Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نحنُ نَجِدُ أنفُسَنا في صَميمِ رِسالةِ يَسوعَ بِحَسَبِ مَا جَاءَ في إنجيل لُوقا والأصحاحِ التَّاسِع إذْ نَتأمَّلُ في فَقْرَةٍ تَبتدئُ بالعَدد 23 وتَستَمِرُّ حَتَّى العَدد 26. وسوفَ نَرى كيفيَّةَ ارتِباطِ العَدَد 27 بها (في وقتٍ لاحِق).

وهذهِ هي كلماتُ يَسوعَ الَّتي تُعَبِّرُ عَنْ صَميمِ إنجيلِه. واسمَحوا لي أن أقرأَ النَّصَّ لَكُم كَما جاءَ في الأصحاحِ التَّاسِعِ والعَدد 23 إذْ يَكتُبُ لُوقا: "وَقَالَ لِلْجَمِيعِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا. لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟ لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِين".

فالإنجيلُ بِحَسَبِ يَسوعَ المَسيحِ كما هُوَ مُبَيَّن في العهدِ الجديد يَختَلِفُ اختِلافًا جَذرِيًّا عنِ الرِّسالةِ المُعاصِرَةِ المَألوفَةِ الَّتي يُوعَظ بِها غَالبًا. ففي أزمِنَتِنا المُعاصِرَة، غَالِبًا ما يُصَوِّرُ الكَارِزونَ يَسوعَ بأنَّهُ الفَادي المُنْتَظَرُ المُحْبَطُ الَّذي يَقِفُ بِقَلَقٍ في الخَارِج بانتظارِ أنْ يَدعُوهُ أحدُ الأشخاصِ إلى حَياتِه. وأعتقدُ أنَّ السَّببَ في ذلكَ يَرجِعُ إلى سُوءِ تَفسيرِ النَّصِّ المَوجودِ في سِفْرِ الرُّؤيا حيثُ يَقولُ الرَّبُّ إنَّهُ وَاقِفٌ على البابِ ويَقرَع. والحقيقةُ هي أنَّهُ ليسَ مِنَ الصَّوابِ أن نُفَسِّرَ أنَّ البابَ في تلكَ الآيةِ يُشيرُ إلى القلبِ البَشرِيِّ. فهو بابُ الكَنيسة. فالمَسيحُ يَنتَظِرُ أنْ يَدخُلَ كَنيسَتَهُ بِحَسَبِ السِّياقِ هُنا. ولكِنْ بِناءً على تلكَ الآية، صَوَّرْنا يَسوعَ كما لو أنَّهُ يَنتَظِرُ دَعوةً مِنَّا، ويَنتَظِرُ فُرصةً مِنَّا، ويَقِفُ بِصَمْتٍ إلى أنْ نَتَّخِذَ القَرارَ بدَعوَتِهِ إلى الدُّخول.

ولكِنَّ الحقيقةَ هي أنَّ العهدَ الجديدَ يُقَدِّمُ المَسيحَ بِصِفَتِهِ صَاحِبَ الدَّعْوَة، وبِصِفَتِهِ المُخَلِّصَ الَّذي جاءَ إلى العَالَمِ، وبِصِفَتِهِ اللهَ الظَّاهِرَ في الجَسَدِ والَّذي يَختَرِقُ عَالَمَ البَشَر، والذي يُواجِهُ الخُطاةَ، ويَتَحَدَّاهُم، ويَدعوهُم، ويأمُرُهُم بالمَجيءِ إليهِ، وبالإيمانِ بِه، وبِتَرْكِ الخطيَّة، وبِقَبولِهِ مُخَلِّصًا ورَبًّا. وعِوَضًا عنِ انتظارِ دِعْوَةٍ مِنَ الخُطاةِ فإنَّهُ يُقَدِّمُ دَعْوَتَهُ الشَّخصيَّةَ إلى الخُطاةِ في شَكلِ أَمْرٍ بالتَّوبة والإيمانِ والخُضوع. وهذا هو، بِصورة رَئيسيَّة، ما يَقولُهُ في نَصِّنا هَذا. وهذا شَيءٌ مَوجودٌ في صَميمِ رِسالَةِ يَسوعَ؛ أيْ رِسالَةِ الإنجيل. فإنْ أردتَ الحياةَ الأبديَّةَ، وإنْ أردتَ أن تُغفَرَ خَطاياكَ إلى الأبد، وإنْ أردتَ أن تَدخُلَ مَلكوتَ اللهِ الأبديِّ وأن تَتَمَتَّعَ بالبَرَكَةِ والسَّلامِ والفَرَحِ إلى أبدِ الآبِدينَ فإنَّ يَسوعَ يَقولُ: "هذا هو ما يَنبغي لكَ أن تَفعَلَهُ": انظُروا إلى العَدد 23: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ وَرَائِي". فإنْ أردتَ أن تَأتي وَرائي، وأن تَكونَ لي تِلميذًا، وأنْ تَدخُلَ مَلكوتي، وأن تَحصُلَ على غُفراني، إليكَ ما يَنبغي لكَ أن تَفعَلَهُ: "فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ، وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي".

والآن، كما قُلنا خِلالَ الأسابيعِ المَاضية في أثناءِ تَأمُّلِنا في هذا النَّصِّ، هذه هي دَعوةُ الإنجيل. فيسوعُ يُقَدِّمُ الدَّعوةَ إلى الخُطاةِ ويُبَيِّنُ الشُّروط: إنكارُ الذَّاتِ، وَحَمْلُ الصَّليبِ يَومِيًّا، وَاتِّباعُهُ بِطَاعَةٍ تَامَّة. وقد أَسْمَيْنا هذا بالمَبدأ؛ وَهُوَ مَوجودٌ في صَميمِ رِسالةِ يَسوع. وقد رَأينا خِلالَ الأسابيعِ المَاضية أنَّهُ لكي تَتبَعَ المَسيحَ، وتَصيرَ تِلميذًا للمَسيحِ، وتَقبَلَ الخَلاصَ، وتَنالَ الغُفرانَ والحَياةَ الأبديَّةَ، وتَدخُلَ مَلكوتَ اللهِ، يجِبُ عليكَ أن تُنكِرَ نَفسَكَ، وتَموتَ عَن ذاتِكَ، وأن تَكونَ مُستعِدًّا لاحتِمالِ الألمِ، والاضطِهادِ، ورُبَّما الإعدام؛ وَهُوَ شَيءٌ مُصَوَّرٌ في صُورةِ صَليبٍ يُستخدَمُ في التَّعذيب. وَهُوَ يَتطلَّبُ خُضوعًا. بِعبارةٍ أخرى، فإنَّ الإيمانَ المَسيحيَّ ليسَ سَهلاً. والخَلاصُ ليسَ سَهلاً. فأنتَ لا تَنهَضُ مِن فِراشِكَ فَتَجِدُ نَفسَكَ في مَلكوتِ الله.

فقد قِيلَ عَن مَتَّى في إنجيلِهِ (حيثُ تَرِدُ قِصَّتُهُ، وَهُوَ الَّذي كَتَبَها) إنَّ يَسوعَ جَاءَ يَومًا ورآهُ. وقد كانَ عَشَّارًا؛ أيْ واحدًا مِنْ أكثَرِ النَّاسِ احتِقارًا في المُجتمعِ اليَهودِيِّ لأنَّهُ كانَ يَهوديًّا بَاعَ نَفسَهُ لِروما مِن أجلِ المَال. وقد جاءَ يَسوعُ وقالَ لِمَتَّى شَيئًا مُدهِشًا: "اتْبَعْنِي". ويُدَوِّنُ مَتَّى مَا فَعَلَهُ. فقد فَعَلَ ذلك. فقد تَرَكَ مِهْنَتَهُ بالرَّغمِ مِن أنَّهُ كانَ يَعلَمُ أنَّهُ لن يَتمكَّنَ مِنَ الرُّجوعِ إليها لأنَّ الحُصولَ على امتِيازِ جِبايَةِ الضَّرائِبِ كانَ شَيئًا مَرغوبًا فيهِ جِدًّا مِنْ قِبَلِ اليَهودِ الخَوَنَة. وَحالَما يَترُكُ مَتَّى عَمَلَهُ سَيأتي شخصٌ آخر حَالاً ويَأخُذُ مَكانَهُ. وَهُوَ لن يَتمكَّنَ مِنَ العَودةِ إلى عَمَلِهِ ثَانِيَةً. لِذا فقد تَرَكَ عَمَلَهُ وكُلَّ شَيءٍ يَختصُّ به.

والحقيقةُ هي أنَّهُ عندما يَسرُدُ لُوقا قِصَّةَ اهتِداءِ مَتَّى فإنَّ لُوقا يُضيفُ في الأصحاحِ الخامِسِ والعَدد 28 أنَّهُ "تَرَكَ كُلَّ شَيءٍ" وَراءَهُ. وهذا هو تَمامًا مَا يَقولُهُ يَسوع. فإنْ أردتَ أن تَأتي وَرائي، وإنْ أردتَ أن تَكونَ وَاحِدًا مِن تَلاميذي، وأنْ تَنتَمي إلَيَّ، وأنْ تَخلُصَ مِنَ الخَطيَّة، وأنْ تَدخُلَ إلى مَلَكوتي فإنَّ ذلكَ سَيُكَلِّفُكَ كُلَّ شَيء. فيجبُ عليكَ أن تَتخَلَّى عن كُلِّ شَيء.

وما الَّذي نَعينهِ بكُلِّ شَيء؟ نحنُ نَتحدَّثُ عن تلكَ الأشياءِ الَّتي هي جُزءٌ مِنَ الذَّات. والحقيقةُ هي أنَّ إحدى الطُّرُقِ الجَيِّدَةِ لِفَهْمِ المَعنى المَقصودِ بذلك مَوجودة في العَدد 25: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟" وهذهِ مُبالَغَة أدَبِيَّة. فَمِنَ المُستحَيلِ، بِكُلِّ تأكيد، أن يَتَمَكَّنَ أيُّ شخصٍ مِنَ امتِلاكِ العَالَمِ كُلِّهِ حَرْفِيًّا. ولكِنْ ماذا لوِ استَطعتَ أن تَفعَلَ ذلك؟ ماذا لو تَمَكَّنْتَ مِنَ امتِلاكِ كُلِّ شَيءٍ مَوجودٍ في العَالَم؟ فما الَّذي ستَحصُلُ عليه؟ هذا هُوَ ما سَتَحصُلُ عليه بِحَسَبِ ما جاءَ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 2: 16: "لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَة". وَهُوَ كُلُّهُ زَائِلٌ ولَنْ يَعودَ مَوجودًا. وإنْ كانَ هذا هُوَ ما تُريدُه، لا يُمكِنُكَ أن تَحصُلَ على الله. "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ".

إذًا ما الَّذي نُشيرُ إليهِ عندما نَتحدَّثُ عنِ العَالَم؟ نَحْنُ نُشيرُ إلى كُلِّ ما تَتوقُ إليه، وكُلِّ ما تَشتَهيه عَيناكَ، وكُلِّ ما يَختصُّ بِتَعَظُّمِ مَعيشَتِك. وماذا لو حَصَلْتَ على كُلِّ ذلك؟ وماذا لو أَشْبَعْتَ كُلَّ شَهوة؟ وماذا لو حَصَلْتَ على كُلِّ مَا تَشتَهيهِ عَيناك؟ وماذا لو حَصَلتَ على كُلِّ ما يَخْتَصُّ بِتَعَظُّمِ المَعيشَة؟ وماذا لو حَصَلْتَ على كُلِّ جَائِزَةِ شَرَف؟ فَما المُهِمُّ في ذلك؟ فإنْ حَصلتَ على كُلِّ ذلكَ وَخَسِرْتَ نَفسَكَ الأبديَّة، كم تُساوي نَفسُك؟

لِذا، عندما يَقولُ يَسوعُ: "فَلْيُنكِر نَفسَهُ" فإنَّهُ يَقولُ في الحَقيقة: "تَخَلَّ عَنْ كُلِّ شَيءٍ تَتوقُ إليهِ نَفسُكَ في العَالَم لأنَّهُ حَتَّى لو رَبِحْتَ العَالَمَ كُلَّهُ فإنَّها ستَكونُ صَفْقَةً سَيِّئَةً لأنَّ ذلكَ سَيُكَلِّفُكَ نَفسَكَ". لِذا هذه هي حَقيقةُ الأمر. فقد عِشْتَ (على غِرارِ كُلِّ البَشَر) مُنْسَاقًا وراءَ شَهواتِكَ لِإشباعِ شَهَواتِكَ الجسديَّة، وَمُنْسَاقًا وَراءَ إشباعِ شَهْوَةِ العَيْنِ، أيْ مَا تَشتَهيه عَيناكَ، وَمُنْسَاقًا وَراءَ رَغبَتِكَ الشَّديدةِ في الحُصولِ على التَّكريمِ، والمُكافأةِ، والتَّقديرِ، والنُّفوذِ، وكُلِّ مَا تَنْطَوي عليهِ الكِبرياء. فهكذا نَعيشُ كُلُّنا حَياتَنا.

وهذا هو تَمامًا ما يَنبغي أن تَتَخَلَّى عنه. فيجبُ عليكَ أن تَقول: "أنا لم أَعُد أُبالي بما تَشتَهيهُ نَفسي. وأنا لم أَعُد أُبالي بما تَراهُ عَينايَ. وأنا لم أَعُد أُبالي بما يُريدُهُ قَلبي المُتَكَبِّر. والحقيقةُ هي أنِّي حينَ أنظُرُ إلى هذا كُلِّه فإنِّي أرى أنَّهُ خَطِيَّة. لِذا فإنِّي أُنكِرُ نَفسي". وإنكارُ ذاتي يَعني أن أَقولَ "لا" لكُلِّ تلكَ الشَّهواتِ الَّتي هي جُزءٌ مِن طَبيعَتِي السَّاقِطَة.

لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقولُ (وَهذا هُوَ المَبدأ): "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَأتِيَ وَرَائِي فَلْتُنْكِرْ نَفْسَكَ". فيجبُ عليكَ أن تَقول: "لن أعيشَ بعدَ الآن بِحَسَبِ شَهَواتي الجَسديَّة. ولن أعيشَ الآنَ لأجلِ الأشياءِ الَّتي أراها. ولن أعيشَ الآنَ لأجلِ تَمجيدِ نَفسي، بل إنِّي مُستَعِدٌّ لإنكارِ نَفسي. وَإنِ اقتَضى الأمرُ، أنا مُستَعِدٌّ حَتَّى لِبَذْلِ حَياتي والموتِ على الصَّليب. وأنا أُكَرِّسُ نَفسي لاتِّباعِ المَسيحَ بِطاعَة". فهذا هو إنجيلُ يَسوع. وهذا هُوَ مَا يَدعو إليه.

إنَّهُ مَوقِفُ النَّدَمِ، والتَّوبةِ، والانكِسارِ، والانسِحاقِ، والمَسْكَنَةِ بالرُّوح، والشُّعورِ بإفلاسِكَ، والنَّوْحِ، والاتِّضاعِ، والحُزنِ على الخَطيَّة. وَهُوَ مُستوى اليَأسِ الَّذي يَدفَعُكَ إلى أنْ تَقرَعَ على صَدرِكَ قَائِلاً: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ". وهذا يَعني أنْ تَقول: "لا يُوجَدُ في جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ". فهذا هو جَوهَرُ رِسالَةِ يَسوع. وإنْ كانَ هُناكَ خَاطِئٌ يُريدُ أن يَأتي وَراءَ يَسوعَ ويَدخُلَ المَلكوتَ، يجبُ عليهِ أن يَفعلَ ذلكَ مِن خِلالِ إنكارِهِ التَّامِ والكَامِلِ لنفسِه. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ في الأسبوعَيْنِ المَاضِيَيْن.

والآن، هذا يَنْطَوي على مُفارَقة (كَما جَاءَ في العَدد 24). لِذا فقدِ انتَقلنا مِنَ المَبدأ إلى المُفارَقة. فالعَدد 24 يَقول: "فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا". وهذهِ هي المُفارَقة. فَلِكَيْ تُخَلِّصَ حَياتَكَ أبديًّا، يجبُ عليكَ أن تُضَحِّي بحياتِك. أمَّا إنْ تَشَبَّثْتَ بحياتِك؛ أيْ إنْ تَمَسَّكْتَ بحياتِكَ في هذا العَالَمِ ولم تَرغَب في التَّخَلِّي عن شَهَواتِك، وأشواقِك، ورَغَباتِك، وكِبريائِكَ فإنَّكَ سَتُهلِكُ نَفسَكَ الأبديَّة. فالشَّخصُ الوَحيدُ الَّذي يَدخُلُ مَلَكوتي هُوَ الشَّخصُ الَّذي يُهلِكُ نَفسَهُ.

وبالمُناسَبَة، إنَّ تَعليمَ يَسوعَ هَذا ليسَ مُنفَصِلاً بِكُلِّ تأكيدٍ عن هذا الجُزءِ مِن إنجيل لُوقا. فَهُوَ مَوجودٌ في كُلِّ الأناجيل...في كُلِّ الأناجيلِ الأربعة. فَمَتَّى ومَرقُسُ وَلُوقا ويُوحَنَّا يُدَوِّنونَ أنَّ يَسوعَ عَلَّمَ هَذا. والكلماتُ مُتَشابِهَةٌ في عَدَدٍ مِنَ الآياتِ، وَمُختَلِفَة في آياتٍ أخرى. فقد قَدَّمَ يَسوعُ هذهِ الرِّسالةَ المَرَّةَ تِلوَ المَرَّةِ في مَواضِعَ ومُناسَباتٍ مُختَلِفَة. فَهذا التَّعليمُ مَوجودٌ في صَميمِ إنجيلِه. والسُّؤالُ هُوَ: إنْ أردتَ أن تَخلُصَ، هل أنتَ مُستَعِدٌّ للتخلِّي عنِ الأشياءِ الأرضيَّةِ لأجلِ الأشياءِ السَّماويَّة؟ وهل أنتَ مُستَعِدٌّ للتخلِّي عن مَلكوتِ النَّاسِ لأجلِ مَلكوتِ اللهِ؟ وهل أنتَ مُستَعِدٌّ للتخلِّي عنِ الأشياءِ الزَّائِلَةِ لأجلِ الأشياءِ الأبديَّة؟ وهل أنتَ مُستَعِدٌّ للتخلِّي عن الأشياءِ الخَاطِئَةِ لأجلِ الأشياءِ المُقَدَّسَة؟

وأنا أَعلَمُ أنَّ هذا ليسَ سَهلاً. ويجبُ أنْ يُقَدَّمَ الإنجيلُ على هذا الأساس. ولكِنَّنا نُريدُ اليومَ أن نَجعَلَهُ سَهلاً قَدْرَ الإمكان. لِذا فإنَّنا نُصَوِّرُ يَسوعَ بأنَّهُ شَخصٌ مِسكينٌ وحَزينٌ يَنتَظِرُ هُناكَ عَسَى أنْ يَعودَ أحدُ الخُطاةِ إلى رُشْدِهِ ويَدعوهُ إلى الدُّخول. ولكِنَّ هذا لن يَحدُث. وَبِصَراحَة، مِنَ المُستَحيلِ أن يَتَمَكَّنَ أيُّ خَاطِئٍ مِنَ القيامِ بذلك؛ أيْ مِنْ إقامَةِ نَفسِهِ مِنَ الأمواتِ، وَمِنْ مَنْحِ البَصَرِ إلى عَينيهِ اللَّتينِ لا يَرى بِهِما، وَمِنْ مَنْحِ السَّمْعِ إلى أُذُنَيْهِ اللَّتَيْنِ لا يَسمَعُ بِهما، وَمِنْ تَلْيينِ قَلبِهِ المُتَحَجِّر. فليسَ مِنَ السَّهلِ أن تَصيرَ مَسيحيًّا. والحَقيقةُ هي أنَّ هَذا مُستحَيل. والحَقيقةُ هي أنَّهُ شَيءٌ عَنيف.

واسمَحوا لي أن أُريكُم مَقطَعًا كِتابِيًّا آخَرَ يُوافِقُ هَذا تَمامًا ويُوَضِّحُ ما يَعنيهِ رَبُّنا هُنا. افتَحوا على الأصحاحِ السَّابعِ مِن إنجيلِ مَتَّى. وهذا يَنقِلُنا بِكُلِّ تأكيد إلى العِظَةِ على الجَبَل؛ وَهِيَ أعظَمُ عِظَةٍ تَبشيريَّة قُدِّمَتْ يَوْمًا. ففي العِظَةِ على الجَبل، إذْ يُقَدِّمُ يَسوعُ رِسالَتَهُ، أو إنجيلَهُ، فإنَّهُ يُقَدِّمُ دَعوةً في النِّهايةِ، وتَحديدًا في العَدد 13 مِنْ خِلالِ إصْدارِ أمْرٍ. إنجيل مَتَّى 7: 13: "اُدْخُلُوا". فَهُوَ يَقولُ لَهُم أن يَدخُلوا المَلكوت. "اُدْخُلُوا...". وَهذا فِعْلُ أَمْر. "...مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!"

وَلا يُوجدُ مَقطَعٌ آخَرُ في الكتابِ المقدَّسِ يَشِنُّ هُجومًا وَاضِحًا ومُباشِرًا أكثرَ مِن هذا المَقطَعِ على هذا النَّوعِ مِنَ الإيمانِ الهَيِّن، أو يَشِنُّ هُجومًا أقوى مِن هذا المَقطَع. وَهُوَ ليسَ مَقطَعًا مُشَجِّعًا جدًّا للأشخاصِ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم نَالوا الغُفرانَ أوِ الخَلاصَ مِنْ جَهَنَّمَ مِن خلالِ إيمانٍ مُبْتَذَلٍ بمَجموعةٍ مِنَ الحَقائقِ المُختصَّةِ بيسوعَ المَسيح. فهذهِ الكلماتُ الخِتامِيَّةُ في العِظَةِ على الجَبَل هي الإنجيلُ النَّقِيُّ. وهي دَعوةٌ مُرَكَّزَةٌ جِدًّا. ويَجِدُ السَّامِعُ نَفسَهُ أمامَ خِيارٍ. والخِيارُ هُوَ ليسَ قَرارًا مُتَسَرِّعًا بالحُصولِ على الغُفرانِ والذَّهابِ إلى السَّماء، بل إنَّ الخِيارَ هُوَ خِيارٌ يُؤدِّي إلى نَتائجَ أبديَّة، وإلى نَتائِجَ تَدومُ مَدى الحَياةِ أيضًا.

والخِيارُ بَسيطٌ جدًّا. فهُناكَ بَابان: الأوَّلُ وَاسِعٌ، والآخَرُ ضَيِّق. وهُناكَ طَريقان: الأوَّلُ وَاسِعٌ والآخَرُ ضَيِّقٌ. وهُناكَ مَصيران: الأوَّلُ هُوَ الحَياةُ، والثَّاني هُوَ الهَلاك. وهُناكَ جُمهوران: الأوَّلُ هُوَ الأغلبيَّة، والثَّاني هُوَ الأقليَّة. وفي جُزءٍ لاحِقٍ مِن هذا النَّصِّ، يَتحدَّثُ يَسوعُ عَن نَوعينِ مِنَ الأشجارِ: الأوَّلُ مُثمِرٌ، والثَّاني غيرُ مُثمِر. ويَتحدَّثُ عن بَنَّاءَيْن: الأوَّلُ يَسقُطُ بَيتُهُ، والثَّاني يَصْمُدُ بَيتُهُ. وَيَتَحَدَّثُ عن أَساسَيْن: واحِدٌ قائِمٌ على الرَّملِ، والثَّاني قائِمٌ على الصَّخر. فَكُلُّ شَيءٍ في هذا المَقطَعِ يَضَعُ المُستَمِعَ أمامَ مُفْتَرَقِ طُرُقٍ. ويجبُ عليكَ أنْ تَمْضي مِن هذا الطَّريقِ أو ذَاك. وهُناكَ طَريقانِ فقط. وَيَسوعُ يُخبِرُكَ أيَّ طَريقٍ يَنبغي أنْ تَسْلُك: "اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّق". وهذا أَمْرٌ. فَهُوَ فِعْلُ أَمْرٍ، وَهُوَ أمرٌ مُلِحٌّ. ادخُلوا مِنْ ذلكَ البَاب.

وأعتقدُ أنَّ هُناكَ أُناسًا كَثيرينَ يَقِفونَ ويُبْدونَ إعجابَهُم بذلكَ الباب. وقد تَقولُ: "وما هُوَ ذلكَ البَاب؟" إنَّ السُّؤالَ الصَّحيحَ هُوَ ليسَ: "مَا هُوَ ذلكَ البَاب؟" بل: "مَنْ هُوَ ذلكَ البَاب؟" فإنْ أردتَ أنْ تَسيرَ في الطَّريقِ الَّذي يُؤدِّي إلى الحياةِ الأبديَّة، هُناكَ بَابٌ واحِدٌ فقط. وذلكَ البابُ هُوَ مَن؟ يَسوعُ المَسيح. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في إنجيل يُوحَنَّا 10: 9: "أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ". وفي إنجيل يُوحَنَّا 14: 6: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ...لَيْسَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي". وَ "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (رِسالة تيموثاوس الأولى 2: 5). "لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ" سِوى بيسوعَ (أعمال الرُّسُل 4: 12). فهذا هُوَ البابُ؛ أيِ المَسيح. وَهُوَ البابُ الوَحيدُ الَّذي يُؤدِّي إلى الحَياة.

وقد تَقول: "حسنًا يا جون! أليسَتْ هُناكَ أبوابٌ كثيرة أخرى؟ أليست هُناكَ أبوابٌ كثيرة بِعَدَدِ الدِّيانات؟" لا، بل يُوجَد بابٌ واحدٌ آخَر فقط. فهُناكَ بَابٌ يُؤدِّي إلى السَّماء. وهُناكَ بابٌ يُؤدِّي إلى جَهَنَّم. والبابُ الَّذي يُؤدِّي إلى جَهَنَّم يَحْمِلُ لافِتَةً تَقول: "السَّماء"؛ ولكِنَّهُ لا يُؤدِّي إلى هُناك. فهذا كَذبٌ وخِداع. فهُناكَ بابانِ فقط. وإمَّا أنْ تَمْضي في طَريقِ المَسيحِ، وإمَّا أنْ تَمضي في الطَّريقِ الآخَر. فإمَّا أنْ تَمضي في طَريقِ المَسيحِ الَّذي هُوَ بالنِّعمَةِ مِن خلالِ الإيمانِ بالمَسيحِ وَحدِهِ، وإمَّا أنْ تَمضي في طَريقٍ آخر. والنَّصُّ هُنا لا يُقارِنُ المَسيحيَّةَ أوِ الدِّينَ بالوثنيَّة، بل يُبايِنُ بينَ المَسيحيَّةِ وَكُلِّ دِيانةٍ أخرى. فهُناكَ دِيانَتانِ فقط في العَالَم...دِيانَتانِ فقط. فهُناكَ دِيانَةُ النِّعمَةِ وَحْدِها (وَهِيَ تُخَلِّص)، وهُناكَ دِيانَةُ الأعمالِ (وَهِيَ تَدين). فهُناكَ طَريقانِ فقط.

فَمِنْ خِلالِ يسوعَ فقط تَحصُلُ على الحَياةِ الأبديَّة. فقط مِن خِلالِ المَسيح. فلا يُوجَد خَلاصٌ بأيِّ شَخصٍ سِوى المَسيح. فاللهُ يُخَلِّصُ الأشخاصَ الَّذينَ يَتَّكِلونَ على المَسيحِ بالنِّعمةِ فقط بسببِ عَمَلِ المَسيحِ على الصَّليبِ وقيامَتِه. فكُلُّ دِيانةٍ أخرى هي طَريقٌ رَحْبٌ يُؤدِّي إلى الهَلاك. وأنا لا أُبالي باسمِ تلكَ الدِّيانةِ أو بِتَفاصيلِ تلكَ الدِّيانة. فهي جَميعُها مُتشابِهة. وهي جَميعُها تَقومُ على الأعمال أوْ على الإنجازِ البَشريِّ؛ على النَّقيضِ تَمامًا مِن عَمَلِ اللهِ الَّذي يَستَنِدُ إليهِ الإيمانُ المَسيحيُّ. فَسَواءٌ أكانَ ذلكَ الإنجازُ البَشريُّ نِظامًا قائمًا على الطُّقوسِ أو مَظاهِرِ العِبادَةِ الَّتي تأخُذُ قَالَبًا مَسيحيًّا، أو كانَ دِيانةً وَثنيَّةً مِثلَ الهِندوسيَّة أو أيِّ شَيءٍ آخَر...أيِّ شَيءٍ يَستَنِدُ إلى الأعمالِ أوِ الطُّقوسِ أوِ الواجباتِ الدينيَّةِ، أوِ الإنجازاتِ الأخلاقيَّةِ كَشَرْطٍ لازِمٍ للخَلاصِ، فإنَّهُ جُزءٌ مِنَ الطَّريقِ الرَّحْب.

وَهُوَ يُعْرَفُ بأسماءٍ عَديدة. وهي كُلُّها تَدَّعِي أنَّها تُؤدِّي إلى السَّماء، ولكنَّها كَاذِبَة لأنَّها تُؤدِّي إلى جَهَنَّم. فأيُّ شَيءٍ آخَرَ غيرَ المَسيحيَّة يَقودُكَ إلى جَهَنَّم. ولا يُمكِنُكَ أنْ تَسيرَ في الطَّريقِ الَّذي يُؤدِّي إلى السَّماءِ إلَّا إذا دَخَلْتَ مِنَ الباب. والبابُ هُوَ مَن؟ يَسوعُ المسيح. فلا يوجد طَريقٌ آخر. فإنْ أردتَ أنْ تَذهبَ إلى السَّماء، هُناكَ بابٌ واحِد.

وتَقولُ الآيةُ لنا أيضًا إنَّ كَثيرينَ يَسيرونَ في الطَّريقِ الرَّحْبِ مِنَ البابِ الرَّحْبِ أوِ الوَاسِع، ولكِنَّ مَصيرَهُم هُوَ الهَلاك. وهذهِ كلمة تَصِفُ جَهَنَّمَ أوِ العَذابَ الأبديَّ. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَقولُ: "ادخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّق". والكلمةُ المُستخدَمَةُ هُنا تَصِفُ بَابًا (كَما يَقولُ المُفَسِّرونَ) صَغيرًا جدًّا. فَهُوَ بابٌ مِنَ النَّوعِ الَّذي مِنَ الصَّعْبِ جِدًّا أنْ تَمُرَّ مِن خِلالِه. وَلا يُمكِنُكَ أن تَحمِلَ شَيئًا مَعَكَ. وأنتُم تَدخُلُونَهُ وَاحِدًا وَاحِدًا. فالنَّاسُ لا يَأتونَ إلى الرَّبِّ ولا يَدخُلونَ مَلكوتَ اللهِ أَفواجًا، بل واحِدًا وَاحِدًا. وَليسَ مِنَ السَّهلِ أنْ يَدخُلَ المَرءُ فيه. فَلا يُمكِنُكَ أن تَحمِلَ مَعَكَ أيَّ شَيء.

ويُدَوِّنُ الأصحاحُ الثَّالِث عَشَر مِن إنجيل لوقا أنَّهُ بينما كانَ يَسوعُ يُعَلِّمُ في القُرى، سَألَهُ أحدُ الأشخاصِ: "يَا سَيِّدُ، أَقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ؟" ولماذا طَرَحَ على الرَّبِّ سُؤالاً كهذا؟ لأنَّها كانتِ الرِّسالةُ الَّتي كَرَزَ بها. فهُناكَ عَدَدٌ قَليلٌ وَحَسْب. فَمِنَ الصَّعبِ العُثورُ عليه. وَهُوَ ضَيِّقٌ جدًّا. وَمِنَ الصَّعبِ العُبورُ مِن خِلالِه. ولا يُمكِنُكَ أنْ تَعبُرَ مِن خِلالِهِ بالمُطلَق إنْ لم تَترُك كُلَّ شَيءٍ دُنْيَوِيّ. وقد كانَ جَوابُهُ عَنِ السُّؤالِ: "أَقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ؟" ... كانَ جَوابُهُ هُوَ: "اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ". أليست هذهِ الجُملةُ مُدهِشَة؟

سوفَ يَجِدُ النَّاسُ البَوَّابَةَ الضَّيِّقَةَ أوِ البابَ الضَّيِّقَ. وَسوفَ يَرغبونَ في الدُّخول، ولكنَّهُم لن يَتمكَّنوا مِنَ الدُّخول. لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "اجتَهِدوا". والكلمة اليونانيَّة هي: "أغونيتزوماي" (agonizomai) ومَعناها: "اجتَهِدوا". وهي تُشيرُ إلى الجِهادِ والصِّراعٍ الشَّخصيِّ الشَّديد. وهي نَفسُ الكلمة المُستخدَمَة في رسالة كورِنثوس الأولى 9: 25 لِوَصْفِ اجتِهادِ الرِّياضِيِّ وسَعيِهِ إلى الفَوزِ والانتصار. وهي تُستخدَمُ في رسالة كولوسي 4: 12 للإشارةِ إلى رَجُلٍ يُدعى "أَبَفْرَاس" كانَ يُجاهِدُ بِكُلِّ طَاقَتِهِ حَتَّى المَوت. وهي تُستخدَمُ في رسالة تيموثاوسَ الأولى 6: 12 لِوَصْفِ جُندِيٍّ يُجاهِدُ جِهادَ الإيمانِ الحَسَن. وهي كلمة تُشيرُ إلى خَوْضِ المَعركةِ والقِتال. وهي كلمة تَنْطَوي على العُنْف.

ويَسوعُ يَقولُ في الحَقيقة: "يجب عليكَ أن تَدخُلَ مَلكوتي. ويجب عليكَ أن تَسيرَ في الطَّريقِ الَّذي يُؤدِّي إلى السَّماء. ولكنَّهُ سيكونُ أمرًا عَنيفًا ويَتطلَّبُ تَضحيةً بالذَّاتِ مِن أجلِ الدُّخولِ مِن ذلكَ الباب". وحَتَّى إنَّ يَسوعَ قالَ ذلكَ في إنجيل مَتَّى 11: 12. فقد قال: "مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ". فأنتَ (كَما قُلتُ) لا تَنهَضُ مِن فِراشِكَ فَتَجِدُ نَفسَكَ في مَلكوتِ الله، بل إنَّهُ أمرٌ عَنيفٌ أنْ تَدخُلَ مِن ذلكَ البابِ الضَّيِّق. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في إنجيل لُوقا 16: 16 أنَّ يَسوعَ قال: "وَمِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْه". ويَقولُ بُطرسُ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 4: 18 إنَّ الْبَارَّ "بِالْجَهْدِ يَخْلُص".

فقد تَظُنُّ أنَّ أسهلَ شَيءٍ مُمكِنٍ هُوَ أن تَخلُص، وأنَّ كُلَّ مَا يَنبغي أن تَفعلَهُ هو أن تَمُدَّ يَدَكَ وتَأخُذ هذهِ العَطِيَّة، أو أن تُصَلِّي هذهِ الصَّلاةَ، أو أن تَمْشي بِضْعَ خُطُواتٍ إلى الأمام وتُكَرِّرَ الكَلِماتِ بَعدي. ولكِنَّ هذا ليسَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. وقد كانَ بُطرُسُ مُحِقًّا. فقد كانَ يَعلَمُ ما وَعَظَ بِهِ يَسوع. وقد قال إنَّ البَارَّ "بالجُهْدِ يَخلُص". فالإنسانُ المُخَلَّصُ حَقًّا قد خَلُصَ بِصُعوبَة. فالخَلاصُ ليسَ سَهلاً. فالبابُ ضَيِّقٌ. وَمِنَ الصَّعبِ العُثورُ عليه. وهُناكَ صُعوبَةٌ جَمَّةٌ في العُبورِ مِنه.

وقد كانَ إرْميا يُفَكِّرُ في ذلكَ في سِفْر إرْميا 29: 13 حينَ قال: "وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ". فقد قَصَدَ مَا قَالَهُ. فلا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ بِجُزءٍ مِن قَلبِك، ولا بِنِصْفِ قَلبِكَ، وَلا بِرُبعِ قَلبِك، بل ينبغي أن يَكونَ ذلكَ أهَمّ لديكَ مِن أيِّ شَيءٍ آخر حَتَّى يَستحوِذَ عليك. فالملكوتُ ليسَ لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَ مِن يَسوعَ أنْ يُصْلِحَ حَياتَهُم قَليلاً. والمَلكوتُ ليسَ لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَ مِن يَسوعَ أن يَصْعَدَ بِهم قَليلاً السُّلَّمَ الاجتمِاعِيَّ. والمَلكوتُ ليسَ لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَ أن يَنْجُوا مِن جَهَنَّم.

بل إنَّ المَلكوتَ هو لأجلِ الأشخاصِ الَّذين يُريدونَ أن تَتغيَّرَ حَياتُهم، والَّذين يُريدونَ أن يَنْجُوا مِنْ جَهَنَّم، ولكنَّهُم بَلَغُوا نُقطةً باتوا فيها مُستعِدِّينَ لاختبارِ وقتٍ عَصيبٍ مِنَ التَّبكيتِ، وبُغْضِ الذَّاتِ (كَما رأينا في المَرَّةِ السَّابقةِ)، والنَّدَمِ، والانكِسارِ إلى الحَدِّ الَّذي يَتركونَ فيهِ حَرفيًّا كُلَّ شَيءٍ لأجلِ المَسيح. فهذا هو مَعنى أنْ تَطلُبَ ذلكَ مِن كُلِّ قَلبِك.

وَلِماذا مِنَ الصَّعبِ جدًّا أن تَصيرَ مَسيحيًّا؟ لِنَرجِع إلى نَصِّنا. فهو أمرٌ صَعبٌ لأنَّهُ ينبغي لكَ أن تُنكِرَ نَفسَك. وهذا هو ما يَجعَلُ الأمرَ صَعبًا: إنكارُ الذَّاتِ إلى حَدِّ حَمْلِ الصَّليب، وإلى حَدِّ الخُضوعِ والطَّاعَةِ للمَسيحِ بِصِفَتِهِ رَبًّا. فهذا أمرٌ صَعب. وهذا يَتَخَطَّى حُدودَ كُلِّ شَيءٍ بَشَرِيٍّ. وكما قُلتُ سَابِقًا، فإنَّ كُلَّ شَيءٍ في العَالَمِ (أيْ شَهوةَ الجَسَدِ، وشَهوةَ العُيونِ، وتَعَظُّمَ المَعيشةِ) هو ما يُسَيطِرُ علينا.

انظُروا إلى العالَمِ مِن حَولِكُم. فما الَّذي يَجعلُ النَّاسَ يَفعلونَ مَا يَفعلونَهُ؟ إنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَنبُعُ مِن داخِلِهم. إنَّها الرَّغبةُ في تَحقيقِ كُلِّ شَهَواتِهم. وهي الرَّغبةُ في تَحقيقِ كُلِّ طُموحاتِهم. فَهُم يُشاهِدونَ هَذا الشَّيءَ الجَميلَ، أو ذلكَ الشَّيءَ الجَميلَ، أو هذا الشَّيءَ الأكثرَ فَخامَةَ، أو ذلكَ الشَّيءَ الأكثرَ فَخامَةً فيَرغبونَ في الحُصولِ عليه. وَهُم يَنْساقونَ وراءَ هذهِ الشَّهَوات. وَبِكُلِّ تأكيد، فإنَّ الشَّيءَ الثَّالِثَ (وَهُوَ العَامِلُ الأقوى) هُوَ الرَّغبةُ في الحُصولِ على التَّكريمِ، والقَبولِ، والتَّقديرِ، والمَكانةِ المَرموقةِ، والنُّفوذِ، والتَّأثيرِ، والحُبِّ، والاحترامِ، والكِبرياء. فهذه هي حَياةُ النَّاسِ. وَهكذا يَعيشون. وهذا هُوَ عَالَمُهم.

وهذا هو السَّببُ الَّذي جَعَلَ يَسوعَ يَقولُ إنَّكَ إنْ تَمَكَّنْتَ مِنَ الحُصولِ على كُلِّ ما يُمكِنُ للعالَمِ أنْ يُقَدِّمُهُ لك وَفْقًا لهذهِ الشُّروط (أيْ على كُلِّ ما تَشتَهيه، وكُلِّ ما تَتوقُ إليه، وكُلِّ ما تَراه، وكُلِّ ما تَرغَبُ فيه لأجلِ مَجْدِكَ أنتَ)، إنْ تَمَكَّنْتَ مِنَ الحُصولِ على كُلِّ شَيء فإنَّها سَتكونُ صَفْقَةً سَيِّئَةً إنْ خَسِرتَ نَفسَك. لِذا فإنَّهُ يَقولُ في العَدد 24: "إنْ أردتَ أن تُخَلِّصَ نَفسَكَ، ينبغي لكَ أنْ تُهْلِكَها. وإنْ أَهْلَكْتَ نَفسَكَ فإنَّكَ تَجِدُها وَتُخَلِّصُها. لِذا، يجب عليكَ أن تَتَخَلَّى عن كُلِّ شَيءٍ فيكَ". وحَرفِيًّا: أنْ تَفعَلَ كُلَّ ما يُخالِفُ طَبيعَتَك. وهذا هو الجُزءُ العَنيفُ في ذلك.

فقد وَصَلَ الشَّابُّ الغَنِيُّ إلى البَابِ، ورأى البَابَ، وَتَحَدَّثَ إلى البابِ قائِلاً: "أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّة؟" فَجاوَبَهُ يَسوعُ. فقال: "إنَّ البَابَ ضَيِّقٌ جِدًّا بالنِّسبةِ إليَّ". لِذا فقد أخذَ أموالَهُ وَمَضى، وأخذَ بِرَّهُ الذَّاتِيَّ وَمَضَى. فقد أرادَ ما يُمكِنُهُ أن يَشتريهِ بِمالِه. وقد أرادَ أن يُشبِعَ رَغْباتِهِ القَلبِيَّة. وقد أرادَ أن يُشبِعَ شَهْوَةَ عَينيهِ بِأموالِهِ. وَهُوَ لم يَكُن مُستعِدًّا للاعترافِ بأنَّهُ خَاطِئٌ كي يَحتَفِظَ بِبِرِّهِ الذَّاتِيِّ وَكَبريائِه دُوْنَ خَدْشٍ. في ضَوْءِ هذا كُلِّه، رَجَعَ وَمَضَى في الطَّريقِ المُؤدِّي إلى الهَلاك.

فقد كانَ يَسيرُ في طَريقِ التَّدَيُّن، ولكِنَّهُ كانَ الطَّريقَ الرَّحْب. صَحيحٌ أنَّ الطَّريقَ يَحْمِلُ لافِتَةً تَقولُ إنَّهُ طَريقٌ يُؤدِّي إلى السَّماء، ولكنَّهُ يُؤدِّي إلى جَهَنَّم. وقد كانَ بمقدورِهِ أن يَمشي في ذلكَ الطَّريقِ بِسُهولة بِكُلِّ أمتِعَتِه. وكانَ بِمَقدورِهِ أن يَحمِلَ العالَمَ كُلَّهُ مَعَهُ. وَهُوَ طَريقٌ أكثرُ جَاذِبيَّةً. فالطَّريقُ الرَّحْبُ سَهْلٌ. وَمِنَ السَّهلِ بُلوغُهُ. فَيَكفي أن تَنْضَمَّ إلى أيِّ دِيانَة لِتَجِدَ طَريقًا وَاسِعًا يَخلو مِنَ العَقَباتِ، ويَخلو مِنَ الحُدود، ويَسمَحُ بِعُبورِ جَميعِ الأشخاص.

ولكِنَّ هذا ليسَ الإنجيلَ الَّذي كَرَزَ بِهِ يَسوع. فقد قالَ يَسوعُ أُمورًا صَاعِقَةً وصَعبةً. فقد قالَ في إنجيلِ يُوحَنَّا والأصحاحِ السَّادسِ: "إِنْ لَمْ تَأكُلُوا جَسَدي وَتَشْرَبُوا دَمي". وَهُوَ لم يَكُن يَتحدَّثُ عن أَكْلِ لُحومِ البَشَر، بل إنَّ مَا قَصَدَهُ هُوَ أنَّهُ يَجِبُ عليكُم أن تَقبلوني بِجُملَتي، ويجبُ عليكُم أن تَقبلوا كُلَّ شَيءٍ يَختَصُّ بي. وإنْ لم تَكونوا مُستعِدِّينَ لِلقيامِ بذلك، وإنْ لم تَكونوا مُستعِدِّينَ حَرفيًّا لِجَعلي الطَّعامَ الوَحيدَ لَكُم، لن تَدخُلوا مَلكوتي. ونَقرأُ في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ السَّادسِ: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ". فقد وَصَلوا إلى الباب. وقد رَأَوْا البابَ. ولكنَّهُم قالوا: "إنَّهُ ضَيِّقٌ جدًّا. سَنَعود أَدْراجَنا". وقد عَادُوا أَدراجَهُم وَسَلَكوا في الطَّريقِ الَّذي يُؤدِّي إلى جَهَنَّم. وَهُوَ طَريقُ اليَهوديَّةِ في حَاَلتِهم. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ نَظَرَ إلى الأشخاصِ الَّذينَ بَقَوْا وقال: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ نِيابَةً عنهم فَقال: "يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ". وَقد كَانُوا يَقْصِدونَ بذلك: "لقد عَرَفْنا أنَّكَ الطَّريقُ الوَحيدُ. وقد دَخَلْنا في البابِ الضَّيِّق".

افتَحوا قَليلاً على إنجيل لوقا والأصحاح 14. ففي إنجيل لُوقا 14: 25 نَقرأُ عن حَادِثَةٍ في حَياةِ يَسوعَ تُعطيكُم فِكرةً جَيِّدةً عن هذا الأسلوبِ الكِرازِيِّ. فقد كانَ هُناكَ حَشْدٌ كَبيرٌ يَمشي مَعَه. فقد كانَ هَذا الحَشْدُ الكَبيرُ يَسيرُ خَلفَهُ إلى كُلِّ مَكانٍ يَذهبُ إليه: "فَالْتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ". وقد كانت هذهِ فُرصة مُهِمَّة. فما الَّذي سَيَقولُهُ لَهُم؟ سوفَ يَلتَفِتُ وَيُشارِكُ (كَما نَقولُ بالعَامِّيَّةِ) قَلبَهُ مَعَهُم. فما الَّذي سَيَقولُه؟ استَمِعوا إلى ما قالَهُ. فقد كانوا جَميعًا يَسيرونَ خَلفَهُ. فقد كانُوا يَتبَعونَهُ جَسَدِيًّا. ولكِنَّهُ يَقولُ رُوحِيًّا: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ..." [أيْ إنْ كانَ أَحَدٌ يَأتي إليَّ رُوحِيًّا] "...وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ..." [أيْ: مَنْ لا يُبدي استِعدادَهُ للموتِ] "...وَيَأتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا".

ويا لَها مِن رِسالةٍ غَريبة! ويا لَها مِن طَريقةٍ لإعادَةِ النَّاسِ إلى بُيوتِهم! "إنْ لم تَكُن مُستعدًّا لاتِّباعي، وللتَّخَلِّي تَمامًا عن كُلِّ شَيءٍ، وللتَّكريسِ الكامِلِ الَّذي قد يَجعَلُكَ تَخسَرُ أباكَ، وأُمَّكَ، وزوجَتَكَ، وأولادَكَ، وإخوَتِكَ، وأخواتِكَ، وحَياتَكَ، فإنَّكَ لا تَأتي بِشُروطي". وما يَعنيهِ بذلكَ، بِكُلِّ تأكيد، هو أنَّكَ تَرْتَدُّ عن دِيانَتِهم، وأنَّ ذلكَ سَيَجعَلُكَ تَخسَرُ تلكَ العَلاقَة. وهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يَعلمونَ ذلكَ بِكُلِّ تأكيد. فإنْ صِرتَ مَسيحيًّا فإنَّ كُلَّ شخصٍ غيرِ مُؤمِنٍ بالمَسيحِ في عائِلَتِك سيَتخلَّى عنكَ حَالاً. والأمرُ سيكونُ صَعبًا بِصورة خَاصَّة إنْ كُنتَ تَنتَمي إلى عَائلةٍ تُشبِهُ عَائلاتِ هَؤلاءِ النَّاسِ الَّذين كانُوا مُتَرَسِّخينَ جدًّا في اليَهوديَّةِ التَّاريخيَّةِ إذْ إنَّ الثَّمَنَ كانَ بَاهِظًا.

لِذا، هذهِ طَريقةٌ أُخرى يَستخدِمُها يَسوعُ ليقولَ إنَّ ذلكَ سيُكَلِّفُكَ كُلَّ شَيء. وإنْ لم تَكُن مُستعدًّا لِدَفعِ ذلكَ الثَّمن (بالرَّغمِ مِن أنَّهُ قد لا يُطالِبُكَ بذلك)، إنْ لم تَكُن مُستعدًّا لِدَفعِ ذلكَ الثَّمن فإنَّكَ لستَ يَائِسًا بالقَدرِ الكَافي، وأنتَ لا تَفهَمُ ضِيْقَ البَابِ. فيجبُ عليكَ أن تَدخُلَ مِن دُونِ شَهوةِ الجَسَد، وشَهوةِ العُيون، وتَعَظُّمِ المَعيشَة؛ أيْ مِن دونِ الحُمولَةِ الَّتي تَحمِلُها دائمًا. ويجبُ عليكَ أن تَدخُلَ مِنْ دُونِ التَّمَسُّكِ بكُلِّ تلكَ العَلاقات. فلا يُمكِنُكَ أنْ تُدْخِلَ جَميعَ هَؤلاءِ الأشخاصِ مَعَكَ مِنَ البابِ الضَّيِّق، بل يجبُ عليكَ أن تَدخُلَ بِمُفرَدِك. ولا يُمكِنُكَ حَتَّى أنْ تُفَكِّرَ في التَّمَسُّكِ بحياتِكَ لأنَّ الرَّبَّ قد يَطلُبُها مِنك. فهذهِ هي الدَّعوةُ الحَقيقيَّة، وهي تَتَلَخَّصُ في النَّصِّ الَّذي نَتأمَّلُ فيهِ في الأصحاحِ التَّاسِعِ في العِبارَة: "فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ".

وأنا مُقتَنِعٌ حَقًّا أنَّ أغلبيَّةَ الكِرازَةِ اليومَ تَخدَعُ النَّاسَ وتُضَلِّلَهُم. فَهِي تَعِدُ بِخُطَّةٍ رائعةٍ ومُريحَةٍ لِحياةِ كُلِّ شَخص. وهي لا تَقولُ شَيئًا عنِ البابِ الضَّيِّقِ والطَّريقِ الضَّيِّق، بل إنَّ تَركيزَها يَنْصَبُّ على مَحَبَّةِ الله. وَهي لا تَذكُرُ غَضَبَ الله. وهي تَنْظُرُ إلى النَّاسِ كَما لو كانُوا أشخاصًا مَحرومينَ، لا بِوَصْفِهِم أشخاصًا فَاسِدين. وهي مُفعَمَةٌ بالتَّعاطُفِ والتَّفَهُّمِ مِن دونِ ذِكْرٍ للخطيَّةِ والغَضبِ والدَّينونَة. وهي لا تَدعو النَّاسَ إلى التَّوبةِ، ولا تُحَذِّرُهم مِنَ الدَّينونةِ، ولا تَدعوهُم إلى الانكِسارِ، ولا تَتوقَّعُ قَلبًا مُنْسَحِقًا، ولا رَغبةً في الحُزنِ على الخَطيَّة. بَلْ إنَّها تَدعُو النَّاسَ وَحَسْب إلى اتِّخاذِ قَرارٍ لَحْظِيّ أو مُتَسَرِّعٍ، وإلى تَرديدِ بِضْعِ كَلِمات. وَهِيَ تُقَدِّمُ لَهُم وُعودًا بالصِّحَّةِ والسَّعادةِ والبَرَكة.

ولكِنَّ هَذا ليسَ مَا قالَهُ يَسوع. فَهُوَ مُفتَرَقُ طُرُقٍ. ولكي تَصيرَ مَسيحيًّا، يَنبغي أن تَغتَصِبَ المَلكوتَ اغتِصابًا لأنَّهُ يجبُ عليكَ أن تُهْلِكَ نَفسَكَ. وهذا هُوَ السَّببُ في أنَّ رُوحَ اللهِ يَأتي (كما يُخبِرُنا يُوحَنَّا في إنجيلِهِ) ويُبَكِّتُكَ بِقُوَّة. فالرُّوحُ يأتي كي يُبَكِّتَكَ على خَطِيَّةٍ، وَعَلَى بِرّ، وَعَلَى دَيْنُونَة. ثُمَّ إنَّ مَعركةً عَنيفةً تَحدُث. ومِنْ خِلالِ هذا العُنْفِ يَشْعُرُ أُناسٌ بالنَّدَمِ والتَّوبةِ واليأسِ، وَيَتَخَلَّوْنَ عن كُلِّ شَيءٍ كَانُوا يَتَشَبَّثونَ بِهِ في المَاضي، ويَقبَلونَ المَسيحِ أيًّا كانَ الثَّمَن.

وَيُعطي يَسوعُ زَخْمًا لرِسالَتِهِ في الآيةِ الَّتي تَلي ذلك. وسوفَ نَتوقَّفُ عندَ الآيةِ التَّالية. وَنَرى هُنا الزَّخْمَ الَّذي يَستخدِمُهُ في مُحاولةٍ مِنْهُ لِجَعْلِ النَّاسِ يَتَّخِذونَ القَرارَ الصَّحيح: "لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، فَبِهذَا يَسْتَحِي ابْنُ الإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ الآبِ وَالْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ".

فيسوعُ يَصِفُ الأشخاصَ الَّذينَ لن يَتوبوا والأشخاصَ الَّذينَ لن يُؤمِنوا بأنَّهُم يَسْتَحون...بأنَّهُمْ يَسْتَحون: "مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي، وَمَنْ لا يُحِبُّني ولا يُحِبُّ إنجيلي". فلا يُمكِنُكَ أنْ تَفصِلَ بينَ الاثنين. فهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ أَبْدَوْا إعجابَهُم بيسوعَ ولكِنَّهُم يُبغِضونَ الإنجيل. وهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يُعجَبونَ بيسوعَ ويُعجَبونَ بالإنجيلِ غيرِ المُخَلِّصِ وغيرِ الكِتابِيِّ الَّذي سَمِعوه. ولكِنَّ يَسوعَ يَقول: "إنِ استَحَيْتَ بي"؛ أيْ إنْ رَفضتَني، واحتَقرتَني، ولم تَقبلني أنا وَكَلامي، سَتَكونُ غيرَ مَقبولٍ لَديَّ، وسأَسْتَحي بِكَ، وستَكونُ أنتَ المُحتَقَر. وإنْ حَسِبْتَ أنَّ هذا الإنجيلَ جَهالَة، سَتَكونُ أنتَ الجَاهِل".

وفي إنجيل مَتَّى 10: 32 و 33، قالَ يَسوعُ أيضًا: "إنِ اعتَرَفْتَ بِـي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِكَ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَلكِنْ إنْ أنْكَرْتَني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُكَ أَنَا أَيْضًا". فهذهِ هي الخُلاصَة. لِذا، هل أنتَ مُستعَدٌّ للاعترافِ بِمَسيحِ العهدِ الجديدِ (أيْ بالمَسيحِ الحَقيقيِّ) وبالإنجيلِ الَّذي أَعلَنَهُ (أيِ الإنجيلِ الحَقيقيِّ)؟ فهل أنتَ لا تَستحي بذلكَ، بل تَعتَرِفُ عَلَنًا وَجَهارًا بذلك؟ أَمْ أنَّكَ تَستَحي بِهِ وبِكلامِهِ؛ وفي ضَوْءِ ذلكَ فإنَّكَ تُنكِرُ مَا قَالَهُ عَن نَفسِهِ، أوْ تُنْكِرُ أنَّ إنجيلَهُ هُوَ الرِّسالةُ الصَّحيحة؟ فإنْ كُنتَ تُنْكِرُ ذلك، وإنْ كُنتَ تَسْتَحي بِهِ، وإنْ كانَتِ الكِرازَةُ بالصَّليبِ في نَظَرِكَ جَهالَة، فإنَّكَ في عِدادِ الهَالِكين.

فقد تَكونوا مُعجَبينَ بيسوع. وقد تَقولونَ: "يا رَبّ، لقد عَمِلنا أعمالاً رائعةً باسمِكَ، وكَرَزْنا باسمِكَ، وطَرَدنا شَياطينَ باسمِكَ"، ولكِنَّكُم سَتَسمَعونَهُ يَقول: "اذْهَبوا عَنِّي. إنِّي لم أعرِفْكُم قَطّ يا فَاعِلِي الإثم". فالإعجابُ لا يَكفي. والقولُ إنَّكَ مُعجَبٌ بالمَسيحِ وإنَّكَ تَخدِمُ المَسيحَ لا يَكفي. وهُناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ يَفعلونَ ذلك! كَثيرون! كَثيرون! فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابع: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ...". كَثيرونَ مِمَّنْ يَسيرونَ في الطَّريقِ الرَّحْبِ هُمْ مِنَ المُعجَبينَ بيسوع، ولكِنَّهُم لم يَدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّق. وَهُم لم يَأتوا بِقلبٍ مُنْكَسِرٍ وَمُنْسَحِق. وَهُم لم يَأتوا مَسْحوقينَ تَحتَ وَطْأَةِ نَاموسِ اللهِ بِمَوقِفِ النَّدَمِ، ولم يَعتَرِفوا بِحالَتِهم الحَقيقيَّةِ بِوَصفِهِم أشخاصًا يَائِسينَ وَتحتَ اللَّعنَةِ، ولم يَصرُخوا طَلَبًا للخَلاصِ مِنَ المَصدَرِ الوَحيدِ؛ أيْ مِنَ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيح.

وفي الأصحاحِ الثَّالِث عَشَر مِن إنجيل لُوقا (لأنِّي أريدُ مِنكُم أن تَرَوْا أنَّ هذا هو غَالبًا المَوضوعُ الَّذي تَحَدَّثَ عنهُ يَسوعُ)...كانَ يَسوعُ يَجتازُ (في العَدد 22) فِي مُدُنٍ وَقُرًى يُعَلِّمُ. فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ (كَما قُلنا سَابِقًا): «يَا سَيِّدُ، أَقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ؟» فَقَالَ لَهُمُ: «اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ مِنْ بَعْدِ مَا يَكُونُ رَبُّ الْبَيْتِ قَدْ قَامَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَابْتَدَأْتُمْ تَقِفُونَ خَارِجًا وَتَقْرَعُونَ الْبَابَ قَائِلِينَ: يَارَبُّ، ... افْتَحْ لَنَا. يُجِيبُ، وَيَقُولُ لَكُمْ: لاَ أَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ! حِينَئِذٍ تَبْتَدِئُونَ تَقُولُونَ: أَكَلْنَا قُدَّامَكَ وَشَرِبْنَا (رُبَّما كُنَّا هُناكَ عندما أَشْبَعْتَ الخَمْسَةَ الآلاف)، وَعَلَّمْتَ فِي شَوَارِعِنَا! (فَرُبَّما كَانوا في كَفْرَناحوم أو في إحدى القُرى الأخرى) فَيَقُولُ: أَقُولُ لَكُمْ: لاَ أَعْرِفُكُمْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ، تَبَاعَدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي الظُّلْمِ!" لقد كانوا مُعجَبينَ بيسوعَ، وكَانُوا يَتْبَعونَ يَسوعَ. أجل! أجل! وقد كَانُوا يَمشونَ مَعَهُ. فقد كانُوا هُناكَ. وقدِ استَمَعوا إليهِ يُعَلِّمُ في الشَّارِع. ولكنَّهُ يَقولُ: "تَبَاعَدُوا عَنِّي يَا جَمِيعَ فَاعِلِي الظُّلْمِ". "هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ [في العَدد 28] وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ، مَتَى رَأَيْتُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَنْتُمْ مَطْرُوحُونَ خَارِجًا". فسوفَ يَكونُ الأمرُ صَعْبًا عَليكُم.

لِذا فإنَّ الرَّبَّ يَقولُ: "إنْ لم تَعرِفوني بِشُروطي، فإنِّي لا أعرِفُكُم البَتَّة. وإنْ لم تَدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّقِ مِن خلالِ التَّوبةِ والتَّبكيتِ على خَطيَّتِكُم، ولم تُنكِروا ذَواتِكُم، ولم تَبلُغوا نُقطةَ اليَأسِ الَّتي تَجعَلُكُم تَصرُخونَ طَلَبًا للخَلاصِ والبِرِّ والسَّماءِ أيًّا كانَتِ النَّفَقة، ولم تَدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّقِ، بل تَسْتَحونَ في الحَقيقةِ مِن يَسوعَ وَكَلامِهِ، سَتَجِدونَ أنَّهُ يَسْتَحي بِكُم". ومَتى سَيَحدُثُ ذلك...أيْ ذلكَ الإنكار؟ إنَّهُ يَقولُ في هذهِ الآيةِ بِكلماتٍ مُحَدَّدَةٍ جِدًّا...إنَّهُ يَقولُ: "عندَ مَجيئِهِ". عِنْدَ مَجيئِهِ.

فعندما يَموتُ أحدُ الخُطاةِ اليومَ فإنَّهُ يَذهبُ إلى جَهَنَّمَ حَالاً...حَالاً، ويَذُوقُ العَذابَ. فلا حاجةَ إلى الانتظارِ إلى أنْ يَأتي يَسوعُ المَسيحُ مِن أجلِ ذلك. ولكِنَّ هَذا يُشبِهُ وَضْعَكَ في السِّجْنِ قَبْلَ مُحَاكَمَتِكَ إلى أنْ يَصْدُرَ حُكْمٌ بِحَقِّك. فعندما يَقتَرِفُ شَخصٌ جَريمَةً ويَتِمُّ القَبضُ عَليهِ مُتَلَبِّسًا بتلكَ الجَريمة فإنَّهُ يَوضَعُ في السِّجْن، ويَنتَظِرُ إلى أنْ يَحينَ مَوعِدُ الجَلسةِ النِّهائيَّةِ وإصدارِ الحُكْم. ومَتى سيَحدُثُ ذلك؟ سيَحدُثُ ذلكَ عندما يَأتي يَسوعُ بِمَجْدِه. فهو سَيأتي مِن أجلِ كَنيسَتِه، ولكِنَّ مَجْدَهُ لن يُستعَلَنَ في الأرض. فالكنيسةُ سَتَختَفي وَحَسْب عندَ الاختِطاف. ثُمَّ سَتأتي ضِيقَةٌ رَهيبةٌ وضِيقَةٌ عَظيمةٌ. ثُمَّ إنَّ يَسوعَ سَيَأتي ثانيةً بِمَجْدٍ مُنير. فسوفَ يَأتي ثانِيَةً.

وَوَصْفُ مَجيئِهِ مَذكورٌ بِلُغَةٍ وَصفيَّةٍ جدًّا جدًّا في رِسالةِ تَسالونيكي الثَّانية 1: 7. فعندما يأتي ثَانيةً، سَيأتي بِمَجدِهِ الَّذي سيَكونُ مَقرونًا أيضًا بِمَجْدِ الآبِ وَمَجْدِ المَلائكةِ القِدِّيسين. وهَذا مَذكورٌ في العَدَدِ السَّابِعِ مِنَ الأصحاحِ الأوَّل: "عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ". فسوفَ يأتي يَسوعُ بِمَجْدِهِ. وسوفَ يأتي مَلائِكَتُهُ بِمَجْدِهِم. ورُبَّما يُشيرُ لَهيبُ النَّارِ إلى الآبِ الَّذي أُعْلِنَ مَرَّاتٍ كَثيرة في العهدِ القديمِ في عَمودِ نَارٍ كَانَ يُرْشِدُ بَني إسرائيلَ في اللَّيلِ وَكانَ يَتَّخِذُ مِنَ المَكانِ المُقَدَّسِ في خَيمةِ الاجتِماعِ مَسْكِنًا لَهُ، ويَحِلُّ فَوقَ المَكانِ المُقَدَّس؛ وهي النَّارُ الَّتي رَآها مُوسَى وَرآهَا بَنو إسرائيلَ عَلى جَبَلِ سِيْناء وَكانَت تَرمِزُ إلى الله. فَهِيَ نَارٌ مُشتَعِلَةٌ وبَديعَةٌ تَرمِزُ إلى حُضورِ الله.

فالمَسيحُ يَجيءُ، والمَلائِكَةُ يَجيئونَ، وَمَجْدُ اللهِ ظَاهِرٌ. ومَتَّى يَصِفُ ذلك. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 24 يَأتي يَسوعُ بِمَجْد. وفي إنجيل مَتَّى والأصحاح 25 يَأتي يَسوعُ بِمَجْد. وَحَتَّى في إنجيل مَتَّى والأصحاح 26 (في نِهايةِ الأصحاحِ تَقريبًا) يَأتي يَسوعُ أيضًا بِمَجْد. وعندما يَأتي (كَما يَقولُ العَددُ الثَّامِنُ) سَيُعطِي نَقْمَةً؛ أيْ عِقابًا. لِذا فَقَدْ أَسْمَيْنا هذهِ النُّقطةَ الثَّالثةَ: "العِقاب". فَهُوَ سَيُعْطي نَقْمَةً "لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ". فَهُم لا يَعرِفونَ اللهَ. ولماذا لا يَعرِفونَ اللهَ؟ "وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح".

فإنْ لم تَكُن تُطيعُ الإنجيلَ، لا يُمكِنُكَ أن تَعرِفَ اللهَ. أليسَ كذلك؟ فلا تُوجَد طَريقةٌ أخرى للخَلاص. وما سَيَحدُثُ هُوَ أنَّهُ سَيُعطي نَقْمَةً. وما هي النَّقْمَة؟ نَقرأُ في العَدد 9: "الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ..."؛ أيْ أنَّهُم سَيُعاقَبونَ إلى الأبد بِهَلاكٍ لا يَتوقَّف "...مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ". فَسوفَ يُطرَدونَ مِنْ أمامِ وَجْهِ اللهِ حيثُ البُكاءُ الأبديُّ، والنَّوْحُ، وَصَريرُ الأسنان.

لِذا، عندما يَأتي يَسوعُ بِمَجْدِهِ إلى الأرض عندَ مَجيئِهِ الثَّاني، في نِهايةِ التَّاريخِ البَشريِّ الَّذي نَعرِفُهُ نحن، أيْ في نِهايةِ حَياةِ البَشَر، سَيَهلِكُ الأشرار. وسوفَ يُطرَدونَ إلى الهَلاكِ الأبديِّ. وحينئذٍ، سَيُؤسِّسُ الرَّبُّ مَلكوتَهُ الألفِيَّ. وفي نِهايةِ ذلكَ المَلكوتِ الَّذي سَيَدومُ أَلْفَ سَنَة، سَتَكونُ هُناكَ هذهِ المُحاكَمَة الأخيرة الحَقيقيَّة. افتَحوا على سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحِ العِشرين. وسوفَ نَنظُرُ نَظرةً سَريعَةً إلى هذا النَّصِّ في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحِ العِشرين.

فَيوحَنَّا يَنظُرُ إلى ذلكَ المُستقبَلِ في نِهايةِ المَلكوت. وهذا هُوَ الحَدَثُ الأخيرُ في الكَونِ (بِحَسَبِ عِلْمِنا): "ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ". ففي اللَّحظةِ الَّتي نَظَرَ فيها يُوحَنَّا إلى هذا المَشهَدِ "الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ". وَهَذا يُشيرُ إلى انْحِلالِ الكَون. فَهُوَ يَخْتَفي وَحَسْب. "وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ!" فَهُوَ يَختَفي مِنَ الوُجود...الكَونُ كُلُّه. فاللهُ سَيُزيلُهُ بِسُرعَةٍ تَفوقُ السُّرعَةَ الَّتي خَلَقَهُ بِها. "وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا" (أيْ المَعروفينَ وَغيرَ المَعروفين) "وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ". وَهَذا يُشيرُ [بِبساطَة] إلى حَقيقةِ أنَّ اللهَ لَديهِ سِجِلٌّ دَقيقٌ لِكُلِّ شَيءٍ يَحدُثُ في حَياتِنا. "وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ". وَهُوَ السِّفْرُ الَّذي كُتِبَتْ فيهِ أسماءُ المُخَلَّصين. "وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ". وَهَذا أمرٌ مَأساوِيٌّ لأنَّ أعمالَهُم شِرِّيرَة...جَميع البَشَر. "وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا". فالأمواتُ سَيأتونَ حَرفيًّا بأجسادٍ مُقامَةٍ جَاهِزَةٍ للعَذابِ الأبديِّ. وَهُمْ يَمْثُلونَ أمامَ هذا العَرشِ العَظيم. "وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" لأنَّ هَذا هُوَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ أنْ يُدانُوا عَليه. وإنْ تَمَّتْ إدانَتُكَ بحسبِ أعمالِكَ، سَتَهلِك. "وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي". بُحيرةَ النَّارِ. "وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ".

فالطَّريقةُ الوَحيدةُ الَّتي يُمكِنُكَ أنْ تَنْجو فيها مِن بُحيرةِ النَّارِ هي أنْ يَكونَ اسمُكَ مَكتوبًا في سِفْرِ الحَياة. وَوُجودُ الاسمِ في سِفْرِ الحَياةِ لا يَعني أنَّكَ لم تَقتَرِفْ أيَّ أعمالٍ شِرِّيرة، بل يَعني أنَّ أعمالَكَ تلكَ قد سُتِرَتْ وَدُفِعَ ثَمَنُها مِنْ خِلالِ ذَبيحةِ المَسيح. لِذا، عندما يَأتي المَسيحُ بِمَجْدِهِ، وعندما يَأتي بِمَجْدِ الآبِ والمَلائكةِ القِدَّيسينَ...ويُمكِنُكم أن تَقرأوا عن ذلكَ أيضًا في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاح 19 إذْ إنَّ هذا الأصحاحَ يُصَوِّرُهُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ السَّماءِ وَيَجلِسُ على فَرَسٍ أبيض عَظيم لِيُحارِبَ ويُهْلِك...فعندما يَأتي للتَّصَدِّي للأشرارِ، وإهلاكِهم، ولِمُعاقَبَتِهم بالعِقابِ الأبديِّ، ولِجَلْبِهم إلى الدَّينونَةِ الأخيرةِ ومُحاكَمَتِهمِ الأخيرة؛ في تلكَ النُّقطة سَيُعلِنُ الرَّبُّ أنَّهُ يَسْتَحي بِكُلِّ أولئكَ الَّذينَ اسْتَحوا بِهِ وبإنجيلِه.

وهذهِ حَقيقة خَطيرة ومُخيفة جدًّا. وفي ضَوْءِ فَهْمِكَ لِلجَدوى، والفَائدةِ، والمَنفعةِ، والمَكْسَبِ إنْ رَبِحْتَ العَالَمَ كُلَّهُ، وأَشْبَعْتَ كُلَّ شَهْوَةِ الجَسَدِ، وشَهْوَةِ العُيونِ، وَتَعَظُّمِ المَعيشَةِ...إنْ حَصَلْتَ على كُلِّ ذلك، ما الَّذي يَهُمُّ إنْ كُنْتَ سَتَخْسَرُ حَياتَكَ الأبديَّة؟ فَمِنَ الأفضلِ جِدًّا أنْ تَدخُلَ مِنَ البابِ الضَّيِّق. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَقول: "إِنْ أَرَدْتَ أنْ تَكونَ في السَّماءِ، وإنْ أردتَ أنْ تَتْبَعَني إلى المَلكوت، أَنْكِرْ نَفسَكَ، واحمِلْ صَليبَكَ، واتْبَعْني".

يا أبانا، هَذا هُوَ الحَقُّ الَّذي أَعلَنتَهُ مِنْ خِلالِ صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّس. وَهُوَ يَدعو كُلَّ واحِدٍ مِنَّا إلى فَحْصِ مَصيرِه. فإلى أيْنَ نَحْنُ مَاضونَ؟ فَهَلْ نُعانِقُ الحَياةَ بأنانِيَّة؟ وَهَلْ نُعانِقُ رَغَباتِ وشَهَواتِ قُلوبِنا السَّاقِطَة؟ وَهَلْ نَتَمَسَّكُ بِراحَتِنا، وغِنانا، وآرائِنا، وإنجازاتِنا، وأخلاقيَّاتِنا؟ فإنْ كُنَّا كذلكَ فإنَّ مَصيرَنا هُوَ الهَلاك.

ساعِدنا، يا رَبُّ، على أنْ نَسْتَفيقَ بِمَعونَةِ رُوحِكَ القُدُّوسِ، وعلى أنْ نَرى أنَّنا لا شَيء، وَأنَّنا أوَّلُ الخُطاةِ، وأنَّنا أشخاصٌ مُتَسَوِّلونَ وبَائِسوَنَ، وعلى أنْ نُبدي استعدادَنا للموتِ عَالِمينَ أنَّنا إنْ نَظَرنا إلى أنفُسِنا هَكذا وَقَبِلنا المَسيحَ فإنَّنا سَنَمْلِكُ مَعَ اللهِ إلى الأبد. ذَكِّرنا أنَّ الحَمْقى هُمُ الوَحيدونَ الَّذينَ لا يُحْسِنونَ انتِقاءَ هذا الخِيار. فَنَحْنُ لا نُريدُ أن نَكونَ مِثلَ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ عَاشُوا في زَمَنِ إرْميا وَتَركوا يَنْبوعَ المَاءِ الحَيِّ لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً.

أعْطِنا قَلبًا مُنكَسِرًا وتَائِبًا تَوبةً حَقيقيَّةً، ثُمَّ املأنا بِنَعمَتِك. نَشكُرُكَ على الوُضوحِ الَّذي تَتَحَدَّثُ بِهِ كَلِمَتُك لأنَّ ذلكَ يَحْمينا مِنْ إساءَةِ فَهْمِ الإنجيل. ويا لَيتَنا نَكونُ أُمناءَ في الكِرازَةِ بِهِ أيضًا. نَشكُرُكَ باسمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize