نأتي إلى دراسة كلمة الله مِن إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّادس والعشرين مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح. وهي قصَّة مَعروفة جدًّا. إنَّها قصَّة إنكار بُطرس الرَّسول. في هذا الأسبوع، في أثناء دراستي لهذا النَّصِّ تحديدًا مِن الكتاب المقدَّس، تأثَّرتُ بفكرة جديدة ومفهومٍ جديد بخصوص هذه القصَّة الحزينة والمأساويَّة. والفِكرة هي أنَّني أعتقد، في قلبي شخصيًّا، أنَّ هذه قد تكون أكثر قصَّة مُشجِّعة وأكثر قصَّة تُعطي رَجاءً مِن بين كلِّ القصص في الكتاب المقدَّس. فنحنُ ننظر عادةً إلى إنكار بُطرس ليسوعَ المسيح كما لو كان مأساةً عظيمة. وهو كذلك بالفعل. ولكن يوجد جانب آخر لهذه القصَّة. فهناك جانب مُدهش ومُفرِح لهذه القصَّة، وجانبٌ يَبعثُ على الحماسة. وأرجو أن يَتَكَشَّفَ ذلك الجانب لكم في أثناء تأمُّلنا في هذا النَّصِّ في هذا الصَّباح. فقد بَثَّ هذا النَّصُّ فِيَّ حَماسةً كبيرةً كما لو كانت هذه أوَّل مَرَّة أدرس فيها هذه القصَّة. فقد صار بمقدوري أن أراها كقصَّة إيجابيَّة، ومُدهشة، ومُفعمة بالرَّجاء، ومُشجِّعة. وأنا أتمنَّى أن تكون كذلك بالنِّسبة إليكم.
وقد سألتُ نفسي سُؤالاً: ما هي أعظم هِبَة يمكن أن يَهَبَها اللهُ؟ ومِن الواضح أنَّ الجوابَ عن هذا السُّؤال مِن الكتاب المقدَّس هو: غُفران الخطايا. فلا يوجد خلاص مِن دون غُفران الخطايا. ولا توجد علاقة بالله مِن دون غُفران الخطايا. ولا يوجد دخول إلى السَّماء ما لم تُغفَر خطايانا. ولن نكون نافعينَ للرَّبِّ ما لم تُغفَر خطايانا. ولن نَتحرَّر مِن الذَّنب مِن دون غُفران الخطايا. فأعظمُ شيءٍ قَدَّمَهُ اللهُ للإنسان هو غُفران الخطايا. لِذا، نقرأ في سِفْر الخروج 34 أنَّه عندما قال مُوسَى: "أريدُ أن أراكَ يا الله"، قال الرَّبُّ: "أنا الرَّبُّ، الرَّبُّ الإلهُ. إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، غَافِرُ الإِثْمِ"، وراحَ يَصِفُ طبيعَتَهُ المُنعِمَة الغافِرَة للخطيَّة. ويقولُ النَّبيُّ ميخا: "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ؟" والرَسول يوحنَّا يقول: "إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ. ... إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ".
فغُفرانُ الخطيَّة أو التَّطهير مِن الخطيَّة هو أعظم هِبَة قَدَّمها اللهُ للإنسان. وهذا هو تمامًا ما نَراه في هذا النَّصّ. ولا أعتقد أنَّ أيَّ قِدِّيسٍ في الكتاب المقدَّس غَاصَ يومًا في أعماق الخطيَّة كما فَعل بطرس في هذه الحادثة. والعَجَبُ العُجَابُ حقًّا هو أنَّه بالرَّغم مِن فَدَاحَة خطيَّئتِه، كان الرَّبُّ هناك كي يَغفر له. وهذه حقيقة تَمنحُنا رجاءً. فقد اختبرنا جميعًا [نحن المؤمنين] أوقاتًا نأتي فيها قُدَّام الرَّبِّ ونحن نشعر بالوطأة الشَّديدة لخطايانا الشخصيَّة. وإن لم نفعل ذلك نكون بارِدين جدًّا أو رُبَّما حتَّى غير مؤمنين. ولكن بالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذي يَعرفون الرَّبَّ، والَّذين يَسلكون بحسب مشيئته، وفي ضَوْء كلمته، وبقوَّة رُوحِه، هناك دائمًا أوقاتٌ نُدرك فيها خطيئتنا فنأتي بانكسارٍ أمام الرَّبِّ لنجد الغُفران الَّذي يَشفي النَّفس ويَجلب الفرح. وقد كان هذا هو اختبار بطرس. وقد وَفَّرَتْ فَداحَةُ خطيَّئته فُرصةً لله كي يُظهر النِّطاق الهائل لغُفرانه. وبالنِّسبة إلى بطرس الَّذي سقط سَقطةً مُريعةً، صار حَالَ رَدِّهِ النَّاطقَ الرَّسميَّ الرَّئيسيَّ بلسانِ الكنيسة الأولى، والقائدَ العظيم الَّذي نَراه في الأصحاحات الاثني عشر الأولى مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل. لذا، إنَّها قصَّة مُفعمة جدًّا بالرَّجاء والتَّشويق والتَّشجيع لجميع الخُطاة الَّذينَ نالوا الخلاصَ بنعمته.
والآن، لكي نَفهم النَّصَّ الَّذي أمامَنا (أي الآيات مِن 69 إلى 75، أو الفِقْرة الأخيرة مِن الأصحاح 26)، يجب علينا أن نرجع إلى الوراء. فيجب علينا أن نُدرك أنَّ لوحةَ اعتقال المسيح ومُحاكمته تَحوي إنكارَ بُطرس هذا، وأنَّ كلَّ ما جَرى كان يُشير إلى أنَّ ذلك سيحدث. فالأمر لم يحدث فجأةً، بل إنَّ هناك أسبابًا لحدوثه. فعندما تَبتدئون بقراءة العدد 69، وتجدون بطرس في السَّاحة، ويأتي شخصٌ إلى هناك ويُدرك أنَّه كان مِن أتباع المسيح، ويُنكر ذلك، ثُمَّ يأتي شخص آخر لاحقًا ويعرفه فيُنكر ذلك، ويأتي آخر فيُنكر ذلك، فإنَّك تقول لنفسك: "كيف يُعقَل أن يَحدث هذا الأمر؟" ويجب عليكم أن ترجعوا قليلاً في النَّصِّ لكي تَعثروا على الجواب. فهناك تَسلسلٌ للأحداث.
والآن، نبتدئ مِن العدد 31 في ما يمكننا أن نُسَمِّيه: "غُرور الخاطِئ"... غُرور الخاطِئ. فقد كانوا قد سَبَّحوا [كما يقول العدد 30] وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُون؛ أي الرَّبُّ والتَّلاميذُ الأحدَ عشر. فقد كان يهوذا قد غادر للاهتمام بتفاصيل الخيانة. وسوف يَظهر بعد قليل في البُستان إذ إنَّه هو الَّذي سيقود الحَشدَ الَّذي سيأتي للقبض على المسيح. ولكنَّ يسوعَ والتَّلاميذَ الأحدَ عشر كانوا قد انتهوا مَن أكل عشاء الفصح، ومِن تأسيسِ مائدةِ الرَّبِّ، ومِن التَّعليم المُدوَّن في إنجيل يوحنَّا والأصحاحات 13-16، ومِن الصَّلاة الكهنوتيَّة الرَّائعة المذكورة في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17. وكان الرَّبُّ قد قالَ وفعل كلَّ ما يريد أن يقول وأن يَفعل. فقد خَتَمَ العهدَ القديم بعيد الفصح الأخير الرَّسميّ. وقد أَسَّسَ العهدَ الجديدَ بمائدته. وقد قَدَّم لهم حقائق عظيمة ينبغي أن يُؤسِّسوا حياتَهم عليها إلى أن يعود. وَهُوَ يذهب الآن إلى البُستان لكي يُصلِّي قبل أن يَتِمَّ القبضُ عليه. وفيما كانوا مُنطلقين نحو جبل الزَّيتون، قال يسوع لهم: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ" [وَهُوَ يَقتبسُ ما جاءَ في سِفْر زَكريَّا]: "أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ". فيسوعُ يَتنبَّأُ بأنَّهم سيتركونه. فهو يتنبَّأُ بأنَّهم جميعًا سيتركونه في وسط تجربته. "وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي [كما جاء في العدد 32] أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيل". ثُمَّ إنَّه يتنبَّأ بقيامته وَبِلَمِّ شَمْلِ تلاميذه المُشتَّتين. فسوف يتركونه في لحظة تجربته. وأنا لا أعني في محاكمته الزَّائفة، بل في تجربته أو في الصِّراع الَّذي سيختبره في هذا المشهد بأسره. ولكنَّ تلك لن تكون نهاية القصَّة لأنَّه سيقومُ ثانيةً، ويَجمَعُهم إليه، ويَسبقهم إلى الجليل.
والآن، عندما يَتنبَّأ يسوعُ بإنكار التَّلاميذ له، يُجيبُ بُطرس قائلاً في العدد 33: "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا". فبطرس يَعترض بصوتٍ عالٍ وجازِم على قَول الرَّبِّ ونُبوءته بِتَرك التَّلاميذ له. وَهُوَ يقول في الحقيقة: "قد يَفعل الجميع ذلك، ولكنِّي لن أفعل ذلك". فاستنادًا إلى مشاعره القويّة تجاه المسيح، واستنادًا إلى محبَّته وتَعلُّقه بالمسيح، شَعرَ أنَّه مُحَصَّن. فهو لم يَقبل نُبوءة يسوع. فقد ظَنَّ أنَّه بَلغَ نُقطةً في حياته الشَّخصيَّة صار فيها ناضجًا روحيًّا، وتَرسَّخت فيه أولويَّاته، ولم يعد فيها ضَحيَّةً لهجمات الشَّيطان أو العالَم أو الجسد. وَهُوَ لم يتخيَّل أن يكون هناك أيُّ ظَرف أو تَحَدٍّ يمكن أن يجعله بأيِّ حال مِن الأحوال يَشُكُّ بالربِّ يسوعَ المسيحِ أو يُنكِرُه. فأحاسيسه العاطفيَّة لم تَسمح له أن يُفكِّر في ذلك بعقله. فهو لم يتخيَّل وجودَ ضغطٍ بهذا الحجم. لذا فإنَّنا نراه هنا يَقولُ بغرور: "أنت على خطأ يا رَبّ". وقد كان هذا يتطلَّب الكثير مِن الغرور لكي يتحدَّى كلامَ اللهِ الحيِّ ويقول: "أنت على خطأ"، ولكنَّ هذا هو ما فعله.
لذا فإنَّنا نَرى في الأعداد 31-33 غُرورَ الخاطِئ. وبعد ذلك مُباشرةً، نَرى "استخفافَ الخاطئ". فنحن نَقرأ في العدد 34: "قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ [ويُضيفُ مَرقُس أنَّه "قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْن" – فقد كان يسوعُ مُحَدَّدًا جدًّا] تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ»". فيسوعُ يَقولُ جُملةً أقوى مِن الأولى. وَهُوَ يُوجِّهُها لا إلى المجموعة بأسرها، بل فقط إلى بُطرس فيقول: "على العكس، لن يَقتصرَ الأمرُ على أنَّك لن تَقف إلى جانبي [كَبقيَّة التَّلاميذ الآخرين]، بل إنَّك ستَنحدِر خطوةً أخرى أكثر منهم لأنَّك ستُنكرني ثلاث مَرَّات قبل أن يَصيح الدِّيكُ مَرَّتين". وفي العدد 35، نَقرأ عن استخفافِ بُطرس. فقد قال بطرس له: "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!" وقد انتقلت حماسته الكلاميَّة تلك إلى بقيَّة التَّلاميذ: "هكَذَا قَالَ أَيْضًا جَمِيعُ التَّلاَمِيذ". فقد قال الرَّبُّ في العدد 34: "سوف تُنكرُني". وَهُوَ يَستخدم أقوى فِعلٍ يُشيرُ إلى الإنكارِ التَّامّ، ولكنَّ بطرس لا يَتقبَّل ذلك. فهو يَستخفُّ جدًّا بكلامِ الرَّبّ. وهذا أمرٌ عَجيبٌ جدًّا! وفي إنجيل مَرقس 14: 31، يَكتُب مَرقس أنَّه اعترضَ بشدَّة على هذا. فهو لم يكن اعتراضًا خفيفًا، بل كان اعتراضًا شديدًا: فهو يقول: "سأموتُ أوَّلاً". وهذه أقوى وأعظم صورة للشَّجاعة.
لِذا فإنَّنا نَرى أنَّه في مساء يوم الخميس، تَعَهَّد بطرس بإظهار أكبر قدرٍ مِن الشَّجاعة حتَّى لو اقتضى الأمر أن يموت. وَهُوَ يَتباهى بذلك ويَتحدَّى كلامَ الرَّبّ. وهذا مُدهش حقًّا. فهذا الرَّجُل يَتمتَّع بشخصيَّة قويَّة وغرورٍ قويٍّ جَعَلَهُ يقول للشَّخص الَّذي نَطَقَ بالحقّ: "أنت على خطأ". ولكنَّ هذا هو ما فعله. ويُتابع مَتَّى تصويرَ انحدار بُطرس المُتتالي منذ اللَّحظة الَّتي وَصلوا فيها إلى البُستان في العدد 40. فقد جاءوا إلى البُستان في أعلى جبل الزَّيتون. وقد ذهبَ يسوعُ إلى مكانٍ أعمق قليلاً في البُستان؛ في حين أنَّ التَّلاميذَ (أو بالحَرِيِّ ثمانية منهم) بَقَوْا عند المَدخل. وقد ذهب ثلاثة منهم (وَهُم: بُطرس ويعقوب ويوحنَّا) إلى نُقطة أبعد، وذهبَ يسوعُ إلى نُقطة أبعد منهم. لذا فقد ذهب يسوع إلى مَوضعٍ خَلاء. وعندما عادَ، بالرَّغم مِن أنَّه كان قد قال لهم إنَّه ينبغي لهم أن يُصلُّوا معه، وَجَدَهُم [في العدد 40] نِيامًا. لذا فإنَّه يقول لبطرس الَّذي كان قائد التَّلاميذ المِغوار: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ". والآن، نحن نَعلم أنَّ الرُّوح نشيطٌ. فقد عَبَّرَ بطرس عن هذا الأمر. أليس كذلك؟ وقد أكَّدَ جميعُ التَّلاميذ أيضًا انَّهم مستعدُّون حقًّا للموت لأجل الرَّبّ. ولكنَّ جسدهم لم يكن نَشِطًا مِثل رُوحهم.
لذا فإنَّه يقول لهم: "كان يجب عليكم أن تُصَلُّوا". ولكنَّكم تَرون أنَّ التَّلاميذ المُتَعجرفينَ والمُتفاخرين والمُعتدِّين بأنفسهم لا يُصلُّون لأنَّهم لا يشعرون بحاجتهم إلى ذلك. هل تفهمون هذا؟ فقد بلغوا نقطة الحَصانة. وقد كانوا في موقفٍ ظَنُّوا فيه أنَّهم مُحَصَّنون جدًّا. فما حاجتهم إلى الصَّلاة؟ لذا، عوضًا عن أن يَتيقَّظوا لِما كان يحدث فِعليًّا في تلك اللَّحظة لأنَّ تلك كانت "ساعة سُلطان الظُّلمة" [كما قال يسوع]، وعوضًا عن أن يَتَنَبَّهوا لحقيقة أنَّ قُوى الجحيم لم تَعمل يومًا بالجهدِ الَّذي كانت تعمل فيها في هذه السَّاعة، ناموا وحَسب. فما حاجتهم إلى الصَّلاة؟ فقد تَعَهَّدوا بما تَعَهَّدوا به. وقد قالوا ذلك بكلِّ عواطفهم، وبكلِّ مشاعرهم، وبكلِّ تكريسهم ليسوع، وبكلِّ أحاسيسهم. وقد ظَنُّوا أنَّهم سيتصرَّفون بحسب ما تَعَهَّدوا به لَفظيًّا.
لِذا فإنَّنا نَرى عدمَ مُبالاة الخاطِئ. فَهُم لا يُبالون بحاجتهم إلى الصَّلاة. ويعودُ الربُّ إلى الصَّلاة مَرَّةً ثانيةً في العدد 42 ويُصلِّي. وَهُوَ يعود في العدد 43 فيجدهم نِيامًا أيضًا. وفي العدد 44، يَعود إلى الصَّلاة ويرجع مَرَّةً أخرى في العدد 45 فيجدهم نيامًا أيضًا ويقول: "هل أنتم نائمون الآن وتَستريحون؟" ما زلتم نائمين! فقد كان يسوع يَرى يهوذا وحُرَّاسَ الهيكل، والجنودَ الرُّومان، والكهنة يَصعدون سَفح الجبل ويتقدَّمون نحوهم. وكان التَّلاميذ نائمين طَوال ذلك الوقت. فَقد كانوا يُبالغون في ثقتهم الرُّوحيَّة بأنفسهم، ولا يُبالون بحقيقة الهجوم لأنَّهم كانوا مَغرورين جدًّا. ثُمَّ نجد المشهد الثَّاني في العدد 51. ونقرأ هنا عن "تَهَوُّرِ الخاطِئ". فقد كان بطرس واثقًا مِن نفسه ثقةً مُفرطةً، ويَستخفُّ جدًّا بكلامِ الرَّبِّ، وغيرَ مُبالٍ بالمَرَّة. ونحن نجده الآن بسبب ذلك كُلِّه يتصرَّف مِن تلقاء نفسه تمامًا. ونقرأ في العدد 51: "وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ [ويوحنَّا يُخبرنا أنَّه كان بُطرس] مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ" وابتدأَ يُلَوِّح به أمام الحشدِ كُلِّه. وكان أوَّلُ شخصٍ في الخَطِّ هو رَجُل اسمُه "مَلْخُس"، وكان عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَة. وقد حاولَ بُطرس أن يَقطع رأسه ولكنَّه أخطأه فَقَطَعَ فقط أُذْنَهُ.
وَهُوَ لم يتصرَّف استجابةً لأوامر يسوع. فلم يكن هذا هو ما يريدهُ يَسوع. فهل نَسِيَ بُطرس المرَّاتِ العديدةَ الَّتي قال فيها يسوع: "ينبغي أن أذهب إلى أورُشليم، وأن يَقبضوا عليَّ، وأن أَضع نفسي، وأن أقوم ثانيةً"؟ هل نسي ذلك؟ ألم يَرغب في سماع ذلك؟ ونحن نَعلم أنَّه اعترضَ على ذلك وقال: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ!" ولكنَّه حتَّى آنذاك كان يَسمح للشَّيطان أن يَتكلَّم مِن خلاله. ولكن لماذا لم يتمكَّن مِن تَقبُّل مشيئة الربّ؟ ولكن ليس بُطرس! فقد تَصرَّف بطَيش تَصرُّفًا نابعًا مِن غروره، وشجاعته المَزعومة، وشعوره بأنَّه لا يُهزَم؛ لا سيَّما أنَّ يسوع كان واقفًا إلى جانبه. فقد كان يَعلم أنَّ يسوعَ يَملك القدرة على إهلاك جميع هؤلاء الأشخاص لأنَّه قبل أن يَستلَّ سيفَهُ بلحظات، ربَّما تَذكرونَ أنَّ يسوعَ كان قد طَرحهم جميعًا أرضًا. فقد سقط ألفٌ منهم على التُّراب لمُجرَّد سماع اسمه. لذا فقد كان بطرس يَعلم أنَّه يقف مع شخصٍ كُليِّ القدرة. لذا فإنَّه لم يكن خائفًا مِن الموقف لأنَّه كان يَعلم أنَّ الرَّبَّ الَّذي أنقذه في موقفٍ آخر (عندما أَنقذه مِن الغَرق عندما مَشى على الماء) يستطيعُ أن يُنجِّيه مِن هؤلاءِ الأشخاص الَّذينَ سقطوا على الأرض.
لذا فقد شَعر بأنَّه لا يُقهَر. وقد أكَّدَ هذا الأمر في ذهنه مشاعر عدم الهزيمة الَّتي كان يشعر بها في قلبه. لذا فقد استلَّ سيفًا وابتدأ يُلوِّح به أمام المجموعة كلِّها. وقد أوقفهُ الرَّبُّ قائلاً: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!". بعبارة أخرى، إن أَزهقتَ حياةً، سيكونُ مِن حَقِّهم أن يُزهقوا حياتك. فهذه شريعة كِتابيَّة. "أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ؟" بعبارة أخرى، "بُطرس! أنت غير مُنسجمٍ مع الخطَّة. رُدَّ سَيفَك إلى مكانه". نحن نَرى هنا شجاعةً، ولكنَّها في المكان الخاطئ. ونَرى هنا حماسةً، ولكنَّها في الاتِّجاه الخاطئ. ونحن نَرى هنا شخصًا واثقًا جدًّا وجريئًا جدًّا في الاستماع والإصغاء إلى ما يقولُه الرَّبُّ؛ ولكنَّه مُتحمِّس جدًّا حتَّى إنَّه يتصرَّف تَصرُّفًا طائشًا يتَنافى تمامًا مع خطَّة الله. فهو يحاول أن يعيش بحسب مَا يَتَشَدَّق به مِن كلام. وهو يحاول أن يُثبت للجميع أنَّه شجاعٌ كما ادَّعى. ولكنَّه يُعارض تمامًا الخطَّة.
وقد كان افتخارُه، واستخفافُه، وعدمُ مُبالاتِه، وطَيشُه هو الَّذي أدَّى أخيرًا إلى سقوط الخاطِئ. وهذا هو نَصُّنا لهذا الصَّباح. فقد كان سقوطُه أمرًا مَحتومًا بسبب تلك المواقف السَّابقة. والمشهدُ هنا يَنبض جدًّا بالحياة. وأريد أن أُبَيِّن ذلك لكم. ارجعوا إلى العدد 58 قبل أن ننظر إلى العدد 69. فنحن نقرأ في العدد 57 أنَّهم قبضوا على يسوع. ونحن نَعلم مِن رواية الأناجيل عندما نُقارن بين ما جاء في إنجيل مَتَّى ومَرقُس ولوقا ويوحنَّا، وهو أمر ينبغي أن نقوم به طوال دراستنا لهذا المشهدِ كي نفهم الصُّورة كاملةً لأنَّ كلَّ كاتبٍ يُركِّز على عناصر مختلفة، نَعلم أنَّهم أخذوا يسوعَ سجينًا وأوثقوه. فقد أَمسكوه وأخرجوه مِن بُستان جَثسَيماني بحراسة مجموعة كبيرة تزيد عن ستمئة جُنديٍّ رومانيٍّ وبضع مئات مِن حَرس الهيكل اليهود، والكهنة، وجميع الأشخاص الآخرين الَّذينَ جاءوا برفقتهم. وقد نَزلوا الجبل وعَبروا وادي قَدرون، وصَعدوا السَّفح الشَّرقيَّ للجبل، وعبروا البوَّابة مَرَّةً أخرى، وعادوا إلى بيت الكاهن. وقد أرادوا أن يَعقدوا محاكمة في منتصف اللَّيل في بيت رئيس الكهنة. لذا فإنَّنا نقرأ في العدد 57 أنَّهم: "مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ".
والآن، نحن نَعلم مِن روايات الأناجيل الأخرى أنَّه قبل أن يأخذوا يسوعَ إلى بيت رئيس الكهنة أخذوه أوَّلاً للمُثول أمام حَنَّان الَّذي كان رئيس الكهنة السَّابق. ويَصِف لنا الأصحاح 18 مِن إنجيل يوحنَّا المشهد كاملاً أمام حَنَّان. فمَتَّى لا يَصِفُ لنا ذلك. والحقيقة هي أنَّ يوحنَّا هو البَشيرُ الوحيدُ الَّذي يَصِفُ ما حدث بالتَّفصيل. فقد مَضَوْا بيسوعَ إلى حَنَّان. وهناك مَن يَسأل: "وهل هناك تَناقضٌ هنا في ضوء هذه الآية الَّتي تقول إنَّهم مَضَوْا به إلى قَيافا؟" لا، البَتَّة! واسمحوا لي أن أقول لكم سبب عدم وجود أيِّ تناقض هنا. كان رئيسُ الكهنة يعيش في بيتٍ فَخم، أو يعيش في قصرٍ في مدينة أورُشليم، في مكانٍ قريبٍ مِن الهيكل؛ وهو بِناءٌ ضخم. ولم يكن مِن غير المألوف أن تشترك العائلاتُ في نفس مكان العَيش أو فِعليًّا في نفس البيت. وفي هذه الحالة، لا شَكَّ في أنَّ هذا هو ما حدث. فقد كان حَنَّان هو رئيس الكهنة السَّابق. وكان قد عُزِلَ عن مَصبه مِن قِبَل الرُّومان لأنَّ نُفوذه صار كبيرًا جدًّا، ولأنَّه صار يُشَكِّل تهديدًا لهم. لذا فقد عَزلوه وسَمحوا لآخرينَ أن يَخلفوه.
وكان واحدٌ مِن هؤلاء، أي الشَّخصُ الَّذي صار رئيسَ كهنة في ذلك الوقت، هو رَجُل يُدعى "قَيافا". وكان قيافا هو صِهْرُ حَنَّان. ولم يكن مِن غير المألوف أن يَسكن رؤساء الكهنة هؤلاء في نفس البيت؛ ولا سيَّما لأنَّهم كانوا أقرباء بعضُهم لبعض. وبالمناسبة، كان العديد مِن أولئك الكهنة، أو بالحَرِيِّ: رُؤساء الكهنة، الَّذينَ خَلَفوا حَنَّان هُم أولاده. لذا فقد بقي الأمر بِرُمَّته في العائلة نفسها. وكان حَنَّان وراء كلِّ ما يجري. لِذا فقد مَضَوْا بيسوعَ أوَّلاً إلى حَنَّان. فبخبرته وحنْكَتِه، مِن المؤكَّد أنَّه سيتمكَّن مِن تَلفيقِ تُهمة ضِدَّ يسوع يمكنهم أن يَستخدموها كأساسٍ لمحاكمته أمام السِّنهدريم الَّذي كان يَترأَّسُه رئيسُ السِّنهدريم الَّذي هو قَيافا. لذا، عندما مَضَوْا بيسوعَ وأخذوه إلى المكان الَّذي يعيش فيه قَيافا، وإلى المكان الَّذي يَنعقد فيه السِّنهدريم في منزله، كان ذلك هو نفس المكان الَّذي يعيش فيه حَنَّان. لِذا، لا يوجد حقًّا أيُّ تَناقض. فحقيقة أنَّهم مَضَوا بيسوع إلى قَيافا تَتَّفق مع حقيقة أنَّهم مَضَوْا به إلى قَيافا بعدَ أن مَثُلَ أمامَ حَنَّان. فقد كان حَنَّان، بلا أدنى شَكٍّ، يَعيشُ في جَناحٍ مِن القصر، وكان قَيافا يَعيشُ في جَناحٍ آخر.
وكانت المنازل تُبنى بالطَّريقة التَّالية. ويجب عليكم أن تَعلموا هذا لأنَّه سيجعل كلَّ شيءٍ آخر حَيًّا في أذهانكم حين تُتابعون القصَّة. فالمنازل لم تكن مُطِلَّة على الشَّارع. فمنزلُنا يُطِلُّ على الشَّارع. فأنتَ تَمشي في الشَّارع فتجد أنَّ المنزل يُطِلُّ على الشَّارع. أمَّا المنازل في ذلك المكان وذلك الوقت في تاريخ العالَم فكانت تُطِلُّ على الجهة الدَّاخليَّة. أمَّا مِن جهة الشَّارع فكان يوجد السُّورُ الخَلفيُّ للمنزل وبوَّابة ضخمة في قصرٍ كهذا يَملكه أناسٌ أثرياء جدًّا جدًّا. وكان الكهنة يصيرون أثرياء مِن خلال الفساد المُتفشِّي في الهيكل. وحين تأتون إلى منزلٍ كهذا فإنَّكم تَرون سورًا عظيمًا، وقصرًا رُبَّما مِن طبقتين أو ثلاث طبقات. وكانت توجد بَوَّابة في المنتصف. وإن دخلتَ مِن البوَّابة فإنَّك تسيرُ في مَمَرٍّ يقودك إلى المنزل. وكانت البوَّابة تُطِلُّ على ساحة واسعة. وكان المنزل يُقامُ حول تلك السَّاحة كلِّها. وكانت جميع الغُرف في كلِّ الطَّبقات تُشرِفُ على السَّاحة.
ولا شَكَّ في أنَّ جزءًا ضخمًا مِن ذلك القصر كان لحَنَّان، وأنَّ جزءًا ضخمًا آخر مِن ذلك القصر كان لقَيافا بِحُكْمَ القَرابة بينهما. لذا عندما مَضَوْا بيسوعَ إلى قصر قَيافا والسِّنهدريم، كان موجودًا في نفس المكان الَّذي سيلتقيه فيه حَنَّان أيضًا. وكانوا سيَمضون به أوَّلاً إلى الجزء أو المكان الَّذي يسكن فيه حَنَّان لِيَمثُل أمام حَنَّان. وفي وقتٍ لاحقٍ، سوف يَنقلونه إلى المكان الَّذي يَسكن فيه قَيافا الَّذي كان آنذاك يَجتمع بالسِّنهدريم. لذا، لا يوجد أيُّ تناقض. وعندما يقول مَتَّى إنَّهم مَضَوْا بيسوعَ "إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ"، فإنَّه يُشير إلى نفس المكان الَّذي التقى يسوعُ فيه حَنَّان أيضًا. والآن، تَذكَّروا أنَّه التقى حَنَّان أوَّلاً، ثُمَّ إنَّهم أخذوه إلى قَيافا والسِّنهدريم في المرحلة الثَّانية مِن المحاكمة الَّتي تتألَّف مِن ثلاثة أجزاء. وقد حدث الجزء الثَّالث بعد الفجر في الصَّباح عندما أكَّدوا أمام الشَّعب [وفقًا للقوانين] في النَّهار القرار الَّذي اتَّخذوه إليه في اللَّيل بطريقة غير مشروعة.
لذا فقد مَضَوْا بيسوعَ إلى هناك، واقتادوهُ إلى تلك السَّاحة الكبيرة. وكلُّ حالاتِ إنكار بُطرس تحدث في نفس ذلك المكان. ويوحنَّا يقول في الأصحاح 18 إنَّ أوَّل إنكارٍ حَدثَ عندما كان يسوعُ ماثِلاً أمامَ حَنَّان. ويخبرنا كُتَّابُ الأناجيل الأخرى أنَّ جميع حالات الإنكار حدثت في هذه السَّاحة. فلا يوجد تناقض. فحنَّان وقَيافا كانا يَشتركان في نفس السَّاحة. هل تفهمون ذلك؟ لذا فإنَّ حالات الإنكار الثَّلاث حدثت في نفس السَّاحة في نفس منزل رئيس الكهنة الَّذي كان يسكن جزءًا منه حَنَّان، وجزءًا آخر قَيافا. فهناك انسجامٌ مألوفٌ جدًّا ويسهل فَهمُه. والآن، أريد منكم أن تفهموا كيف حدث هذا المشهد. ففي العدد 58، إليكم ما حدث أوَّلاً. لقد تَبِعَهُ بطرس. فمع أنَّه هرب، وأنَّ كلَّ التَّلاميذ هربوا (كما جاء في العدد 56)... كُلُّهم ... عندما تَمَّ القبضُ على يسوع، فإنَّه لم يتمكَّن من البقاء بعيدًا. فقد اجتذبته محبَّتُه الشَّديدة للرَّبِّ. لذا فإنَّه يعودُ ويَتبع الرَّبَّ. وَهُوَ يَتبعه (كما يقولُ النَّصُّ) "مِن بَعيد". فهو لم يكن شُجاعًا بالقدر الَّذي يجعله يقترب منه، ولكنَّه كان عالقًا بين المحبَّة والخوف. لذا فقد تَبِعَهُ مِن بعيد.
وربَّما ترغبون في معرفة أنَّه لم يكن وحيدًا. فبحسب إنجيل يوحنَّا 18: 15، فقد رافقهُ تلميذٌ آخر تَبِعَ هو أيضًا الرَّبَّ. وهذا التِّلميذ الآخر هو يوحنَّا. "وَكَانَ ذلِكَ التِّلْمِيذُ مَعْرُوفًا عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَة". فقد كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَة. ولا نَدري كيف، ولا ندري ما هي الظُّروف الَّتي أحاطت بذلك، ولكن يبدو أنَّ تلك المعرفة أتاحت له أن يَدخل إلى منزل رئيس الكهنة. لذا فقد تَمَّ جَلبُ الرَّبِّ إلى بيت رئيس الكهنة. وقد تَبِعَهُ بطرس ويوحنَّا. ولا بُدَّ أنَّهما فَقدا عقلهما. فَمِنَ المؤكَّد أنَّ بطرس فَقدَ عقله. ونحن لا نَقرأ شيئًا عَمَّا حدث ليوحنَّا. فلا عِلم لنا بما حدث له. فبعد دخوله، لا نَدري إن كان قد بقي أَم غادَر. فالنَّصُّ لا يقول أيَّ شيء. ولكنَّنا نَعلم أنَّه لم يُنكر الرَبَّ. أمَّا بطرس، فهو بَطَلُ المشهد، أو الشَّخص الجَبان كُلِّيًّا [كَما تشاؤون أن تُسَمُّوه]. فقد دَخل يوحنَّا (كما هو مذكور في إنجيل يوحنَّا 18: 16) لأنَّه كان مَعروفًا عند رئيس الكهنة. أمَّا بطرس فبقي خارجًا. فهو لم يتمكَّن مِن الدُّخول. فهو لم يُسمَح له بالدُّخول، ولم يكن معروفًا. ولكنَّ يوحنَّا عالَجَ الموقف. فيبدو أنَّ يوحنَّا خَرجَ مَرَّةً أخرى وكَلَّمَ الفتاةَ الَّتي كانت تراقب الباب كي تَسمح لبطرس أن يَدخل. لذا فقد دَخل بطرس. وبصورةٍ ما، أَسهَمَ يوحنَّا في إنكار بُطرس المأساويّ للمسيح. ثُمَّ إنَّ يوحنَّا يَختفي مِن المشهد. فقد ذهب إلى هناك كي يُمَكِّن بطرس مِن الدُّخول. وقد كان سببًا في تَتميم ما قاله وتَنبَّأَ عنهُ المسيح.
وقد تقول: "ما الَّذي جَعل المسيح يَتنبَّأ بأنَّ بطرس سيُنكره؟ ما الَّذي جَعل المسيح يَسمح بحدوث ذلك؟" لأنَّه أراد أن يُعلِّمنا درسًا عميقًا عن عدم الاستعداد الروحيِّ. وهناك سببٌ آخر يا أحبَّائي وهو أنَّه أراد أن يُعلِّمنا درسًا عميقًا عن رَدِّ القدِّيسِ الخاطئ. وهو درسٌ ينبغي أن نَفرح بتعلُّمِه. لذا فقد سَمحَ الرَّبُّ أن يكون يوحنَّا مَعروفًا عند رئيس الكهنة. وبسبب ذلك، لا شَكَّ في أنَّ الفتاة الَّتي كانت مسؤولة عن فَتح الباب كانت تَعرفه فقالت: "أجل، يمكنك الدُّخول"، ولكنَّ بطرس بقي في الخارج. ثُمَّ إنَّ يوحنَّا عادَ، وعالجَ الأمرَ، وأَدخلَ بطرس. وقد اختفى يوحنَّا مِن المشهد فصار بطرس مَحَطَّ الأنظار. لذا فإنَّ العدد 58 يقول: "فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَة". وَهُوَ لا يخبرنا الجزءَ الَّذي يُخبرنا إيَّاه يوحنَّا عن كيفيَّة دخوله. "فَدَخَلَ إِلَى دَاخِل وَجَلَسَ بَيْنَ الْخُدَّام". فقد دخل إلى هناك وجلس مع حُرَّاس الهيكل أو الـ "هوبيريتا" (huperetes)؛ أي مع الخُدَّامِ أو حُرَّاسِ الهيكل. ولا شَكَّ في أنَّ الجنود الرُّومان الَّذينَ جاؤوا مِن قلعة أنطونيا كانوا قد عادوا إلى القلعة. فقد قاموا بواجبهم إذ إنَّهم قبضوا على يسوع. وقد مَضَوْا به إلى موضع المحاكمة أمام المحكمة اليهوديَّة العُليا. وكان بمقدور حُرَّاس الهيكل أن يتولَّوا الأمر مِن هناك. لِذا، ربَّما كانوا قد عادوا وبقي عدد قليل مِن الجنود الرُّومان. ولكنَّنا لا نَعرف ذلك يقينًا.
ولكنَّ بطرس يأتي ويريد أن يَشاهد النِّهاية. هل تلاحظون ذلك في العدد 58؟ فقد أراد أن يرى النِّهاية. ولكنَّه كان ينبغي أن يَعرف النِّهاية لأنَّ الربَّ أخبره بذلك مَرَّاتٍ عديدة، ولكنَّه لم يكن يُصغي جيِّدًا جدًّا. ولكنَّه لم يتمكَّن مِن الابتعاد، ولم يتمكَّن مِن تَرك المسيح. فقد كان حُبُّه للربِّ حقيقيًّا. صحيحٌ أنَّ حُبَّهُ كان ضعيفًا، ولكنَّه كان حقيقيًّا حتَّى إنَّه لم يتمكَّن مِن الابتعاد. فقد أراد أن يَعلمَ وأن يَرى ما يحدث. لذا فقد دخل إلى عَرين الأسد في تجاهُلٍ تامٍّ لنبوءة المسيح بأنَّه سيُنكره. وبذلك فقد وضع نفسه في موقفٍ حَرجٍ يُتَمِّمُ فيه تلك النُّبوءة. وكان الرَّبُّ في الدَّاخل واقفًا أمام حَنَّان. وربَّما كان بمقدور بطرس أن يَراه هناك. وكان بطرس في الخارج جالسًا في السَّاحة. ويخبرنا كُتَّابُ الأناجيل الأخرى أنَّه كان جالسًا "يَسْتَدْفِئُ عِنْدَ النَّار". فقد أشعلوا نارًا في تلك اللَّيلة لأنَّ الطَّقس كان باردًا. وكانوا يَستدفئون عند النَّار. وكان يجلس بين مجموعة كبيرة مِن حُرَّاس الهيكل في الوقت الَّذي كان فيه أعضاء السِّنهدريم يدخلون ويَخرجون لأنَّهم ابتدأوا في التَّجمُّع للقيام بدورهم في المحاكمة بعد انتهاء حَنَّان. فقد كانوا يتحرَّكون. وكان خُدَّام البيت هناك، وكان هناك أيضًا جميعُ الوُجهاء الَّذينَ يُشكِّلون الحشدَ الَّذي يؤلِّف نِظام رئيس الكهنة ذاك. وكان الوقت نحو السَّاعة الواحدة صباحًا. وكانت المحاكمة كلُّها ستستمرُّ ساعتين. وفي هاتين السَّاعتين، سوف يَسقط بطرس سقوطًا مُريعًا. فبحلولِ السَّاعة الثَّالثة صباحًا (وهو وقتُ صِياح الدِّيك)، سوف يَنتهي الأمر بِرُمَّتِه.
لذا كانت السَّاعة تقترب مِن الواحدة صباحًا يوم الجمعة. وكان بطرس يجلس مع الجنود، ويَستدفئ، ويحاول أن يَندمج بين الحاضرين، وأن يبقى قريبًا بالقدر الَّذي يُتيح له أن يَعرف ما يجري؛ ولكن مِن دون أن يَقترب كثيرًا فينكشف أمرُه. ثُمَّ حدث ما كان يَخشاه. فنحن نَرى انهيارَ الخاطِئ أو سُقوطَ الخاطِئ. "أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِسًا خَارِجًا فِي الدَّار [كما يقول العدد 69]، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ..." جاريةٌ... مُجرَّد فتاة. ومَرقُس يقول: "إِحْدَى جَوَارِي رَئِيسِ الْكَهَنَة". ويوحنَّا يقول إنَّها كانت واحدةً مِن جَواري رئيس الكهنة، وإنَّها كانت تَعمل بَوَّابَةً؛ أي تَفتحُ البابَ للزُّوَّار. فهُنا تأتي هذه الفتاة الخادمة وتقول: "وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ!" أَنْتَ أيضًا كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ! ويُضيفُ مَرقُس أيضًا أنَّها قالت: "يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ" الجَليليّ. فقد كانوا يُحبُّون أن يَستخدموا تلك المفرداتِ إشارةً إلى يسوع لأنَّها كانت مُفردات تُعبِّر عن الازدراء. فأنت تَسخر مِن الشَّخص حين تقول إنَّه ناصِرِيٌّ مِن النَّاصرة أو أنَّه جَليليّ. فقد كان مُواطِنو أورُشليم المُتعجرفون يَزدرون بسُكَّان الجليل. لذا فقد كانت تَعرف هذه المعلومة الصَّغيرة المهمَّة ربَّما لأنَّها كانت تَعرف يوحنَّا. لذا فقد رَبطت بين بطرس ويوحنَّا. ولأنَّها كانت تَعلم أنَّ يوحنَّا كان تابعًا ليسوع، أرادت الآن أن تَتباهى بأنَّها تَعرف هذه المعلومة الصَّغيرة لكي تُثيرَ إعجابَ جميعِ الحَرس الَّذينَ كانوا يجلسون حول النَّار مِن خلال قولها إنَّ هذا الشَّخص هو حقًّا واحد مِن أتباع يسوع.
والآن، أريد منكم أن تَفهموا شيئًا: إنَّ هذا المشهد طبيعيٌّ جدًّا. فهذا المشهد عاديٌّ جدًّا. فهو مَشهد جماعةٍ مِن النَّاس. والأشياء الَّتي تُسرَد لنا في القصَّة أو النَّصِّ هي مُجرَّد أشياء عاديَّة يمكننا أن نتوقَّع حدوثها وحسب. فمثلاً، لقد أتت الجارية وقالت: "وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ!" ولكنَّنا نَعرف يَقينًا أنَّها لم تأتِ بهدوءٍ وحسب ولم تَقُل ذلك مِن دون أن تجذب انتباه الجميع أوَّلاً. وما أعنيه هو أنَّ هؤلاءِ الجنود كانوا يَجوبونَ المكانَ ويتحدَّثونَ، وأنَّه كان يوجد أناسٌ في كلِّ مكان. لِذا، عندما تقرأون أناجيل مَتَّى ومَرقس ولوقا، تجدون أنَّ الفتاة قالت شيئًا ربَّما كان مُختلفًا قليلاً في كلِّ مَوضِع. ومِن المُرجَّح جدًّا في الوضعِ الطَّبيعيِّ أن تكون قد قالت: "أنت واحدٌ مِن أتباع يسوع النَّاصريّ". وربَّما قالت ذلك بطريقتين أو ثلاث طُرق كي تجذب انتباه الجميع. وربَّما استخدَمت وسائل مختلفة للتَّعبير عن معلوماتها. ولا بُدَّ أنَّ رَدَّ الرِّجال جاء بأشكال مختلفة أيضًا.
لذا، عندما نَرى اختلافًا طَفيفًا في كلامِها، أو حتَّى عندما يبدو في إنجيل يوحنَّا أنَّه عَكَسَ تَرتيبَ الإنكارِ الأوَّل والثَّاني بسبب عدم اهتمامِه بالتَّسلسلِ الزَّمنيِّ، لا يَجدر بنا أن نَتعجَّب. فهذا مشهدٌ عاديٌّ جدًّا. انظروا إلى رَدِّ بطرس. فهي تَطرح هذا السُّؤالَ، دون أَدنى شَكٍّ، بطرق عديدة ومُختلفة حتَّى إنَّها جذبت أنظار الجميع وجعلتهم يُصغون. وهو يُنكر ذلك [لاحظوا] "قُدَّامَ الجَميع". وهذا يعني أنَّها جذبت أنظار الجميع. ولم يكن إنكارُه قُدَّامَ هذه الجارية فقط، بل قُدَّام جميع الأشخاص الَّذينَ صاروا الآن جزءًا مِن المشهد. والآن، دَوِّنوا ما يلي في أذهانكم: لقد قال يسوعُ إنَّ بطرس سيُنكره ثلاث مَرَّات. فلا يوجد أكثر مِن ثلاثِ حالاتِ إنكار. وقد قرأتُ كتابًا في هذا الأسبوع يقول إنَّ هناك ثماني حالاتِ إنكار. ولا أدري كيف يمكن لأيِّ شخصٍ أن يَكتب كتابًا يقول فيه إنَّ هناك ثماني حالاتِ إنكار في حين أنَّ يسوع قال إنَّها ثلاثُ حالات! وما ينبغي أن تَفهموه هو أنَّ كلَّ حالة مِن حالات الإنكار الثَّلاث هذه تَنطوي بصورة طبيعيَّة جدًّا على أكثر مِن جُملة واحدة مِن كِلا الطَّرَفَيْن. وهذا يعني أنَّ كلَّ حالة مِن تلك الحالات هي مَشهد إنكار لا بُدَّ أن يَنطوي على حِوارٍ بين كِلا الطَّرَفَيْن.
لِذا فقد أَنكر بطرس ذلك "قُدَّام الجميع" قائلاً: "لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ!" لستُ أدري ما تتحدَّثين عنه. وهذا صادِمٌ! فهذا بطرس! إنَّه أمرٌ يَصعب تَصديقُه! وفي إنجيل مَرقس، يقول مَرقس: "إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هذَا الرَّجُلَ". ويوحنَّا يقول إنَّه قال: "لَسْتُ أَنَا!" والحقيقة هي أنَّه قال: "لستُ أنا، أنا لا أعرفه. أنتِ لستِ تَدرين ما تقولين!" وهي طريقة طبيعيَّة جدًّا في الرَّدّ. لذا، لا نريد أن نُبالغ في الدِّفاع عن الكلماتِ المُحَدَّدة الَّتي وَرَدت في أيٍّ مِن الأناجيل فنقول إنَّه بسبب أنَّ واحدًا مِن الأناجيل يقول كذا، وأنَّ إنجيلاً آخر يقول كذا، لا بُدَّ مِن وجود تناقُض. فهذا غير صحيح البتَّة. فهناك تَعبيرٌ كامل عَمَّا يجري. ففي مشهدٍ عاديٍّ جدًّا، يُنكر بُطرسُ المسيحَ قُدَّام الجميع. ومِن المُرجَّح أنَّه فَعل ذلك بعبارات عديدة؛ بل رُبَّما بعباراتٍ أكثر مِن تلك المُدوَّنة. وقد تقول: ولكن كيف يَفعل أمرًا كهذا؟ إنَّه الشَّخص الَّذي قال إنَّه مستعدٌّ للموت مِن أجل المسيح. وما أعنيه هو أنَّه شخص يَمتلكُ جُرأةً أكثر مِن أيَّة جُرأة اختبرها أيُّ شخصٍ آخر. فقد كان قائد الاثني عشر. وقد أُعطي مفاتيح الملكوت. وما أعنيه هو أنَّه النَّاطقُ الرَّسميُّ بإنجيل الملكوت. وهو شخصٌ عاشَ مع المَلِك. فهو رَجُلٌ صاحبٌ امتياز. وهو شخصٌ يَعرف المسيح الَّذي يَملِك قوَّة معجزيَّة. إنَّه بطرس القادر أن يَشفي الأمراض (كما نَرى في سِفْر أعمال الرُّسُل). فكيف يُعقَل أن يُنكِر المسيح؟ فهو ليس شخصًا حديث الإيمان. وهو ليس شخصًا لم يعرف المسيحَ شخصيًّا؛ لِذا فقد كانت لديه بضعة شكوك.
وأنا أُفكِّر في نفسي قائلاً: "ربَّما كان مستعدًّا لِلَّحظة الكبيرة". وما أعنيه هو: لو أنَّ الرَّبَّ استدعاه فجأةً وقال له: "تعال إلى محاكمتي. أريد منك أن تُدافع عنِّي"، ربَّما وقفَ بجانب الرَّبِّ وشعر بأنَّه لا يُهزَم؛ كما فعل في البُستان عندما كان الرَّبُّ هناك فاستلَّ سَيفًا. فربَّما كان مستعدَّا للَّحظة الكبيرة. وربَّما كان مستعدًّا للشَّهادة الكبيرة والفرصة الكبيرة في أن يكون المُتكلِّم الَّذي يقف بجانب الرَّبِّ. ولكنِّي سأقول لكم ما الشَّيء الَّذي لم يكن مستعدًّا له: إنَّه الشَّيء الصَّغير الَّذي لم يكن مُتوقَّعًا. وأخشى أنَّنا كذلك نحن أيضًا. فقد نكون مستعدِّين لدرسِ كِتابٍ مُقدَّس استعدادًا كاملاً. وقد نستعدُّ جيِّدًا للتحدُّث عن المسيح في موقفٍ ما. وقد نتمكَّن مِن تخمين حدوث أشياء مُعيَّنة يمكن أن تحدث. ونحن نُهيِّئ أنفسنا استعدادًا لها. ولكن فجأةً، نُفاجأ بشيءٍ آخر لم نتوقَّعه فيُباغتنا. وفجأةً، نجد أنَّنا نُنكر المسيح. فقد كان بُطرس مستعدًّا للحدث الكبير؛ ولكنَّ الحدث الصَّغير هو الَّذي أَسقَطَه. ولم يكن الرَّبُّ إلى جانبه أيضًا. لذا فقد شعر بالخوف.
لذا فقد أَنكر ما قالَتْهُ الجارية أمام الجميع. فقد أنكر وجودَ أيَّة صِلَة بينه وبين يسوعَ على الإطلاق. وهذا أمرٌ مُخيف حَقًّا! وهو يُذكِّرُنا بإيليَّا. أليس كذلك؟ الَّذي صَعِدَ إلى جبل الكرمل، وأخذ سيفًا، وذَبح 450 مِن الكهنة الكذبة، ثُمَّ نَزلَ وسمعَ أنَّ امرأةً تُطارده فهربَ مِن البلدة! فكيف يُعقَل أن تَنتقل مِن ذُرى النَّصر إلى وُديان الهزيمة الخَفيضة تلك؟ فنحن نَرى هنا بطرسَ الَّذي اختبر قبل قليل ما حدث في العِليَّة إذْ إنَّه اختبر نهاية العهد القديم وبداية العهد الجديد، وسمعَ وُعودًا لم تَسمعها أُذُنَا أيِّ إنسانٍ عاشَ قبل ذلك اليوم ولا يُمكن أن تُنقَض البتَّة. وهذا هو بطرس الَّذي رأى الرَّبَّ يَطرح حشدًا كاملاً مِن الأشخاص (الَّذينَ ربَّما بَلَغَ عددُهم ألفَ شخصٍ) أرضًا. وهذا هو بطرس الَّذي رأى يسوعَ يَخلق أُذنًا لشخصٍ فَقَدَ أُذُنَه قبل لحظات. وهذا هو بطرس الَّذي مَشى على الماء. وما أعنيه هو أنَّ هذا هو بطرس الَّذي سَمِعَ أنَّ يسوعَ سيقوم مِن الأموات! فكيفَ يُعقَل أنَّه يُنكر المسيح؟ وهو مَثَلٌ حَيٌّ على المبدأ الَّذي يَذكرُه الرَّسول بولس: "إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ..." [ماذا؟] "...أَنْ لاَ يَسْقُط". فقد صار شعوره بالثِّقة سببًا لسقوطه. فقد تَطلَّبَ الأمر جاريةً وحسب لإسقاط قائد التَّلاميذ. فقد تَلاشَت كلُّ اعتراضاته الحماسيَّة والبطوليَّة على أقوال يسوع، وتَلاشَت شجاعته الَّتي يُفترض أنَّها كانت موجودة في قلبه. فَمِن يَدِهِ انتُزِعَ السَّيف. والآن، مِن قلبه انتُزعَت قوَّة شخصيَّته. وها هو الآن يَظهر في هيئة جَبانٍ مَغرور غير قادرٍ على الاعتراف بربِّه السَّماويّ، بل يَنكمشُ ويَكذب ويُنكرُه. فقد كان خائفًا مِن أن يَتمَّ اعتقاله. فقد استولت عليه غرائز الحفاظ على النَّفس فما كان منه إلاَّ أن أَنكرَ ما كان يَعلم أنَّه صحيح تمامًا.
وهذا مدهش جدًّا، ويُعطينا فكرة مهمَّة عن الشَّخصيَّة الروحيَّة. واسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا: إنَّ الشَّيء الَّذي يَكشف الشخصيَّة الحقيقيَّة هو رَدُّ الفعل اللاَّإراديّ، لا رَدّ الفعل المَدروس. فشخصيَّتُك لا تَظهر على حقيقتها مِن خلال ما تَستعدُّ للقيام به، بل تَظهر على حقيقتها مِن خلال ما أنت غير مُستعدٍّ للقيام به، ومِن خلال طريقة تجاوبك مع ذلك؛ أي مِن خلال رَدِّ الفعل اللاإراديِّ ذاك. فذلك يُظهِر شخصيَّتَك. فيمكننا جميعًا أن نُخَطِّط لتلك الاختبارات الرُّوحيَّة إلى حَدٍّ ما. ولكنَّ الأشياء الَّتي تأتي على حين غِرَّة وتَكشف الضَّعف الحقيقيَّ لقلوبنا هي الَّتي تُخبرنا مَن نحن حقًّا. وقد أُخِذَ بُطرس على حينِ غِرَّة. فلم يكن بمقدوره أن يَستعدَّ لهذا الموقف. وقد أَظهرَ رَدُّ فِعله اللاإراديّ أنَّ شخصيَّته مَشُوبَة بالضَّعف والخطيَّة. ولم تكن هذه صِفة جديدة فيه، بل هي نتيجة للغرور الشَّديد، وعدم الاستعداد للإصغاء إلى كلام الرَّبِّ، وعدم الصَّلاة، والتَّصرُّف فقط بحسب ما يُمليه عليه طيشُه باستقلالٍ تامٍّ عن قصدِ الله وخُطَّتِه. فقد كان بمفرده. وعندما يكون بمفرده يكون ضعيفًا كأيِّ شخصٍ آخر.
ويقولُ لوقا عند هذه النُّقطة (في إنجيل لوقا 22: 58): "وَبَعْدَ قَلِيل..." ثُمَّ إنَّنا نُتابعُ القراءة مِن العدد 71: "ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيز". والآن، بعد أن أَنكرَ الرَّبَّ عند النَّار في وسط حرس الهيكل، لم يكن بمقدوره أن يغادر المكان وحسب؛ وإلاَّ سيَعلمون أنَّه يكذب. لذا فقد راح يَتسكَّع في المكان قليلاً. وكما تَعلمون، راح يَتصرَّفُ كما لو أنَّ كلَّ شيءٍ على ما يُرام، ويَبتعد تدريجيًّا. فقد كان يحاول أن يتصرَّف كما لو أنَّ شيئًا لم يَكُن في كلِّ هذا الموقف. ونقرأ في العدد 71 أنَّه خَرَجَ إلى الدِّهليز. ومَرقس أيضًا يُسَمِّيه "دِهليزًا". وَهُوَ المَمَرُّ الَّذي يُؤدِّي إلى البوَّابة. فربَّما كان مُتَّجهًا نحو المَخرَج. فهذا ليس مُستحيلاً. ولكن كان يوجد مكانان على الأرجح يُبقيان المرء دافئًا في ليلة باردة: الأوَّل هو بالقرب مِن النَّار، والثَّاني هو في الدِّهليز بعيدًا عن الرِّيح. لذا فقد تَوجَّه إلى الدِّهليز. فالمكان مُظلِم هناك، ولن يكون ضَوْء القمر ساطعًا جدًّا، ولن يكون هناك نور مِن النَّار أيضًا. لذا فقد قال لنفسه: "سوف أذهب إلى هناك لأنِّي لن أكون في مكانٍ يَكشف حقيقتي كما هي الحال هنا". لذا فقد خَرج إلى الدِّهليز بعيدًا عن الخطر المُحتمل، وبعيدًا عن الأنظار. ويُتابع مَرقُس تَسلسُل الأحداث فيقول في إنجيل مَرقس 14: 68: "وَخَرَجَ خَارِجًا إِلَى الدِّهْلِيزِ، فَصَاحَ الدِّيكُ". وقد كانت تلك هي المَرَّة الأولى. فقد أَنكرَ الرَّبَّ مَرَّةً فصاحَ الدِّيكُ مَرَّة. وما يَزال أمامُه إنكاران آخران؛ وحينئذٍ سيَصيحُ الدِّيكُ مَرَّةً ثانية. فكلُّ شيءٍ يَسيرُ حسب الجدول.
ولكنَّ بطرس لم يَسمع صياح الدِّيك أوَّل مَرَّة. فهناك حشدٌ. وقد كان مُتوتِّرًا. وقد خَرج إلى الدِّهليز أو المَمَرّ، مُحاولاً أن يَختبئ هناك في مكانٍ بعيدٍ عن الأنظار. ولكن يبدو أنَّ خُطَّته لم تَنجح لأنَّنا نقرأ في العدد 71 أنَّه حالما وصل إلى هناك وهو يَشعر بالحَرَج والخوف مِن أن يَقبضوا عليه، ويحاول الاقتراب مِن البوَّابة في حال أنَّه اضطُرَّ إلى الخروج بسرعة، رَأتهُ فتاة أُخرى ("آليه" – ‘allos’)؛ أي فتاة أخرى أو فتاة شَبيهة بالفتاة الأخرى، أو بَوَّابة أخرى، أو أنَّ خادمةً أخرى رأتهُ فقالت للَّذين هناك، أي للحشد الَّذي كان هناك: "وَهذَا...". وقد استَخدمت كلمة ازدراء: "هذا الشَّخص"، وقد قالتها بازدراء: "كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ!" فقد انفضحَ أمرُهُ مَرَّةً أخرى. فهو لا يستطيع الهرب. ويخبرنا مَتَّى أنَّها كانت فتاةً أخرى. فهي جارية أخرى وحسب. فمَرقُس ولوقا فيُشيران فقط إلى "الجارية" مِن دون أن يُخبرانا شيئًا آخر عنها. أمَّا مَتَّى فيخبرنا أنَّها كانت جارية أخرى أو خادمة أخرى. وبالمُناسبة، يُضيفُ لوقا (في إنجيل لوقا 22: 58) أنَّه في هذه المَرَّة، رآهُ رَجُلُ أيضًا، كما حدث مع تلك الجارية. وأقول مَرَّةً أخرى إنَّه موقفٌ عاديٌّ جدًّا. وهذا هو وقتُ إنكاره الثَّاني. ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ هناك جُملة واحدة قيلت فقط. فقد كانت جارية أخرى، ولكنَّ لوقا يُضيف أيضًا أنَّه كان يوجد أيضًا رَجُل في الدِّهليز واجَهَهُ. لِذا، هذا هو مَشهد الإنكار الثَّاني. فقد جاءت الفتاةُ ثُمَّ الرَّجُل، وقد واجَهاهُ بالأمر. ولا بُدَّ أنَّ الحشدَ اجتمعَ حولهم لأنَّ العدد 71 يقول: "فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاك". فقد تَكلَّمت بصوتٍ عالٍ جَذبَ انتباه كلَّ النَّاس المُتجمِّعين هناك قائلةً إنَّه واحدٌ مِن أتباع يسوع. وقد تَمَّت مواجهتُه مَرَّةً أخرى.
وكان رَدُّه غير عاديٍّ بالمَرَّة، بل غريبًا حقًّا إذْ نقرأ في العدد 72: "فَأَنْكَرَ أَيْضًا بِقَسَمٍ: «إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!»". يا لبُطرس المِسكين! فهو غاضبٌ. وَهُوَ مُحرَجٌ. وَهُوَ مُحبَطٌ. وَهُوَ خائفٌ. وَهُوَ مُشوَّشٌ. وَهُوَ مُحاصَر. والآن، ها هو إنكارُه قد صار أكثر عُنفًا. وهو لا يَكذب فقط في هذه المرَّة، بل يَكذب مُضاعَفًا. فقد كَذَبَ، ثُمَّ كَذَبَ، ثُمَّ كَذَبَ حين قال إنَّه لم يَكذب. فقد كَذَبَ في كَذِبِه. وقد كَذَبَ في قَسَمِه. وهل تَعلمون ما هو القَسَم؟ إنَّه حَلْفٌ بأن تقول الحقيقة. والقَسَم، أو القَسَم بمعناه الحقيقيّ هو الحَلْفُ باللهِ الحيِّ. ففي العدد 63، عندما أرادَ رئيسُ الكهنة أن يَعرف الحقيقة مِن يسوع، قال: "أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟" وقد أَقسمَ بطرس. فقد أَقسمَ، وتَعهَّد شخصيًّا بأن يقول الحقَّ قُدَّامَ الله: "أُقسِمُ باللهِ أن أقول الحقيقة: إنِّي لا أعرفُ الرَّجُل. أنا لا أعرفُ هذا الرَّجُل الَّذي يُدعى يسوع". وهذا أمرٌ لا يُصَدَّق!
ويقولُ يوحنَّا الرَّسول إنَّ واحدةً مِن صِفات المؤمن هي أنَّه يَعرفُ الآبَ. فهو يَعرفُ الآبَ. وبولس يقول إنَّنا نَصرُخ: "يَا أَبَا الآبُ". فنحنُ هُمُ الأشخاص الَّذينَ يَعرفون المسيحَ ويُخبرون الآخرين عنه. ولكنَّ بطرسَ يَتصرَّف بطريقةٍ تُخالِف طبيعتَه، وتُخالِف صِفَتَه الرئيسيَّة في أنَّه ابنٌ لله. فهي تُخالف صِفةً جوهريَّةً فيه. فهو يُنكر ذلك بعُنف، ويُقسِم بأنَّه صادقٌ في أنَّه لا يَعرف المسيح. وهذا هو الإنكارُ الثَّاني. وهو أسوأ مِن الأوَّل. وهو يُظهر انعدامَ الثِّقة. فلماذا لم يَقُل الحقيقة وحسب ويُسَلِّم نفسَه للعناية الإلهيَّة؟ لأنَّه لم يَكن يَمتلك القوَّة الروحيَّة اللاَّزمة. فقد كان ضعيفًا. صحيحٌ أنَّه كان يمتلك امتيازًا روحيًّا عظيمًا، واختبارًا روحيًّا عظيمًا، ولكنَّهُ فَوَّتَ شيئًا مُهمًّا وهو أنَّه بالرَّغم مِن خبرتك الرُّوحيَّة، وبالرَّغم مِن امتيازِك، قد لا تكونُ بالضَّرورة مُحَصَّنًا. وهذا يعني أنَّه قد يكون هناك أشخاص يَظُنُّون أنَّه بسبب اطِّلاعهم الواسِع على الكتاب المقدَّس، وبسبب اختبارهم أمورًا كثيرة ناجمة عن أعمال الله، فإنَّهم أقوى مِن الكارثة. ولكنْ هذا هو الوقت الَّذي تكون فيه أضعف ما يُمكن. وقد كان بطرس قد بلغ تلك النُّقطة.
وما أعنيه هو أنَّك إذا كنت تَظُنُّ أنَّه بسبب أنَّك تأتي إلى كنيسة "غريس" (Grace Church) فإنَّك مُحَصَّن، يجب عليك أن تُفَكِّرَ مَليًّا في ذلك. فقد كان هذا الرَّجُل مع يسوعَ نفسَهُ طَوال ثلاث سنوات، وانظروا أين صار الآن! فكما تَرون، عاجلاً أَم آجلاً، يجب عليك أن تَختبر الانكسارَ النَّاجم عن الاتِّضاع، ويجب عليك أن تُدرك أنَّك لا تستطيع أن تَتحدَّى كلامَ الرَّبِّ، وأنَّه يجب عليك أن تَجثو على رُكبتيك كي تَطلب القوَّة الَّتي تُقِرُّ بأنَّك لا تَمتلكها، وأنَّه يجب عليك أن تبتدئ في التَّوافُق مع خُطَّة الله؛ وإلاَّ ستجد نفسك في نفس المأساة الَّتي وَجد بُطرسُ نَفسَه فيها. والآن، ما الذي حدث بعد ذلك؛ أي بعد الإنكار الثَّاني؟ نقرأ في العدد 73: "وَبَعْدَ قَلِيل". ففي كلِّ مَرَّة نَقرأ العبارة: "وبعدَ قليل". فَمَرَّةً يقولُ لوقا هذه العبارة، ومَرَّةً يقولُها مَتَّى. وهذا يُعطيكم انطباعًا بأنَّ بطرس يحاول مَرَّةً أخرى أن يَتملَّصَ مِن هذا الموقف. لذا فإنَّه يَتَسَكَّع هنا وهناك. وبعد قليل، عاد إلى التَّسكُّع في السَّاحة مَرَّةً أخرى. "وَبَعْدَ قَليل، جَاءَ الْقِيَامُ..."؛ أي جَماعةٌ مِن الرِّجال كانوا واقفين في الجِوار. وقد تقول: "مَتى حَدث ذلك؟" نقرأ في إنجيل لوقا 22: 59 أنَّ ذلك حَدثَ بعد نحو ساعة واحدة. لِذا فقد ظلَّ يَتَسكَّعُ نحو ساعة.
والآن، لقد مَرَّت ساعتان. وفي السَّاعة الأولى، حَدث إنكاران. ثُمَّ ها هي ساعة أخرى تَنقضي فيأتي الإنكارُ الثَّالث بعد نحو ساعة. فقَلبُه لم يُطاوعه على مُغادرة المكان. ولا شَكَّ في أنَّه كان يَتسكَّع ويحاول الاقتراب مِن الصَّالة الكبيرة في جَناح قصر قَيافا الَّذي كانت تَنعقد فيه المحكمة لأنَّه لا بُدَّ أنَّه كان شيئًا مُروِّعًا. وما أعنيه هو أنَّهم كانوا يَصرخون قائلين إنَّ يسوعَ يُجَدِّف. وفي هذا الوقت، كانوا يَبصُقون في وجه يسوع، ويَلكمونَه بقبضات أيديهم على وَجهه، وكانوا يَصفعونه على وجهه، ويُغَطُّون رأسه ويقولون له أن يَتنبّأ مَن الَّذي ضَرَبه لأنَّه لم يكن باستطاعته أن يَرى. فقد كان ما يحدُث مُرَوِّعًا. وقد كان بطرس هناك، وكان قريبًا جدًّا، وكان بمقدوره أن ينظر عَبر الأبواب والنَّوافذ ويَرى المشهد. وَلكنَّ قَلبَهُ لم يُطاوعه على مُغادرة المكان. وربَّما كان يَسمع صُراخَهم بأنَّ يسوعَ يُجَدِّف، ويَراهُم يَلكُمونَ يسوعَ، ويَضربونه، ويَبصُقون في وجهه، ويَحتجزونه هناك. وربَّما راحَ بُطرس يَتحدَّث مع أُناسٍ في الخارج إلى أن جاء هؤلاء وقالوا له: "حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!" فأنت تَتكلَّم بلهجة أهل الجليل، وبلَكنةِ أهل الجليل الَّتي كان يَسهُل تمييزُها. لذا فقد جاء هؤلاء الأشخاص الَّذين كانوا يَستمعون إليه يَتحدَّث ومَيَّزوا لَهجتَه فقالوا: "أنتَ واحدٌ منهم. أنت واحدٌ منهم".
وبالمناسبة، نقرأ هنا أنَّ هؤلاءِ جاءوا وقالوا. وكان النَّاطِقُ باسم تلك المجموعة (بحسب ما جاء في إنجيل يوحنَّا 18: 26) هو نَسِيبُ [مَلْخُس] الَّذِي قَطَعَ بُطْرُسُ أُذْنَهُ". لذا فقد كان هُو المُتكلِّم. وأنا مُتيقِّنٌ مِن أنَّ البقيَّة وافقوهُ الرَّأيَ أيضًا كما يحدث بصورة طبيعيَّة عند تَجَمُّع النَّاس. وقد سَقط بطرسُ سَقطةً مُريعةً إذْ نقرأ في العدد 74: "فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُل!»". تَوقَّفوا عند تلك النُّقطة. فهذا أمرٌ لا يُصَدِّقهُ عقل! أليس كذلك؟ هل يمكنك أن تَتخيَّل أن تَفعل ذلك؟ وهل يمكنني أن أتخيَّل نفسي أفعل ذلك؟ يَلعَن "كاتاثيماتيتزو" (katathematizo)، وهي كلمة قويَّة جدًّا جدًّا. وما معناها؟ في الأصل، إنَّها تعني أن تقول إنَّك مُستعدٌّ أن تموتَ على يَدِ اللهِ إن كنتَ تَكذب. "ليتَ اللهَ يَقتلني ويَلعنني إن لم أكن أقول الصِّدق". والآن، اسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا، يا أحبَّائي: هذا هو أخطر كَلامٍ يُمكن فيه لأيِّ شخصٍ أن يَذكُر اسمَ الله. "ليتَ اللهَ يُهلكني إن لم أكن أقول الحقيقة". انتبه يا بُطرس! ينبغي أن تَحذَر. ويَحلِف "أومنوو" (omnuo)؛ أي أن تُقسم أنَّك صادق. لِذا فإنَّه يقول مِن الجِهة الإيجابيَّة: "أُقسم أنِّي أقول الصِّدق... أُقسم أنِّي أقول الصِّدق". وهو يقول مِن الجهة السَّلبية: "ليتَ اللهَ يَلعنني، وليتَ اللهَ يَقتلني إن كنت أكذب". فهو يَجلِب لعنة الله على رأسه إن لم يكن يقول الصِّدق.
فقد تَمادى إلى ذلك الحَدّ. فقد فَقَدَ كلَّ مخافةٍ لله، وكلَّ شعورٍ بالواقع. فأوَّلاً، كَذبَ مَرَّةً. ولكي يُغَطِّي كذبته الأولى، كَذبَ مَرَّةً ثانيةً. ثُمَّ لكي يُغَطِّي كذبته المُزدوجة، راح يَكذب ويَلعن ويَحلِف. "فَابْتَدَأَ..." [كما يقول العدد 74] "فابتدأَ..."، وهذا يعني أنَّ ذلك لم يَحدث مَرَّةً وحسب، بل إنَّه ابتدأَ ذلك، ثُمَّ لا بُدَّ أنَّ الأمر تَوالَى. وقد استمرَّ في القيام بذلك. وربَّما تَوالَت الاتِّهامات. وها هُو رَبُّنا الحبيب الغالي على قُلوبِنا، الَّذي رُفِضَ مِن العالَم، وتَعرَّض للخيانة مِن واحدٍ مِن تلاميذه، ها هو يَتعرَّضُ الآنَ للإنكار المَرَّة تلو المَرَّة، بالإضافة إلى اللَّعنِ والحَلْفِ مِن قائد مجموعته. فنحن نَتحدَّث عن رَجُلِ أوجاع. وقد نَزلَ بطرسُ إلى الحَضيض. وما أعنيه هو أنَّه لا توجد نُقطةٌ أَحَطُّ مِن تلك الَّتي وَصَل إليها.
ثُمَّ نقرأ في العدد 74: "وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ". وهذه هي المَرَّة الثَّانية. وكما قلتُ لكم سابقًا، كان الدِّيكُ يَصيح في نحو السَّاعة الثَّالثة صباحًا. وبهذا تَحقَّقت نُبوءةُ الرَّبِّ. فقد تَحقَّقت نُبوءةُ الرَّبِّ. والآن، اسمعوني جيِّدًا جدًّا: يُخبرنا لوقا (في إنجيل لوقا 22: 61) أنَّهُ في تلك اللَّحظة عينِها، عندما صاحَ الدِّيكُ، يُخبرنا قائلاً الكلمات التَّالية (في إنجيل لوقا 22: 61). اسمعوا: "الْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُس". ويا لها مِن نَظرة! فهذا أمرٌ يَصعُب تَخَيُّلُه! ولا بُدَّ أنَّه كان بمقدور بطرس أن يَرى الرَّبَّ. فربَّما كان يقف خارج النَّافذة ويَنظر إلى كلِّ ما كان يجري، ويُراقب يسوعَ وَهُم يضربونه ويَبصُقون عليه. وربَّما كان يَقف في السَّاحة بعيدًا، وأنَّهم اقتادوا يَسوعَ بعد الانتهاء مِن مُحاكمته بالقرب منه. وحين مَرَّ مِن هناك، نَظر إلى عَينيِّ بُطرس. ولا بُدَّ أنَّ تلك النَّظرة أَحرقتهُ مِن الدَّاخل. ولا بُدَّ أنَّها نظرةٌ آلَمتهُ أكبرَ ألمٍ في حياته، بل حتَّى أكثر مِن ذلك. فقد نظرَ الربُّ يسوعُ إلى عَينيِّ بطرس مباشرةً لكي يُبيِّن له ما يَلي: "لا تَشُكَّ يومًا في كلامي. إن قلتُ إنَّ شيئًا ما سيحدث، فإنَّه سيحدث". وقد نظر إليه نظرةً أَضْرَمَتْ في قلبه نيرانَ الشَّرِّ الكامن في خطيئته لكي يَعلم إلى الأبد ما فَعَل؛ ولكنَّه نَظر إليه نظرةَ عطفٍ ورحمة. تَخَيَّلوا يسوعَ (الَّذي كان وجهُه مُغَطَّى بالبُصاقِ، والَّذي كان مضروبًا ومُصابًا ونازفًا) ينظر إلى عينيِّ بطرس الَّذي كَالَ ضربات الإنكار الَّتي هي أقسى بما لا يُقاس مِن أيِّ لَكمة. لقد كانت تلك لحظة مؤلمة إلى حدٍّ يَفوق الوصف.
وفي الحال، تَجَمَّدَ كلُّ انهيار بطرس كصورة ثابتة وتَبلور في صورة صارخة في لحظةٍ مِن الزَّمن إذْ إنَّ المشهدَ كُلَّه يتوقَّف، وعينيَّ بطرس تُحَدِّق إلى عينيِّ يسوع. وقد تسأل نفسك السُّؤال التَّالي: "كيف يُعقَل أن يَنزل بطرس إلى ذلك الحضيض؟ فكيف يُعقل أن يفعل أيُّ شخصٍ أمرًا كهذا؟ كيف يُمكن لشيءٍ كهذا أن يحدث؟" اسمحوا لي أن أُذكِّركم بإيجازٍ شديد. نرى هنا الأسباب المؤدِّية إلى ذلك: أولاً، الثِّقة بالنَّفس. فقد شعر أنَّه يستطيع أن يَتصدَّى لأيِّ شيء، وأنَّه يستطيع أن يَتبع يسوعَ إلى أيِّ مكان، وأنَّ مشاعره وعواطفه الدَّافئة تكفي لجعله قادرًا على مُعالجة أيِّ ظرف. إنَّها الثِّقة في النَّفس. فقد ظَنَّ أنَّه يستطيع الثَّبات. ثانيًا، عدم الخضوع. فقد قال له الربُّ مَرَّتين، ولكنَّه أنكر ذلك في كِلتا المَرَّتين. فقد تَحدَّى كلام الرَّبِّ. فهو لم يُخضِع نفسه. وهو لم يَخضع لكلام الله. وهو لم يأخذ كلامَ الله على مَحملِ الجِدّ. وقد رَفضَ التَّوبيخ، وتجاهل صوتَ اللهِ الحيِّ؛ تَمامًا كما يَفعل المؤمن الَّذي يقرأ كلامَ الربِّ ويخرج ويتجاهله. فنحنُ لسنا مُحَصَّنين. فلا يمكننا أن نَتجاهل كلامَ اللهِ ونَنجو. والخطوة الثَّالثة هي عدم الصَّلاة. فقد نام عوضًا عن أن يُصلِّي. وقد نام عوضًا عن أن يَسهر في وقت التَّجربة. وهذا إهمالٌ رُوحيٌّ. فقد حَذَفَ واجبًا روحيًّا أساسيًّا. وقد أدَّى ذلك إلى انهياره تدريجيًّا. فعدم المبالاة الروحيَّة تقود إلى الخراب. وعدم الصَّلاة يؤدِّي إلى كارثة.
ثُمَّ إنَّ الخطوة الَّتي أَعقبت ذلك في طريقه نحو الكارثة هي الاستقلاليَّة. فقد تَصرَّف مِن ذاته. وقد شَعر أنَّه ليس بحاجة إلى طلب مشيئة الله، وأنَّه ليست بحاجة إلى سؤال الرَّبِّ عَمَّا ينبغي أن يفعل. فقد تَصرَّف مِن ذاته. لذا فقد أوقع نفسه في مواقف كارثيَّة بالنِّسبة إليه. وأخيرًا، الخطوة الخامسة هي المساومة. فقد تَبِعَ يسوعَ، ودخل إلى عَرين الأسد، وجلس عند النَّار، واختلطَ بالرُّعاعِ الَّذينَ كانوا أعداءَ المسيح. وهو يُذكِّرني بالمزمور 1: 1: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ". هل تذكرون ذلك؟ فقد سَلَكَ، ووقفَ، وأخيرًا فَعل ماذا؟ جَلَس. فقد جَلَسَ في مَجلسِ المُستهزِئين. فقد أخذ مكانه بطريقة قادته إلى المُساومة. فقد كان ينبغي له أن يكون إمَّا حيث كان المسيح، وليس بعيدًا عنه، وإمَّا أن يهرب مِن التَّجربة الَّتي كان يَعلم أنَّه لن يتمكَّن مِن احتمالها. ولكنَّ جلوسَهُ في وسط التَّجربة بعيدًا عن المسيح وعن مَصدر العون أدَّى إلى خُضوعه للمُساومة.
فالثِّقة بالنَّفس روحيًّا، والظَّنُّ بأنَّك لا تُهزَم، وعدم الخضوع، وعدم الصَّلاة، والاستقلاليَّة تقود جميعها إلى المساومة. فإن كنتَ تَظُنُّ أنَّك تستطيع أن تُعالج أيَّ موقف، ستجد نفسك في مواقف [صَدِّقني] لن تتمكَّن مِن معالجتها. وقد وجد بطرسُ نفسَه في ذلك الموضع. وقد أدَّى ذلك إلى هزيمته. إنَّها أحلك ساعة في التَّاريخ البشريّ. فقد كانت هذه هي ساعة سُلطان الظُّلمة، وكان الجَحيمُ مُستَعِرًا بكلِّ قوَّته، وكانت قُوى الشَّياطينِ والعدوِّ تعمل بكلِّ قدرتها. ولم يكن بطرس قادرًا على مواجهة ذلك في الجسد... لم يكن قادرًا على ذلك. وأجسادُنا تَقشَعِرُّ لذلك. وبصراحة، لن نُصدم حقًّا إن خَرجَ وشَنقَ نفسه مِثل يهوذا؛ ولكنَّه لم يفعل. وهل تسمحون لي أن أقول لكم شيئًا يُعَدِّ المِفتاحَ لكلِّ هذا المقطع؟ إنَّ بُطرسَ الحقيقيَّ لا يُرَى في إنكاره، بل في توبته. هل فَهمتم ذلك؟ إنَّ بطرسَ الحقيقيَّ لا يُرى في إنكاره، بل في توبته. فنحن لا نتساءل إن كان يهوذا مؤمنًا حقيقيًّا لأنَّنا نَعلم كيف انتهت القصَّة. فقد خَرجَ وشَنقَ نفسَه. فلم تكن هناك توبة حقيقيَّة.
ولكنَّ بطرسَ خَرج وبَكى بُكاءً مُرًّا، وعاد لِيَتِمَّ رَدُّه. وهُنا يَكمُن الفرق بين أيِّ شخصٍ يُشبه يهوذا وأيِّ شخصٍ يُشبه بطرس. فكلاهما سيُخطئ؛ ولكنَّ واحدًا منهما سيتوبُ ويَتِمَّ رَدُّه، والثَّاني سيَهلِك. وهل تَعلمون ما الفَرق؟ لعلَّكم تَذكرون ما جاء في إنجيل لوقا 22: 32 إذ إنَّ يسوعَ قال: "سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ". أَتذكرون ذلك؟ وهل تَعلمون السَّبب في أنَّ إيمان بطرس لم يَفنى تمامًا؟ لأنَّ الرَّبَّ فَعل ماذا؟ صَلَّى مِن أجله. اسمعوني! إنَّ السَّبب في أنَّنا نَبقى مُخَلَّصين هو ليس أنَّنا نفعل شيئًا ما، بل لأنَّ الرَّبَّ يُمسكُنا. وهو لم يُمسِك يهوذا لأنَّه لم يكن مؤمنًا حقيقيًّا. ولكنَّه أَمسكَ بطرس فلم يَفنى إيمانُ بطرس. والقصَّة لم تَنتهِ بعد. فنحنُ نأتي إلى نَدَم الخاطئ في العدد 75: "فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ". فأوَّلُ شيءٍ فَعَلَهُ هو أنَّه تَذكَّر. فقد تَذكَّر كلام يسوع. لقد تَذكَّر أنَّه قال إنَّ الأمر سيحدث بهذه الطَّريقة، وإنَّه سيفعل ذلك ثلاثَ مَرَّات قبل أن يَصيحَ ذلك الدِّيك مَرَّتين. لقد تَذكَّر. ثُمَّ إنَّنا نقرأ: "فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ". وهذا هو الشَّيءُ الثَّاني. فقد خَرَجَ خارجًا. وأنا مسرور لأنَّ كُتَّابَ الأناجيل لا يُخبروننا إلى أين ذهب أو ماذا قال. فهي لحظة توبة خاصَّة. إنَّها لحظة خاصَّة تُدرك فيها خطيئتك. فلا حاجة إلى أن نكون هناك. فهذا أمرٌ بينَه وبين الرَّبِّ الَّذي أساءَ إليه جدًّا.
ولكنَّنا نَعلم ما هو الشَّيء الثَّالث إذ نقرأ لا فقط أنَّه تَذكَّرَ وخَرجَ، بل أنَّه "بَكَى بُكَاءً مُرًّا". والعبارة المستخدمة هنا قويَّة جدًّا: "إيكلوسين بيكروس" (eklausen pikros) ومعناها أنَّه بَكى بصوتٍ مَسموع، أو انتَحَبَ بصوتٍ عالٍ. فقد انهارَ وحسب مِن شدَّة شعوره بالحاجة إلى التَّوبة. وهل تَعلمون شيئًا؟ نحن نَتعلَّم درسًا عظيمًا هنا: فإلى أن رأى وجهَ يسوع، وإلى أن تَذكَّر كلماتِ يسوع، لم يكن قد تابَ بعد. فخطيئته لم تَجعله يتوب. ولكنَّ المُخلِّص هو الَّذي جَعلهُ يتوب. ونجد هنا مبدأً مهمًّا جدًّا. استمعوا إليه: ليست خطايانا هي الَّتي تَجعلنا نَبكي، وليست خطايانا هي الَّتي تَجعلنا نتوب، بل إنَّنا نتوبُ عندما نَرى رَوعة المُخلِّص الَّذي أخطأنا إليه. لذا فإنَّنا بحاجة دائمًا وأبدًا إلى رؤية مَن يكون. فالخطيَّة وحدُها لم تفعل أيَّ شيءٍ لبطرس. فقد كان يمكن أن يستمرَّ في فِعلها. ولكنَّه تاب عندما رأى يسوعَ وتَذكَّرَ كلماتِه. فهي توبة نابعة مِن الاعتراف بروعة المُخلِّص الَّذي أخطأنا إليه. لِذا يا أحبَّائي فإنَّ الخدمة هنا، والخدمة الَّتي أنا مُكَرَّسٌ لها، هي ليست مُجرَّد خدمة أُخبركم فيها أن ترجعوا عن خطاياكم، بل هي خدمة تَقومُ على تَمجيدِ رَبِّنا إلَه المَجد؛ أي تمجيدِ الربِّ يسوعَ المسيحِ حتَّى تَرونه وتُدركون فَظاعة الخطيَّة.
وفي الألمِ والكَرْبِ المرافق للتَّوبة، تَمَّت المُصالحة معَ الربِّ الَّذي أَخطأَ إليه. فقد فَعلَ ما فَعلهُ إشعياء إذْ صَرخَ إلى اللهِ قائلاً: "أنا إنسانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْن". وكما حَدثَ لإشعياء، فقد تَمَّ تطهيرُه. ونهايةُ القصَّة هي: "رَدُّ الخاطِئ". ولو كان لدينا وقت لنظرنا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح الحادي والعشرين. ففي إنجيل يوحنَّا والأصحاح الحادي والعشرين، نَرى بُطرس في الجليل فيَظهرُ الربُّ بعد قيامته. فهو يأتي لِرَدِّ بطرس. وهو يأتي لبُطرس ويقول: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا..." [ماذا؟] "أَتُحِبُّنِي؟" وقد قال له ذلك كم مَرَّة؟ ثلاثَ مَرَّات. وقد قال له بطرس ثلاثَ مَرَّات: "أُحِبُّك"، "أُحِبُّك"، "أُحِبُّك". ولماذا في اعتقادكم مَنَحَهُ الرَّبُّ ثلاث فُرَص لكي يقول ذلك؟ هذا واضح تمامًا. أليس كذلك؟ لقد كان الرَّبُّ يَرُدّهُ. فمُقابل إنكاره ثلاثَ مَرَّات، كان هناك تأكيدٌ ثُلاثيٌّ بالمحبَّة. وقد قَبِلَ الرَّبُّ شَهادة بطرس، ورَدَّ الرَّبُّ بُطرس، وقال: "ارْعَ غَنَمِي... ارْعَ خِرَافِي، ارْعَ غَنَمِي". وقد أَوقفَهُ مَرَّةً ثانيةً على قَدميه وأعادَهُ إلى الخدمة ليصيرَ المُنادي العظيم بالإنجيل في الكنيسة الأولى.
وأنا أقول لكم، يا أحبَّائي، إنَّ تلك قصَّة مُفعمة بالرَّجاء. أليس كذلك؟ فاللهُ يُعطي نعمةً للخُطاة. واللهُ يَرُدُّ السَّاقطين. واللهُ يُسنِد حَتَّى الشَّخصَ الَّذي أَنكره وأَظهَرَ ضَعفَهُ، ويُعطيه القوَّة. وأنا أفرحُ لأنَّ إلهَنا إلهٌ غَفور. أَلا تَفرحون أنتم أيضًا؟ وقد عُدتُ وقرأتُ رسالتيّ بطرس الأولى والثَّانية في هذا الأسبوع لأنِّي أردتُ أن أَرى إن كان بطرس قد تحدَّث عن الثِّقة بالنَّفس. وَهُوَ يَفعل ذلك إذْ يقول إنَّه ينبغي أن تَستعيضوا عن ثقتكم بذواتِكم بالتَّواضُع. وقد أردتُ أن أَرى إن كان قد تحدَّث عن الخضوع. وَهُوَ يَفعل ذلك إذْ يدعو النَّاسَ إلى إطاعة الكلمة. وقد أردتُ أن أَرى إن كان قد تحدَّث عن عدم الصَّلاة. وَهُوَ يَفعل ذلك إذْ يقول: اسهرُوا وصَلُّوا. وأنا أَعلمُ مِن أين جاء بذلك. وقد أردتُ أن أَرى إن كان قد قالَ أيَّ شيءٍ عن المساومة. وَهُوَ يَفعل ذلك إذْ يدعو إلى الأمانة إلى الموت، وإلى مُجاوبة كلِّ إنسانٍ يسألكم عن سبب الرَّجاء الَّذي فيكم بوداعةٍ وخوف. فقد تَعلَّم كلَّ دروسه هُنا.
وأعتقد أنَّه يمكننا أن نُلخِّص شَهادته الشخصيَّة في هذه المُناسبة بكلماته هو: "فَأَنْتُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ [رسالة بُطرس الثَّانية 3: 17]، إِذْ قَدْ سَبَقْتُمْ فَعَرَفْتُمُ، احْتَرِسُوا مِنْ أَنْ تَنْقَادُوا بِضَلاَلِ الأَرْدِيَاءِ، فَتَسْقُطُوا مِنْ ثَبَاتِكُمْ". فبُطرس يقول: "يا أحبَّائي، لا تفعلوا ما فَعلته أنا، بل "انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". إنَّها نصيحة جيِّدة مِن بطرس. أليست كذلك؟ فلا بُدَّ أنَّه عَرَفَ ذلك. فقد اختبر ذلك.
نَشكرك يا أبانا على وقتنا في هذا الصَّباح. ونَشكرك على هذه الرِّسالة بأنَّك تَرُدُّ القِدِّيسين الخُطاة. أُصَلِّي لأجل أيِّ أشخاصٍ في هذه الشَّركة سَقطوا مِن ثباتهم، وسقطوا في الكبرياء، والعصيان، وعدم الصَّلاة، والاستقلاليَّة، والمساومة، ويَحصدون النَّتائج بعد أن أنكروك؛ إن لم يكن بشفاهِهم، مِن خلال طريقة حياتهم، ومِن خلال اختياراتهم، ومِن خلال استخدامهم لمواردهم ووقتهم، ومِن خلال أفكارهم، أُصلِّي أن يَروا عيني يسوعَ تنظران إليهم، وأن يتذكَّروا كلماتِ يسوع، وأن يَسمعوا صِياحَ الدِّيك، وأن يخرجوا ويَبكوا بُكاءً مُرًّا، وأن يَتِمَّ رَدُّهم. فنحن نريد أن نكون كلَّ ما يريد مِنَّا اللهُ أن نكون. وأنا أَعلم أنَّ هذا هو شوقُ قُلوبكم أنتم أيضًا. فالربُّ ليس بحاجة إلى مزيدٍ مِن الأشخاص الَّذينَ يفعلون به ما فَعله بطرس مِن خلال اتِّكالهم على جسدهم. دعونا نَثبُت بقوَّة الرُّوح، ونَتعهَّد أن نُطيع الكلمة، وأن نُصَلِّي، وأن نَخضع لمشيئة الله، وأَلاَّ نُساوم، وأن نَختبر النُّصرة، لا الهَزيمة.
This article is also available and sold as a booklet.
