يَا أبانا، نَشكُرُكَ لأنَّنا نَستطيعُ أن نأتي إليكَ في الأوقاتِ العَصيبةِ مِن حَياتِنا. ونَشكُرُكَ على النِّعمةِ العَظيمةِ الَّتي تَحفَظُنا في أوقاتِ الشِّدَّة. ونَحنُ نُصَلِّي مِن أجل "رودني" (Rodney) وعائِلتِه بِسَببِ خَسارَتِهم لِجَدِّهِم، وَنَسألُكَ بِصورةٍ خَاصَّةٍ أن تَكونَ مَعَهُم، وَأن تُعطيهم في هذا الوَقتِ أن يُدركُوا مَعنى الحَياةِ والأبديَّة، وَأهميَّةَ المَسيحِ وَقيامَتِه، وَأن يَعرفوا تِلكَ الحَياةَ الأبديَّةَ الَّتي لا يَحصُلُ الإنسانُ عليها إلاَّ مِن خِلالِ الإيمانِ به.
نَشكُرُكَ على "رودني" ونُصَلِّي أن تُبارِكَهُ في هذا الوَقتِ أيضًا. ويا رَبّ، إذْ نَجتَمِعُ مَعًا للتَّأمُّلِ في كَلِمَتِكَ في هذا المَساء، نُصَلِّي بِقُلوبٍ مُفتوحَةٍ وأذهانٍ مَفتوحةٍ أن نَتَعَلَّمَ مَا يُعَلِّمُهُ رُوحُكَ لَنا، وَألاَّ نُصغي إلى أيِّ صَوتٍ بَشريٍّ؛ بل أن نَسمَعَكَ أنتَ تَتكلَّم. نُصَلِّي هذا إكرامًا لاسْمِكَ وَلأجلِ مَجْدِك. آمين!
نَحنُ نَتأمَّلُ في سِفْرِ دانيال والأصحاحِ الثَّالثِ في هذا المَساء. وَسَوفَ يَتطلَّبُ الأمرُ مِنَّا دَرْسَيْنِ لدراسةِ هذا الأصحاحِ العَظيمِ والرَّائعِ الَّذي يَحوي الكَثيرَ مِنَ الحَقِّ والمَبادئِ الَّتي يَنبغي لنا أن نَفهَمَها. وأثِقُ بأنَّ رُوحَ اللهِ سيُعَلِّمُكُم بطريقةٍ فَريدةٍ جدًّا الحَقائقَ المَوجودةَ في هذا النَّصِّ في أثناءِ دِراسَتِنا لَهُ. وَهُوَ يَضُمُّ مَجموعةً مِنَ المَبادئِ الَّتي تَحدَّثنا عنها في الأصحاحِ الأوَّلِ تَحديدًا. وأعتقدُ أنَّكُم سَتَرَوْنَها في أثناءِ دِراسَتِنا.
في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ دَانيال رأينا مَوقِفًا صَعبًا جدًّا؛ ولكِنَّ دانيالَ ورِفاقَهُ الثَّلاثة تَمَكَّنُوا مِنَ الثَّباتِ في إيمانِهِم العَظيمِ بالله. ونَحنُ نَرى الشَّيءَ نَفسَهُ يَحدُثُ في الأصحاحِ الثَّالث. وفي هذا المَساء، سَوفَ نَبتَدِئَ بالنَّظرِ إلى هَذا الأصحاحِ وَنَرى إلى أيْنَ يُمكِنُنا أنْ نَصِلَ فيه.
لَقد قَرأتُ ذَاتَ يَومٍ عَن رَجُلٍ مُتديِّنٍ جدًّا قَرَّرَ أن يَشترِيَ تِمثالاً ليسوعَ المَسيحِ كَي يَضَعَهُ في بَيتِه. لِذا فقدِ اشتَرى هذا التِّمثالَ للمَسيحِ، وَأحضَرَهُ إلى البيتِ، وَوَضَعَهُ على المائدةِ الصَّغيرةِ في غُرفةِ الجُلوس. ولكِنَّ زَوجَتَهُ لم تَشعُر بالرِّضا تَمامًا لأنَّهُ لم يَكُن يُلائِمُ أثاثَ المَنزِل. لِذا فقد وَضَعَتْهُ في إحدى الغُرَف. وفي وقتٍ لاحِقٍ نَقَلَ الزَّوجُ التِّمثالَ مَرَّةً أخرى إلى مَكانٍ آخرَ مِنَ المَنزِل. وَأخيرًا، قَالَ ابنُهُما الصَّغيرُ الَّذي يَبلُغُ مِنَ العُمْرِ خَمْسُ سَنواتٍ لَهُما: "أَلَمْ تُقَرِّرا بَعد مَاذا سَتَفعلانِ بالله؟" وَهُوَ سُؤالٌ عَميقٌ جدًّا.
وَهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ في العَالَمِ لا يَعرِفونَ مَاذا يَفعلونَ بالله. والحقيقةُ هِيَ أنَّ السُّؤالَ "مَاذا سنَفعلُ بالله؟" هُوَ السُّؤالُ الَّذي يُعالِجُهُ الأصحاحُ الثَّالِثُ مِن سِفْرِ دَانيال. فَهُناكَ أشخاصٌ لا يَعرِفونَ أينَ يَضَعونَ اللهَ، وَأشخاصٌ يَعرِفون. وفي هذا المَساء، سَوفَ نَقرأُ عَن رَجُلٍ واحِدٍ لم يَكُن يَعرِفُ أينَ يَضَعُ اللهَ، وَعَن ثَلاثةِ رِجالٍ كَانُوا يَعرِفونَ ذلك. وَهَذا يُرينا فِكرةً تَتَكَرَّرُ دَائِمًا في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ وَكُلِّ التَّاريخِ البَشريِّ، وَتَتَمَثَّلُ في الصِّراعِ بينَ أولئكَ الَّذينَ يُعْطُونَ اللهَ المَكانَةَ الصَّحيحةَ وأولئكَ الَّذينَ يَرفُضونَ أن يَفعَلوا ذلك.
والآن، اسمَحُوا لي أن أُمَهِّدَ لذلكَ مِن خِلالِ مُقدِّمَةٍ طَويلةٍ حَتَّى تَفهَمُوا حَقًّا مَا حَدَث. فَحينئذٍ، سَتَفهمونَ النَّصَّ جَيِّدًا. فالإنسانُ مُصَابٌ بِداءٍ عُضَالٍ اسمُهُ "التَّدَيُّن". فالإنسانُ [بِصورةٍ عَامَّةٍ وَرئيسيَّةٍ] مُتَدَيِّن. وَهَذا وَاضِحٌ جدًّا حَتَّى إنَّكُم إذا جُبْتُم العَالَمَ سَتَجِدونَ أنَّ جَميعَ النَّاسِ وَجَميعَ الأجْناسِ والمَجموعاتِ العِرقيَّةِ مُتَدَيِّنونَ نَوعًا مَا. فالإنسانُ مَخلوقٌ مُصابٌ بِداءٍ عُضالٍ اسمُهُ التَّدَيُّن. فَهُوَ يَسْجُدُ لِصَنَمٍ مَا. وَهُوَ إمَّا يَعبُدُ اللهَ الحَقيقيَّ أو بَديلاً زَائِفًا؛ ولكِنَّ الإنسانَ مُصابٌ بِداءٍ عُضالٍ اسمُهُ التَّدَيُّن.
وَالأصحاحُ الأوَّلُ مِن رِسالةِ رُومية يُخبرُنا بذلك لأنَّ الأصحاحَ الأوَّلَ مِن رِسالةِ رُومية يَقولُ إنَّهُ على الرَّغمِ مِن أنَّ البَشَرَ عَرَفُوا اللهَ فإنَّهُم "لَمْ يُمَجِّدُوهُ... كَإِلهٍ"، بَل إنَّهُم أَدارُوا ظُهورَهُم للهِ الحَقيقيِّ ورَاحُوا يَعبُدونَ المَخْلُوقَ دُونَ الخَالِق. وَقد صَنَعَ الإنسانُ آلِهَةً مِن أخشابٍ وَحِجارَةٍ، وَراحَ يَعبُدُ صُورَةَ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالدَّوَابَّ، وَالزَّحَّافَات. بِعبارةٍ أخرى، تُخبرُنا الآياتُ رُومية 1: 18-23 أنَّ الإنسانَ مُتَدَيِّنٌ بِطَبيعَتِه، وَأنَّهُ إنْ أَدارَ ظَهْرَهُ للهِ الحَقيقيِّ فإنَّهُ لن يَعيشَ في الفَراغِ، بَل سَيَصنَعُ آلِهَةً مِنَ الأفاعي والطُّيورِ والدَّوَابِّ والبَشَر. وَسَوفَ يَعبُدُ المَخلوقاتِ إنْ لم يَعبُدِ الخَالِق.
والآن، عندما يَفعلُ الإنسانُ ذلك، وعندما يَختَرِعُ الإنسانُ إلَهَهُ، أو يَبْتَكِرُهُ، أو يَصِفُهُ، أو يُحَدِّدُهُ فإنَّهُ يَجعلُهُ على الصُّورةِ الَّتي يُريدُها هُوَ. وَهَذا يُدْخِلُهُ في دَائِرَةٍ مُدهِشَةٍ إذْ إنَّهُ يَصيرُ عَادَةً مِثلَ إلَهِه. لِذا فإنَّ الإنسانَ يَصنَعُ إلَهًا يَرغَبُ في وُجودِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَصيرُ مِثلَ ذلكَ الإلهِ الَّذي صَنَعَهُ بِنفسِه.
ويُخبرُنا العهدُ القديمُ أمورًا كَثيرةً عن طَبيعةِ الإنسانِ المُتَدَيِّنةِ وَكَيفَ يَفعلُ ذلك. فَمِنَ المألوفِ أن يَصنعَ الإنسانُ إلهًا يُشبِهُهُ، وَأنْ يَتَشَبَّهُ أكثرَ فأكثرَ بِذلكَ الإلَه. وبهذهِ الطَّريقةِ فإنَّهُ يُحاوِلُ أن يَحُلَّ مُشكلةَ خَطيئَتِه. وَكما تَرَوْنَ، فإنَّ الصُّعوبَةَ في عِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ تَكْمُنُ في أنَّهُ يَنبغي لكَ أن تُواجِهَ حَقيقةَ تَقصيركَ وَخَطيئَتِك. لِذا، إنْ رَفَضْتَ ذلك فإنَّكَ تَختَرِعُ إلَهًا عَلى شَاكِلَتِكَ لأنَّهُ مِنَ الأسهلِ جدًّا أن تَتَعايَشَ مَعَ إلَهٍ كَهَذا.
وفي المَزمور 115، يُمكِنُنا أن نُشَكِّلَ فِكرةً عَن كيفيَّةِ قِيامِ الإنسانِ بِهَذا الأمر. فَهُوَ يَقولُ: "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا، مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ مِنْ أَجْلِ أَمَانَتِكَ". فالمَزمورُ يَبتَدِئُ بِجُملةٍ عَن ضَرورةِ تَمجيدِ الله. "لِمَاذَا يَقُولُ الأُمَمُ: «أَيْنَ هُوَ إِلهُهُمْ؟». إِنَّ إِلهَنَا فِي السَّمَاءِ. كُلَّ مَا شَاءَ صَنَعَ. أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُمُّ. لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا".
أَتَرَوْن؟ فَهُم يَصنَعونَها ويَصيرونَ مِثلَها. فالإنسانُ يَختَرِعُ آلِهَةً وَيَصْنَعونَها بأيديهِم. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّ اللهَ خَلَقَ الإنسانَ على صُورَتِه. ولكِنَّ الإنسانَ يَصْنَعُ الآلِهَةَ على صُورَتِهِ. وَهَذا هُوَ أشْنَعُ تَمَرُّدٍ؛ أيْ أنْ يَصنَعَ الإنسانُ آلِهَتَهُ.
والآن، هُناكَ صِراعٌ مُستَمِرٌّ في العَالَم، وَهُوَ صِراعٌ دَائِمٌ بينَ عِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ وَعِبادَةِ الآلِهَةِ الزَّائفةِ المِصنوعَةِ بِحَسَبِ مُخَيِّلَةِ وَذِهْنِ البَشَر. والآلِهَةُ الَّتي هِيَ مِنْ صُنْعِ البَشَرِ تُعَبِّرُ دَائِمًا عَن خَطيَّةِ الإنسان... دَائِمًا. وَمِنَ المُؤسِفِ أنَّ وَقْتَنا لا يَسْمَحُ لَنا بالتَّعَمُّقِ في هذا الأمر؛ ولكِن يَجِبُ عَلينا في وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ أن نَدرُسَ مَوضوعَ عِبادَةِ الأوثانِ وَأن نَتَعَمَّقَ فيه. ولكِنْ اسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا على ذلك. فَفي كُلِّ مَرَّةٍ يَختَرِعُ فيها الإنسانُ آلِهَةً فإنَّ تلكَ الآلِهَةَ تَعكِسُ نَقْصَ البَشَرِ وَخَطاياهُم.
فَعلى سَبيلِ المِثالِ، عندما تَقرأونَ العهدَ القديمَ تَجِدونَ مِرارًا إلَهًا يُعْرَفُ بالبَعل. والكلمة "بَعْل" هي ليسَتِ اسْمَ عَلَم، بل إنَّها كلمة تَعني ببساطَة: "رَبّ". وكانَ هُناكَ العَديدُ مِنَ الآلِهَةِ الَّتي تُسَمَّى "البَعْل"؛ أيِ العَديدُ مِنَ الأربابِ، والعَديدُ مِنَ الآلِهَةِ الوَثنيَّة. وإنْ دَرَسْتُم عَن آلِهَةِ البَعْلِ في التَّاريخِ سَتَجِدون أنَّها كانَت تَعكِسُ خَطيئةَ البَشَرِ بطبيعَتِها.
فَمَثلاً، سَأذكُرُ مَثَلا إيضاحِيًّا واحِدًا فقط: كانَ هُناكَ اعتقادٌ سَائِدٌ بينَ الكَنعانِيِّينَ وَالشُّعوبِ المُحيطَةِ بإسرائيلَ بأنَّ البَعْلَ هُوَ القُوَّةُ الَّتي تُعطي القُوَّةَ الجِنسيَّةِ للرَّجُلِ والمرأة. فَقد كانوا يَعتقدونَ أنَّ البَعْلَ هُوَ القُوَّةُ الكَامِنَةُ وَراءَ الجَانِبِ الجِنسيِّ مِنَ الطَّبيعةِ البَشريَّة. لِذا فقد صَارَ أيُّ عَمَلٍ جِنسيٍّ استِعراضًا لِقُوَّةِ البَعْل. وَقد صَارتِ جَميعُ العَلاقاتِ الجِنسيَّةِ [في نَظرِ الأشخاصِ الَّذي يَعبُدونَ البَعْلَ] أعمالاً مُقَدَّسَةً لأنَّها تُعَبِّرُ عَن هذهِ القُوَّةِ العَظيمةِ للبَعْل.
لِذا، كانتْ هَياكِلُ البَعلِ تَعِجُّ بالكَاهِناتِ اللاَّتي يُعْرَفْنَ "بالزَّانِياتِ المُقَدَّسات". وَحَتَّى إنَّ الآيةَ هُوشَع 4: 14 تَستَخدِمُ كلمةً يُشيرُ جَذْرُها إلى "النِّساءِ المُقَدَّسَات". فَقد كُنَّ يُحْسَبْنَ حَقًّا نِساءً مُقَدَّساتٍ لأنَّهُم كانُوا يَعتقدونَ أنَّ البَعْلَ يَشترِكُ في العَمليَّةِ الجِنسيَّةِ ذاتِها. لِذا فقد صَارتِ العِبادَةُ فِعْلاً جِنسيًّا مَعَ زَانياتِ الهَيكَل. وَكانتِ العَلاقةُ الجِنسيَّةُ مَعَ إحدى زَانياتِ الهَيكلِ تَعني الاتِّحادَ بقوَّةِ البَعْلِ، وَتُعَدُّ طَقْسًا عَميقًا مِن طُقوسِ العِبادَة.
والآن، هَذِهِ هِيَ الطَّريقةُ الَّتي يَختَرِعُ بها البَشَرُ آلِهَتَهُم للتَّغاضي عَن خَطاياهِم الأثيمَة. فالبَشَرُ... يَنبغي أن تَفهموا ذلك... عندما يَختَرِعُ البَشَرُ آلِهَةً فإنَّ تلكَ الآلِهَةَ تَقودُ الإنسانَ إلى الفُجورِ الأخلاقِيِّ لأنَّها ستَكون آلِهَةً تَعكِسُ خَطايا البَشرِ الَّذينَ اخَتَرعوها. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِن رِسالةِ رُومية أنَّهُ على الرَّغمِ مِن عَدَمِ مَعرِفَتِهم باللهِ؛ أو بالحَرِيِّ: على الرَّغمِ مِن مَعرِفَتِهِم باللهِ فإنَّهُم لَمْ يُمَجِّدُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ أَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ بِصُورة. فَقد صَنَعُوا آلِهَتَهُم. ثُمَّ إنَّنا نَقرأُ حَالاً في العَدد 24 مَا يَلي: "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِم".
بِعبارةٍ أخرى، يُمكِنُكم أن تَرَوْا رَفْضَ اللهِ الحَقيقيِّ في العَدد 21. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا صِناعَةَ الآلِهَةِ الزَّائفةِ في العَدَدَيْن 22 و 23. ويُمكِنُكم أن تَرَوْا عَواقِبَ الفِسْقِ الأخلاقِيِّ في العَدد 24. ويَستَمِرُّ وَصْفُ ذلكَ حَتَّى نِهايةِ العَدد 32. ويَتحدَّثُ هَذا المَقطعُ عَن أنَّ اللهَ أَسْلَمَهُمْ لِشَهَواتِهِم الشِّرِّيرة. فَهُوَ يَتحدَّثُ عَنِ المِثليَّةِ الجِنسيَّةِ، ويَتحدَّثُ عنِ أنَّهُم اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ويَتحدَّثُ عَنْ أنَّهُم كَانُوا مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، وَمَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ للهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وَهذهِ كُلُّها أمثلةٌ على العِبادَةِ الَّتي اختَرَعَها الإنسانُ بنفسِه. وعندما يَفعلُ الإنسانُ ذلكَ فإنَّنا نَقرأُ لا فقط أنَّهُ يُمارِسُها، بَل إنَّهُ يُسَرُّ أيضًا بالَّذينَ يُمارِسونَها.
إنَّ الوَثنيَّةَ تَعني دائِمًا التَّخَلِّي عَن مِعيارٍ أخلاقِيٍّ. وَحَتَّى إنَّ الوَثنيَّةَ في العهدِ القديمِ تُوْصَفُ بأنَّها زِنَى. فنحنُ نَقرأُ أنَّ إسرائيلَ زَنَى. وَنَقرأُ أنَّ بَنِي إسرائيلَ اقتَرَفُوا الزِّنَى لأنَّ ذلكَ النَّوعَ مِنَ الزِّنَى كانَ وَثيقَ الصِّلَةِ بعِبادَةِ الأوثان.
لِذا فإنَّ عِبادَةَ الأوثانِ هِيَ إفْسادٌ للعِبادَةِ الحَقيقيَّة. وَمُنذُ البِدايَة رَاحَ الإنسانُ يَصْنَعُ إلِهَتَهُ الزَّائِفَة. وَقَدِ استَمَرَّ الصِّراعُ طَوالَ التَّاريخِ البَشريِّ؛ أيِ الصِّراعُ بينَ عِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ وَعِبادَةِ الآلِهَةِ الزَّائفة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّني أريدُ أن أقولَ جُملةً رَئيسيَّةً يَنبغي أن تَتذكَّروها: عِبادَةُ الأوثانِ هِيَ الشَّيءُ الرَّئيسيُّ الَّذي يَهْتَمُّ بِهِ اللهُ. هَل سَمِعتُم ذلك؟ عِبادَةُ الأوثانِ هِيَ الشَّيءُ الرَّئيسيُّ المُخْتَصُّ بحِياةِ الإنسانِ والَّذي يَهْتَمُّ بِهِ اللهُ.
وَقد تَقولُ: "وَكيفَ تَعلَمُ ذلك؟ كَيفَ تَعلَمُ أنَّهُ يُبالي بِهذا الأمرِ أكثرَ مِنَ الأمورِ الأخرى؟" لأنَّهُ يَقولُ ذلكَ في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 20. فَهذهِ هِيَ أوَّلُ وَصِيَّةٍ مِنَ الوَصايا العَشْرِ الَّتي أعطاها الرَّبُّ؛ وَهِيَ تَخْتَصُّ بعِبادةِ الأوثان. خُروج 20: 3-4، اسمَعُوا: "لاَ يَكُنْ لَكَ..." – هَذِهِ هِيَ الوَصِيَّةُ الأولى: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ، وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ".
هَل هَذا وَاضِح؟ فَهذهِ هِيَ أوَّلُ وَصِيَّة وَثَاني وَصِيَّة. فَالوَصِيَّةُ الأولى تَقول: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي". وَالوَصِيَّةُ الثَّانيةُ تَقول: "لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا". إذًا، المَسألةُ الجَوهَرِيَّةُ في الوَصايا العَشْرِ، أو في الجُزءِ الأوَّلِ مِنها، هُوَ التَّشديدُ على ألاَّ يَكونَ هُناكَ إلَهٌ آخر عِوَضًا عَنِ اللهِ الحَقيقيِّ. فَهذا هُوَ الشَّيءُ الرَّئيسيُّ الَّذي يُبالي بِهِ اللهُ في تَعامُلِهِ مِعَ الإنسان.
وَيُوَضِّحُ الأصحاحُ الأوَّلُ مِن رِسالةِ رُومية المَسارَ لَنا، ويَتَتَبَّعُ الدَّمارَ الَّذي يَنْجُمُ عنْ رَفْضِنا لله. فعِندما تَترُكُ اللهَ، وَتَتَخَلَّى عَنِ اللهِ، وَتَدَعِ اللهَ يَخرُج مِن حَياتِك، وتُديرُ ظَهْرَكَ لَهُ، ثُمَّ تَختَرِعُ آلِهَتَكَ الخَاصَّةَ بِكَ لأنَّ الإنسانَ مُصابٌ بِداءٍ عُضَالٍ اسمُهُ التَّدَيُّن، وَهُوَ يَجعَلُ الآلِهَةَ الَّتي يَختَرِعُها عَلى صُورَتِهِ هُوَ، فإنَّهُ يَصيرُ مِثلَها ويَدينُ نَفسَهُ في غُضونِ ذلك.
والآن، نَقرأُ في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 20: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي". ويُخبرُنا إشَعياءُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ في الأصحاحِ 43 وَما حَوْلَهُ بأنَّهُ لا يُوجَدُ إلَهٌ إلاَّ اللهَ الحَقيقيَّ. ونَقرأُ في سِفْرِ التَّثنية: "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ". فالكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ بِوضوحٍ شَديدٍ إنَّهُ لا تُوجَدُ آلِهَةٌ أُخرى، بَل يُوجَدُ فقط إلَهٌ حَقيقيٌّ. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَسْحَقُ حَرفِيًّا كُلَّ أصنامٍ سَواءَ كَانَتْ أصنامًا مِن حِجارَةٍ، أو أصنامًا مِن خَشَبٍ، أو أصنامًا مَعدِنِيَّة، أو أصنامًا فِكريَّةً، أو أصنامًا قَلبيَّةً، أو أصنامًا عَاطِفِيَّةً، أو أصنامًا مَلموسَةً أو غَير مَلموسَة، أو أصنامًا خَارِجيَّةً أو دَاخِليَّة. فَكُلُّ الأصْنامِ تُسْحَقُ في الجُملةِ الَّتي يَقولُها اللهُ: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا". وَعلى الرَّغمِ مِن ذلك، وَمَعَ أنَّ هَاتَيْنِ الوَصِيَّتَيْنِ هُما أوَّلُ وَأَهَمُّ وَصِيَّتَيْنِ في الكتابِ المقدَّسِ، فإنَّ عِبادَةَ الأصنامِ حَقيقةٌ مُؤسِفَةٌ في كُلِّ التَّاريخِ البَشريِّ. فالإنسانُ عَاكِفٌ على عِبادَةِ الأوثان.
وَقَد عَبَّرَ "ليسلي فلين" (Leslie Flynn) عن ذلكَ تَعبيرًا حَسَنًا إذْ قَال: "كَما هِيَ حَالُ مَجْرَى مِياهِ النَّهرِ الَّذي لا يُمكِنُ إيقافُهُ ولكِن يُمكِنُ تَحويلُهُ، فإنَّ شَوقَ نَفسِ الإنسانِ إلى إلَهٍ يَعبُدُهُ يُمكِنُ أن يَتَحَوَّلَ بسهولَةٍ مِنَ الإلَهِ الحَقيقيِّ إلى إلَهٍ آخَر".
لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُحَرِّمُ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ تِلْوَ المَرَّةِ عِبادَةَ الأوثانِ. فَهُوَ يُحَرِّمُها. والآن، اسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً على مَا يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ لكي تَفهَموا قَليلاً السَّببَ الَّذي دَفَعَ حَنَنْيَا وَمِيشَائِيل وَعَزَرْيَا (أيِ الفِتيانِ العِبرانِيِّينَ الثَّلاثة الَّذينَ عُرِفُوا بِشَدْرَخ وَمِيْشَخ وَعَبْدنَغُو وَفقًا لأسمائِهِم البَابِلِيَّةِ) لِكَي تَفهَموا السَّببَ الَّذي دَفَعَهُم إلى اتِّخاذِ ذلكَ المَوقفِ الَّذي اتَّخَذُوه.
فَقد كانُوا يَعلَمونَ أنَّ عِبادةَ الأوثانِ أمرٌ غَيرُ مَقبولٍ لَدى الله. وَكانُوا يَعلَمونَ أنَّهُم لن يُرْضُوا اللهَ إنْ سَجَدُوا لتِمثالِ الذَّهَبِ الَّذي نُصِبَ في الأصحاحِ الثَّالِث. ولماذا كَانُوا يَعلَمونَ ذلك؟ لأنَّ كلمةَ اللهِ وَاضحةٌ جدًّا. وَمَعَ أنَّهُم لم يَكونوا قَد حَصَلُوا على كُلِّ الإعلانِ الإلَهِيِّ عَلى غِرارِنا، فإنَّهُم حَصَلُوا عَلى القَدرِ الكَافي لمَعرفةِ ذلك.
واسمَحُوا لي أن أستَعرِضَ بِضْعَ آياتٍ على مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عَنْ عِبادَةِ الأوثان. وَسوفَ أقرأُها بِسُرعة. لِذا، اسمَعوا. فأنا لن أَذكُرَ لَكُم الشَّواهِدَ الكِتابيَّةَ لأنِّي أُريدُ مِنكُم أن تَسمَعوها كَوابِلٍ مِنَ الرَّصَاص. فَالوَثنيَّةُ تُشيرُ [وَإليكُم لائِحَةً بالأشياءِ الَّتي يَقولُها الكتابُ المقدَّسُ] فَالوَثنيَّةُ تُشيرُ إلى: السُّجودِ لِأصنامٍ، وَعِبادَةِ أصنامٍ، وتَقديمِ الذَّبائِحِ لأصنامٍ، وَعِبادَةِ آلِهَةٍ أخرى، وَالحَلْفِ بآلِهَةٍ أخرى، والسَّيرِ وَراءَ آلهةٍ أخرى، والتَّكلُّمِ باسْمِ آلهةٍ أخرى، والنَّظرِ إلى آلهةٍ أخرى، وخِدْمَةِ آلِهَةٍ أخرى، وخَشْيَةِ آلِهَةٍ أخرى، وتَقديمِ القَرابينِ إلى آلِهَةٍ أخرى، وعِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ مِن خِلالِ صُورة، وعِبادَةِ المَلائِكَةِ، وعِبادَةِ جُنْدِ السَّماءِ، وعِبادَةِ الشَّياطينِ، وعِبادَةِ الأمواتِ، ووَضْعِ أصنامٍ في القَلبِ، والطَّمَعِ، والشَّهوةِ لأنَّ كُلَّ هذهِ الأشياءِ تُغَيِّرُ مَجْدَ اللهِ إلى صُورَة.
وَفي الكتابِ المقدَّسِ، تُوصَفُ عِبادَةُ الأصْنامِ بالألفاظِ التَّالية: فَهِيَ رِجْسٌ عِنْدَ اللهِ (في سِفْرِ التَّثنية 7: 25)، وَهِيَ شَيءٌ يُبْغِضُهُ الرَّبُّ (في سِفْرِ التَّثنية 16: 22)، وَهِيَ شَيءٌ بَاطِلٌ وَأخرَق (في المَزمور 115)، وَهِيَ تَقودُ إلى سَفْكِ الدِّماءِ (في سِفْرِ حِزْقيال 23)، وَهِيَ مُحَرَّمَة (في رِسالة بُطرس الأولى 4)، وهي لا تُفيدُ في شَيء (في سِفْر القُضاة 10: 14)، وهي شَيءٌ غَيرُ عَقلانِيٍّ (في رِسالة رُومية 1)، وهي تُنَجِّسُ (في سِفْر حِزْقيال 20: 7). لِذا، لا بُدَّ أنَّكُم أدركتُم أنَّها ليسَت شَيئًا جَيِّدًا. أليسَ كذلك؟
وَإليكُم فِكرةً أخرى: عِبادَةُ الأوثانِ تَجعلُ النَّاسَ يَفعلونَ مَا يَلي: عِبادَةُ الأوثانِ تَجعلُ النَّاسَ يَنْسَوْنَ اللهَ، ويَبتَعِدونَ عَنِ اللهِ، ويُدَنِّسونَ اسمَ اللهِ، ويُنَجِّسونَ قُدْسَ اللهِ، ويَعزِلونَ أنفسَهُم عَنِ اللهِ، ويَنْسَوْنَ اللهَ، ويُبغِضونَ اللهَ، وَيُغضِبونَ الله. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقولُ إنَّ عِبادَةَ الأوثانِ سَتُعاقَبُ بِالمَوتِ القَضائِيِّ، وبِدَينونَةٍ مُريعَةٍ تَنْتَهي بالمَوتِ، وبالطَّرْدِ والإخراجِ مِنَ السَّماءِ، وبالعَذابِ الأبَدِيّ.
فَهيَ أمرٌ خَطيرٌ جدًّا. وَقد تَحَدَّثَ اللهُ كَثيرًا عَن عِبادةِ الأوثان. وبسببِ خُطورَتِها، يُمكِنُكم أن تَختَصِرُوا التَّحذيراتِ المَذكورةَ في الكتابِ المقدَّسِ في ثَلاثِ جُمَل. فعندما يَختصُّ الأمرُ بعِبادةِ الأوثانِ، يَنبغي لَكُم أن تَفعلوا ثَلاثةَ أشياء: أوَّلاً، أن تَهرُبُوا مِنها؛ كما جاءَ في 1كورنثوس 10: 14 إذْ نَقرأُ: "اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَان". اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَان. ثَانيا: أن تَتَجَنَّبوا عِبادَةَ الأوثان إذْ نَقرأُ في 1كورنثوس 10: 19 و20: "لاَ تَشْتَرِكُوا البَتَّةَ فِي مَائِدَةِ شَيَاطِين". إذًا، يَنبغي لَكُم أن تَهرُبوا مِنها، وأن تَتَجَنَّبوها. ثَالثًا: أن تَبْقُوا بَعيدينَ عَنها. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 5: 21: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَام". إذًا، ماذا يَقولُ الكتابُ المقدَّس؟ اهرُبوا مِنها، وَتَجَنَّبوها، وابتَعِدُوا عَنها. وَهِيَ كُلُّها تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ. فَلا يُوجَد مَكانٌ لِعبادةِ الأوثان. وَهِيَ مَسألةٌ خَطِرةٌ جدًّا في نَظَرِ اللهِ؛ أيْ مَسألةُ عِبادَةِ الأوثان.
وَقَد تَقول: "ولكِن كَما تَعلمُ، لا يُوجَدُ لَدينا الآنَ أيَّةُ أصنام! فَلا تُوجَدُ أصنامٌ لأنَّنا نَعيشُ الآنَ في القَرنِ العِشرينَ المُتَمَدِّن". بَلى، هُناكَ أصنامٌ. وَأنا أَعْلَمُ يَقينًا أنَّكُم تُدركونَ أنَّهُ يُوجَدُ لَدينا أصنام. فَوُجودُ الأصنامِ كَبيرٌ جدًّا حَتَّى في مُجتَمَعِنا المُتَمَدِّن. فَعلى الرَّغمِ مِن أنَّنا نَعيشُ في مُجتمعٍ يُفتَرَضُ بِهِ أن يَكونَ مَسيحيًّا وقَائِمًا على أساسِ الكتابِ المقدَّس، وتُوجَدُ فيهِ كَنائِس، ويُعَلَّي اسمَ المَسيحِ واللهِ، وَيُوجَدُ فيهِ كُلُّ التَّأثيرِ المَسيحيِّ الَّذي يُمكِنُ أن يُتْرَكَ في مُجتَمَعِنا، فإنَّنا مَا زِلنا مُجتَمعًا يَعِجُّ حَرفِيًّا بالأصنام.
لأنَّهُ كَما قُلتُ: قَد تَكونُ عِبادَةُ الأصنامِ خَارِجيَّةً في مُجتمعاتٍ مُعَيَّنة، ولكِنَّها قَد تَكونُ في مُجتمعاتٍ أخرى دَاخِليَّة. فَهُناكَ مَلايينُ الأشخاصِ في مُجتمعِنا لا يُفَكِّرونَ البَتَّة في السُّجودِ لِصَنَمٍ حَجَرِيٍّ. فَكما تَعلَمونَ، سَوفَ يَبدو ذلكَ شَيئًا سَخيفًا في نَظَرِهم. وَهُمْ لن يَسجُدوا لِصَنَمٍ خَشَبِيٍّ، وَلن يَسجُدوا لِصَنَمٍ مَعدِنِيٍّ. ولكِنَّهُم يَعيشونَ حَياتَهُم بأسرِها في السُّجودِ لإلَهٍ أجوفٍ عَديمَ النَّفْعِ مَوجودٌ في ذِهْنِهِم أو في قَلبِهِم.
فالصَّنَمُ، يا أحبَّائي، هُوَ أيُّ شَيءٍ تُعطيهِ الأولويَّةَ على الله. فَقد يَكونُ الصَّنَمُ سَيَّارَتَكَ، وَقد يكونُ هِوايَتِكَ، أو بَيتَكَ، أو زَوجَتَكَ، أو أيَّ شَخصٍ آخر، أو أيَّ شَيءٍ آخر، أو دَفْتَرَ شيكَّاتِك. قَبلَ سَنواتٍ، طَرَحَتْ مَجَلَّةُ "المَسيحيَّةُ اليَوم" (Christianity Today) على مَجموعَةٍ مِنَ العُلماءِ المَسيحيِّينَ السُّؤالَ التَّالي: مَا هِيَ أبْرَزُ آلِهَةٍ في وَقتِنا الحَاضِر؟ وَمِنْ بينِ الأشياءِ الَّتي ذَكَرُوها: الدَّولةُ المُعادِيَةُ للمَسيحيَّة، والنَّزعَة العِلميَّة المُغَالِيَة، والشُّيوعِيَّة، والدِّيمُقراطِيَّة السِّياسِيَّة، والنَّزعَة القَومِيَّة المُفرِطَة، والنَّزعَة المُحافِظَة المُفرِطَة، والتَّكَيُّف الاجتماعي، والنَّزعَة السُّلوكِيَّة، والنَّزعَة العِلمانِيَّة، والنَّزعَة الإنسانِيَّة، والنَّزعَة الطَّبيعيَّة، وَالنَّزعَة التَّقَدُّمِيَّة. أمَّا الدُّكتور "أندرو بلاكوود" (Andrew Blackwood)، وَهُوَ أستاذٌ فَخْرِيٌّ في جَامعةِ برينستون (Princeton)، فَذَكَرَ لائِحَةً أُخرى قَائلاً: "تُوجَدُ في أمريكا الأصنامُ التَّالية: الذَّات، والمَال، والمُتعَة، والجِنس، والرُّومانسِيَّة، والتَّسلية، والرِّياضة، والتَّعليم". وَقد أضافَ قَائلاً: "يَجِبُ علينا أن نَعودَ إلى الوَصِيَّةِ الأولى في ضَوْءِ الصَّليب".
والآن، إنْ أردتُ أن أنظُرَ إلى أصنامِ القَرنِ العِشرين وَأُلَخِّصَها قَليلاً، رُبَّما سَتَحصُلونَ على لائِحَةً كَهذِه: أوَّلاً، نَحنُ نَعبُدُ إلَهَ المُمتَلكات. أليسَ كذلك؟ فالمُمتلكاتُ تَحْتَلُّ مَكانَ الله. فَهَل تَصرِفونَ وَقتًا أطولَ في التَّفكيرِ في مُمتلكاتِكُم أكثرَ مِنَ الله؟ وَهل تَستنزِفونَ طَاقَتَكُم وَمَوارِدَكُم على المُمتلكاتِ أكثرَ مِمَّا تَستنزفونَها على الله؟ إنَّ هَذا يَدُلُّ على وُجودِ مُشكلةٍ لَديكُم في هذا الأمر.
"إنَّ الإلَهَ الرَّئيسيَّ في زَمانِنا..."، كَما يَقولُ الدُّكتور "ويليام ستانفورد ريد" (W. Stanford Reid) مِن جَامعةِ مكغيل (McGill University)، "هُوَ مِعيارُ حَياتِنا. فَنَحنُ نُبالي كَثيرًا بالمُمتلكاتِ الماديَّةِ حَتَّى إنَّنا لم نَعُد نَتَذَكَّرُ أنَّها عَطِيَّةٌ مِنَ الله".
وَهَذا هُوَ مَا كُنَّا نَتحدَّثُ عَنهُ في هذا الصَّباح. لِذا فإنَّ واحِدًا مِن أصنامِ القَرنِ العِشرينَ هُوَ المُمتلكات. وَهُناكَ صَنَمٌ آخرُ وَهُوَ الطَّمَع... الطَّمَع، أو مَحَبَّةُ المَال. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن رِسالةِ كُولوسي إنَّ: "الطَّمَعَ... هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَان". فعندما تَشْتَهي شَيئًا فإنَّكَ تَعبُدُهُ. وَهُناكَ صَنَمٌ آخرُ هُوَ الكِبرياء. والطَّمَعُ، بالمُناسَبة، أوِ الجَشَعُ، يُذَكِّرُني بالرَّجُلِ الغَنِيِّ الَّذي أرادَ أن يَبني حَظيرةً أكبر. أليسَ كذلك؟ فقد قالَ: أريدُ أن أبني مَخازِنَ أكبرَ وَأكبر كي أَجْمَعَ فيها غَلاَّتي". ولكِنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: "يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ". فَلا يُمكِنُكَ أن تَعيشَ بِمبدأ: "كُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي". إذًا، هُناكَ المُمتلكاتُ والجَشَع.
ثُمَّ هُناكَ الكِبرياء. وأعتقدُ أنَّ الإلَهَ الرَّئيسيَّ في مُجتمعِنا هُوَ حُبُّ الذَّات. ويُمكِنُنا القَولُ إنَّ النَّاسَ إلَهٌ في مُجتمِعنا. فُهناكَ أُناسٌ يُؤلِّهونَ الأطفالَ. فَهُمْ يَعبُدونَ أطفالَهُم وَحَسْب. وَهَذا خُروجٌ عَنِ الصَّواب؛ أيْ مَوقِفُهُم هَذا. وَهُناكَ أُناسٌ يَعبُدونَ شَريكَ حَياتِهم. وَهُناكَ أشخاصٌ يَعبُدونَ الحَبيب. وَهُناكَ أشخاصٌ يَعبُدونَ أحدَ الأصدقاء.
على النَّقيضِ مِن ذلك، ألاَ تُحِبُّونَ أن تَرَوْا حَنَّة الَّتي صَرَفَتْ وَقتًا طويلاً جدًّا في الصَّلاةِ والتَّضَرُّعِ إلى اللهِ كي يُعطيها ابنًا. وقد أعطاها اللهُ ابْنًا. ولكِنَّها لم تَعبُدِ ابنَها ولم تُفَضِّل طِفلَها على اللهِ، بل إنَّها كَرَّسَتْ طِفلَها للرَّبِّ وَرَجَعَتْ إلى بَيتِها وَهِيَ تَقولُ: "هَذا هُوَ مَا يَنبغي أن أفعلَهُ لأنَّهُ أفضلُ مَكانِ لِطِفلي".
وَأنا أُفَكِّرُ في إبراهيمَ الَّذي انتظرَ وانتظرَ إلى أنْ صَارَ ابْنَ مِئَةِ سَنَة قَبْلَ أن يُنجِبَ طِفلاً. ثُمَّ إنَّ اللهَ قَالَ لَهُ: "أريدُ ذلكَ الابْن. أريدُ مِنكَ أن تُقَدِّمَهُ لي على المَذبَح. أريدُ مِنكَ أن تَقتُلَهُ". فَقالَ إبراهيم: "حَسنًا يا رَبّ. صَحيحٌ أنِّي أُحِبُّ ابني، ولكنِّي لا أعبُدُ ابني، بل أعبُدُكَ أنتَ. وَإنْ قُلتَ لي أن أذبَحَهُ، سَأذبَحُه".
ولكِنَّنا نُؤَلِّهُ الأشخاصَ. وَنَحْنُ نُؤَلِّهُ الكِبرياءَ. وَنَحنُ نُؤَلِّهُ المَالَ، وَنُؤلِّهُ المُمتَلكات. وَأنا لا أقولُ إنَّهُ لا يَجوزُ لَكُم أن تُحِبُّوا النَّاسَ، وَلا أقولُ إنَّهُ لا يَجوزُ لَكَ أن تَكونَ مُكَرَّسًا لِعائِلَتِكَ، وأبنائِكَ وَزَوجَتِكَ.
وَهذا يُذَكِّرُني بِقِصَّةٍ مُدهشةٍ عَن "تشارلز سبيرجن" (Charles Spurgeon) قَبلَ أن يَتَزوَّج. وَلا يُمكنُني أن أتَخَيَّلَ كيفَ كَانَ شُعورُ تلكَ المَرأةِ عندما تَزَوَّجَتْهُ! ولكِن قبلَ أن يَتزوَّجَ، اصْطَحَبَ خَطيبَتَهُ إلى مَكانٍ سَيَعِظُ فيه. وَقدِ انفَصَلا أَحَدُهُما عَنِ الآخرِ في الزِّحامِ إذْ إنَّهُ كَانَ يُوجَدُ آلافُ النَّاسِ الَّذينَ جَاؤوا لِسَماعِهِ يَعِظ. لِذا فقد شَقَّ طَريقَهُ إلى المِنبَر. وبَعدَ انتهاءِ الاجتِماعِ لم يَتمكَّن مِنَ العُثورِ على خَطيبَتِه. لِذا فقد ذَهَبَ إلى بَيتِها فَوَجَدَها هُناكَ عَابِسَةً. قَالت: "تشارلز! لَقد تَرَكْتَني في ذلكَ الحَشْدِ بِمُفردي ولم تُبالي حَتَّى بِمَكاني!"
وَقد كانَ هَذا هُوَ جَوابهُ: "أنا آسِفٌ، ولكِنْ رُبَّما كَانَ مَا حَدَثَ جُزءًا مِنَ العِنايةِ الإلهيَّة. أنا لم أقصِد أن أكونَ عَديمَ اللِّياقَةِ، ولكِنْ عندما أرى حَشْدًا كَهذا يَنتظرُ مِنِّي أن أَعِظ، فإنِّي أشعُرُ بمَسؤوليَّةٍ هَائِلَة. لَقد نَسيتُ أَمْرَكِ. والآن، يَجِبُ علينا أن نُوَضِّحَ نُقطةً واحِدَةً: سوفَ تَكونُ القَاعِدَةُ الَّتي يُبْنَى عليها زَواجُنا هِيَ أنَّ أَوامِرَ سَيِّدي تَحْتَلُّ المَكانَةَ الأولى. وَأنْتِ سَتَحْتَلِّينَ المَكانَةَ الثَّانية. هَل أنتِ مُستعدَّة لأن تَكوني زَوجَتي وَأن تَحْتَلِّي المَكانَةَ الثَّانيةَ إذْ إنِّي سَأُعطي المَكانَةَ الأولى للمَسيح؟" وَمِنَ الرَّائعِ أنَّها قَبِلَتْ بذلكَ وَصارتْ زَوجةً أمينَة.
وأنا أفهَمُ شَيئًا مِن ذلك. فَقَبلَ صُعودِكَ إلى المِنبَر، يَبتَدِئُ قَلبُكَ بالخَفَقانِ، ويَبتَدِئُ عَقلُكَ بالعَمَلِ، وَهُناكَ أمورٌ كَثيرةٌ تَغيبُ عَن ذِهنِك. لَقد كَانَ يُحِبُّ زَوجَتَهُ، بَل كَانَ يُحِبُّها حَتَّى المَوت. ولكِنَّهُ لم يُؤلِّهَهَا يَومًا. فقد كانَ اللهُ إلَهَهُ الحَقيقيّ.
ويُمكِنُنا أن نَقولَ أيضًا إنَّ المُتعَةَ إلَهٌ في مُجتمعِنا. فَهِيَ إلَهٌ. وَهُناكَ التَّسلية. فَنَحنُ نَعبُدُ إلَهَ التَّسلية. وَهَذا أمرٌ غَريب. فَفي كُلِّ مَرَّةٍ أذهبُ فيها إلى أَحَدِ تلكَ الأماكِنِ الَّتي تَركَبُ فيها شَيئًا مَا مِثْلَ الجَبَلِ السِّحريِّ (Magic Mountain)، أو ديزني لاند (Disneyland)، أو مَزرعة نوتس بيري (Knott's Berry Farm)، أو شَيئ مِن هَذا القَبيل، أشعُرُ أنَّ لاهُوتي يَسْتَشيطُ غَضَبًا في تلكَ الأماكِن! فأنا أنظُرُ حَولي وأرى أشياءً كَثيرةً تُضايِقُني. فَهُوَ عَالَمٌ خَيالِيٌّ، والنَّاسُ لا يَعيشونَ حَتَّى الحَياةَ على حَقيقَتِها. فَهُمْ يَعيشونَ شَيئًا خَياليًّا. وأعتقدُ أنَّهم يَدفعونَ كُلَّ هذا المَالَ مِن أجلِ دَقيقةٍ وَنِصْف مِنَ التَّحليقِ في عَالَمِ الخَيال. وَهُمْ يَعيشونَ حَياتَهُم بتلكَ الطَّريقة. وَما أعنيه هُوَ أنَّكُم تُدركونَ مَا يَحدُث، وتَعلَمونَ مَا يَجري هُناك. فأنتُم تَصعَدونَ إلى الأعلى وَتَهبِطونَ فَيَنتَهي العَرْض. وَأنتَ تَصعَدُ إلى أعلى وَتَهبِطُ وَتَخرُجُ مِن ذلكَ الشَّيء فَتَجِدُ زَوجَتَكَ وأولادَكَ يَقِفونَ هُناكَ على نَفسِ الحَالِ الَّتي كَانُوا عَليها قبلَ صُعودِك. وأنتَ تُغادِرُ في نَفسِ السَّيَّارةِ القَديمةِ، وتَذهبُ إلى نَفسِ البيتِ، وتَفعلُ نَفسَ الأشياءِ، وتَذهبُ إلى نَفسِ العَمَلِ، وَتَنتَظِرُ بِفارِغِ الصَّبْرِ أن تَعودَ إلى هُناك، ثُمَّ تَركبُ ذلكَ الشَّيء مَرَّةً أخرى وَتَفعلُ الشَّيءَ نَفسَهُ مِن جَديد. والحَقيقةُ هِيَ أنِّي أعرِفُ أشخاصًا يَرغبونَ في شِراءِ جِهازٍ كَهذا وَوَضْعِهِ في حَديقَةِ البيتِ الخَلفيَّة. فَهُم يُريدونَ أن يَعيشوا حَياةً مُفعمةً بالمُغامَرَة... يُريدونَ أنْ يَعيشوا حَياةً مُفعمةً بالمُغامَرة، وأن يَعيشوا وَفقًا لأحاسيسِهم ومَشاعِرهم. فَنَحنُ نُحِبُّ المُتعةَ أكثرَ مِمَّا نُحِبُّ الله.
وَأودُّ أن أُضيفَ أيضًا بأنَّ واحِدًا مِن الآلِهَةِ في مُجتمعِنا هُوَ المَشاريع. هَل لاحَظتُم ذلك؟ ليسَ فقط المُمتلكات، والمَال، والكِبرياء، والنَّاس، والمُتعة؛ بل أيضًا المَشاريع. فَهُناكَ مَجلِسُ الآباءِ والمُعَلِّمين، ودَوْري الجَامِعة، والسَّلامُ العَالَمِيّ، والسِّياسَة، والهِوايات، والبَرامِجُ الدِّينيَّة، ومؤسَّسَة كيوانيس (Kiwanis)، والرُّوتاري (Rotary)، وَهَلُمَّ جَرَّا. المَشاريع!
ثُمَّ إنَّ هُناكَ الشُّهرة. فَهُناكَ أشخاصٌ يَعيشونَ بِهَدَفِ الانضمامِ إلى لائِحَةِ المَشاهيرِ، ولائِحَةِ النُّجومِ، ولائِحَةِ الأشخاصِ البَارِزينَ، وَحَتَّى إلى لائِحَةِ المَجانين! وَهُمْ يُريدونَ أن يَجلِسُوا في الصَّدارَةِ في الوَلائِم، ويُريدونَ أن يَكونوا مَعروفينَ اجتماعِيًّا، ويُحِبُّونَ أن يَرَوْا أسماءَهُم في الصُّحَف. وَهُمْ يَقُصُّونَ كُلَّ قُصَاصَةٍ يُمكِنُكم أن تَتَخَيَّلوها. وَهُمْ يُريدونَ أن يكونوا مُديري مَجلسِ إدارة. وَلكِنَّ كُلَّ تِلكَ الآلِهَةِ تَنْتَهي في مِكَبِّ النُّفاياتِ لأنَّها تَقودُ إلى حَياةٍ فَارِغَةٍ وَمُحْتَرِقَة. فالإنسانُ مُصَابٌ بِداءٍ عُضَالٍ اسْمُهُ التَّدَيُّن. فَهُوَ يُريدُ أن يَعبُدَ شَيئًا... صَدِّقوني!
هُناكَ قِصَّةٌ عنِ احتِفالٍ لِحَرْقِ الأصْنامِ في السَّاحَةِ الخَلفيَّةِ لإحدى الكَنائِس. وقدِ استَأصَلَ كُلُّ شَخصٍ مِن قَلبِهِ أَغلى شَيءٍ مِن مُمتلكاتِهِ، أو طُموحِهِ، أو إنجازاتِهِ. وَقد أخذوا جَميعًا تلكَ الأشياءَ وَوَضَعُوها في كَوْمَةٍ كَبيرةٍ وَقَالوا: "سَوفَ نَحرِقُ كُلَّ أصنامِنا". وقد قَصَّ أُناسٌ شَعرَهُم الطَّويلَ وَوَضَعوهُ هُناكَ. وَقَد طَرَحَ أُناسٌ شَهاداتِ الدُّكتوراه هُناك. وَقَد طَرَحَ أُناسٌ قِطْعَةَ الأثاثِ المُفَضَّلة لَديهم هُناك. وَقد طَرَحَ أُناسٌ رَغْبَتَهُمْ في شِراءِ ذلكَ المِعطَفِ المَصنوعَ مِنَ الفَرْوِ مَعَ أنَّهُم لم يَشْتَروهُ بعد. ولكِنَّهُم لم يَتمكَّنُوا مِنَ العُثورِ على عُوْدِ ثِقابٍ لإشعالِ النَّار! وَقد انزعَجُوا جدًّا! وتَقولُ القِصَّةُ إنَّ الجَميعَ اتَّفَقُوا على أنَّ عَدَمَ قُدرتِهم على حَرْقِ تلكَ الأصْنامِ لا تَعني أنَّهُم لم يَكونوا مُستَعِدِّينَ للتَّخَلِّي عَنها. لِذا، فَقد عَادَ الحَاضِرونَ بِتَثاقُلٍ إلى بُيوتِهِم وَهُمْ يَخْتَلِسونَ نَظرةً أو نَظْرَتَيْنِ إلى الوَراء.
لم تَتَمَكَّنْ إحدى السَّيِّداتِ مِنَ النَّومِ في تلكَ اللَّيلة. وأخيرًا، أَقْنَعَتْ نَفْسَها بأنَّ الشَّيءَ الَّذي تَخَلَّتْ عَنْهُ لم يَكُن صَنَمًا أصلاً. وفي الصَّباحِ البَاكِرِ، تَسَلَّلَتْ وَذَهَبَتْ إلى تلكَ السَّاحَةِ الَّتي وَضَعُوا فيها تلكَ الأشياء على أَمَلِ ألاَّ يَراها أَحَد. وعندما وَصَلَتْ إلى ذلكَ المَكانِ وَجَدَتْ صَنَمَها وَحيدًا وَمَهجورًا. فَهُوَ الوَحيدُ الَّذي بَقِيَ هُناك. فَيَا لِقُوَّةِ تَمَسُّكِنا بأصنامِنا!
والحَقيقةُ هِيَ أنِّي أَوَدُّ أن أتَعَمَّقَ في هذهِ الفِكرةِ قَليلاً. ففي الكتابِ المقدَّسِ، ليسَ مِنَ الخطأِ فَقط أن تَعبُدَ شَخصًا أو شَيئًا غَيرَ اللهِ، بَلْ إنَّهُ مِنَ الخطأِ أيضًا أن تَعبُدَ اللهَ بطريقةٍ مَغلوطَة. فأنتُم تَذكُرونَ شَاوُل عندما أَمَرَهُ اللهُ بألاَّ يأخُذُوا أيَّ شَيءٍ، بل أن يَقتُلوا المَلِكَ وَكُلَّ الجَيشِ، وَألاَّ يأخُذوا أيَّةَ غَنائِم. ولكِنَّهُ عَادَ بِكُلِّ تلكَ الأغنامِ وكُلِّ تلكَ الحَيَواناتِ. وعندما جَاءَ صَموئيلُ إليهِ وَقال: "مَا الَّذي يَجري هُنا؟ أَسْمَعُ صَوْتَ غَنَمٍ! لم يَكُن يَجوزُ أن تَأخُذَ شَيئًا مِنها!" فَقالَ شَاوُل: "لَقد أخذتُها لِكَي أذبَحَها للرَّبّ". فَقالَ لَهُ صَموئيل: "لَقَدْ زَالَ العَرْشُ مِن نَسْلِكَ. فاللهُ يُريدُ مِنكَ أن تَعبُدَهُ بالطَّريقةِ الَّتي قَالَ لَكَ أنْ تَعْبُدَهُ بِها، لا بالطَّريقةِ الَّتي تَختارُ أنتَ أن تَعبُدَهُ بِها".
فَعِبادَةُ الأوثانِ تَعني أن تَعبُدَ الإلَهَ الخَطأَ، أو أن تَعبُدَ الإلَهَ الحَقيقيَّ بطَريقةٍ مَغلوطَة. وأعتقدُ أنَّهُ يجبُ علينا أن نَحذَرَ مِن هذا الأمر. وأعتقدُ أيضًا أنَّ عِبادةَ الأصنامِ تَعني عِبادَةَ الرُّموزِ الَّتي تُشيرُ إلى الله. فَنَحنُ جَميعًا نَعرِفُ الجَدَلَ الَّذي دَارَ بخصوصِ الأيقونات. والكلمة "أيْقُونَة" هي تَرجمة للكلمة "إيكون" (eikon) في اللُّغةِ اليُونانِيَّة ومَعناها: "صُورَة". فَطَوالَ تَاريخِ الكَنيسة، أرادَتِ الكَنيسةُ الرُّومانِيَّةُ المُبَكِّرَةُ أنْ تَضَعَ كُلَّ شَيءٍ في هَيئةِ تَماثيل. وَما زَالتِ الكنيسةُ الرُّومانِيَّةُ تَفعلُ ذلك. وَقد كانَت هُناكَ تَماثيلٌ في كُلِّ مَكان. وَكانَ هُناكَ دَائِمًا جَدَلٌ مُحْتَدِمٌ حَولَ ذلك. وَأخيرًا، قَامَتِ الكَنيسةُ الأرثوذكسيَّةُ الشَّرقيَّةُ بِتَحطيمِ كُلِّ الصُّوَرِ لأنَّها شَعَرَتْ بأنَّها عِبادَةُ أصنام. وَما تَزالُ هُناكَ صُلْبانٌ وَصُوَرٌ أخرى، وَصُوَرٌ للقِدِّيسينَ، وَهَلُمَّ جَرَّا تُمَثِّلُ نَوعًا مُعَيَّنًا مِن عِبادَةِ الأصنام. وَقد تَقول: "ولكِنَّنا لا نَعبُدُ الأصنامَ حَقًّا، بَلْ إنَّ تلكَ الأشياءَ مُجَرَّدَ صُوَرٍ وَحَسْب". هَذا صَحيح، ولكِنَّ الأمرَ في قِمَّةِ الدَّهاء... في قِمَّةِ الدَّهاء.
واسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لَكُم مَثَلاً إيضاحِيًّا. انظُروا في كِتابِكُم المُقَدَّسِ إلى سِفْرِ العَدد والأصحاحِ الحَادي والعِشرين... إلى سِفْرِ العَدد والأصحاحِ الحَادي والعِشرين. لَقد أخبرتُكُم أنَّ المُقَدِّمَةَ سَتَكونُ طَويلة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّني سَأُؤجِّلُ العِظَةَ إلى المَرَّةِ القَادِمَة. سِفْر العَدد 21: 6. هَل تَذكُرونَ أنَّ الربَّ أَرْسَلَ "عَلَى الشَّعْبِ الْحَيَّاتِ الْمُحْرِقَةَ، فَلَدَغَتِ الشَّعْبَ، فَمَاتَ قَوْمٌ كَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيل"؟ لَقد حَدَثَ ذلكَ عِندَما كَانُوا مَعَ مُوسَى، وَلَم يُطيعُوا اللهَ. لِذا فقد أرسَلَ الرَّبُّ الحَيَّاتِ المُحْرِقَةِ فَلَدَغَتْهُم. "فَأَتَى الشَّعْبُ إِلَى مُوسَى وَقَالُوا: «قَدْ أَخْطَأْنَا إِذْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَيْكَ، فَصَلِّ إِلَى الرَّبِّ لِيَرْفَعَ عَنَّا الْحَيَّاتِ»".
وَقَد تَضَرَّعَ مُوسَى مِن أجلِهم وَصَلَّى فاستَجابَ الرَّبُّ في العَدَدِ الثَّامِنِ وَقالَ لِمُوسَى: "اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا". والآن، لاحِظُوا مَا حَدَث. كَانَ بَنو إسرائيلَ قَد أخطأوا. واللهُ يَقولُ: "سَوفَ يَكونُ هُناكَ عِقابٌ. فالحَيَّاتُ سَتَلدَغُكُم. ولكِنَّ كُلَّ مَنْ نَظَرَ إلى الرَّايَةِ سَيُشفَى".
والآن، أعتقدُ أنَّ الرَّايَةَ كَانَتْ رَمْزًا لِقُدرةِ الله. فَلا تُوجَد قُوَّة في الرَّايَةِ نَفسِها، ولكِنَّ القُدرةَ كانَت تَكْمُنُ في الله. والنَّظرُ إلى الرَّايةِ كَانَ مُجَرَّدَ إشارة إلى إيمانِهم. ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تَرَوْا مَا حَدَث. افتَحُوا على سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني والأصحاحِ الثَّامِن عَشَر. فَقد جَاءَ المَلِكُ حَزَقِيَّا في وَقتٍ لاحِقٍ مِن تاريخِ بَني إسرائيل. وَنَجِدُ في يَهوذا أنَّ حَزَقِيَّا مَلَكَ وَصَنَعَ نَهْضَةً عَظيمة. وَواحِدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي فَعَلَها في تلكَ النَّهضةِ مَذكورٌ في العَددِ الرَّابع. وأريدُ مِنكُم أن تَرَوْه. فَقَد "أَزَالَ الْمُرْتَفَعَاتِ..." والآن، لاحِظُوا مَا يَلي: "...وَكَسَّرَ التَّمَاثِيلَ، وَقَطَّعَ السَّوَارِيَ". والآن، تَوَقَّفوا هُناك. لَقد أَزالَ الوَثنيَّة. ولكِنْ لاحِظُوا مَا فَعَلَهُ بعدَ ذلك: "وَسَحَقَ حَيَّةَ النُّحَاسِ الَّتِي عَمِلَهَا مُوسَى لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِلَى تِلْكَ الأَيَّامِ يُوقِدُونَ لَهَا وَدَعَوْهَا «نَحُشْتَانَ»"؛ وَهِيَ كلمة مَعناها: "الشَّيء النُّحاسِيّ الصَّغير". فقد سَحَقَ تِلكَ الحَيَّةَ وَتَخَلَّصَ مِن ذلكَ الشَّيءِ النُّحاسِيِّ الصَّغيرِ الَّذي كانَ الجَميعُ يَعبُدونَهُ.
بِعبارةٍ أخرى، لَقد ابتدأَ شَيءٌ كَرَمْزٍ ولكِنَّهُ صَارَ وَثَنًا. وَهذا هُوَ دَائِمًا خَطَرُ الأيقونات؛ أيْ أن يُحَوِّلَ الإنسانُ الرَّمْزَ إلى وَثَن. لِذا، سَواءَ كُنتُم تَتحدَّثونَ عَن عِبادَةِ إلَهٍ زَائفٍ، أو عَن عِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ بطريقةٍ مَغلوطَةٍ، أو عَن عِبادَةِ اللهِ مِن خِلالِ صُورةٍ غير صَحيحة فإنَّ كُلَّ ذلكَ مَحْظورٌ في الكتابِ المقدَّس.
والآن، بَعدَ أن فَهِمنا ذلك، أيْ أنَّ عِبادَةَ الأوثانِ مُحَرَّمَة، انظُروا مَعي إلى دَانيال 3، ولنَنظُر إلى مَا حَدَث. تَذَكَّروا الآنَ أنَّ هَؤلاءِ الفِتيانِ كانُوا قَد تَعَلَّمُوا العَقيدةَ اليَهوديَّةَ والإيمانَ اليَهوديَّ، وَأنَّهُم كانُوا يَعرِفونَ تَمامًا كيفَ يَنظُرُ اللهُ إلى الأوثان.
والآن، لِنَتأمَّل في النَّصّ. فنحنُ نَجِدُ في بِدايةِ النَّصِّ خَمسَ نِقاطٍ رَئيسيَّة، ولكنِّي سَأبتَدِئُ فقط بالنُّقطةِ الأولى. فأوَّلاً، نَجِدُ الاحتفالَ... الاحتفالَ في الأعداد مِن 1 إلى 3. لِنَنظُر إليها:
"نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ..." – وبالمُناسَبَة، إنَّهُ مَلِكُ الإمبراطُورِيَّةِ البَابِليَّةِ الَّتي كانَت إمبراطورِيَّةً عَظيمةً ومُدهشةً في مِنطِقَةِ الشَّرقِ الأوسَطِ وَلا نَدري حَقًّا حُدودَها. ولكِنَّها كانت قَوِيَّةً جدًّا وتَستطيعُ أن تُسيطِرَ على كُلِّ العَالَمِ إنْ تَمَكَّنَتْ مِنْ فَرْضِ هَيْمَنَتِها. لِذا فقد كانَ نَبوخَذنَصَّر أعظمَ مَلِكٍ على وَجْهِ الأرض. "صَنَعَ تِمْثَالاً مِنْ ذَهَبٍ". والآن، لاحِظُوا مَا يَلي: "طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهُ سِتُّ أَذْرُعٍ، وَنَصَبَهُ فِي بُقْعَةِ دُورَا فِي وِلاَيَةِ بَابِلَ".
والآن، لَقد صَنَعَ نَبوخَذنَصَّر هذا التِّمثالَ الضَّخم. وَالشَّيءُ المُدهِشُ في ذلكَ هُوَ أنَّهُ عَمَلٌ وَثَنِيٌّ. ويَبدو هَذا غَريبًا في ضَوْءِ مَا جَاءَ في الأصحاحِ الثَّاني والعَدد 47. انظُروا إليه. هَل تَذكُرونَ في الأصحاحِ الثَّاني أنَّ دانيال عَرَّفَ نَبوخَذنَصَّر بالحُلْمِ العَجيب؟ فقد حَلُمَ هَذا الحُلْمَ عَنْ تِمثالٍ رَأسُهُ مِن ذَهَب، وَصَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَبَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَسَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدَمَاهُ بَعْضُهُمَا مِنْ حَدِيدٍ وَالْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ. وَقد أَطْلَعَهُ على مَعنى تلكَ الأشياءِ وكيفَ أنَّ إمبراطوريَّاتِ العَالَمِ سَتَزول، وكيفَ أنَّها سَتُدَمَّرُ بِحَجَرٍ قُطِعَ بِغَيْرِ يَدَيْن في المَرحلةِ الأخيرةِ مِن حُكْمِ مُلوكِهِم العَشَرَة. فَقد قَدَّمَ للمَلِكِ كُلَّ هَذا التَّفسيرَ المُذهِلَ للحُلْم.
وَكانَ نَبوخَذنَصَّر يَعلَمُ أنَّ دَانيال يُخبِرُهُ بأشياءٍ لم يَكُن أَحَدٌ مِن العَرَّافينَ والسَّحَرَةَ والكَلدانِيِّينَ يَعرِفُها. في ضَوْءِ ذلكَ، نَقرأُ في العَدد 47: "حِينَئِذٍ خَرَّ نَبُوخَذْنَصَّرُ عَلَى وَجْهِهِ..." في العَدد 46 "...وَسَجَدَ لِدَانِيآلَ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. ثُمَّ إنَّهُ قَالَ لَهُ في العَدد 47: "حَقًّا إِنَّ إِلهَكُمْ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الْمُلُوكِ وَكَاشِفُ الأَسْرَارِ، إِذِ اسْتَطَعْتَ عَلَى كَشْفِ هذَا السِّرِّ".
وَهَذِهِ جُملةٌ عَظيمةٌ جدًّا: "حَقًّا إِنَّ إِلهَكُمْ إِلهُ الآلِهَةِ". حَقًّا إنَّ إلَهَكَ هُوَ الإلَهُ المُطلَق. وَحَقًّا إنَّ إلَهَكَ هُوَ كَاشِفُ الأَسْرَارِ وَرَبُّ الْمُلُوك". هَذا هُوَ مَا جَاءَ في العَدد 47. وَبعدَ ذلكَ بِعَدَدَيْن، نَقرأُ أنَّهُ صَنَعَ تِمثالاً لِنَفسِهِ. إنَّهُ نَبوخَذنَصَّر المُتَقَلِّب والمُتَذَبذِب.
فَحَتَّى إنَّ استِعراضَ قُوَّةِ اللهِ لم يَنجَح في التَّغَلُّبِ على كِبريائِهِ المُفْرِطَة. وَهَذا أمرٌ عَجيب! فقد كانَ ذلكَ الرَّجُلُ مَهووسًا بِنَفسِه. والحَقيقةُ هِيَ أنِّي أعتقدُ أنَّهُ عندما ابتدأَ دانيالُ في إطلاعِهِ على ذلكِ الحُلْمِ وَقالَ لَهُ إنَّ رَأسَ التِّمثالِ مِن ذَهَب، "وَأَنْتَ هذَا الرَّأْسُ مِنْ ذَهَبٍ"، أعتقدُ أنَّ نَبوخَذنَصَّر التَفَتَ حِينئذٍ وَقال: "أنا الرَّأسُ الَّذي مِن ذَهَب، والجَميعُ أَقَلُّ شَأنًا مِنِّي". لِذا فقد بَنى تِمثالاً كَامِلاً مِنَ الذَّهب إذْ جَعَلَهُ كُلَّهُ مِنْ ذَهَب؛ مِن أعلى إلى أسفَل.
"نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ صَنَعَ تِمْثَالاً مِنْ ذَهَبٍ". وأعتقدُ أنَّهُ كَانَ تِمثالاً على شَكلِ إنسان. وَقد كانَ مَصنوعًا مِن ذَهَب، ولكِن صَدِّقوني أنَّهُ كانَ ضَخمًا جدًّا. وَهَل تَعلَمونَ مَا هُوَ الذِّراع؟ لَقد كَانَ الذِّراعُ يُقاسُ مِنَ المِرْفَقِ إلى نِهايَةِ اليَد. وَهُوَ نَحوُ 47 سنتمترًا. لِذا فقد كانَ طُولُهُ نَحوَ 27 مِترًا. فالسِّتُّونَ ذِراعًا تَعني أنَّ ارتِفاعَهُ كَانَ نَحوَ 27 مِترًا. وَهَذا ارتِفاعُ كَبيرٌ جدًّا. فأعتقدُ أنَّ ارتِفاعَ عَمودِ الهَاتِفِ يَبلُغ 18 مِترًا. لِذا فقد كانَ ارتفاعُ التِّمثالِ أكبرَ مِن ذلكَ بِمَرَّةٍ وَنَصْف. أمَّا عَرضُهُ فَسِتُّ أذرُع؛ أيْ أنَّهُ لم يَكُن عَريضًا جدًّا. فَقد كانَ عَرضُهُ نَحْوَ مِتْرَيْن وسَبعينَ سنتمترًا. وَهَذا يَعني أنَّ التِّمثالَ كانَ طَويلاً جدًّا ونَحيلاً. فنِسبةُ الطُّولِ إلى العَرضِ هُنا هِيَ عَشْرَة إلى واحِد. وَأغلبيَّةُ النَّاسِ أربعة إلى واحِد أو خَمسة إلى واحِد. والأشخاصُ النَّحيلونَ جدًّا سِتَّة إلى واحِد، وهُناكَ أشخاصٌ تَبلُغُ نِسبةُ طُولِهم إلى عَرضِهم ثَلاثة إلى واحِد. وقد رأيتُ أشخاصًا تُقَدَّرُ نِسبَةُ طُولِهم إلى عَرضِهِم بِنَحوِ اثنين إلى واحِد. فَكِّروا في ذلكَ وَحَسْب! ولكِنَّ نِسبةَ الطُّولِ إلى العَرضِ في هذا التِّمثالِ كَانَت عَشَرة إلى واحِد. وَهَذا يَعني إمَّا إنَّهُ كَانَ تِمثالاً طَويلاً جدًّا وَنَحيلاً، أو أنَّهُ كانَت هُناكَ قَاعِدَةٌ عَاليةٌ جدًّا يَنْتَصِبُ عَليها تِمثالُ شَخصٍ نِسبَةُ طُولِهِ إلى عَرضِهِ خَمسة إلى واحِد. ولكِنَّهُ كَانَ تِمثالاً طُولُهُ سَبعةً وعِشرينَ مِترًا.
والآن، لا أَظُنُّ أنَّهُ كَانَ مَصنوعًا بِمُجمَلِهِ مِنَ الذَّهَبِ الخَالِص. فَهذا أمْرٌ غَيرُ مُمْكِنٍ اقتصادِيًّا. وَهُوَ أمرٌ مُستحيلٌ مِن جِهَةِ التَّصنيعِ والنَّقل. وَكانَ مِنَ المُعتادِ في تلكَ الأزِمَنِة أنَّهُم إن أرادُوا أن يَصْنَعُوا تِمثالاً، كانُوا يَصنَعونَهُ مِنَ الخَشَبِ ثُمَّ يُغَطُّونَهُ بِمادَّةٍ، ثُمَّ يَطلُونَهُ بالذَّهبِ الثَّقيل. وَيَبدو مِن وُجهَةِ نَظري أنَّ هذهِ هِيَ أفضل طَريقة لِتَخَيُّلِ هَذا التِّمثال.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هَذا كانَ أمرًا شَائعًا. فإذا نَظرتُم إلى ما جاءَ في سِفْر إشَعْياء والأصْحاحَيْن 40 و 41، سَتُلاحِظونَ أنَّهُما يُشيرانِ في مَوْضِعَيْنِ في هَذَينِ الأصحاحَيْنِ إلى تِمثالٍ خَشَبِيٍّ مُغَشَّى بالذَّهَب. لِذا، رُبَّما كانت هذهِ هِيَ الطَّريقةُ الأكثر شُيوعًا في صِناعَةِ التَّماثيل.
على الرَّغمِ مِن ذلك، كانت تَكلُفَةُ صِناعَةِ هذا التِّمثالِ كَبيرة جدًّا. فَهُوَ مَبلَغُ يَفوقُ أيَّ شَيءٍ تَتَخَيَّلونَهُ. فَقد كانَ استِخراجُ الذَّهَبِ والحُصولُ عليهِ في تِلكَ الأيَّامِ أمرًا صَعبًا جدًّا. لِذا فقد كانَ الذَّهَبُ ثَمينًا جدًّا. وبالمُناسَبة، نَجِدُ في الرَّقْمِ 60 وَالرَّقْمِ 6 إشارةً مُدهشةً لأنَّ البَابِلِيِّينَ كَانُوا يَستخدِمونَ نِظامًا سُداسِيًّا في الحِساب. فَنَحنُ نَستخدِمُ النِّظامَ العَشريَّ القائِمَ على العَشَرات. أليسَ كذلك؟ أمَّا هُمْ فكانُوا يَستخدِمونَ نِظامًا مُؤلَّفًا مِن مُضاعَفاتِ الرَّقْمِ سِتَّة. وَهذهِ مُلاحظةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا لأنَّها تُشيرُ إلى دِقَّةِ سِفْرِ دَانيال في تَصويرِ الأزمنةِ البابليَّة. فالنَّقدُ العَالي يُريدُ أن يُقْنِعَ النَّاسَ بأنَّ سِفْرَ دَانيال كُتِبَ في زَمَنِ المَسيحِ لكي يَتَجَنَّبوا النُّبوءاتِ المَذكورة فيه لأنَّهُم لا يُريدونَ أن يَتَنَبَّأَ الكتابُ المقدَّسُ أيَّةَ نُبوءاتٍ لأنَّهُ سيكونُ حينئذٍ كِتابًا إلَهِيًّا. ولكِنْ لأنَّهُ يَستخدِمُ مَا يُعرَفُ بالنِّظامُ السُّداسِيِّ لا العَشرِيِّ فإنَّ ذلكَ يَدُلُّ على الأزمِنَةِ البَابِلِيَّة.
كذلك، مِنَ المُدهشِ بالنِّسبةِ إليَّ، وَهذهِ مُجَرَّدُ مُلاحظةٍ أخرى صَغيرة، أنَّ طُولَ التِّمثالِ سِتُّونَ ذِراعًا، وَعَرضُهُ سِتُّ أذرُع. وَأنا أرى الرَّقْمَ سِتَّة مَرَّتَيْنِ هُنا. فالمَلِكُ الأوَّلُ صَنَعَ تِمثالاً لِنَفسِهِ بِبُعْدَيْنِ يُعَبَّرْ عَنْهُما بالرَّقْم سِتَّة. وإنْ قَرأتُم الأصحاحَ الثَّالث عَشَر مِن سِفْرِ الرُّؤيا ستَجِدونَ أنَّ الحَاكِمَ الأخيرَ في أزمِنَةِ الأُمَم... فَقد كانَ نَبوخَذنَصَّر الحَاكِمُ الأوَّل... ولكِنَّ الحَاكِمَ الأخيرَ في أزمِنَةِ الأُمَم سَيَصنَعُ أيضًا صُورةً للوَحْش.
وَهَذا مَذكورٌ في سِفْر الرُّؤيا 13: 14 و15 إذْ نَقرأُ أنَّهُ يَصنَعُ صُورةً للوَحشِ، وَأنَّ النَّاسَ يَسجُدونَ للوَحشِ، وَأنَّ عَدَدَ الوَحْشِ سيَكونُ مَاذا؟ سِتُّمِئَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّون. فَكَأنَّ الأمرَ ابتدأَ بِالرَّقْمِ 66، ثُمَّ صَارَ 666. والرَّقْمُ سِتَّة هُوَ رَقْمُ الإنسان. فالإنسانُ يُحاوِلُ: "سِتَّة، سِتَّة، سِتَّة، سِتَّة، سِتَّة"؛ ولكِنَّهُ لا يَصِلُ البَتَّة إلى الرَّقْمِ سَبْعَة لأنَّهُ رَقْمُ الكَمال. وَهذا الرَّقْمُ مَحفوظٌ للهِ. وَنَبوخَذنَصَّر هُوَ صُورةٌ أوليَّة عَن ضِدِّ المَسيح.
والآن، سَوفَ تُلاحِظونَ أنَّ العَددَ الأوَّلَ يَقولُ إنَّهُ نَصَبَ التِّمثالَ: "فِي بُقْعَةِ دُورَا فِي وِلاَيَةِ بَابِل". وَسَهْلُ دُورا، كَما نَعلمُ، كانَ في وِلايةِ بَابِل بالقُربِ مِنَ المَدينةِ نَفسِها إذْ رُبَّما كانَ يَبعُدُ سِتَّة أميال إلى الجَنوبِ الشَّرقِيِّ مِن بَابِل. وبالمُناسَبة، إنَّ هذا الأمرَ مُدهشٌ. فَهُناكَ عَالِمُ آثارٍ فَرَنسِيٍّ لا أَظُنُّ أنِّي أستطيعُ أنْ ألْفُظَ اسْمَهُ، ولكنِّي أعتقدُ أنَّهُ "أوبيرت" (Oppert) أو شَيئًا مِن هَذا القَبيل، كَانَ يُجري تَنقيباتٍ في جَنوبِ شَرقِ بَابِل فَعَثَرَ في أثناءِ تَنقيبِهِ على أساسٍ حَجَرِيٍّ ضَخْمٍ يَدُلُّ على أنَّهُ كَانَ قَاعِدَةَ تِمثالٍ أو مِسَلَّة.
وعندما ابتدأوا في التَّوسُّعِ في دِراساتِهم عن سَهْلِ دُورا، وَصَلَ عَالِمُ الآثارِ الفَرنسيِّ هَذا (أوبيرت) إلى قَناعَةٍ تَقولُ إنَّ هذهِ في الحَقيقةِ قَاعِدَةُ تِمثالِ نَبوخَذنَصَّر، وَإنَّها بَقِيَتْ مَدفونَةٍ تَحتَ التُّرابِ على مَدى قُرونٍ عَديدة. ولكِنَّهُم لم يَعثُروا على التِّمثال. لِماذا؟ لأنَّهُ كَانَ مَصنوعًا مِنَ الذَّهبِ، يا أصدقائي. فالنَّاسُ الَّذينَ جَاؤوا بَعدَ ذلكَ حَرَصُوا على نَهْبِهِ.
وَسَهْلُ دُورا هُوَ سَهْلٌ مُنبَسِطٌ يُمكِنُ رُؤيَتُهُ كَامِلاً. فإنْ وَقَفْتُم في سَهْلِ دُورا، يُمكِنُكم أن تَتخيَّلوا كيفَ أنَّهُ عِندَما تَسْطَعُ الشَّمسُ في تلكَ المِنطقةِ البابليَّةِ فإنَّ ذلكَ التِّمثالَ سيَتوهَّجُ ويَلْمَعُ لَمَعانًا مُدهِشًا وعَظيمًا!
والآن، مَا الَّذي يَفعلُهُ نَبوخَذنَصَّر؟ يَجِبُ علينا أن نَتحدَّثَ عَن ذلكَ وَلو قَليلاً قَبلَ الخِتام. وَسوفَ نَتحدَّثُ فقط عَن هَذِهِ النُّقطةِ الأولى. فَما الَّذي يُحاولُ أن يَفعَلَه؟ وَمَا الَّذي يُحاوِلُ أن يُثْبِتَه؟ وَما هُوَ قَصْدُهُ هُنا؟ أعتقدُ أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ سَبَبٌ لِقِيامِهِ بذلك. فَقد كانَ رَجُلاً ذَكِيًّا. وَقد كانَ واحِدًا مِن أعظمِ المُهندسينَ المِعمارِيِّينَ في العَالَم. وَكانَ وَاحِدًا مِن أعظمِ رِجالِ الدَّولةِ في العَالَم. وَكانَ وَاحِدًا مِن أعظمِ المُحارِبينَ وَالمُخَطِّطين. فَهُوَ ليسَ شَخصًا سَاذَجًا، بَل هُوَ رَجُلٌ ذَكِيٌّ جدًّا. فَما الَّذي يَفعلُه؟
إنَّ مَا أرادَ أن يَفعلُهُ هُوَ أنَّهُ أرادَ أن يَجْمَعَ أُمَّتَهُ كُلَّها مَعًا في مُحاولةٍ لِتَوحيدِهم. هذا هُوَ أوَّلُ شَيء. فَقد أرادَ أن يُوَحِّدَ أُمَّتَهُ. وأنتَ تُوَحِّدُ أُمَّتَكَ على هَدَفٍ مُشتَرَك. لِذا فقد أرادَ مِنهُم جَميعًا أن يَسجُدوا لَهُ. وبالمُناسَبة، لَقد فَعَلَ القَياصِرَةُ الشَّيءَ نَفسَهُ. أليسَ كذلك؟ فقد حَاولوا أن يَجعلوا كُلَّ الإمبراطُوريَّةِ تَسجُدُ لَهُم في مُحاولةٍ لِتَوحيدِهم.
وليسَ هذا فَحَسْب، بل إنَّهُ أرادَ الوَلاءَ مِن قَادَتِه. فقد أرادَ مِن جَميعِ قَادَتِه أن يَسجُدوا لَهُ. وَقد أرادَ أن يَتيقَّنَ مِنَ أنَّهُم أوفياء وَأُمناء لَهُ. وَقد أرادَ دِيانَةً واحِدَةً لأنَّهُ كَانَ يَخافُ مِنَ الانقساماتِ الدِّينيَّةِ لأنَّ الدِّينَ شَيءٌ عَميقٌ في قَلبِ الإنسان. لِذا فقد كانَ يَخشَى مِن أنَّهُم إنِ اختَلَفُوا على الدِّيْنِ في الإمبراطوريَّةِ فإنَّهُم سَيَصْنَعونَ شَرْخًا فيها.
ولكِنْ كَانَ يُوجَدُ شَيءٌ آخرُ غَيرُ ذلك. فأعتقدُ أنَّهُ مِنَ النَّاحِيَةِ السِّياسِيَّةِ كانَ يَسعَى إلى تَوحيدِ الإمبراطوريَّة. فأعتقدُ أنَّهُ مِن نَاحِيَةٍ شَخصيَّةٍ، كانَ يُريدُ السُّجودَ وَالوَلاءَ مِن قَادَتِه. وأعتقدُ أنَّهُ مِنَ النَّاحيةِ الدِّينيَّةِ أرادَ دِيانَةً واحِدَةً تُوَحِّدُ النَّاسَ مَعًا. ولكِنْ عَدا عَن ذلكَ كُلِّه، كانَ هَذا الرَّجُلُ مَغرورًا جدًّا. وَقَد سَعَى إلى مَجْدِهِ الشَّخصيِّ، وَرأى أنَّهُ الرَّأسُ الَّذي مِن ذَهَب. وَقَد فَقَدَ السَّيطرةَ على نَفسِهِ وَبَالَغَ جِدًّا في الأمرِ حَتَّى إنَّهُ صَنَعَ لِنَفسِهِ تِمثالاً وَأرادَ أن يَجعَلَ كُلَّ العَالَمِ يَسجُد لَهُ.
وَهُوَ لا يَختَلِفُ كَثيرًا عن هِيرودُس في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فَقد ألقَى هيرودُسُ خِطابًا عَظيمًا. فقدِ لَبِسَ الْحُلَّةَ الْمُلُوكِيَّةَ، وَجَلَسَ [كَما نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُلِ] في قَيصريَّة، وَألقى خِطْبَةً عَظيمةً. فَصَرَخَ الشَّعْبُ: "هذَا صَوْتُ إِلهٍ لاَ صَوْتُ إِنْسَانٍ!" وَقد أَحَبَّ جِدًّا مَا قَالوه. ويُخبرُنا الكتابُ المقدَّسُ أنَّ الدُّودَ صَارَ يَأكُلُهُ حَالاً وَماتَ لأنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ لله.
أمَّا نَبوخَذنَصَّر فَلَمْ يأكُلْهُ الدُّود؛ ولكِنَّ عِقابَهُ مَذكورٌ في الأصحاحِ الرَّابع. وَسَوفَ نَتحدَّثُ عن ذلكَ لاحِقًا. ولكِنَّهُ سَعَى إلى المَجد. وَيُمكِنُنا أن نَرى هُنا الصِّراعَ القَائِمَ في كُلِّ هذا الأصحاحِ بينَ عِبادَةِ اللهِ الحَقيقيِّ وَعِبادَةِ هَذا المَلِكِ الأنانِيِّ المُصابِ بِجُنونِ العَظَمَة.
والآن، أريدُ مِنكُم أن تَرَوْا هذا الخِيارَ بوضوحٍ في أذهانِكُم لأنَّهُ الخِيارُ الَّذي يَنبغي أن يَتَّخِذَهُ كُلُّ شَخص. فَإمَّا أنْ تَعبُدَ اللهَ وَإمَّا أنْ تَعبُدَ آلِهَةً زَائفة. وَعلى الرَّغمِ مِن كَوْنِنا مَسيحيِّينَ... اسمَعوني: قَد نَقَعُ في فَخِّ عِبادَةِ آلِهَةٍ زَائِفَة. أليسَ كذلك؟ فَقد يَحدُثُ هَذا لَنا. وَهَذا هُوَ مَا يُحَذِّرُنا مِنهُ هَذا الأصحاح. فَهذا يُشبِهُ الطِّفلَ الصَّغيرَ الَّذي قَالَ لأبيه: "أينَ سَتَضعونَ اللهَ يا أبي؟" فالسُّؤالُ نَفسُهُ يُطْرَحُ عَلينا. أينَ سَتَضَعونَ اللهَ؟
حسنًا! لِنَنظُر إلى بَقيَّةِ الاحتفالِ بِسُرعة في العَدَدَيْنِ الثَّاني والثَّالِث. فَهُما يَقولانِ الشَّيءَ نَفسَهُ: "ثُمَّ أَرْسَلَ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ" – وَهَذا أمرٌ مُضحِكٌ في الحَقيقة. وَسَوفَ أُريكُم السَّبَب: "ثُمَّ أَرْسَلَ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ لِيَجْمَعَ... [لاحِظُوا مَنِ الَّذينَ جَمَعَهُم هُنا]: "...الْمَرَازِبَةَ". وَهِيَ كَلِمَةٌ تُشيرُ حَرفيًّا إلى "الرُّؤساء". وَأعتقدُ أنَّهُ يَذكُرُهُم هُنا بِتَرتيبٍ تَنازُلِيٍّ حَسَبَ مَنْصِبِهم. وَقد كانَ المَرازِبَةُ هُمْ أعلى رُؤساءِ الوِلاياتِ في الإمبراطوريَّةِ البَابِليَّة. حَسَنًا؟ المَرازِبَة.
ثُمَّ إنَّهُ جَمَعَ "الشِّحَنَ وَالْوُلاَةَ". وَبِحَسَبِ أَدَقِّ المَعلوماتِ المُتوفِّرَةِ لَدينا، كَانَ هَؤلاءِ هُمْ حُكَّامٌ مِنَ المَرتبةِ الثَّانيةِ في الإمبراطُوريَّة. ويُمكِنُ القَولُ إنَّ المَرازِبَةَ كَانُوا يَحكُمونَ الوِلاياتِ، وَإنَّهُ كَانَتْ تُوجَدُ مُقاطَعاتٌ يَحكُمُها شِحَنٌ وَوُلاةٌ. ثُمَّ نَقرأُ أنَّهُ جَمَعَ "الْقُضَاةَ". وبالمُناسَبة، كانَ هُناكَ رُؤساءُ قُضاةٍ وَقُضاةٌ في كُلِّ الإمبراطوريَّةِ البَابليَّة. ثُمَّ إنَّهُ جَمَعَ "الْخَزَنَةَ" وَهُمْ أُمناءُ الخِزانَة. ثُمَّ إنَّهُ جَمَعَ "الْفُقَهَاءَ"؛ أيِ المُحامينَ الَّذينَ يُؤلِّفونَ مَجلِسَ النُّوَّابِ وَمَجلِسَ الشُّيوخِ، وَما إلى ذلك. ثُمَّ إنَّهُ جَمَعَ "الْمُفْتِينَ"؛ وَهُمْ أشخاصٌ نَعرِفُ تَمامًا مَنْ هُمْ. فَقد كَانُوا رِجالَ قَضاءٍ يُقيمونَ العَدْلَ في البِلاد.
لِذا، فقد جَمَعَ كُلَّ هَؤلاءِ الأشخاصِ، ثُمَّ نَقرأُ أخيرًا أنَّهُ جَمَعَ "كُلَّ حُكَّامِ الْوِلاَيَات". فَقد جَمَعَ كُلَّ الأشخاصِ المُهِمِّينَ "لِيَأْتُوا لِتَدْشِينِ التِّمْثَالِ الَّذِي نَصَبَهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ". فَقد كَانَ يُريدُ أنْ يَضْمَنَ وَلاءَ الجَميع. لِذا فقد أرادَ أن يَجْمَعَهُم جَميعًا هُناك. وَهكذا فقد جَاءُوا جَميعًا.
ثُمَّ انظُروا إلى مَا يَقولُهُ العَددُ الثَّالث. فَهذا مُدهشٌ جدًّا: "حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ الْمَرَازِبَةُ وَالشِّحَنُ وَالْوُلاَةُ وَالْقُضَاةُ وَالْخَزَنَةُ وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُفْتُونَ وَكُلُّ حُكَّامِ الْوِلاَيَاتِ لِتَدْشِينِ التِّمْثَالِ الَّذِي نَصَبَهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ، وَوَقَفُوا أَمَامَ التِّمْثَالِ الَّذِي نَصَبَهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ". والآن، لِماذا يُعيدُ النَّصُّ ذِكْرَ هَؤلاءِ جَميعًا؟
عندما جَاءَ اليُونانِيُّون وَراحُوا يَكتُبونَ النُّسخَةَ الَّتي تُعرَفُ بالسَّبعينيَّةِ، حَذَفُوا العَددَ الثَّالِثَ لأنَّهُم قَالوا: "مِنَ السُّخْفِ أن تُكَرِّرَ كُلَّ تلكَ الألقاب". فَالنَّصُّ يَقولُ في العَددِ الثَّاني أنَّهُ جَمَعَ "الْمَرَازِبَةَ وَالشِّحَنَ وَالْوُلاَةَ وَالْقُضَاةَ وَالْخَزَنَةَ وَالْفُقَهَاءَ وَالْمُفْتِينَ وَكُلّ حُكَّامِ الْوِلاَيَات". ثُمَّ إنَّ العَددَ الثَّالِثَ يَقولُ: "حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ الْمَرَازِبَةُ وَالشِّحَنُ وَالْوُلاَةُ وَالْقُضَاةُ وَالْخَزَنَةُ وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُفْتُونَ وَكُلُّ حُكَّامِ الْوِلاَيَات". أَلا يَجوزُ أن نَختَصِرَ ذلك؟ ألا يَجوزُ أن نَقولَ إنَّ جَميعَ مَنْ تَلَقَّوْا الدَّعوةَ جَاؤوا؟
أعتقدُ أنَّ هَذهِ النُّقطةَ دَقيقةٌ جدًّا... دَقيقةٌ جدًّا. فَالتَّكرارُ في العَددِ الثَّالثِ مُهِمٌّ جدًّا إلى حَدِّ الغَرابَةِ لأنَّهُ يُرينا انعِدامَ النَّزاهَةِ عِندَ جَميعِ القادَةِ في كُلِّ الإمبراطوريَّة. فَهُوَ يُعيدُ التَّذكيرَ بألقابِهِم الكَبيرةِ؛ ولكِنَّ أَحَدًا مِنهُم لم يَجرُؤ على الرَّفض. فَقد جَاؤوا جَميعًا. لَقد جَاؤوا جَميعًا. وَقد وَصَلُوا إلى ذلكَ المَكانِ، وَنَفَّذُوا بِدِقَّةٍ مَا أَمَرَهُم بِهِ نَبوخَذنَصَّر... جَميعُ هَؤلاءِ العُظَماء. وَكما تَرَوْنَ، إنَّها سُخرِيَة. فَجميعُ المَسؤولينَ، وَجَميعُ العَظَماءِ جَاؤوا. فَقد كَانَ لا بُدَّ مِن إذلالِهم جَميعًا. وَقد "وَقَفُوا..." [كَما جَاءَ في نِهايةِ العَددِ الثَّالثِ] "... أَمَامَ التِّمْثَالِ الَّذِي نَصَبَهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ".
هَا هُمْ جَميعُ المَسؤولينَ والحُكَّامِ والوُلاةِ يَجتَمِعونَ كالمُهَرِّجينَ لِيُصَفِّقوا مَعًا بذاتِ الطَّريقةِ بِلا أيَّةِ نَزاهَة، وَلا شَخصيَّة، وَلا أيِّ شَيء. فَقد نَفَّذُوا تَمامًا مَا أُمِرُوا بِه. إنْ قَالَ نَبوخَذنَصَّر إنَّهُ يَنبغي لنا أن نَسجُدَ لِلتِّمثالِ سَنَسجُدُ جَميعًا للتِّمثال يا رِفاق. فَينبغي لَنا أن نَحتَفِظَ بِوظائِفِنا.
ولكِنَّ الأمرَ لم يَكُن كذلكَ بالنِّسبةِ إلى فِئَةٍ مُعَيَّنة. وَسوفَ نَعرِفُ مَنْ هُم هَؤلاء، ولماذا فَعَلوا مَا فَعلوهُ، وَما الَّذي حَدَثَ بَعدَ ذلك في الأسبوعِ المُقبِل. دَعونا نُصَلِّي مَعًا:
فِيما تَحْنونَ رُؤوسَكُم قَليلاً، اسمَحُوا لي أن أُشارِكَ مَعَكُم فِكرةً أوِ اثنتَيْن. فَهذا أصحاحٌ مُدهِش. وَقدِ ابتدأنا في رُؤيةِ ذلك. وفي الأسبوعِ المُقبِلِ ستَكونُ الدِّراسَةُ مُمتِعَةً جدًّا. ولكِنَّ الوَقتَ قَد حَانَ في هذا المَساءِ لِكي نَفحَصَ قُلوبَنا. مَاذا تَعبُد؟ فعندما أقولُ لَكَ: "هَل يُوجَد صَنَمٌ في حَياتِكَ؟" مَا الَّذي تُفَكِّرُ فيه؟ وَما الَّذي يَخطُر بِبالِكَ حَالاً؟ رُبَّما كَانَ هَذا هُوَ ذلكَ الصَّنَم. بِماذا استَعَضْتَ عَنِ الله؟ وَأينَ وَضَعْتَ اللهَ؟
إن لم تَكُن مُؤمِنًا مَسيحيًّا، قَد تَكونُ هُناكَ كُلُّ أنواعِ الأصنامِ في حَياتِك. وَرُبَّما تَعيشُ حَياةً تُنكِرُ مَجدَ الله. ألاَ تُريدُ أن تَأتي إلى يَسوعَ المَسيحِ وَأن تَجعَلَهُ المُخَلِّصَ، وَأن تَعتَرِفَ بِهِ رَبًّا؟ ثُمَّ إنَّ الكَثيرينَ مِنكُم مُؤمِنونَ ويَعتَرِفونَ بأنَّ المَسيحَ رَبٌّ على حَياتِهُم. وَعلى الرَّغمِ مِن ذلكَ، قَد تَجِدُ أنَّكَ قَدْ حِدْتَ عَنِ الطَّريقِ القَويمِ مِثلَ ذلكَ النَّهرِ الَّذي لا يَتوقَّف. وَقد تَجِدُ أنَّكَ تَسيرُ في الاتِّجاهِ المَغلوطِ نَحوَ أصنامِ هَذا العَالَم. وَهذا وَقتٌ مُلائِمٌ لَكَ كي تَفتَحَ قَلبَكَ للرَّبِّ وتَعتَرِف لَهُ بوجودِ بِضعةِ أصنام.
وَقد تَحَدَّثنا عَنِ الكَثيرِ مِنها. أليسَ كذلك؟ فَقَد ذَكَرْناها بِصورةٍ عَامَّةٍ وَحَسْب. هَل فَحصتَ قَلبكَ؟ مَاذا عنِ المُمتلكاتِ، أوِ المَالِ، أوِ الكِبرياءِ، أوِ النَّاسِ، أوِ المُتعةِ، أوِ المَشاريعِ، أوِ الشُّهرة؟ هَل هُوَ التَّعليمُ، أوِ المَكانَةُ، أوِ الجِنسُ، أوِ المَال؟ مَا هُوَ؟ هَل هِيَ الهِوايَةُ، أوِ الرِّياضَةُ، أوِ التَّسلية؟ أيُّ شَيء؟ ولكِنَّ المَسيحَ... المَسيحَ وَحْدَهُ... يَنبغي أن يَكونَ المَلِك.
يَا أبانا، كَلِّمْ قُلوبَنا جَميعًا في هذا المَساء. وَليتَنا نَضَعُ كُلَّ آلِهَةِ هَذا العَالَمِ جَانِبًا، ونَتَخَلَّى عَنِ البُطْلِ، والآلِهَةِ الَّتي لا تَستطيعُ أن تَرُدَّ، بَل تُبعِدُنا وَحَسْب عن مَحَبَّتِكَ الحَقيقيَّةِ والطَّاهرةِ والأبديَّةِ لَنا. وَلَيْتَنا نَترُكُ كُلَّ تِلكَ الأصنامِ وَنَسجُدُ لَكَ أنتَ. فَأيًّا كَانتِ الآلِهَةُ المَوجودةُ في حَياتِنا، والَّتي تَأمُرُنا بِسُلطانِها وَسَطْوَتِها، أنْ نَسجُدَ لَها، لَيْتَنا لا نَفعل ذلك. وَلَيتَنا لا نَسْجُد مَعَ بَقِيَّةِ النُّخبةِ، والصَّفوةِ، وَالمُتَعَلِّمينَ، وَالعُظماءِ في الأرض؛ بَل لَيْتَنا نَفْعَل مَا فَعَلَهُ هَؤلاءِ الرِّجالُ العِبرانيِّونَ الثَّلاثةُ وَنَبقى رَاسِخينَ كَما يَنبغي أمامَ إلَهِنا القَديرِ، وَنَقِف دُونَ خَوفٍ دُونَ أن نَحني رُكْبَةً لِصَنَم.
أعْطِنا قُوَّةَ الشَّخصيَّةِ تِلكَ الَّتي نَراها في هؤلاءِ الرِّجالُ الثَّلاثَة. أعْطِنا، نَحنُ الَّذينَ نُسَمِّي اسْمَ المَسيحِ وَنَمْلِكُ قُوَّةَ وَحُضورَ الرُّوحِ، وَالَّذينَ نَمْلِكُ كُلَّ المَوارِدِ الَّتي كانُوا يَملِكونَها ورُبَّما أكثر، أعْطِنا أن نَقِفَ رَاسِخين. وَسَاعِدنا على ألاَّ نُساوِم – لا فقط ألاَّ نَأكُلَ مِن أطايِبِ المَلِكِ وَألاَّ نَشرَبَ مِنْ خَمْرِ مَشروبِه، بَل أيضًا ألاَّ نَسجُدَ لآلِهَةِ المَلِك. سَاعِدنا على أن نَبقى رَاسِخينَ، وَأن نَثْبُتَ في مَكانِنا دُونَ مُساوَمَةٍ، وَأنْ نُسَبِّحَكَ وَنُمَجِّدَك. نَشكُرُكَ باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
