نَعودُ إلى دراسَتِنا الرَّائعةِ لإنجيلِ لُوقا. افتَحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ مِن فَضلِكُم على إنجيل لُوقا والأصحاحِ التَّاسِع. فَهَكذا نُعَزِّزُ عِبادَتَنا كي نَتَمَكَّنَ مِن عِبادَةِ اللهِ بالرُّوحِ والحَقّ. فنحنُ نُعَزِّزُها بحَقِّ كلمةِ الله. فَكُلُّ آيَةٍ كِتابيَّة هي مِنْ عندِ اللهِ. وهي غَنِيَّةٌ وتُعَلِّمُنا الكثير. ولكِنَّ الآيةَ الَّتي نَتأمَّلُ فيها اليوم غَنِيَّة ومُفيدة بِصورة خاصَّة.
وأودُّ أن أَقرأَ الأعدادَ مِن 23 إلى 26 كي تُبْقوها في أذهانِكُم قبلَ أنْ نَبتدئَ في التَّأمُّلِ فيها. إنجيل لُوقا 9: 23: "وَقَالَ لِلْجَمِيعِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا. لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟ لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ".
إنَّهُ مَقطَعٌ قَصير وَلا يَحوي آياتٍ كثيرة ولا حَتَّى كَلماتٍ كثيرة، ولكنَّهُ مَقطَعٌ مَوجودٌ في صَميمِ تَعليمِ يَسوع. فهذا ذَهَبٌ خَالِص...ذَهَبٌ كِتابِيٌّ، بل إنَّهُ أَلماسٌ مِنَ الحَقِّ النَّقِيِّ والسَّاطِع. والموضوعُ هُوَ: اتِّباعُ يَسوع. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 23: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي". فَهُوَ نَصٌّ يُبَيِّنُ لَكَ كَيفَ تَسيرُ وَراءَ يَسوعَ، وكيفَ تَتْبَعُ يَسوعَ، وكيفَ تَصيرُ مَسيحيًّا، وكيفَ تَخلُص، وكيفَ تَنالُ الفِداءَ وتُولَدَ ثانيةً. فهذا هو الموضوع. وَهُوَ تَعليمٌ مُهمٌّ جدًّا.
وهُناكَ شَيءٌ يَصْدُمُكُم مُنذُ البِداية وَهُوَ أنَّ اتِّباعَ يَسوعَ يَتطلَّبُ إنكارَ الذَّات. فَمِنَ الواضحِ أنَّ هَذا هو أوَّلَ شَيءٍ قِيْل: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ". فالإنجيلُ هُوَ دَعوةٌ إلى إنكارِ الذَّات. فهو ليسَ دَعوةً إلى تَحقيقِ الذَّات.
وهذا يُرينا أنَّ الإنجيلَ الحَقيقيَّ مُناقِضٌ تَمامًا للإنجيلِ المُعاصِرِ القائِمِ على تَحقيقِ الذَّاتِ ومُساعَدَةِ الذَّات. فذلكَ الإنجيلُ يَنظُرُ إلى يَسوعَ كما لو كانَ جِنِّيًّا يُمكِنُكَ أنْ تَطلُبَ مِنهُ مَا تَشاء. فأنتَ تَفْرُكُ المِصباحَ فَيَقفِزُ خارِجًا ويقول: "اطلُب تُطاع". وأنتَ تُعطيهِ لائِحَةً بِمطالِبِكَ فَيُنَفِّذُها لَكَ. فهُناكَ أُناسٌ في إطارِ الحَركةِ الإنجيليَّةِ الكَارِزماتيَّةِ يَقولونَ لَكُم إنَّ يَسوعَ يُريدُ أن تَكونوا بِصِحَّة جَيِّدة. وإنْ لم تَكونوا بِصِحَّة جَيِّدة فإنَّ السَّببَ في ذلكَ يَرجِعُ إلى أنَّكُم لم تَطلُبوا مِنهُ أن يَشفيكُم. وَهُم يَقولونَ إنَّ يَسوعَ يُريدُ أن تَكونوا مُزدَهِرينَ وأغنياء. وإنْ لم تَكُونوا كذلك فإنَّ السَّبَبَ هو أنَّكُم لم تَطلُبوا مِنهُ ذلك. ويَسوعُ يُريدُ أن تَتحرَّروا مِنَ الدَّيْن. لِذا، إنْ أرسلتُم إلى المُبَشِّرينَ على المَحَطَّاتِ التِّلِفزيونيَّةِ دَعْمًا مَاليًّا كَافيًا سَتَتَحَرَّرونَ بِفَضْلِ إيمانِكُم مِنَ الدَّينِ، أوْ مِنْ شَيْطانِ الدَّيْنِ (كَما يُسَمُّونَهُ غَالِبًا) لأنَّ يَسوعَ لا يُريدُكَ أنْ تَختَبِرَ أيَّ مَتاعِب أو أيَّ مَشاكِل. فَخلاصُكَ يَضْمَنُ لَكَ الصِّحَّةَ، والغِنَى، والازدِهارَ، والسَّعادة.
ويَقولُ لكَ المُبَشِّرونَ الَّذينَ يُرَكِّزونَ على عِلْمِ النَّفسِ والإنسانِ إنَّ يَسوعَ يُعطيكَ سَلامًا، وإنَّ يَسوعَ يُعطيكَ فَرَحًا، وإنَّ يَسوعَ يَجعَلُكَ رَجُلَ مَبيعاتٍ أفضَل، وإنَّ يَسوعَ يُساعِدُكَ على تَحقيقِ مَبيعاتٍ أكثر، وإنَّ يَسوعَ يُريدُ حَقًّا أن يَجعلُكَ تَشعُرَ بمشاعِرَ أفضل تُجاهَ نَفسِك، وإنَّهُ يُريدُ أن يُحَسِّنَ صُورَتَكَ عن نَفسِك، ويُريدُ أن يَضَعَ حَدًّا لتفكيرِكَ السَّلبيِّ.
ومِنَ المُدهِشِ كيفَ أنَّ هذا التَّيَّارَ تَسَلَّلَ إلى الكنيسة. فقد رَاقَبْتُهُ نَوعًا مَا على مَرِّ السِّنين. فقد عِشْتُ وَقتًا كَافيًا لرُؤيَتِهِ يَتَسَلَّل. وقد تَسَلَّلَ حَقًّا، في اعتقادي، مِن خِلالِ خِدمةِ "روبرت شولر" (Robert Schuller). فقبلَ سَنواتٍ عَديدة، كَتَبَ كِتابًا بعُنوان: "تَقدير الذَّات: الإصلاح الجَديد" (Self-Esteem: The New Reformation). وقد رَاجَعْتُ ذلكَ الكِتاب (وقد نَشَرَتْ مَجَلَّةٌ مَحليَّةٌ المُراجَعَةَ الَّتي أَجرَيْتُها) لأنِّي ارتأيتُ أنَّها نُقْطَةُ تَحَوُّل. فقد كانت مُحاولةً للتَّرويجِ لإصلاحٍ جَديد. وقد كانت مُحاولةً للاستعاضَةِ عنِ الإنجيل، أيِ الإنجيلِ الكِتابِيِّ، بإنجيلٍ جَديد. وقد نَجَحَتْ تلكَ المُحاولة.
ففي ذلكَ الكِتاب (تَقديرُ الذَّاتي: الإصلاحُ الجَديد)، يَكتُبُ "روبرت شولر": "في هذهِ النُّقطةِ تَحديدًا، يُخطئُ اللَّاهوتُ الكلاسيكيُّ في إصرارِهِ على أنَّ اللَّاهوتَ يَنبغي أن يُرَكِّزَ على اللهِ لا على الإنسان" [نِهايةُ الاقتباس]. لِذا، فقد كانت هذهِ هي بِدايةُ الاعتِراضِ على اللَّاهوتِ الكلاسيكيّ. فأوَّلُ شَيءٍ يَنبغي أن نَفعَلَهُ هُوَ أنْ نَضَعَ حَدًّا للَّاهوتِ الكلاسيكِيّ. فيجب علينا أن نُنْهي اللَّاهوتَ الَّذي يُرَكِّزُ على اللهِ وأنْ نَستَعيضَ عنهُ بلاهوتٍ يُرَكِّزُ على الإنسان. وهذا اعتِداءٌ سَافِرٌ جدًّا. ولكِنَّ هذا هو تَمامًا ما كانَ يَحدُث.
وَهُوَ يَكتُبُ أيضًا: "إنَّ خُطَّةَ اللهِ الرَّائعة هذه مُصَمَّمَة لإشباعِ أعمَقِ حَاجاتِ البَشَر". وما هي هذهِ الحَاجات؟ "الكَرامَة الشَّخصيَّة، واحتِرامُ الذَّاتِ، واعتِبارُ الذَّاتِ، وتَقديرُ الذَّات. فاللُّؤلؤةُ الكثيرةُ الثَّمن هي الاحترامُ الحقيقيُّ للذَّات والتَّقديرُ الحَقيقيُّ للذَّات" [نِهايةُ الاقتباس].
وَهُوَ يَكتُبُ أيضًا: "إنْ تَبِعْنا خُطَّةَ اللهِ بأكبرِ قَدرٍ مُمكِنٍ مِنَ الأمانَة، سنَشعُرُ بمشاعِر طَيِّبَة تُجاهَ أنفُسِنا". فهذا هو إنجيلُ الحَركةِ الإنجيليَّة. فهو إنجيلٌ المَشاعِرِ الطَّيِّبَة؛ أيْ أنْ تَشعُرَ بمشاعِر طَيِّبَة تُجاهَ نَفسِك. ثُمَّ إنَّهُ يُتابِعُ حَديثَهُ قَائِلاً: "اللهُ يُريدُ مِنكُم ومِنِّي أنْ نُساعِدَ في تَأسيسِ مُجتمعٍ يَضُمُّ أُناسًا يُقَدِّرونَ بَعضُهُم بعضًا". المَعذرة إنْ لم أَنضَمَّ إليكُم. فلا يُمكِنُني أن أُفَكِّرَ في مَجموعة أخرى لا أُبالي البَتَّة في الانضمامِ إليها.
لِذا، في هذهِ المُحاولةِ للقيامِ بإصلاحٍ جَديد، أوَّلُ شَيءٍ يَنبغي أن تَقومَ بِهِ هُوَ أن تَمْحو اللَّاهوتَ التَّاريخيَّ الكلاسيكيَّ الَّذي يُرَكِّزُ على اللهِ، وأنْ تَستعيضَ عنهُ بلاهوتٍ يُرَكِّزُ على الإنسانِ، وعلى عِلْمِ النَّفسِ، وعلى تَقديرِ الذَّات، وأن تَجعلَ كُلَّ شَيءٍ في الكتابِ المقدَّسِ والإنجيلِ يَرْمي إلى جَعْلِ النَّاسِ يَشعرونَ بمشاعِرَ أفضَل تُجاهَ أنفُسِهم كي يُحَقِّقوا أَحلامَهُم، وكي يُحَقِّقوا طُموحاتِهم. كَما أنَّهُ يَقولُ: "هَدَفُ اللهِ الأسمَى هو أنْ يَجعَلَكُم ويَجَعلَني أشخاصًا واثِقينَ بأنفُسِنا". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ (وسوفَ أكتَفي باقتباسٍ آخرَ فقط): "حَالَما يُؤمِنُ المَرءُ بأنَّهُ خَاطِئٌ غيرُ مُستَحِقٍّ، مِنَ المَشكوكِ فيهِ حَقًّا إنْ كانَ سيَقبلُ بِصِدْقٍ النِّعمةَ المُخَلِّصَةَ الَّتي يُقَدِّمُها اللهُ في المَسيح" [نِهايةُ الاقتباس].
إذًا، بحسبِ الإنجيلِ الجَديد، إنْ أردتَ أن تَخلُص، لا يُمكِنُكَ أن تُؤمِنَ بأنَّكَ خَاطِئٌ غيرُ مُستَحِقٍّ. ويا لَهُ مِن تَعليمٍ مُنحَرِفٍ! وما أبعدَ ذلكَ عنِ الحَقّ! ولكنَّهُ الإنجيلُ الَّذي يُرَكِّزُ على الإنسانِ وعلى تَقديرِ الذَّاتِ. وهو الإنجيلُ الَّذي تَبَنَّاهُ التِّلميذُ الأوَّلُ لروبرت شولر، وَهُوَ: "بيل هايبلز" (Bill Hybels) وتَرْجَمَهُ إلى حَرَكَةٍ وُدِّيَّةٍ اخْتَطَفَتِ الحَركةَ الإنجيليَّة. فهي أَشْبَهُ بنَرجِسيَّة تَرتَدي عَباءَةً مَسيحيَّةً. وهي مَحَبَّة للذَّات. وهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفاتِ المُعَلِّمينَ الكَذَبة (بحسب ما جاءَ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوس) إذْ نَقرأُ: "وَلكِنِ اعْلَمْ هذَا أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ، لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ".
وقد صَارتِ المَسيحيَّةُ حَرَكة تَدعو إلى "الأخذ" عِوَضًا عن أن تَكونَ حَرَكَةً تَدعو إلى "العَطاء". فالقَصْدُ الإلهيُّ مِنَ الإنجيلِ تَعَرَّضَ للتَّشويه. وَقد استُعيضَ عن طَلَبِ مَجْدِ اللهِ بمُحاولةِ إشباعِ حَاجاتِ الإنسان. وقد استُعيضَ عن بَذْلِ حَياتِكَ لأجلِ إكرامِ المَسيحِ بإكرامِ المَسيحِ لَك. فكُلُّ شَيءٍ تَعَرَّضَ للتَّشويه. والإنجيلُ الحَقيقيُّ لم يَعُد دَارِجًا.
وهُناكَ قِدِّيسٌ عَاشَ قَبلَ قُرونٍ عَديدة فَهِمَ ذلكَ الأمرَ جَيِّدًا. وقد كَتَبَ الصَّلاةَ التَّالية: "أيُّها الرَّبُّ المُرتَفِعُ القُدُّوسُ، المُتواضِعُ والمُحْتَقَر، دَعْني أَتعلَّمُ مِنْ خِلالِ المُفارَقاتِ أنَّ طَريقَ الاتِّضاعِ هُوَ طَريقُ المَجْدِ، وأنَّ الاتِّضاعَ يَعني الارتِفاعَ، وأنَّ القلبَ المُنكَسِرُ هُوَ القَلبُ المُعافَى، وأنَّ الرُّوحَ المُنْسَحِقَ هُوَ الرُّوحُ الفَرِح، وأنَّ النَّفسَ التَّائبة هي النَّفسُ المُنتَصِرة، وأنَّ عَدَمَ امتلاكِ أيِّ شَيءٍ يَعني امتلاكَ كُلِّ شَيء، وأنَّ حَمْلَ الصَّليبِ هُوَ ارتِداءٌ للإكليل، وأنَّ العَطاءَ هُوَ الأخذ. دَعْني أَرى نُورَكَ في وَسْطِ ظَلامي، وفَرَحَكَ في وَسْطِ حُزْني، ونِعمَتَكَ في وَسْطِ خَطيَّتي، وغِناكَ في وَسْطِ فَقري، ومَجدَكَ في الوادي الَّذي أَعبُرُهُ، وحَياتَكَ في مَوتي".
حَياتَكَ في مَوتي؟ هذا هو الإنجيلُ الحَقيقيُّ. فهو ليسَ إعلاءً لِذاتي، بل بَذْلٌ لِذاتي. وقد قالَ يَسوع: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي". فَهُوَ بَذْلٌ للذَّات. فأنتَ تَفوزُ مِن خِلالِ خَسارَتِك. وأنتَ تَعيشُ مِن خِلالِ مَوتِك. وهذا هو جَوهَرُ وَصَميمُ رِسالةِ الإنجيل. وهذا هُوَ لُبُّ التَّلمذة.
فهذا النَّصُّ ليسَ نَصًّا مُبْهَمًا. وهو ليسَ شَيئًا مُختَلِفًا عنِ التَّعليمِ الاعتياديِّ ليسوع، بل إنَّها المبادئُ الَّتي عَلَّمَها طَوالَ خِدمَتِهِ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّة، تِلْوَ المَرَّة في جَميعِ السِّياقاتِ المُختلِفَة.
واسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لَكُم ذلك. افتَحوا قليلاً على الأصحاحِ العَاشِرِ مِنْ إنجيل مَتَّى. إنجيل مَتَّى 10: 34. فقد كانَ يَسوعُ يَتحدَّثُ في الآيةِ السَّابقةِ عنِ الاعترافِ بِهِ؛ أيْ عنِ الاعتِرافِ بِهِ رَبًّا ومُخَلِّصًا. وهو يَقولُ في العدد 32: "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِـي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". لِذا فإنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ الاعتِرافِ بالمَسيحِ رَبًّا. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 34 مَا يَلي: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ".
فأوَّلُ شَيءٍ يَحدُثُ إنْ جِئتَ إلى المَسيح هو أنَّ هذا قد يَجعَلُ عائِلَتَكَ بحالٍ أسوأ وليست أفضل. فقد يُحْدِثُ ذلكَ شَرْخًا في عَائِلَتِك لم تَختَبِر مَثيلاً لَهُ مِن قَبل. ولكِنَّ هَذا هُوَ مَا يَجري لأنَّكَ إنْ سَلَّمْتَ حَياتَكَ ليسوعَ المسيح، ستَكونُ هُناكَ فَجوة يَصْعُبُ جَسْرُهَا بينَكَ وبينَ أفرادِ عائلَتِكَ الَّذينَ لم يَأتوا إليه. فالعدد 37 يَقول: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِــي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِــي". فإنْ لم تَكُن مُستعدًّا لِدَفعِ ثَمَنِ الشَّرْخِ الدَّائمِ في عائِلَتِكَ إلى أنْ يأتي هؤلاءِ الأشخاصُ إلى المَسيح، وإن لم تَكُن مُستعدًّا لِدَفعِ ثَمَنِ حُدوثِ صَدمةٍ أكبَر في عائِلَتِك، وصِراعٍ أكبَر في عائِلَتِك، ومُعاناةٍ أكبَر في عائِلَتِك، فإنَّكَ لا تَستحقُّ حَتَّى أنْ تَكونَ تِلميذي.
وَهُوَ يَقولُ في العَدد 38: "وَمَنْ لاَ يَأخُذُ صَلِيبَهُ...". وقد كانَ الصَّليبُ مُقتَرِنًا بشيءٍ واحدٍ...شَيءٍ واحدٍ فقط. فقد كانَ الصَّليبُ أداةَ مَوْت. فقد كانَ وَسيلَةَ إعدام. وَحَتَّى إنَّ يَسوعَ يَمْضِي إلى ما بَعدَ ذلك قائلاً: "إنْ لم تَكُن مُستعدًّا لحدوثِ خِلافٍ بينَكَ وبينَ عَائِلَتِكَ فإنَّكَ لا تَستحقُّ أن تَكونَ تِلميذي". وإنْ لم تَكُن مُستعدًا لحدوثِ خِلافٍ بينَكَ وبينَ العالَمِ إلى الحَدِّ الَّذي قد يُكَلِّفُكَ فيهِ ذلكَ حَياتُكَ، فإنَّكَ لا تَستَحِقُّني.
ونَقرأُ في العَدد 39: "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِــي يَجِدُهَا". فالأمرُ يَختصُّ بفُقدانِ حَياتِك. فهو ليسَ لاهوتًا يُرَكِّزُ على الإنسان، بل هُوَ لاهوتٌ يُرَكِّزُ على المَسيحِ ويَقول: "أنا أُقَدِّمُ كُلَّ شَيءٍ إلى المَسيح بِغَضِّ النَّظَرِ عنِ الكُلفة الَّتي سَأتحمَّلُها". فهذا هو ما جاءَ في مَتَّى 10.
ومَرقُس 10 هُوَ مَثَلٌ آخَرُ على تَعليمِ يَسوعَ هذا. فهذا الأمرُ مَوجودٌ بِكُلِّ تأكيدٍ في صَميمِ تَعليمِ يَسوع. لِذا فإنَّ هذهِ الآياتِ القَليلة ستَحتاجُ مِنَّا إلى صَرْفِ وَقْتٍ في دِراسَتِها بِتَمَعُّنٍ لأنَّهُ يَنبغي لنا أن نَفهَمَها.
إنجيل مَرقُس 10: 21. وَهُنا، يَتحدَّثُ يَسوعُ إلى هذا الشَّابِّ الغَنِيِّ الَّذي يُريدُ الحَياةَ الأبديَّة. فَهُوَ يَسألُ في العدد 17 عنِ الحياةِ الأبديَّة. ويَسوعُ يُكَلِّمُهُ (إنْ كُنتُم تَذكرونَ ذلك). وإنْ جَمَعْتُمْ أَطرافَ القِصَّةِ كُلّها فإنَّ يَسوعَ يُواجِهُهُ بِخطيَّتِه، ولكنَّهُ لا يُقِرُّ بها ولا يَتخلَّى عن بِرِّهِ الذَّاتِيِّ؛ وهذهِ هي أسوأ خَطِيَّة. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ يَتحدَّثُ عن أموالِهِ، ولكنَّهُ لا يُبدي الاستعدادَ للتَّخَلِّي عن أموالِهِ. صَحيحٌ إنَّهُ يُريدُ يَسوعَ، وصَحيحٌ أنَّهُ يُريدُ الحَياةَ الأبديَّة، ولكِنَّ يَسوعَ يُواجِهُهُ قَائِلاً لَهُ: "يجبُ عليكَ أن تَتخلَّى عن بِرِّكَ الذَّاتِيِّ؛ أيْ أنَّهُ يَجِبُ عليكَ أن تُقِرَّ بأنَّكَ شخصٌ غيرُ مُستَحِقٍّ، وأنَّكَ خَاطِئٌ بَائِس. ويجبُ عليكَ أن تُبدي الاستعدادَ للتَّخَلِّي عن كُلِّ مَمتلكاتِكَ الأرضيَّةِ إنْ طَلَبْتُ مِنْكَ ذلك".
ولَعَلَّكُم تَذكرونَ القِصَّة. فهو لم يَكُن مُستعدًّا لفِعْلِ ذلك. وفي العَدد 21: "فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ، وَقَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي". فقد قالَ يَسوعُ: "إنَّ الثَّمَنَ يَقتَضِي مِنْكَ أنْ تَكونَ مُستعدًّا للتخلِّي عن كُلِّ شَيء. قد لا أطلُبُ مِنكَ ذلك، ولكنِّي قد أطلُبُ مِنكَ ذلك. فالثَّمَنُ يَقتضي أن تَكونَ مُستعدًّا".
"فَاغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ". وكأنَّ لِسانَ حَالِهِ هُوَ: "أنا أُفَضِّلُ الاحتفاظَ بأموالي، وأُفَضِّلُ الاحتفاظَ بمُمتلكاتي على الحُصولِ على يَسوع". في هذهِ الحالةِ، أنتَ لا تَستحقُّ أن تَكونَ تِلميذي. فإن لم تَكُن مُستعدًّا للانفِصالِ عن عائِلَتِك، ولم تَكُن مُستعدًّا للانفصالِ عنِ العالَم، ولم تَكُن مُستعدًّا للانفِصالِ عنِ الأشياءِ الماديَّةِ الَّتي تَمتَلِكُها، فإنَّ هذا يَعني أنَّ يَسوعَ ليسَ قَيِّمًا في نَظَرِك. فهو عَرْضٌ بالحُصولِ على كُلِّ شَيءٍ أو فُقْدانِ كُلِّ شَيء.
والآن، لِنُتابِع ما جَاءَ في إنجيلِ لوقا والأصحاحِ التَّاسِعِ مَرَّةً أخرى. افتَحوا على نِهايةِ الأصحاح؛ وتَحديدًا على العَدد 57. ومِنَ المُهِمِّ لنا جَميعًا أن نَفهمَ هذهِ النُّقطة. وهي نُقطة عَمليَّة جدًّا كَما سأُبَيِّنُ لكم: "وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ فِي الطَّرِيق...". فقد كانَ يَسوعُ يَسيرُ في الطَّريق. وَكانَ هُناكَ أشخاصٌ يَتبَعونَهُ مِنَ التَّلاميذِ والأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَ أن يَصيروا تَلاميذَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: "أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي". حَقًّا؟ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "نَحْنُ لن نَذهبَ إلى مُنْتَجَع ’ريتز-كارلتون‘ (Ritz-Carlton). وأرجو أَلَّا يُؤثِّرَ ذلكَ سَلبيًّا في قَرارِك". "لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأسَهُ". فإنْ تَبِعتَني، ستَخسَرُ كُلَّ شَيء. فهذا هو الثَّمَن. اعلَم ذلكَ وَحَسْب. فيسوعُ لم يَقُل لَهُ: "هذا رائعٌ! اتْبَعْني! فسوفَ تَكونُ سَعيدًا. وسوفَ تَتمتَّعُ بِالصِّحَّةِ الجَيِّدةِ، وتَكونُ غَنِيًّا ومُزدَهِرًا ونَاجِحًا"، بل قالَ لَهُ: "اعلَم هَذا وَحَسْب: أنا ليسَ لي مَكانٌ أُسْنِدُ فيهِ رَأسي. سوفَ يُكَلِّفُكَ ذلكَ كُلَّ شَيء".
"وَقَالَ لآخَرَ: «اتْبَعْنِي». فَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي»". والمَعنى المَقصودُ هُنا هُوَ أنَّ أَباهُ لم يَكُن قد مَاتَ بَعْد. فما الَّذي قَصَدَهُ بِقولِهِ إنَّهُ يُريدُ أنْ يَدفِنَ أَباهُ؟ أنْ يَذهَبَ إلى العَزاء؟ لا، بل أنْ يَبقى هُناكَ إلى أنْ يَحصُلَ على المِيراث. فقد سَمِعَ يَسوعَ يَقولُ إنَّهُ لن يَحصُلَ على شَيءٍ إنْ تَبِعَ يَسوع. ولم يَكُن يَسوعُ يَملِكُ أيَّ شَيءٍ يُعطيهِ إيَّاه. لِذا فقد أرادَ أن يَبقى في بيتِ أبيه إلى أن يَتمكَّنَ مِنْ وَضْعِ ثَروةٍ في حَقيبَتِه قبلَ أنْ يَتْبَعَ يَسوع. وقد مَضَى ذلكَ الرَّجُلُ أيضًا.
ولكِنَّ يَسوعَ يَقولُ إنَّ المِعيارَ هُوَ نُكرانُ الذَّاتِ تَمامًا. فإنْ فَتَحْتُم على الأصحاحِ الرَّابِع عَشَر مِن إنجيل لُوقا (وأنا أُعَرِّفُكُمْ وَحَسْب بهذهِ الأزمِنَةِ والأمكِنَةِ الَّتي تَحَدَّثَ فيها يَسوعُ عن هذا الموضوع) سَتَجِدونَ أنَّ الرِّسالةَ هِيَ نَفسُها دائمًا. فهُناكَ حَشْدٌ كَبيرٌ في الأصحاح 14 والعَدد 25. وَقد كانُوا يَسيرونَ مَعَ يَسوع. فَالْتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ...". هل تُريدونَ كُلُّكم أن تَتبعوني؟ هل تُريدونَ أن تَكونوا تَابِعينَ لي؟ "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". فالأمرُ لا يَتَمَحْوَرُ حَولَكَ أنت. والأمرُ لا صِلَةَ لَهُ بِتَقديرِكَ لنفسِك، بل هُوَ يَختصُّ بخطيَّتِك، وبيأسِك، وبنظرَتِكَ إلى المَسيحِ بِوَصْفِهِ لا يُقَدَّرُ بِثَمَن، وبِوَصْفِهِ قَيِّمًا جِدًّا لأنَّهُ مُخَلِّصُكَ مِنَ الخَطيَّة والموتِ وَجَهَنَّم حَتَّى إنَّكَ تُبدي الاستعدادَ للتَّخَلِّي عن كُلِّ شَيء. فإنْ كانَ ذلكَ سَيُكَلِّفُكَ عائِلَتَكَ، وإنْ كانَ سَيُكَلِّفُكَ زَواجَكَ، فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 27 إنَّهُ يَنبغي لكَ أنْ تَحمِلَ صَليبَكَ. وإنْ لم تَحمِل صَليبَكَ (أيْ إن لم تَكُن مُستعِدًّا للموتِ وَبَذْلِ حَياتِكَ واتِّباعي)، فإنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَكونَ لي تِلميذًا. ولا يُوجَد كَلامٌ أوضَحُ مِن هذا.
وفي الأصحاحِ السَّابِع عَشَر مِن إنجيل لُوقا، يَتحدَّثُ يَسوعُ مَرَّةً أخرى في مُناسبةٍ أخرى فيقولُ ما يَلي في العَدد 33: "مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ أَهْلَكَهَا يُحْيِيهَا". وَهُوَ نَفسُ المَبدأ. فإنْ حَاولتَ أن تَتَشَبَّثَ بِنَفسِكَ، وخُطَطِكَ، وبَرنَامَجِكَ، ونَجاحِكَ، وتَقديرِكَ لِذاتِكَ، سَتَخسَر. سَتَخسَر.
وفي الأصحاحِ الحادي والعِشرين مِن إنجيلِ يُوحَنَّا (وكَما تَعلمونَ، فإنَّ يُوحَنَّا لم يَتَخَلَّ عن هذا التَّعليمِ الجَوهريِّ الَّذي عَلَّمَهُ يَسوعُ إذْ نَقرأُ في إنجيل يُوحَنَّا 12: 24): "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ". أيْ: "إنْ أردتُم أن تأتوا بِثَمَرٍ كَثير، اتبَعوني" كَما يَقولُ يَسوع. "فذلكَ سَيُكَلِّفُكُمْ حَياتَكُم. فَيَنبغي أن تَموتوا". "مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ [في العَدد 25] يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي". والطَّريقُ الَّذي كانَ سَيَسلُكُهُ هُوَ طَريقٌ يُؤدِّي إلى الاضْطِهادِ والمَوت.
لِذا، أنتَ تُريدُ أن تَأتي وَراءَ يَسوع. أليسَ كذلك؟ وَأنتَ تُريدُ أن تَتبَعَ يَسوعَ. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّ ذلكَ سيُكَلِّفُكَ بِكُلِّ تأكيد كُلَّ شَيءٍ. صَحيحٌ أنَّ الرَّبَّ قد لا يَأخُذُ حَياتَكَ، وأنَّهُ قد لا يأخُذُ أموالَكَ، وقد لا يأخُذُ عَائِلَتَكَ أو شَريكَ الحَياةِ، وأنَّهُ قد لا يأخُذُ عَمَلَك؛ ولكِنْ يجب عليكَ أن تَكونَ مُستَعِدًّا لِفُقدانِ ذلكَ إنْ كانَ هَذا هُوَ مَا يُريدُه. وَلا بُدَّ أنْ تَكونَ في حَاجَةٍ مَاسَّةٍ جِدًّا إلى قَبولِ المَسيحِ أيًّا كانَتِ النَّفَقَة.
والآن، لِنَنظُر قَليلاً إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 16 لأنَّنا لا نَستطيعُ أن نَفهَمَ الصُّورةَ الكاملةَ للمَقطَعِ المَذكورِ في إنجيل لُوقا إلَّا إذا قَارَنَّاهُ بمَتَّى 16 لأنَّهُما مُتَوازِيان؛ ولكِنَّ مَتَّى يَذكُرُ مَزيدًا مِنَ المَعلومات. والمَشهَدُ هُنا يُرينا أنَّ الأوانَ كانَ قد حَانَ لامتِحانِ التَّلاميذ (كَما تَذكرونَ أنَّنا قُلنا في العِظَةِ السَّابقة). فهو وقتُ امتحان. وهُناكَ سُؤالٌ واحدٌ فقط في الامتحان. والسُّؤالُ الوَحيدُ في الامتحان مَذكورٌ في إنجيل مَتَّى 16: 15: "قَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟»" فبعدَ سَنَتَيْنِ مِنَ التَّدريبِ، والكَشفِ، والإعلانِ، والمُعجِزاتِ، والآياتِ، والعَجائِبِ الَّتي صَنَعَها يَسوعُ، وبعدَ كُلِّ تَعليمِه، حَانَ الوقتُ لإخضاعِهم للامتِحانِ النِّهائيِّ في مَدرسةِ التَّلمذة. لِذا، هُناكَ سُؤالٌ واحِدٌ فقط في الامتِحان وَهُوَ: "مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" وقد عَرَفُوا الإجابَةَ الصَّحيحة. "فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ [نِيابَةً عنهُم جَميعًا]: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!»". فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَـى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". فقد قَبِلتُم إعلانَ اللهِ. وقد رأيتُم ما يُعلِنُهُ اللهُ مِن خِلالي. وقد فَهِمتُم. فهذا هو الجَوابُ الصَّحيح. وهذه هي نُقطةُ الذّروةِ في أيِّ تَدريبٍ على التَّلمَذة. فقد وَصَلوا إلى الاستِنتاجِ السَّليمِ بخُصوصِ يَسوعَ المَسيح. وهذا ضَروريٌّ جدًّا للخَلاص. فَهُوَ مَسيحُ اللهِ، وَمَسِيَّا اللهِ، وابنُ اللهِ، والمُخَلِّصُ الَّذي أَرسَلَهُ اللهُ، والَّذي تَحَقَّقَتْ فيهِ كُلُّ وُعودِ العهدِ القديم. وكُلُّ ما قَالَهُ يَسوعُ عَن نَفسِهِ هُوَ في الحَقيقةِ صَحيح. وهذا هُوَ أعظَمُ اعتِرافٍ، وأَسْمَى اعتِراف.
ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الأناجيلَ كُتِبَتْ "لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ". وقد آمَنوا فَصارَتْ لَهُمُ حَياةٌ باسمِهِ. وهذهِ هي لَحظَةُ اعتِرافِهِم العَظيمَة. فقد فَهِموا ذلكَ فَهْمًا صَحيحًا.
ورَدًّا على ذلكَ، يأتي التَّأكيدُ: "لقد حَصَلْتُمْ على الرِّسالةِ مِنَ اللهِ. وقد رأيتُم ما يَقولُهُ اللهُ مِن خِلالي. وقد فَهِمتُم ذلكَ فَهمًا صَحيحًا. وهذا رائعٌ. وهُناكَ شَيءٌ أُريدُ أن أَقُولَهُ لَكَ يا بُطرُس [في العَدد 18]: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنـِــي كَنِيسَتِي". وتُوجَدُ مُبايَنَة هُنا. "أنتَ بُطرُس"؛ أيْ أنتَ صَخرة صَغيرة. ولكِنْ على هَذِهِ الصَّخرةِ..." (وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا كلمةً مُختلفة) "أَبْنِي كَنيسَتي". وَهي مُبايَنَة صَغيرة. فما هي تلكَ الصَّخرة الكَبيرة؟ إنَّها الاعتِرافُ بِهِ وَبِشَخصِه.
"أَبْني كَنيسَتي" (كَما يَقولُ) "وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا". وهذا رائعٌ. فقد عَرَفتُمُ الإجابةَ الصَّحيحةَ. وأنا سأقولُ لَكُم شَيئًا: "سوفَ أَبني كَنيسَتي، وأبوابُ الجَحيمِ...". وما هي هَذِه؟ الجَحيمُ هُوَ مَثْوَى الأموات. والبَوَّابَةُ هي الطَّريقةُ الَّتي تَموتُ بِها. وَهُوَ يَعني بذلكَ المَوت. لِذا فإنَّ "أبوابَ الجَحيمِ" هي [بِبَساطَة]: المَوت. والشَّيطانُ لَهُ سُلْطَانُ المَوْت. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين أنَّ لَهُ سُلطان المَوتِ في العَالَم. فهذا هو أقوى سُلطانٍ لَديه. ولكِنَّ سُلطانَ الشَّيطانِ على المَوتِ لن يَتَمَكَّنَ أيضًا مِن مَنْعِ الرَّبِّ مِنْ بِناءِ كَنيسَتِه.
وهذهِ مُلاحَظة تَدُلُّ على الانتِصار. لقد أَجَبْتُم جَوابًا صَحيحًا عنِ السُّؤال. وقدِ اجْتَزْتُم الامتِحانَ وحَصَلتُم على عَلامة مُمتازَة. وأنا أقولُ لَكُم، يا رِفاق، إنَّهُ بِناءً على تلكَ الحَقيقة العَظيمة والمَجيدة بأنِّي سأبني كَنيسَتي، وبأنَّ سُلطانَ الشَّيطانِ الهِائِلِ على المَوتِ لن يَمْنَعَني مِنَ القِيامِ بذلك. فَضلاً عن ذلك، لن أكتَفي فقط ببِناءِ كَنيسَتي، بل إنِّي سأُعطيكُم مَفاتيحَ مِلكوتِ السَّماوات. فسوفَ تَتَمَكَّنونَ مِنْ فَتْحِ بَابِ المَلكوتِ وإدخالِ النَّاسِ إليه.
كيف؟ لأنَّهُم سَيَكرِزونَ بالإنجيل. فكيفَ تَدخُلونَ مَلكوتَ السَّماوات؟ وما المِفتاحُ الَّذي يَفتَحُ البَاب؟ إنَّهُ الإنجيل. أليسَ كذلك؟ لِذا، سوفَ تَكونونَ كَارِزينَ بالإنجيلِ باسمي. وَ "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاء". والرَّبْطُ وَالحَلُّ فِكرة قَديمة مِنْ أفكارِ أَحْبَارِ اليَهود. فقد كانَ أَحْبارُ اليَهودِ يَقولونَ للشَّخصِ الَّذي لا يَتوب: "أنتَ مَربوطٌ في الخَطيَّة". وكانوا يَقولونَ للشَّخصِ الَّذي يَتوبُ: "أنتَ في حِلٍّ مِنَ الخَطيَّة لأنَّ اللهَ يَغفِرُ لِمَن يَتوبون". لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقولُ للرُّسُل: "سوفَ تَفعلونَ الشَّيءَ نَفسَهُ. فسوفَ تَفتَحونَ المَلكوتَ بالإنجيلِ، وتَقولونَ للخُطاةِ الَّذينَ يَتوبونَ إنَّهُمْ في حِلٍّ مِنْ خَطاياهُم، وتَقولونَ للخُطاةِ الَّذينَ لا يَتوبونَ إنَّهُمْ مَربوطونَ بِخَطاياهُم". فسوفَ تَكونونَ مَندوبينَ عَنِّي. وسوفَ تَكونونَ وُكلاءَ مُفَوَّضينَ عَنِّي في العَالَم. وسوفَ تَأتونَ بالنَّاسِ إلى المَلكوت".
ويُمكِنُكم أن تَشعُروا بالحَماسِ يَتَصاعَد: "هَذا هُوَ ما كُنَّا نَحْلُمُ بِهِ يا رِفاق. وهذا هو ما كُنَّا نَنْتَظِرُ حُدوثَهُ مُنذُ سَنَتَيْن على أملِ أن يَحدُث. فهو المَسِيَّا. وَهُوَ سَيَبني الكَنيسةَ. ولا يُوجدُ شَيءٌ يَستطيعُ أن يُوقِفَها. وسوفَ نُعْطَى السُّلطانَ لِفَتحِ وإغلاقِ المَلكوت. فالأمرُ لن يَكونَ بِيَدِ النِّظامِ الدِّينيِّ اليَهوديِّ القَائِم، ولا بِيَدِ الكَتَبَةِ ورُؤساءِ الكَهَنَةِ والشُّيوخ، بل إنَّنا سنَفعَلُ ذلكَ بأنفُسِنا. وسوفَ نَكونُ الأعمدةَ الرَّئيسيَّةَ والحِجارةَ الأساسيَّةَ في المَلكوت. هذا هُوَ ما كُنَّا نَنتَظِرُه". ثُمَّ تأتي الجُملةُ الصَّاعِقَةُ جِدًّا في العَدد 20: "حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ".
وهذا ليسَ مَنطِقِيًّا لأنَّهُم بَكَوْا للتَّوِّ مِنْ فَرْطِ التَّأثُّرِ بِما حَدَثَ قبلَ قَليل حينَ سَمِعوا ما قالَهُ عن سُلطانِ الكَنيسَةِ، وحَصانَتِها، وعن هُويَّةِ يَسوعَ. ولكنَّهُ يَقولُ الآن: "لا تُخبِروا أحدًا. فالوقتُ لم يَحِنْ بَعد". ونَقرأُ في العَدد 21: "مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ.
ويا لَهُ مِنْ شَيءٍ مُحْبِط! فيَسوعُ يَقولُ: "لا تَقولوا لأحدٍ لأنَّ الخُطَّة تَقْتَضي مِنِّي أَلَّا أُؤسِّسَ مَلكوتي الآن، ولأنَّ الخُطَّةَ تَقتَضي مِنِّي أَلَّا أدخُلَ إلى مَجْدي الآن. فالخُطَّةُ تَقتضي مِنِّي أنْ أُقتَلَ مِنْ قِبَلِ المُؤسَّسَة اليهوديَّة". وما أعنيه هو أنَّ هذا كانَ صَادِمًا حَقًّا بعدَ أنْ تَشَجَّعُوا جِدًّا بحقيقةِ أنَّهُ المَسيَّا، وبأنَّهُ سَيَبني الكَنيسةَ، وبأنَّ سُلطانَ المَوتِ لن يَقوى عليها، وبأنَّهُم قد أُعْطوا هذا السُّلطانَ، وبأنَّهُ يُمكِنُهم أن يَذوقوا طَعْمَ المَلكوت، وبأنَّهُ يُمكِنُهم أن يَشعروا بالمَجدِ الآتي. ويُمكِنُكم أن تَقولوا إنَّهُم كانوا يَشعرونَ بِحَرارَةِ حُضورِ الله. فالصِّحَّةُ والغِنى والرَّخاءُ كانت قَريبَةً جِدًّا مِنهُم. ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّ يَسوعَ سَيقضي على القادَةِ المُرتدِّينَ اليَهود، وأنَّهُم سيكونونَ القادَةَ الجُدُدَ لإسرائيل. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ سَيَقضي على المُضْطَهِدينَ الرُّومان، والمُحْتَلِّينَ، والوَثنيِّينَ. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ سيَشفي كُلَّ الأمراضِ، وأنَّهُ سَيُوفِّرُ الطَّعامَ كَما فَعَلَ عندما أَطعَمَ الجُموع. وقد كانت هذهِ هي اللَّحظةُ المَجيدةُ الَّتي كانوا يَتَرَقَّبوها مُنذُ زَمَنٍ طَويلٍ جدًّا. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ يَقول: "لا تَقولوا شَيئًا. فيجب أن أموتَ أوَّلاً".
ونَقرأُ في العَدد 22: "فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ". فقد قالَ لَهُ بُطرُس: "يا رَبُّ، يجب أن نَتحدَّثَ على انفِراد. تَعالَ إلى هُنا". وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ". فنحنُ هُنا أمامَ شَخصٍ مُتَهَوِّر. فها هُوَ يَنْتَهِرُ ابنَ اللهِ بعدَ أنْ أَقَرَّ بِنَفسِهِ أنَّهُ ابنُ الله. فَقد قالَ بِلِسانِهِ قبلَ قَليل إنَّهُ ابنُ اللهِ الحَيِّ. وَها هُوَ يَقولُ لَهُ الآنَ: "تَعالَ إلى هُنا. أريدُ أنْ أُصَحِّحَ مَا قُلتَهُ".
وَهُوَ يَقولُ: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!" أيْ إنَّ هذا لن يَحدُث. فأنتَ لن تَموت. فهذهِ ليستِ الخُطَّة. "فَالْتَفَتَ [يَسوعُ] وَقَالَ لِبُطْرُسَ: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!»" ولا أَظُنُّ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ أنْ يُدْعَى "سِمْعان"؛ فَما بَالُكُم في أنْ يُدَعى "شَيطان"؟ ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ لَهُ مَا يَلي: "أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي". وإليكُم السَّبَب. "لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاس". فأنتَ تُفَكِّرُ تَفكيرًا يُرَكِّزُ على الإنسان.
ولِعِلْمِكُم، فإنَّ ذلكَ هُوَ تَقريبًا شِعارُ الحَرَكَة الإنجيليَّة المُعاصِرَة. فأنتَ لا تَهتَمُّ بما للهِ لكِنْ بما للنَّاس. فالأمرُ كُلُّهُ يَدورُ حَولَك. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ كُلُّهُ يَدورُ حَولَ مَا تُريدُهُ أنتَ، ويَدورُ كُلُّهُ حَولَ المَركِزِ والمَجد، ويَدورُ كُلُّهُ حَولَ الإكليل، ويَدورُ كُلُّهُ حَولَ المُكافأةِ والسُّلطان. أنتَ لا تَفهَمُ الأمر. فالطَّريقُ إلى المَجدِ هُوَ التَّواضُع. ولا يُمكِنُكَ الحُصولُ على الإكليلِ مِنْ دونِ صَليب.
ثُمَّ في العَدد 24، يُقَدِّمُ يَسوعُ المَبدأ: "حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ"؛ أيْ للرُّسُلِ وَبَقِيَّةِ الجَمْعِ إذْ إنْ إنجيلَ مَرقُسَ 8: 34 يُشيرُ إلى أنَّ الجَمْعَ كَانَ يَستَمِعُ إليهِ أيضًا: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِــي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ". ويُضيفُ لُوقا: "كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي". وَبِهذا، نَعودُ إلى لُوقا 9. فَلنرجِع إلى لُوقا 9 ونُكمِل مِن هُناك. فَالبَشيرُ مَتَّى ذَكَرَ تَفاصيلَ كَثيرةً لَنا ساعَدَتْنا جِدًّا.
وقد كانت هذه التَّجربة صَادِمَة للرُّسُل بعدَ أنْ وَصَلوا إلى هذا الاعتِرافِ المَجيدِ إذْ إنَّهُ قِيْلَ لَهُم أَلَّا يَقولوا أيَّ شَيء، ثُمَّ إنَّهُم سَمِعوا أنَّ يَسوعَ سَيَموت. ولن يَقتَصِرَ الأمرَ على أنَّ يَسوعَ سَيموت، بل إنَّهُ يَقولُ لَهُم في إنجيل لُوقا 9: 23: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي". وبتلكَ الجُملة، يَطْرَحُ يَسوعُ مُفارَقَةَ التَّلمَذَة...مُفارَقَةَ التَّلمَذة. وسوفَ نَنظُرُ إلى ذلكَ ليسَ فقط في هذا الصَّباحِ فقط، بل يَومَ الأحدِ القَادِمِ أيضًا.
وفيما يَختَصُّ بهذا المَقطعِ، سوفَ أُجَزِّئُهُ إلى أربَعَةِ أجزاء: المَبدأ، والمُفارَقَة، والمَجيءُ الثَّاني، والعَرْضُ التَّمهيديّ. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذهِ الأجزاءِ في أثناءِ دِراسَتِنا. ولكِن في هذا الصَّباحِ، وفي الدَّقائقِ القَليلةِ المُتَبَقِّية، أريدُ مِنكُم أن تَنظروا إلى المَبدأ في العَدد 23. المَبدأ.
وليسَ مِنَ الصَّعبِ أن تُدرِكُوا المَبدأ. فهو بِبَساطَة كَما يَلي: إنْ أردتَ أن تَتْبَعَ يَسوعَ...فأنتَ تُريدُ أن تَكونَ مُؤمِنًا. أليسَ كذلك؟ هَذِهِ هي الرِّسالة: أَنْكِر نَفسَكَ، واحمِل صَليبَكَ، واتبَعْهُ.
هل تَسمَعونَ ذلكَ في الإنجيلِ المُعاصِر؟ هل تَسمعونَ ذلك؟ هل سَمِعتُم ذلكَ يَومًا في رِسالَةٍ قَدَّمَها كَارِزٌ تِلِفزيونِيٌّ أو مُبَشِّرٌ تِلفِزيونِيٌّ؟ هل سَمِعتُم يَومًا شَخصًا يَقولُ ذلك؟ وهل سَمِعتُم يَومًا شخصًا يَقِفُ بينَ الحُشودِ ويَقول: "إن أردتَ أن تَصيرَ مَسيحيًّا، ابذُل نَفسَكَ، وانكِر على نَفسِكَ كُلَّ الأشياءِ الَّتي تَتوقُ إليها وتُريدُها وتَتَمَنَّاها، وكُنْ مُستعِدًّا للموتِ، واخضَع خُضوعَ العَبْدِ طَاعَةً للمَسيح"؟ فهذهِ رِسالَة لا تَلْقى رَواجًا. وهذِهِ ليسَت سِياسَة تَسويقيَّة ذَكِيَّة. ولكِنَّها الحَقيقة.
إذًا، ماذا يَنبغي لَكَ أن تَفعل؟ أنْ تَجعَلَ النَّاسَ يُؤمِنونَ إيمانًا زَائِفًا؟ فهذه هي الطَّريقةُ الرَّائجة؛ أيْ أنْ تُوْهِمَ النَّاسَ أنَّهُم مُخَلَّصونَ في حينِ أنَّهُم ليسوا كذلك. وحينَ يَقِفونَ ذاتَ يَومٍ أمامَ المَسيحِ فإنَّهُم سَيقولون: "يا رَبُّ، يا رَبُّ" فَيَقولُ لَهُم: "اذْهَبُوا عَنِّي! إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" فينبغي أن يَكونَ الإنجيلُ إنجيلاً. هل تُريدُ أنْ تَتْبَعَني إذًا؟ المَبدأُ هُوَ: إنَّها النِّهايَةُ بالنِّسبةِ إليكَ إنْ أردتَ أنْ تَتبَعَني. إنَّها النِّهايَةُ بالنِّسبةِ إليكَ. فأنتَ لن تَعودَ مَوجودًا بعدَ الآن. وبولُس يُعَبِّرُ عن ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ [مَاذا؟] الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ...أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ". فقد تَعَلَّمْتُ أنْ أحصُلَ على كُلِّ شَيءٍ وأنْ لا أحصُلَ على أيِّ شَيء. فكِلاهُما سِيَّان. "إِنْ عِشْتُ فَلِلرَّبِّ أَعِيش، وَإِنْ مُتُّ فَلِلرَّبِّ أَمُوت". فَما الفَرق؟ فأنا للرَّبّ. وهذا هو المَوقِفُ السَّليم.
فالنَّاسُ يَطلُبونَ المَجدَ. وَهُمْ يُريدونَ الصِّحَّةَ، ويُريدونَ الغِنَى، ويُريدونَ السَّعادةَ، ويُريدونَ أنْ تُشْبَعَ كُلُّ احتياجاتِهم، وأنْ يُلَبَّى كُلُّ شَيءٍ يُفَكِّرونَ فيه. وَهُمْ يُريدونَ حَياةً خَالِيَةً مِنَ الألم، ويُريدونَ إكليلاً مِنْ دُونِ الصَّليب. ويُريدونَ مَكْسَبًا مِنْ دُونِ الألَم. فهَكذا يُفَكِّرُ النَّاسُ. ولكِنَّ هَذا يُخَالِفُ قَصْدَ اللهِ. فَرَئيسُ خَلاصِنا (بِحَسَبِ عِبرانِيِّين 2: 10) كُمِّلَ بالآلام. لِذا، يجب علينا نحنُ أيضًا أن نُمَحَّصَ في بُوْتَقَةِ الألم. ونَحْنُ نَتألَّمُ في المَقامِ الأوَّلِ عندَمَا تَموتُ كُلُّ آمَالِنا، وكُلُّ طُموحَاتِنا، وكُلُّ رَغْباتِنا، وكُلُّ أشواقِنا، وكُلُّ حَاجَاتِنا البَشريَّة. فهذه هي النُّقطَة.
لِذا، إنْ أردتَ أن تَكونَ مَسيحيًّا فإنَّ الأمرَ ليسَ سَهلاً. فرُبَّما تَظُنُّ أنَّ الأمرَ سَهلٌ. فاليوم، إن أردتَ أن تَصيرَ مَسيحيًّا، صَلِّ هذهِ الكلماتِ القليلة، أوْ صَلِّ هذهِ الصَّلاةَ الصَّغيرة فتَصيرُ مَسيحيًّا. ولكِنْ ليسَ مِنَ السَّهلِ أن تَصيرَ مَسيحيًّا. واسمَحوا لي أن أُبَيِّنَ لَكُم بِضعةَ أشياء:
إنجيل مَتَّى 7: 13. وهَذا، مَرَّةً أخرى، هُوَ تَعليمُ الرَّبِّ. إنجيل مَتَّى 7: 13، وهي كلماتٌ مِنَ العِظَةِ على الجَبَل؛ وهي كَلِماتٌ مَألوفة إذْ نَقرأُ في العَدد 13: "اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ". فأوَّلاً، إنْ أردتَ أن تَصيرَ مَسيحيًّا، يجب عليكَ أن تَدخُلَ مِنَ البابِ الضَّيِّق. والفِكرةُ مِنْ أنَّ البَابَ ضَيِّقٌ هُنا هي "صُعوبةُ العُبور". وما أعنيه هو أنَّهُ واحِدٌ مِن تلكَ الأشياءِ الَّتي يَنبغي أنْ تَفْعَلَها بِصُعوبة. فهو بابٌ ضَيِّقٌ جدًّا جدًّا. ولا يُمكِنُكَ أنْ تَحمِلَ أيَّ شَيءٍ حينَ تَعْبُر مِنْه. فأنتَ تَدْخُلُ مِنْهُ مِنْ دُوْنِ أنْ تَحْمِلَ أيَّ شَيء. وهُناكَ بَابٌ وَاسِعٌ، "ولكنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الهَلاَك".
فهُناكَ بَوَّابَة دينيَّة عَريضَة. والنَّاسُ يَدخُلونَ مِنها وَهُمْ يَحمِلونَ كُلَّ أَمْتِعَتِهم، وكُلَّ احتياجاتِهمِ الشَّخصيَّة، وكُلَّ تَقديرِهم لِذَواتِهم، وكُلَّ رَغْبَتِهم في تَحقيقِ طُموحاتِهم وإشباعِ أنفُسِهم، وكُلِّ تلكَ الأمور. فَهُم يَدخُلونَ مِن تلكَ البَوَّابة، ولكنَّها لا تُؤدِّي إلى السَّماء. صَحيحٌ أنَّهٌ مَكتوبٌ عليها أنَّها تَقودُ إلى السَّماءِ، ولكنَّها تُؤدِّي إلى جَهَنَّم. وهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يَمْضُونَ في ذلكَ الطَّريق.
ولكِنْ هُناكَ أيضًا (في العَدد 14) هذا البابَ الصَّغيرَ جِدًّا والضَّيِّق. وَهُوَ يُؤدِّي إلى الحَياةِ الأبديَّة. ولكِنْ لاحِظوا مَا يَلي: "وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!" والفِكرةُ هِي أنَّهُ يَصعُبُ العُثورُ عليه. وأنا أُقِرُّ بأنَّهُ مِنَ الصَّعبِ العُثورُ عليه. وَمِنَ الصَّعبِ بِصورة خَاصَّة العُثورُ عليهِ اليوم. فقد تَذهبُ إلى كَنيسةٍ تِلوَ الأخرى، تِلوَ الأخرى، تِلوَ الأخرى، تِلوَ الأخرى مِن دونِ أن تَعثُرَ عليه. فهو بابٌ ضَيِّقٌ جدًّا.
وإنْ فَتَحتُم على الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر مِن إنجيل لُوقا، سَتَرَوْنَ مَزيدًا مِنْ عَناصِرِ هذا التَّعليمِ نَفسِه. إنجيل لوقا 13: 23. وهذا مُهِمٌّ جدًّا جدًّا. فقد قالَ أحدُ الأشخاصِ ليسوعَ فيما كانَ يَجْتازُ فِي مُدُنٍ وَقُرًى يُعَلِّمُ وَيُسَافِرُ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ: "قَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «يَا سَيِّدُ، أَقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ؟»" وقد كانَ هَذا هُوَ المَعنى الضِّمنيُّ لتَعليمِ يَسوع: أنَّ هذا البَابَ ضَيِّق، وأنَّهُ مِنَ الصَّعبِ العُثورُ عليه. لِذا فقد كانَ السُّؤالُ المَطروحُ هُوَ: "يَبدو وكأنَّكَ تَقولُ إنَّ عَدَدًا قَليلاً فقط سَيَخلُص". فَقَالَ لَهُمُ: "اجْتَهِدُوا" ("أغونيتزوماي" – “agonizomai”) "اجْتَهِدوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ".
فَمِنَ الصَّعبِ العُثورُ عليهِ، وَمِنَ الصَّعبِ الدُّخولُ مِنهُ. لِماذا؟ لِماذا مِنَ الصَّعبِ العُثورُ عليهِ، ولماذا مِنَ الصَّعبِ الدُّخولُ مِنه؟ الجَواب: لأنَّهُ مِنَ الصَّعبِ جِدَّا عليكَ أن تُنكِرَ نَفسَك. مِنَ الصَّعبِ جدًّا. فهذه هي الحَقيقةُ الدَّامِغَةُ بخصوصِ طَبيعةِ الإنسانِ السَّاقطة: أنَّ الإنسانَ هُوَ سَيِّدُ نَفسهُ، وأنَّهُ قُبْطانُ إيمانِه، وأنَّ الإنسانَ هُوَ العَاهِلُ على عَالَمِه، وأنَّ الإنسانَ هُوَ المَلِكُ. لِذا، عندما تَقولُ لَهُ أنْ يَبذُلَ نَفسَهُ وأنْ يُنكِرَ نَفسَهُ، فإنَّهُ يَجِدُ صُعوبةً بَالِغَةً في القِيامِ بذلك. فإنْ كَرَزْتُم بإنجيلٍ لا يَقولُ ذلك، سَتَجدونَ أنَّ النَّاسَ يَأتونَ مِنْ كُلِّ حَدبٍ وَصَوْبٍ كي يَخرُجوا مِنْ جَهَنَّمَ ويَدخُلوا السَّماء. أمَّا إنِ رُحْتَ تَكرِزُ بالإنجيلِ الحَقيقيِّ الَّذي يَدعو إلى إنكارِ الذَّاتِ الكامِلِ والتَّامِّ، وإلى الإقرارِ بأنَّكَ لا تَمْلِكُ أيَّ شَيءٍ يَجعَلُكَ مُسْتَحِقًّا، وبأنَّكَ لا تَملِكُ أيَّ شَيءٍ تُمْدَحَ عَليه، وبأنَّكَ لا تَملِكُ أيَّ شَيءٍ تُضَحِّي بِهِ، بل إنَّهُ يَنبغي لكَ أنْ تُبدي الاستعدادَ للتَّضحيةِ بِكُلِّ شَيءٍ يَختصُّ بِكَ، وبِكُلِّ آمالِكَ وأحلامِكَ وطُموحاتِك لأجلِ اللُّؤلؤة، ولأجلِ المَسيحِ، وأنَّكَ مُستعِدٌّ أن تَأتي إلى اللهِ بِشُروطِهِ هُوَ، فإنَّ الأمرَ ليسَ سَهلاً. فَمِنَ الصَّعبِ، في المَقامِ الأوَّلِ، أنْ تَعْثُرَ على ذلكَ الحَقِّ. وَحَتَّى إنَّهُ مِنَ الأصعَبِ (بَعدَ أنْ تَسْمَعَهُ) أنْ تَخضَعَ لَهُ لأنَّ الإنسانَ يَعبُدُ نَفسَهُ. فهو إِلَهُ نَفسِه.
وما يَنبغي أن نَقولَهُ للنَّاسِ هُوَ ليسَ: "تَعالَ إلى المَسيحِ فتَشعُرُ بِمَشاعِرَ أفضَل تُجاهَ نَفسِك"، وَلا أنَّ: "المَسيحَ يُريدُ أن يَسُدَّ كُلَّ احتياجاتِك". فيسوعُ لا يُريدُ أن يَسُدَّ كُلَّ احتياجاتِكَ؛ أيِ احتياجاتِكَ الدُّنيويَّة والأرضيَّة والبَشريَّة، بل يُريدُ منكَ أن تَكونَ مُستعدًّا لأن تَقول: "سوفَ أَتَخَلَّى عن كُلِّ الأشياءِ الَّتي أعتقدُ أنِّي بحاجة إليها لأجلِ المَسيح".
لِذا، بعدَ بِضْعِ آياتٍ في الأصحاح 14 مِن إنجيل لوقا، انظُروا إلى العَدد 28: "وَمَنْ مِنْكُمْ [كَما يَقولُ يَسوعُ] وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ".
فإنْ أردتَ أن تَأتي إلى المَسيح، يجب عليكَ أن تَحْسِبَ النَّفَقة. ويجب عليكَ أن تَحسِبَ التَّكلُفَة قبلَ أنْ تَتَظاهَرَ بأنَّكَ ستأتي إلى المَسيح، وقبلَ أنْ تَدَّعي أنَّكَ ستَتبَعُ يَسوع. فهل حَسَبْتَ النَّفَقة؟ وهل تَفهَمُ أنَّ هُناكَ ثَمَنًا ينبغي أن تَدفَعَه؟ ونحنُ نَعلمُ ما هُوَ الثَّمَن. فالثَّمَنُ مَذكورٌ في العَددَيْن 26 و 27 اللَّذينِ قَرأتُهُما قبلَ قَليل: أنْ تُبْغِضَ أباكَ وأُمَّكَ إنْ دَعَتِ الضَّرورةُ ذلك، وأنْ تُبْغَضَ نَفسَكَ، وأنْ تَحمِلَ صَليبَكَ، وأنْ تَأتي وَرائي. فهذا هو الثَّمن: أَلَّا يَكونَ هُناكَ شَيءٌ في العَالَمِ، أوْ في النِّطاقِ البَشريِّ، يَجْعَلُكَ تَتَمَسَّكُ بِهِ بِقوَّة وَتُنكِر المَسيح. "وَأَيُّ مَلِكٍ [في العَدد 31] إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟ وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذلِكَ بَعِيدًا، يُرْسِلُ سِفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْح". فإمَّا أنْ تَصنَعَ سَلامًا مَعَ العَدُوِّ إنْ لم تَتمكَّنْ مِنْ إلحاقِ الهَزيمَةِ بِهِ، وإمَّا أنْ تَحْرِصَ على أنَّكَ تَملِكُ جَيشًا كَافِيًا يَستطيعُ أنْ يُحْرِزَ النَّصْرَ في المَعركة. بعبارة أخرى فإنَّ يَسوعَ يَقول: "لا تأتي إليَّ ما لم تَحْسِب الثَّمَن". والثَّمَنُ هُوَ إنكارُ الذَّاتِ، وَصَلْبُ الذَّاتِ، وإخضاعُ الذَّات.
وفي العَدد 33، يُوَضِّحُ يَسوعُ النُّقطةَ الجَوهريَّة. لا تَظُنُّوا أنَّ الأمرَ يَقْتَضي مَا هُوَ أقَلُّ مِن ذلك. "فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". فقد قالَ يَسوعُ: "يجب عليكَ أن تَكونَ مُستعدًّا للتخلِّي عن كُلِّ شَيء. صَحيحٌ أنَّكَ لن تَخلُصَ بالتَّخَلِّي عن كُلِّ مُمتلكاتِكَ الأرضيَّة، ولكِنْ يجب عليكَ أن تُبدي استعدادَكَ للتخلِّي عن كُلِّ شيء". فينبغي أن تَكونَ مُكَرَّسًا إلى هَذا الحَدِّ لِقَضيَّةِ يَسوع. فيجبُ عليكَ أن تُضَحِّي بجميعِ مُمتلكاتِكَ الدُّنيويَّة. ويجب عليكَ أن تُنْكِرَ على نَفسِكَ الحَقَّ في الحَياةِ وأن تَبذُلَ حَياتَكَ (إنِ اقْتَضى الأمرُ ذلكَ) لأجلِ قَضيَّةِ يَسوعَ المَسيح. ويجب عليكَ أنْ تَخْضَعَ لِمَشيئَتِه، وأنْ تَتْبَعَهُ في كُلِّ مَا يَأمُرُكَ بِهِ. فَسَواءٌ أَقالَ لَكَ إنَّهُ ينبغي لكَ أنْ تَخسَرَ تلكَ الأشياءَ، أَمْ أنَّهُ يُمكِنُكَ أنْ تَحتَفِظَ بها، فإنَّ القَرارَ يَرجِعُ إليه.
ثُمَّ إنَّ يَسوعَ ذَكَرَ المَثَلَيْنِ التَّالِيَيْن في إنجيل مَتَّى 13: 44-46. فقد قالَ إنَّ إنسانًا وَجَدَ كَنْزًا مُخْفىً فِي حَقْل. وقد أدركَ قيمةَ الكَنْزِ وَباعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ لأجلِ الكَنْز. ثُمَّ إنَّهُ قالَ إنَّ هُناكَ لُؤلؤةً كَثيرةَ الثَّمَن، وإنَّ إنسانًا وَجَدَ اللُّؤْلُؤَةَ الكَثيرةَ الثَّمَن فَمَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ كي يَشتري اللُّؤلؤة. فَفِكرةُ بَيْعِ كُلِّ شَيء هي جَوهَرُ الخَلاص. فهو يَعني أنِّي أَتَخَلَّى عن كُلِّ شَيء، وأُنكِرُ نَفسي، وأَبذُلُ حَياتي مِنْ جِهَةِ استعدادي للموتِ (إنِ اقتَضى الأمرُ ذلك) ومِن جِهةِ الطَّاعَةِ في حَياتي. فهذه هي رِسالةُ الإنجيل. لِذا، عندما تَذهبُ لِتَكرِزَ بالإنجيل، هذا هو ما يَنبغي لكَ أن تَقولَه.
وقد تَقول: "ولكِنَّ النَّاسَ لن يَقبلوا ذلك". لَحظةً مِنْ فَضْلِكُم! إنَّ النَّاسَ لن يَقبَلوا ذلك؛ وهذا أمرٌ مُؤكَّدٌ، إلَّا إذا كانَ رُوحُ اللهِ يَعمَلُ في قُلوبِهم. أليسَ كذلك؟ وإلَّا إذا كانَ رُوحُ اللهِ يَقومُ بِعَمَلِ التَّبكيت، وإلَّا إذا كانَ رُوحُ اللهِ يُنْهِضُ القَلبَ المَيِّتَ، وإلَّا إذا كانَ رُوحُ اللهِ يُوَلِّدُ الإيمانَ. فحينئذٍ فقط، فإنَّ تلكَ هي الرِّسالة الحَقيقيَّة الوحيدة المُقتَرِنَة بِعَمَلِ الرُّوحِ سَتُنشِئُ خَلاصًا حَقيقيًّا. لِذا، لا تُعيدوا صِياغَةَ الإنجيلِ بالطَّريقةِ الَّتي تُوافِقُكُم. وهذا هو مَا يَحدُثُ اليوم.
إنْ أرادَ أيُّ شَخصٍ...أيُّ شَخصٍ أنْ يَتْبَعَني؛ فَهِيَ دَعوةٌ مَفتوحَة. فهل هُناكَ شَخصٌ مِنكُم يَرغَبُ في المَجي؟ هل هُناكَ شَخصٌ هُنا يُريدُ أن يأتي؟ حسنًا! يجب عليكَ أن تُؤمِنَ بيسوع. ويجب عليكَ أن تَعتَرِفَ بأنَّهُ المَسيحُ ابنُ اللهِ الحَيِّ، وأنَّهُ الرَّبُّ والمُخَلِّصُ. ثُمَّ يجبُ عليكَ أن تَكونَ مُستعِدًّا لِقَبولِ أيِّ شَرْخٍ في عَائِلَتِك، وأيِّ شَرْخٍ في زَواجِك. ويجبُ عليكَ أن تَكونَ مُستعدًّا لأيِّ مُقاومةٍ مِنَ العالَم قد تُكَلِّفُكَ حَياتَك، وأن تَخْسَرَ طُموحاتَكَ الشَّخصيَّة، وأنْ تُكَرِّسَ حَياتَكَ كُلَّها لاتِّباعِهِ وَعَمَلِ مَا يَطلُبُهُ مِنك. "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! [كَما قَالَ يَسوعُ] بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي". وَهَذِهِ هِيَ إرادَةُ أبي: أنْ تَخضَعُوا للابْن".
فهذا هو الإنجيل. إنَّهُ إنجيلُ إنكارِ الذَّات. وَهُوَ إنجيلُ التَّضحيةِ بالذَّاتِ والطُّموحِ الشَّخصيِّ. أَنْكِر نَفسَك، واحمِل صَليبَكَ كُلَّ يَومٍ، وَضَعْ حَياتَكَ على المِحَكِّ لأجلِ قَضيَّةِ المَسيح، واتْبَعْهُ بِمَعنى أنْ تَفعَلَ كُلَّ ما يَأمُرُكَ بِه.
أمَّا إنْ قَدَّمْتُمْ شَيئًا أقَلَّ مِنْ ذلكَ على أنَّهُ الإنجيل، قد يُخْدَعُ النَّاسُ. أليسَ كذلك؟ وقد تَقول: "ولكِنْ ماذا لو لم يَتَجاوَبوا؟" إنَّ هذهِ ليستِ المَسألةُ الجَوهريَّة. فهذا أمرٌ يُقَرِّرُهُ اللهُ بِسُلطانِه. أمَّا مَسؤوليَّتُكَ أنتَ فَتَقتَصِرُ على الحِفاظِ على نَقاوَةِ الإنجيل.
وفي المَرَّةِ القادِمَة، سَنتحدَّثُ عن هذهِ العَناصِرِ الَّتي يَنْطَوي عليها المَبدأ المَذكور في العَدد 23؛ أيْ عن إنكارِ الذَّات، وَحَمْلِ الصَّليب، واتِّباعِه. وقد كُنتُ أتمنَّى أنْ أُقَدِّمَ كُلَّ ذلكَ في عِظَة واحِدة، ولكنِّي لا أستطيعُ القيامَ بذلك، ولا يُمكِنُني أنْ أختَصِرَ المَادَّة لأنَّها مُهِمَّةٌ جدًّا ووَثيقَةُ الصِّلةِ بِجَوهَرِ الإنجيل. ولكِن أعتقد أنَّهُ يُمكِنُكم أن تُدركوا الآنَ مَدى أهميَّةِ ذلك، وَكَمْ أنَّهُ يَزْخُرُ بِتَعليمِ يَسوع. وعندما نَتحدَّثُ عن هذهِ العَناصِرِ في المَرَّةِ القادِمَةِ ونَنتَقِلُ مِنَ المَبدأ إلى المُفارَقة، سَتَرَوْنَ بوضوحٍ مَسؤوليَّتَكُم مِنْ جِهَةِ اتِّباعِ يَسوعَ ومِنْ جِهَةِ تَقديمِ تلكَ الرِّسالة إلى الآخرين. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:
يا رَبّ، نَتَذَكَّرُ مَرَّةً أخرى أنَّ هذا العَمَلَ ليسَ عَملاً بَشريًّا، وأنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَقومَ بِهِ بقوَّتِنا، بل إنَّكَ تَعمَلُ بِقُدرَتِكَ على إبطالِ اتِّكالِنا على أنفُسِنا، وتَعمَلُ بِقُدرَتِكَ على جَعْلِنا مُنْسَحِقي ومُنكَسِري القُلوبِ، وَجَعْلِنا قادِرينَ على التَّخَلِّي عن كُلِّ شَيء، وعلى جَعْلِنا نَتْرُك كُلَّ شَيء، وعلى التَّخَلِّي عن كُلِّ رَغبةٍ شَخصيَّة، وكُلِّ إرادةٍ ذَاتيَّة، وأنْ نَتَخَلَّى عن كُلِّ أحلامِنا وطُموحاتِنا وأهدافِنا وخُطَطِنا وآمالِنا وحَاجاتِنا المَزعومة، وأنْ نُدرِكَ يأسَنا ونَتَفَكَّرَ في خَطيئَتِنا، ونَقبَلَ الخَلاصَ الَّذي يُقَدِّمُهُ يَسوعُ، والغِنَى الروحيَّ الرَّائعَ الَّذي يَنْجُمُ عنهُ الآنَ وفي الأبديَّة بِوَصْفِهِ اللُّؤلؤةَ الكَثيرةَ الثَّمَن الَّتي يَسُرُّنا أنْ نَبيعَ لأجلِها كُلَّ شَيء.
ويا لَيتَنا نَكونُ أُمناءُ، يا رَبّ، مِنْ خِلالِ قُوَّتِك، ومِنْ خِلالِ حَقِّك، ومِن خِلالِ رُوحِكَ القُدُّوسِ كي نُعلِنَ هذهِ الرِّسالةَ إلى الخُطاةِ مِن دونِ أنْ نَخْتَصِرَها، ومِنْ دُونِ أنْ نَجعَلَها سَطحيَّةً أوْ ضَحْلَةً؛ بل أنْ نُقَدِّمَ الرِّسالةَ الَّتي تَدعُو إلى مَا تَدعو التَّلمذةُ الحَقيقيَّةُ إليهِ حَقًّا وَهُوَ: أنْ أَموتَ عَنْ نَفسي كي أَحْيا في المَسيح. وَليتَ هذا الإنجيلَ المَجيدَ يَصيرُ جُزءًا لا يَتَجَزَّأُ مِن إيمانِنا وَشَهادَتِنا. نُصَلِّي باسمِ المُخَلِّص. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
