نَعودُ إلى إنجيل لوقا والأصحاح السَّادس لدراسة كلمة الله في هذا الصَّباح. وأنا لا أُقدِّم لكم حقًّا عِظتي، بل أجذب أنظاركم وحسب إلى العظة الَّتي قَدَّمها رَبُّنا يسوعُ المسيح. ونحنُ نَشُقُّ طريقنا في هذه العظة ونحاول أن نَفهم حَقَّها العميق والمباشر والبسيط. وهي تُسمَّى غالبًا العظة على الجبل. وما كَتَبَهُ لوقا مِن أقوال يَسوعَ في ذلك اليوم بالقرب مِن بحر الجليل ودَوَّنَهُ في الأصحاح السَّادس والأعداد مِن 20 إلى 49 هو نفس العظة الَّتي دَوَّنَها مَتَّى في إنجيل مَتَّى والأصحاحات 5 و6 و7. ويُوفِّر إنجيلُ مَتَّى نُسخةً أطول لهذه العظة. فقد دَوَّنَ مَتَّى جزءًا أكبر بكثير مِمَّا دَوَّنَهُ لوقا مِن كلامِ الربِّ. ولكنَّ الربَّ قالَ ما دَوَّنَهُ مَتَّى، والربُّ قال أيضًا ما دَوَّنَهُ لوقا. والعظةُ تَضُمُّ ما قيل في كِلا الإنجيلَيْن وربَّما أكثر بكثير حيث إنَّه يمكنكم أن تقرأوا كِلا المَقطعين كامِلَيْن في دقائق معدودة. ومِن المُرجَّح أنَّ الربَّ وَعظَ وقتًا طويلاً.
لِذا، نَستنتِج أنَّ ما دَوَّنَهُ لنا مَتَّى هو سِجِلٌّ حقيقيٌّ لجزءٍ مِن تلك العظة، وأنَّ ما دَوَّنَهُ لوقا هو سِجِلٌّ حقيقيٌّ أيضًا لجزءٍ مِن تلك العظة. وإنْ جَمعناهما معًا فإنَّنا لن نَحصل على التَّعليم الكامل لما قاله يسوع؛ وَهُوَ أمرٌ ينبغي أن نَترُكَه للحكمةِ الإلهيَّة. فقد أعطانا ما يَعلمُ أنَّنا بحاجة إلى سَماعِه. فكما هي الحال غالبًا في وعظ يسوع في الأناجيل... على سبيل المثال في الأصحاح الرَّابع عندما قَدَّم العظة في المَجمَع... فإنَّنا نَقرأ فقط جُملته الافتتاحيَّة. فقد ابتدأ عِظَتَهُ بالقول: "إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ". فنحن لا نَعرف بقيَّة العظة مِن جهة مُحتواها بالتَّحديد، ولكنَّنا نَعلم القصد العامَّ مِنها لأنَّه مَذكور لنا هناك ويمكننا أن نَعلمَه مِن خلال رَدِّ فِعل النَّاس.
لِذا يمكننا القول بصورة عامَّة إنَّ عِظات يسوع مُقدَّمة إلينا بإيجازٍ شديدٍ جدًّا؛ معَ أنَّ هذه العظة تحديدًا (أيِ العظة على الجبل) هي واحدة مِن العظات الَّتي تَحوي مادَّة أكبر مِن أيٍّ مِن عظاته الأخرى. وهي عظة مُهمَّة لأنَّها عظة عن الخلاص. وهي عظة تَرسِمُ خُطوطًا واضحةً جدًّا. وهي عظة بسيطة جدًّا ومُباشِرة جدًّا. وما يُدهشني دائمًا هو مَدى التَّعقيدِ... أو كيف أنَّ شُرَّاحًا مُعيَّنين قد نَجحوا في تعقيد الأمور كثيرًا في أثناء سَعيهم لفهم عظةٍ بسيطة ومباشرة جدًّا جدًّا. فهذه العظة تَرسُمُ مُفارقةً بسيطةً. إنَّها المُفارقة بين الأشخاص المُبارَكين والأشخاص المَلعونين. وبصراحة، هذا يَضُمُّ كلَّ الأشخاص. فكلُّ الأشخاص الَّذينَ عاشوا على مَرِّ الزَّمان في أيِّ مكانٍ يَندرجون إمَّا تحت فئة المُبارَكينَ وإمَّا تحت فئة المَلعونين.
وأعتقد أنَّه إن نَظر المرءُ إلى الدِّيانات في العالَم، قد يبدو (في الظَّاهر على أقلِّ تقدير) أنَّ هناك خِيارات كثيرة جدًّا، بل آلاف الخِيارات حين تُفَتِّش في كلِّ الدِّيانات المُختلفة في العالَم وتحاول أن تَفهم تَعقيد الدِّين. ولكن في الحقيقة، هناك مَنهَج بسيط جدًّا بخصوص الدِّين. فكلُّ شخصٍ يَرتبط بالله بإحدى طريقتين: فإمَّا أن تَتبارك مِن اللهِ وإمَّا أن تُلعَن مِن الله. وهناك إله حقيقيّ وَحَيّ واحد فقط وَهُوَ الإله المُعلَن في صفحات الكتاب المقدَّس. فلا يوجد إله آخر. ولا توجد آلهة أخرى. وكلُّ البشر يَرتبطون بالله الحيِّ الحقيقيِّ بإحدى طريقتين. فإمَّا أن يَنالوا البَرَكة مِنه وإمَّا أن يَنالوا اللَّعنة مِنه. وإمَّا أن يَكونوا داخِل مَلكوتِه، وإمَّا أن يكونوا خارج مَلكوته. وإمَّا أن يكونوا أولادَهُ وإمَّا أن يكونوا أولادَ الشَّيطان. وإمَّا أن يكونوا في مَملكة النُّور، وإمَّا أن يكونوا في مَملكة الظُّلمة. وإمَّا أن يكونوا مُواطني السَّماءِ، وإمَّا أن يكونوا مُواطِني الجَحيم. فهكذا هو الأمر. فكلُّ شخصٍ في الجنس البشريِّ يَندرِج تحت فئة مِن هاتين الفِئتين.
وهذه هي الطَّريقة الَّتي يَبتدئُ فيها يسوعُ عِظَتَهُ إذ إنَّه أشارَ بوضوح إلى المُبارَكين والمَلعونين. والكلمة "طُوباكُم" تَرِد في الأعداد 20 و21 و22. والكلمة المُستخدمة للإشارة إلى المَلعونين هي "وَيل". والكلمة "وَيل" تَعني أنَّهم مَلعونون، وهي تَرِد في الأعداد 24 و25 و26. ويَسوعُ يَقومُ، شأنُهُ في ذلك شأن أيِّ كارِزٍ جيِّد، بِعَقْدِ مُفارَقة. فهناك الأشخاصُ المُخلَّصونَ والأشخاصُ الضَّالُّون، أوِ الأشخاصُ المَلعونونَ والأشخاصُ المُبارَكون، أوِ الأشخاصُ الَّذينَ يَنتمون إلى اللهِ والأشخاصُ الَّذينَ يَنتمون إلى الشَّيطان، أوِ الأشخاصُ المَفديُّون والأشخاصُ غيرُ المَفديِّين، أوِ الأشخاصُ الَّذينَ تَغيَّروا وتَجدَّدوا والأشخاصُ الَّذينَ لم يَختبروا ذلك، أوِ الأشخاصُ الَّذينَ سيَذهبونَ إلى السَّماءِ والأشخاصُ الَّذينَ سيَذهبونَ إلى جَهنَّم. فالأمرُ بهذه البَساطَة. فإن لم يكُنِ اللهُ أباكَ فإنَّ الشَّيطان هو أبوكَ. وإن لم تَكُن السَّماءُ بَيتَكَ فإنَّ جَهَنَّمَ هي بَيتُك.
فالأمرُ ليس مُعقَّدًا، بل هو بسيط. وهذه هي رسالة كلِّ نَبيٍّ في العهد القديم، ورسالة يسوع، ورسالة يوحنَّا المعمدان، ورسالة الرُّسُل، ورسالة كلِّ كارِزٍ حقيقيٍّ مُنذ ذلك الحين فصاعدا إلى هذه السَّاعة. فالمُفارقة البسيطة واضحة لنا في كلِّ التَّاريخ الكِتابيِّ، وهي واضحة تمامًا لنا في هذه العظة الَّتي قَدَّمها يسوع. والعدد 20 يُخبرنا أنَّه كان يُخاطب التَّلاميذ. وهذه كلمة عامَّة واسعة النِّطاق تُشير إلى المُتعلِّمين أو الطَّلَبة. فقد كان هناك أشخاص كثيرون يَتبعونه وليس فقط الرُّسُل الاثنا عشر.
لا تَخلطوا هنا بين التَّلاميذ والرُّسُل. فقد كان الرُّسُل تلاميذًا، ولكنَّهُم أُفرِزوا مِن التَّلاميذ ليكونوا رُسُلاً. والكلمة "تِلميذ" تَعني طالب أو مُتعلِّم. أمَّا الكلمة "رَسول" فتَعني مَبعوث أو مُرسَل. وَهُم يُعَرَّفون (كما نَعلم) في الأعداد 12-14 بصفتهم رُسُلاً. لِذا فإنَّ الرُّسُل هُمُ الرُّسُلُ الاثنا عشر. أمَّا بقيَّة هؤلاء الأشخاص الَّذينَ كانوا يَتبعون يسوع ويَتعلَّمون تَعاليم يسوع بدرجةٍ أو بأخرى، ويأتون كطلبة عند يسوع فَهُم الشَّريحة العريضة مِن التَّلاميذ. إذًا فإنَّ يسوعَ يُخاطبُ هذه الشَّريحة العريضة مِن النَّاس ويقول: "أنتُم إمَّا مُباركونَ وإمَّا مَلعونون. وأنتُم إمَّا تَنتمون إلى هذه الفئةِ وإمَّا تَنتمونَ إلى تلك. وأنتُم إمَّا داخل مَلكوت الله وإمَّا خارجَ ملكوت الله".
وما تَزالُ هذه هي الرِّسالة الَّتي أودُّ أن أُقدِّمَها اليوم. فأنتُم جميعًا هنا. وأنتُم [بدرجةٍ أو بأخرى] مُتعلِّمون. وأنتُم طلبة. وقد جئتم للاستماع إليَّ أتكلَّم. وأنتُم تَندرجون تحت هاتين الفِئتين. فأنتُم إمَّا في عِدادِ المُبارَكينَ وإمَّا في عِدادِ المَلعونين. وهناك أشخاصٌ منكم قد تَباركوا مُنذ وقتٍ طويل. وهناك أشخاصٌ منكم اهتدوا حديثًا إلى المسيح وصِرتُم حديثًا في عِدادِ المُبارَكين. وهناك أشخاصٌ منكم في عِدادِ المَلعونين، ولكنَّكم ستخرجون. فسوف تَفهمون الإنجيل، وسيَعمل روحُ الله على إرشادكم فتتحرَّكون باتِّجاه الإيمان بالمسيح. وهناك أشخاص منكم سمعوا الرِّسالة مِرارًا وتَكرارًا وعَقدتُم العزمَ على عدم الإيمان، ورُبَّما انحرفتم في الاتِّجاهٍ الآخر وستتوقَّفون بعد وقتٍ قصيرٍ عن المجيء إلى هُنا.
وهكذا كانت الحالُ مع الحشد الَّذي كان يَتبع يسوع. فقد كانوا مُوزَّعين على طُول الخَطِّ الَّذي يَتراوح بين أن يكونوا تلاميذًا (أي تلاميذًا حقيقيِّين) وأن يكونوا تلاميذًا زائفينَ، وما بينهما. وقد قال يسوع إنَّ هذه هي الطَّريقة الَّتي ينبغي أن تنظروا بها إلى هذا الأمر المُختصِّ بالدِّين في العالَم. فأنت إمَّا أن تكون في عِداد المُباركين، وإمَّا في عِداد المَلعونين، وإمَّا أن تكون سائرًا في الطَّريق المؤدِّي إلى تلك البَرَكة، وإمَّا في الطَّريق المؤدِّي إلى تلك اللَّعنة الأبديَّة. والآن، كيف يُمكنُنا أن نُمَيِّزَ هذه الفئةِ عن تلك؟ كيف يُمكنُنا أن نَعلم مَنِ المُباركينَ وَمَنِ المُلعونين؟ الطَّريقة الأولى الَّتي نُمَيِّز بها ذلك هي مِن خلال الطَّريقة الَّتي يَنظرون بها إلى أنفسهم. فيمكنك أن تَعلم مَن المَفديِّين مِن خلال الطَّريقة الَّتي يَنظرون بها إلى أنفسهم. وهذا هو ما نَتعلَّمُه مِن الأعداد 20-26.
فالمُباركونَ هُمُ الأشخاصُ الموجودون في الملكوت: "لأنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ" (كما يقول العدد 20). والمباركون يَرون أنفسَهم مساكينَ، وجياعًا، وباكينَ، ومَطرودين. وهذا يعني أنَّهم ينظرون إلى أنفسهم نَظرةً تَجعلهم يَرون حالتَهم الروحيَّة الحقيقيَّة الخاطئة؛ أي إفلاسَهم. فَهُم يَرون أنفسَهم مُفلسينَ روحيًّا، وفارغينَ، ومُتسوِّلين، وجياعًا إلى البِرّ الَّذي لا يَملِكونه ولا يستطيعون أن يَكسبوه. ويوجد في نفوسهم حُزن، وبُكاء، وأَسَى، وانكسار، وشعور بالغُربة والنَّبْذ.
فحالما يَتَّحدون بالله الحقيقيِّ الحيِّ مِن خلال الإيمان بابنه، فإنَّهم يَختبرون بكلِّ تأكيد غُربة وعُزلةً وحتَّى اضطهادًا (كما يُشيرُ الرَّبُّ). لذا فإنَّ الطَّريقة الأولى الَّتي يمكنكم مِن خلالها أن تَعرفوا الشَّخص المؤمنَ هي مِن خلال نظرته إلى نفسه. فلا شَكَّ في أنَّه ينظر إلى نفسه بصفته خاطئًا بائسًا، وفارغًا، وبلا رجاء، وبلا حَولٍ أو قُوَّة، إلخ، إلخ. فهكذا ينظر المؤمنون الحقيقيُّون إلى أنفسهم.
ولكنَّ الأشخاصَ المُتديِّنين لا يَنظرون إلى أنفسهم بهذه الطريقة. ولم يكن اليهودُ ينظرون إلى أنفسهم بهذه الطريقة. ولم يكن الفَريسيُّون والصَّدُّوقيُّون والأسينيُّون والغَيورون وغيرُهم مِن الأشخاص الَّذينَ يَنتمون إلى النِّظام اليهوديِّ في أرض إسرائيل في زمن الربِّ يسوعَ، لم يكونوا يَنظرون إلى أنفسهم بتلك الطَّريقة. والأشخاصُ المُتديِّنون لا يَنظرون البتَّة إلى أنفسهم بتلك الطَّريقة لأنَّه إن لم تَتُبْ بحسب ديانَتِك، ولم تكن تنظر إلى نفسك بصفتك خاطئًا بائسًا، وبلا رجاء، وعاجزًا عن تخليص نفسه (أو نفسِها)، ومُعدَمًا تمامًا روحيًّا، ومُفلِسًا وفي حالة تَسَوُّل، ولا يستطيع أن يفعل شيئًا لتخليص نفسه؛ إن لم تكن تَرى نفسك في تلك الحالة اليائسة، ولم تَكُن تَصرخ طالبًا الرَّحمة مِن الله، لا بُدَّ أنَّك تَرى أنَّك تَمتلك مؤهِّلات روحيَّة، أو أنَّك حَقَّقتَ إنجازاتٍ روحيَّةً، أو قُمتَ بأعمالٍ صالحة أو طُقوسٍ مُعيَّنة أو أعمالٍ دينيَّة تستطيع مِن خلالها أن تَكسبَ رَضى الله.
وهذه هي الطريقة الَّتي يَنظر بها الأشخاص المُتديِّنون إلى أنفسهم سواء كانوا مِن اليهودِ، أوِ المُسلمينَ، أوِ المُورمون، أو شهودِ يهوه، أو مِن أيِّ ديانة أخرى في العالَم. فإمَّا أن تُؤمن بأنَّك لا تستطيع أن تُسهِمَ في خلاصِك وبأنَّك بائس ومُتسوِّل لا حَول له ولا قُوَّة، وبأنَّك جائع إلى شيءٍ لا تَملِكهُ، وبأنَّك غير شَبِع، وبأنَّك نُفاية العالَم الدِّينيِّ؛ وإمَّا أن تُؤمن بأنَّك تستطيع أن تُسهِم في ذلك. وقد كان اليهودُ في زمن يسوع يَنتمون إلى نِظامٍ قائمٍ على الأعمال والبِرِّ الذَّاتيِّ.
لِذا فإنَّ يسوع يقول: "طالَما أنَّك تنظر إلى نفسك [في الأعداد 24-26] كشخصٍ غَنيٍّ، وشَبعان، وسعيد، ومشهور فإنَّك مَلعون لأنَّ هذه هي كلّ التَّعزية الَّتي ستحصل عليها، ولأنَّك ستعيش في جوعٍ أبديٍّ وبُكاءٍ أبديٍّ وعَويلٍ أبديٍّ لأنَّك تَنتمي إلى نفس فئة الأنبياء الكذبة. فقد كانوا مَشهورين هُم أيضًا. ولكنَّ اللهَ لَعَنَهُم. ومِن الواضح أنَّ الأنبياءَ (أيِ الأنبياءَ الحقيقيِّين) أَعلنوا تلك الدَّينونة. فهكذا يَتِمُّ التَّفريقُ بين الفِئتين. فالتَّلاميذُ الحقيقيُّون للمسيح، والأتباعُ الحقيقيُّون للمسيح يُعرَفونَ مِن خلال الطَّريقة الَّتي يَنظرون بها إلى أنفسهم. وقد رأينا ذلك في المَرَّة السَّابقة.
والآن، أريد أن أنتقل إلى فِئة أخرى. فَهُم يُعرفونَ أيضًا مِن خلال نظرتهم إلى الآخرين... مِن خلال نظرتهم إلى الآخرين. فَهُم ليسوا أبرارًا في أعيُن أنفسهم، بل يَنظرون إلى أنفسهم بصفتهم خُطاةً شِرِّيرين. وَهُم لا يؤمنون بأنَّ أيَّ شيءٍ يَفعلونه أَخلاقيًّا أو دينيًّا يُمكن أن يُسهِم في خلاصهم. لذا فإنَّهم يَرون أنفسهم بلا رجاءٍ آخر سِوى أن يَطلبوا الرَّحمة، ويَطلبوا النِّعمة، ويَطلبوا الغُفرانَ، ويَتضرَّعوا إلى الله كي يُخلِّصهم بالرَّغم مِن أنَّهم لا يَستحقُّون ذلك. فَهُم النَّادِمونَ، والمُتَّضِعونَ، والمساكين، والجِياع، والحَزانَى، والمَتروكون، والمُخلَّصون بالنِّعمة. فهكذا يَنظرون إلى أنفسهم.
وأيُّ أشخاصٍ لا ينظرون إلى أنفسهم هكذا ليسوا في الملكوت. فقد يكونوا مُتديِّنين... وأغلبيَّةُ النَّاس كذلك. ولكنَّهم يَظُنُّون أنَّهم أغنياء بسبب ديانتهم. فَهُم يَشبعون بديانتهم. وَهُم سَعيدون بديانتهم. وَهُم (إلى حَدٍّ ما) يكافؤون مِن قِبَل النَّاس المُحيطين بهم والَّذين يَنتمون إلى نفس النِّظامِ ويُساندونهم. ولكنَّهم الأشخاصُ الضَّالُّون لأنَّ الأمر يبتدئ بنظرتك إلى نفسك. فإن لم تكن ترى نفسَك على حقيقتك، وإن لم تكن تَرى أنَّك خاطئٌ ضالٌّ وبائسٌ تمامًا وبلا حولٍ أو قُوَّة، لن تَقبلَ الإنجيل.
ولكنَّ الشَّيءَ الآخرَ هو الطَّريقة الَّتي تنظر بها إلى الأشخاص الآخرين... الطَّريقة الَّتي تنظر بها إلى الأشخاص الآخرين. فيمكنكم أن تَعرفوا ما إذا كان المرءُ تلميذًا حقيقيًّا للمسيح [كما يقول يسوع هنا] مِن خلال نظرته إلى الأشخاص الآخرين. انظروا إلى العدد 27: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ". وسوف نتوقَّف عند تلك النُّقطة لأنِّي لن أتجاوزَها بأيِّ حالٍ مِن الأحوال. فقد أردتُ ذلك، وحاولتُ ذلك، ولكن توجد جبال لا يُمكنني أن أَتسلَّقَها. فلا يوجد شيء يُخيفُني أكثر مِن أن أحاول أن أَتَخطَّى آيةً كِتابيَّة. وقد وجدتُ نَفسي عالقًا في العَددين 27 و28.
هذا هو...هذا هو الفحص الثَّاني للتِّلميذِ الحقيقيّ. الأوَّلُ هو كيف ينظر إلى نفسه. والثَّاني هو كيف ينظر إلى الآخرين. ومِن الواضح إلى مَن يُشير يسوع لأنَّ العدد 27 يَبتدئ بالكلمات التَّالية: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا... [مَن؟] السَّامِعُونَ". وهذه جُملة مُهمَّة جدًّا. فنحن نجد تبايُنًا هنا. فهناك تُبايُن بين الأشخاص الَّذينَ يَملكون القُدرة على سَماعِ صوتِ اللهِ والتَّجاوب معه، وبين الأشخاص الَّذينَ لا يَملكون تلك القُدرة.
ونحن نتذكَّر أنَّ الآية 1كورنثوس 2: 14 تقول: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ". وهناك فَرقٌ واضحٌ بين الخُطاة المُشار إليهم في الأعداد 32 و 33 و 34 وأبناءِ العَليِّ المُشار إليهم في العدد 35. فهناك فَرقٌ شاسِع. وجُزءٌ مِن ذلك الفرق يَكْمُنُ بكلِّ تأكيد في أنَّ الشَّخص الَّذي هو ليس تلميذًا حقيقيًّا، والشَّخصَ الَّذي هو خارج الملكوت، والشَّخصَ الَّذي لم يَختبر يومًا التَّجديد، والشَّخصَ الَّذي لم يَخلُص يومًا لا يَستطيعُ أن يَسمَع (أيْ أن يَفهمَ) الحقَّ الإلهيَّ، ويُؤمِن به، ويَعمل به.
لِذا فإنَّ الربَّ يَحصُر مُستمعيه هنا ويقول: "أنا أُخاطب الأشخاص الَّذينَ يستطيعون أن يَفهموا ما أقول. أنا أُكلِّم الأشخاصَ الَّذينَ يَملكون فَهمًا روحيًّا، أوِ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ، أوِ المساكين والجِياع والحَزانى والَّذين لا يَحظونَ بشعبية كبيرة. أنا أُخاطب الأشخاص المَرفوضين. أنا أُكلِّم الأشخاص المُضطهَدين، وأقول لكم إنَّكم لا تُعرَفونَ فقط بكُرهكم للخطيَّة... ولا سِيَّما في أنفسكم... بل تُعرَفونَ أيضًا بمحبَّتكم لأعدائكم. فهذه هي صِفَتِكُم".
وكما تَعلمونَ فإنَّ هذا تَوازُنٌ مُهِمٌّ لأنَّني أستطيعُ أن أُبَرِّرَ بطريقةٍ روحيَّةٍ عُزلتي. فيمكنني أن أقول: "كما تَعلمون، أنا فقيرٌ جدًّا، وجائعٌ جدًّا، ويائسٌ وبائسٌ وحزينٌ جدًّا، وأنا أبكي وأنوحُ وأتحسَّرُ كثيرًا على إخفاقاتي. وفسادي الكامِل يُسيطرُ عليَّ حتَّى إنِّي أشعر بمشاعر سَيِّئة جدًّا تُجاه نفسي". وهذا يُشبه ما يَفعله أُناسٌ غَريبو الأطوار حيث يمكنني أن أضع حجارةً في حِذائي، ومساميرَ في ملابسي. وهذا صحيح! فهناك أشخاصٌ يَفعلون ذلك. فَهُم يَرتدون حِزامًا حول وَسْطِهم ثُبِّتَت فيه إِبَر صغيرة لكي تُحدِث جُروحًا في خَصرِهم لأنَّهم يَظُنُّون أنَّ هذا هو ما يَستحقُّونَه.
ويمكنني...يمكنني أن أَتَقَوْقَع في جُحْري الصَّغير لحماية نفسي، وأن أُشفِقَ على نفسي، وأن أَبتعد قدر استطاعتي عن مُضطَهِدِيَّ. وسوف أتَّفِق معهم بأنِّي بائسٌ ويائسٌ وأنوحُ على شَقاوتي. كذلك، أنا لا أريدُ أن أختلط بالخُطاة لأنَّني إن اختلطتُ بالخُطاة فإنَّهم سيُجرِّبونني ويكونون مصدر تأثيرٍ سَلبيٍّ فتزدادُ مشاعري تُجاه نفسي سُوءًا. وأنا لا أريد أن أقترب مِن أولئك الأشخاص الَّذين سيُفسِدون حياتي. فإن اقتربتُ مِن الخطاة سيَجعلُون الأمورَ أسوأ بالنِّسبة إليَّ.
لِذا، سوف أعزِلُ نفسي وأنوحُ على شَقاوتي. وسوف أبقى بِمَنأى عن تأثير الأشخاص الأشرار. سوفَ أعزِلُ نفسي في دَيْرٍ في مَكانٍ نَاءٍ. سوف أذهب إلى مَكانٍ مَعزولٍ يمكنني فيه أن أُخبر الله حقًّا عن حقيقة مشاعري البائسة تُجاه نفسي. سوف أعزِل نفسي عن النَّاس الَّذينَ يُؤذونني ويَضطهدونني ويجعلوني أشعر بمشاعر أسوأ، وعن الأشخاص الَّذينَ قد يُؤثِّرون فِيَّ تأثيرًا سلبيًّا لأفعلَ الشُّرور. لِذا، قد تُصابُ بحالة مَرضيَّة، وتَتَجَهَّم، وتحاول أن تَحمي نفسَك وأن تَعزِلَ نفسَك.
هل هذا شيء يَنطوي على فَضيلة؟ وهل هذا شَيء يَنطوي على بِرّ؟ إنَّه يُناقض تمامًا ما ينبغي لنا أن نَفعلَه. فكيف ستَكرِز بالإنجيل للخليقة كُلِّها إن لم تَخرج وتَعثُر على هؤلاء الأشخاص وتَعرفهم. وكيف سيَسمعون بِلا كارِز؟ وكيف سيَحصلونَ على كارِز إن لم يَذهب أحد؟ (رسالة رومية والأصحاح العاشر). فهناك أشخاص يَفرحون في اضطهادِ الآخرينَ لهم، ويَفرحون في رَفضِ الآخرينَ لهم، ويَستنتِجونَ قائلين: "إن أَحَبَّني الخُطاةُ، وإن أُعجِبَ بي الخُطاةُ فإنَّ هذا قد يُشيرُ إلى أنِّي قد سَقطتُ مِن النِّعمة". لِذا، إن اختلطوا بالخُطاة فإنَّهم يُختلطون بهم بطريقة تَجعل الخُطاة يَكرهونهم أكثر لكي يَشعروا بأنَّهم اضطُهدوا بسببِ بِرِّهم.
والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّ النَّاس يستطيعون أن يَخرجوا بأفكارٍ مُعقَّدة ظَنًّا منهم بأنَّ أَصْدَقَ تكريسٍ للمسيح هو أن يُقابَلوا دائمًا بالكراهِيَة. لِذا، كُلَّما زادت كَراهِيَةُ الآخرين لك، زادَ تَكريسُكَ للمسيح. لِذا فإنَّهم يُفكِّرون قائلين: "سوف أعزِلُ نفسي، وسوف أَنوحُ على إثمي. وإن خَرجتُ، سوف أتعامَلُ مع الخُطاة بطريقة تَجعلهم يَكرهونَني أكثر مِن أيِّ وقتٍ مَضى. وإن أبغضوني أكثر مِن أيِّ وقتٍ مَضى فإنَّ هذا يعني أنَّني بارٌّ أكثر مِن أيِّ وقتٍ مَضى". فهناك أشخاص يُفكِّرون بتلك الطَّريقة.
ولكنَّ لا! فهناك توازُن مُهمٌّ هنا لأنَّ يسوع يقول إنَّ علاقتنا بالآخرين لا ينبغي أن تكون علاقة عُزلة، ولا علاقة تَجلِب علينا الاضطِهاد، بل يجب أن تَتَّسِم علاقتُك بالآخرين بالمحبَّة... بالمحبَّة. فلا يجوزُ للتِّلميذِ الحقيقيِّ أن يَنوحَ على إثمِه وأن يَعزِل نفسه عن العالَم. ولا يَجوزُ أن يَستقطِبَ عداوةَ الآخرينَ، ولا حتَّى أن يحاول أن يُفاقِمَ أو يَزيدَ مِن تلك العداوة. ولا يَجوزُ أن يَنتقم لنفسه.
فهناك أشخاص يَظُنُّون أنَّه مِن العدالة والبِرّ أن تَنتقم مِن مُضطَهِديك. ولكن لا يجوز لك أن تَفعل ذلك أيضًا. فما يقوله يسوع في العدد 27 مِن خلال تلك الكلمات القليلة المُدهشة (كما يَفعل دائمًا) هو ببساطة ما يَلي: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. لماذا؟ لأنَّ هذا ليس أمرًا طبيعيًّا. وهذا سيُظهِر أنَّك لست شخصًا طبيعيًّا لأنَّهم لا يَفعلون ذلك. فالنَّاس الَّذينَ هُم خارج الملكوت لا يُحبُّون أعداءَهم، بل هُم يُبغِضون أعداءَهم.
كنتُ أقودُ سيَّارتي إلى الكنيسة في هذا الصَّباح برفقة زوجتي "باتريشا" (Patricia)وحَفيدتنا "كيتي" (Katie). وقد توقَّفنا خلف سيَّارة وكنتُ أنظر إلى مُلصَقٍ على الجانب الأيسر مِن الصَّدامِ الخَلفيِّ منها فقرأتُ عبارةً تقول: "اللهُ مَوجودٌ في كلِّ الأشياء". ولا أدري إن كان مَن يقودُ تلك السيَّارة قد جاء إلى كنيستنا هنا. فأنا لم أبقَ خَلفَهُ طَوال الطَّريق. ولكنَّ المُلصَقَ يقول: "اللهُ مَوجودٌ في كلِّ الأشياء". وقد فَكَّرتُ قائلاً: "هذه عبارة جيِّدة. فاللهُ مَوجودٌ في كلِّ الأشياء". وكان هُناكَ مُلصَقٌ آخر يقول: "أنا غاضبٌ حقًّا لأنَّ سائقًا ثَملاً قَتَلَ ابني". وقد فَكَّرتُ قائلا: "هذان المُلصَقانِ لا يَتَّفقان". فلا يمكنك أن تقول إنَّ اللهَ موجودٌ في كلِّ الأشياء وأن تكون غاضبًا مِن عَدُوِّك. فهذا مُناقضٌ لما يقوله الكتاب المقدَّس.
ولكنَّ هذا هو الموقفُ البشريُّ. وهل تَعلمون شيئًا؟ إنَّهُ فَخورٌ لأنَّه غاضب. فهو مُتديِّنٌ ولكنَّه فخورٌ بأنَّه غاضب لأنَّ الانتقامَ فَضيلة عند غير المؤمنين. فهي نُقطة قُوَّة لأنَّها عَداوة أخلاقيَّة ضِدَّ شيءٍ خاطئ. هذا هو العالَم. وهكذا هُمُ الخُطاة. وهذا ليس تلميذًا حقيقيًّا. فالتَّلاميذُ الحَقيقيُّون يُحبُّون أعداءَهم. وهذا ليس أمرًا طبيعيًّا. فَمِنَ الطَّبيعيِّ أن يَقولَ المُلْصَقُ إنَّ اللهَ موجودٌ في كلِّ الأشياء. ولكن إن كان المُلصَقُ الثَّاني يقول: "أنا أُحِبُّ الشَّخصَ الثَّملَ الَّذي قَتلَ ابني وأُصلِّي مِن أجله" فإنَّهُ ليس أمرًا عاديًّا. فإن وَضعتَ مُلصقًا كهذا سيعتقد النَّاس أنَّك مُصابٌ بِمَسٍّ في عقلِك وأنَّك لست شخصًا طبيعيًّا.
وحتَّى في إسرائيل، لم يكن الأمرُ طبيعيًّا. ولا يمكنك أن تكون مُتديِّنًا أكثر مِنهم. وتَرجِعُ الجذورُ إلى العهد القديم. فهي الدِّيانةُ الحقيقيَّةُ الَّتي انبثقت مِنها ديانة يهوديَّة هَجينة تَتألَّفُ في جُزءٍ مِنها مِن العهد القديم، وفي جُزءٍ آخر مِن التَّقاليد والأفكار البشريَّة. وقد كانت النَّتيجةُ النِّهائيَّةُ هي ظُهورُ شكلٍ مُرْتَدٍّ مِن اليهوديَّة. ولكنَّها كانت ديانة مُعقَّدة جدًّا وتَحوي الكثير مِن الأمور الغامضة والتَّفاصيل الدَّقيقة. وفي نِظامهم... استمعوا إلى هذا... كان مِن الخطيَّة أن تُحِبَّ عَدُوَّكَ. فقد كانت خَطيَّة أن تُحِبَّ عَدُوَّكَ. لِذا عندما وقفَ يسوعُ أمام الحشدِ في العظة على الجبل، وكان الفَرِّيسيُّون واقفون هناكَ والكَتبة واقفونَ هناكَ إذ كانوا يَتبعونه إلى كُلِّ مكان... وكان يوجد كَهنة وأحبار ورؤساء مَجامِع مَحليَّة وأشخاصٌ مِن العامَّة... وهو يقول: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". وقد كانت تلك الجُملة في نظر اليهود جُملة غير أخلاقيَّة. فليسَ مِنَ البِرِّ أن تقول ذلك. وليس مِن الصَّواب أن تقول ذلك. فهذه إهانة لهم لأنَّهم كانوا يَقرِنون قِيَمَهُم الروحيَّة بكراهيَّتِهم.
فقد كان ذلك شَبيهًا بأن تقول... لقد كان ذلك شبيهًا بأن تقول ليهوديٍّ يعيشُ في أورُشليم: "أَحبِب الفِلسطينيَّ الَّذي يُفَجِّر نَفسَهُ في عَمليَّة انتحاريَّة". هل تَعِي ما تَقول؟ فقد كانت الفضيلة مُرتبطة بالكَراهِيَة. أو: "يجب عليكم أن تُحِبُّوا الدُّولَ العَربيَّة المُجاورة الَّتي تُعاديكُم". والحقيقة هي أنَّ اليهودَ... أنَّ اليهودَ في زمن يسوع كانوا يُوَجِّهون أغلبيَّة عَداوتهم في اتِّجاهٍ واحد. وقد كان ذلك واضحًا جدًّا جدًّا. فقد كانوا يُوجِّهون عَداوتَهم إلى الرُّومان. فَهُم لم يكونوا يُحبُّون أن يكونوا مُحْتَلِّين. وَهُم لم يكونوا يُحبُّون الوجود الرُّومانيّ. وَهُم لم يكونوا يُحبُّون ذلك لأسباب كثيرة. فَهُم لم يكونوا يُحبُّون ذلك مِن ناحية سياسيَّة لأنَّ الرُّومان حَرموهُم مِن حُكمهم الذَّاتيِّ. ثُمَّ إنَّهم عَيَّنوا حُكَّامًا بغيضين مِن عائلة هيرودس وأَقحموهُم في كلِّ منطقة إسرائيل ليَحكموا. وقد كانوا أَدوميِّين بَغيضين وليسوا يهودًا. فقد كان ينبغي لهم أن يتعاملوا مع أولئك الغاصِبين والمُعتدينَ والمُحتَلِّين.
وقد كانوا يَكرهون الرُّومان لأنَّ الرُّومان كانوا أُممًا وَثنيِّين يَعبدون الأصنام. وعندما جاءوا وَهُم يَرفعون راياتٍ رُسِمَت عليها صورة قيصر، كان ذلك مُخالفة صريحة للوصيَّة الَّتي تقول "لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا" لأنَّهم كانوا يَعبدون القيصر كما لو كان إلهًا. لذا فقد كان اليهودُ يَرونَ أنَّ هناك عبادة وثنيَّة وَقِحَة تُقامُ على أرضهم. وفي كلِّ مَرَّة كانت العُملة النَّقديَّة الرومانيَّة تَقَع بيدِ يهوديٍّ، كانت شيئًا ينبغي البَصْقُ عليه لأنَّها كانت تَحمل صورة القيصر مَنقوشة عليها؛ وهذا وَثَن. وكانت هناك مجموعة مِن اليهود مُرتبطة بالغَيورين تُسَمَّى "حَامِلو الخَناجِر"، وَهُم إرهابيُّون. فَهُمُ إرهابيُّون يهود يَجولونَ ويَطعنون الرُّومان بالخناجر. ومِن الواضح أنَّهم كانوا جَماعة سِرِّيَّة. وقد كانوا قَتَلَة. فقد كان اليهود يَكرهونَ الرُّومان. وكانوا يَظُنُّون أنَّهم يَكرهونهم كَراهية مُقدَّسة وأنَّهم يَكرهونهم كراهية بارَّة.
وكانوا يَكرهون أيضًا الأشخاص الَّذينَ يَتَعَدَّونَ على الشَّريعة والتَّقاليد. وكانوا يَظُنُّون أنَّه مِن البِرِّ أن يَفعلوا ذلك. وأعتقد أنَّهم لا يَختلفون في شيء عن الأشخاص الَّذينَ يعيشون اليوم ويعتقدون أنَّ مَسؤوليَّتَهم تَنحصِر في كُرْهِ أنصارِ الإجهاض، أو في كُرْهِ أصحابِ البِدَع، أو في كُرْهِ المُسلمين، أو في كُرْهِ الأشخاص الَّذينَ يُشَوِّهونَ الجِنسَ أو يُفسِدون الثَّقافة، أو يُجَدِّفونَ على اسم اللهِ على المَلأ، أو يَقومونَ بأعمالٍ إرهابيَّة. إنَّها رسالة مُهمَّة جدًّا لنا كما كانت لهم لأنَّ الكراهِيَة صارت فَضيلة لدينا. صحيحٌ أنَّها ليست فَضيلة دينيَّة، ولكنَّها فَضيلة أمريكيَّة نَبيلة أو فضيلة تَدُلُّ على القُوَّة.
ولكنَّ يسوعَ يَأتي إلى هذه البيئة ويقول: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". ولم يكن كلامُهُ هذا مَقبولاً. ولكنَّ كلَّ ما كان يَقولُه آنذاك لم يكن مقبولاً. لِذا فإنَّه لم يُقَدِّم سِوى عظة واحدة فقط في بلدته "النَّاصرة" لأنَّهم حاولوا أن يَطرحوه مِن حافَّة الجبل. وكان قد تَرعرعَ في ذلك المَجْمَع، وعاشَ هناك ثلاثين سنة عندما كان طِفلاً وصَبيًّا وراشِدًا. وقد كانوا يَعرفونه تمامًا. فقد كانوا عائلتَه المُمتدَّة، وكانوا جِيرانَهُ وأقرباءه. ولكنَّهم حاولوا أن يُعدِموه بعد أن قَدَّم عظةً واحدةً لأنَّ كلَّ ما قاله كان يُناقض الحكمة التَّقليديَّة والأعرافَ المَقبولة.
والآن، أريد أن أُقَدِّم لكم بِضع نقاط في أثناء دراستنا للآيات مِن 27 إلى 38. ولكنَّ المَقطعَ بمُجمله يتحدَّث عن مَحبَّة المَلكوت. حسنًا؟ وقد كانت هذه مُقدِّمة وحسب. والآن، سوف نأتي إلى النُّقطة الجوهريَّة هنا. فهذا المقطعُ يتحدَّث عن مَحبَّة المَلكوت. وتلاميذُ المسيح الحقيقيُّون يُعرَفون مِن خلال نَظرتهم إلى أنفسهم ونَظرتهم إلى الآخرين. فَهُم يَنظرون إلى أنفسهم بطريقة يُبغضون فيها خطيَّتهم، ولكنَّهم ينظرون إلى الآخرين بمحبَّة. وهذا مُدهش. فأنت تَكرهُ هذه الخطيَّة ولكنَّكَ تُحبُّ ذلك الخاطئ. ويُقدِّمُ لنا هذا المقطعُ (قبل أيِّ شيءٍ آخر) أربع وصايا. حسنًا؟ وصايا مَحبَّة المَلكوت. فلنُطلِق عليها هذا الاسم: وصايا مَحبَّة المَلكوت.
فالعَددان 27 و28 اللَّذان قرأتهما على مَسامِعِكم يَحويان أربع وصايا بسيطة: الأولى هي: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". وهذه... لِنَقُل إنَّ هذه الوصيَّة تَختصُّ بمشاعرنا مِن نحوِهم. فهي وَصيَّة تَختصُّ بعاطفتنا أو بمشاعرنا مِن نحوهم. "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". فقد كان الأَسينيُّون أكثر الجماعاتِ وَرَعًا. وأعتقد أنَّهم كانوا في بعض الجوانب يَتفوَّقونَ على الفَريسيِّين. فقد كان الفَريسيُّون مُدَقِّقين في النَّاموس. أمَّا الأسينيُّون فكانوا نُسَّاكًا. فقد كانوا يَمتنعون عن العيش في المجتمع أو الثَّقافة السَّائدَيْن، ويَذهبون للعيش في الصَّحراء. وقد كانوا يعيشون في منطقة البحر الميِّت. وكانوا مُتَنَسِّكين، ومُنعَزِلين، ويَنظرون إلى أنفسهم بأنَّهم الأكثر وَرَعًا وتَضحيةً وانفصالاً عن العالَم.
وإليكم ما كان يقولُه الأسينيُّون. وأنا أقتبسُ مِن مُؤلَّفاتهم: "أَحِبُّوا كلَّ ما اختارَهُ اللهُ وابغُضوا ما رَفَضَهُ". وقد كَتبوا أيضًا: "أحبُّوا جميعَ أولاد النُّور وابغُضوا جميع أولاد الظُّلمة". فقد كان ذلك مكتوبًا في شريعتهم الأخلاقيَّة والأدبيَّة والدِّينيَّة: اكرَهوا أولادَ الظُّلمة؛ أي غيرَ المؤمنين. والحقيقة هي أنَّهم تَمادَوْا في ذلك إلى درجة أنَّهم كانوا يَلعنون جميع الأشخاص غير الأسينيِّين. وهذا يعني أنَّهم كانوا يُبغضون الفَريسيِّين، ويُبغضون الصَّدُّوقيِّينَ، ويُبغضون الغَيورينَ، ويُبغضون كلَّ شخصٍ غيرِ أَسينيٍّ. فقد كانوا يُبغضوهم جميعًا.
ولم يكن الفَريسيُّون أفضل بكثير مِنهم. وأنا أقتبسُ واحدًا مِن الأقوال المأثورة عند الفَريسيِّين: "إن رأى اليهوديُّ أُمَميًّا يَسقُط في البحر، لا يَجوز له البتَّة أن يَنتشِلَهُ مِنه لأنَّه مكتوب: ’لاَ تَقِفْ عَلَى دَمِ قَرِيبِكَ‘؛ ولكنَّ هذا الشَّخصَ ليس قريبك". لماذا؟ لأنَّه أُمميٌّ. دَعْهُ يَغرَق. فهي خَطيَّة إن حاولتَ أن تَنتشِلَهُ مِن الماء. لا تُنقِذ أُمميًّا. وقد صارت هذه نُقطة تُعَبِّر عن فَضيلتهم. والحقيقة هي أنَّ الرُّومان... فيمكنكم أن تعثروا في الكِتابات الرُّومانيَّة... فقد اتَّهم الرُّومان في الحقيقة اليهودَ بِأنَّهم يَكرهونَ الجنسَ البشريَّ. ويا لها مِن سُمعة طَيِّبة! ولكنَّنا نُحبُّ أن نَعتقد أنَّ المسيحيِّين مَشهورون بمحبَّتهم. ففي العالَم القديم، كان اليهود يَشتهرون بكراهيَّتهم. وهذا لا يَختلف في شيء عَمَّا يجري حاليًّا في الشَّرق الأوسط وأماكن أخرى في العالَم مِن جهة الإسلام. يا لَهُ مِن تشابُه عجيب!
ولا شَكَّ في أنَّ الفَريسيِّين والكتبة والأسينيِّن أيضًا وجدوا تَبريرًا لذلك. وقد تقول لنفسك: "كيف يُمكنهم أن يَصِلوا إلى هذه النَّتيجة بأنَّه ينبغي لهم أن يَكرهوا جميع النَّاس؟" لقد رَجِعوا... لقد رَجِعوا إلى سِفْر التَّثنية والأصحاح 23 على سبيل المِثال. ففي سِفْر التَّثنية والأصحاح 23، يقولُ اللهُ إنَّه سيَدينُ الأشرار. لذا فقد أنزَلَ الدَّينونة على الأشرار، واستخدمَ إسرائيل أداةً للدَّينونة، وحَكَمَ بالموتِ على عَبدة الأصنام. وهناك مجموعة مِن تلك الحروب المُقدَّسة [إن جاز القول] الَّتي شَنَّها اللهُ نفسُه. فلم يكن بمقدور أيِّ إنسانٍ أن يَفعل ذلك.
ولكنَّ اللهَ وحدَهُ هو الَّذي يستطيع أن يُقرِّرَ أن يَدين مَن يَشاء وقتَما يَشاء. وفي العهد القديم، عندما كانت إسرائيلُ الدَّولةَ الدِّينيَّةَ والأداةَ الَّتي يَستخدِمُها اللهُ، كانت هناك أوقات استَخدمَ اللهُ فيها إسرائيلَ كَدَيَّان. وقد استخدمَ أيضًا أشور كَدَيَّان. وقد استخدمَ مِصْرَ كدَيَّان. وقد استخدمَ فارِس كديَّان في مناسبات أخرى. ولكنَّ الله هو الوحيد الَّذي يستطيع أن يُقرِّر أن يَستخدم الأدوات البشريَّة (كالحكومات والأُمَم) كدَيَّان. وقد فعلَ ذلك. وقد ظَنُّوا أنَّه فَوَّضَهُم للقيام بذلك، وأنَّهم يَملكون الحقَّ في التصَرُّف كدَيَّانٍ مع الجميع، وحتَّى كجَلاَّدٍ إن اقتضى الأمر. وقد فعلوا ذلك في حالة يسوع.
وقد كانوا يَرجعون أيضًا إلى مَزامير اللَّعنة؛ وهي مزامير تَدعو اللهَ إلى إنزال اللَّعنة أو الدَّينونة على شخصٍ ما. فالمُرنِّمُ في المزمور الَّذي قرأناه في هذا الصَّباح (وهو المزمور 59) يَدعو الله إلى إدانَة الأعداء. فالمُرنِّمُ... تَذَكَّروا ما يلي جيِّدًا جدًّا... فالمُرنِّمُ لم يُنزِل الدَّينونة، بل قال وحسب: "يا رَبّ، إنَّ هؤلاءِ يُهينونَ اسمَكَ، ويَسيئونَ إلى مَجدِكَ. وَهُم أعداءٌ مُجَدِّفون ويَستحقُّون الدَّينونة. يا رَبُّ، دافِع عن نفسكَ وعاقبهم". ولكنَّ الفَريسيِّين كانوا يشعرون أنَّ هذه المَهمَّة فُوِّضَت إليهم بطريقةٍ ما لا فقط ليتصرَّفوا بصفتهم أُمَّةً كان اللهُ يَستخدمها أداةً، بل ليتصرَّفوا نيابةً عن الله نفسِه ويَجلبوا لَعنتهم الشخصيَّة على أيِّ أُناسٍ يَشاؤون أن يَلعنوهم.
وقد كانت تلك القضايا المذكورة في العهد القديم تَختصُّ بالدَّينونة الَّتي كان يُنزِلُها اللهُ على الأُمَم. وهي تَختصُّ بالدَّينونة الَّتي يُنزلُها اللهُ. ولكِن مِن الواضح تمامًا أنَّ سِفْر التَّثنية 32: 35 يقول: "لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ". فعندما يحين وقتُ الدَّينونة، أنا سأفعل ذلك، لا أنتم. فقد كانت تلك كُلُّها أفعال إلهيَّة، لا حُريَّة بشريَّة. ولكنَّ اليهود طَبَّقوا ذلك الحقَّ الَّذي لا يَملكه أحد سوى الله في علاقاتِهم الشخصيَّة. ولا شَكَّ في أنَّ تلك كانت طريقة أخرى شَوَّهوا فيها يهوديَّة العهد القديم. فهذه لم تكن يومًا شريعة العهد القديم. ففي سفر الخروج والأصحاح 23، هناك آيتان (أعتقد أنَّهما الآيتان 4 و 5) تتحدَّثان عن أنَّك إن رأيتَ عَدُوَّكَ، أو حِمارَ عَدُوِّكَ واقِعًا تحت حِمْلٍ ثَقيلٍ، يجب عليك أن تُخَفِّفَ حِمْلَ الحِمار وأن تُساعِد عَدُوَّك. وهذا واضحٌ جدًّا. وهذا تَعبيرٌ بسيطٌ جدًّا عن شريعةٍ تَجدونها.
فمثلاً، سوف أُقدِّم لكم وحسب مَثلَين إيضاحِيَّين. وهناك الكثير مِن الآيات في العهد القديم، ولكنَّ سِفْرَ أيُّوب 31: 29 يقول أيضًا: "إنْ كُنْتُ قَدْ فَرِحْتُ بِبَلِيَّةِ مُبْغِضِي أَوْ شَمِتُّ حِينَ أَصَابَهُ سُوءٌ. بَلْ لَمْ أَدَعْ حَنَكِي يُخْطِئُ فِي طَلَبِ نَفْسِهِ بِلَعْنَةٍ". فسوفَ أُخطئُ إن سَمَحْتُ لنفسي أن أَلعنَ إنسانًا. وسوفَ أُخطئُ إن تَكلَّمتُ بالشَّرِّ على حياتِه أو أَدنتُهُ". فهذا أمرٌ مَتروكٌ لله، وليس لي. فكلُّ ما يمكنني أن أقوله لذلك الشَّخص هو: "اللهُ سيَلعَنُكَ إن رَفضتَهُ". ولكن لا يُمكنني أن أَلعنَ حَياتَهُ. فاللهُ سيَدينُكَ إن أَدرتَ ظَهرَكَ لَهُ. ولكنِّي لا أستطيعُ أن أَجلبَ تلك الدَّينونة عليه.
لِذا فقد قال يسوعُ في نفس العِظة كما يُدَوِّنُها مَتَّى: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا". فهذه ليست دَعوتك. ونَجِد في سِفْر الأمثال 25: 21 مَثلاً واضحًا آخرَ أيضًا في اعتقادي على مِعيار العهد القديم: "إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ [سِفْر الأمثال 25: 21] فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ مَاءً، فَإِنَّكَ تَجْمَعُ جَمْرًا عَلَى رَأْسِهِ، وَالرَّبُّ يُجَازِيكَ". بعبارة أخرى، أَظهِر المحبَّة لِعدوِّك. أَظهِر النيَّة الطَّيِّبة والإحسانَ لعدوِّك. فهذا هو ما عَلَّمَهُ العهد القديم. والحقيقة هي أنَّه توجد دلالة واضحة جدًّا على ما عَلَّمَه العهد القديم في سِفْر اللاَّويِّين 19: 18. فالآية لاويِّين 19: 18 تُلَخِّصُ ذلك: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". أَحْبِب قَريبَكَ. ولكنَّ تلك الكلمة صارت مَنفَذًا للهَرب... "آه! قَريبُك!". وهُنا يأتي السُّؤالُ الكبير. فالسُّؤالُ الكبيرُ في العقيدة اليهوديَّة هو: "مَن هو قَريبي؟"
وكما نَعلمُ فإنَّنا نَقرأُ في إنجيل لوقا 10: 29 أنَّ رَجُلاً جاءَ إلى يسوعَ وقال: "حسنًا! يُفتَرَضُ بي أن أُحبَّ الله بكلِّ قلبي ونَفسي وفكري وقدرتي. ويُفترَضُ بي أن أُحبَّ قريبي كنفسي. ولكِن مَن هو قَريبي؟" إن كنتَ أَسينيًّا، لا بُدَّ أن يكون قريبُكَ أَسينيًّا وليس مِن أيَّة طائفة أخرى. وإن كنتَ فَرِّيسيًّا، لا بُدَّ أن يكون قريبُكَ فَرِّيسيًّا وليسَ مِن أيَّة طائفة أخرى. ثُمَّ إنَّ يسوعَ سَرَدَ قصَّةً عن مَن هو قريبك، وهي قصَّةُ السَّامريُّ [ماذا؟] الصَّالِح. وهي قصَّة رائعة تقول إنَّ لاوِيًّا... وهو رَجُلٌ يَضْطَلِعُ بمسؤوليَّةٍ دينيَّةٍ بصفته قائدًا للأُمَّة... إنَّ لاويًّا جَازَ مُقابِلَ شخصٍ بحاجة إلى المُساعدة ولم يُساعدهُ. وقد جازَ كاهِنٌ مُقابِلَهُ ولم يُساعده لأنَّهم كانوا يُبغضون أيَّ شخصٍ خارج نِطاقِ مَجموعتهم الصَّغيرة. ولكنَّ السَّامريَّ (وَهُوَ أكثرُ المَنبوذينَ نَبْذًا، وأكثرَ المُحتَقرينَ احتقارًا، وهو شخصٌ كان يُنظر إليه بأنَّه شخصٌ فاسِدُ النَّسَب وخائِنٌ لليهوديَّة) ولكنَّ السَّامريَّ فَعلَ ما لم يَفعله أيُّ شخصٍ آخر.
وما يقوله يسوع بصورة رئيسيَّة هو إنَّ قَريبَكَ هو أيُّ شخصٍ تَراهُ في الشَّارع بحاجة إلى المساعدة. هذا هو قريبُك. فهو أيُّ شخصٍ تَتقاطَعُ طَريقُكَ مَع طريقه. فهذا هو قريبُك مِن دون أيَّة حواجِز عِرقيَّة أو دينيَّة. فحتَّى عَدوُّك هو قريبُك. ولكنَّهم لم يُفسِّروا العهد القديم بتلك الطَّريقة. لِذا فقد اضطُرَّ يَسوعُ إلى إعادة تأكيدِ ذلك الحقّ. ومَرَّةً أخرى، فإنَّ ما قُلناه في المَرَّة السَّابقة صحيح تمامًا. فقد كان كلُّ ما قالَه يسوعُ مُناقضًا لتفكيرهم، ومُناقضًا لما يُفكِّرُ النَّاسُ فيه دائمًا، ومُناقضًا لما يُفكِّرُ النَّاسُ فيه اليوم. أَحِبُّوا أَعداءَكُم؟
وأنا أُفكِّرُ دائمًا في "دوين راي" (Duane Rea) عندما كان يَرعي هُنا قبل سنوات طويلة. فقد كان ابنُه يَعمل في مَتجَر "سانفال" (SanVal Market) في "صَن فالي" (Sun Valley) فجاء شخصٌ ليَسرق المَتجَر بعد أن تَعاطَى جُرعةً مِن المُخَدِّرات. وعندما رأى ابنُ الرَّاعي أنَّ أمينَ الصُّندوقِ مُهَدَّدٌ بالسِّلاحِ حاول أن يتدخَّل رغبةً منه في مُساعدته فأُرْدِيَ قَتيلاً. وهو شابٌّ مَسيحيٌّ رائعٌ. فقد كان شابًّا يَدرس في الجامعة. وما زلتُ أَذكُر أباهُ "دوين" مُتلهِّفًا ومُتَحِّمسًا للذَّهاب إلى السِّجن لرؤية هذا الشَّخص الَّذي قَتَلَ ابنَهُ لأنَّه أراد أن يُشارك الإنجيلَ معه. وهذا هو ما فَعلَه.
"أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". فينبغي أن يكون هذا هو موقفكَ مِنهُم. فنحن نقرأ في رسالة رومية والأصحاح 12 ... وسوف أَقرأُ لكم هذا الشَّاهدَ فقط ثُمَّ سنُكمِل بقيَّة الآية. ولكن اسمعوا ما يقول هذا النَّصُّ. رسالة رومية 12: 17: "لاَ تُجَازُوا أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ". وفي العدد 19: "لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ [في سِفْر التَّثنية 32: 35]: لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ". وأيضًا، كما قَرأتُ في وقتٍ سابقٍ مِن سِفْر الأمثال 25: 21: "إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ مَاءً، فَإِنَّكَ تَجْمَعُ جَمْرًا عَلَى رَأْسِهِ".
لا تَسَمح للشَّرِّ الَّذي يَصنعه ذلك الشَّخص أن يُسيطرَ عليك، بل اغلب ذلك الشَّرَّ مِن خلال فِعل الخير. وهذا ليس أمرًا طبيعيًّا. ولكن أليس هذا هو المَغزى؟ لِذا فإنَّنا نقرأ في العدد 35: "إن فَعلتُم هذا؛ أي إن أَحببتُم أعداءَكُم وأَحسنتُم إليهم، وأَقرضتموهم دون أن تَرْجُوا شيئًا، يكونُ أَجرُكُم عظيمًا وتكونونَ بَنِي العَلِيِّ". والنُّقطة هي أنَّهم سيُدركون أنَّ هذا التَّصرُّفَ ليسَ بشريًّا، وسيكونُ مِن الواضح أنَّك تَمتلك محبَّةً غير عاديَّة أو خارقة للطَّبيعة. لِذا فإنَّ الموقفَ يتلخَّص في كيف تَشعُر مِن نَحوهم. فيجب عليكَ أن تُحِبَّهُم.
ثانيًا، العَمل: "أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ". فهذا هو ما نفعله. فنحن نُحسِن إليهم – "كالوس" (kalos). وهي كلمة تُشيرُ إلى الخير المُتأصِّل، لا إلى الخيرِ السَّطحيِّ، ولا إلى الشَّكلِ الجَميل، بل إلى الخير... الخير المُتأصِّل. افعل ما هو خير. والخيرُ المُتأصِّل هو خير مُضَحِّي ودائم. فيجب أن تَفعل مِن أجلهم ما يَؤولُ إلى خَلاصهم الأبديِّ. لِذا فإنَّ الاستراتيجيَّة هي: "ماذا ينبغي أن أفعل لعدوِّي كي يُقبِلَ ويأتي بانفتاحٍ إلى الإنجيل؟" كيف أشعُر؟ أنا أُحِبُّه. وكيف أتصرَّف؟ يجب عليَّ أن أعثُر على أيَّة طريقة مُمكنة لفعل الخير لكي أُبَيِّن أنِّي قادرٌ على التَّصَدِّي لِشَّرِّه بالخير. فأنا أتصرَّفُ في حياتِهِ بإحسان. وأنا أتصرَّفُ في حياته بالخير.
ثالثًا، كيف تتكلَّم. فالأمرُ لا يَقتصر فقط على كيف تَشعُر وكيف تتصرَّف، بل إنَّ طريقةَ كلامِكَ مُهمَّة. فنحن نقرأ في العدد 28: "بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ". وما مَعنى أن أُبارِكهم؟ أي أن تَتحدَّث عنهم... أن تتحدَّث عنهم بالخير، وأن تتحدَّث عنهم بالبَركة حتَّى لو لَعنوك. ولا شَكَّ في أنَّ كثيرين مِن أتباع يسوع كانوا يُلعَنون بصورة غير رَسميَّة. فقد كانوا يُشتَمونَ ويُلعَنونَ وحسب، ويُنبَذونَ، ويُعامَلونَ بازدراء ويُطردون بطريقة غير رسميَّة. وكان ينبغي لهم أن يَتعاملوا مع ذلك. والربُّ يُريد منهم أن يَعلموا (لأنَّهم سيشعرون، كما تَعلمون، بعمل الرُّوح القُدُس في قلوبهم) أنَّه ينبغي لهم أن يُحبُّوا هؤلاء الأشخاص بالرَّغم مِن ذلك. ولكنَّ النِّظام الَّذي نَشأوا عليه أخبرهم أنَّه يجب عليهم أن يُبغضوا هؤلاء الأشخاص.
إذًا، كما تَرون، فإنَّ السَّبب الَّذي يَذكُرُ يسوعُ فيه هذا الأمر بصيغة وَصيَّة هو أنَّه يريد منهم أن يَعلموا أنَّه باستطاعتهم أن يَتبعوا مَا تُمليه عليهم الخليقة الجديدة، لا أن يقعوا ضحيَّة غَسْل الدِّماغ الَّذي مارسَهُ النِّظامُ الدينيُّ الَّذي كانوا يَنتمون إليه. فليس مِن الصَّوابِ أن تَكرَه. فما تَعلَّمتموه غير صحيح. فنحن نقرأ في إنجيل مَتَّى 5: 43 (أي في سِجِلِّ مَتَّى للعظة على الجبل)، نَقرأ أنَه اقتبسَ كلامَ يسوعَ إذ قال: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ..." – وهذا يعني أنَّ هذا كان تَعليم أحبار اليهود: "...تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ". إنجيل مَتَّى 5: 43. فهذا هو تمامًا ما تَعَلَّموه. وقد قال يسوع: "يجب عليَّ أن أُعلِّمَكُم مِن جديد تمامًا. فيجب عليكم أن تَبتدئوا مِن جديد تمامًا. يجب عليَّ أن أقول لكم إنَّه ينبغي لكم أن تُحبُّوا ذلك العَدوَّ، ويجب عليكم أن تُحسِنوا إلى ذلك العَدوَّ لكي تَغلِبوا حَرفيًّا شَرَّه بخيرِكم. ويجب عليكم أن تُباركوا حياتَهُ حتَّى لو لُعِنتُم بطريقة غير رَسميَّة".
مِن جهة أخرى، قد تُلعَنونَ بطريقة رسميَّة. وكيف يَحدث ذلك؟ نقرأ في إنجيل يوحنَّا 16: 2: "سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِع". فسوف يَطردوكم ويَنبذوكم مِن المَجامِع. وقد قال يسوعُ أيضًا: "بَلْ تَأتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لله... بَلْ تَأتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لله". وما الَّذي ينبغي لك أن تفعله بالأشخاص الَّذينَ يريدون أن يقتلوك ظَنًّا منهم أنَّهم يُقدِّمون خِدمةً لله؟ يجب عليك أن تُباركهم. كيف؟ بأن تُقدِّم الإنجيلَ لهم. فيجب عليك أن تَتكلَّم بما يَؤولُ إلى خَيرهم العَميم.
وهذا لا يَعني أنَّه لا يوجد مَوضِعٌ للإنذار. فكيف يمكنك أن تُبارِك حياتَهم إن لم يَفهموا خطيَّتهم والدَّينونة الَّتي تَنتظرهم؟ فيجب عليك أن تَتكلَّم عن الخطيَّة والبِرِّ والدَّينونة لأنَّ الرُّوح القُدُس يُبَكِّت بتلك الطَّريقة بحسب ما جاء في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 16. فيجب عليك أن تُنذر النَّاس بأنَّه: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ..." (1كورنثوس 16: 22) "... فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا". فيجب عليك أن تقول كلامًا يُشبه ما جاء في الأعداد 24 و 25 و 26: "وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الأَغْنِيَاءُ، ... وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الشَّبَاعَى، ... وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الضَّاحِكُونَ، ... وَيْلٌ لَكُمْ إِذَا قَالَ فِيكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ حَسَنًا". فيجب عليكم أن تقولوا ذلك. ولكنَّ هذا هو الجُزء الأوَّلُ مِن الخبر السَّارّ. أليس كذلك؟
وقد بَذَلَ بولسُ حياتَه لكي يَجلب الخلاصَ والبَركة لأعداءِ الله، ولأعداءِ المسيح، ولأعداءِ الإنجيل، ولأعدائِه هو شخصيًّا مع أنَّهم قاموا في النِّهاية بقتلِه. ولماذا فعل ذلك؟ لأنَّه أحبَّ كثيرًا جدًّا. وقد قال في رسالته إلى أهل رومية: "لقد كنتُ أَودُّ لو أكونُ أنا نفسي مَلعونًا؛ أي أنَّني مُستعدٌّ لاحتمال لَعنة الله إن كان ذلك يعني أن أَجلب بَرَكة الإنجيل لشَعبي إسرائيل". فمحبَّتُه لأعدائه لم تكن طبيعيَّة. وهي لم تكن جُزءًا مِن الدِّيانة التَّقليديَّة لأنَّ الدِّيانة التَّقليديَّة كانت تَعكس المحبَّة الطَّبيعيَّة أو الشَّيطانيَّة.
فالمحبَّة الَّتي كانت موجودة لدى الرَّسول بولس، والمحبَّة الموجودة لدى المؤمنين الحقيقيِّين والتي كانت موجودة دائمًا لا يُمكن أن تُفسَّر في المستوى الطَّبيعيِّ، ولا يُمكن أن تُفَسِّر حياة الرَّسول بولس الَّتي كانت حياةً مِن الآلام المستمرَّة. ارجعوا وحسب واقرأوا رسالة كورِنثوس الثَّانية بأنفسكم لتروا هَوْل الأشياء الَّتي احتملَها. فقد قام اليهودُ خمس مَرَّاتٍ في مَجمعهم بجلدِه تسعًا وثلاثين جَلدة. وقد احتملَ ذلك لأنَّه أحبَّهم محبَّةً هائلةً جَعلته يَستمرُّ في مُبارَكة حياتهم بِبَرَكة الإنجيل. ولا نَجِد في ذلك أيَّ مَصلحة ذاتيَّة أو حِماية ذاتيَّة.
وأخيرًا فإنَّه يقول: "إنَّ مَوقفَكُم تُجاه الآخرين يَنطوي على كيف تَشعرون، وكيف تتصرَّفون، وكيف تتكلَّمون، وكيفَ تُصَلُّون... كيفَ تُصَلُّون" إذ نقرأ في نهاية العدد 28: "وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ". وماذا ينبغي أن تكون صلاتُنا؟ يمكننا أن نقول بصورة إجماليَّة وعامَّة: "يا رَبّ، نَسألُكَ أن تُعلِن المسيحَ، وأن تُؤسِّسَ المَلكوتَ المَجيدَ، وأن تُنهي الشَّرَّ. ونَسألُكَ أن تُهْلِكَ أعداءَ الحَقِّ. ونَسألُكَ أن تُفْحِمَ الأنبياءَ الكذبة. نَسألُكَ أن تَفعل ذلك. ولكن يوجد هذا الشَّخص الَّذي يُبغِضُكَ، ويُبغِض الإنجيلَ، ولا يُحِبُّني. يا رَبُّ، أسألُكَ أن تُخَلِّصَ هذا الشَّخص". هذه هي الصَّلاة. وهذا هو ما فَعلَهُ يسوع.
فيسوعُ لم يتصرَّف بصورة قَضائيَّة على الصَّليب، بل قَدَّمَ نَموذجًا شخصيًّا إذ إنَّه قال وَهُوَ مُسَمَّرٌ على الصَّليب: "يا أبتاه... [ماذا؟] اغفِر لَهُم". فقد كانت هذه هي صلاتُه. "اغفِر لهم لأنَّهم لا يَعلمونَ ماذا يَفعلون". ونقرأ عن استفانوس في الأصحاح السَّابع مِن سِفْر أعمال الرُّسُل. فبينما كان يُسحَقُ تحت ثِقْلِ الحجارةِ الَّتي انهالَت على جسده مِن فوق، قال: "لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ"؛ بعبارة أخرى: "اغفِر لهم". فهذه هي الصَّلاة لأجل أولئك في وسط الإساءة. وهذه هي وصايا المحبَّة.
لِذا فإنِّي أقول لكم إنَّ المؤمنين الحقيقيِّين يُعرَفون بشيئَين: كيف يُبغِضون الخطيَّة – بصورة رئيسيَّة في أنفسهم، وكيف يُحبُّون الآخرين. لِذا فإنَّ يَسوعَ يُمَرِّر السَّيف بين الحشود ويَفصل التَّلاميذ الحقيقيِّين عن غيرهم. وهذه هي وصايا المحبَّة. وفي المَرَّة القادمة، سوف نتحدَّث عن أربعةِ ردودِ أفعالٍ على مَحبَّة الملكوت. فهناك أربعةُ ردودِ أفعال ابتداءً مِن الأعداد... ابتداءً مِن العدد 29 وحتَّى نهاية العدد 30.
نَشكرك يا أبانا على هذه الكلمة الصَّالحة، والكلمة الجوهريَّة والبسيطة والمباشرة وغير المُعقَّدة. فهناك أشخاص كثيرون اليوم يتساءلون عن حقيقة علاقتهم بك. ويمكنهم أن يَعرفوا الإجابة. يمكنهم أن يَعلموا ذلك مِن خلال شعورهم تُجاه الخطيَّة الموجودة فيهم، وعدم قدرتهم على تخليص أنفسهم، وحاجتهم إلى التَّضرُّع بيأسٍ طلبًا للرَّحمة والنِّعمة مِثل العَشَّار الَّذي قَرع على صَدره وقال: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" ولم يَشَأ أن يَرفَعَ عَيْنَيْهِ نحو السَّماء.
ويُمكنهم يا رَبُّ أن يَعلموا مِن خلال شعورهم تُجاه أعدائهم إذ إنَّهم يُحبُّونهم، ويُحسنون إليهم، ويُباركونهم مِن خلال الإنجيل، ويُصلُّون لأجل خلاصهم. وهذا يعني أن نكون لُطفاء وشَفوقينَ، وأن نُسامحَ بعضُنا بعضًا كما سَامَحنا اللهُ أيضًا في المسيح. أو كما يقولُ بولس في رسالة أفسُس 5: 1: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا". فمعَ أنَّنا كُنَّا نُعاديكَ فإنَّكَ أَحببتَنا. ومع أنَّنا كُنَّا نُعاديكَ فإنَّ المسيحَ بَذلَ حياتَهُ لأجلنا. فقد وَضعتَ الأُنموذجَ لنا مِن جهة الشَّعورِ والتَّصرُّف والتَّكلُّم لِخير الأعداءِ بصورة فدائيَّة. ونحن نريد أن نَظهرَ بأنَّنا أولادُك مِن خلال الغُفرانِ كما غَفرتَ، وكما غَفرَ المسيح، ومِن خلال المحبَّة كما أَحببتَ، ومِن خلال السُّلوك في المحبَّة كما يُحبُّ المسيحُ.
وفي عالَمٍ يَكثُر فيه الانتقامُ، وفي عالَمٍ يَكثُر فيه الثَّأرُ وعقليَّةُ رَدِّ الإساءةِ بمِثلِها، نُصَلِّي أن نُشِعَّ كأنوارٍ في الظَّلام، وأن تُضيءَ أنوارُنا كي يَرى النَّاسُ هذه المحبَّة وأعمالَ البِرِّ الَّذي يَنبُع مِنها ويُمَجِّدوكَ أنتَ يا أبانا الَّذي في السَّماوات. وصلاتُنا هي أن يَعرفَ العالَمُ أنَّنا لسنا مِثلُهم، بل نحن أبناءُ العَلِيِّ، الرَّبِّ الإلَهِ العَليِّ، حاكِمِ الكَونِ، اللهِ السَّيِّدِ الَّذي غَيَّرَ حياتنا. فحينئذٍ ستصيرُ هذه هي المِنَصَّة الَّتي نَنطلقُ مِنها في كِرازتِنا بالإنجيل. قُدنا إلى أعدائنا بنفس النِّعمة الَّتي أتيتَ بها أنت إلينا عندما كُنَّا نُعاديكَ، واجلِب مِن خلالنا الخلاصَ الَّذي وَهبتَهُ لنا بنعمتك. نُصلِّي هذا باسم المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
