Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هَذا المَساء، يَا لَهُ مِنَ امتيازٍ رَائعٍ أن نُتابِعَ دِراسَتَنا لِسِفْرِ دانيال! وَأنا مُتَحَمِّسٌ جدًّا لِتَجاوُبِكُم، وَأشكُرُ الرَّبَّ على المُغَامرةِ الَّتي تَنتظِرُنا فيما نَتأمَّلُ في سِفْرِ دَانيال الرَّائع والعَظيم هَذا. افتَحُوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ، مِن فَضلِكُم، ولنَتأمَّل معًا في الأصحاحِ الأوَّلِ مَرَّةً أخرى ابتداءً مِنَ العَددِ الثَّامِن. وَفي هذا المَساء، سنَنظُرُ إلى الأعداد مِن 8 إلى 21 – الأعداد مِن 8 إلى 21؛ وَهُوَ نَصٌّ سَرْدِيٌّ. وَلا أدري عَدَدَ الآياتِ الَّتي سَنَتَمَكَّنُ مِنَ التَّأمُّلِ فيها، ولكِنَّنا سنَبتدِئُ ونَرى مَا أَعَدَّهُ اللهُ لَنا في هَذا المَقطعِ الرَّائعِ والعَظيمِ في الجُزءِ الافتِتاحِيِّ مِن نُبوءةِ دَانيال هَذِه.

وَصَفَ أَحَدَ عُلَماءِ الطَّبيعةِ المَشهورينَ في وَاحِدٍ مِن كُتُبِهِ نَبْتَةً بَحريَّةً تَنمُو مِن عُمْقٍ يَتراوَحُ بينَ 150 و200 قَدَمٍ وَتَظهَرُ في وَسْطِ أمواجِ المُحيطِ الغَربِيِّ. وَلا يَزيدُ قُطْرُ جِذْعِ هذهِ النَّبْتَةِ، بِحَسَبِ قَولِ هَذ العَالَمِ الطَّبيعيِّ، عن بُوصَةٍ واحِدَة. وعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّها تَنُمو، وتَكبُر، وَتَصْمُدُ ضِدَّ ضَرَباتِ وَضُغوطِ الأمواجِ الَّتي تَستمرُّ في الارتطامِ بالشَّاطِئ.

وَما هُوَ سِرُّ هذهِ النَّبتةِ الَّتي تَبدو في الظَّاهِرِ وَاهِيَةً وَضَعيفة؟ وَما هُوِ مِفتاحُ قُدرةِ احتِمالِها العَجيبةِ ومُقاوَمَتِها للضُّغوطِ الَّتي تُمارَسُ عَليها؟ السَّببُ، بِحَسَبِ قَولِ عَالَمِ الطَّبيعةِ، في أنَّ النَّبْتَةَ تَستطيعُ أن تُواجِهَ غَضَبَ الطَّبيعَةِ هُوَ أنَّها رَاسِخَةٌ بِثَباتٍ، وَتَتَشَبَّثُ بِحَياتِها في مُواجَهَةِ الصُّخورِ العَارِيَةِ الَّتي تَقْبَعُ في أعماقِ المِياه.

وَمِنَ المُدهِشِ كيفَ أنَّنا في حَياتِنا الشَّخصيَّةِ نَستطيعُ أن نَحتَمِلَ الضَّرَباتِ السَّاحِقَةَ الَّتي تُكِيلُها إلينا أمواجُ الحَياةِ إنْ كَانَتْ لَدينا المِرساةُ الصَّحيحَة. فَبِغَضِّ النَّظرِ عَن مَنظَرِنا الوَاهي، أو عَنْ شَكْلِ النَّبْتَةِ الضَّعيفِ، عِندَما نَمْتَلِكُ الجُذورَ الصَّحيحَةَ وَالمِرساةَ الصَّحيحَةَ، يُمكِنُنا أن نَبقى رَاسِخينَ بتلكَ الأرض. وَإنْ قَلَبْنا هذا المَثَلَ رَأسًا على عَقِب، يُمكِنُنا القَولُ إنَّهُ في حينِ أنَّ قَدَمَيَّ دَانيال كانَتا في بَابِل، فإنَّ رَأسَهُ كَانَ بِكُلِّ تَأكيد في السَّماء. فَقد كَانَ رَاسِخًا حَقًّا في الأمورِ المُختصَّةِ بالله. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ مِفتاحَ استِعدادِ دَانِيال للوُقوفِ ضِدَّ المُجتمَعِ الوَثَنِيِّ الَّذي كَانَ يَعيشُ فيه يَتَمَثَّلُ في عَدَمِ استِعدادِهِ للمُساوَمَةِ على وَصَايا اللهِ الثَّابِتَة.

والآن، إنَّ واحِدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي آمَنْتُ بها مُنذُ سَنواتٍ طَويلةٍ جدًّا عندما تَعَهَّدْتُ بأن أُعَلِّمَ كلمةَ اللهِ هُوَ أنَّهُ حَيثُ وُجِدَ مَبدأٌ في كلمةِ اللهِ، لا يَجوزُ أن تَحيدَ عَنهُ في سُلوكِك. صَحيحٌ أنَّهُ تُوجَدُ مَواقِفُ قَد لا نَدري مَاذا يَنبغي أن نَفعَلُ فيها، أو أمورٌ تَقَعُ في المَنطِقةِ الرَّمادِيَّةِ ولا نَجِدُ وَصِيَّةً كِتابيَّةً مُحَدَّدَةً بِشأنِها. ولكِن إنْ كُنَّا نَعرِفُ بِصورةٍ مُحَدَّدةٍ وَقاطِعَةٍ مَا يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ، يَجِبُ عَلينا أن نَقِفَ مَوقِفًا رَاسِخًا وَألاَّ نُساوِم. فَهُنا يَنبغي لَنا أنْ نَثْبُت.

وَهَذِهِ هِيَ بالضَّبط الصِّفَةُ الَّتي كَانَتْ تُمَيِّزُ حَياةَ هَذا الرَّجُلِ؛ أيْ: دانيال. فَهُوَ لم يَكُن يُساوِمُ عندما يَختصُّ الأمرُ بالثَّوابِتِ في الشَّريعةِ وكلمةِ الله. وَقَد أدَّى ذلكَ إلى وُقوفِهِ بِثَباتٍ على صَخْرَةِ الثِّقَةِ الَّتي سَمَحَتْ لَهُ بأنْ يَحْتَمِلَ كُلَّ العُواصِفِ الَّتي هَبَّتْ عَليهِ في أيِّ مَوقِفٍ كَلدانِيٍّ أو بَابِلِيّ.

وبالمُناسَبَة، إنْ لم تَكونُوا مَعَنا في المَرَّةِ السَّابقة، سَوفَ أُذَكِّرُكُم بأنَّ الكَلدانِيِّينَ كَانُوا قَد عَقَدُوا العَزْمَ حَقًّا على غَسْلِ أدمِغَةِ دَانيال ورِفاقِهِ الثَّلاثَة، وكُلِّ الفِتيانِ اليَهودِ الَّذينَ سَبُوهُم في المَرحلةِ الأولى مِنَ السَّبيِ في سَنة 606 قَبلَ الميلاد. فَقد كَانُوا عَاقِدي العَزْمِ على القِيامِ بعمليَّةِ غَسْلِ الدِّماغِ تِلك. وَقَد قَاوَمَ دانيالُ وَرِفاقُهُ الثَّلاثَةُ ذلك.

والآن، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنِّي قُلتُ لَكُم في المَرَّةِ السَّابقةِ أنَّهُم اختارُوا هَؤلاءِ الفِتيانِ في تلكَ المَرحلةِ الأولى مِنَ السَّبيِ وَأخذوهُم بِصِفَتِهِم رَهائِنَ لكي يَضْمَنُوا أنَّ إسرائيلَ لن تَتَمَرَّدَ على غَزْوِ نَبوخَذنَاصَّر الأوَّلِيّ. فعندما جَاءَ أوَّلَ مَرَّة وابتدأَ يَفْرِضُ قُوَّتَهُ في أرضِ إسرائيل، في مَملكةِ يَهوذا، تَمَّ أَخْذُ الرَّهائِنِ لكي يَضمَنُوا حَقيقةَ أنَّ إسرائيلَ لَن تَثورَ وَلن تَتَمَرَّد.

ولكِن كَانَ هُناكَ مَا هُوَ أَشنَعُ مِن ذلك. فقد أرادَ البَابِلِيُّونَ أن يُعِدُّوا هؤلاءِ الفِتيانِ للاستخدامِ في البَلاطِ البَابِلِيِّ. وَأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّهُم كانُوا يُفَكِّرونَ في أنَّ هَؤلاءِ الفِتيانِ بِتُراثِهِم اليَهوديِّ يَستطيعونَ أن يُساعِدوهُم في تَوَلِّي شُؤونِ اليَهودِ في السَّنواتِ المُقبِلَة. ولَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُم اختارُوا هؤلاءِ الفِتيانِ على أساسِ ثَلاثِ خِصالٍ أو صِفات: أوَّلاً، على أساسِ وَسَامَتِهِم أو شِكلِهِمِ الخَارجيِّ. ثَانِيًا، على أساسِ قُدُراتِهم وإمكاناتِهِم الفِكريَّةِ. ثَالِثًا، على أساسِ لِياقَتِهم الاجتِماعِيَّة. فقدِ اختارُوا هَؤلاءِ الفِتيانِ على أساسِ صِفاتِهِم الجَسديَّةِ، وإمكاناتِهِم الذِّهنيَّةِ، ولِياقَتِهم الاجتِماعِيَّةِ لكي يَستخدِموهُم في البَلاطِ المَلَكِيِّ في بَابِل.

وَكانتِ المَكيدةُ بَسيطةً جدًّا. فَقد أرادُوا أن يَغسِلُوا أدمِغَتَهُم. وَقد أرادُوا أن يَمْسَحُوا مِن أذهانِهِم أرضَهُم، وَتُراثَهُم، وَدِيانَتَهُم، وَإلَهَهُم، وَوَلاءَهُم، وَكُلَّ شَيء. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُم حَاوَلُوا أن يَفعَلوا ذلكَ مِن خِلالِ تَغييرِ ثَلاثةِ أشياء: أوَّلاً، لقد أرادُوا أن يُعَلِّموهُم تَعليمًا جَديدًا إذْ أرادُوا أن يُعَلِّموهُم تَعليمًا كَلدانِيًّا بَابِلِيًّا. ثَانِيًا، لَقد غَيَّرُوا أسماءَهُم وَأطلَقُوا عَليهم أسماءً بَابِلِيَّةً في مُحاولةٍ لِفَصْلِهِمْ عَن مَاضيهِم. ثَالثًا، لَقد أرادُوا أن يَفرِضُوا عَليهِم نَمَطَ الحَياةِ الكَلدانِيِّ.

لِذا فقد كَانَتِ المَسألةُ مَسألةَ إعادَةِ تَعليم، وَمَسألةَ إعادَةِ تَعريفٍ لِهُويَّتِهم، وَمَسألةَ إعادَةِ تَنشِئَةٍ لَهُم على العَيشِ بِحَسَبِ نَمَطِ الحَياةِ الكَلدانِيّ. وَفي حَالِ نَجاحِ ذلك، يَكونوا قَد غَسَلُوا أدمِغَتَهُم حَقًّا.

والآن، يُخبرُنا المُؤرِّخونَ أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ مَا بين 50 و75 مِن هَؤلاءِ الفِتيانِ الَّذينَ تَمَّ أَخذُهُم مِنَ البَلاطِ المَلَكِيِّ في يَهوذا. فَقد كَانَ هَؤلاءِ مِنَ النَّسلِ المَلَكِيِّ، وَمِنْ أبناءِ النُّبلاءِ وَالأُمراءِ في يَهوذا. لِذا فقد تَمَّ أخذُ 50-75 مِنَ الفِتيان. وَنَحنُ لا نَعرِفُ سِوى أربعةً مِنهُم رَسَمُوا خَطًّا وَرَفَضُوا أن يُساوِمُوا. لِذا، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ عَمليَّةَ غَسْلِ الأدمِغَةِ قَد نَجَحَتْ على أغلبيَّةِ هَؤلاءِ الفِتيان.

وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّني قُلتُ لَكُم أيضًا إنَّهُ مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُم كَانُوا في سِنِّ الرَّابعة عَشرة أوِ الخَامسة عَشرة. وَهِيَ سِنٌّ لا يَمْلِكُ فيها الفِتيانُ عَادَةً الشَّخصيَّةَ القادرةَ على مُقاومةِ عَمليَّةٍ مُعَقَّدَةٍ كَهذهِ لِغَسْلِ الأدمِغَة؛ لا سِيَّما أنَّ ذلكَ كَانَ يَتَضَمَّنُ وَعدًا مُغرِيًا بالتَّقَدُّمِ والشُّهرةِ والثَّروةِ في البَلاطِ المَلَكِيِّ.

وَكما شَارَكْنا في المَرَّةِ السَّابقة، فإنَّ دَانيالَ وَرِفاقَهُ لم يُقاوِمُوا الشَّيءَ الأوَّل. فَهُم لم يُقاوِمُوا عَمليَّةَ التَّعليم. ثَانِيًا، لم يُقاوِمُوا تَغييرَ أسمائِهم. ولكِنْ عِندَما جَاءَ وَقتُ الشَّيءِ الثَّالثِ، أيْ إعادَةِ تَشكيلِهِم لِقَبولِ نَمَطِ الحَياةِ الجَديدِ وَإرغامِهِم على الأكلِ مِن أطايِبِ المَلِكِ وَالانغِماسِ في الأشياءِ الَّتي كَانَت تَجري يَومِيًّا في القَصْرِ، وَتَطبيعِهِم بِطَابَعِ الحَياةِ الجَديدة، رَفَضُوا ذلك.

والسَّببُ وَاضِحٌ وبَسيط. فَلم تَكُن هُناكَ وَصِيَّةٌ كِتابِيَّةٌ ضِدَّ التَّعليم. ولم تَكُن هُناكَ وَصِيَّةٌ كِتابِيَّةٌ ضِدَّ الأسماء. ولكِن كانت تُوجَدُ وَصِيَّةٌ كِتابِيَّةٌ وَاضِحَةٌ ضِدَّ الأكلِ مِنَ الطَّعامِ الكَلدانِيِّ. فَأوَّلاً، لَقد كانَ طَعامًا مُقَدَّمًا للأوثان. فَكما كَانتِ العَادَةُ، كانَت جَميعُ الذَّبائِحِ تُقَدَّمُ للآلِهَةِ، أيْ لآلِهَتِهم الوَثنيَّة.

ثَانيًا، كَانَت لَديهم شَرائعُ صَارِمَةٌ جدًّا لا يَلتَزِمُ بِها البَابِلِيُّون. لِذا، في حينِ أنَّهُ كانَ بِمَقدورِهم أن يَقبَلوا الأَمْرَيْنِ الأوَّل والثَّاني مِن مُنطَلَقِ إدراكِهِم لِقَصْدِ البَابِلِيِّينَ مِن ذلك، ومِن مُنطَلَقِ إدراكِهِم لحقيقةِ أنَّهُ بمقدورِهم أن يُقاوِموا بذلكَ بقوَّةِ تَنشِئَتِهم وَتَكريسِهم لِكَلمةِ اللهِ، كانُوا يُدركونَ أنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَقبلوا الأمرَ الثَّالثَ لأنَّهُم إن فَعَلوا ذلكَ سَيُنكِرونَ مَا تَنُصُّ عَليهِ شَريعَةُ الله.

والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ، يا أحبَّائي، هِيَ التَّالية: يَجِبُ علينا في حَياتنِا أن نَرسُمَ الخَطَّ في نَفسِ المَوضِعِ الَّذي يَرسُمُ اللهُ فيهِ الخَطَّ. وَهُوَ يَرسُمُ خَطَّ عَدَمِ المُساوَمَةِ على أساسِ الثَّوابِتِ في كَلِمَتِه. وَالآن، قَد تَقول: "وَماذا بشأنِ الشَّيْئَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني؟ فَيَبدو أنَّ التَّعليمَ هُوَ أكبرُ خَطَرٍ كَانَ يُحْدِقُ بِهِم".

لا، ليسَ تَمامًا! فَلأنَّهُم كَانُوا مُكَرَّسينَ جدًّا لكلمةِ اللهِ، كَانُوا يَرَوْنَ ذلكَ التَّعليمَ في ضَوْءِ كلمةِ الله. أَتَرَوْن؟ فَقد كانُوا يُفَسِّرونَهُ في ضَوْءِ كلمةِ الله. وَثانيًا، كَانَ بِمَقدورِ الكَلدانِيِّينَ أن يُغَيِّروا أسماءَهُم، ولكِن لم يَكُن بِمَقدورِهم بِكُلِّ تَأكيدٍ أن يُغَيِّرُوا قُلوبَهُم، وَلا أن يُغَيِّروا أرواحَهُم، وَلا أن يُغَيِّروا أذهانَهُم مِن جِهَةِ مَا يَعرِفونَ بأنَّهُ الحَقّ.

ولكِن في حَالِ خُضوعِهم للشَّيءِ الثَّالثِ وَقَبولِهم لِنَمَطِ الحَياةِ الكَلدانِيِّ وَتَأقْلُمِهِم مَعَهُ، كَانَ ذلكَ يَعني إنكارَ كلمةِ اللهِ والوُقوعَ في فَخِّ عَمليَّةِ التَّعليم. ففي حَالِ مُساوَمَتِهم على كلمةِ اللهِ في أكلِهم، فإنَّهُم سيُساومونَ بسهولةٍ على كلمةِ اللهِ في الجَوانبِ الأخرى أيضًا.

لِذا فإنَّنا نَرى أنَّ النُّقطةَ الجَوهريَّةَ في الحَياةِ الخَاليةِ مِنَ المُساوَمَةِ هِيَ مَا تَقولُهُ كلمةُ الله. والآن، لَقد شَارَكْنا مَعَكُم أيضًا في المَرَّةِ السَّابقةِ أنَّ هَذا المَوقِفَ هُوَ مَوقِفٌ مُدهِشٌ جدًّا مِن فَتىً في الرَّابعة عَشرةَ مِنَ العُمْر. وَهَذا يَكشِفُ لَنا عَن أمورٍ كَثيرةٍ عن شَخصيَّتِه، ويَكشِفُ لَنا شَيئًا عَن أَبَوَيْه، ورُبَّما يَكشِفُ لَنا شَيئًا عَن تَأثُّرِ حَياتِهِ بالنَّهضةِ العَظيمةِ الَّتي قَامَ بها يُوشِيَّا. وَفي وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ، حَظِيَ دَانيالُ بتَعليمٍ رَائِع. وَفي وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ، كَرَّسَ نَفسَهُ للهِ وَقَرَّرَ أَلاَّ يَتَنَجَّس. وَحَتَّى في تِلكَ السِّنِّ المُبَكِّرَةِ، عَاشَ ذلكَ التَّكريسَ على الرَّغمِ مِن كُلِّ الصُّعوبات.

ويجبُ علينا أن نَتَحَلَّى بنفسِ تِلكَ الشَّخصيَّةِ كَما هُوَ وَاضِحٌ. وَهَذا يَتَطَلَّبُ مِنَّا أن نَأخُذَ مَوقِفًا غَيرَ مُساوَمٍ تُجاهَ الوَصايا الثَّابتةِ في كلمةِ الله. وَقد فَعَلَ دَانيالُ ذلك، وكذلكَ رِفاقُهُ الثَّلاثَة. لِذا فإنَّ كُلَّ المُغرِياتِ، وكُلَّ التَّعليمِ، وكُلَّ الأُمورِ المُشَجِّعَةِ، وكُلَّ الرَّشَاوَى، وكُلَّ الضُّغوطِ، وكُلَّ الطُّموحاتِ، وكُلَّ الأمجادِ والوُعودِ الصَّادِرَةِ عَنِ البَلاطِ المَلَكِيِّ لم تَتَمَكَّن مِنْ جَعْلِ هؤلاءِ الفِتيانِ الأربعةِ يُساوِمونَ على الحَقِّ الَّذي كَانُوا يَعرِفونَهُ. فَقد رَفَضُوا أن يَفعَلُوا ذلك.

فَقد وَافَقوا أن يَتعلَّمُوا لُغَةَ المَلِك، وَأن يَتَعَلَّمُوا تَعليمَ الكَلدانِيِّين. فقد كانَتْ هُناكَ عُلومٌ، وكانَ هُناكَ حِسابٌ، وكانَت هُناكَ الكَثيرُ مِنَ الأشياءِ المُفيدة. وكانت هُناكَ أمورٌ فَلسفيَّةٌ ولاهُوتيَّةٌ يَنبغي أن يَرفُضوها. ولكِن كانَ يوجدُ في قُلوبِهم تَكريسٌ عَظيمٌ لكلمةِ اللهِ وشَريعةِ اللهِ يُمَكِّنُهُم مِن تَنقيحِ ذلكَ التَّعليمِ مِن خِلالِ الحَقِّ الإلهيّ.

وأعتقدُ أنَّ الأمرَ مُشابِهٌ اليوم. فأنا أعتقدُ أنَّهُ عِندَما يَكونُ إيمانُنا، نَحنُ المَسيحيِّينَ، قَوِيًّا، يُمكِنُنا أن نَسمَعَ مَا يَقولُهُ العَالَمُ، وَأنْ نَتَعَلَّمَ في جَامِعاتِ العَالَمِ وكُلِّيَّاتِهِ وَما إلى ذلك. ولكِن عندما يَكونُ إيمانُنا قَوِيًّا، ويَكونُ تَكريسُنا لِكَلمةِ اللهِ قَوِيًّا، فإنَّ ذلكَ التَّعليمَ سَيَخضَعُ للغَرْبَلَةِ بِغِرْبالِ كلمةِ الله. وفي حَالاتٍ كَثيرةٍ فإنَّ ذلكَ يَجعَلُنا قَادِرينَ أكثرَ مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى على قَلْبِ الأمورِ رَأسًا على عَقِبْ، وَتَوصيلِ كَلِمةِ اللهِ إلى هَؤلاءِ لأنَّنا نَستطيعُ أن نَرى الضَّعفَ في نَظَرِيَّاتِهم وَلاهُوتِهم.

وَهذا يُذَكِّرُني بأشخاصٍ مِثلَ "فرانسيس شيفر" (Francis Schaeffer) الَّذي هُوَ هِبَةٌ مِنَ الله لِهذا العَصْرِ بِطَرائِقَ عَديدة. فَهُوَ رَجُلٌ دَرَسَ على مَرِّ سَنواتٍ وسَنواتٍ فَلسفاتِ العَالَمِ لكي يَفهمَ فَلسفاتِ العَالَم، ولكي يَفهمَ كيفَ تُخاطِبُ كَلِمةُ اللهِ تلكَ الفَلسفاتِ، ولكي يَرُدَّ عَليها بالحَقِّ الإلهِيِّ.

وَهذا يُذَكِّرُني أيضًا بِالعُلماءِ الَّذينَ دَرَسُوا سَنواتٍ طَويلةً نَظريَّاتِ النُشوءِ لكي يَتَمَكَّنُوا مِن تَفنيدِها بآياتِ كلمةِ الله. وَقد تَمَّتْ دِراسةُ فَلسفاتِ البِدَعِ المُختلفةِ والدِّياناتِ الزَّائفةِ بِتَدقيقٍ شَديدٍ مِن قِبَلِ رِجالِ اللهِ الأتقياءِ الَّذينَ وَفَّرُوا لَنا مَوارِدَ للرَّدِّ على هَؤلاءِ، وَتَوصيلِ الإنجيلِ إلى الأشخاصِ العَالِقينَ في فِخِّ الأنظمةِ الزَّائفة. لِذا، لم يَخَفْ دَانيالُ ورِفاقُهُ الثَّلاثَةُ مِنَ التَّعليمِ لأنَّهُم كَانُوا يَعرِفونَ أنَّهم يَمْلِكونَ غِرْبالَ كَلِمةِ اللهِ الَّذي يَستطيعونَ بواسِطَتِهِ أنْ يُغَرْبِلُوا كُلَّ هذا التَّعليم.

وَأودُّ أن أُحَذِّرَكُم في هذهِ النُّقطةِ مِن عَدَمِ تَعريضِ أنفسِكُم لِتلكَ الأنواعِ مِنَ الفُرَصِ التَّعليميَّةِ إلاَّ إذا كُنتُم تَملِكونَ ذلكَ الغِربال؛ وَإلاَّ فإنَّكُم سَتَجِدونَ أنَّ إيمانَكُم قَد يَتزعزَع. فالنَّاسُ يَسألونَني: "هَل تَعتقدُ أنَّهُ يَنبغي للمَسيحيِّينَ أن يَدرُسُوا في جَامِعاتٍ عِلمانِيَّة؟" والجَوابُ على ذلكَ هُوَ أنَّني أعتقدُ أنَّ جُزءًا مِنَ المَسيحيِّينَ يَنبغي أن يَذهبوا إلى هُناكَ؛ ولكِن ليسَ جَميعُهم. فَرُبَّما يَنبغي أن يَتَعَرَّضَ بَعضٌ مِنَّا لِتلكَ البيئةِ حَتَّى نَعرِفَ كَيفَ نَتعامَلَ مَعَها.

لِذا، فإنَّ دِانيالَ وَرِفاقَهُ لم يُمانِعُوا في التَّعَلُّمِ لأنَّهُم كَانُوا يَمْلِكونَ المُؤهِّلاتِ اللاَّزِمَةَ للتَّعامُلِ مَعَ ذلكَ التَّعليم. وَحَتَّى إنَّهُم لم يَعتَرِضُوا على الأسماءِ الكَلدانِيَّةِ الَّتي أَطلَقوهَا عَليهم. وَهَذا الأمرُ ليسَ نَادِرَ الحُدوث. فَنحنُ نَعيشُ في مُجتَمَعٍ نُسَمَّى فيهِ بحسبِ الأعرافِ السَّائِدَةِ في مُجتمعِنا. والأسماءُ لا تَعني الشَّيءَ الكَثيرَ في أيَّامِنا هَذِه. لِذا فإنَّ ذلكَ الأمرَ لم يُزعِجْهُمْ قَطّ. ولكِنَّهُم رَفَضُوا أن يَقبَلوا أسلوبَ الحَياةِ ذَاك.

وَكَما قُلتُ في المَرَّةِ السَّابقة، إنَّ نَمَطَ الحَياةِ في أيِّ مُجتمعٍ هُوَ أكثرُ شَيءٍ مُفْسِد. أَتَرَوْن؟ لأنَّهُ حَالَما تَبتدِئُ في العَيشِ بتلكَ الطَّريقةِ الَّتي يَعيشُ بها المُجتمعُ تَكونُ قَد استَسْلَمْتَ لِفَلسفَتِهم بِغَضِّ النَّظرِ عَنِ الأشياءِ الَّتي تَتَعَلَّمُها. فَنَمَطُ الحَياةِ هُوَ دائِمًا أكثرُ العَوامِلِ إفْسادًا في أيِّ مُجتمعٍ وَثنيٍّ.

لِذا فإنَّنا نَرى أنَّ دَانيالَ يَرفُضُ في تلكَ النُّقطة. فَهُوَ يُوْقِفُ عَمليَّةَ غَسْلِ الدِّماغِ وَيَرفُضُ أن يَتَأقلَمَ مَعَ نَمَطِ حَياتِهم. ونَحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 4: 23: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاة". والمَقصودُ بذلكَ هُوَ: "احفَظ قَلبَكَ" لأنَّكَ إنْ خَسِرْتَ قَلبَكَ، وَإنْ تَخَلَّيْتَ عَن ذلكَ الجُزءِ مِن كِيانِكَ الَّذي يُفَكِّرُ، ويَتجاوَبُ وَيَتَحَرَّكُ، ويَدفَعُكَ إلى العَمَل، إنْ تَخَلَّيتَ عَنهُ فإنَّ كُلَّ الحَياةِ سَتَصيرُ فَاسِدَةً. لِذا، احفَظ قَلبَكَ. وَهَذا هُوَ مَا فَعَلَهُ دَانيال.

والآن، فيما يَختَصُّ بِموضوعِ دِراسَتِنا، أريدُ أن نَنظُرَ إلى نَتائِجِ هَذا التَّكريس. فَقد كَرَّسَ نَفسَهُ في الأسبوعِ المَاضي. والآن، مَا هِيَ النَّتائِج؟ وبالمُناسَبة، كانَ يُمكِنُ للنَّتائِجِ كُلِّها أن تَكونَ سَيِّئة. فَكما تَعلَمونَ، لم يَكُن نَبوخَذنَاصَّر شَخصًا لَطيفًا دَائِمًا.

فعندما جاءَ وَقال: "أريدُ مِن جَميعِ هَؤلاءِ الفِتيانِ أن يَأكُلُوا مِن طَعامِ المَلِك، وأريدُ مِنهُم أن يَكونُوا مُكَرَّسينَ لِي، وأريدُ مِنهُم أن يَشعُروا بالامتِنانِ لي، وَأريدُ مِنهُم أن يَعلَموا أنَّني اهْتَمَمْتُ بِهِم وقَدَّمْتُ لَهُم الأفضَل، وأريدُ مِنهُم أن يَتَذَوَّقُوا طَعْمَ أفضلِ الأشياءِ المَوجودةِ لَدينا هُنا في بَابِل، وأريدُ مِنهُم أن يَتُوقوا إلى تِلكَ الأشياءِ وَأنْ يَنْسَوْا الأشياءَ الَّتي اعتادُوا عَليها في المَاضي، وأريدُ مِنهُم أن يَتَأقلَمُوا مَعَ نَمَطِ الحَياةِ هَذا. فَهذا جُزءٌ مِنَ العَمليَّة". لِذا، إنْ قَالُوا "لا، شُكرًا أيُّها المَلِك"، فإنَّ ذلكَ قَد يُؤدِّي إلى نَتائِجَ خَطيرة جدًّا.

فَكُلُّ ما يَلزَمُكُم أن تَفعلوهُ هُوَ أن تَقرأوا مَا جَاءَ بَعدَ ذلكَ في هَذا السِّفْرِ لِتَجُدوا أنَّهُ عِندَما رَفَضَ بَعضٌ مِنهُم أن يَفعَلوا مَا أَمَرَ بِهِ المَلِك، مَا كَانَ مِنَ المَلِكِ إلاَّ أنْ طَرَحَهُم في أَتونِ النَّار! وذاتَ مَرَّة، رَفَضَ أَحَدُهُم أن يَفعلَ مَا أَمَرَ بِهِ المَلِكُ فَما كانَ مِنَ المَلِكِ إلاَّ أنْ طَرَحَهُ في جُبِّ الأُسود!

لِذا فإنَّ نَتائِجَ أَخْذِ مَوقِفٍ غَيرِ مُساوِمٍ قَد تَكونُ سَيِّئةً أحيانًا. وَهذا أمرٌ لا جِدالَ فيه. فأحيانًا يَكونُ هُناكَ ثَمَنٌ بَاهِظٌ يَنبَغي أن يُدفَع. فالتَّمرُّدُ على مَلِكٍ وَثَنِيٍّ قَد يكونُ أمرًا خَطيرًا جدًّا جدًّا. ولكِنَّ دَانيال كَانَ مُضْطَرًّا إلى القِيامِ بذلك لأنَّ شَخصِيَّتَهُ كَانَتْ تُحَتِّمُ عليهِ أن يَفعلَ ذلك. وَقد أَخَذَ رِفاقُهُ الثَّلاثةُ الرَّائعونَ المَذكورونَ في العَددِ السَّادِسِ (وَهُمْ: حَنَنْيَا، وَمِيشَائِيل، وَعَزَرْيَا) مَوقِفًا رَاسِخًا فَطُرِحُوا في أَتونِ النَّار. وَقد أَخَذَ دانيالُ مَوقِفًا رَاسِخًا فَطُرِحَ في جُبِّ الأُسود. ولكِن إنْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ النَّتيجَة، فَلْيَكُنْ. فَهُمْ لَن يُساوِمُوا.

والآن، لِنَنظُر إلى النَّصِّ ابتداءً مِنَ العَددِ الثَّامِن. وأريدُ مِنكُم أن تَرَوْا مَجموعَةَ الصِّفاتِ لأنِّي أرى أنَّ هذا الأمرَ رَائعٌ جدًّا. لاحِظُوا مَجموعَةَ الصِّفاتِ الَّتي يَتَحَلَّى بها الإنسانُ الَّذي يَأخُذُ مَوقِفًا رَافِضًا للمُساوَمَة. فعندما يَعْقِدُ الإنسانُ العَزمَ في ذِهنِهِ على العَيشِ بطريقةٍ لا مُساوَمَةَ فيها في مُجتمعٍ وَثَنِيٍّ، ستَكونُ هُناكَ مَجموعَةٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتي أراها بَارِزَةً هُنا. وَهِيَ ليسَت مُرَتَّبةً بأيِّ تَرتيبٍ مُحَدَّد، ولَكِنِّي أراها وَاضِحَةً هُنا وَحَسْب. وَهِيَ عَمليَّةٌ جدًّا. وَسوفَ أذكُرُها لَكُم بطريقةٍ عَشوائِيَّةٍ، وَأرجو مِنكُم أن تُدَوِّنوها.

أوَّلاً، شَجاعَةٌ بِلا خَجَل. شَجاعَةٌ بِلا خَجَل. العَدد 8 – انظُروا إليه: "أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ [وَهُوَ ’أَشْفَنَز‘ الَّذي التَقيناهُ في المَرَّةِ السَّابِقَة] أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ". والآن، تَوَقَّفوا هُنا.

هَذا رَائِعٌ! فَنَحنُ نَرى هُنا شَجاعَةً بِلا خَجَل. فَدانيال يَقول: "يا أَشْفَنَز، لا أريدُ أن آكُلَ مِن أطايِبِ المَلِكِ، وَلا أريدُ أن أشربَ مِن خَمْرِ مَشروبِهِ لأنَّ ذلكَ سَيُنَجِّسُني". والآن، مَهلاً يا دانيال. إنَّ مَا تَقولُهُ جَريءٌ جدًّا. وما أعنيه هُوَ: ألَم يَكُن باستِطاعَتِكَ أن تَقولَ ذلكَ بطريقةٍ غَير مُباشِرَة قَليلاً؟ فَهَلْ تَقولُ للمَلِكِ إنَّ طَعَامَهُ سَيُنَجِّسُك؟ وأنا أُحِبُّ هَذا النَّوعَ مِنَ الشَّجاعَة. أليسَ كذلك؟

فَهُوَ لا يَقول: "أتَدري أيُّها المَلِكُ أنَّني اعْتَدْتُ مُنذُ صِغَري أن آكُلَ طَعامًا مُعَيَّنًا". ولكِنَّهُ لا يُجامِلُ المَلِكَ أو رَئيسَ الخِصْيانِ، وَلا يُحاوِلُ التَّمَلُّصَ مِن ذلكَ المَأزِق. وَهُوَ لا يَقول: "أتَدري أنَّ جِسْمي لن يَتَمَكَّنَ مِنَ الاعتيادِ على هذا الطَّعام". وَهُوَ لم يَقُل: "أنا مَريضٌ جدًّا، ولا أشعُرُ بأنِّي على مَا يُرام. ومِنَ الأفضلِ ألاَّ آكُلَ هَذا الطَّعام. فَهُوَ دَسِمٌ جدًّا. وَقد كُنتُ مُعتادًا على الطَّعامِ في الأرضِ الَّتي كُنتُ أعيشُ فيها. لِذا، لا يُمكنُني أن أهضُمَ هَذا الطَّعام".

إنَّهُ لا يَقولُ ذلك. وَقد كَانَ بِمَقدورِهِ أن يَقولَ ذلك. وَقَد نَفعلُ نَحنُ ذلك. فَفي مَرَّاتٍ عَديدة، عِندَما نُريدُ أن نَتَمَلَّصَ مِن مَوقِفٍ يَختَصُّ بمسألةٍ رُوحِيَّةٍ فإنَّنا نُقَدِّمُ سَبَبًا غَيرَ رُوحِيٍّ للتَّمَلُّصِ مِنه. فَنَحنُ لا نُريدُ أن نَعتَرِفَ بأنَّ ذلكَ هُوَ السَّبب. فَقد يَقولُ لكَ أحدُ الأشخاص: "لِمَ لا تَأتِ مَعَنا؟ سَوفَ نَفعلُ كَذا وَكَذا". وَنحنُ لا نَقولُ: "يَجِب أن تَعلَمَ أنَّني لا أُوْمِنُ بأنَّ هَذا الأمرَ صَائِب، بَل أُؤْمِنُ بأنَّها خَطِيَّة أن أفعلَ ذلك. وأنا لا أريدُ أن أُساوِمَ على تَكريسي ليسوعَ المَسيح". فَقد تَقولُ لَهُ: "أجل، كَمْ كُنتُ أتَمَنَّى أن أذهبَ مَعَكُم، ولكنِّي مُضْطَرٌّ للبَقاءِ في البَيتِ اللَّيلة. فَهُناكَ شَيءٌ يَنبغي لي أن أفعلَهُ". فَأنتَ تُراوِغُ وَتَتَمَلَّصُ مِنَ الأمر. فَنَحنُ لا نُشيرُ حَقًّا إلى وُجودِ مَانِعٍ رُوحِيٍّ هُنا.

ولكِنِّي أُحِبُّ مَا فَعَلَهُ دَانيال. فَقد كانَ دَانيال في الرَّابعة عَشرة مِن عُمرِه! ويا لَها مِن شَخصيَّة! فَهُوَ يَقولُ: "بالمُناسَبة، أرجو أن تَقولَ للمَلِك أنَّني لا أستطيعُ أن آكُلُ مِن هَذا الطَّعامِ لأنَّهُ سَيُنَجِّسُني". فَهِيَ شَجاعَةٌ بِلا خَجَل تُوافِقُ الحَياةَ الخَاليةَ مِنَ المُساوَمة. وَهذا شَيءٌ رَائِعٌ! فَقد كَانَ شُجاعًا.

وَقد كَانَ بإمكانِهِ أن يَستخدِمَ كلمةً أخرى غَيرَ "أَتَنَجَّس". فَهِيَ كلمةٌ قَوِيَّةٌ جدًّا. وأحيانًا نَقرأُ عَوِضًا عَنِ النَّجاسَةِ في العهدِ القديمِ أنَّ الشَّيءَ رِجْسٌ عِنْدَ الرَّبّ. ولكِنَّ السَّببَ في أنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَأكُلَ ويَشرَبَ هُوَ أنَّهُ سيَتَنَجَّس. لِذا فإنَّ هَذا هُوَ مَا قَالَهُ. فَهُوَ سَيَتَنَجَّسُ [أوَّلاً] لأنَّهُ طَعامٌ قُدِّمَ للأوثان. وَهُوَ لا يَستطيعُ أن يَدنُو مِن وَثَنٍ. ثَانيًا، سَوفَ يَتَنَجَّسُ لأنَّ الطَّعامَ لم يَكُن مُعَدًّا بحَسَبِ شَريعةِ الطَّعامِ اليَهوديَّة. لِذا، إنْ أَكَلَ مِنْهُ فإنَّهُ يَتَعَدَّى على شَريعةِ الله. وَهَذا يُعَدُّ نَجاسَةً.

وهَل تَعلَمونَ مَا الَّذي أُوْمِنُ به؟ إنَّهُ لا يَقولُ هذا الشَّيءَ في تلكَ الآيةِ، ولكِنَّ حَقيقةَ أنَّهُ لم يَكُن يُريدُ أن يُنَجِّسَ نَفسَهُ تَعني ضِمنِيًّا في نَظري أنَّهُ لا بُدَّ أنَّهُ اضْطُرَّ إلى تَقديمِ تَفسيرٍ لأَشْفَنَز بخصوصِ تِلكَ النَّجاسَة. فَلا بُدَّ أنَّهُ أخبَرَهُ الكَثيرَ عَن شَرائِعِ الطَّعامِ في العهدِ القديم. وَلا بُدَّ أنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أمورًا أخرى تَختصُّ بالوَثَنِيَّةِ أيضًا. ولا بُدَّ أنَّهُ أخبَرَهُ بِالأمرِ كُلِّهِ قَائِلاً: "هَذا هُوَ مَوقِفي. وَأنا لا أريدُ أن أفعلَ ذلكَ لأنَّهُ يُناقِضُ شَريعةَ الله".

وَهَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ أليسَ مِنَ الرَّائعِ أنَّ نَرى شَخصًا يَجِدُ نَفسَهُ في مَوقِفٍ عَصيبٍ جدًّا ولكِنَّهُ لا يَخجَلُ مِن قَولِ الحَقيقةِ بخصوصِ تَكريسِهِ لكلمةِ الله؟ إنَّها شَخصيَّةٌ حَقيقيَّةٌ يا أحبَّائي... شَخصِيَّةٌ حَقيقيَّة. فَهِيَ شَخصيَّةٌ حَقيقيَّةٌ لا تُساوِم. فَهُوَ لم يَكُن يَتَنَكَّرْ لإلَهِهِ، ولم يَكُن يَتَنَكَّرُ لإيمانِهِ بالله. فَعلى الرَّغمِ مِن وُجودِهِ في مُجتَمَعٍ وَثَنِيٍّ، وَعلى الرَّغمِ مِن أنَّ المَلِكَ قَدْ يَضَعُهُ في السِّجْنِ، وَعلى الرَّغمِ مِن أنَّ المَلِكَ كَانَ يَستطيعُ أنْ يُعْدِمَهُ بِسَببِ عِصيانِهِ وَتَمَرُّدِهِ، فإنَّ ذلكَ لم يُضعِف تَكريسَهُ.

وبِصَراحَة، بالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ العَادِيِّينَ فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَقولُ إنَّ "خَشْيَةَ الإِنْسَانِ تَضَعُ [مَاذا؟] شَرَكًا". فَعِندَ أغلبيَّةِ النَّاسِ، خَشيةُ النَّاسِ تُوقِعُنا في الفَخّ. ولكِنَّ ذلكَ لم يَحدُث لِدانيال. ولكِنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَمْلِكونَ شَخصيَّةً لا تُساوِم يَتَّصِفونَ دَائِمًا بِشَجاعَةٍ تَخلو مِنَ الخَجَل.

وَقد رَأيتُ أنَّ هذهِ النُّقطةَ مُدهشةٌ حَتَّى إنِّي قَرَّرْتُ أن أَتَعَمَّقَ فيها قَليلاً في الكتابِ المقدَّس. وَيَجِب أن تَعلَموا أنَّني رأيتُها في مُوسَى. وأنا أُحِبُّ ذلكَ وَحَسْب. فأنا أراها في مُوسَى. فَقد ذَهبَ مُوسَى إلى فِرْعَوْنَ وَقالَ لَهُ: "يا فِرْعَون! أَطْلِقْ شَعبي". وأنا أُحِبُّ ذلك. أطلِقْهُمْ يا فِرْعَوْن! وَقد قَالَ فِرْعَوْن: "دَعني أُريكَ مَنْ هُوَ الشَّخصُ القَوِيُّ هُنا!" وَقد استَدعَى فِرْعَوْنُ سَحَرَتَهُ البَارِعينَ في الحِيَل فَطَرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ عَصَاهُ فَصَارَتِ الْعِصِيُّ ثَعَابِينَ. وَلكِنْ مُوْسَى طَرَحَ عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبَانًا ابْتَلَعَ عِصِيَّهُمْ.

وَهُوَ يَقولُ: "أَطْلِقْ شَعبي". فَهُوَ لم يَخَفْ أن يَعتَرِفَ بإلَهِهِ. ونَحنُ نَرى حَماسَةَ مُوسَى عِندَما قَتَلَ مِصْرِيًّا كَانَ يَضْطَهِدُ يَهودِيًّا. فَهُوَ لم يَتردَّد يَومًا في الدِّفاعِ عَنِ اللهِ وَعَن شَعبِه.

وأنا أَرَى ذلكَ في دَاوُد. فَالمَزاميرُ تُدَوِّنُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ أمورًا تَكشِفُ لَنا قَلبَ دَاوُد. فَالمُزمور 40: 8 يَقول، وَهُوَ مَزمورٌ أُحِبُّهُ: "أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ، وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي". وفي أيِّ وَقتٍ تَرَوْنَ فيهِ شَخصًا يَحفَظُ شَريعةَ اللهِ في قَلبِهِ ويُريدُ أن يُطَبِّقَ شَريعَةَ اللهِ، اعلَمُوا أنَّهُ إنسانٌ غَيرُ مُساوِم. فَهُوَ يُشبِهُ دَانيال. فَدَاوُدُ يَقول: "أنا أعرِفُ شَريعَتَكَ، وَأنا مُكَرَّسٌ بِتَطبيقِها". لِذا: "بَشَّرْتُ بِبِرّ فِي جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ. هُوَذَا شَفَتَايَ لَمْ أَمْنَعْهُمَا. أَنْتَ يَا رَبُّ عَلِمْتَ". أيْ أنَّني لم أتَرَدَّد يَومًا، ولم أَتَقاعَسْ يَومًا في قَولِ كَلِمَةِ حَقّ.

وَهُوَ يَقولُ في العَددِ العَاشِر: "لَمْ أَكْتُمْ عَدْلَكَ فِي وَسَطِ قَلْبِي. تَكَلَّمْتُ بِأَمَانَتِكَ وَخَلاَصِكَ. لَمْ أُخْفِ رَحْمَتَكَ وَحَقَّكَ عَنِ الْجَمَاعَةِ الْعَظِيمَة". فَهُوَ يَقولُ: "يا رَبّ، أنا مُكَرَّسٌ لِذلك، وَأنا أُنادي بِذلكَ بِشجاعَةٍ وَدُونَ خَجَل". لَيْتَكَ، يا رَبّ، تُعطينا أُناسًا كَهؤلاء.

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في المَزمور 71: 15: "فَمِي يُحَدِّثُ بِعَدْلِكَ، الْيَوْمَ كُلَّهُ بِخَلاَصِكَ". فَهُوَ يَقولُ: "اليَومَ كُلَّهُ يُحَدِّثُ فَمِي بِعَدلِكَ وَخَلاصِك". إنَّها شَجاعَةٌ لا خَجَلَ فيها.

وَقد كانَ رِفاقُ دَانيال يَمتَلكونَها. انظُروا إلى الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْرِ دانيال. فَهذا رَائِعٌ جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 13 أنَّ نَبوخَذنَاصَّر غَضِبَ جدًّا وامتلأَ بالغَيظِ حَتَّى إنَّهُ أحضَرَ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيل وَعَزَرْيَا (الَّذينَ أَسْمُوهُم: شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ). فقد أَمَرَ بإحضارِهِم وَقالَ لَهُم: "تَعَمُّدًا يَا شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ لاَ تَعْبُدُونَ آلِهَتِي وَلاَ تَسْجُدُونَ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتُ!" أيْ: "هَل رَفضتُم أن تَفعَلُوا مَا أمرتُكُم بِأن تَفعَلوه؟"

"فَإِنْ كُنْتُمُ الآنَ مُسْتَعِدِّينَ عِنْدَمَا تَسْمَعُونَ صَوْتَ الْقَرْنِ وَالنَّايِ وَالْعُودِ وَالرَّبَابِ وَالسِّنْطِيرِ وَالْمِزْمَارِ وَكُلَّ أَنْوَاعِ الْعَزْفِ إِلَى أَنْ تَخِرُّوا وَتَسْجُدُوا لِلتِّمْثَالِ الَّذِي عَمِلْتُهُ. وَإِنْ لَمْ تَسْجُدُوا فَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ تُلْقَوْنَ فِي وَسَطِ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ. وَمَنْ هُوَ الإِلهُ الَّذِي يُنْقِذُكُمْ مِنْ يَدَيَّ؟" فَقد كَانَ يَسْتَخِفُّ بالله.

"فَأَجَابَ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ وَقَالُوا لِلمَلِكِ [وَأنا أُحِبُّ ذلك]: «يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْر". لا حَاجَةَ إلى أن نُجيبَكَ عَن هَذا الأمر. "هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. وَإِلاَّ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لاَ نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ»". فَلا يَهُمُّنا مَا قَد يَحدُث. فَنحنُ لَن نَعبُدَ تِمثالَكَ. يا لَها مِن شَجاعَة! وَيا لَها مِن شَخصِيَّةٍ قَوِيَّةٍ تَظهَرُ في حَياةِ هَؤلاءِ الفِتيانِ الثَّلاثَة!

ونَحنُ نَرى ذلكَ مَرَّةً أخرى في العهد الجديد مَرَّاتٍ عَديدة؛ أيْ نَفسَ هَذا النَّوعِ مِنَ الشَّجاعَةِ الَّتي تَخلو مِنَ الخَجَلِ وَتَأتي مَصْحُوبَةً بِقَلبٍ لا يُساوِم. وَأنا أُفَكِّرُ في آيَةٍ مُحَدَّدَةٍ هُنا. أجل، إنَّها مَرْقُس 8: 38. فَقد قَالَ رَبُّنا: "لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ، فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِين". يا للعَجَب! إنَّها آيةٌ قَوِيَّة. أليسَ كذلك؟

ونَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 4: 16: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَمَسِيحِيٍّ، فَلاَ يَخْجَلْ". وَيَجِبُ عَليكُم أن تَعلَمُوا أنَّهُ عِندما تَتألَّمونَ بِصِفَتِكُم مَسيحيِّينَ، وعندما تَتَعَرَّضونَ للكثيرِ مِنَ الضِّيقِ، وعِندَما يَسخَرُ النَّاسُ مِنكُم، وعندما يُضايِقُكُم الآخرونَ، مِنَ السَّهلِ أن تَشعُرَ بالخِزْيِ بِوَصْفِكَ مَسيحيًّا. وَقد تَتراجَع. وَكَما قُلتُ، هُناكَ مَسيحيُّونَ يُشبِهونَ النَّهرَ المُتَجَمِّدَ في القُطبِ الشَّمالِيِّ والَّذي يَتَجَمَّدُ عِندَ مَنْبَعِه. فَهُم لا يَقولونَ أيَّ شَيء، بَل لا يَدَعُونَ أحدًا يَعلَمُ بأنَّهُم مَسيحيُّونَ بسببِ شُعورِهم بالخَجَل. ولكِنَّ بُطرسَ يَقول: "إنْ كَانَ أَحَدٌ مِنكُم يَتألَّمُ لأنَّهُ مَسِيحِيٌّ، فَلاَ يَخْجَلْ".

وأنا أُحِبُّ أن أرى بُولسَ في نِهايةِ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فَعِندَما وَقَفَ أمامَ عَدَدٍ مِنَ الوُلاةِ الدُّمَى مِثلَ "فِيلِكْس" وَ "فَسْتُوس" وَ "أغريباس"، كانَ يَعْمَدُ في كُلِّ مَرَّةٍ، دُونَ تَرَدُّدٍ، بَل بِشَجاعَةٍ خَاليةٍ مِنَ الخَجَلِ، إلى الكِرازَةِ بيسوعَ المسيح. وَهُوَ يَكتُبُ إلى تيموثاوُسَ ويَقول: "يا تيموثاوُس، يا تيموثاوُس، إنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْح". "وَيا تيموثاوُس، لا تَخجَل بِي، أنا أسيرُ المَسيح، وَلا تَسْتَحِي بالإنجيل".

وَهُناكَ آيةٌ رَائعةٌ مُدَوَّنةٌ في المَزمور 119: 46. وَهِيَ تَقولُ مَا يَلي: "وَأَتَكَلَّمُ بِشَهَادَاتِكَ قُدَّامَ مُلُوكٍ وَلاَ أَخْزَى". أليسَت هذهِ الآية رَائعة؟ "وَأَتَكَلَّمُ بِشَهَادَاتِكَ قُدَّامَ مُلُوكٍ وَلاَ أَخْزَى". فَلا يَجوزُ أن يَتَمَكَّنَ أيُّ شَخصٍ في العَالَمِ مِن إخافَتِكُم وَمَنْعِكُم مِنَ الكِرازَةِ بِرسالَتِكُم... أيُّ شَخص.

إذًا، لقد كانَ دَانيالُ يَمْلِكُ شَخصيَّةً تَجعَلُهُ يَقِفُ بِجَسارَةٍ وشَجاعَةٍ دُونَ خَجَلٍ أمامَ المُلوك، وَتَجعَلُهُ يَقولُ الحَقَّ، وكَانَ يَمْلِكُ رُوحًا شُجاعًا لِمُتابَعَةِ تَكريسِهِ للهِ؛ الأمرُ الَّذي جَعَلَهُ صَادِقًا جدًّا. أليسَت هذهِ صِفَة رَائِعَة؛ أيْ أن تَكونَ جَريئًا في قَولِ الحَقّ؟

ويُعَبِّرُ حِزْقيالُ عَن ذلكَ بالعِبارَةِ: "اجْعَلْ وَجْهَكَ كَالصَّوَّان". والصَّوَّانُ هُوَ، بِكُلِّ تأكيدٍ، حَجَرٌ قَاسٍ جدًّا، وَصَلْبٌ جدًّا، وَلا يُساوِم. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هَذِهِ الفَضيلَةَ نَفسَها تُسَمَّى في سِفْرِ أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل 12: 8 "وُجُوهُهُمْ كَوُجُوهِ الأُسُود". فَلا تُوجَد أشياءٌ كَثيرةٌ تُخيفُ الأسَد.

وَفي رِسالةِ فيلبِّي 1: 27، وَأنا أُحِبُّ هذهِ الكلماتِ وَحَسْب: "فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيل" – والآن، استَمِعُوا إلى هذهِ الكلمات: "غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِين". أليسَت هذِهِ الكلماتُ رَائعةً؟ "غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِين"، بَلْ أنْ تُبدوا استِعدادًا وَجُرأةً للوُقوفِ والتَّكلُّم.

وَقَد عَثَرْتُ على مَثَلٍ إيضاحِيٍّ مُدهِشٍ في كِتابٍ قَديم. وَهُوَ مَثَلٌ إيضاحِيٌّ وَرَدَ في عِظَةٍ قَدَّمَها "د. ل. مودي" (D.L. Moody). وَسوفَ أقرأُهُ عَلى مَسامِعِكُم:

"هُناكَ قِصَّةٌ عَن شَابٍّ جَاءَ مَعَ عَدَدٍ مِنَ الرِّجالِ لِمُهاجَمَةِ مَلِكٍ كانَ لَديهِ جَيشٌ مُؤلَّفٌ مِن ثَلاثةِ آلافِ مُقاتِل. وَكانَ عَدَدُ الرِّجالِ الَّذينَ جَاؤُوا بِصُحبةِ الشَّابِ 500 فقط. وقد أرسَلَ المَلِكُ مَبعوثًا إلى الشَّابِّ يقولُ لَهُ إنَّهُ لا يَنبغي لَهُ أن يَخشَى الاستِسلامَ لأنَّهُ سَيُعامِلُهُ بِرَحمَة. ولكِنَّ الشَّابَّ استَدعَى واحِدًا مِن رِجالِهِ وَقالَ لَهُ: ’خُذ هَذا الخِنجَرَ واغرُسهُ في قَلبِك‘. أَخَذَ الرَّجُلُ الخِنجَرَ وَغَرَسَهُ في قَلبِه. ثُمَّ دَعَا آخَرَ وَقالَ لَهُ: ’اقفِز مِن فَوقِ ذلكَ الجُرْف". فَقَفَزَ الرَّجُلُ مِن فَوقِ ذلكَ الجُرْف.

"ثُمَّ قَالَ الشَّابُّ لِمَبعوثِ المَلِك: ’ارْجِع الآنَ وَقُل لِمَلِكِكَ بأنَّ لَديَّ 500 رَجُل مِن هَذا النَّوع. صَحيحٌ أنَّنا سَنَموتُ، ولكِنَّنا لَن نَستَسلِم. وَقُل لِمَلِكِكَ شَيئًا آخرَ وَهُوَ أنَّني سَأَرْبُطُهُ مَعَ كَلبي في الدَّاخِلِ مُدَّةَ نِصفِ سَاعَة‘. وعندما سَمِعَ المَلِكُ بذلكَ لم يَجرُؤ على مُلاقاتِه، بَلْ إنَّ جَيْشَهُ فَرَّ أمامَ هَؤلاءِ مِثلَما تَتَلاشَى العُصَافَةُ أمامَ الرِّيح. وفي غُضونِ أربعٍ وعِشرينَ سَاعَة، كَانَ الشَّابُّ قَد رَبَطَ المَلِكَ مَعَ كَلبِه".

أنا أَثِقُ بالواعِظِ "د. ل. مودي" (D.L. Moody)؛ ولكنِّي لا أعرِفُ مَدى صِحَّةِ هذهِ القِصَّة. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّني لن أقطَعَ الرَّجاءَ مِن رَجُلٍ لَيسَ حَاضِرًا، ولكِنَّ القِصَّةَ تُوَضِّحَ المَغزى. فَهُناكَ مُستوى عَالٍ مِنَ التَّكريس. فالشَّخصيَّةُ الَّتي لا تُساوِمُ تَمْلِكُ شَجاعَةً مُقَدَّسَةً لا تَعرِفُ مَعنى الخَوفِ، ولا تَعرِفُ مَعنى الخَجَل في حَمْلِ اسْمِ يَسوعَ المَسيح. لِذا، يُمكِنُكم أن تَقيسُوا مَا إذا كُنتُم تَملِكونَ مَوقِفًا لا يُساوِم، وَما إذا كُنتُم تَعيشونَ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساومةِ إنْ كُنتُم تَتَحَلونَ بتلكَ الشَّجاعَةِ الخَاليةِ مِنَ الخَجَل.

وأريدُ أن أقولَ لَكُم إنَّهُ يَنبغي لَكُم أن تَعْقِدُوا العَزمَ في أذهانِكُم، كَما فَعَلَ دَانيال، وَأنْ تَعقِدُوا العَزمَ في قُلوبِكُم على أنَّهُ في كُلِّ مَوضِعٍ تَرسِمُ فيهِ كلمةُ اللهِ خَطًّا وَاضِحًا، يَنبغي أن تَرسُموا خَطًّا وَاضِحًا. ويَنبغي أن تَقِفُوا هُناكَ دُونَ خَجَلٍ، بَل بِشَجاعَةٍ، وَأن تَشْهَدُوا لَهُ أمامَ مُلوكٍ، فَحينئذٍ سَتَجِدونَ أنَّ تِلكَ الشَّجاعَةَ حَقيقةٌ في حَياتِكُم. وَهَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ هَؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَستخدِمُهم اللهُ حَقًّا.

لَدَيَّ صَديقٌ التَقاهُ عَدَدٌ مِنكُم وَهُوَ "ريك وايلدر" (Rick Wilder). وَهُوَ يَعيشُ في سان فرانسيسكو ويَشعُرُ بأنَّ اللهَ دَعاهُ لِمُواجَهَةِ الخُطاةِ، وَبأنَّ هَذا هُوَ المَكانُ الَّذي يَنبغي لَهُ فيهِ أن يَفعلَ ذلك. وَهُوَ يَرْعَى كَنيسَةً هُناك. فَهُوَ يَرعَى تلكَ الكَنيسةِ وَيَصْطَحِبُ رَعِيَّتَهُ إلى الخَارِجِ حَيثُ يَذهبونَ إلى الشَّارع. وَهُوَ يَتَوَجَّهُ إلى المِثليِّينَ الجِنسيِّينَ وَيَقولُ لَهُم إنَّهُم بِحاجَة إلى يَسوعَ المَسيح.

وَقدِ ابتدأَ يَخدِمُ عِندَ نَاصِيَةِ الشَّارِعِ، وَيَكرِزُ عَن يَسوعَ المَسيحِ بأعلى صَوتِه. وَقد جَذَبَ العَديدَ مِنَ المُدمِنينَ على المُخَدِّراتِ، والمُدمِنينَ على أمورٍ أخرى، وأشخاصًا كَانُوا مِثليِّينَ جِنسيِّينَ، وَأفظَعَ أشخاصٍ قَد يَخطُرونَ بِبالِكُم، وَحُثالَةَ المُجتَمَعِ، والعَديدَ مِنَ الزَّانياتِ، وكُلَّ صِنفٍ آخر. وقدِ ابتدأَ كَنيسةً صَغيرةً وَصَارت لَديهِ كَنيسةٌ تَضُمُّ أكبرَ عَدَدٍ مِنَ الأشخاصِ المَنبوذينَ قَد تَرَونَهُم في حَياتِكُم.

وَهُوَ يَقولُ إنَّ مُحاولةَ تَشكيلِهم وَجَعلِهم جَسَدًا مَهَمَّةٌ صَعبة. وَقد أخبَرَني قَائِلاً: "أَوَدُّ أن آخُذَ إجازَةً. أَوَدُّ أن آخُذَ يَومَ عُطلَة. ولكِن إنْ تَرَكْتُ هَؤلاءِ الأشخاصَ يَومًا واحِدًا مِن دُونِ أن أَكونَ حَوْلَهُم، سَوفَ يَعودونَ إلى طُرُقِهم القَديمَة. لِذا [كَما يَقولُ] لا يُمكِنُني أن أترُكَ المَدينةَ يَومًا واحِدًا". وَهُوَ يَصرِفُ كُلَّ اليَومِ، وكُلَّ الأسبوعِ يَخدِمُ هؤلاءِ الأشخاص. وَهُوَ يَملِكُ رُوحًا لا يُساوِم يَمْنَحُهُ شَجاعَةً لا تَعرِفُ مَعنى الخَجَل.

واسمَحُوا لي أن أذكُرَ لَكُم نُقطةً أخرى. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ الحَياةَ الخَاليةَ مِنَ المُساومةِ سَتُؤدِّي إلى مِعْيارٍ غَيرِ مَألوفٍ؛ لا فَقَط إلى شَجاعَةٍ لا تَعرِفُ مَعنى الخَجَل، بل إلى مِعيارٍ غَيرِ مَألوف. فَكما تَعلَمونَ فإنَّ النَّاسَ الَّذينَ يَعيشونَ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساومةِ لا يَفعلونَ الأشياءَ بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَفعلُها بها الآخرون. هَل لاحَظتُم ذلك؟

هُناكَ رَاعي كَنيسة في "أبيردين" (Aberdeen) في إسكتلندا (Scotland) اسمُهُ "ويلي ستيل" (Willy Still). وَهُناكَ مَن يَرى أنَّهُ نُسْخَةٌ طِبْقُ الأصْلِ عَنْ "مارتن لويد جونز" (Martyn Lloyd-Jones) في إسكتلندا. وَقد كُنتُ أقرأُ كِتابًا صَغيرًا أعطاني إيَّاه "إيريك ليفر" (Eric Leaver) ذَاتَ يَومٍ مِن تَأليفِهِ بِعُنوان: "عَمَلُ رَاعي الكَنيسة" (The Work of the Pastor). وَهُوَ يَقولُ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ العِبارَةَ التَّالية: "إنَّ أكثرَ أشخاصٍ يَستخدِمُهُم اللهُ هُم غَريبو الأطوار". وَهُوَ يَقولُ: "لِذا، لا تَندَهِش إنِ التقيتَ أشخاصًا غَريبي الأطوار. فالحَقيقةُ هِيَ أنَّ كُلَّ شَخصٍ التَقيتُهُ وَعَرَفْتُ أنَّ اللهَ يَستخدِمُهُ كَانَ شَخصًا غَريبَ الأطوار".

والآن، أنا أفهَمُ مَا يَقول. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ بالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَعيشونَ هذهِ الحَياةَ الخَاليةَ مِنَ المُساوَمَةِ، لا بُدَّ مِن وُجودِ مِعيارٍ غَيرِ مَألوف. فَهُم لا يَفعلونَ الأشياءَ بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَفعلُها بِها الآخرون. فَهُم يَضَعُونَ مِعيارَهُم في مُستوى أعلى مِنَ الحُشودِ، وَحَتَّى أعلى مِنَ المَسيحيِّين. فَهُمْ لا يَعيشونَ بالمُستوى العَادِيِّ، بَل يَضَعونَ مَعاييرًا أعلى دَائِمًا مِنَ المُعتاد.

أَذكُرُ أنَّني عِندَما كُنتُ صَبِيًّا في المُرحلةِ الثَّانويَّةِ أنَّني قَرأتُ عَن أشخاصٍ كَانُوا عُظَماءَ في الصَّلاة. ولم أُصَدِّق آنذاكَ مِقدارَ التَّكريسِ الَّذي لَديهم. وَقد قَرأتُ سِيرَةَ حَياةٍ عَدَدٍ مِنَ المُرْسَلينَ وَأدركتُ أنَّهُم لم يَكونوا يَعيشونَ الحَياةَ المَسيحيَّةَ بالطَّريقةِ الَّتي يَفعلُها أيُّ شَخصٍ أعرِفُه. صَحيحٌ أنَّ هُناكَ أشخاصًا كَثيرينَ، كَما تَعلَمونَ، يَعيشونَ بِتَدقيقٍ؛ ولكِنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ يَعيشونَ بِمُستوىً آخر.

والآن، لِنَنظُر إلى نِهايةِ العَددِ الثَّامِنِ مَرَّةً أخرى. فَهُوَ يَقولُ: لا أريدُ أن أحصَلَ على أيِّ جُزءٍ مِن أطايِبِ المَلِك، ولا أريدُ أيَّ قَدْرٍ مِن خَمْرِ مَشروبِه. والآن، انظُروا إلى العَددِ الثَّاني عَشر. فَهُوَ يَخْطُو في الحَقيقةِ خُطوةً أخرى: "فَلْيُعْطُونَا الْقَطَانِيَّ لِنَأْكُلَ وَمَاءً لِنَشْرَبَ". والآن، مَهلاً. أنتَ لَستَ مُضْطَرًّا إلى الشُّرْبِ مِن خَمْرِ المَلِك، وَأنْتَ لَسْتَ مُضْطَرًّا إلى الأكلِ مِن أطايِبِ المَلِك، ولكِنْ يُمكِنُكَ بِكُلِّ تَأكيدٍ أنْ تَأكُلَ طَعامًا آخرَ، وَيُمكِنُكَ أنْ تَشرَبَ نَوعًا آخرَ مِنَ الخَمْر.

وَلكِنَّ دانيال يَقول: "انظُر، أريدُ أن أعيشَ بِمُستوىً غَير مَألوف. فأنا لا أُريدُ خَمْرًا البَتَّة". فَقد كانَ مُمْتَنِعًا تَمامًا عَن شُرْبِ الخَمْر. فَهُوَ لم يَكُن يَشربُ الخَمرَ، بَل يَشربُ فقط المَاء. ولم يَكُن يأكُلُ أيَّ نَوعٍ مِنَ اللُّحومِ، بَل كَانَ يأكُلُ فقط القَطانِي؛ أيِ البُقولَ والحُبوب. هذا هُوَ كُلُّ شَيء.

وَقد تَقول: "دانيال! لا حَاجَةَ إلى القِيامِ بذلكَ حَقًّا!" ولكِنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُكَرِّسونَ أنفسَهُم هَذا التَّكريسَ يُريدونَ دَائِمًا أن يَعيشوا في أعلى مُستوى. ويَبدو أنَّهُم يَختارونَ مِعيارًا أعلى مِن أيِّ شخصٍ آخر. وَخِدمَتُهُم أعلى مِنَ البَقِيَّة. وَتَكريسُهُم أعلى مِن تَكريسِ الآخرين. وَهُمْ يُمارِسونَ الصَّلاةَ بأمانَةٍ أكبر. وَهُم مُكَرَّسونَ لدراسةِ كلمةِ اللهِ بِعُمْقٍ أكبر.

ويُمكِنُني أن أُوَضِّحَ هَذِهِ النُّقطَةَ مِن خِلالِ التَّطرُّقِ إلى مَسألةِ الخَمْرِ هُنا. فَلماذا يَقولُ دانيال: "لَن أشربَ الخَمْرَ البَتَّة؟" وبالمُناسَبة، لَقد حَفِظَ هَذا التَّكريسَ طَوالَ الوَقت. ولكِن لماذا يَفعلُ ذلك؟ فَلَم يَكُن هذا الأمرُ مَطلوبًا مِنهُ!

الحَقيقةُ هِيَ أنَّ العَهدَ القَديمَ يَذكُرُ الكلمة "يايين" (yayin)، وَهِيَ كلمة تُشيرُ إلى الخَمرِ الَّذي كانَ جُزءًا شَائِعًا جدًّا في المُجتمعِ اليَهوديِّ. وَقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ قَليلاً في وَقتٍ سَابِقٍ في اعتقادي. وَكما تَعلَمونَ، كانَتْ تِلْكَ الخَمرُ مَمزوجَةً، أيْ أنَّها كانَت مُخَفَّفَةً وَصَالحَةٌ للشُّرب. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ السَّكيبَ كَانَ يُستخدَمُ في نِظامِ الذَّبائِح. وَحَتَّى إنَّهُ كَانَ يُوجَدُ مَخزونٌ مِنَ الخَمْرِ في الهَيكَل. وَقد تَحَدَّثَ الأصحاحُ الرَّابعُ والعِشرونَ مِن سِفْرِ إشَعْياء عَن شُربِ الخَمْرِ وَقالَ إنَّهُ كَانَ يُرافِقُ الغِناءَ وَقَضاءَ الأوقاتِ المُمتِعة. وفي الأصحاحِ الخَامِسِ والخَمسينَ مِن سِفْرِ إشَعْياء، نَقرأُ أنَّ الخَمْرَ تَرمِزُ إلى الخَلاص.

لِذا، في العَهدِ القَديمِ، لم تَكُنِ الخَمرُ ذاتُها، وَلا سِيَّما تِلْكَ المَمزوجَة بالطَّريقةِ السَّليمةِ، شَيئًا خَطأً أو شِرِّيرًا. إذًا، لِماذا اختارَ هذا المِعيار؟ هَذا هُوَ مَا يَحدُثُ في هَذا النَّوعِ مِنَ التَّكريس. واسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثلاً إيضاحِيًّا على ذلك. انظُروا قَليلاً إلى سِفْرِ اللاَّويِّين والأصحاحِ العاشِر؛ سِفْر اللاَّوِيِّين 10: 8:

"وَكَلَّمَ الرَّبُّ هَارُونَ". والآن، لم يَكُن هَارونُ شَخصًا كَبَقِيَّةِ الأشخاص. فَقد كانَ هَارونُ رَئيسَ الكَهَنة. وَكانَتْ عَشيرةُ هَارون هُمُ الكَهَنة. لِذا فقد كَلَّمَ الرَّبُّ هَارونَ. وَهَذا يَعني أنَّ الكَلامَ كَانَ مُوَجَّهًا إلى كُلِّ الأشخاصِ المَعنِيِّينَ بالكَهنوت. وَهُوَ يَقولُ لَهُ في الحَقيقة: "إنْ أردتَ أن تَكونَ كَاهِنًا، لا تَشْرَبْ خَمْرًا أو مُسْكِرًا". لا تَشرَب "يايين" (yayin) وَلا "سَاكَار" (shekar). "أَنْتَ وَبَنُوكَ مَعَكَ عِنْدَ دُخُولِكُمْ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِكَيْ لاَ تَمُوتُوا. فَرْضًا دَهْرِيًّا فِي أَجْيَالِكُمْ وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ، وَلِتَعْلِيمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ الَّتِي كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ بِهَا بِيَدِ مُوسَى".

بِعبارةٍ أخرى: لا تَمَسُّوها لأنَّكم إنْ فَعلتُم ذلكَ قد تَقَعونَ ضَحِيَّةَ تَجرِبَتِها وَتَفقِدونَ القُدرةَ على التَّمييزِ بينَ المُقَدَّسِ وَغيرِ المُقَدَّس، وتَفقِدونَ القُدرةَ على تَعليمِ الشَّعب. فأنتُم في مَوقِعٍ حَسَّاسٍ لا يَسْمَحُ لَكُم أن تَسْتَخِفُّوا بِها.

وَفي سِفْرِ العَدد والأصحاحِ السَّادِس، انظُروا مَعي قَليلاً إلى هَذا النَّصّ. سِفْر العَدد والأصحاحِ السَّادِس: "وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: «كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا انْفَرَزَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لِيَنْذُرَ نَذْرَ النَّذِيرِ، لِيَنْتَذِرَ لِلرَّبِّ..." – وَهَذا يَعني، بالمُناسَبة، أنْ يُفْرِزَ نَفسَهُ أوْ يُخَصِّصَ نَفسَهُ للرَّبِّ. "...فَعَنِ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ، وَلاَ يَشْرَبْ خَلَّ الْخَمْرِ وَلاَ خَلَّ الْمُسْكِرِ، وَلاَ يَشْرَبْ مِنْ نَقِيعِ الْعِنَبِ، وَلاَ يَأْكُلْ عِنَبًا رَطْبًا وَلاَ يَابِسًا. كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِهِ لاَ يَأْكُلْ مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَجَمِ حَتَّى الْقِشْرِ".

والآن، اسمَعوني: لم يَكُنِ الجَميعُ مُطالَبًا بأن يَعيشَ بهذهِ الطَّريقة، ولكِنْ إنْ أرادَ إنسانٌ أن يُخَصِّصَ حَياتَهُ بطريقةٍ فَريدةٍ، يَنبغي لَهُ أنْ يُفْرِزَ نَفسَهُ للهِ بمِعيارٍ غَيرِ مَألوف. أَتَرَوْن؟ فَقد كانَ أمرًا طَوعِيًّا. ولكِن إنْ عَقَدْتَ العَزمَ على أن تَعيشَ بأعلى مُستوىً مُمكِن، وعندما تُقَرِّرُ أنْ تَفعلَ ذلك، يَجِبُ عليكَ أن تَضَعَ مِعيارًا غَيرَ عَادِيٍّ.

انظُروا مَعي قَليلاً إلى الأصحاحِ الحَادي والثَّلاثين مِن سِفْرِ الأمثال؛ أيْ إلى الأصحاحِ الأخير، حَيْثُ تَرَوْنَ شَيئًا مُشابِهًا. فَنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمثال 31: 4: "لَيْسَ... [والآن، استَمِعُوا إلى هَذا:] "لَيْسَ لِلْمُلُوكِ يَا لَمُوئِيلُ، لَيْسَ لِلْمُلُوكِ أَنْ يَشْرَبُوا خَمْرًا، وَلاَ لِلْعُظَمَاءِ الْمُسْكِرُ". وبالمُناسَبَة، رُبَّما كَانَ دانيال مِن نَسْلٍ مَلَكِيٍّ، ورُبَّما كَانَ قَد تَعَلَّمَ هَذا المَبدأَ الكِتابِيَّ الرَّائع. ورُبَّما كانَ هَذا الأمرُ جُزءًا لا يَتَجَزَّأُ مِن عَدَمِ اقترابِهِ مِنَ الخَمْر. فرُبَّما كَانَ قد قَطَعَ هَذا العَهْدَ مُسَبَّقًا بِصِفَتِهِ عُضْوًا في العَائلةِ المَلَكِيَّة.

إذًا نَقرأُ: "لَيْسَ لِلْمُلُوكِ أَنْ يَشْرَبُوا خَمْرًا، وَلاَ لِلْعُظَمَاءِ الْمُسْكِرُ. لِئَلاَّ يَشْرَبُوا وَيَنْسَوْا الْمَفْرُوضَ، وَيُغَيِّرُوا حُجَّةَ كُلِّ بَنِي الْمَذَلَّةِ. أَعْطُوا مُسْكِرًا لِهَالِكٍ". فَعِندما يَكونُ شَخصٌ على فِراشِ المَوتِ مُتَألِّمًا، خَدِّروهُ بِهِ. ولكِن لا تُعطوهُ للأشخاصِ الَّذينَ يَتَّخِذونَ القَراراتِ على المُستوى الرُّوحيّ. فَهُناكَ مِعيارٌ غَيرُ مَألوفٍ يَختصُّ بأعظمِ مَسؤوليَّةٍ رُوحِيَّة.

ويَصْحَبُنا الأصحاحُ الخَامِسُ مِنَ الرِّسالةِ الأولى إلى تِيموثاوُس إلى مَا يَقولُهُ العهدُ الجديدُ عَن ذلك. وأعتقدُ أنَّهُ مِنَ المُدهشِ أن نَسمعَ الرَّسولَ بولُسَ يَقولُ لتيموثاوس: "لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلاً مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ". لِماذا، في رأيِكُم، قَالَ ذلك؟ "لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ"؟ سوفَ أُخبِرُكُم لماذا أعتقدُ أنَّهُ قَالَ ذلك. لأنَّ تيموثاوُس لم يَشرَب يَومًا أيَّ شَيءٍ سِوى المَاء. فَحقيقةُ أنَّ بُولسَ يُوصيهِ بأن يَشرَبَ خَمرًا قَليلاً، ويُوصيهِ بألاَّ يَشرَبَ مَاءً فقط تُشيرُ في نَظري إلى أنَّ تيموثاوسَ لم يَكُن عَادةً يَشربُ الخَمر. ولم تَكُن تِلكَ الوَصِيَّةُ بالضَّرورة شَيئًا مُلْزِمًا لَهُ، بَلْ كانَتْ شَيئًا اختيارِيًّا يُمكِنُهُ أن يَفعلَهُ؛ أيْ مِعْيارًا غَيرَ مَألوفٍ.

وَنَقرأُ في إنجيل لُوقا والأصحاحِ الأوَّل عَن يُوحَنَّا المَعمَدان: "وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ". وَنَقرأُ في الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس أنَّهُ لا يَجوزُ لِشَيخِ الكَنيسةِ أن يُدْمِنَ الخَمْر. ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى تِيطُس أنَّهُ لا يَجوزُ لَهُ أن يُدمِنَ الخَمر. والنُّقطةُ هِيَ كَما يَلي، يا أحبَّائي: أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَختارونَ أعلى وأفضلَ مِعيارٍ، والأشخاصَ الَّذينَ يَرغَبونَ في أن يَعيشُوا في أعلى مُستوىً مِنْ عَدَمِ المُساوَمَةِ والتَّكريسِ يَسْعَوْنَ إلى مِعيارٍ غَيرِ عَادِيٍّ.

وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ دَانيال أرادَ أن يَكونَ مُختَلِفًا عَنِ الأشخاصِ الشَّرِهينَ والسِّكِّيرينَ في بَابِل لِئلاَّ يَخْتَلِطُ الحَابِلُ بالنَّابِل. لِذا فإنَّهُ لا يَقولُ فقط: "لَن أشرَبَ مِن خَمْرِ المَلِك"، بَل يَقولُ: "لَن أشرَبَ أيَّ خَمْرٍ البَتَّة، بَل فقط المَاء... بَل فقط المَاء".

وَفي هَذا الزَّمَنِ، أنا أعرِفُ فِيما يَخُصُّ حَياتي الشَّخصيَّة أنَّني اتَّخَذْتُ هَذا القَرار. وَهَذا لا يَجعلُني أكثرَ رُوحانِيَّةً مِنَ الآخرينَ، ولكنِّي أشعُرُ وَحَسْب أنَّ هَذا الأمرَ هُوَ وَاحِدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي يُمكِنُني مِن خِلالِها أن أَضَعَ مِعيارًا غَيرَ مَألوفٍ لِنَفسي حَتَّى لا أسقُطَ في فَخِّ المُساوَمَةِ، وَحَتَّى أَتجنَّبَ كُلَّ شَكلٍ مِن أشكالِ الشَّرّ.

لِذا، مَعَ أنَّ المَلِكَ أَمَرَ بِذلكَ فإنَّ دَانيال لم يَشرَب. ولا شَكَّ في أنَّهُ مِنَ الأسهل أن نَفعلَ نَحنُ ذلك عندما لا يَكونُ هُناكَ أمْرٌ مَفروضٌ عَلينا، وَلا تَكونُ هُناكَ ضَرورة أيضًا. ولكِنْ ما أكثرَ مَا وَقَعَ الرِّجالُ العُظَماءُ... وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ دانيال كانَ يَعرِفُ شَريعَةَ اللهِ بِهَذا الشَّأن... ولكِنْ مَا أكثرَ مَا وَقَعَ الرِّجالُ العُظَماءُ تَحتَ تَأثيرِ الخَمْر. ويَكفي أن تَنظُروا إلى سِفْرِ دَانيال لِتَرْوا كيفَ أنَّ بَيْلْشَاصَّر خَسِرَ إمبراطُوريَّةَ بَابِل في خَضَمِّ غِيابِهِ عَنْ وَعْيِهِ بِسَببِ السُّكْر.

ويَكفي أن تَدرُسوا التَّاريخَ لِتُدركُوا أنَّهُ عندما كانَ الإسكندرُ الكبيرُ في سِنِّه الثَّالثةِ والثَّلاثين، خَسِرَ إمبراطوريَّةَ العَالَمِ لأنَّهُ كَانَ سِكِّيرًا شَنيعًا. وعندما كانَ دُوق إنجلترا الحَديديّ (the iron Duke of England) الَّذي يُدعَى "دُوق ويلينغتون" (Duke of Wellington) يَزحَفُ بِجَيشِهِ عَبْرَ شِبهِ جَزيرةِ أيبيريا، وَصَلَ نَبأٌ لمَركِزِ القِيادَةِ بأنَّهُ يُوجَدُ في طَريقِهِ مُستودَعٌ ضَخْمٌ مِنَ النَّبيذِ الإسبانِيِّ الَّذي يُمكِنُ لِجَيشِهِ أن يَتَمَتَّعَ بِه. وَقد أوقَفَ جَيشَهُ عِندَ ذلكَ المَوقِع، وَأرسَلَ مَجموعَةً مِن رِجالِهِ قَبلَهُ، وَأَمَرَهُم قَائِلاً: "انْسِفوهُ نَسْفًا". وَقد نَسَفوا مَصْنَعَ الخَمْرِ ذاكَ تَمامًا. ثُمَّ إنَّهُ تَابَعَ الزَّحفَ بِجيشِه.

وَيُقالُ إنَّ السَّببَ في هَزيمةِ "نابليون بونابرت" (Napoleon Bonaparte) في مَعركةِ "واترلو" (Waterloo) أمامَ دُوق ويلينغتون المُنتَصِر هُوَ أنَّهُ في اللَّيلةِ الَّتي سَبَقَتْ ذلك، كانَ المَارشال "ني" (Ney) قَد أكثَرَ مِنَ شُربِ الخَمْرِ المُفَضَّلةِ لَديهِ فَكانَ رَأسُهُ في صَباحِ اليَومِ التَّالي مُشَوَّشًا، وَعَقلُهُ غَيرَ صَاحٍ فَاتَّخَذَ قَراراتٍ سَيِّئة.

وعندما هُزِمَتْ فَرنسا في الحَربِ العَالميَّةِ الثَّانيةِ في حَرْبِها ضِدَّ هِتلر، قَالَ المَارشال "بيتين" (Petain): "لقد هُزِمَتْ فَرنسا لأنَّ جَيشَها كَانَ مَخْمُورًا". وَقد قَالت حُكومةُ فَرنسا الفيشيَّة (Vichy) في سنة 1940 إنَّ السَّببَ في انهيارِ مَعنوياتِ الجيشِ الفَرنسيِّ هُوَ الكُحول. فالأمرُ بِهذا الوُضوحِ وَهَذِهِ البَساطَة.

فالخَمْرُ لم تَنْفَع أيَّ إنسانٍ في أيِّ وَقتٍ. وَقد وَضَعَ دَانيالُ مِعيارًا غَيرَ مَألوف. فالحَياةُ الخَاليةُ مِنَ المُساومةِ حَقًّا لن تَلْعَبَ عَلى حَافَةِ الصَّوابِ، بَل ستَختارُ الشَّيءَ الأسمَى والأنبلَ وَالأفضَل. واسمَحُوا أن أَذكُرَ لَكُم نُقطةً أخرى:

لَقد قُلنا إنَّ الحَياةَ الخَالِيَةَ مِنَ المُساومةِ تَتَّسِمُ بالشَّجاعَةِ الَّتي لا تَعرِفُ مَعنى الخَجَل، وَتَتَّسِمُ بمِعيارٍ غَيرِ مَألوفٍ، وَثالِثًا: بِوجودِ حِمايَةٍ غَيرِ أرضِيَّة... بِوجودِ حِمايةٍ غَيرِ أرضيَّة. وَهذا شَيءٌ رَائِع. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِع: "وَأَعْطَى اللهُ..." – وأنا أُحِبُّ هَاتينِ الكَلِمَتَيْن. هَل تَعلَمونَ ذلك؟ "وَأَعْطَى اللهُ...". فَأنتُم تَعلَمونَ، كَما أعلَمُ أنا، أنَّهُ عِندَما يَضَعُ شَخصٌ مِعيارًا عَالِيًا كَما فَعَلَ دانيال، فإنَّ اللهَ سَيَكونُ إلى جَانِبِه. أليسَ كذلك؟ لِذا، فَنَحنُ نَقرأُ حَالاً العِبارَةَ "وَأَعْطَى اللهُ...". فَلَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَويلٌ على ذلك. فَقد "جَعَلَ دَانيالُ في قَلبِهِ" في العَددِ الثَّامِنِ، فَتَحَرَّكَ اللهُ في العَددِ التَّاسِع.

يا أحبَّائي، إن لم تَفهَمُوا أيَّ شَيءٍ آخَر، افهَمُوا مَا يَلي: أنَّ اللهَ يَتَجاوَبُ مَعَ هَذا النَّوعَ مِنَ التَّكريس: "وَأَعْطَى اللهُ دَانِيآلَ نِعْمَةً وَرَحْمَةً عِنْدَ رَئِيسِ الْخِصْيَان". وَهَذا أمرٌ مُذهِلٌ!

والآن، اسمَحُوا لي أن أتحدَّثَ عَن هذا الأمرِ قَليلاً. فَمِنَ البَديهيِّ في اعتقادي أنَّهُ حَتَّى إنِ اختَلَفَ النَّاسُ مَعَ قَناعاتِكَ فإنَّهُم يُعجَبونَ بِتَمَسُّكِكَ بِها. أليسَ كذلك؟ فَكُلُّ شَخصٍ يُحِبُّ شَخصًا يَمْلِكُ هذهِ الشَّخصيَّة. فأنتَ تَشعُرُ بالغَثَيانِ الشَّديدِ مِنَ الأشخاصِ المَهزوزينَ والجُبَناءِ الَّذينَ يَتَذَبْذَبونَ بسببِ كُلِّ شَيءٍ، ويَنجرفونَ مِثلَ الحُطامِ العَائِمِ مَعَ المَدِّ والجَزْر، ومِثلَ نُفاياتٍ بَحريَّةٍ تَروحُ وَتَجيءُ تَحتَ جِسْرٍ بَحْرِيٍّ. فأنتَ تَتْعَبُ جدًّا مِنَ الأشخاصِ المُتَخاذِلين. وَمِنَ البَديهيِّ أنَّهُ عندما تَلتقي شَخصًا مُتَمَسِّكًا بِقَناعاتِهِ فإنَّكَ تَحتَرِمُ ذلكَ الشَّخصَ ولا سِيَّما إذا كانت قَناعاتُهُ قَويَّةً، وأخلاقيَّةً، وَتُعَبِّرُ عَن ضَميرٍ حَيٍّ.

فالاستِقامَةُ، في اعتقادي، هِيَ شَيءٌ ثَمين. وَنَحنُ نُعَوِّلُ كَثيرًا على الاستِقامَة. ولكنَّ المَسألةَ ليسَت مَسألةَ استِقامَةٍ هُنا. فَلم تَكُن استِقامَةُ دانيال هِيَ الَّتي أَثَّرَتْ في أَشْفَنَز رَئيسِ الخِصيان. والآن، قَد تَقول: "رُبَّما كَانَ دَانيالُ شَخصًا لَطيفًا وَحَسْب". أعتقدُ أنَّهُ كَانَ لَطيفًا. وَأعتقدُ أنَّ دانيالَ كانَ يَمْلِكُ شَخصيَّةً مُمتلئةً نِعمَةً وَمَحبَّة. وأعتقدُ أنَّنا نَرى لاحِقًا في هذا المَقطَعِ صِفاتٍ أخرى كَانَ يَتَّصِفُ بها. فَهُوَ يَتكلَّمُ بطريقةٍ مُحِبَّةٍ، وَهُناكَ لُطْفٌ كَبيرٌ في شَخصيَّتِه، وَبُعْدٌ عَنِ الوُصولِيَّة. فَهُوَ يَمْلِكُ شَخصيَّةً رَائعةً تُلائِمُ إنسانًا تَقِيًّا مِثلَهُ. ونَحنُ نَتوقَّعُ أن نَجِدَها فيه.

ولكِنِّي لا أَظُنُّ حَتَّى أنَّ السَّببَ في ذلكَ كَانَ يَرْجِعُ إلى شَخصيَّةِ دانيال المُدهِشَة. لِذا، لا أَظُنُّ أنَّ السَّببَ في ذلكَ كَانَ يَرجِعُ إلى استِقامَتِهِ البَشريَّةِ، ولا أَظُنُّ أنَّ السَّببَ في ذلكَ كَانَ يَرجِعُ إلى شَخصيَّةِ ذلكَ الرَّجُل الرَّائعة، بل أعتقدُ أنَّ السَّببَ في ذلكَ هُوَ أنَّ اللهَ أَعْطَى دَانِيآلَ نِعْمَةً وَرَحْمَةً". فَالسَّببُ هُوَ سِيادَةُ الله.

وَهذهِ نُقطةٌ مُهِمَّةٌ يا أحبَّائي. فَاللهُ يُهَيمِنُ على كُلِّ شَيء. وَكانَـت تُوجَدُ لدى اللهِ خُطَّةٌ لدانيال. وكانَ يُوجَدُ لَدى اللهِ قَصْدٌ لِدانيال. وَقد أرادَ اللهُ مِن دانيال أن يَكونَ شَاهِدًا في بَابِل. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ دَانيالَ هُوَ المِفتاحُ [مِن جِهَة] لجُزءٍ كَبيرٍ مِنَ بَانوراما قِصَّةِ الميلاد. وأنا أتساءَلُ مَا إذا كانَ المَجُوسُ قَد جَاؤوا أصلاً مِنَ الشَّرْقِ لو لم يَكُن هُناكَ دَانيال! وَمَا أعنيه هُوَ أنَّ اللهَ وَضَعَ خُطَّةً طَويلةً الأجَلِ لهذا الرَّجُل.

ففي كَواليسِ العَودةِ في نِهايةِ سَنواتِ السَّبْيِ السَّبعين، أيْ عندما رَجَعَ الشَّعبُ إلى أرضِهم، يُمكِنُنا أن نَرى في الكَواليسِ شَخصيَّةَ وخِدمَةَ دانيال الَّذي أعتقدُ أنَّهُ جَعَلَ ذلكَ مُمكِنًا بِصِفَتِهِ خَادِمَ الله. فَهُوَ رَجُلٌ مُدهِش. وقد كَانت لدى اللهِ خُطَّة. والآن، لاحِظُوا مَا يَلي: فقد عَمِلَ اللهُ وَحَسْب في قَلبِ رَئيسِ الخِصْيانِ ذاكَ وَوَضَعَ فيهِ نِعمَةً وَرَحمةً، وَقالَ بِسُلطانِهِ: "يا أشْفَنَز، سَوفَ تُحِبُّ دانيال". وَقد فَعَلَ ذلك. لَقد فَعَلَ ذلك.

ولا أعتقدُ أنَّهُ عَلِمَ لِماذا فَعَلَ ذلك؛ ولكِنَّهُ فَعَلَهُ. وَهَذا أمرٌ مُدهش. وَيَجِبُ أن تَعلَمُوا أنَّ حَتَّى نَبوخَذنَاصَّر، الَّذي كَانَ ذَكِيًّا وصَاحِبَ سُلطانٍ، لم يَتمكَّن مِن فِعلِ أيِّ شَيءٍ لإلغاءِ أو تَغييرِ خُطَّةِ الله. فقد وَضَعَ اللهُ في قَلبِ ذلكَ الرَّجُلِ أن يَكونَ لَطيفًا مَعَ دَانيال.

والآن، اسمَعوني: إنْ عِشْتَ حَياةً خَالِيَةً مِنَ المُساوَمَةِ سَتَتَمَتَّع بحِمايَةٍ غَيرِ أرضِيَّة. فالنَّاسُ يَقولون: "إنْ قُلْتُ مَا يَنبغي أن يُقال فإنَّ العَواقِبَ سَتَكونُ وَخيمةً". فالنَّاسُ يَقولونَ لي: "أَلاَ يَحدُثُ هَذا لَكَ عِندَما تَقولُ شَيئًا مَا؟ عندما تَقولُ مَا تُؤمِنُ بِهِ، وعِندَما تَقولُ مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ، ألاَ تَقلَقُ مِمَّا قَد يَحدُث؟"

قَد أقلَقُ قَليلاً، ولكِنَّ ذلكَ القَلَقَ يَزولُ بسُرعة لأنِّي أقولُ: "اسمَع يا الله، هَذِهِ كَلِمَتُك. وَأنتَ مَنْ أَقْحَمْتَني في هذهِ الوَرطَة. والآن، أَخْرِجْني مِنها". وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ إلى أنْ يَحينَ الوقتُ الَّذي يَقولُ اللهُ فيه: "لَقد حَانَ وَقتُ مُغادَرَتِكَ يا ماكآرثر"، أعتقدُ أنِّي سأتمتَّعُ بحمايةٍ غيرِ أرضيَّة. فالأمرُ يَتِمُّ هَكَذا وَحَسْب. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ اللهَ يَحمِي الأشخاصَ المُكَرَّسينَ لَهُ.

والآن، إنَّ الشَّيءَ المُهِمَّ في هَذا الأمر... اسمَعوني: نَحنُ نُساوِمُ عَادَةً لأنَّنا نَخشَى الوُقوعَ في المَتاعِب؛ في حين أنَّنا إن لم نُساوِم فإنَّ اللهَ سَيَحمينا في خِضَمِّ تلكَ المَتاعِب. ولكِن عندما تُساوِم فإنَّكَ تَتَخَلَّى عن تِلكَ الحِمايةِ غَيرِ الأرضيَّةِ وتَصيرُ بِمُفرَدِكَ. ثُمَّ إنَّ مُساوَمَةً واحِدَةً تَقودُ إلى مَاذا؟ إلى مُساومةٍ أخرى، وأخرى، ثُمَّ إنَّكَ تَعْلَقُ حَقًّا لأنَّكَ إنْ قُلتَ يَومًا الحَقَّ سَيَعلَمونَ أنَّكَ كُنتَ شَخصًا مُزَيَّفًا دائِمًا. لِذا فإنَّ عَدَمَ المُساوَمَةِ هِيَ صِفَةٌ مِن صِفاتِ دَانيال. وَقد حَمَاهُ اللهُ.

ونحنُ نَقرأُ في سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 50: "وَاغْفِرْ لِشَعْبِكَ مَا أَخْطَأُوا بِهِ إِلَيْكَ، وَجَمِيعَ ذُنُوبِهِمِ الَّتِي أَذْنَبُوا بِهَا إِلَيْكَ، وَأَعْطِهِمْ رَحْمَةً أَمَامَ الَّذِينَ سَبَوْهُمْ فَيَرْحَمُوهُمْ". فَها هُوَ سُليمانُ يَقولُ هُنا: "يا رَبُّ، أَعْطِهِمْ رَحْمَةً". واللهُ سَيَفعلُ ذلك. اللهُ سَيَفعل ذلك.

والنَّاسُ يَقولون: "إنْ كُنَّا نَعيشُ في مُجتمعٍ يَضْطَهِدُنا، وإنْ كُنَّا نَعيشُ في مُجتَمَعٍ يَعْتَدي عَلينا ويَقتُلُنا بِسَببِ إيمانِنا، وَهَلُمَّ جَرَّا، هَل كُنَّا سَنَقولُ الحَقَّ؟" اسمَعوني: إن لم نَقُلِ الحَقَّ، بَلْ سَاوَمْنا، سَنَكونُ بِمُفردِنا. أمَّا إنْ قُلنا الحَقَّ، بِصَرْفِ النَّظرِ عَمَّا قَد يَحدُث فإنَّ اللهَ سيَكونُ حَامينا غَير الأرضِيّ.

وَإنْ قَالَ اللهُ: "سَوفَ تَحيا"، لا يُوجَدُ مَلِكٌ في العَالَمِ يَستطيعُ أن يُزْهِقَ رُوْحَكَ. أليسَ كذلك؟ لا يُوجَد أَحَد. وَهَذا رَائِعٌ! فَلا يُوجَد شَيءٌ يُمكِنُ أن يُخيفَك. وَقد تَقول: "إنْ قُلتُ مَا أُوْمِنُ بِهِ حَقًّا، وَإنْ دَافَعْتُ عَنِ الحَقِّ، سَأخسَرُ عَملي". لِذا فإنَّكَ تُساوِمُ وَتَفقِدُ حِمايَةَ الله. هَل هَذا مَنطِقِيٌّ؟ مَن تُريدُ أن يَكونَ في صَفِّك؟ مُديرُكَ أَمِ الله؟ فَلا يُوجُد مُديرٌ في العَالَمِ يَستطيعُ أن يَطرُدَكَ مَا لَم يَسمَحِ اللهُ بذلك.

المَزمور 106: 46. يَجِبُ أن أُشارِكَ هَذا مَعَكُم لأنِّي أعتقدُ أنَّهُ يُلَخِّصُ الفِكرةَ بأسرِها. استَمِعوا إليه. فَهُوَ رَائعٌ. وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عَن كيفَ أنَّ اللهَ يَهْتَمُّ بِشَعبِه. وَهَذا رَائِعٌ جدًّا. "وَأَعْطَاهُمْ"؛ والكَلامُ هُنا هُوَ عَن شَعبِهِ إسرائيل: "وَأَعْطَاهُمْ نِعْمَةً قُدَّامَ كُلِّ الَّذِينَ سَبَوْهُمْ". والآن، اسمَعوني: لَمْ يَكُنِ الأمرُ مُتوقِّفًا على أشْفَنَز فقط، بَل إنَّ اللهَ جَعَلَ حَشْدًا كَبيرًا مِنَ الكَلدانِيِّينَ والبَابِلِيِّينَ يَتعاطَفونَ مَعَ شَعبِه. هَل تُدرِكونَ أنَّ اللهَ يَستطيعُ لا فقط أن يَهُزَّ مَلِكًا فقط، بَل يَستطيعُ أن يَهُزَّ مُجتَمَعًا بِأسْرِه؟

لِماذا؟ لأنَّ العَددَ 45 يَقول إنَّهُ إلَهُ يَحفَظُ العَهْدَ وَإنَّهُ عَاهَدَ شَعبَهُ. ويا أحبَّائي، نَحنُ على عَهْدٍ مَعَ اللهِ في المَسيح. أليسَ كذلك؟ فإنْ عِشْنا حَياةً خَاليةً مِنَ المُساومةِ فإنَّ اللهَ سَيَعتَني بِنا.

وأنا أُفَكِّرُ دَائِمًا في دَاوُد. فَداوُدُ عَظيمٌ جدًّا؛ ولكِنَّهُ فَعَلَ أمورًا خَرْقاء. وَواحِدٌ مِن أكثرِ الأشياءِ الخَرقاءِ الَّتي فَعَلَها يَومًا عِندَما هَرَبَ وَوَجَدَ نَفسَهُ في أرضٍ يُسيطِرُ عَليها الفِلِسطِينِيُّونَ وَدَخَلَ إلى قَصْرِ مَلِكِهم. وَلا شَكَّ في أنَّهُ كَانَ أَلَدَّ عَدُوٍّ للفِلسطينيِّين. وَها هُوَ في قَصْرِ مَلِكِهم. لِذا فقد خَاف. وَعِوَضًا عَن أن يَقولَ: "أنا دَاوُدُ مَلِكُ شَعبِ اللهِ. أنا دَاوُدُ النَّاطِقُ بِلِسانِ يَهْوَه. لَن أَتردَّدَ في الشَّهادَةِ عَنهُ"، وعَوِضًا عَن أن يُواجِهَ ذلكَ المَوقِفَ الوَثنيَّ بِشجاعَةٍ، خَافَ. لِذا، هَل تَعلَمونَ مَاذا فَعَل؟ لَقد تَظاهَرَ بالجُنون. أجل. هَذا هُوَ مَا فَعَلَهُ. فَقد تَظاهَرَ بأنَّهُ مَجنون. وَأوَّلُ شَيءٍ فَعَلَهُ هُوَ أنَّهُ تَرَكَ لُعابَهُ يَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِه. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّهُ رَاحَ "يُسِيلُ رِيقَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ". واللِّحيَةُ في الشَّرقِ كَانَتْ عُنوانَ كَرامَتِهِ. لِذا فقد كانَ سَماحُهُ لِلُعابِهِ بأن يَسيلَ على لِحْيَتِهِ هَدْرًا كَبيرًا لِكرامَتِه. وأعتقدُ أنَّ المَنظَرَ مُقَزِّزٌ. ولكِنَّهُ كَانَ سُلوكًا مُهينًا.

وَهل تَعلَمونَ مَاذا فَعَل؟ لَقد تَرَكَ لُعابَةُ يَسيلُ على لِحيَتِهِ، وَرَاحَ يَتَصَرَّفُ كَالمَجنون. ونَقرأُ أنَّهُ أَخَذَ يُخَرْبِشُ عَلَى مَصَارِيعِ الْبَابِ كالمَجنون. وَقد تَقولُ: "داوُد؟ مُرَنِّمُ إسرائيلَ الحُلْو؟ الَّذي كَتَبَ كُلَّ تلكَ المَزامير؟ داوُدُ الَّذي تَخَضَّبَتْ يَداهُ بالدِّماءِ بسببِ كَثْرَةِ الانتصاراتِ الَّتي حَقَّقَها؟ داوُدُ رَجُلُ اللهِ العَظيم؟ داوُدُ، ذلكَ المُوسيقِيُّ الوَسيمُ الَّذي أَسَرَ قَلبَ كُلِّ امرأةٍ في الأرض؟ دَاوُدُ ذلكَ الشَّخصُ العَظيم؟ داوُدُ تَرَكَ لُعابَةُ يَسيلُ وَفَعَلَ ذلك؟"

وَهل تَعلَمونَ مَاذا قَالَ المَلِك؟ "اسمَعُوا! يُوجَدُ لَدينا عَدَدٌ كَافٍ مِنَ المَجانين في هَذا المَكان. أَخْرِجوا هذا الشَّخصَ مِن هُنا". هَذا هُوَ مَا قَالَهُ. وَقَد طَرَدوهُ خَارِجًا فَذَهَبَ وَقالَ: "لَقد نَجَحَتْ خُطَّتي". ثُمَّ إنَّهُ زَحَفَ دَاخِلَ كَهْفٍ في مَكانٍ نَاءٍ وَكَتَبَ مَزمورًا. والمَزمورُ يَقولُ في الحَقيقة: "يا رَبُّ، لَقَدْ تَصَرَّفْتُ بِحَماقَة. أليسَ كذلك؟ فَقد سَاوَمْتُ". وطَوالَ التَّاريخِ، دَوَّنَ اللهُ تِلكَ الحَماقَةَ حَتَّى يَعرِفَهُا كُلُّ شَخص. "لَقد فَعلتُ ذلكَ عِوَضًا عَنِ الإيمانِ بأنَّكَ مُنقِذي، وبأنَّهُ إنْ عِشْتُ حَياةً خَاليةً مِنَ المُساوَمَةِ، وبشجاعَةٍ لا تَعرِفُ الخَجَلَ أمامَ هؤلاءِ النَّاسِ، وَإنْ عِشْتُ وَفْقًا لِمَعيارٍ غيرِ مَألوفٍ فإنِّي سَأحْظَى بِحمايةٍ غَيرِ أرضيَّة".

"ولم يَكُن بِمقدورِ هَؤلاءِ الفِلسطينيِّينَ أن يَمَسُّوني كَما أنَّهُ لم يَكُن بِمَقدورِ جُلْيات بِسَيفِهِ الفِلسطينيِّ الكَبيرِ أن يَمَسَّني على الرَّغمِ مِن أنَّ كُلَّ مَا كَانَ بِحَوزَتي هُوَ حَفْنَة مِنَ الحِجارَة". ولكِنْ مَا أسرَعَ مَا نَسِيَ دَاوُدُ ذلك! ولكِنَّ الحِمايَةَ غَيرَ الأرضيَّةِ هِيَ شَيءٌ يَعِدُ اللهُ بِهِ الشَّخصَ الَّذي لا يُساوِم.

وَهُناكَ كَلِمَةٌ عَظيمةٌ يَنبغي أن تَسمَعوها في أمثال 16: 7. اسمَعُوا وَحَسْب: "إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ... [استَمِعُوا إلى هَذا:] "...جَعَلَ أَعْدَاءَهُ أَيْضًا يُسَالِمُونَهُ". أليسَت هَذهِ الآيةُ عَظيمَة؟ "إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ، جَعَلَ أَعْدَاءَهُ أَيْضًا يُسَالِمُونَهُ". إذًا، مَا هِيَ الغَايَةُ مِنَ الحَياة؟ إرضاءُ الله. لِذا، عِيشوا بشَجاعَةٍ لا تَعرِفُ الخَجَل. وَعيشوا بِمِعيارٍ غَيرِ مَألوفٍ، واحصُلوا على حِمايَةٍ غَيرِ أرضِيَّة. فَمِنَ الرَّائعِ أن نَشعُرَ بأنَّنا مُحَصَّنونَ هَكذا.

وَيا أحبَّائي، هَل يُمكِنُني أن أقولَ لَكُم شَيئًا؟ إنَّ قُلوبَ كُلِّ البَشَرِ هِيَ في يَدَيِّ الله. هَلْ تَرَوْنَ ذلك؟ إنَّها في يَدَيِّ اللهِ – قُلوبُ كُلِّ البَشَر. ليسَ بَعضًا مِنهُم فقط، بَل قُلوبُ كُلِّ البَشَر. وكُلُّ مَا يَنبغي لكَ أن تَفعلَهُ هُوَ أن تُرضِي اللهَ. وَهُوَ سَيَسُودُ على قُلوبِهم. لِذا فإنَّ حَياةَ دَانيال تُظْهِرُ مَا سيَفعلُهُ اللهُ للشَّخصِ الَّذي يُطيعُهُ بأمانَة.

وبالمُناسَبة، انظُروا إلى العَددِ التَّاسِعِ قَليلاً. فالكلمة "نِعمَة" تُشيرُ إلى المَحَبَّةِ الرَّقيقةِ، والتَّحَنُّنِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهِيَ تَعني في الحَقيقة: "مَحَبَّة لا تَسقُط". فَقد شَعَرَ بِمَحَبَّةٍ لا تَسقُط، ومَشاعِرَ قَويَّة، وَعاطِفَة قَوِيَّة وَحَسْب. فَقد كانَتْ مَحَبَّتُهُ هِيَ النَّوعُ السَّليمُ مِنَ المَحَبَّةِ؛ وَهِيَ مَحَبَّةٌ مَشحونَةٌ بالمَشاعِر. فَقد أَحَبَّ ذلكَ الشَّخصُ دَانيال مَحبَّةً حَقيقيَّة. وَيا لَها مِن نِعْمَةٍ رَائعةٍ لِدانيال!

وَهَل تَعلَمونَ شَيئًا؟ إذا أردتَ أن تَصِلَ إلى مَكانٍ مَا في مَلكوتِ اللهِ، أنتَ لَستَ بِحاجَةٍ إلى دُخولِ عَالَمِ السِّياسَة. لا تُساوِمْ وَحَسْب. دَعِ اللهَ يَضَعُكَ هُناك. فإنْ أرادَ اللهُ أنْ يَضَعَكَ في مَنْصِبٍ مَا في المُجتَمَع، أوْ أن يَضَعَكَ في مَكانٍ مَا في الكَنيسة، أو أن يَضَعَكَ في مَكانٍ مَا في الخِدمَة، أو أن يَرفَعَكَ إلى مَرْتَبَةٍ مَا، عِشْ حَياةً خَالِيَةً مِنَ المُساوَمَة. وَدَعِ اللهِ يَعمَلُ في قُلوبِ النَّاسِ الَّذينَ سَيُوصِلونَكَ إلى ذلكَ المَكان. لا تَسْعَ إلى ذلكَ بِقُوَّتِكَ الذَّاتِيَّة.

فاللهُ يَعتَني عِنايَةً خَاصَّةً بشَعبِهِ الأمينِ الَّذي لا يُساوِم. وأنا أُفَكِّرُ في مُوسَى عِندَما كَانَ طِفلاً. فَما الَّذي كَانَ يَعرِفُهُ مُوسَى؟ إنَّ كُلَّ مَا كَانَ يَعرِفُهُ هُوَ أنَّهُ يَطْفُو على سَطْحِ نَهْرِ النِّيْل. فَهُوَ لا يَعلَمُ مِن أينَ جَاءَ. والشَّيءُ التَّالي الَّذي عَلِمَهُ هُوَ أنَّهُ يَعيشُ في قَصْرِ فِرْعَوْن.

وَقد تَقول: "وكيفَ وَصَلَ إلى هُناك؟" لَقد تَمَّ التِقاطُهُ مِنَ النَّهْرِ وَوَضْعُهُ في القَصْرِ وَحَسْب. وَهل تَعلَمونَ شَيئًا؟ لَقد تَمَّ استِئجارُ أُمِّهِ لِكَيْ تُرْضِعَهُ. مَنِ الَّذي دَبَّرَ ذلك؟ الله. فَنَحنُ لَسنا بِحاجَةٍ إلى اللُّجوءِ إلى السِّياسَةِ وَلا إلى بَذْلِ الجُهْدِ الذَّاتِيِّ. فَعندَما لا نُساوِمُ نَحصُلُ على حِمايَةٍ غَيرِ أرضِيَّة. دَعُونا نَحنِي رُؤوسَنا مَعًا حتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، يَا لَها مِن حَقائِق عَظيمة تَعَلَّمناها في هَذا المَساء عَنِ الحَياةِ الخَالِيَةِ مِنَ المُساوَمَة! وَيا لَها مِنْ بَرَكَةٍ عَظيمةٍ أنْ نَعيشَ حَياةً خَالِيَةً مِنَ المُساوَمَةِ بِشَجاعَةٍ لا تَعرِفُ مَعنى الخَجَل، بَلْ تَدْفَعُنا إلى أنْ نَعيشَ وَفْقًا لِمَعيارٍ غَيرِ مَألوفٍ يَسْمَحُ لَنا بأنْ نَتَّكِلَ على حِمايَةٍ غَيرِ أرضِيَّة. وَهَذِهِ هِيَ البِدايَةُ فقط، يا رَبّ. فَهُناكَ على أقَلِّ تَقدير خَمسةُ أشياءٍ أخرى في هذا الأصحاح. وَما أَمْجَدَ وَأروَعَ وَأجمَلَ أنْ نَعلَمَ أنَّكَ تُعطِي تِلكَ البَرَكَةَ للشَّخصِ الَّذي يَعيشُ وَفْقًا لِمَعاييرِك.

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على مَا عَلَّمْتَنا إيَّاه في هَذا المَساء. اجْعَلْنا شَعبًا غَيرَ مُساوِمٍ نَمْلِكُ نَفسَ المَحَبَّةِ، ونَفسَ اللُّطفِ، ونَفسَ الرِّقَّةِ الَّتي نَراها في دَانيال، وَنَفسَ اللُّطْفِ والرِّقَّةِ اللَّذَيْنِ نَراهُما في يَسوع. ولكِن لا تَسْمَحْ لَنا بأن نُساوِمَ على الأشياءِ الَّتي نَعلَمُ أنَّها حَقٌّ مُطْلَقٌ في كَلِمَتِك.

سَاعِدنا على ألاَّ نَعيشَ كَما يَعيشُ النَّاسُ الآخرون. وَساعِدنا على أنْ نَختارَ مِعيارًا أسمَى. وَساعِدنا على ألاَّ نَخْزَى. وَساعِدنا على أن نَقولَ مَعَ الرَّسولِ بولُس: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَص". وَلَيْتَنا لا نَسْتَحي بِكَ يَومًا حَتَّى عِندَما نَراكَ وَجْهًا لِوَجْهٍ لا تَسْتَحي بِنا.

نَشكُرُكَ، يا رَبُّ، لأنَّكَ دَعَوْتَنا إلى هذهِ الحَياةِ وَوَعَدْتَنا بِحِمايَتِكَ عندما نَحياها. نُصَلِّي هَذا إكْرامًا للمَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize