيِّدِي!" وأنَّه استمرَّ في تقبيله. لذا، كان لا بُدَّ ليسوع أن يَحتملَ هذه القُبلة المُقزِّزة. والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في العدد 50 أنَّ يسوع قال له [كما جاءَ في النَّصِّ]: "يا رَفيق" أو "يا زَميل" لأنَّه لم يَعُد صديقًا: "افعل ما جئتَ لتفعله". فالربُّ لا يَمسحه مِن الوجود، ولا يُحَوِّله إلى رَمادٍ بنار غضبه، بل يَستسلم لهذا الذُّلِّ وهذا العار.
والآن، إنَّ ما نراه هنا (كما رأينا عنما نظرنا إلى الجّمْع) هو نموذج آخر. وَهُوَ ليس نموذجًا على العالَم الشرِّير، بل نموذجًا على التَّلمذة الزائفة. فنحن نجد هنا أبشع نموذجٍ على الإطلاق: فنحن هنا أمام شخصٍ تَظاهر بالمحبَّة والوفاء؛ ولكنَّه خان المسيح. فيهوذا هو النَّموذج الكلاسيكيّ. وهو أكبر نموذجٍ على هَدْر الفُرَص. فلم يَحْظَ أيُّ شخصٍ آخر بمثل هذه الفرصة العظيمة وأهدرها. وهو أكبر مَثل على هدر الامتيازات. وهو أكبر نموذجٍ على محبَّة المال. فلا يوجد نموذج أوضح منه على حُبِّ المال يمكننا العثور عليه لأنَّه لم يكن يوجد شيء أثمن مِن المسيح. وبالرَّغم مِن ذلك فقد باعَهُ مُقابل ثلاثين قطعة مِن الفضَّة. فهو النَّموذجُ الكلاسيكيُّ على الرِّياء. وهو النَّموذج الكامل على التِّلميذ الزَّائف الَّذي يُضيِّع فُرصتَه، ويُهدِر امتيازَه العظيم، ويُحبُّ المال أكثر مِن ابن الله، وزعيمُ المُرائين، ويَسمح لنفسه أن يَخون ابن الله الَّذي لا يُقَدَّر بثمن بقُبلة. وهناك أشخاص كثيرون اليوم يفعلون الشَّيء نفسَه. فَهُم تلاميذ زائفون. والكنيسة مُمتلئة بهم. فَهُم يتظاهرون بولائهم للمسيح، ويتظاهرون بمحبَّتهم للمسيح، ويتظاهرون بأنَّهم يُبالون؛ ولكنَّهم لا يُبالون، بل إنَّهم يبيعون يسوعَ لأجل أيِّ شيءٍ آخر يبدو أكثر قيمة في أيَّة لحظة بالنِّسبة إليهم. فَهُم يفعلون ذلك. وعندما يَرون أنَّ الأمور لا تجري بالطَّريقة الَّتي يريدونها، وأنَّهم لا يحصلون مِن يسوعَ على الأشياء الَّتي ظَنُّوا أنَّه سيعطيهم إيَّاها، فإنَّهم يختارون شيئًا آخر. لذا فقد نظرنا إلى موضوع التَّلمذة الزَّائفة. وهذا ليس شيئًا يَقتصرُ على البُستان فقط، بل إنَّه أمر ما زال يحدث حتَّى يومنا هذا.
والآن، هذا يقودُنا إلى النُّقطتين الأخيرتين. فالنُّقطة الثَّالثة هي هزيمة التَّلاميذ. لاحظوا العدد 50 مَرَّةً أخرى. ففي منتصف الآية، بعد أن طَبَعَ يهوذا قُبلته على وجه المسيح وعانقه: "حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ". فبعد علامة القُبلة، لم تُضَيِّع السُّلُطات أيَّ وقت. فقد كانت العلامة هي القُبلة. وقد قام يهوذا بتقبيله فتصرَّفوا بسرعة. ثُمَّ إنَّ يوحنَّا يُخبرنا في الأصحاح 18 والعدد 12 مِن خلال نظرته إلى المشهد نفسه أنَّهم (أي الجنودُ الرُّومان، وشُرطة الهيكل، والسُّلُطات اليهوديَّة) فعلوا ذلك معًا. فقد عَمِلوا معًا. فقد جاؤوا وأمسكوه. وقد أمسكوه كي يُقيِّدوه كما تَفعلون بأيِّ سجينٍ ترغبون في القبض عليه دون أن يهرب أو يَتسبَّب في وقوع مشاكل. ولكن قبل أن يتمكَّنوا مِن تقييده، يجب علينا أن نقرأ هنا ما كَتَبَهُ لوقا. ففي إنجيل لوقا الأصحاح 22 (أعتقد في العدد 49) يقول لوقا أنَّه في تلك اللَّحظة قال التَّلاميذ له: "يَا رَبُّ، أَنَضْرِبُ بِالسَّيْف؟" أَنَضْرِبُ بِالسَّيْف؟ يا رَبُّ، هل تريد مِنَّا أن نُقاتل؟ هل تُريد مِنَّا أن نُدافع عنك؟ هل تريد مِنَّا أن نخوض معركةً هنا في البُستان؟
ولا يوجد أيُّ شيء في الكتاب المقدَّس يُشير إلى أنَّ الرَّبَّ كان يَملِك أيَّ فرصة للرَّدّ لأنَّه حال طَرحِ ذلك السُّؤال المذكور في إنجيل لوقا 22: 49، خَمِّنوا مَنِ الَّذي تَصَرَّف؟ خَمِّنوا وحسب. بُطرس. فنحن نقرأ في العدد 51 مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح 26: "وَإِذَا..." [فقد كان الأمر صاعقًا وغريبًا ومُدهشًا] "...وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ" – وَهُوَ سيف قصير. ولا يُخبرنا مَتَّى مَن يكون هذا الشَّخص. ولا يُخبرنا مَرقس مَن يكون هذا الشَّخص. ولا يُخبرنا لوقا مَن يكون هذا الشَّخص. ولكنَّ يوحنَّا يُخبرنا مَن هو. وقد تقول: "ولماذا يُخبرنا يوحنَّا بذلك؟" لأنَّ إنجيل يوحنَّا كُتِبَ بعد ذلك بوقتٍ طويلٍ جدًّا، أو بعد سنوات طويلة جدًّا جدًّا من هذه الحادثة. فإنجيل يوحنَّا هو آخر إنجيل كُتِب. وكان لا بأس في ذِكْرِ اسمه آنذاك. فكأنَّ الكُتَّابَ الأوائل (أي مَتَّى ومَرقس ولوقا) لم يكونوا يرغبون في تعريف هُويَّة بطرس لئلاَّ يقع بطرس في المتاعب بسبب تَصرُّفه ذاك ضِدَّ اليهود وضِدَّ الرُّومان لأنَّه استَلَّ سيفَه. لِذا، هناك شكلٌ مِن أشكال الحماية الَّتي وَفَّرها روحُ اللهِ في هذا النَّصّ. ونحن لا نَعلم مَن هو إلاَّ في وقتٍ لاحقٍ عندما كَتبَ يوحنَّا ذلك وكان كلُّ شيءٍ على ما يُرام آنذاك. لِذا فإنَّه يخبرنا أنَّه كان بطرس. ولكن كان بإمكاننا أن نُخَمِّن مَن هو. أليس كذلك؟
"مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ [سَيفًا قصيرًا] وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَة". ويُخبرنا يوحنَّا أيضًا اسم ذلك العبد. فلا أحد يَذكر اسمه سوى يوحنَّا. واسمه هو "مَلْخُس". ولا بُدَّ أنَّه كان شخصًا مُهمًّا جدًّا لأنَّه كان مُعاونًا لرئيس الكهنة "فَقَطَعَ أُذْنَهُ". والآن، يمكنني أن أقول لكم بيقينٍ تامٍّ أنَّ بطرس لم يكن يَستهدف أُذُنَه. فهو لم يكن ماهرًا جدًّا في استخدام السَّيف. فقد كان يَستهدف رأسه. ولكنَّ ذلك الشَّخص خَفَضَ رأسه على ما يبدو. فقد كانت فكرة بطرس هي: "لِنَصرع هؤلاء جميعًا". وكان هذا أوَّل شخص في الطَّابور. فقد كان يَنوي الإطاحة به والإطاحة بكلِّ ذلك الجَمْع. وقد تقول: "وما الَّذي أعطى بطرسَ كلَّ هذه الشَّجاعة؟" الحقيقة هي أنَّ الأمر بسيط جدًّا. فكما تَرون، عندما جاء كلُّ ذلك الجَمْع إلى البُستان، كما سنرى بعد قليل في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 18، وعندما تَقدَّم يسوعُ وقال لهم: "أنا هو"، سقطوا جميعًا على الأرض. لذا فقد كان بطرس يُفكِّر قائلاً في عقله: "إن وقعتُ في ورطة، سيَصرعهم الرَّبُّ جميعًا". وكان يَعتقد أنَّه ينبغي له أن يَسحب سيفًا ويفعل شيئًا. ففي نهاية المطاف، ألا يجدر به أن يُحافظ على سُمعته. وأَلَمْ يقل: "لن أُنكرك يومًا. ولن أنكرك يومًا. وحتَّى لو اضطُررتُ أن أموتَ أوَّلاً لن أُنكرك". ألم يقل ذلك؟ لِذا، كان ينبغي له أن يُحافظ على كرامته.
كذلك، كانت طبيعته المتهوِّرة تفرض عليه أن يتصرَّف بطريقة عشوائيَّة وعنيفة في هذا المشهد. كذلك، لقد كان يَعلم بكلِّ تأكيد أنَّه يقف إلى جانب شخصٍ يمكنه أن يَصرع الجميع دون عناء بأيِّ حال. لذا، فقد كان يعتقد أنَّه لا يمكن أن يخسر. لِذا فقد قَطع أُذُن عبد رئيس الكهنة. والآن، مِن أين حصل على السَّيف؟ هل تساءلتم يومًا عن ذلك؟ ماذا تفعل بالسَّيف يا بُطرس؟ نقرأ في إنجيل لوقا 22 والأعداد 36-38 أنَّه في وقتٍ سابق، نَجحَ التَّلاميذ في الحصول على سَيفين. وفي إنجيل لوقا 22، رُبَّما يَجدر بنا أن نُلاحظ الآية 38 مِن الأصحاح الثَّاني والعشرين مِن إنجيل لوقا إذ قالوا: "يَارَبُّ، هُوَذَا هُنَا" – وقد حدث هذا قبل الخيانة مباشرةً، أو قبل كَرْب البُستان. "هُوَذا هُنَا سَيْفَان". يا رَبُّ، نحن مستعدُّون للقيام بأيِّ شيءٍ. ونحن لدينا سَيفان. "فَقَالَ لَهُمْ: «يَكْفِي!»". والآن، قد يَظُنُّ أُناسٌ أنَّ الربَّ قَصَدَ بذلك أنَّ ذلك يَكفي للانتصار في المعركة. ولكن مِن الواضح أنَّ هذا ليس المعنى الَّذي قَصدهُ الربُّ لأنَّ الربَّ قال لبُطرس حالما استَلَّ سَيفَهُ أن يفعل ماذا؟ "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ". فما قَصدهُ الربُّ بقوله "يَكفي" هو: "اسمعوا! هذا يكفي. يَكفي كَلامًا كهذا. فنحن لن نفعل ذلك". فلم يكن يجدُر ببطرس أن يَحمل ذلك السَّيف وأن يتصرَّف بتلك الطريقة.
وقد تقول: "مَهلاً مِن فضلك! أَلم يَقُل الربُّ: "في وقتٍ مِن الأوقات، قلتُ لكم لا تَحملوا كيسًا. وفي وقتٍ مِن الأوقات، قلتُ لكم لا تَحملوا ثوبًا إضافيًّا. وفي وقتٍ مِن الأوقات، قلتُ لكم لا تَحملوا سيفًا. والآن، أقول لكم أن تَحملوا كيسًا، وأن تحملوا ثوبًا، وأن تَحملوا سَيفًا"؟ ألم يَقُل ذلك في إنجيل لوقا والأصحاح 22 أيضًا؟ أجل، في العدد 36. "ألم يحملوا هذين السَّيفين لأنَّ الربَّ قال إنَّنا سنكون بحاجة إلى سَيف؟" أجل، لقد قال الربُّ ذلك، ولكنَّ الربَّ لم يقصد ذلك المعنى. فكما تَرون، لقد كان الربُّ يتحدَّث أيضًا إليهم بالمعنى الرُّوحيِّ. ولأنَّهم كانوا حَمقى، كانوا يَرون كلَّ شيء بالمعنى الماديِّ فقط. ولكنَّ ما قصدَ رَبُّنا أن يقولَه هو إنَّه سيأتي وقتٌ تحتاجون فيه إلى الموارِد، وإنَّه سيأتي وقتٌ تحتاجون فيه إلى الدِّفاع عن حياتكم. ولكن بحسب كلمات الرُّوح القُدُس في رسالة كورِنثوس الثانية 10: 4: "إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ [ماذا؟] جَسَدِيَّةً، بَلْ [هي روحيَّة وقادرة] عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ". لِذا، عندما استَلُّوا هذين السَّيفين وقالوا: "مَعنا سَيفان"، قال الربُّ: "يَكفي هذا الهُراء! أنا لم أقصد ذلك".
فالمسيحيَّة لا تَتقدَّم أيَّة خُطوة بالأسلحة. فلا توجد حروب مُقدَّسة... ولا واحدة. وأيُّ حربٍ تُسَمَّى حَربًا "مُقدَّسةً" باسم المسيح هي غير مُقدَّسة البتَّة. فملكوت الله لا يَتحقَّق بأسلحة جسديَّة. فنحن لا نَغزو بتلك الطَّريقة، بل بأسلحة روحيَّة هادِمين حصون الشَّيطان الَّذي يَحكم ويسود في قلوب الرِّجال والنِّساء. لِذا فقد كان بطرس خارجًا عن الخَطّ، وبعيدًا كلَّ البُعد عن الواقع الرُّوحيِّ هنا. فقد ابتدأ يُلَوِّح بسيفه القصير كَما يُلَوِّحُ الجُنديُّ الرومانيُّ بسيفه العريضِ الَّذي يبلُغ طولُه مئةً وعشرين سنتمترًا. وقد قَطعَ أُذُنَ هذا الرَّجُل المِسكين. وهل تَذكرون ما قاله يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 18: 36 لبيلاطُس؟ لقد قال: "لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي [ماذا؟] يُجَاهِدُون". "لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُون". وما الَّذي قَصدهُ بذلك؟ مَملكتي ليست مِن هذا العالَم. لِذا فإنَّ خُدَّامي لن يُجاهدوا. فمملكتي مِن عالَمٍ آخر. والمسيحيَّة لا تَجني شيئًا مِن استخدام القوَّة العسكريَّة... لا شيء البتَّة. فلا توجد حروب مُقدَّسة. فهي كُلُّها حروب غير مُقدَّسة. وأيُّ عملٍ مِن هذا القبيل يُعمَل باسم المسيح هو إساءة إلى المسيح نفسه؛ كما هي حال الحروب الصَّليبيَّة أو حتَّى الأشياء الإرهابيَّة المُريعة الَّتي تحدث في إيرلندا اليوم. فالنُّصرة في الحروب الروحيَّة لا تُحرَز البَتَّة مِن خلال القُوَّة العسكريَّة.
لِذا فإنَّنا نقرأ في إنجيل يوحنَّا 18: 11 أنَّ يسوع يقول: "اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ!" ضَع ذلك الشَّيء جانبًا. "الْكَأسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟" فلا بُدَّ أن يحدث هذا الأمر يا بُطرس. ضَع سَيفك جانبًا. ولكن عندما قبضوا على يسوعَ، وصَدَرَ عن بُطرس رَدُّ الفِعل ذاكَ فقطعَ أُذُنَ ذلك الرَّجُل، يُخبرنا الكتابُ المقدَّسُ أنَّ يسوعَ تَصرَّفَ إذْ إنَّه لَمَسَ أُذُنَ "مَلْخُس" وشَفاها. بل إنَّه وَهَبَهُ أُذُنًا جديدة. وبالمناسبة، هذه هي المعجزة الوحيدة المُدوَّنة في الكتاب المقدَّس عن قيام يسوع بشفاء جُرحٍ حديث. لذا فإنَّها فريدة مِن نوعها. وأعتقد أيضًا أنَّها تَزخُر بالمعاني لأنَّه لم يكن هناك أيُّ إيمان لدى مَلْخُس. فمعجزاتُ يسوع كانت مُعجزات تحدث بسيادته المُطلَقة. فأحيانًا كان هناك إيمان، وأحيانًا لم يكن هناك إيمان. فقد كان هذا الشَّخص يقف هناك وحسب ففقدَ أُذُنَه. والشَّيءُ التَّالي الَّذي أدركَهُ هو أنَّه حصلَ على أُذُن جديدة. فلم تحدث تلك المُعجزة بسبب إيمانه، بل بسبب سيادة المسيح. لذا، بُطرس! ضَع سَيفك جانبًا. وأنتُم أيُّها الجَمْع، أَفْسِحوا المكان قليلاً. فسوف أُعطيه أُذُنًا جديدة. وسوف نَترك الأمر عند هذا الحَدّ. ويا له مِن مَشهدٍ رائع!
والآن، لماذا لم يَسمح الربُّ بنُشوبِ قِتال؟ هَه! كما قلتُ سابقًا، لم يكن ذلك يَتَّفق مع أسلوبِه. فلو كان مَلكوتُه مِن هذا العالم، لَفَعَلَ ذلك. ولكنَّه يُقدِّم أسبابًا مدهشةً جدًّا هنا؛ وتحديدًا ثلاثة أسباب. فهو يقول: "بُطرس! رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِه. فلا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ هكذا". وَهُوَ يُقدِّم هنا ثلاثة أسباب. وهناك ثلاث كلمات رئيسيَّة تُوَضِّح هذه الأسباب: الكلمة الأولى هي: "مُهلِك". مُهْلِك. فنحن نقرأ في العدد 52: "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ". "اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ!" (تَمامًا كما قالَ، وكما هُو مُدَوَّن في إنجيل يوحنَّا 18). "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِه". وهُنا يأتي السَّبب الأوَّل: "لأَنَّ"... "لأنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!" هل تَعلمون ما الَّذي يقصده هنا؟ هذه ليست فلسفة...لا، لا! فهو لا يقول: "إن عِشتُم هكذا ستهلكون". فليس هذا هو قَصْدُهُ. بل إنَّ ما قَصَدَهُ هو ما يلي: إنَّ الأشخاص الَّذينَ يَستخدمون السَّيف للقيام بأعمال عُنفٍ شخصيَّة سيُعاقَبون بالموت". فهذا هو ما يقوله. فإن استخدمتَ السَّيفَ، ستموتُ بالسَّيف. اسمعوني: إنَّ هذا الكلام مُدَوَّن في سِفْر التَّكوين 9: 6. وها هُوَ رَبُّنا يُؤكِّد بفمه عقوبة الإعدام. فها هو يسوعُ نفسُه يقول ما جاء في سِفْر التَّكوين 9: 6: "سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ". فإن قَتلتَ إنسانًا، ستموت.
فهذا هو ناموسُ الله. ويسوعُ يُعيدُ ذلك هنا. "بُطرس! رَدَّ سَيفَك إلى مكانِه. فإن قَتلتَ إنسانًا، سيكونُ مِن حَقِّهم أن يَقتلوك". فهذا هو ناموسُ اللهِ الإلهيِّ لحفظِ قداسة الحياة البشريَّة. وبالمناسبة، في دراستنا لرسالة رومية والأصحاح 13، سوف نَدرس ذلك بالتَّفصيل حين نتأمَّل في ذلك النَّصِّ القويِّ جدًّا لأنَّه في رسالة رومية 13: 4، نقرأ ما يلي: "لأَنَّهُ [أي: الحاكِم] لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا". والآن، لماذا يُعطي اللهُ سيفًا للحكومة؟ أنتَ لا تُصْفَع بالسَّيف، بل تُقتَل بالسَّيف. والحكومة لا تَحمل السَّيفَ عَبَثًا، بل لسببٍ ما وَهُوَ أن تَستخدمَه. فاللهُ أعطى الحكومةَ الحقَّ في إزهاقِ حياةِ القَتلة. ويسوعُ يقول: "إن قَتلتَ إنسانًا، سيكون لديهم الحقُّ في أن يُزهِقوا حياتَك. وسوف تموت بتلك الطَّريقة". وحتَّى إنَّ بولسَ الرَّسول قالَ ذلك. فعندما تَواجَهَ مع النَّاموس قال: "إن كنتُ قد فعلتُ شيئًا خاطئًا، اقتلوني". فقد كان يَحترم شريعةَ الله. إن كنتُ أستحقُّ الموتَ، اقتلوني. فهذه هي شريعةُ الله. فلا يجوزُ لأيِّ شخصٍ أن يَقتُلَ إنسانًا.
بُطرس! لا أُبالي إن كان ما يفعلونه ظُلمًا. ولا أُبالي إن كان ما يَفعلونه إجحافًا. ولا أُبالي إن كان ما يَفعلونه جُوْرًا. ولا أُبالي إن كان ما يَفعلونه غير مُقدَّس. أنا لا أُبالي بكلِّ هذا. ولكن لا يَحِقُّ لك أن تَنتقم لنفسك لأنَّك إن قَتلتَ إنسانًا فإنَّكَ تَتخلَّى عن حياتك. فالأمرُ بهذه البساطة. فهذه هي شريعةُ الله. لذا، لا يجوزُ لأيِّ مؤمنٍ، في أيِّ حالٍ مِن الأحوال، أن يَقتل إنسانًا، ولا حتَّى للدِّفاع عن كرامة يسوع. والآن، أنا لا أتحدَّث عن الدِّفاع عن النَّفس؛ أي دِفاعك عن نفسك ضِدَّ شخصٍ يحاول أن يقتلك أو يَقتل أُناسًا مِن حولِك، بل أتحدَّث عن الانتقام العنيفِ مِن شخصٍ آخر. فسوف تَجلب على نفسك عقوبة القتل.
ثانيًا، لا يَقتصرُ الأمرُ على أنَّه تَصرُّفٌ مُهلِكٌ فقط، بل إنَّه يقول إنَّه عملٌ غَبيٌّ وذلك بسبب شخصيَّة المسيح. لاحظوا العدد 53: "أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟" أَترى حماقة ذلك؟ ما الَّذي تفعله بذلك السَّيف الغبيّ يا بُطرس؟ لو كنتُ أريدُ المساعدة لكنتُ طَلبتُ ذلكَ وحسب مِن الرَّبِّ فيُرسل اثني عشر جيشًا مِن الملائكة؛ أي اثنين وسبعين ألف مَلاك؛ بل أكثر مِن اثني عشر جيشًا، أو أكثر مِن اثنين وسبعين ألف مَلاكٍ. والآن، هل تَعلمون قوَّة اثني عشر ألف ملاك؟ بحسب ما جاء في سِفْر الملوك الثَّاني، أعتقد في الأصحاح 19، قام ملاكٌ واحدٌ بقتل 185 ألفًا مِن الأشوريِّين بمفرده. لذا فإنَّ اثنين وسبعين ألف ملاك يستطيعون أن يُلحِقوا أضرارًا أكبر بكثير. لِذا، أتَرى حَماقة ذلك؟ فأنتَ لست بحاجة إلى الدِّفاع عن ملكوت الله بسيفك. فاللهُ لا تنقصه المَوارِد. هذه حماقة! فالربُّ ليس بحاجة إلى ذلك. وَهُوَ يقول: "أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ..." ("آرتي" – “arti”)؛ أي: الآن...حالاً...في الحال. "فَيُقَدِّمَ لِي [الآبُ]..." الآنَ. فهو يَستخدمُ الكلمة "آرتي" ومعناها: حالاً. فيمكنني الآن أن أُصلِّي فيُعطيني الآنَ أو حالاً أو في الحال كُلَّ المعونة الَّتي أحتاج إليها. أَلا تُدرك أنَّه يمكنني القيام بذلك؟
ولكنِّي لا أفعل ذلك. فأنا لستُ بحاجة إلى ذلك. فالمسيحَّة لا تحتاج إلى أن تُحقِّقَ النُّصرة بتلك الطَّريقة، بل إنَّ اللهَ سيُحقِّق النُّصرة في وقته، وبطريقته، وفي مكانه، وبقدرته. لِذا فإنَّه يَخضَع طوعًا للمؤامرة الرَّامية إلى قَتله. وَهُوَ ليسَ هُجومًا عليه خارج نِطاق القانون...سواء صَدَّقتُم ذلك أَم لم تُصَدِّقوه. صحيحٌ أنَّه تَصرُّفٌ ظالِم، ولكنَّهم فَعلوا ذلك في إطار نَهجٍ قانونيٍّ مَزعوم. بعبارة أخرى، إنَّهم لا يُعدموهُ مِن غير مُحاكمة في البُستان، بل يُريدون أن يُحاكموه، وَهَلُمَّ جَرَّا. إنَّهم يُمارِسونَ قانونَ تلك الأُمَّة وقانونَ ذلك الشَّعب بالرَّغم مِن أنَّه ظالِم وغير قانونيّ وغير شَرعيّ مِن وُجهة نظر الرَّبِّ وتَلاميذه. ولكنَّه عَمَلٌ تقومُ به تلك الحكومة. وهو يقول: "لا يَحِقُّ لك أن تقوم بعملٍ شخصيٍّ عنيفٍ ضِدَّهم. وإن أراد اللهُ أن يُدافع عَنِّي فإنَّه قادر". لذا، عندما تفعل الحكومات أمورًا غير عادلة، ويفعل النَّاسُ أمورًا غير عادلة باسم الحكومة، لا يَحِقُّ لنا أن نَستلَّ السَّيف. فإن أرادَ الرَّبُّ أن يُنَجِّينا فإنَّه قادرٌ أن يُنَجِّينا. أمَّا إن لجأنا إلى الانتقام الشَّخصيِّ والعُنف، فإنَّنا نَجلب على أنفسنا عقوبة الموت.
ثُمَّ إنَّ هناك كلمة ثالثة مُهمَّة جدًّا وهي الكلمة "تُكَمَّل". فهناك الكلمة "مُهلِك"، و "غَبيٌّ"، ثُمَّ إنَّه يَستخدم الكلمة "تُكَمَّل" في العدد 54: "فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟" فأنتَ تَعلم أنَّ الكتاب المقدَّس يقول إنَّه لا بُدَّ مِن حدوث ذلك بهذه الطريقة. فلا بُدَّ أن يَتِمَّ القبضُ على يسوع. ولا بُدَّ أن يُساقَ يسوعُ كَنَعجةٍ تُساقُ إلى الذَّبح. لا في حرب، بل كنَعجةٍ تُساقُ إلى الذَّبحِ بهدوءٍ، وسلامٍ، وسَكينة؛ لا بِعُنف. فلا بُدَّ مِن حدوث ذلك بهذه الطريقة. فلا بُدَّ أن أتعرَّضَ للخيانة. ولا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ كما هو مَذكور في المزمور 41: 9؛ أي أن يَرفَعَ صَاحبي عَقِبَهُ عَليَّ. ولا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ كما هو مَذكور في المزمور 55؛ أي أن يقومَ شخصٌ قَسَمْتُ معه خُبزي بالانقلابِ ضِدِّي. ولا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ كما هو مَذكور في سِفْر زَكريَّا والأصحاح 11؛ أي أن تَتِمَّ خيانَتي مِن أجل ثلاثين قطعة مِن الفضَّة. ولا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ كما هو مَذكور في المزمور 22 بِكُلِّ أحداثِ الصَّلب. ولا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ كما هو مَذكور في سِفْر إشعياء والأصحاح 53. ولا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ كما هو مَذكور في سِفْر إرْميا والأصحاح 23. ولا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ كما هو مَذكور في سِفْر زكريَّا 13: 1. ولا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ كما قال جميعُ الأنبياء أنَّه سَيَتِمّ. فهكذا ينبغي أن يَتِمَّ الأمر. لِذا، ضَع ذلك السَّيف جانبًا وإلاَّ لن تُكَمَّلَ الكُتُب.
فبُطرس الَّذي تَباهى كثيرًا جدًّا، وصَلَّى قليلاً جدًّا، ونام كثيرًا جدًّا، وانفعلَ بسرعة كبيرة جدًّا كان ما يزال لا يَستوعب الأمر. ضَع سَيفك جانبًا. لا بُدَّ أن يَتِمَّ الأمرُ هكذا. ثُمَّ إنَّه يقول ذلك في العدد 56 مَرَّةً أخرى: "وَأَمَّا هذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ". فلا بُدَّ مِن حدوث ذلك بهذه الطريقة. لذا فإنَّه يُعطيه ثلاثة أسباب وَجيهة لعدم استخدام السَّيف: أوَّلاً، سوف يكون مُهلِكًا لكَ إن استخدمتَهُ. ثانيًا، إنَّها غباوة لأنَّ اللهَ ليس بحاجة إلى ذلك. ثالثًا، يجب عليك أن تَسير بحسب خُطَّة الله. وهذه هي الخُطَّة... هذه هي الخُطَّة. ثُمَّ إنَّنا نقرأ في نهاية العدد 56: "حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا". والكلمة "كُلُّهم" توكيديَّة. وهذا هو ما كان قد قالَهُ في العدد 31. أليس كذلك؟ فقد قال: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَة". وقد هربوا جميعًا...كُلُّ واحدٍ منهم. فقد هربوا. لقد هربوا بسبب الخوف.
وكما تَرون، فإنَّ يسوعَ قال: "لن نُقاتِل". وفي هذا الوقت، كانوا قد قَيَّدوا يسوعَ وأخذوه. فعندما استَلَّ بطرسُ السَّيفَ، ظَنَّ أنَّه إن وقعَ في ورطة فإنَّ الربَّ سيَصرَع الجميع. ولكنَّ الربَّ لم يفعل ذلك. فالربُّ سَمح لهم أن يُقيِّدوه. والآن، ها هُم قد خافوا. ومعَ أنَّ الربَّ جَعَلَ هؤلاءِ الرُّومان وهؤلاءِ القادة يقولون إنَّهم يَملكون فقط الحقَّ في أخذ يسوعَ النَّاصريَّ، كان التَّلاميذُ يَعلمون أنَّهم قد يُلاحقونهم هُم أيضًا. وَهُم لم يكونوا واثِقينَ مِن أنَّ يسوعَ سيُنَجِّيهم. لِذا رُبَّما ضَيَّعوا على أنفسهم مُعجزةً عظيمةً لتخليصهم. ولا أدري كيف كان سَيَتِمُّ تَخليصهم، ولكنِّي أَعلمُ أنَّه كان هناك شخصٌ واحدٌ نَجا. وربَّما لم تقرأوا يومًا عنه. ففي إنجيل مَرقس والأصحاح 14، نقرأ في العدد 50: "فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا". إذًا، فقد كان مَرقُس ينظر إلى نفس المشهد. وقد هَرب الجميع. ولكنَّنا نقرأ: "وَتَبِعَهُ شَابٌّ". ونحنُ لا نَعلم مَن هو. فهو شابٌّ مَا. فهذا هو كلُّ ما في الأمر. وهذا هو المكان الوحيد الَّذي يَأتي على ذِكرِه. فنحن لا نَعرف أيَّ شيءٍ آخر عنه سوى أنَّه شَابٌّ. ومِن الواضح أنَّه كان شخصًا يَهتمُّ بيسوع. "لاَبِسًا إِزَارًا عَلَى عُرْيِهِ". وهذا لا يعني أنَّه كان عُريانًا تمامًا، بل إنَّه كان يَرتدي ملابسَ داخليَّة، وأنَّه كان يَرتدي فوقها شيئًا ما. وهذا يعني أنَّه رُبَّما جاءَ على عَجَلةٍ مِن أمرِه.
فرُبَّما شاهدَ الجَمْعَ يَسيرُ في الشَّوارع ولم يَعلم ما يجري. ورُبَّما ارتابَ في شيءٍ ما. أو رُبَّما كانَ... فهناك أُناسٌ يَعتقدون أنَّه كان شخصًا يعيشُ في المنزل الَّذي فيهِ تلك العِليَّة. وهناك أشخاص يَعتقدون أنَّه كان منزل يوحنَّا مَرقُس، وأنَّ هذا كان يوحنَّا مَرقُس. ولكنَّنا لا نَعلم ذلك. فربَّما كان هناك ويُتابع ما يجري فارتدى ثوبًا خارجيًّا بسرعة كي يَتبعهم إلى هناك. لذا فقد جاء إلى البُستان. وعندما هَرب الجميع، هَرب معهم. "فَأَمْسَكَهُ الشُّبَّانُ" [أي بَقيَّةُ الجَمْعِ]، فقد أمسكوهُ أو قبضوا عليه "فَتَرَكَ الإِزَارَ وَهَرَبَ مِنْهُمْ عُرْيَانًا". فَقد كان يَبدو هنا أنَّه يَتبع المسيح. ولا بُدَّ أنَّ الآخرين ظَنُّوا أنَّه كان حَقًّا تابعًا للمسيح فأمسكوه. ولكنَّه تَمَلَّصَ مِن تحت ثوبه الخارجيِّ وهرب.
والآن، مِن الصَّعب أن نَفهم ذلك عَقيديًّا – أي لماذا يَذكُر الربُّ هذه الحادثة الصَّغيرة هنا مِن دون أن يُزوِّدنا بتفاصيل أكثر عنها. ولكنَّها قد تكون على أقلِّ تقدير إشارة إلى حقيقة أنَّه ما دام الربُّ قد سَمحَ لهذا الشَّابِّ أن يَهرب، مِن المُحتمل جدًّا أنَّه كانت لديه خُطَّة رائعة لتخليص التَّلاميذ لو كانوا أُمناء. أليس كذلك؟ أي لو أنَّهم تَبِعوه. ولكنَّهم لم يَعلموا ما هو ذلك الإنقاذ لأنَّهم هربوا بسرعة منذ البداية قبل أن يحدثَ أيُّ شيء. فقد عجزوا عن احتمالِ ذلك. أترون! فقد عجزوا عن احتمال ذلك. فَهُم لم يكونوا مُستعدِّين لتلك اللَّحظة. فقد كانت التَّجربة قويَّة جدًّا. "يا رَبُّ، سوف نمضي معك إلى الموت. يا رَبُّ لن نَستحي بكَ، ولن نُنكركَ، بل سنكون أُمناء على الدَّوام". وقد قالوا جميعًا الشَّيء نفسَه. أليس كذلك؟ فقد قالوا جميعًا الشَّيء نفسَه. ولكنَّ الأمر لم يحدث كما قالوا. فعندما جاءت التَّجربة وصارت حياتهم على المِحَكِّ، هربوا. والآن، نحن ننظر إليهم ونقول: "هذا سَيِّء! كيف يفعلون ذلك بابن الله الحبيب؟" ثُمَّ إنَّنا ننظر إلى أنفسنا ونقول: "مهلاً! هل فعلنا ذلك؟" هل هربتَ مِن لحظة تجربة، أو هربتَ مِن لحظة امتحان، وتركتَ المسيح؟ هل لم تكن أمينًا في البقاء معه عندما ساءت الأحوال، وزاد الضَّغط، واتَّضح لك أنَّ هناك ثمنًا ينبغي أن تَدفعه، وأنَّه يجب عليك أن تُظهر إيمانك أمام الحاضرين هناك؟ وما أعنيه هو أنَّ التَّلاميذَ كانوا أمثلة إيضاحيَّة جيِّدة على التِّلميذ الضَّعيف؛ أو على التِّلميذ الَّذي يهرب في حين أنَّه ينبغي له أن يبقى مع رَبِّه.
وهناك صِفاتٌ اتَّصفوا بها. فقد رأينا مؤشِّراتٍ على الجَمْع الشرِّير. ورأينا مؤشِّراتٍ على التِّلميذِ الزَّائف. واسمحوا لي أن أذكر لكم بعض مؤشِّرات التِّلميذ الضَّعيف. أوَّلاً، لقد كانوا غير مُستعدِّين. فقد كانوا نيامًا عوضًا عن أن يكونوا ماذا؟ مُصَلِّين. لماذا؟ لأنَّهم ظَنُّوا أنَّهم على ما يُرام. فكما تَرون، لقد خَلطوا بين النَّوايا الطيِّبة والقوَّة. وقد خَلطوا بين الأُمنيات الطيِّبة والشَّجاعة الحقيقيَّة. وقد بالغوا في ثقتهم بأنفسهم. لِذا لم يشعروا بحاجتهم إلى الصَّلاة، ولم يشعروا بحاجتهم إلى قبول التَّعليم الرَّائع الَّذي قَدَّمه يسوعُ لهم لتقويتهم، والوعود المذكورة في إنجيل يوحنَّا والأصحاحات 13-16 الَّتي قَدَّمها لهم في تلك اللَّيلة نفسها. فلو أنَّهم استمعوا إلى صلاته في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17 (حين صَلَّى إلى الآب أن يُثبِّتهم، وأن يَحفظهم، وأن يَجعلهم راسخين فيه)، فلو أنَّهم استمعوا إلى تلك الصَّلاة، ولو أنَّهم فَهموا جوهر ما قاله في إنجيل يوحنَّا والأصحاحات 13-16 عن القوَّة الَّتي يمتلكونها، وعن كلِّ الموارد المُتاحة لهم، وعن أنَّ كلَّ الأشياء الَّتي يحتاجون إليها يمكنهم أن يطلبوها ويحصلوا عليها. ولكنَّهم لم يستمعوا بالطَّريقة الَّتي كان ينبغي أن يستمعوا بها. لذا، يمكننا أن نقول إنَّهم تجاهلوا الكلمة وتجاهلوا الصَّلاة. لذا فإنَّهم لم يكونوا مُستعدِّين. ويمكنني أن أقول لكم إنَّه مِن المؤكَّد تمامًا أنَّك إن تجاهلتَ هذين الأمرين فإنَّك لن تكون مستعدًا أيضًا. فالنَّاس يتعثَّرون عندما يكونون ضُعفاء في الكلمة وضُعفاء في الصَّلاة.
ثانيًا، لقد كانوا مُتهوِّرين. فَهُم لم يكونوا مُختلفين عَنَّا في شيء لأنَّهم تَصرَّفوا بطريقة مُندفعة وليست عقلانيَّة. فقد تَصرَّفوا بطريقة عاطفيَّة وليس بحسب الإعلان. فَهُم لم يُفكِّروا في ما هو صواب، ولم يُفكِّروا في ما هو الأفضل، بل تَصرَّفوا حَسَبَ رَدِّ فِعلهم في تلك اللَّحظة. لذا فقد استلَّ بطرسُ سيفَهُ وقَطعَ أُذُنَ ذلك الرَّجُل. والشَّيءُ التَّالي الَّذي نَقرأه عنهم بعد ذلك هو أنَّهم هربوا مِن ذلك المكان. فقد تَصرَّفوا بعفويَّة تامَّة دون أن يُدركوا ما يجري، ودون أن يَعلموا التَّصَرُّفَ الصَّحيح. وأخشى أنَّ هناك مؤمنين كثيرين غير مُستعدِّين، ولا يقرأون الكلمة، ولا يَفتكرون بأفكار الكتاب المقدَّس، ولا يَصرفون وقتًا في الشَّركة مع الله كي يبنوا أَواصِرَ الثِّقة بينهم وبينه، وكي يُبقوا خَطَّ التَّواصُل والشَّركة مفتوحًا دائمًا، وكي يَعلموا الأفكار الَّتي يَفتكرُ اللهُ بها في قلبه في موقفٍ مُعيَّن. فالأشخاص الَّذينَ لا يفعلون ذلك يَتصرَّفون بحسب ردود أفعالهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، ويهربون في هذا الموقف أو ذاك بحسب ما يشعرون به في تلك اللَّحظة. وقد قلتُ هذا في سنواتٍ سابقة: يجب عليك أن تَصِل إلى نُقطةٍ في حياتك المسيحيَّة تصير فيها ردود أفعالك التِّلقائيَّة والمُباشرة متوافقة مع مشيئة الله. وهذا لن يحدث إلاَّ عندما تصيرُ خاضعًا لكلمةِ الله وروحِ الله. فإن بقيتَ ضَحيَّةً لمخاوفك، ستقع في المتاعب.
والشَّيءُ الثَّالثُ الَّذي أراه بخصوص هذا النَّوع مِن التَّلاميذ الضُّعفاء هو أنَّهم غير صبورين. فَهُم لا يُحسنون انتظار الإنقاذ الإلهيّ. وَهُم لا يُحسنون انتظار الشَّيء الرَّائع الَّذي يستطيع اللهُ أن يفعله. فالشَّابُّ الَّذي حاولوا أن يُمسكوه نَجا. ولو أنَّهم وثقوا بالعناية الإلهيَّة أيضًا (كما قلتُ) رُبَّما كانوا سيَشهدونَ مُعجزةً أعظم لو أنَّهم انتظروا بصبرٍ ليروا إنقاذ الله لهم. وهناك مؤمنون كثيرون يتصرَّفون هكذا. وربَّما نتصرَّف جميعًا بين الحين والآخر بالطَّريقة ذاتِها. فعوضًا عن أن ننتظر لنرى إنقاذ الله لنا، فإنَّنا نَسلُك الدَّرب السَّهل ونهرب. ونحن نَجلب العار على اسم المُخلِّص لأنَّنا لم ننجح في التَّجربة. ولو أنَّنا صَبرنا فيها واحتملناها لرأينا يَدَ الله المُخلِّصة ومَجَّدناهُ وسَبَّحناه. كذلك، لقد كانوا جسديِّين. بعبارة أخرى، لقد كانوا يَتَّكلون على قدرتهم الجسديَّة، وعلى أسلحتهم الجسديَّة. وعندما خسروا أسلحتهم الجسديَّة واضطُرُّوا إلى إعادة سُيوفهم إلى أغمادِها، لم يَعلموا أين ينبغي أن يذهبوا. فَهُم لا يُحسنون الاتِّكال على الله، ولا يُحسنون الإيمان. لذا، يمكننا أن نُلَخِّص هذا كُلَّه ونقول إنَّ التَّلاميذ الضُّعفاء لا يَتصرَّفون بنفس الطَّريقة دائمًا. فَهُم يتعهَّدون بأشياء كثيرة جدًّا، ولكنَّهم لا يَلتزمون بوعودهم. وهناك مؤمنون كثيرون يشبهونهم اليوم.
وأخيرًا، إنَّ آخرَ وأروعَ جميع المشتركين في المشهد، بكلِّ تأكيد، هو المسيحُ نفسُه. ونحنُ نرى انتصار المُخلِّص. وهو أمرٌ يَتَّسِمُ بالجلال. وكأنَّ فَرَحَ مَتَّى العظيم يَكمُنُ في حِفْظِ المسيح مِن أيِّ شيءٍ يَمَسُّ مَجدَهُ مهما بَلَغَ قُبْحُ المشهد. بعبارة أخرى، فَكِّروا في ذلك بالطَّريقة التَّالية: إنَّ العالَم يُبغضكَ ويريدك مَيْتًا. وواحدٌ مِن خاصَّتك (وهو شخصٌ صَرفَ ثلاث سنواتٍ معك) يبيعُك بنفس الثَّمن الَّذي كان يُشترى به العبد. وبقيَّةُ تلاميذك يهربون وينجون بحياتهم. والآن، ما الَّذي يَقوله ذلك عنك؟ ليس الكثير أوَّلَ وَهلة. فلا يمكنك حَتَّى أن تَثِقَ بأكثر أصدقائك تكريسًا في الأحوال العَصيبة. وهناك شخص يَعرفك معرفة وثيقة ولكنَّه قد يبيعك بنفس الثَّمن الَّذي يُباع فيه العبد. والعالَمُ الَّذي تَخدمه منذ ثلاث سنوات يريدك مَيْتًا. فذلك لا يَعكس صورة جَيِّدة عنك أوَّل وهلة. وقد تنظر إلى مشهدٍ كهذا فترى أنَه شيءٌ يُهينُ مجدَ المسيح، أو أنَّه شيءٌ يَسلبُه جلالَه. ولكن مِن جهة أخرى، إذا استمعتَ إليه بعناية مِن خلال كلمات روح الله وقلب مَتَّى، سترى العكس تمامًا. فبالرَّغم مِن كلِّ هذه الأشياء، يمكنك أن تَرى انتصارَ المسيح.
فأوَّلاً، أنت تَرى انتصار المسيح في مواجهته مع الجَمْع. أَلا لاحظتُم العدد 49 مَرَّةً أخرى؟ فهو يقول إنَّ الجَمْعَ جاءَ وإنَّ العلامة قد أُعطيت، وإنَّ العلامة كانت قُبلة. "فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: «السَّلاَمُ يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ". والآن، في تلك اللَّحظة، أعتقد أنَّ شيئًا ما قد حدث. ولا أدري أين حدث ذلك هنا، ولكن في لحظةٍ ما عندما وَصَلَ يهوذا وتَقدَّم لتقبيل المسيح (وهناك مَن يقول إنَّ ذلك حدث قبل القُبلة، وهناك مَن يقول إنَّه حدث بعد القُبلة؛ ولكن في تلك اللَّحظة)، حدث شيءٌ مُميَّز. ويجب أن تُلاحظوا ذلك في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 18: "فَخَرَجَ يَسُوعُ [في العدد 4]... وَقَالَ لَهُمْ...". وربَّما حدث ذلك بعد القُبلة. فأنا أعتقد ذلك. فقد تَقدَّم مِن الجَمع وقال لهم: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟" وكأنَّه يقول: "أنتم لستم بحاجة إلى هذه القُبلة. فأنا لستُ مُختبئًا". وكأنَّه يُجَرِّد يهوذا مِن أيِّ شعورٍ بالرِّضا بأنَّه حَقَّق أيَّ شيء أو فعل أيَّ شيءٍ ذا قيمة أو ضَروريّ. فهو يَسيرُ نحو الجَمْع مباشرةً ويقول: "مَن تَطلُبون؟" بعبارة أخرى، مَنِ الَّذي تَملكونَ الحقَّ في القبض عليه؟ "أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْض".
لقد سَقطَ ألفُ شخصٍ مِثل سَمكة مَيِّتة، وارتطموا بالأرض، وانطرحوا على ظُهورهم. مَن في رأيكم المُهيمِن هنا؟ فكلمة واحدة مِن فمه: "أنا هُوَ"، أو لقد قال حَرفيًّا: "أَهْيَه"؛ وَهُوَ اسمُ الله. "أَهْيَه". فسقطوا على الأرض. وكما تَرونَ فإنَّ النُّقطة الجوهريَّة هي أنَّنا نَرى في مواجهتَه مع الجَمْع مَنْ كانَ مُهيمِنًا. أليس كذلك؟ فقد نَظُنُّ وهلةً أنَّ يسوع كان ضَحيَّةً. ولكن لا، لا! فهو لم يكن ضَحيَّةً، بلِ الحقيقةُ هي أنَّ السَّببَ في أنَّهُم وَقفوا على أقدامهم مَرَّةً أخرى هو أنَّه سَمَحَ لهم بذلك. ثُمَّ إنَّه سألهم مَرَّةً أخرى... وأعتقد أنَّه فعل ذلك في الوقت الَّذي كانوا فيه ما زالوا مُنطرحين على الأرض... وحيثُ إنَّهم كانوا قد صَعِدوا الجبلَ، لا بُدَّ أنَّهم كانوا مُنطرِحينَ على الأرض بطريقة مُضحكة. "فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». أَجَابَ يَسُوع: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ»". وكما تَرونَ، لقد كان يَعمل على إنقاذ التَّلاميذ؛ وَهُوَ إنقاذٌ لم يَختبروه بسبب عدم صَبرهم. فقد كان يَعمل على ذلك. ولكنَّ الشَّيء المُدهش هو أنَّه كان يُهيمن تمامًا على ذلك الحَشْد. ولكنَّ الحشدَ كان غَبيًّا جدًّا، وأحمقَ جدًّا لأنَّهم نَفضوا التُّراب عن أنفسهم واستمرُّوا في القيام بما كانوا مُزمِعين أن يفعلوه كما لو أنَّ شيئًا لم يحدث!
والآن، هل هذا يَدُلُّكم على شيء؟ لقد كان يهوذا مَسكونًا بالشَّيطان. وقد قال يسوع: "وَلكِنَّ هذِهِ سَاعَتُكُمْ [في إنجيل لوقا] وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ". فالجَحيمُ مُسْتَعِرٌ تمامًا في هذه السَّاعة. لِذا سوف تَستجيبون لجَهنَّم، وليسَ لي. ولكنَّه كان المُهيمِن. والآن، لنرجِع إلى إنجيل مَتَّى. وهناك مَشهدٌ آخر أو عُنصرٌ آخر هنا يُبيِّن لنا مواجهتَه مع الجَمْع في العدد 55. ونحن لم نَذكُر ذلك في السَّابق. لذا، سوف ننظر إليه الآن. "فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ: كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ". فالكلمة الحَرفيَّة هي: "لِصّ". "كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي!" هل تُعامِلونَني كَلِصٍّ؟ "كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي". ورُبَّما كان قد ذهب إلى هناك حَتَّى يوم الخميس في الوقت الَّذي كان فيه التَّلاميذ يَستعدُّون للفصح. ولكنَّ الكتاب المقدَّس لا يَقول ذلك. "لِمَ لَمْ تَقبضوا عليَّ آنذاك؟" وكما تَرون، كأنَّه يقول لهم: أنتم تَعلمون أنِّي لستُ لِصًّا، بل أنتم اللُّصوص. وأنتم تَعلمون أنَّه كان بإمكانكم أن تقبضوا عليَّ في أيِّ يومٍ في هذا الأسبوع في الهيكل لو كان لديكم مُبَرِّر للقيام بذلك. ولكنَّكم لم تُمسكوني لأنَّكم تَعلمون أنَّكم لا تَملكون الحقَّ في فِعل ذلك، ولأنَّكم كُنتم خائفينَ مِن الشَّعب.
فهو يُميطُ القِناعَ عن شَرِّهم. فَهُم لم يقبضوا على يسوعَ أمامَ الشَّعب لأنَّهم كانوا يَعلمون أنَّهم لا يُمسكونَ شيئًا ضِدَّه. وقد كانوا يخافونَ مِن الشَّعب الَّذي كان يَعلم أنَّه المَسيَّا. فهو ليس سارقًا، بل هُمُ السَّارقون. وهو ليسَ لِصًّا، بل هُمُ اللُّصوص. ولا شَكَّ في أنَّهم كانوا يَتبعون الشَّيطان. ولكنَّه يقول: "هذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَة". أنتم خاضعون لجهنَّم. واللهُ هُوَ الَّذي ارتَضى بسيادته أن يُعطي الجَحيمَ تلك اللَّحظة. فهذا هو يوم الجَحيم (مِن مُنتصف اللَّيل إلى ما بعد فَجْرِ يوم الأحد) عندما انفتحَ القبر. فهذه هي لحظة الجحيم. لِذا، أنتم تحت هَيمنة الجحيم. لماذا لم تمسكوني؟ لأنَّ الوقتَ آنذاك لم يكن قد حان بعد. ولكن هذه هي لحظة الجحيم، وأنتم أعوان الجحيم. لِذا، هناك قصدٌ مُزدوج في اعتقادي مِن وراء هذه الجُملة. الأوَّلُ هو أن يُبيِّن لهم أنَّ ما فعلوه شَرٌّ. وقد كانوا يَعلمون ذلك؛ وإلاَّ لفعلوا ذلك أمام الشَّعب. ثانيًا، لقد كانوا يتصرَّفون بتوجيهٍ مِن الشَّيطان نفسه. وقد كان هو الَّذي سَمَحَ للأمور أن تَصِلَ إلى هذا الحَدّ. لِذا فإنَّنا نرى نُصرتَهُ التَّامَّة حَتَّى عندما واجَهَ الجَمْع. فاللهُ هو المُهيمِن على كلِّ شيء. والجَمْعُ هو الضَّحيَّة. فقد رجعوا إلى الوراء عندما واجَهَوه. وقد فَعلوا ما فعلوه تحت هَيمنة الجحيم لأنَّ الله سَمَح بذلك.
ثانيًا، نَرى نُصرة المُخلِّص في مواجهته مع يهوذا. أليس كذلك؟ "افعل ما جئتَ لتفعله" (كما يقولُ في العدد 50). فلا يوجد صِراع، ولا يوجد غضب، ولا يوجد هَياج، ولا يوجد سُخْط، ولا توجد ضَغينة؛ بل هدوءٌ تامٌّ، وتكريسٌ تامٌّ، وثقة كاملة، وتسليمُ كاملٌ ليديِّ الله. فيا لهُ مِن جَلال! فهو لا يَتصرَّف كما يتصرَّف المُجرم في مِثل هذه الحالة. وهو لا يَتصرَّف كما يَتصرَّف الشَّخص البَريء الَّذي يَصرخ بأنَّه بريء... بَريء... بَريء. فهو هادئ، وهو مُسيطرٌ على أعصابه، وهو ذو الجَلال. ونحن نَرى نُصرته أيضًا في مواجهته مع بطرس. فبطرس لم يكن يَملِكُ أيَّ ثقة. وبطرس لم يكن يَفهم مَوارِدَهُ الروحيَّة. أمَّا المسيحُ فَكانَ يُدرك ذلك. ونحن نَراهُ بالتَّبايُن مع بطرس. فهو هادئ تمامًا. هو يَضَع نفسَه بين يديِّ الآب. وهو يَمتلكُ إخلاصًا سماويًّا لا يَعرفُ بُطرسُ أو التَّلاميذُ شيئًا عنها. فَهُم لم يكونوا أوفياء. فقد هربوا. أمَّا هو فكان وَفيًّا. فقد بقي. وقد كانت تجربته أعنف جدًّا مِن تجربتهم. لذا، أعتقد أنَّنا نَرى انتصار المُخلِّص حتَّى في هذا المشهد.
والآن، اسمعوني: أين أنت؟ أين أنت في هذا المشهد؟ أنت موجود هناك. وكذلك أنا. فكلُّ شخصٍ موجود هناك. هل أنت مع الجَمْعِ الرَّافض؟ لقد قال يسوع: "مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ". فهل أنت مع هؤلاء؟ هل أنت مع تلك المجموعة الظَّالمة والغَبيَّة والجبانة مِن النَّاس الَّذينَ يُنكرون المسيحَ ولا يريدونه في حياتهم؟ هل أنت معهم؟ إذًا، أنت لستَ في حالة أفضل أو مختلفة عن أولئك الرُّعاع. أو ربَّما أنت واحدٌ مِن أولئك التَّلاميذ الزَّائفين الَّذي يَتظاهرون بأنَّهم يُحبُّونَ اللهَ، ويُحبُّونَ المسيحَ، ويَخدمونَ الربَّ، ويريدون مشيئتَه؛ ولكنَّ حقيقة الأمر هي أنَّك تَسعى إلى تحقيق مكاسبك الشخصيَّة. وإن لم تحصل على ما تريد فإنَّك تريد الحصول على شيءٍ آخر. وأنت مُستعدٌّ لبيع يسوع إن وجدتَ شيئًا أفضل. أم أنَّك واحدٌ مِن أولئك التَّلاميذ الضُّعفاء جدًّا الَّذينَ إذا اشتدَّت التَّجربة يَهربون ويخسرون المعركة؟ أم أنَّك تقف هناك مع المُخلِّص المنتصر مُنتصرًا، ومستعدًّا لاحتمال أيِّ شيءٍ تواجهه؟ فلا بُدَّ أنَّك في مكانٍ ما. وأنتَ تَعلم، واللهُ يَعلم، أين تقف.
نَختِمُ بالصَّلاة، يا أبانا، بعد هذا المشهد النَّابض بالحياة. فنحن نريد أن نفحصَ قلوبَنا؛ لا قلوب أشخاصٍ آخرين، بل قلوبَنا. فهناك أشخاصٌ مِنَّا سمعوا الكثير لوقتٍ طويلٍ ولم يحصلوا على أيِّ شيءٍ سوى التَّمتُّع بالقصَّة. ولكنَّنا نريد أن نَفعل ما هو أكثر مِن ذلك بأن نَقتنع بمحتواها. وصلاتي يا رَبُّ مِن أجل الأشخاص الَّذينَ رُبَّما يقفون بين الحشود (أيِ الحشود الظَّالمة والغَبيَّة والجبانة والمُجَدِّفة) الَّذين يُمسكون المسيحَ القدُّوسَ بأيديهم النَّجستين ويَطردونه مِن حياتهم. صلاتي يا رَبُّ أن يكون هذا اليوم هو اليوم الَّذي يأتون فيه إلى معرفة المُخلِّص على حقيقته. فيا ليتهم يَخرجون مِن بين الحشود ويأتون إلى المسيح ويطلبون أن يعرفوه. وصلاتي لأجل الأشخاص الَّذينَ قد يكونون تلاميذ زائفين، والَّذين هُم زَوانٌ مَزروعٌ بين الحِنطة، والَّذين يُشبهون الزَّرع الَّذي يَنمو وقتًا قصيرًا ولكنَّه لا يَحمل أيَّ ثَمر. وعندما تأتي التَّجارب فإنَّهم يَموتون. أُصَلِّي لأجل أولئك الأشخاص المُدَّعين الَّذينَ هُم ليسوا حقيقيِّين، بل يَسعون فقط إلى مَصالحهم الشخصيَّة. وأُصلِّي أيضًا لأجل التَّلاميذ الحقيقيِّين الَّذينَ يُلاقون صعوبةً في احتمال ضغط التَّجربة، وصعوبةً في الثَّبات بصمود. يا رَبُّ، ساعدنا على أن نَثبُت في الكلمة والصَّلاة، وأن نَتَّكِل عليك ونَنتظر بصبر إلى أن نَرى يد الله الَّتي تُنقذنا. ونحن نشكرك على الأشخاص الَّذينَ يقفون مع المُخلِّص في وسط الضِّيقات مُنتصرين وفائزين. فيا ليتَنا نجد أنفسنا، يا رَبُّ، ونأخذ الخطوات اللاَّزمة حالاً للتَّقدُّم وإحراز النَّصر.
This article is also available and sold as a booklet.
