سَوفَ نَتأمَّلُ في الأصحاحِ السَّادِسِ مِن سِفْرِ دانيال في هذا المَساء. ويا لَها مِن مُغامرةٍ رائعةٍ ومُدهشةٍ أنْ نَتأمَّلَ في هذا الأصحاح. وأنا أَشعُرُ بالألمِ غَالبًا عندما أَجِدُ نَفسي أمامَ هذهِ الأصحاحاتِ القَصَصِيَّة لأنّي مُضْطَرٌّ إلى تَجزَئَتِها والتَّأمُّلِ فيها على مَدى أسابيع عَديدة على الرَّغمِ مِن أنَّ القِصَّةَ رَائعةٌ جدًّا كَكُلّ وأرغبُ في التَّأمُّلِ فيها بِمُجملِها. لِذا، سَوفَ نَشُقُّ طَريقَنا بِسُرعَة في هذهِ الأجزاءِ مِن هذهِ القِصَّةِ العَظيمةِ في سِفْرِ دَانيال. وهذا هُوَ الجُزءُ الأخير. فَهذا الأصحاحُ السَّادِسُ يُنهي الجُزءَ التَّاريخيَّ القَصَصِيَّ. وَمِنَ الأصحاحِ السَّابِعِ فَصاعِدًا، نَكونُ قَد وَصَلنا إلى الحَقِّ النَّبَوِيِّ العَميقِ والمُدهِش. وَسَوفَ نَتحدَّثُ قَليلاً عن ذلكَ في يَومِ الرَّبِّ المُقبِل.
نَحنُ نَنظُرُ إلى الأصحاحِ السَّادسِ مِن سِفْرِ دَانيال؛ وَهُوَ الأصحاحُ الشَّهيرُ الَّذي نَجِدُ فيهِ أنَّ دَانيالَ يُطْرَحُ في جُبِّ الأُسود قَبلَ أنْ يُنْتَشَلَ مِنه. وَعلى سَبيلِ التَّمهيدِ، اسمَحُوا لي أن أقولَ مُلاحَظَتَيْنِ بشأنِ مَا سَنَتَعَلَّمُهُ مِن هذا النَّصّ. إنَّ الأُمَمَ تُولَدُ، وتَعيشُ، وتَموت. وَهِيَ تَصعَدُ وتَسقُطُ عَادَةً. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عندما تَدرُسونَ التَّاريخَ فإنَّكُم تُدْهَشونَ أكثر فأكثر حينَ تَرَوْنَ أنَّ الأُمَمَ تَزولُ بسُرعَة مِنَ المَشهَد. فَإنْ نَظرنا إلى إمبراطوريَّاتِ الحِثِّيِّينَ، وَالمِصريِّينَ، والأشورِيِّينَ، وأخيرًا البَابِلِيِّينَ؛ وهي الإمبراطوريَّةُ الَّتي تَوَلَّى فيها دانيالُ أوَّلاً مَنْصِبَ رَئيسَ الوُزراء. ثُمَّ جَاءَ بَعدَ ذلكَ الفُرْسُ، والمَادِيُّونَ والإغريقُ، والرُّومان. فَكُلُّ تِلكَ الإمبراطوريَّاتِ جَاءَتْ، وَكُلُّها مَضَتْ.
وفي قَارَّاتِنا في الجُزءِ الغَربِيِّ مِنَ الكُرةِ الأرضيَّةِ، نَجِدُ قِصَصًا تُحكَى عن حَضارةِ "مايان" (Mayan) العَظيمة، وَحَضارةِ "إنكا" (Inca) العَظيمة، وحَضارةِ "آزتيك" (Aztec) العَظيمَة؛ ولكِنَّنا لا نَجِدُ أيَّ بَقايا لها باستثناءِ القليلِ مِنَ الأدواتِ الَّتي تَكشِفُ عنها الحَفريَّاتُ الأثريَّة. فقد جَاءَتْ وَمَضَتْ.
وفي الأزمنةِ المُعاصرةِ، هُناكَ أشخاصٌ مِنكُم عَاشُوا عَظَمَةَ إنجلترا. ورُبَّما تَذكُرونَ عَظَمَةَ فَرنسا. ورُبَّما تَذكُرونَ عندما كانت إيطاليا قُوَّةً عَظيمةً في العالَمِ وَتُهَدِّدُ حَتَّى بالهَيمنةِ على أوروبَّا بقيادةِ مُوسوليني. ونحنُ نَتذكَّرُ ألمانيا وهِتلر بِفَلسَفَتِهِ الآرِيَّة حيثُ إنَّهُ ظَنَّ أنَّ بمقدورِهِ أن يَحتَلَّ العَالَم. وقد رأينا صُعودَ اليابان كَقُوَّةٍ عَسكريَّة. وَكانَتِ الصِّينٌ عَظيمَةً ذَاتَ يَوم. وَيَبدو أنَّ رُوسيا صَاعِدَةٌ اليَوم. ورُبَّما كانت هَيمَنةُ أمريكا آخِذَةً في الاضمِحلال.
فالأُمَمُ تَظهَرُ، والأُمَمُ تَختَفي. فَهِيَ تَأتي وَتَزول. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُخبرُنا في الأصحاحِ السَّابع عشر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل أنَّ أزمِنَةَ الأُمَمِ تَخضَعُ لسُلطانِ الله. وَما يَحدُثُ للأُمَمِ يَنْسَجِمُ تَمامًا مَعَ خُطَّةِ اللهِ المُعَدَّة مُسَبَّقًا للتَّاريخ. والشَّيءُ المُدهشُ بصورةٍ خَاصَّةٍ هُوَ أنَّ ظُهورَ الأُمَمِ وزَوالَها لا صِلَةَ لَهُ باستمرارِ وُجودِ شَعبِ الله.
وَلا يُمكنُنا أن نَتَخَيَّلَ حَدَثًا أعظمَ مِن ذَاكَ الَّذي حَدَثَ في الأصحاحِ الخَامِسِ مِن سِفْرِ دَانيال. فقد سَقَطَتْ بَابِل. فَمَعَ أنَّها كَانَت في أَوْجِ مَجْدِها، كَما هُوَ مُفْتَرَض، وَمَعَ أنَّها كانتِ الرَّأس الَّذي مِن ذَهَب، وَأنَّها كانت أعظمَ إمبراطوريَّةٍ عَرَفَتْها البَشريَّة، فإنَّ المَادِيِّينَ والفُرْسَ دَخَلُوا المَدينة. ومِن دُونِ أنْ يُحارِبوا، سَقَطَتِ الإمبراطوريَّة. ولكِنَّ الأمرَ المُدهِشَ بخصوصِها هُوَ أنَّها لم تَترُك أثرًا يُذكَر، أو حَتَّى إنَّها لم تَترُك أيَّ أثرٍ البتَّة في مَا فَعَلَهُ اللهُ بِشَعبِه لأنَّ دَانيال بَقِيَ مَوجودًا على الرَّغمِ مِن كُلِّ المَدِّ والجَزْرِ الَّذي شَهِدَتْهُما الأُمَم.
وإذْ نَأتي إلى الأصحاحِ السَّادسِ نَرى الإمبراطورِيَّةَ الثَّانيةَ في مَشْهَدِ الإمبراطوريَّاتِ الأربعِ الَّتي رَآها دَانيالُ في الأصحاحِ الثَّاني؛ وَهِيَ إمبراطوريَّة مَادي وَفارِس المُمَثَّلة في الحُلْمِ بِصَدْرٍ وَذِراعَيْنِ مِن فِضَّة. وعندما نَنظُرُ إلى تلكَ الإمبراطوريَّة لا نَرى دَانيال غَائِبًا، بَل نَرى دانيال حَاضِرًا بِقُوَّة. فَقد كَانَ رَئيسَ وُزَراءِ بَابِل. وَهُوَ سَيَكونُ أيضًا رَئيسَ وُزراءِ إمبراطوريَّة مَادي وَفارِس.
وَمِنَ المُدهِشِ في نَظري أن أُفَكِّرَ في ذلكَ لأنِّي أرى اليومَ في جَميعِ أنحاءِ أمريكا وَجميعِ أنحاءِ العَالَمِ انشغالاً في وَسَطِ مُؤمِنينَ كَثيرينَ بِحِفْظِ أُمَمٍ مُعَيَّنةٍ، وَحَتَّى بِحِفْظِ أُمَّتِنا. وَهُمْ يُحاولونَ بطريقةٍ غَريبةٍ أن يُسَاوُوا بينَ أمريكا والكَنيسة، أو بينَ أمريكا وَخُطَّةِ اللهِ؛ ولكِنَّ الأمرَ ليسَ كذلك. فالأُمَمُ تَأتي وَتَزولُ في حينِ أنَّ عَمَلَ اللهِ يَستَمِرّ. وَلا تُوجَد أُمَّةٌ مُهِمَّةٌ حَقًّا عندما تُقاسُ بِميزانِ الأبديَّةِ وَخُطَّةِ الله.
فعلى سَبيلِ المِثالِ، نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 40: 15: "هُوَذَا الأُمَمُ كَنُقْطَةٍ مِنْ دَلْوٍ، وَكَغُبَارِ الْمِيزَانِ تُحْسَبُ". وَهذهِ جُملةٌ مُدهشةٌ جدًّا. فالأُمَمُ كَنُقْطَةٍ في دَلْوٍ. والكلمةُ الوَحيدةُ الَّتي تَخطُرُ بِبالي الآنَ هِيَ: "تَافِهَة". فَهِيَ كَغُبارِ المِيزانِ؛ أيْ أنَّها لا تُؤثِّرُ في الوَزْنِ البَتَّة. فعندما يَزِنُ اللهُ تَاريخَ البَشريَّةِ فإنَّهُ لا يُقيمُ وَزْنًا للأُمَم. وعندما يَفيضُ اللهُ بِفَيضاناتِ خُطَّتِهِ الفِدائيَّةِ فإنَّ نُقطةً واحِدَةً مِنها لا قِيمةَ لها. فالأُمَمُ هِيَ مُجَرَّدُ نُقَط. وَهِيَ مُجَرَّدُ غُبار.
وإذا نَظَرْنا إلى مَا جاءَ في سِفْرِ إشَعْياء 40: 7-8 نَجِدُ أنَّهُ يُقارِنُ الأُمَمَ بالعُشبِ الَّذي يَذبُلُ وَيَيْبَسُ وَيَموت. وَعندما نُفَكِّرُ في نَمرود، وسَنْحاريب، ونَبوخَذنَصَّر، وَكُورَش، وَأَرْتَحْشَسْتَا، والإسكندَر، والقَياصِرة، والفَراعِنَة، ونابليون، وتشرشل، وموسوليني، وهتلر، وماو، وخروتشوف، ووقتِنا المُعاصِر، والقادَةِ والأُممِ الَّتي ظَهَرتْ وَمَضَتْ، نَرى أنَّ عَمَلَ اللهِ مُستَمِرّ.
وَفي سِفْرِ دَانيال 4: 17، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ تِلكَ الكلماتِ الرَّائعةِ الَّتي تَقول: "هذَا الأَمْرُ بِقَضَاءِ السَّاهِرِينَ، وَالْحُكْمُ بِكَلِمَةِ الْقُدُّوسِينَ، لِكَىْ تَعْلَمَ الأَحْيَاءُ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ، فَيُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ...".
فاللهُ يَسودُ في التَّاريخ. والأُمَمُ تَأتي وَتَمضي؛ وَهَذا لا يَستَثني أُمَّتَنا. ولكِنَّ خُطَّةَ اللهِ الفِدائِيَّةِ كَما تَظْهَرُ مِن خِلالِ شَعبِهِ سَتَستَمِرُّ حَسَبَ الجَدوَل. فَشَعبُ اللهِ يَستمرُّونَ في الوُجودِ على الرَّغمِ مِنَ المَدِّ والجَزْرِ الَّذي تَتَعَرَّضُ لَهُ الأُمَم. فَهُوَ يَستَمِرُّ. وَهَذا رَجاءٌ عَظيمٌ لَنا. وَنَحنُ نَرى ذلكَ في سِفْرِ دَانيال. فقد سَقَطَتْ بَابِل. والرَّأُسُ الَّذي مِن ذَهَبْ قَد سُحِق. وقد تَحَرَّكَتْ أزمِنَةُ الأُمَمِ إلى المَرحلةِ الثَّانيةِ؛ ولكِنَّ دَانيالَ مَا زَالَ مَوجودًا هُناكَ في المَكانِ الَّذي يُريدُهُ اللهُ أن يَكونَ فيه. واللهُ لا يُعَوَّقُ بسببِ قَراراتِ البَشَر.
وعندما تُفَكِّرونَ في حَقيقةِ أنَّ بَابِلَ سَقَطَتْ، سَتَجِدونَ أنَّ ذلكَ الأمرَ مُدهشٌ حَقًّا. وَكانَ نَبوخَذنَصَّر مُعتادًا، دُونَ أدنَى شَكٍّ، على حَفْرِ اسْمِهِ على كُلِّ حَجَرٍ يَضَعُهُ في بِناءِ بَابِل. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ أَحَدَ الكُتَّابِ قَالَ إنَّهم عَثَروا على آلافٍ مُؤلَّفَةٍ مِنَ الحِجارةِ الَّتي تَحْمِلُ اسْمَ نَبوخَذنَصَّر عليها إذْ إنَّهُ كَانَ يُحاوِلُ أن يَبني إمبراطوريَّةً خَالِدَة. وَهُناكَ حَجَرٌ مَحفوظٌ اليوم في المُتْحَفِ البِريطانِيِّ يَحْمِلُ صُورةَ نَبوخَذنَصَّر واسْمَهُ، وتُوجَدُ طَبْعَةُ قَدَمِ كَلْبٍ فَوقَ كِلَيهِما.
وَكذلكَ هِيَ حَالُ العَالَم. ولكِنَّ شَعبَ اللهِ وَخُطَّةَ اللهِ يَسْمُوانِ على ذلكَ كُلِّه. لِذا فإنَّنا نَرى دَانيال يَنجُو. وفي الأصحاحِ السَّادِسِ، نَجِدُهُ في وَسَطِ إمبراطورِيَّةِ مَادي وَفارِس.
والآن، لَقد أردتُ أنْ أَضَعَ كَلِماتٍ رَئيسيَّةً تُلَخِّصُ هَذا النَّصّ. وَسوفَ نَبتَدِئُ مِن بِدايةِ الأصحاحِ السَّادِس. وَهُوَ نَصٌّ سَرْدِيٌّ. لِذا، لا حَاجَةَ لَنا إلى صَرْفِ وَقْتٍ طَويلٍ على كُلِّ مَقطعٍ، بَل نُريدُ أن نَصِلَ إلى الذُّروةِ وَأنْ نَستَخلِصَ بِضعةَ تَطبيقاتٍ عَمليَّة. ولكِنَّنا سَنَستخدِمُ بِضْعَ كَلماتٍ رَئيسيَّة لمساعَدَتِنا على رَبْطِ الأحداثِ مَعًا في أثناءِ دِراسَتِنا.
الكلمةُ الأولى هِيَ: التَّرقِيَة... التَّرقِيَة. وَهِيَ كَلِمَة تُلَخِّصُ الأعدادَ 1-3: "حَسُنَ عِنْدَ دَارِيُّوسَ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ..." – والحَديثُ هُنا هُوَ عَن مَملكةِ مَادي وَفارِس. "...مِئَةً وَعِشْرِينَ مَرْزُبَانًا يَكُونُونَ عَلَى الْمَمْلَكَةِ كُلِّهَا. وَعَلَى هؤُلاَءِ ثَلاَثَةَ وُزَرَاءَ...". وبالمُناسَبَة، هَذا هُوَ المَكانُ الوَحيدُ في الكتابِ المقدَّسِ الَّذي تَرِدُ فيهِ الكلمة "وَزير" في النَّصِّ العِبريِّ [أوْ بالحَرِيِّ]: في النَّصِّ الآرامِيِّ. وَمِنَ الوَاضِحِ أنَّها كَلِمَة تُشيرُ إلى مَرْكِزٍ مَرمُوق.
إذًا فَقَدْ وَلَّى على هَؤلاءِ المَرَازِبَةِ المِئةِ والعِشرينَ، أو حُكَّامِ الأقاليمِ، ثَلاثَةَ وُزراءٍ يُؤدُّونَ إليهِم الحِسابَ. "أَحَدُهُمْ دَانِيآلُ، لِتُؤَدِّيَ الْمَرَازِبَةُ إِلَيْهِمِ الْحِسَابَ فَلاَ تُصِيبَ الْمَلِكَ خَسَارَةٌ. فَفَاقَ دَانِيآلُ هذَا عَلَى الْوُزَرَاءِ وَالْمَرَازِبَةِ، لأَنَّ فِيهِ رُوحًا فَاضِلَةً. وَفَكَّرَ الْمَلِكُ فِي أَنْ يُوَلِّيَهُ عَلَى الْمَمْلَكَةِ كُلِّهَا".
والآن، نَجِدُ هُنا التَرقِيَةَ. لاحِظُوا قَبلَ كُلِّ شَيءٍ أنَّنا نَلْتَقي دَارِيُّوس. وَدَارِيُّوس شَخصٌ مُحَيِّرٌ لأنَّنا لا نَجِدُ مُعْطَياتٍ خَارِجَ الكِتابِ المُقَدَّسِ تُخبِرُنا أيَّ شَيءٍ عَن دَارِيُّوس. وَحَتَّى إنَّنا لا نَعلَمُ مَن يَكون. وَلا يُمكِنُنا أن نَجِدَ أيَّ شَخصٍ في هذا الوقتِ مِنَ التَّاريخِ يُدعَى دَارِيُّوس! وَلا يَبدو أنَّهُ يُوجَدُ في أيِّ مَكانٍ في سِجِلاَّتِ المُلوكِ في ذلكَ الزَّمَنِ رَجُلٌ يُدعَى دَارِيُّوس.
ويَرى عَدَدٌ مِنَ المُؤرِّخينَ أنَّ دَارِيُّوس هُوَ اسْمٌ آخر لِمَلِكٍ يُدعَى "غوبارو" (Gubaru). وَغوبارو لم يَكُن في الحَقيقةِ مَلِكًا، بَل كَانَ شَخصًا عَيَّنَهُ كُورَش ليكونَ وَالِيًا لِولايةِ بَابِل. فَقد كانَ كُورَش هُوَ المَلِك العَظيمُ لِكُلِّ مَملَكةِ مَادي وَفارِس. وقَد عَيَّنَ "غوبارو" وَالِيًا على وِلايَةِ بَابِل. لِذا، هُناكَ مَن يَقولُ إنَّ الكلمة "دَارِيُّوس" هِيَ اسمٌ آخر لِغوبارو.
ولكِنَّ التَّفسيرَ الَّذي أُفَضِّلُهُ هُوَ أنَّ دَارِيُّوس هُوَ اسْمٌ آخر وَحَسْب لِكُورَش... أنَّهُ اسْمٌ آخرُ وَحَسْب لِكُورَش. وأعتقدُ أنَّ هَذا هُوَ أفضَل تَفسير. لماذا؟ لأنَّ الكلمة "دَارِيُّوس" لَقَب. فَهِيَ لَقَب. فَهِيَ مِثلَ كَلِمَة "فِرْعَوْن" أو "مَلِك" أو "قَيصَر". فَهِيَ لَقَب.
فَنحنُ نَجِدُ أنَّ الكلمة "دَارِيُّوس" على سَبيلِ المِثالِ مُستخدَمَة في نُقوشٍ في التَّنقيباتِ الأثريَّةِ المُختصَّة بِما لا يَقِلُّ عَن خَمسَةِ حُكَّامٍ مُختلِفينَ مِنْ حُكَّامِ الفُرْس. فَجميعُهم يُدعَى "دَارِيُّوس". لِذا، يَبدو أنَّهُ مِنَ الأفضلِ أن نَنظُرَ إلى هذهِ الكَلِمَةِ على أنَّها لَقَب. فَهِيَ لَقَبٌ للكَرامَةِ، ولَقَبٌ يَدُلُّ على الأهميَّة. لِذا، يُمكِنُنا أن نَفتَرِضَ أنَّها لَقَبٌ كَانَ يُطلَقُ على كُورَش. وَإذا نَظرتُم إلى الأصحاحِ السَّادِسِ والعَدد 28 قَد يُساعِدُكُم ذلكَ قَليلاً.
فَنحنُ نَقرأُ: "فَنَجَحَ دَانِيآلُ هذَا فِي مُلْكِ دَارِيُّوسَ". وَالحَقيقةُ هِيَ أنَّ النَّصَّ في اللُّغَةِ الآرامِيَّةِ يُمْكِنُ أنْ يُقرأَ هَكذا: "حَتَّى فِي مُلْكِ كُورَشَ الْفَارِسِيِّ". وَهُناكَ شُرَّاحٌ يُفَضِّلونَ تِلكَ القِراءَة أكثرَ مِن: "وَفي مُلْكِ كُورَشَ الْفَارِسِيِّ" بِمَعنى أنَّهُم يَجعلونَ الاسْمَيْنِ يُشيرانِ إلى الشَّخصِ نَفسِهِ قَائِلينَ: "حَتَّى في مُلْكِ كُورَش".
والآن، إذا رَجَعتُم إلى الأصحاحِ السَّادِسِ سَتَجِدونَ أنَّ دَارِيُّوس وَلَّى على المَملكةِ مِئةً وعِشرينَ مَرْزُبَانًا. ويَبدو لي أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذلكَ، لا بُدَّ أن يَكونَ في مَنصِبٍ أعلى مِنَ وُلاةِ الأقاليمِ في بَابِل. وَإنْ كَانَ قَد وَلَّى ثَلاثَةَ وُزراءٍ على كُلِّ المَملكة، لا بُدَّ أن يَكونَ شَخصًا مُهِمًّا جدًّا. لِذا، أعتقدُ أنَّهُ كانَ مَلِكَ مَادي وَفارِس المَعروف باسم "كُورَش"؛ ولكِنَّهُ كَانَ يُلَقَّبُ بِدارِيُّوس وَحَسْب. وَحَقيقةُ أنَّهُ وَلَّى مِئةً وعِشرينَ مَرْزُبَانًا تُشيرُ إلى أنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ على نِطاقٍ وَاسِعٍ يَفوقُ بَابِل نَفسَها؛ أيْ مَدينةَ أو وِلايَةَ بَابِل.
لِذا فإنَّنا نَلْتَقي هذا الرَّجُلَ "كُورَش" الَّذي كَانَ يُلَقَّبُ على الأرجَح بِدَارِيُّوس. وَهُوَ رَجُلٌ مُقْتَدِرٌ. وَهُوَ رَجُلٌ ذَكِيٌّ. وَهُوَ رَجُلٌ فَعَّالٌ مِن جِهَةِ التَّنظيمِ والتَّخطيط. وَهُوَ رَجُلٌ ذُو سُلطان، وَرَجُلٌ لم يُكَرِّس نَفسَهُ للهِ الحَقيقيَّ؛ أيْ لإلَهِ إسرائيل، بَل فَقَط لآلِهَتَهُ. ولكِنَّهُ رَجُلٌ كَانَ مُهْتَمًّا جدًّا بمعرفةِ إلَهِ دَانيال. وَهذا الاهتمامُ يَزدادُ كُلَّما قَرأنا المَزيدَ مِنَ الأصحاحِ السَّادِس.
والآن لاحِظُوا مَا يَقولُهُ النَّصُّ إذْ إنَّهُ عِندَما وَلَّى دَارِيُّوس المِئةَ والعِشرينَ مَرْزُبَانًا والوُزراءَ الثَّلاثةَ، نَقرأُ في العَددِ الثَّاني أنَّ دَانيالَ كَانَ الأوَّل. ورُبَّما تَقرأونَ أنَّهُ كَانَ "أَحَدَهُم". فَقد كَانَ دَانيالُ وَاحِدًا مِنهُم. أو رُبَّما تَقرأونَ الكلمة "الأوَّل" بِمَعنى أنَّهُ كَانَ أوَّلُ وَزيرٍ وَقَعَ عليهِ الاختيار، أو أنَّهُ كَانَ الأرفَعَ مَكانَةً. وهذا ليسَ أمرًا مُهِمًّا، بَل إنَّ الشَّيءَ المُهِمَّ هُوَ مَا جاءَ في العَددِ الثَّالثِ إذْ نَقرأُ أنَّ دَانيالَ "فَاقَ عَلَى الْوُزَرَاءِ وَالْمَرَازِبَة".
والكلمة "فَاقَ" في اللُّغَةِ الآرامِيَّةِ تُشيرُ إلى أنَّهُ كَانَ مُتَفَوِّقًا دَائِمًا على الآخرين. فَقد كَانَ، بِدونِ أدنَى شَكٍّ، أفضلَ رَجُلِ دَولَةٍ في كُلِّ إمبراطوريَّةِ مَادي وَفارِس، وَأفضلَ رَجُلِ دَولةٍ في الإمبراطوريَّةِ البَابليَّة، ورُبَّما كانَ أفضلَ رَجُلِ دَولةٍ مَشَى يَومًا على سَطْحِ الأرض.
وَسوفَ تُلاحِظونَ أنَّ العَددَ الثَّالِثَ يَقولُ: "لأَنَّ فِيهِ رُوحًا فَاضِلَةً". وَهَذا يُشيرُ حَقًّا إلى مَوقِفِهِ. ولا شَكَّ في أنَّ المَواقِفَ تَسودُ على أيِّ شَيءٍ نَفعلُهُ. وَهَذا شَيءٌ جَديرٌ بالمَدْحِ لأنَّهُ مَوقِفٌ سَليم. ولكِنَّ دَانيالَ كَانَ يَمْلِكُ مَا هُوَ أكثر مِن ذلك. فَقد كانَ يَتمتَّعُ بالخِبرة. وَما أعنيهِ بذلكَ هُوَ أنَّهُ عَاشَ في النِّظامِ الأخيرِ وَكانَ يَعمَلُ رَئيسًا للوُزراء. وَقد كَانَ يَمْتَلِكُ حِكمةً... حِكمَةً لا يَمتَلِكُها أيُّ شَخصٍ آخر.
وَكَانَ يَفهَمُ التَّاريخ. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ كانَ يَمْتَلِكُ قُدُراتٍ قِياديَّة رَفيعَة؛ لا سِيَّما إنْ كَانَ مَا تَمَكَّنَ مِنَ القيامِ بِهِ في حَياةِ الفِتيةِ الثَّلاثةِ في وَقتٍ سَابِقٍ مِن هذا السِّفرِ يُشيرُ إلى القُدوةِ الَّتي كَانَ عليها. وَقد كانَ يَمْتَلِكُ قُدُراتٍ إداريَّةٍ حَتَّى إنَّهُ تَسَلَّمَ مَسؤوليَّةً كَبيرةً وَواسِعَةَ النِّطاق. إلى جَانِبِ هَذا كُلِّه، كَانَ يَمْلِكُ قُدرةً على تَفسيرِ الأحلامِ والرُّؤى، وَإخبارِ الآخرينَ عَمَّا سيَحدُثُ في المُستقبل. وَهَذا شَيءٌ لا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ لَدى أيِّ مَلِك. فَيَا لَهُ مِن رَجُل!
وَقد وَضَعَهُ اللهُ في المَكانِ الَّذي أرادَ مِنهُ أن يَكونَ فيه. وَقَد سَمَحَ اللهُ لِدارِيُّوس أنْ يُمَيِّزَ قُدُراتِ دَانيال وَيَضَعَهُ في مَنْصِبٍ استراتيجيٍّ، وأنْ يَكونَ لَهُ نُفوذ.
وَالأمرُ المُدهِشُ هُوَ أنَّهُ في السَّنةِ الأولى لِكورَش، أو في السَّنةِ الأولى لِدارِيُّوس، أَصْدَرَ مَرسومًا يَسْمَحُ فيهِ لليهودِ بالعَودةِ إلى يَهوذا. إذًا فَقد أصدَرَ كُورَشُ مَرسومًا بعدَ انتهاءِ سَبعينَ سَنَة مِنَ السَّبيِ البَابِلِيِّ. فَقد أصدَرَ كُورَشُ مَرسومًا يَسْمَحُ بِعَودَتِهِ؛ أوْ بالحَرِيِّ: يَسمَحُ لليَهودِ بالعَودة. وأعتقدُ حَقًّا أنَّ دَانيال كَانَ الشَّخصَ الَّذي تَرَكَ فيهِ تَأثيرًا عَظيمًا إلى ذلكَ الحَدّ.
فأعتقدُ أنَّهُ بسببِ قُوَّةِ حَياةِ دَانيال، وبسببِ حِكمَةِ هَذا الرَّجُل، وبسببِ تَأثيرِ هَذا الرَّجُل، حَتَّى في السَّنةِ الأولى مِن حُكْمِ كُورَش، أيْ في نَحوِ سَنَةِ 538 أو 537 قَبلَ الميلاد، أَصدَرَ مَرسومًا يَسمَحُ فيهِ للشَّعبِ بالعَودة. وقد حَدَثَ ذلكَ قَبلَ حَادِثَةِ جُبِّ الأسودِ في السَّنةِ الأولى لِكُورَش.
لِذا فإنَّنا نَرى مَرَّةً أخرى دَانيال. ولكِنْ في هذهِ المَرَّة، عِوَضًا عَن أن نَنظُرَ إليهِ بِصِفَتِهِ الفَتَى اليَافِعَ، كَما فَعلنا في السَّابِق، سَوفَ نَراهُ بِصِفَتِهِ رَجُلاً مُسِنًّا. وإليكُم المُلاحَظَةَ التَّالية: في الأصحاحِ السَّادِسِ، كَانُ عُمْرُ دَانيال يُناهِزُ التِّسعين... يُناهِزُ التِّسعين. وَكانَ مَا يَزالُ رَجُلَ الله. وَكانَ مَا يَزالُ الشَّخصَ الَّذي اخْتارَهُ الله. وكانَ مَا يَزالُ الشَّخصَ الَّذي اختَارَهُ المَلِكُ ليكونَ رَئيسًا للوُزراء. وكما تَعلمونَ، فَإنَّ قُوَّةَ الحَياةِ الفَاضِلَةِ تَمْتَدُّ إلى سِنِّ الشَّيخوخَة.
يَتَحَدَّثُ الدُّكتور "كريسويل" (Dr. Criswell) مِنَ "الكنيسة المَعمدانيَّة الأولى في دَالاس" (First Baptist Dallas) عن "روبرت جي. لي" (Robert G. Lee) الَّذي كَانَ وَاعِظًا عَظيمًا في الجَنوب. وفي عِيدِ ميلادِ "روبرت جي. لي" الرَّابِع والثَّمانين، الَّذي صَادَفَ في الحادي عَشَر مِن شَهْرِ تشرين الثَّاني/نوفمبر سَنة 1970، وَجَّهَ إليهِ أحدُ الأشخاصِ السُّؤالَ التَّالي: "هَل سَتَستَمِرُّ في الوَعظِ يا دكتور لي؟" فَكانَ رَدُّهُ كَالتَّالي: "عندما يَكونُ هُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ جدًّا لم يَخلُصُوا بَعد، وعندما تَكونُ هُناكَ قُلوبٌ حَزينَةٌ تَحتاجُ إلى التَّعزية، وعندما يَكونُ هُناكَ شُبَّانٌ كَثيرونَ جدًّا يُهدِرونَ حَياتَهُم على أشياءٍ غَبِيَّةٍ وَعلى مُتَعٍ جَسديَّة، وعندما تَكونُ هُناكَ شُرورٌ كَثيرَةٌ جدًّا يَنبغي الاحتِجاجُ عليها، وعندما يَكونُ هُناكَ أشخاصٌ مُسِنُّونَ كَثيرونَ يَشعرونَ بالوَحْدَةِ عِنْدَ مَغيبِ الشَّمس، وَعِندَما أكونُ في سَنَة 1910، في يَومِ رِسامَتي، قَد تَزَوَّجْتُ الوَعْظَ وَتَعَهَّدْتُ بأنْ أَعِظَ إلى أنْ يُفَرِّقَنا المَوت، لِمَ لا أستَمِرُّ وَأنا في الخَامِسَةِ والثَّمانينَ مِن عُمري في الوَعظ؟"
وَقد ذَكَرَ الدُّكتور "لي" إحصائِيَّاتٍ تُدَعِّمُ كَلامَهُ. وبالمُناسَبَة، يَجِبُ أن يَعمَلَ هَذا الكَلامُ على مُبارَكَةِ وَتَشجيعِ أيِّ شَخصٍ مِنكُم في سِنِّ التِّسعين أوِ الثَّمانين. إليكُم مَا قَالَهُ: "لَقَد أَجْرى ’نيومان دارلان‘ (Newman Darlan)، وَهُوَ بَاحِثٌ جَديرٌ بالثِّقة، أَجرى تَحليلاً لِحَياةِ وإنجازاتِ أربعمئةٍ مِنَ الشَّخصيَّاتِ البَارِزَةِ في التَّاريخ. وَقد أَظْهَرَ التَّحليلُ أنَّ نَحوَ 80% مِن أعظمِ الشَّخصيَّاتِ خَتَمَتْ حَياتَها النَّشِطَةَ مَا بينَ سِنِّ الثَّامنةِ والخَمسين والثَّمانين. وقدِ استَمَرَّ خَمسةٌ وعِشرونَ بالمِئَة مِنهُم إلى مَا بَعدَ السَّبعين، واستَمَرَّ اثنان وعِشرونَ وَنِصف بالمِئة مِنهُم إلى مَا بَعدَ الثَّمانين، واستَمَرَّ سِتَّة بالمِئَة مِنهُم إلى مَا بَعدَ التِّسعين. انظُروا إلى مَا فَعَلَهُ الأشخاصُ الَّذينَ استَمَرُّوا إلى مَا بَعدَ سِنِّ الثَّمانين.
"ففي سِنِّ الثَّالِثَة والثَّمانين، صَارَ ’غلادستون‘ (Gladstone) للمَرَّةِ الرَّابعةِ رَئيسَ وُزراء بريطانيا العُظمَى. وفي سِنِّ التَّاسِعَةِ والثَّمانين، رَسَمَ ’مايكل آنجلو‘ (Michelangelo) لَوْحَتَهُ المَعروفة باسم ’الدَّينونَةُ الأخيرة‘ (Last Judgement)، الَّتي رُبَّما كَانَت أشْهَرَ لَوحَةٍ مُنفردةٍ في العَالَم. وَقد وَعَظَ ’جون ويسلي‘ (John Wesley) بِفَصاحَةٍ لا يُضاهيهِ فيها أحَد وَهُوَ في سِنِّ الثَّامِنَةِ والثَّمانين، وَخَتَمَ في تِلكَ السِّنِّ المُتَقَدِّمَةِ أعظَمَ مِهْنَةٍ في زَمانِهِ، وَسافَرَ رُبْعَ مَليون مِيل في عَصْرٍ لم يَعرِفِ الكَهرُباء وَلا المَراجِل البُخارِيَّة، وَقَدَّمَ نَحوَ أربعةِ آلافِ عِظَة، وَكَتَبَ مُجَلَّداتٍ وَمُجَلَّداتٍ.
"وَكانَ ’إديسون‘ (Edison) مُستمرًّا في الاختراعِ في سِنِّ التِّسعين. وَكانَ ’رايت‘ (Wright) في سِنِّ التِّسعين مُهَندِسًا مِعماريًّا مُبْدِعًا. وَكانَ ’شُو‘ (Shaw) يَكتُبُ المَسرَحِيَّاتِ في سِنِّ التِّسعين. وَكانَت ’غراندما موزيز‘ (Grandma Moses) تَرسُمُ في سِنِّ الثَّمانين. وَكانَ ’جيه. سي. بيني‘ (J.C. Penny)، المُؤمِنُ العَظيم، يَعمَلُ بِجِدٍّ واجِتهادٍ وَراءَ مَكتَبِهِ وَهُوَ في سِنِّ الخَامِسَةِ والتِّسعين".
وَنَحنُ نَقول: "أوه! أنا في سِنِّ الخَامِسَةِ والخَمسين. يَنبغي أن أَتَقاعَد". وَنَحنُ نَتَخَلَّى عَنْ غِنَى العُمْر... عَن غِنَى العُمْر. ولكِنَّ دَانيال كَانَ يُناهِزُ التِّسعين، وَكانَ رَجُلَ الله. وَقد وَضَعَهُ اللهُ في المَكانِ الَّذي أرادَ مِنهُ أن يَكونَ فيه. ولم تَكُن بِمَقدورِ سِياسَةِ مَادي وَفارِس أن تَحُوْلَ دُونَ ذلك.
أمَّا الكلمةُ الثَّانيةُ... فَقد قُلنا إنَّ الكلمةَ الأولى هِيَ: "التَّرقِيَة". أمَّا الكلمةُ الثَّانيةُ فَهِيَ: "المُؤامَرَة" في الأعداد 4-9. فعندما يَرفَعُ اللهُ إنسانًا إلى مَرتَبَةٍ عَالِيَةٍ فإنَّهُ يُواجِهُ مَصاعِبَ جَمَّة. فَهُناكَ دَائِمًا ثَمَنٌ يَنبغي أن يُدفَع. فَلا يُوجَدُ صُعودٌ، وَلا يُوجَدُ نَجاحٌ، وَلا تُوجَدُ شُهرةٌ لم يُدفَع ثَمَنُها بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنَ العُبوديَّة. فالإنسانُ الَّذي يَنجَحُ هُوَ ذَاكَ الَّذي يَعمَلُ، ويَكْدَحُ، وَيَتعَبُ. فَهُوَ أَسيرٌ.
فإنْ كَانَ مُوسيقِيًّا، لا بُدَّ أنْ يَكونَ أَسيرَ آلَةِ البيانو. وَإنْ كَانَ رَسَّامًا، لا بُدَّ أنْ يَكونَ أَسيرَ لَوْحِ الرَّسْم. وَإنْ كَانَ وَاعِظًا، لا بُدَّ أن يَكونَ أَسيرَ كُتُبِهِ وَصَلواتِه. وَإنْ كَانَ كَاتِبًا، لا بُدَّ أنْ يَكونَ أَسيرَ مَخطُوطَاتِه. وَإنْ كَانَ شَاعِرًا، لا بُدَّ أن يَكونَ أَسيرَ أشعارِه. وَإنْ كَانَ طَبيبًا، لا بُدَّ أن يَكونَ أَسيرَ مَرضَاه وَكُتُبِه. وَإنْ كَانَ لاهُوتِيًّا، لا بُدَّ أنْ يَكونَ أَسيرَ دِراسَتِه. فأيُّ شَخصٍ وكُلُّ شَخصٍ مُتَفَوِّقٍ هُوَ أسير. لِذا، هُناكَ ثَمَنٌ لا بُدَّ أنْ يُدفَع. فَهُوَ أسيرُ العَمَلِ الَّذي يَقومُ بِه. وَهُوَ يَسكُبُ حَياتَهُ فيه.
ولكِن يُوجَد ثَمَنٌ آخر يَنبغي للمَرءِ أن يَدْفَعَهُ لكي يَحصُلَ على بَرَكَةِ الله. وَالحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ عِندَما تَصِلُ إلى ذلكَ المَنصِبِ، سَتَجِدُ أنَّكَ مُحاطٌ وَمُحاصَرٌ وَمُراقَبٌ مِنْ قِبَلِ أشخاصٍ حَسُودين. فهذا هُوَ الوَاقِع. فَنَحنُ نَرى ذلكَ في رِسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الأوَّل. أليسَ كذلك؟ فعندما كانَ بولسُ مَسجُونًا، كَانَ هُناكَ أشخاصٌ يُضيفونَ ضِيْقًا إلى قُيودِهِ لأنَّهُم كَانُوا يَقولونَ أشياءَ شِرِّيرة عَن خِدمَتِه. فَقد أرادوا أن يَجعَلوهُ يَشعُر بمشاعِر أسوأ مِن تلكَ الَّتي كانَ يَشعُر بها لِكَونِهِ مَسجونًا. وَقد كَانُوا يَكرِزونَ بالمسيحِ عَنْ تَحَزُّبٍ ويَخدِمونَ خِدمَةً سَلبيَّةً ضِدَّ بُولُس.
وَمِنَ المُدهِشِ أنَّهُ عندما يَرفَعُ اللهُ شَخصًا فإنَّ قُلوبَ أُناسٍ آخرينَ تَضْطَرِمُ غَضَبًا، وَغَيْرَةً، وَمَرارَةً على الرَّغمِ مِن أنَّ ذلكَ الشَّخصَ لم يُؤذِهِم في شَيءٍ ولم يَجرَحهُم في شَيء. فكيفَ يُعقَلُ أن يَكرَهَ أيُّ شَخصٍ دَانيال؟ وَكيفَ يُعقَلُ أن يَحتَقِرَ إنسانٌ هَذا الرَّجُل؟ وسوفَ أطرَحُ عَليكُم سُؤالاً أصعَب: كَيفَ يُعقَلُ أن يَصلُبَ أيُّ شَخصٍ يَسوعَ المَسيح؟ ولكِنَّهُم فَعَلوا ذلك.
في لُندُن، في الفترةِ الَّتي كَانَ فيها "تشارلز سبيرجن" (Charles Spurgeon) وَاعِظًا شَابًّا، كَانَ يُوجَدُ وَاعِظٌ مُسِنٌّ كَانَ قَد مَضَى عَلى وُجودِهِ في المَدينةِ جِيْلٌ كَامِل. وقد صَرَفَ سَنَواتٍ طَويلةً في الكَدِّ والتَّعَبِ بأمانَةٍ في خِدمَتِه. ثُمَّ جَاءَ "تشارلز هادُّون سبيرجن" (Charles Haddon Spurgeon) المُلْتَهِبُ حَماسَةً، والجَذَّابُ، والشَّابُّ، والدِّيناميكيُّ الَّذي وَصَلَ إلى لُندُن عندما كانَ في سِنِّ العِشرين. وحَالَ وُصولهِ؛ وأنا لا أعني بعدَ سَنة أو سَنَتَيْنِ أو ثَلاث سِنين، بَل حَالَ وُصولِهِ تَرَكَ تَأثيرًا هَائلاً حَتَّى إنَّ النَّاسَ ابتدأوا يَهْرَعُونَ لِسَماعِ عِظاتِ سبيرجن. فَقد كَانَ يُشبِهُ نَجْمًا ظَهَرَ في السَّماء وَيَلمَع.
وَقد قَالَ الخَادِمُ المُسِنُّ إنَّهُ عندما ابتدأَ النَّاسُ يَحْتَشِدونَ حَولَ الواعِظِ الشَّابِّ، ابتدأَ الحَسَدُ والغَيْرَةُ يَدخُلانِ قَلبي وَيَأكُلاني... فَقد كَانَا يَنْهَشَاني. فَقد كَانَ وَاعِظًا مَشهورًا في لُندَن؛ ولكِنَّ النَّاسَ يَستمعونَ إلى سبيرجن. وَقد قَالَ الواعِظُ المُسِنُّ إنَّهُ جَثَا على رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ إلى اللهِ، وَقالَ للرَّبِّ كُلَّ شَيءٍ عَن مَشاعِرِه. ثُمَّ قالَ إنَّ الرَّبَّ وَضَعَ في قَلبِهِ تَسبيحًا وشَفاعَةً وَتَضَرُّعًا لأجلِ الواعِظِ الشَّابِّ سبيرجن. وَقد قالَ، وَأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ هُنا: "ثُمَّ جَاءَ يَومٌ، بعدَ أن صَلَّيْتُ وَأخبرتُ اللهَ عَن مَشاعِري، صِرْتُ أشعُرُ فيهِ بعدَ كُلِّ نُصْرَةٍ يُحَقِّقُها سبيرجن أنَّها نُصْرَةٌ حَقَّقْتُها أنا". فَقَد أعطاهُ اللهُ نُصرةً.
ولكِنَّ هَذا لا يَحدُثُ دَائِمًا. لِنَنظُر إلى نَقيضِ ذلكَ فيما نَنظُرُ إلى العَددِ الرَّابع: "ثُمَّ إِنَّ الْوُزَرَاءَ وَالْمَرَازِبَةَ كَانُوا يَطْلُبُونَ عِلَّةً يَجِدُونَهَا عَلَى دَانِيآلَ مِنْ جِهَةِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَجِدُوا عِلَّةً وَلاَ ذَنْبًا، لأَنَّهُ كَانَ أَمِينًا وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ خَطَأٌ وَلاَ ذَنْبٌ". فَلم يَكُن يُوجَدُ في دانيال خَطَأٌ. ولم يَكُن يُوجَدُ فيهِ ذَنْبٌ. ولم تَكُن تُوجَدُ طَريقَةٌ لإدانَةِ هَذا الرَّجُل.
والآن، عِندَما يَكونُ هُناكَ شَخصٌ في سِنِّ التِّسعين، ويَكونُ جَميعُ السِّياسِيِّينَ مِن حَولِهِ يَبحَثونَ جَاهِدينَ على عِلَّةٍ عَليهِ دُونَ جَدوى، لا بُدَّ أنْ يَكونَ رَجُلاً نَزيهًا. فَهُوَ يَتمتَّعُ بِنَزاهَةٍ عَظيمَة، وَصِدْقٍ عَظيم، وَطَهارَةٍ عَظيمة، وَنُبْلٍ عَظيم. فَهُم لم يَجِدُوا فيهِ ذَنْبًا ("شَاهيتاه" – "shechath") ومَعناها: "فَسَاد". فَهُم لم يَجِدُوا فيهِ فَسادًا. وَلا "خَطأً" ("شالو" – "shalo") ومَعناها: "إهمالاً". بعبارةٍ أخرى، إنَّ الكلمة "ذَنْب" تُشيرُ إلى خَطايا الإقْدامِ، والكلمة "خطأ" تُشيرُ إلى خَطايا الإحْجام. فَهُم لم يَجِدوا شَيئًا أَقْدَمَ عَليهِ ولم يَكُن يَنبغي لَهُ أن يُقْدِمَ على فِعْلِه، ولم يَجِدُوا أنَّهُ أَحْجَمَ عَنْ فِعْلِ شَيءٍ كَانَ يَنبغي لَهُ أن يَفعلَهُ. يَا لَهُ مِن رَجُلٍ بَارٍّ! فَهُمْ لَم يَجِدُوا عَليهِ عِلَّةً.
ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الخَامِس: "فَقَالَ هؤُلاَءِ الرِّجَالُ: «لاَ نَجِدُ عَلَى دَانِيآلَ هذَا عِلَّةً إِلاَّ أَنْ نَجِدَهَا مِنْ جِهَةِ شَرِيعَةِ إِلهِهِ»". والآن، يا أحبَّائي، كنتُ أتَمَنَّى أن يكونَ لَدينا وَقتٌ كَافٍ للتَّحدُّثِ عَن تلكَ الآية. فعندما يَعجَزُ الآخرونَ عَنِ العُثورِ على أيِّ شَيءٍ ضِدَّكُم سِوى أنَّكُم أُمَناء تُجاهَ إلَهِكُم، اعْلَمُوا أنَّكُم تُطَبِّقونَ مَبدأَ العهدِ الجَديدِ الَّذي يُوْصيكُم بأنْ تَتألَّمُوا مِن أجلِ البِرّ. والشَّيءُ الوَحيدُ الَّذي فَكَّرُوا فيهِ هُوَ أنْ يَتَّهِمُوهُ بأنَّهُ مُكَرَّسٌ تَمامًا لإلَهِه. ويا لَها مِن تَزْكِيَة! فَقد أخفَقُوا في العُثورِ على أيَّةِ عِلَّةٍ عَليه. فلو وُجِدَتْ عِلَّةٌ فيهِ لَعَثَروا عليها؛ ولكنَّهُم لم يَتَمَكَّنُوا مِن ذلك.
ونُقرأُ في العَددِ السَّادس: "حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ هؤُلاَءِ الْوُزَرَاءُ وَالْمَرَازِبَةُ عِنْدَ الْمَلِكِ وَقَالُوا لَهُ هكَذَا: «أَيُّهَا الْمَلِكُ دَارِيُوسُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ!" وَهَذِهِ عِبارَةٌ مَألوفَة. ففي كُلِّ مَرَّةٍ تَدخُلُ فيها إلى المَلِكِ يَجِبُ عليكَ أن تَقولَ لَهُ ذلك. وَحَتَّى إنَّ دَانيال قَالَ ذلكَ عندما كَانَ في جُبِّ الأُسود. وَقد تَوَسَّعْنا في المَوضوعِ قَليلاً؛ ولكِنْ عَلى أيَّةِ حَال، نَقرأُ في العَددِ السَّابِع: "إِنَّ جَمِيعَ وُزَرَاءِ الْمَمْلَكَةِ وَالشِّحَنِ وَالْمَرَازِبَةِ وَالْمُشِيرِينَ وَالْوُلاَةِ قَدْ تَشَاوَرُوا...". والآن، هَذا تَهويلٌ صِرْفٌ لأنَّهُ كَلامٌ فَارِغ. فَقد كانَت هُناكَ مَجموعَةٌ مِنهُم هِيَ الَّتي تَآمَرَتْ. فَهُمْ لم يَتَّفِقُوا جَميعًا، بل إنَّهُم جَمَعُوا كُلَّ هَؤلاءِ الأشخاصِ، وَأثارُوا الرُّعْبَ بَينَهُم، وتَشاوَرُوا جَميعًا [كَما قَالوا] "...عَلَى أَنْ يَضَعُوا أَمْرًا مَلَكِيًّا وَيُشَدِّدُوا نَهْيًا، بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ طِلْبَةً حَتَّى ثَلاَثِينَ يَوْمًا مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ إِلاَّ مِنْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، يُطْرَحُ فِي جُبِّ الأُسُود".
هَلْ سَمِعتُم عَنِ المَرأةِ الَّتي صَارَتْ مَلِكَةً لِيَومٍ وَاحِدٍ فقط؟ وَها نَحنُ أمامَ مَلِكٍ سَيَصيرُ إلَهًا مُدَّةَ ثَلاثينَ يَومًا فقط. نَحنُ نُريدُ أن نَجْعَلَكَ إلهًا ثَلاثينَ يَومًا. والآن، عندما يُمْكِنُ انتِخابُكَ لِتَكونَ إلَهًا، اعْلَمْ أنَّ هُناكَ عِلَّةً مَا. وعندما تَصيرُ إلَهًا ثَلاثينَ يَومًا فقط، اعْلَمْ أنَّ هُناكَ عِلَّةً أكبَر. ولكِنَّهُم جَاءُوا وقالوا: "إِنَّ جَمِيعَ وُزَرَاءِ الْمَمْلَكَةِ وَالشِّحَنِ وَالْمَرَازِبَةِ وَالْمُشِيرِينَ وَالْوُلاَةِ قَدْ تَشَاوَرُوا عَلَى أَنْ يَضَعُوا أَمْرًا مَلَكِيًّا. فأنتَ رَائِعٌ جدًّا. وأنتَ جَديرٌ بأن تَكونَ طَوالَ ثَلاثينَ يَومًا إلَهًا. وسوفَ نَمنَحُكَ هَذا الامتياز. وَنحنُ نُريدُ أنْ نُصْدِرَ مَرْسُومَا يَقْضِي بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ طِلْبَةً حَتَّى ثَلاَثِينَ يَوْمًا مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ إِلاَّ مِنْكَ، يُطْرَحُ فِي جُبِّ الأُسُود.
وَمِنَ المُدهِشِ هُنا أنَّهُ إذا نَظرتُم إلى العَددِ السَّادِسِ سَتَجدونَ أنَّ هَؤلاءِ "اجتَمَعُوا". وَهَذا فِعْلٌ مُدهِشٌ جدًّا في اللُّغَةِ الآرامِيَّة. فَهُوَ يَعني أنَّهُم "جَاءُوا بِعَجَلَةٍ وَصَخَب. فَقد جَاءوا كَعِصابَة. فَقد كَانُوا مَجموعَةً مِنَ الرَّعاع. فَقد كَانُوا في حَالَةِ هَياجٍ وَصَخَبٍ عندما جَاءوا. وَهذا فِعْلٌ قَوِيٌّ جدًّا، ويُشيرُ إلى أنَّ مَجموعَةً مِن هَؤلاءِ هِيَ الَّتي دَبَّرَتْ هَذِهِ المَكيدة. ولكنْ لا صِحَّةَ لِما قَالوهُ بأنَّ الجَميعَ وَافَقَ على ذلك لأنَّ دانيال كَانَ القائِدَ وَلم يُوافِق. وَأنا مُتَيَقِّنٌ حَتَّى مِن أنَّهُم لم يَستَشيروه.
لِذا فقد جَاؤوا وَحَبَكُوا كِذْبَتَهُم. وعندما قَالوا إنَّ جَميعَ الوُزَراءِ اتَّفَقوا لم يَكُن هَذا صَحيحًا. فقد كَانَ هُناكَ شَخصٌ مِنهُم لم يُوافِق، ولم يَكُن يَعلَمُ حَتَّى بِذلك على الأرجَح. لِذا فقد قَالوا: نُريدُ أن نُصْدِرَ أَمْرًا مَلَكِيًّا وَأنْ نُشَدِّدَ نَهْيًا. وبالمُناسَبة، إنَّ الاستِخدامَ المُزدَوَجَ في العِبارَةِ "أنْ نَضَعَ أمرًا مَلَكِيًّا وَنُشَدِّدَ نَهْيًا" يُرينا مَدى إصرارِهم وَتَصميمِهم على ذلك: أيْ أنَّهُ لا يَجوزُ لأيِّ شَخصٍ أن يَطْلُبَ طِلْبَةً مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ إِلاَّ مِنْكَ حَتَّى ثَلاَثِينَ يَوْمًا.
وبالمُناسَبة، مِنَ المَعلومِ في تِلكَ الأيَّامِ أنَّ دِيانَتَهُم كَانَتْ تَصْنَعُ آلِهَةً تُشْبِهُ البَشَر. وَقد كانت آلِهَتُهُم مُعَرَّضَة للخطأِ على غِرارِ البَشَر. بِعبارةٍ أخرى، لَقد شَكَّلُوا اللهَ عَلى صُورَتِهم. لِذا فقد كانَت آلِهَتُهُم مُعَرَّضَة للخَطأ. لِذلك، إنْ قُلنا إنَّ إنسانًا يَستطيعُ أن يَكونَ إلهًا فإنَّهُ أمرٌ سَخيفٌ جدًّا في نَظَرِنا لأنَّ اللهَ قُدُّوسٌ وَبَارٌّ وَكامِلٌ وَلا تُوجَدُ فيهِ أيٌّ مِن نَقائِصِ البَشَر.
أمَّا مِن وُجهَةِ نَظَرِهم، لم تَكُن هُناكَ مُشكلة. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ إن دَرَسْنا التَّاريخَ بِعنايَة، سَنَجِدُ أنَّ المِصريِّينَ كَانُوا يُؤمِنونَ بأنَّ الفَراعِنَةَ آلِهَة. وَكانَ الرُّومانُ يُؤمِنونَ بأنَّ القَياصِرَةَ آلِهَة. وَكانَ النَّاسُ يُؤمِنونَ بأنَّ البَطالِمَةَ آلِهَة. وَهُناكَ مَا يُشيرُ إلى أنَّ السَّلوقِيِّينَ ادَّعُوا أنَّهُم آلِهَة. وَحَتَّى إنَّ هِيرودُس (إذا كُنتُم تَذكُرونَ مَا جَاءَ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل) تَظاهَرَ بأنَّهُ الله. لِذا لم يَكُن مِنَ المُستغرَبِ أن يَفعلَ المُلوكُ ذلك.
وَقد شَعَرَ دَارِيُّوس بالإطراء. ومَا أعنيه هُوَ أنَّهُ عندَما يَأتي السِّياسِيُّونَ ويَقولونَ إنَّهُم يُريدونَ أن يَفعلوا ذلكَ الشَّيءَ مِن أجلِك، مِنَ الصَّعبِ عَليكَ أن تُقاوِمَ ذلك. لِذا، لم يُفَكِّر دَارِيُّوس في الأمر. فَقَدْ رَاقَتْ لَهُ الفِكرة. ثُمَّ نَقرأُ في العَددِ الثَّامِن: "فَثَبِّتِ الآنَ النَّهْيَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَأَمْضِ الْكِتَابَةَ لِكَيْ لاَ تَتَغَيَّرَ كَشَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ الَّتِي لاَ تُنْسَخُ".
والآن، نَحنُ لا نَعرِفُ الكَثيرَ عَن شَريعَةِ مَادي وَفارِس؛ ولكِنَّنا نَعرِفُ أنَّهُ حَالَما تُصْدِرُ مَرسومًا، لا يُمكِنُكَ أن تُلغيه. فَقد كَانَ هَذا هُوَ مَا يَنُصُّ عَليهِ نِظامُهم. وَتُشيرُ أغلبيَّةُ الدِّراساتِ إلى أنَّ السَّببَ في قِيامِهِم بذلكَ هُوَ أن يَمنَعُوا إصدارَ قَوانين عَشوائيَّة. لِذا، حَالَ صُدورِ قَانون فإنَّهُ يَصيرُ مُلْزِمًا. لِذلك، كَانُوا حَريصينَ جدًّا في إصدارِ قَوانينِهم.
ولكِنْ عندما جَاءَ هؤلاءِ الأشخاصُ وَأصَابوا هَذا المَلِكَ في نُقطَةِ ضُعفِه مِن خِلالِ الإطراءِ عَليه، تَجاوَبَ مَعَهُم. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ التَّاسِع: "لأَجْلِ ذلِكَ أَمْضَى الْمَلِكُ دَارِيُوسُ الْكِتَابَةَ وَالنَّهْيَ". وَهَكذا، صَدَرَ القَانون. فإنْ طَلَبْتَ طِلْبَةً مِن أيِّ إلَهٍ آخر سِوى هَذا الإلَه، سَتُطرَحُ في جُبِّ الأُسود.
لِذا، لَقد رأينا التَّرقِيَةَ والمَكيدَة. وَهُناكَ كلمةٌ أخرى وَهِيَ: "المُثابَرة" في العَددِ العَاشِر. المُثابَرَة. وهذهِ الكلمة تُشيرُ إلى دَانيال. وأريدُ مِنكُم أن تَعلَمُوا مَاذا فَعَل: "فَلَمَّا عَلِمَ دَانِيآلُ بِإِمْضَاءِ الْكِتَابَةِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكُواهُ مَفْتُوحَةٌ فِي عُلِّيَّتِهِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَصَلَّى وَحَمَدَ قُدَّامَ إِلهِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذلِكَ". وَأنا أُحِبُّ ذلك.
"فَاجْتَمَعَ حِينَئِذٍ هؤُلاَءِ الرِّجَالُ فَوَجَدُوا دَانِيآلَ يَطْلُبُ وَيَتَضَرَّعُ قُدَّامَ إِلهِهِ". وَيَجِبُ أن تَعلَموا أنَّ مَا أراهُ هُنا هُوَ مُثابَرَة. فَقد سَنُّوا قَانونًا. وقَد ذَهَبَ دَانيالُ إلى بَيتِهِ وَفَعَلَ مَا كَانَ يَفعلُهُ كُلَّ يَوم. وَكانَ الشَّخصُ الَّذي ابتدأَ في القِيامِ بذلكَ هُوَ دَاوُد؛ وَلا سِيَّما في المَزمور 55. فَقد كَانَ يَجْثُو على رُكْبَتَيْهِ صَباحًا وَظُهْرًا وَمَساءً كَيْ يُصَلِّي. وَلا شَكَّ في أنَّهُ كَانَت تُوجَدُ في تلكَ الأيَّامِ، في أغلبِ الأحيانِ، في أعلى البيتِ عُلِّيَّة.
وَيُمكِنُنا أن نَرى ذلكَ حَتَّى في زَمَنِ العهدِ الجديد. وَقد كانَتِ العُليَّةُ مَكانًا للاختِلاءِ. ولم تَكُن لَديهم آنذاك نَوافِذ زُجاجيَّة، بَل كَانُوا يَضَعونَ قُضْبانًا مَعدِنيَّةً على النَّوافِذِ وَيَتركونَها مَفتوحَة. وَكانَ الهَواءُ هُوَ الَّذي يُهَوِّيها لأنَّ بَابِلَ كَانَت مَكانًا حَارًّا جدًّا. لِذا فقد كانَ النَّسيمُ العَليلُ يَدخُلُ إليها وَيُبَرِّدُها.
لِذا، فَقد كانَ دَانيالُ يَجلِسُ أمامَ نَافِذَةِ العُليَّةِ المَفتوحَةِ ويَكونُ على مَرأى مِنَ المَارَّة. وَكانَ يَتَّجِهُ نَحوَ أورُشَليم لأنَّ أشواقَ قَلبَهُ كَانَت هُناكَ حيثُ شَعبُ اللهِ، ومَدينةُ اللهِ الَّتي تَرمِزُ إلى اللهِ بالنِّسبةِ إليه. وَكانَ يُصَلِّي دُونَ شَكٍّ مِن أجلِ حُلولِ السَّلامِ في أورُشَليم، ومِن أجلِ استرجاعِ المَدينَةِ، ومِن أجلِ كُلِّ الأشياءِ الَّتي في قَلبِه، ويَعتَرِفُ بِخطاياه، ويَقولُ كُلَّ شَيءٍ آخر. وَقد فَعَلَ ذلكَ كَما كَانَ يَفعلُ دَائِمًا في السَّابِق. وهذهِ هِيَ المُثَابَرَة.
بِعبارةٍ أخرى، قَد يَسِنُّ البَشَرُ قَوانينَهُم، ولكِن عندما تَتَعارَضُ القَوانينُ أو تَتناقَضُ مَعَ الشَّريعَةِ الَّتي وَضَعَها اللهُ، لا يَجوزُ لَنا أن نُبالي بِتِلكَ القَوانين. وَنَحنُ نَرى ذلكَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل حيثُ يَقولُ بُطرسُ إنَّهُ يَنبغي لنا أن نُطيعَ اللهَ، لا النَّاس.
والآن، قَد تَقول: "أَلَم يَكُن بِمَقدورِ دانيال أن يُصَلِّي سِرًّا؟ أَلَم يَكُن بِمَقدورِهِ أن يُغلِقَ النَّافذةَ وَأن يُصَلِّي بالطَّريقةِ نَفسِها؟" بَلَى. "أَلَم يَكُن بِمقدورِهِ أن يَتَوقَّفَ عَنِ القِيامِ بذلكَ ثَلاثينَ يَومًا وَأنْ يُصَلِّي إلى الرَّبِّ وَهُو وَاقِفٌ أو وَهُوَ يَمشي حَتَّى لا يَكونُ الأمرُ مَكشوفًا؟" بَلَى. ولكِنَّ أيَّةَ مُساوَمَةٍ كانَت سَتُفْهَمُ بأنَّها خِدمَةٌ للمَصلَحَةِ الذَّاتِيَّة. ولم تَكُن شَخصيَّةُ دَانيال تَسمَحُ لَهُ أن يَفعلَ أمرًا كَهذا.
فعندما أَضْرَمُوا النَّارَ في "بوليكارب" (Polycarp)، على سَبيلِ المِثالِ، وَأحرَقوهُ على خَشَبَةٍ في سميرنا (Smyrna) في سَنة 155 مِيلاديَّة، كَانَ قَد مَضَى على كَونِهِ مَسيحيًّا سِتَّةٌ وثَمانونَ سَنة. وَقبلَ أن يُضرِمُوا النَّارَ قَالُوا لِبوليكارب: "أَنْكِر الربَّ وَأنقِذ حَياتَك". ولكِنْ إليكُم مَا قَالَهُ بِرَصَانَةٍ وَهُدوءٍ وَصَوْتٍ رَاسِخ: "لَقَدْ خَدَمْتُهُ سِتًّا وَثَمانينَ سَنَةً ولم يُؤذِني في شَيء. مَا الَّذي سَيَجعلُني أتْرُكُهُ الآن؟" وَقَدْ نَظَرَ بوليكارب، تِلميذُ يُوحَنَّا، والتَّسبيحُ يَملأُ فَمَهُ في تَكريسٍ صَامِتٍ للرَّبِّ، نَظَرَ إلى أَلْسِنَةِ اللَّهَبِ وَقَبِلَها على أنَّها مَشيئةُ الله.
وَأنا أُفَكِّرُ في سِمْعان بُطرُس. فَقد كانَ سِمعان بُطرُس في السِّجن. وَفي اليَومِ التَّالي، كَانَ قَد حَانَ مَوعِدُ إعدامِه. وَقد جَاءَ مَلاكٌ وَخَلَّصَهُ. وقدِ اضْطُرَّ المَلاكُ إلى إيقاظِهِ لأنَّهُ كَانَ نَائِمًا نَومًا عَميقًا! وَهَذا شَيءٌ مُذهِل! وَهَذا يُذَكِّرُني بِتلكَ التَّرنيمة الَّتي تَقول: "إنَّهُ لا يَنامُ وَلا يَنعَس" حيثُ كَانَ هُناكَ شَخصٌ مُسافِرٌ في قَعْرِ السَّفينَةِ وَيَشعُرُ بالخَوف. وأخيرًا قَرأَ تلكَ الكلماتِ وَنَظَرَ إلى الرَّبِّ وَقال: "طَالَما أنَّكَ سَتَبقى مُستيقِظًا، لا يُوجَد مُبَرِّرٌ لأن نَبقى كِلانا مُستَيقِظَيْن. لِذا، أعتقدُ أنِّي سأنامُ قَليلاً".
لِذا فإنَّنا نَرى المُثابَرَة. وَيا لَهُ مِن رَجُلٍ بَارٍّ وَصَالِح! ثُمَّ إنَّ هُناكَ كَلِمَةً رَئيسيَّةً أخرى تَصْحَبُنا إلى جُزءٍ آخرَ مِنَ النَّصِّ وَهِيَ الكلمة: "اتِّهام" في العَدد 12. والآن، ازدادَت حِدَّةُ المُؤامَرة: "فَتَقَدَّمُوا وَتَكَلَّمُوا قُدَّامَ الْمَلِكِ فِي نَهْيِ الْمَلِكِ". فَقَد تَجَسَّسُوا على دَانيال وَرَأَوْا مَا فَعَل.
وَأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّهُم ذَهبوا مِنْ أجلِ إقرارِ المَرسومِ في الصَّباحِ، ثُمَّ شَاهَدُوا مَا فَعَلَهُ دَانيالُ حَالاً؛ أيْ رُبَّما شَاهَدُوا ذلكَ في فَتْرَةِ الظَّهيرَة. وَهَذا هُوَ المُرَجَّح. فَقد ذَهبوا إلى المَلِكِ وَحَصَلُوا على المَرسومِ في الصَّباح. ثُمَّ إنَّهُم ذَهَبوا إلى بَيتِ دانيال في وقتِ الظَّهيرةِ لِمُراقَبَتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي. وبعدَ أن رَأَوْهُ يُصَلِّي مَرَّةً رَكَضُوا إلى المَلِك.
وَقد تَحَدَّثُوا عَنِ المَرسومِ وَقَالوا: "أَلَمْ تُمْضِ أَيُّهَا الْمَلِكُ نَهْيًا بِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَطْلُبُ مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ حَتَّى ثَلاَثِينَ يَوْمًا إِلاَّ مِنْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ يُطْرَحُ فِي جُبِّ الأُسُودِ؟" وَالآن، لَقد أَوْقَعُوا بالمَلِكِ في الفَخّ. "فَأَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ: «الأَمْرُ صَحِيحٌ كَشَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ الَّتِي لاَ تُنْسَخُ»".
هَذا صَحيح. "حِينَئِذٍ أَجَابُوا وَقَالُوا قُدَّامَ الْمَلِكِ: «إِنَّ دَانِيآلَ الَّذِي مِنْ بَنِي سَبْيِ يَهُوذَا..."؛ وَقد كَانُوا دَائِمًا يَصِفونَ دَانيال بتلكَ الكَلِماتِ ويُشيرونَ إليهِ بأنَّهُ "ذلكَ الأجنَبِيّ"، أو "ذلكَ السَّجين"، أو "ذلكَ المَسبِيّ". فَهُو ليسَ مِن جَماعَتِهم. "...لَمْ يَجْعَلْ لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ اعْتِبَارًا". وَهل كَانَ ذلكَ صَحيحًا؟ لم يَكُن ذلكَ صَحيحًا. أليسَ كذلك؟ فَقد كَانَ دَانيال خَادِمًا مُخلِصًا وَأمينًا طَالَما أنَّ ذلكَ لا يَتعارَضُ مَعَ مَبادِئِهِ. فَقد كانَ يَحتَرِمُ المَلِكَ كَما يَليقُ بالمَلِكَ أنْ يُحْتَرَم، وَكما قَالَ رَبُّنا: "أَعْطُوا لِقَيصَر مَا لِقَيصَر". وَلكِنَّهُم قَالوا: "وَلاَ لِلنَّهْيِ الَّذِي أَمْضَيْتَهُ، بَلْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ يَطْلُبُ طِلْبَتَهُ".
وَأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّهُم لم يُراقِبوهُ طَوالَ اليومِ وَلَمْ يَرَوْا أنَّهُ صَلَّى ثَلاثَ مَرَّات، بَل لَعَلَّهُم رَأَوْهُ مَرَّةً فقط. وَقد افتَرَضُوا أنَّهُ يُصَلِّي. وَقد كَانَ افتِراضًا صَحيحًا. لِذا، فقد وَاجَهُوا المَلِك. لقد ظَنَّ المَلِكُ أنَّهُم سَيَجعلونَ مِنْهُ إلَهًا مُدَّةَ شَهْر؛ ولكِنَّهُ صَارَ شَخصًا أحمَقَ في يَومٍ واحِد! يَا لَهُ مِن أحمَق! وَيا لَهُ مِن شَيءٍ غَبِيٍّ أَقْدَمَ عَليه دُونَ تَفكير. وَهَل تَعلَمونَ مِمَّنْ غَضِبَ؟ لَقد كَانَ رَجُلاً حَكيمًا في الأصل. لِذا فقد غَضِبَ مِن نَفسِه.
فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 14: "فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ هذَا الْكَلاَمَ اغْتَاظَ عَلَى نَفْسِهِ جِدًّا". فَكما تَعلَمونَ، يَكفي أنَّ هذا المَلِكَ كَانَ صَادِقًا وَألقَى اللَّومَ عَلى الشَّخصِ الَّذي يَسْتَحِقُّ اللَّوم. ولكِنَّ غُرورَهُ هُوَ الَّذي أَوْقَعَهُ في الفَخّ. وَسَوفَ يَكونُ هُناكَ دَائِمًا طُعْمٌ؛ ولكِنَّنا لَنْ نَلْتَقِطَ الطُّعْمَ إلاَّ إذا دَفَعَنا غُرورُنا إلى ذلك. وَأنا أُحِبُّ مَا ذُكِرَ هُنا إذْ نَقرأُ: "وَجَعَلَ قَلْبَهُ عَلَى دَانِيآلَ لِيُنَجِّيَهُ، وَاجْتَهَدَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِيُنْقِذَهُ".
لِنَفتَرِض أنَّ المَرسومَ صَدَرَ في الصَّباح. وَقَد أَسْرَعُوا لِيَرَوْا ماذا يَفعلُ دانيال في وَقتِ الظَّهيرَة. وَقد كانَ دانيالُ يُصَلِّي. وقد رَجَعُوا بِسُرعة وَأخبَرُوا المَلِكَ بذلك. والآن، كَانَ لَديهِ كُلُّ فَترةِ مَا بَعدَ الظُّهر لأنَّ الإعدامَ بِحَسَبِ عَاداتِهم كَانَ يَنبغي أن يُنَفَّذَ قَبلَ حُلولِ الظَّلام. لِذا، كَانَ لَديهِ كُلُّ فَترةِ مَا بَعدَ الظُّهر. وَقَدَ استَنْفَذَ كُلَّ الوَسائلِ القَانونيَّةِ المُمكِنَة. وَقد حَاوَلَ كُلَّ طَريقةٍ مُمكِنَة. فَهَذا هُوَ المَقصودُ بِما جَاءَ في العَدد 14: "وَجَعَلَ قَلْبَهُ عَلَى دَانِيآلَ لِيُنَجِّيَهُ، وَاجْتَهَدَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِيُنْقِذَهُ".
والآن، لا أدري مَاذا فَعَل، ولكِنْ رُبَّما حَاولَ أن يَجِدَ ثُغْرَةً في القَانونِ، أو رُبَّما حَاولَ أن يَجِدَ شَيئًا في شَريعَةِ مَادي وَفارِس السَّابقة يُمكِنُ أن يَفْسَخَ هَذا المَرسوم. ولكِنْ مِن نَاحِيَةٍ قَانونيَّةٍ، لم يَكُن هُناكَ مَخرَج. وَهل تَعلمونَ مَا الَّذي أُحِبُّهُ في مَا حَدَث؟ أنَّ دَانيالَ لم يَقُل كَلِمَةً وَاحِدَة. فَهُوَ لم يُحاوِلْ أن يُبْرِئَ نَفسَهُ، وَلم يُدافِع عَن نَفسِهِ. فَعلى غِرارِ المَسيحِ، بَقِيَ كَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أمامَ جَازِّيها فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ.
وَكَما تَرَوْنَ، كَانَ دَانيالُ يَثِقُ جِدًّا في اللهِ في كُلِّ تلكَ السَّنواتِ حَتَّى إنَّهُ كانَ قَادِرًا على تَسليمِ أمْرِهِ لله. فَلا يُوجَد دِفاع. أليسَ كذلك؟ فلم يَكُن هُناكَ دِفاع. فَماذا عَساهُ أن يَقول سِوى: "أنَّ ذلكَ صَحيح. فَقد كُنتُ أصلي، وسوفَ أستَمِرُّ في الصَّلاة". فلم يَكُن هُناكَ شَيءٌ يُمكِنُه أن يَقولَهُ.
لِذا فقد رأينا التَّرقِيَة، والمُؤامَرة، والمُثابَرَة، والاتِّهام. ثُمَّ إنَّ هُناكَ كلمةً أخرى في العَدد 16 وَهِيَ الكلمة "جَزاء". فنحنُ نَقرأُ في العَدد 15: "فَاجْتَمَعَ أُولئِكَ الرِّجَالُ إِلَى الْمَلِكِ وَقَالُوا لِلْمَلِكُ: «اعْلَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّ شَرِيعَةَ مَادِي وَفَارِسَ هِيَ أَنَّ كُلَّ نَهْيٍ أَوْ أَمْرٍ يَضَعُهُ الْمَلِكُ لاَ يَتَغَيَّرُ»". فَأنْتَ عَالِقٌ فيها. "حِينَئِذٍ أَمَرَ الْمَلِكُ فَأَحْضَرُوا دَانِيآلَ وَطَرَحُوهُ فِي جُبِّ الأُسُود".
وَقد كانت هذهِ أُسودًا حَقيقيَّة، يا أحبَّائي... أُسودًا حَقيقيَّة. وَمِنَ المُرَجَّحِ أنَّها أُسودٌ تَمَّ تَجويعُها عَمْدًا لِتَكونَ مُفتَرِسَةً. ولا أدري كَم كَانَ عَدَدُ الأُسودِ هُناك، ولكِن لم يَكُن يُوجَدُ أَسَدَانِ فقط. فقد رَأيتُ صُورَةً تُظْهِرُ أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ أَسَدانِ أو ثَلاثَة. لا! فَمَعَ أنِّي لا أَعلَمُ كَم كَانَ عَدَدُها، ولكِنْ لا بُدَّ أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ الأُسودِ لأنَّهُ عندما نَصِلُ إلى نِهايةِ الأصحاحِ وَتَنقَلِبُ الأُمورُ على رُؤوسِ الأشخاصِ الَّذينَ تَآمَروا، وَتَمَّ طَرْحُهُم في الجُبِّ، وَتَمَّ طَرْحُ عَائلاتِهم أيضًا، تَمَّ افتِراسُهُم قَبلَ أنْ يَصِلُوا إلى أَسْفَلِ الجُبّ. فَقد كانَ هُناكَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ الأسودِ في الجُبّ.
وَقد قَالَ أَحَدُ الشُّرَّاحِ: "كَانَت هُناكَ بِضْعَةُ أُسودٍ فقط. وَقد وَجَدَ دَانيال زَاوِيَةً اخْتَبَأَ فيها". لا، لا، لا. لَقد كانَ مَكانًا كَبيرًا. أليسَ كذلك؟ "وَقَد وَجَدَ زَاويةً واختبأَ في أكوامِ القَشِّ أو شَيئًا مِن هَذا القَبيل". لا! بَلْ كانَ يُوجَدُ عَددٌ كَبيرٌ مِنَ الأُسود. وَقد كَانَتْ أُسودًا حَقيقيَّةً مُفْتَرِسَة.
ثُمَّ نَقرأُ: "وَأُتِيَ بِحَجَرٍ وَوُضِعَ عَلَى فَمِ الْجُبِّ". فَقد كَانَ على الأرجَحِ كَهْفًا في سَفحِ تَلٍّ. وفي الجُزءِ الأسفَلِ مِنَ الكَهفِ كَانَ المَدخَل. وَقد وَضَعُوا حَجَرًا لِسَدِّهِ. وَفي الأعلى، كَانَت هُناكَ فُتْحَةٌ عَليها قُضْبانٌ مِن حَديد. والسَّببُ الَّذي يَدعُونا إلى الاعتقادِ بأنَّ الكلمة هِيَ "جُبّ" هُوَ أنَّ الكلمة الحَرفيَّة هِيَ "غُوب" (gob) في اللُّغَةِ الآرامِيَّة. وَهِيَ تَقْتَرِنُ بالكلمة العِبريَّة "غُوب" ومَعناها: "حُفرة". لِذا فقد كَانَتْ حُفْرَة. وهذهِ هِيَ الفِكرةُ الرَّئيسيَّة. فالكلمة "غُوب" في اللُّغَةِ العِبريَّةِ تَعني: "يَحفُر".
إذًا، كَانَت هُناكَ حُفرةٌ تَحتَ الأرضِ لَها مَدخَلٌ جَانِبِيٌّ يَستخِدمونَهُ لإدخالِ الأُسودِ وَإخراجِها، أو للقيامِ بما يَنبغي القِيامُ بِهِ لإطعامِها. ثُمَّ كَانَتْ هُناكَ فُتحَةٌ في الأعلى يُمكِنُ مِن خِلالِها مُراقَبَةٌ مَا يَجري في الأسفل وَلا سِيَّما عِندَ إعدامِ أحدِ الأشخاص.
وبالمُناسَبة، هُناكَ دِراسةٌ مُدهشةٌ أُجْرِيَتْ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الآثار. فَقدِ اكتَشَفوا عَدَدًا مِنْ جِبَابِ الأُسودِ الَّتي كَانَ يَستخدِمُها المُلوكُ كأماكِن إعدام. وَيَصِفُ "كايل" (Keil)، الشَّارِحُ المَشهورُ للعَهدِ القَديم، جُبًّا مِنْ هَذِهِ الجِبابِ فيقول: "يُمْكِنُ القَولُ إنَّهُ كَهْفٌ مُرَبَّعٌ تَحتَ الأرضِ، ويُوجَدُ لَهُ جِدارٌ في المُنتصفِ مُزَوَّدٌ بِبابٍ يُمْكِنُ لِلحارِسِ أنْ يَفْتَحَهُ وَيُغلِقَهُ مِن أعلى.
"ومِن خِلالِ طَرْحِ الطَّعامِ فيهِ فإنَّهُ يَدْفَعُ الأُسودَ إلى الانتقالِ مِن حُجرةٍ إلى الأخرى ثُمَّ يُغلِقُ البَاب. وَكانَ العُمَّالُ يَدخُلونَ إلى الحُجْرَةِ الفَارِغَةِ لِتَنظيفِها. وَكانَ الجُبُّ يُفْتَحُ مِن أعلى. وَكانَتْ فُتْحَةُ الجُبِّ مُحاطَةٌ بِسُورٍ ارتفاعُهُ نَحو 135 سنتمترًا يُمْكِنُ للمَرءِ مِن فَوقِهِ أنْ يَرى مَا يَجري في الجُبّ". إذًا، رُبَّما كَانَ هَذا هُوَ الجُبٌّ. فَهُوَ مَنطقة وَاسِعَة في سَفْحِ جَبَل.
والآن، سَوفَ تُلاحِظونَ أنَّ العَدد 16 يَقول: "أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ: «إِنَّ إِلهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا هُوَ [مَاذا؟] يُنَجِّيكَ»". والآن، مِنْ أينَ جَاءَ بتلكَ الفِكرة؟ اسمَعوني: لَقد صِرْتُم تَعرِفونَ الكَثيرَ عَن دَانيال إنْ كُنتُم مَعَنا في هذهِ الدِّراسة. لِذا، لا بُدَّ أنَّكُم تَعلمونَ أنَّهُ إنْ كَانَ قَد مَضَى عَلى وُجودِ دَانيال هُناكَ سَنَة على الأقَلّ، أو رُبَّما سَنتان، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ دَارِيُّوس سَمِعَ الرِّسالةَ تِلوَ الرِّسالةِ تِلوَ الرِّسالةِ عَنِ الله. ولا بُدَّ أنَّكُم تُعلَمونَ أيضًا أنَّ تَاريخَ مَا شَاهَدَ دَانيالُ اللهَ يَفعلُهُ في المَاضي كَانَ مَعلومًا لَديه. ورُبَّما كَانَ هَذا هُوَ السَّببُ الَّذي جَعَلَهُ يَشْغَلُ المَنصِبَ الَّذي كَانَ يَشغَلُهُ.
وَمِنَ الوَاضِحِ لي أنَّ دَانيال أَعلَنَ للجَميعِ عَنِ الإلَهِ الَّذي يُؤمِنُ بِهِ. فَقَد كانَ لَهُ دَوْرٌ في المُعجِزات. وَقد كانَ لَهُ دَورٌ بَارِزٌ في تَقديمِ المَشورَةِ للمَلِكِ بشأنِ السَّماحِ لليَهودِ بالعَودَة. لِذا، أنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ الرِّسالةَ كَانَت وَاضحةٌ جدًّا بشأنِ قُوَّةِ إلَهِ دَانيال الَّذي خَلَّصَهُ. وَأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّ هَذا الرَّجُلَ كَانَ يَعرِفُ جَيِّدًا قِصَّةَ عَزَرْيَا وَمِيشَائِيل والرَّجُلِ الآخَرِ الَّذي أَعْجَزُ عَنْ تَذَكُّرِ اسْمِهِ العِبرانِيِّ الآن... أيْ شَدْرَخ وَمِيشَخ وَعَبْدَنَغُو في بَابِل، وَأنَّهُم نَجَوْا مِنْ أَتُونِ النَّار. لِذا فقد كانَ يَعرفُ أنَّ هَذا الإلَهَ يَستطيعُ أن يُنَجِّي دَانيال. وَهذا شَيءٌ رَائعٌ لأنَّ هَذا يُرينا أنَّ جُهودَ دَانيال الكِرازِيَّة أَعْطَتْ نَتائِج.
إذًا: "وَأُتِيَ بِحَجَرٍ وَوُضِعَ عَلَى فَمِ الْجُبِّ وَخَتَمَهُ الْمَلِكُ بِخَاتِمِهِ وَخَاتِمِ عُظَمَائِهِ...". فَلَمْ يَكُن بِمَقدورِ أيِّ شَخصٍ أن يَكسِرَ ذلكَ الخَاتَم. "لِئَلاَّ يَتَغَيَّرَ الْقَصْدُ فِي دَانِيآلَ".
والآن، هَذا كُلُّهُ يَقودُ إلى كَلِمَة رَئيسيَّة أخرى وَهِيَ: الحِفْظ في العَدد 18: "حِينَئِذٍ مَضَى الْمَلِكُ إِلَى قَصْرِهِ". وَيَجِب أن تَعلَموا أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ بَارِعٌ جدًّا في وَصْفِ الأحداث. فرُبَّما تَرغَبونَ في رُؤيَةِ مَا حَدَثَ دَاخِلَ جُبِّ الأُسود. أليسَ كذلك؟ فإنْ كُنتُ أُشاهِدُ فيلمًا مَثلاً، وَوَصَلَ الفيلمُ إلى الذُّروةِ حيثُ أَخَذوا دَانيال وَطَرَحوهُ في جُبِّ الأسودِ، ثُمَّ قَطَعُوا المَشهَدَ وَنَقَلونا إلى قَصْرِ المَلِك، سَأقولُ: "لا!" وَسَوفَ أُعَبِّرُ عَنِ استيائي وأقولُ إنِّي لا أُريدُ أن أرى قَصْرَ المَلِك. أَرْجِعُوني إلى جُبِّ الأُسود. فأنا أريدُ أن أرى مَاذا يَحدُثُ في جُبِّ الأُسود. اقطَعُوا مَشهَدَ القَصْر! ولكِنَّ القصَّةَ لا تَتحدَّثُ عَمَّا حَدَثَ في جُبِّ الأُسودِ وَلا تَذكُرُ أيَّ شَيء.
"وَبَاتَ [المَلِكُ] صَائِمًا". مَنْ يُبالي بِهذا؟ أليسَ كذلك؟ مَاذا حَدَثَ في جُبِّ الأُسود؟ "وَبَاتَ [المَلِكُ] صَائِمًا، وَلَمْ يُؤْتَ قُدَّامَهُ بِسَرَارِيهِ". وَتَقولُ إحدى التَّرجَماتِ إنَّهُ لم يَستَمِع إلى أيَّة مُوسيقا. ولكِنَّ الكلمةَ الآرامِيَّةَ تُشيرُ حَرفيًّا إلى مَصادِرِ التَّرفيه. وَقد تَعني مُوسيقا، أو نِساء، أو رَاقِصات أو أيَّ شَيءٍ كَانَ يُستَخدَمُ للتَّرفيهِ عَنِ المَلِك. ولكِنَّهُ لم يُرِدْ أيًّا مِن تلكَ الأشياء: لا مُوسيقا، وَلا رَاقِصات، وَلا طَعام، وَلا أيَّ شَيء. "وَطَارَ عَنْهُ نَوْمُهُ". فَقَدْ رَاحَ يَتَمَشَّى وَحَسْب.
"ثُمَّ قَامَ الْمَلِكُ بَاكِرًا عِنْدَ الْفَجْرِ وَذَهَبَ مُسْرِعًا". وبالمُناسَبة، إنَّ العِبارَة "بِاكِرًا عِنْدَ الفَجْرِ" تَعني حَرفِيًّا: "عِنْدَ بُزوغِ الفَجْر". فَحالَما بَزَغَ الفَجْرُ قَامَ وَذَهَب مُسْرِعًا. ويُرَجِّحُ أغلبيَّةُ الشُّرَّاحِ أنَّهُ كَانَ في سِنِّ الثَّانيةِ والسِّتِّين أوِ الثَّالثةِ والسِّتِّين. لِذا فَقد كَانَ يَمشي بِسُرعَةٍ أكبر مِن تلكَ الَّتي يَسمَحُ بِها عُمْرُه. فقد أَسْرَعَ إلى جُبِّ الأُسُودِ عندَ بُزوغِ الفِجرِ مُحاولاً أن يَعرفَ مَا يَجري. وَهذا يُشيرُ إلى أنَّهُ كَانَ مُؤمِنًا نَوعًا مَا بإلَهِ دَانيال.
ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 20: "فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى الْجُبِّ نَادَى دَانِيآلَ بِصَوْتٍ أَسِيفٍ". فَقَدْ نَاداهُ بِصَوتٍ كَسيرٍ وَحَزين، وبِصَوتٍ مَكروب، وبِصَوتِ يَدُلُّ على القَلَق. "أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ...". فَكما تَعلَمونَ، لَقد كَانَ يَرجُو الأفضلَ، ولكِنَّهُ رُبَّما كَانَ يَتوقَّعُ الأسوأ. "يَا دَانِيآلُ عَبْدَ اللهِ الْحَيِّ".
والآن، مِن أينَ [في رَأيِكُم] تَعَلَّمَ ذلك؟ مِن أينَ [في رَأيِكُم] تَعَلَّمَ تلكَ العِبارَة: "عَبْدَ اللهِ الحَيِّ"؟ سَوفَ أقولُ لَكُم مِن أينَ تَعَلَّمَها. مِن دَانيال. فَقد أَعطاهُ دَانيالُ عِدَّةَ دُروس. "يَا دَانِيآلُ عَبْدَ اللهِ الْحَيِّ، هَلْ إِلهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا قَدِرَ عَلَى أَنْ يُنَجِّيَكَ مِنَ الأُسُودِ؟" وَبِصَراحَة، لَقد تَأخَّرَ قَليلاً في طَرْحِ ذلكَ السُّؤال. أليسَ كذلك؟ والآن، نَحنُ في ذُروةِ الأمر. أليسَ كذلك؟ فَهل كَانَ اللهُ قَادِرًا؟
نَقرأُ في العَدد 21: "فَتَكَلَّمَ دَانِيآلُ مَعَ الْمَلِكِ: «يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ!" فَقد كَانَ لا بُدَّ مِنَ استِخدامِ تلكَ العِباراتِ عِندَما تُخاطِبُ المَلِك. فَلا يُمكِنُكَ أن تَقولَ لَهُ وَحَسْب: "أنا بِخَير"، بَل يَنبغي أن تَقولَ: "يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَد! ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 22: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ". وبالمُناسَبة، لا بُدَّ أنَّ ذلكَ يَعني أيضًا أنَّهُ اهْتَمَّ بِمَخالِبِها أيضًا لأنَّهُ كَانَ يُمكِنُها أن تُمَزْقَهُ إرْبًا إرْبًا.
لقد أرسلَ اللهُ مَلاكًا. والمَلائكةُ أقوياء. فقد قَتَلَ مَلاكٌ وَاحِدٌ مِئةً وخَمسَةً وثمانينَ ألفًا مِنَ الأشورِيِّينَ وَأهْلَكَهُمْ بنفسِه. لِذا، كَانَ مَلاكٌ واحِدٌ يَكفي. "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ". وَهَذا ليسَ تَفاخُرًا، بَل هِيَ الحَقيقة. وَإنْ كَانتِ الحَقيقة فَهِيَ ليسَت غُرورًا. أَتَرَوْن؟ "وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا". وَقد قَالَ هَذا لِلتَّوضيحِ وَحَسْب.
أَلاَ تَجِدونَهُ أمرًا مُدهِشًا إذْ إنَّهُ لم يُدافِع عَن نَفسِهِ إلاَّ بَعدَ أن أعطى اللهَ الفُرصةَ لِجَعلِهِ يَجتازُ الامتحان؟ فَقد وَضَعَ حَياتَهُ بَينَ يَدَيِّ اللهِ في جُبِّ الأُسود. وَكأنَّهُ يَقول: "والآن، يا الله، لا أفهَمُ سَبَبَ طَرْحي في جُبِّ الأُسودِ ذاكَ، ولكنْ رُبَّما كَانَ لَديكَ سَبَب. ورُبَّما كُنتَ تَعرِفُ شَيئًا في حَياتي ليسَ سَليمًا، وَأنَّ هَذا المَوقِفَ جُزءٌ مِن ذلك". وبعدَ أن خَلَّصَهُ اللهُ قَال: "أنا لم أفعل شَيئًا. أنا بَريء". وكيفَ تَعلَمُ أنَّكَ بَريء؟ لأنَّهُ كَانَتْ تُوجَدُ لَدى اللهِ فُرصةٌ رَائعةٌ لتأديبي؛ ولكِنَّهُ لم يَفعل ذلك. لِذا فقد انتظرَ إلى أنْ قَيَّمَ اللهُ المَوقِف.
ثُمَّ نَقرأُ في العَدد 23: "حِينَئِذٍ فَرِحَ الْمَلِكُ بِهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُصْعَدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ". والآن، هَذا دَليلٌ آخر إلى أنَّها كانَت حُفرةً. فَرُبَّما أَنْزَلُوا حِبالاً فَأمسَكَ ذلكَ الرَّجُلُ الَّذي يُناهِزُ التِّسعينَ سَنَةً بالحِبالِ فَسَحَبوه. "فَأُصْعِدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ ضَرَرٌ، لأَنَّهُ آمَنَ بِإِلهِهِ".
يَكْتُبُ دَانيالُ الأصحاحَ السَّادِسَ وَيَقولُ إنَّ ذلكَ يُبَيِّنُ إيمانَهُ العَظيمَ بالله. فقد آمَنَ باللهِ فَأَكْرَمَ اللهُ إيمانَهُ. والآن، هَل تُريدونَ أن تَعلَمُوا شَيئًا؟ إنَّ الاختباراتِ لا تَنْتَهي دَائمًا بالطَّريقةِ نَفسِها. أليسَ كذلك؟ فقد آمَنَ إشَعْياءُ باللهِ أيضًا، ولكِنَّهُ نُشِرَ إلى نِصْفَيْن. وَقد آمَنَ بولُسُ باللهِ أيضًا ولكِنَّهُ وَضَعَ رَأسَهُ على خَشَبَةٍ مُرتفعةٍ فَلَمَعَتْ فَأسٌ تَحتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ وَهَوَتْ لِتَفصِلَ رأسَهُ عَن جَسَدِه. وَقد آمَنَ بُطرسُ باللهِ فَصُلِبَ رَأسًا عَلى عَقِب.
فالإيمانُ باللهِ لا يَعني أنَّ الأسودَ لن تَفتَرِسَكَ. فَقد كَانَ هُناكَ شُهداءٌ طَوالَ تَاريخِ تَعامُلِ اللهِ مَعَ البَشَر. فَمَعَ أنَّهُم آمَنُوا باللهِ فإنَّهُم مَاتُوا. فالنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هِيَ أن نَقبَلَ مَشيئةَ الله. فَإنْ شَاءَ أنْ نَعيشَ سَنَعيش. وَإنْ شَاءَ أنْ نَموتَ سَنَموت. ولكِنْ في كِلتا الحَالَتَيْنِ فإنَّنا لا نُهْزَم.
والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ لو أنَّ الأُسودَ أَكَلَتْ دَانيال لَذَهَبَ إلى حَضرةِ الله. أليسَ كذلك؟ وكانَ ذلكَ أفضل مِنْ أنْ يَنْظُرَ إلى أعلى إلى دَاريوس ويَقول: "يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ!" فَهو لم يَكُن لِيَخسَر في كِلتا الحَالتَيْن. وَنَحنُ لا نَخسَر. فلو أنَّهُ قُطِّعَ إرْبًا إرْبًا لَجاءَ المَلاكُ وَأخَذَهُ إلى حَضرةِ الرَّبِّ في حِضْنِ إبراهيم.
وَكُلُّ هَذا يَقودُنا إلى كلمةٍ رَئيسيَّةٍ أخرى وَهِيَ: "العِقاب" إذْ نَقرأُ في العَدد 24: "فَأَمَرَ الْمَلِكُ فَأَحْضَرُوا أُولئِكَ الرِّجَالَ الَّذِينَ اشْتَكَوْا عَلَى دَانِيآلَ..."؛ أيْ تلكَ المَجموعَة مِنَ الْمَرَازِبَةِ وَالمُشِيرِينَ وَالوُلاَةِ الَّذينَ اتَّهَموه "...وَطَرَحُوهُمْ فِي جُبِّ الأُسُودِ هُمْ وَأَوْلاَدَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى أَسْفَلِ الْجُبِّ حَتَّى بَطَشَتْ بِهِمِ الأُسُودُ وَسَحَقَتْ كُلَّ عِظَامِهِمْ". وَهَذا مُدهِشٌ! وَلا بُدَّ أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ الأُسود.
والنَّاسُ يَقولون: "لم تَأكُلُ الأُسودُ دَانيال لأنَّها لم تَكُن جَائِعَةً". لَقد كانَت جَائعة. فقد كَانَتْ جَائعةً حَتَّى إنَّها افْتَرَسَتْ هَذِهِ المَجموعَةَ الكَبيرةَ مِنَ الأشخاص. وَهُناكَ مَن قَالَ إنَّ الأسودَ لم تَفتَرِس دَانيال لأنَّها كَانَتْ هَرِمَة. فقد كَانَت تُشبِهُ الأسَدَ "كلارينس" (Clarence) الأحْوَل. وَمِنَ المُدهِشِ أن نَرى مَا يُحاوِلُ المُفَسِّرونَ اللِّيبرالِيُّونَ أن يَفعلوهُ بالكِتابِ المُقَدَّس.
ولكِنَّ النُّقطَةَ الجَوهريَّةَ مِن هَذا النَّصِّ هِيَ أن تُريكُم أنَّ الأُسودَ لم تَكُن هَرِمَة أو عَديمةَ الأسنان. وَهي لم تُطْعَم، بَل كانَت جَائعةً. وَقد كَانَت شَرِسَةً جدًّا حتَّى إنَّها التَهَمَتْ هؤلاءِ الأشخاصَ قَبلَ أن يَصِلُوا إلى أسفَلِ الجُبّ. لِذا فقد صَنَعَ اللهُ مُعجزةً. وَهُوَ مَشهَدٌ مُرعِب: مَشهَدُ عِقابِ اللهِ وانتقامِه.
وبالمُناسَبة، هُناكَ مُلاحَظَةٌ مُدهشةٌ جدًّا بخصوصِ تلكَ الشَّريعَةِ الوَثنيَّة. فَقد كانَت شَريعَةُ مَادي وَفارِس تَقول: "إنْ أَذْنَبَ إنسانٌ، يَنبغي إعدامُ كُلِّ أفرادِ عَائِلَتِه". فقد كانَت تلكَ هِيَ شَريعَة مَادي وَفارِس. وَهَذا هُوَ مَا فَعَلوهُ.
إذًا نَحنُ نَرى التَّرقيةَ، والمُؤامرةَ، والمُثابَرةَ، والاتِّهامَ، والجَزاءَ، والحِفْظَ، والعِقاب. وَسَوفَ نَرى كَلِمَتَيْنِ رَئيسيَّتَيْنِ أُخْرَيَيْن: "الإعلان" في العَدد 25: "ثُمَّ كَتَبَ الْمَلِكُ دَارِيُّوسُ إِلَى كُلِّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ..." – وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ تِلكَ العِبارَة القصيرةَ المُثَلَّثَةَ استُخدِمَتْ مَرَّاتٍ عَديدة في سِفْرِ دَانيال للإشارةِ إلى جَميعِ النَّاسِ في المَملكة. " ثُمَّ كَتَبَ...إِلَى كُلِّ السَّاكِنِينَ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا"؛ على الأقَلِّ في الأرضِ الَّتي كَانَ يَعرِفُها: "لِيَكْثُرْ سَلاَمُكُمْ. مِنْ قِبَلِي صَدَرَ أَمْرٌ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ سُلْطَانِ مَمْلَكَتِي يَرْتَعِدُونَ وَيَخَافُونَ قُدَّامَ إِلهِ دَانِيآلَ". أَلاَ تَجِدونَهُ أمرًا رَائعًا؟
إنَّهُ رَجُلٌ واحِدٌ فقط، ولكِنَّهُ تَرَكَ تَأثيرًا عَظيمًا في إمبراطوريَّةٍ بأسرِها. وَقد صَارَتْ كُلُّ إمبراطوريَّةِ مَادي وَفارِس خَاضِعَةً لهذا المَرسومِ الَّذي يَقضي بأن يَرتَعِدُوا وَيَخافوا قُدَّامَ إلَهِ دَانيال. فالأمرَ لا يَحتاجُ إلى عَددٍ كَبيرٍ مِنَ الأشخاص، بَل يَحتاجُ إلى النَّوعِ الصَّحيح. "لأَنَّهُ هُوَ الإِلهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِلَى الأَبَدِ، وَمَلَكُوتُهُ لَنْ يَزُولَ وَسُلْطَانُهُ إِلَى الْمُنْتَهَى". فَهُوَ يَبدو كَالمُرَنِّمِ مَعَ أنَّهُ كَانَ مَلِكًا وَثَنِيًّا.
يا للعَجَب! فقد وَضَعَ اللهُ أمثلةً حَيَّةً مُقْنِعَةً في هَذا الكِتاب. أليسَ كذلك؟ فالأُمَمُ تَأتي وَتَمضي. فَسَواءٌ كَانَت إمبراطوريَّة بَابِل، أو إمبراطوريَّة مَادي وَفارِس، عندما يَضَعُ اللهُ أولادَهُ في المَوضِعِ المُناسِبِ فإنَّ رِسالَتَهُ تَصِل.
"هُوَ يُنَجِّي..." [في العَدد 27] "...وَيُنْقِذُ وَيَعْمَلُ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ. هُوَ الَّذِي نَجَّى دَانِيآلَ مِنْ يَدِ الأُسُودِ".
واسمَحُوا لي أن أطرحَ عَليكُم سُؤالاً بَسيطًا: مَنِ الَّذي تَمَجَّدَ في هذا الأصحاح؟ دانيال؟ ليسَ دَانيال؟ ليسَ دانيال البَتَّة. فقد كانَ دَانيال هُناكَ وَحَسْب. هَذا هُوَ كُلُّ مَا في الأمر. ولكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذي تَمَجَّد. وأعتقدُ أنَّكُم إذا كُنتُم قَد رَأيتُم شَيئًا واحِدًا في سِفْرِ دَانيال فإنَّهُ ليسَ تَمجيدَ دَانيال، بَل هُوَ مَجدُ اللهِ الَّذي وَقَفَ في وَجْهِ أُمَمِ العَالَمِ وَبَرْهَنَ عَلى سُلطانِه.
وأخيرًا، هُناكَ "النَّجاح": "فَنَجَحَ دَانِيآلُ هذَا فِي مُلْكِ دَارِيُّوسَ وَفِي مُلْكِ كُورَشَ الْفَارِسِيِّ". فَقَد نَجَحَ. والآن، أريدُ مِنكُم أن تُصغُوا إليَّ. في الخِتام، أريدُ أن أُلَخِّصَ هذا الأصحاحَ بِسُرعةٍ فَائقةٍ في دَقيقَتَيْن. استَمِعُوا.
عندما نَنظُرُ إلى هذا الأصحاحِ، مَا الَّذي نَراهُ بخصوصِ دَانيال؟ هَل تَذكرونَ عندما دَرَسنا الأصحاحَيْن الأوَّلَ والثَّاني؟ فَقَد أخذنا كُلَّ صِفاتِ دَانيال الرَّائعة بِصِفَتِهِ فَتَىً يَافِعًا، وَصَنَّفناها، وَدَرسناها. وقد رَأينا الصِّفاتِ الَّتي يَتَّصِفُ بها رَجُلُ اللهِ البَارّ. وَها نَحنُ هُنا، ليسَ بعدَ عِشرينَ سَنة، بل بَعدَ سِتِّينَ أو سَبعينَ سَنة. فَما الصِّفاتُ الَّتي نَراها فيهِ مَرَّةً أخرى؟ وَما هِيَ عَناصِرُ الشَّخصيَّةِ الَّتي يُمكِنُنا أن نُطَبِّقَها على أنفِسِنا؟ مَا الَّذي يَجعلُ الإنسانَ قَادِرًا على التَّأثيرِ في أُمَّة؟ وَما الَّذي يَجعلُ الرَّجُلَ أوِ المَرأةَ قَادِرَيْنِ على تَرْكِ تَأثيرٍ وَاسِعِ النِّطاقِ كَما هِيَ الحَالُ في إمبراطوريَّة؟ مَا هِيَ صِفاتُ دَانيال؟
اسمَحُوا لي أن أقتَرِحَ بِضعَ صِفات. سَوفَ أذكُرُها. استَمِعُوا إليها وَحَسْب، وتَأمَّلُوا فيها. أوَّلاً، لَقَد تَفَوَّقَ هَذا الرَّجُلُ على التَّاريخ. فَقد كَانَ عَظيمًا وَنَافعًا للهِ لأنَّهُ تَفَوَّقَ على التَّاريخ. فَهُوَ لم يُلَوِّث قَدَمَيْهِ بِوَحْلِ الأمورِ البَشريَّة، بَلْ طَلَبَ مَلكوتَ الله.
ثَانيًا، لَقد عَاشَ حَياةً ثَابِتَةً مِنَ البِدايةِ إلى النِّهاية. فَقد كانَ إنسانًا فَاضِلاً عندما كَانَ شَابًّا، وَقَد بَقِيَ إنسانًا فَاضِلاً عندما صَارَ مُسِنًّا. وأعتقدُ أنَّهُ لا تُوجَدُ طَريقةٌ يُمكِنُنا أن نَقيسَ بها بِمِقياسٍ بَشريٍّ قُوَّةَ الحَياةِ الفَاضلةِ في كُلِّ تلكَ السِّنين. والمَأساةُ هِيَ أنَّ الأغلبيَّةَ مِنَّا يَجِدونَ أنَّ الفَضيلَةَ تَأتي وَتَختفي في تلكَ السِّنين. ولكِن ليسَ دَانيال.
إذًا، مَا الدُّروسُ الَّتي نَتَعَلَّمُها عَن رَجُلِ اللهِ؟ إنَّهُ يَتَفَوَّقُ على التَّاريخ. وَهُوَ يَعيشُ حَياةً تَتَّسِمُ بالثَّباتِ مِنَ الحَداثَةِ إلى الشَّيخوخَة. وَهَذا يَجْعَلُ مِنْهُ إنسانًا نَافِعًا جدًّا في شَيخوخَتِه. ثَالثًا، لَقد أَكْمَلَ حَقًّا دَعوَتَهُ. بِعبارةٍ أخرى، لَقد عَاشَ في صُلْبِ مَشيئةِ الله. وَقد كَانَ شَوقُ قَلبِهِ الوَحيدُ هُوَ أنْ يُتَمِّمَ مَشيئةَ الله.
رَابعًا، لَقد اتَّخَذَ مَوقِفًا سَليمًا. فَقد ظَلُّوا يَقولونَ عَنْهُ إنَّ فيهِ رُوحًا فَاضِلَةً. فَقد كَانَتْ تُوجَدُ فيهِ رُوحٌ فَاضِلَة.
خَامِسًا، لَقد تَعَرَّضَ للحَسَدِ والكَراهِيَةِ منَ العَالمِ المَوجودِ حَولَهُ؛ ولكِنَّهُ لم يَشعُر بالمَرارَةِ بسببِ ذلك.
سَادِسًا، لَقَدْ تَعَرَّضَ للاتِّهام؛ ولكِنْ إنْ تَعَرَّضَ للاتِّهامِ فإنَّ تُهْمَتَهُ هِيَ أنَّهُ كَانَ إنسانًا بَارًّا لأنَّهُ لم يَكُن فيهِ عَيب. فَهُوَ كَما يَليقُ بِشَيخِ الكَنيسةِ أن يَكون. كَيف؟ بِلا عَيْب.
سَابعًا، لَقَدْ عُرِفَ بِفَضيلَتِهِ وَنَزاهَتِهِ حَتَّى مِنْ قِبَلِ أعدائِهِ.
ثَامِنًا، لَقد كَانَ مُواطِنًا أمينًا. فَقد كَانَ يَخضَعُ للقوانينِ البَشريَّةِ طَالَما أنَّها لا تَتعارَضُ مَعَ شَرائعِ الله.
تَاسِعًا، لَقد كَانَ مُستَعِدًّا لمُواجَهِةِ أيَّة عَواقِب في إطارِ مَشيئةِ اللهِ، وَأنْ يَترُكَ النَّتيجَةَ لله.
عَاشِرًا، لَقد خَدَمَ بأمانَةٍ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الثَّمَنِ الشَّخصيِّ الَّذي دَفَعَهُ.
الحادي عَشَر، لم يُدافِع يَومًا عَن نَفسِه، بَل كَانَ يَترُكُ الأمرَ لله.
الثَّاني عَشَر، لَقد قَوَّى إيمانَ آخرينَ بأنْ أعطاهُم رَجاءً في الله. ألَم تَرَوْا ذلكَ في المَلِك؟ فالمَلِكُ نَفسُهُ آمَنَ بِقُوَّةِ اللهِ بسببِ إيمانِ دَانيال العَظيم.
الثَّالِث عَشَر: لَقد تَمَّ إنقاذُهُ مِن كُلِّ أذى، وَتَمَّ حِفْظُهُ لِكُلِّ غَايَةٍ في إطارِ مَشيئةِ الله.
الرَّابع عَشَر: إنَّهُ أداةٌ لِمَجْدِ الله. وَأتَمَنَّى أن أتمكَّنَ مِنَ الوَعظِ عن ذلك. فَيجبُ علينا أن نَكونَ، نَحنُ المَسيحيِّينَ، قَبلَ أيِّ شَيءٍ آخر، أداةً لِمَجدِ الله.
الخَامِس عَشَر: لقدِ انتَقَمَ اللهُ لَهُ. لَقَدِ انتَقَمَ اللهُ لَهُ. فاللهُ هُوَ الَّذي انتَقَمَ مِن أعدائِهِ. لِذا، لَم يَكُن بِحاجَةٍ إلى الانتقامِ لنَفسِهِ مِنهُم.
وَأخيرا: لقد تَمَّ تَرفيعُهُ مِنَ الأشخاصِ المُحيطينَ بِهِ وِمِنَ الإلَهِ الَّذي في السَّماء.
هذهِ هِيَ المَبادِئُ الَّتي رَأيناها في هذا الأصحاحِ والَّتي تُظهِرُ الحَياةَ البَارَّةَ لِرَجُلِ الله. وأرجو أن تَكونَ هذهِ المَبادئُ عَمليَّةً بالنِّسبةِ إلَيكُم، وَأنْ يُطَبِّقَها اللهُ على قُلوبِكُم وَقَلبي. دَعونا نُصَلِّي:
نَشكُرُكَ، يا رَبّ، على التَّشويقِ العَظيمِ إذْ نَرى قُوَّتَكَ تَعمَل. فنحنُ نَشعُرُ بأنَّهُ يُمكِنُنا أنْ نَمُدَّ أيدينا وَنَلمَسَ دَانيال. وَنحنُ نَشعُرُ بأنَّهُ يُمكِنُنا أن نَنظُرَ إلى ذلكَ الجُبِّ وَأن نَرى تلكَ الأُسود. فَالقِصَّةُ حَيَّةٌ جِدًّا بالنِّسبةِ إلينا. وَنَحنُ نَعلَمُ أنَّكَ نَفسُ الإلَهِ الَّذي لم يَتغيَّر مِن تِلكَ اللَّحظةِ عَينِها، والَّذي يَلتَقينا عندما نَكونُ في أَمَسِّ الحَاجَةِ إليه. فأنتَ اللهُ الَّذي تُريدُ أن تَستخدِمَنا للتَّغَلُّبِ عَلى المَدِّ والجَزرِ في التَّاريخ. وَأنتَ هُوَ اللهُ الَّذي دَعانا إلى أن نَعيشَ نَفسَ الحَياةِ الَّتي عَاشَها دَانيال في هذا اليومِ مِن حَداثَتِنا إلى شَيخوخَتِنا.
يَا رَبّ، لَيتَكَ تُقيمُ في هذهِ الرَّعيَّةِ وَفي جَميعِ أنحاءِ العَالَمِ رِجالاً وَنِساءً يَتَّصِفونَ بالصِّدْقِ، والاستقامَة، والفَضيلة، ويَعيشونَ حَياةً مُكَرَّسَةً لَكَ تَمامًا، وأشخاصًا يَتألَّمونَ دُونَ أن يَشعُروا بالمَرارةِ لأنَّهُم اسْتَوْدَعُوا أنفسَهُم لِخَالِقٍ أمين.
يا رَبُّ، اجْعَلْنا أشخاصًا مِن هَذا النَّوعِ، واجعَلني شَخصًا مِن هَذا النَّوعِ مِنْ خِلالِ نِعْمَتِكَ العَظيمَة. شَكِّلْني لكي تَكونَ حَياتي ثَابِتَة، ولكي أعرِفَ بَرَكَةَ الشَّيخوخَةِ المُفيدَةِ إنْ تَأنَّى يَسوعُ وَأَطَلْتَ في عُمري. وَأُصَلِّي نَفسَ الصَّلاةِ لِجَميعِ هَؤلاءِ الأحِبَّاءِ المُجتَمِعينَ هُنا. باسْمِ المَسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
