قبل أسبوعين، حَظَيْنا أنا وزوجتي "باتريشا" (Patricia) بفرصة حضور مؤتمر في أريزونا. وفي المكان الَّذي كنتُ سأعظُ فيه، كان يوجد في الوقت نفسه مُتحدِّثٌ آخر اسمُه "ستيف سينت" (Steve Saint) قَدَّمَ شَهادةً مُدهشة. وتَرجِع حياتي مع عائلة "سينت" إلى وقتٍ طويلٍ جدًّا... إلى الوقتِ الَّذي كنتُ فيه ما أزالُ صَبيًّا صغيرًا. فقد كُنَّا نعيش في مدينة فيلادلفيا. وكان أبي في ذلك الوقت مُبشِّرًا يَجول في السَّاحل الشَّرقيِّ ويعِظ. وكانت عائلة سينت في كنيستنا.
كان السيِّد سينت يُلقَّب بسينت العَجوز ويُعرَف بلِحيته النَّازلة إلى مُستوى خَصْرِه. وكانت السيِّدة سينت بوهيميَّةً إلى حَدٍّ ما قبل أن يَصيرَ ذلكَ جُزءًا مِن تاريخِنا هُنا في أمريكا. وكانوا يَزرعون جزءًا كبيرًا مِن طعامهم خارج منزلهم الكبير الَّذي يُشبه الحظيرة مِن الخارج والدَّاخل. وكان السيِّد سينت أشهر صانع زُجاج مُلوَّن في العالَم. والحقيقة هي أنَّ الزُّجاج المُلوَّن الموجود في "الكاتدرائيَّة القوميَّة في واشنطن دي.سي." (National Cathedral in Washington D.C.) هو مِن صُنْعِهِ هو، بالإضافة إلى زُجاج العديد مِن الكاتدرائيَّات الأخرى في جميع دول أوروبَّا.
غريب؟ أجل. فريد؟ أجل. ولكنَّه أنجبَ أولادًا رائعين. فقد أَنجبَ هو والسيِّدة سينت ولدًا اسمُه "سام" (Sam). وقد صار طَيَّارًا... طَيَّارًا تِجاريًّا. وهو الَّذي قادَ أوَّل طائرة 747 مِن نيويورك إلى لوس أنجليس؛ أي الرِّحلة الافتتاحيَّة لتلك الطَّائرة. فقد كان الطيَّار الأوَّل في خطوط الطَّيران الأمريكيَّة في تلك الأيَّام. وكان لديهما ابنٌ آخر يُدعى "فيل سينت" (Phil Saint)، وهو فَنَّان مَعروف جدًّا. وقد مَضَى ليخدم الربَّ.
وقد أَنجبا أيضًا "نيت سينت" (Nate Saint) الَّذي صارَ مُرسَلاً إلى "هنود آوكا" (Auca Indians). وقد سمعتُ أنَّه إن التقيتَ يومًا شخصًا مِن الآوكا، لا تُناديه "آوكا" لأنَّ تلك الكلمة تعني: "الهَمجيُّ العاري". وهذا في الحقيقة ليس اسم القبيلة، بل هو اللَّقب الَّذي يُطلَق عليهم. وقد أنجبا أيضًا فتاةً اسمُها "ريتشل سينت" (Rachel Saint).
وأنتم تعرفون عن "نيت سينت" إن كنتم تَذكرون مذبحة المُرسَلين الخمسة في أدغال إكوادور. وقد ذهبتُ أنا وعائلتي إلى إكوادورـ وذهبنا أنا وزوجتي باتريشا إلى إكوادور، إلى الأماكن الَّتي كان يعيش فيها الآوكا، وشاهدنا عددًا منهم. وهذه القصَّة هي واحدة مِن القصص المُدهشة جدًّا عن تضحية المُرسَلين في تاريخ الكنيسة. وقد كانت حدثًا عظيمًا لأنَّ "مَجلَّة الحياة" (Life Magazine) نَشرت صورة المذبحة على غلافها في الخمسينيَّات عندما حدثت فعَرفَ العالَمُ القصَّة. وهي مَذكورة في كتاب بعُنوان: "عَبْرَ بَوَّاباتِ البَهاء" (Through Gates of Splendor) وغيرها من الكُتُب الَّتي كَتَبَت عن ذلك الحدث.
والشَّيءُ المُدهش بخصوص هذا الحدث (وهو ما ذَكَّرَنا به "ستيف سينت" عندما استمعنا إلى شهادته) هو أنَّ ستيف كان في سِنِّ الثَّالثة عندما قُتِلَ والدُه. فقد كان ولدًا صغيرًا وحسب. فلم تَكُن أُمُّه والزَّوجاتُ الأُخريات في الأدغال الَّتي جرت فيها عمليَّة القتل، بل كُنَّ في مكانٍ آخر ويتواصَلن مع أزواجهنَّ بواسطة جهاز إرسال. وبكلِّ تأكيد، عندما فُقِدَ الاتِّصال ابتدأت القصَّة تَتكشَّف.
ثُمَّ إنَّ القصَّة الحقيقيَّة ابتدأت بعد موت هؤلاء المُرسَلين الخمسة الَّذينَ ذُبِحوا على أيدي قبيلة الآوكا لأنَّ الزَّوجاتِ شَعرنَ أنَّه ينبغي لهنَّ أن يُتابعن العملَ الإرساليَّ هناك. وقد ذهبت العديداتُ مِنهُنَّ إلى الأدغال مع "ريتشل سينت" (أُخت نيت). فقد ذهبنَ إلى الأدغال وابتدأن الكِرازة. وقد استخدَمهنَّ اللهُ لهِدايةِ القبيلة إلى المسيح. وقد حدث ذلك قبل أكثر مِن خمسين سنة. والآن، صارت القبيلة، أو الجزءُ الأعظمُ منها، تَعبُد يسوعَ المسيح. وَهُم عاكِفون على الكِرازة بالإنجيل للقبائل الأخرى وزرع الكنائس.
إنَّها قصَّة عظيمة. فهي قصَّة محبَّة مسيحيَّة. وهي قصَّة محبَّة الملكوت. كيف تُحبِّين قاتِلَ زوجَكِ. وكيف تُحبِّين قاتلَ زوجِ صديقتِك. وكيف تذهبين وتَضعين حياتَكِ على المِحَكّ. وكيف تُحبِّين قاتلَ أخوكِ – كما فَعلت "ريتشل". إنَّها قصَّة مُدهشة!
وآخرُ تَطوُّراتِ القِصَّة هي أنَّ "ستيف" قال: "لقد مَضى على حُدوث ذلك سنوات طويلة الآن. وقد صارت لديَّ عائلة. وواحدٌ مِن الأمور الَّتي أشعر بالحزن بسببها [كما يقول] في تنشئة أبنائي هو أنَّهم لم يلتقوا يومًا جَدَّهُم؛ أي أبي ’نيت‘. لقد كان شخصًا رائعًا". فقد قُتِل، كما نَعلم، عندما كان عُمر "ستيف" ثلاث سنوات. لذا، مِن الواضح أنَّه لم يَعرفه جيِّدًا. ولكنَّه مَلأ حياتَه بقصصِ أشخاصٍ عَرفوه. وقد قال: "كنتُ أشعر دائمًا بمشاعر سلبيَّة لأنَّ أبنائي لم يتمكَّنوا مِن معرفة أبي". وقد قال: "ما زالت لديَّ بِضعُ ذكرياتٍ عن أبي، ولكن مِن المؤكَّد أنَّ الفرصة لم تُسنَح لهم ليَعرفوه". وبكلِّ تأكيد، لم يكن لديهم جَدّ.
وقد سَمَحَ الرَّبُّ على مَرِّ السِّنين أن يَبقى ستيف (الَّذي يَتكلَّم اللُّغة بطلاقة) أن يبقى على اتِّصال بالرَّغم مِن أنَّه عاد إلى الولايات المُتَّحدة وفتح مشروعًا تجاريًّا. ولكن قبل بضع سنوات، ماتت "ريتشل سينت". وكانت ما تزال تعيش مع قبيلة الآوكا. وكانت ما تزال (بِمَعنى مِن المعاني) القائد الروحيَّ لهم معَ أنَّها لم تَعِظ يومًا عظةً واحدةً لأنَّها لم ترغب في أن يَعتادوا على وجود واعِظات.
لِذا مِن البداية، مع أنَّها كانت المرأة الوحيدة الَّتي تَعرف أيَّ شيء عن الكتاب المقدَّس، كانت تُحضِّر كلَّ العِظاتِ وتُعلِّمها لرجُل يقف ويُقدِّم تلك العِظاتِ لكي يَعلموا تَدريجيًّا أنَّ الله يريد رِجالاً منهم يَعِظون. وهكذا هي الحال اليوم في كنائسهم. ولكنَّ "ريتشل" مَضَت لتكون مع الرَّبِّ. وقد اتَّصل أُناسٌ مِن القبيلة بستيف وقالوا له: "نريدُ منكَ أن تَحُلَّ مَحَلَّها".
لِذا فقد تَركَ عَمَلَهُ، واصطحبَ زوجتَهُ وأولادَهُ، وانتقلوا إلى الأدغال حيث لا توجد صَنابيرُ مِياه ولا كهرباء ولا شيء، ليعيشوا في بيئة قَبَلِيَّة. وقد قَدَّم شَهادتهُ وقال إنَّه كان يَتمنَّى فحسب أن يكون لأطفاله جَدٌّ مِن جهته؛ ولكنَّهم لم يَحظَوْا بواحد".
وما حَدثَ هو أنَّه قد مَضى على وجودهم هناك سنة ونصف أو أكثر، وأنَّه بعد وُصولهم إلى هناك ببضعة أشهر، كما أعتقد، تَبَنَّى أولادُهُ جَدًّا لهم؛ وهو رَجُل عَجوز في القبيلة يُناديه الجَميعُ: "الجَدّ". وقد تَبَنَّوه، في اعتقادي، بسبب دِفئه وشخصيَّته وجاذبيَّتِه فصار جَدَّهُم بالتَّبَنِّي. والجزء المدهش في القصَّة هو أنَّه كان الرَّجُل الَّذي قَتَلَ جَدَّهُم الحقيقيَّ. فقد صار الآن جَدَّهُم بالتَّبنِّي.
ومؤخَّرًا، تَخَرَّجَ الابن الأكبر في عائلة "سينت" مِن المدرسة الثانويَّة. وقد قال له "ستيف": "ما الهديَّة الَّتي ترغب فيها بمُناسبة تَخَرُّجِك؟" فَكانَ رَدُّهُ هو: "أريدُ أن تُحضِرَ جَدِّي مِن الأدغال إلى حَفْلِ تَخريجي". لم يكن هذا سهلاً. فهؤلاء الأشخاص القَبَليُّون لا يَملكونَ أيَّ مُستندات، ولا جَوازَ سَفَر. فكيف سيُخرجونه مِن هناك؟ فلا توجد طريقة للتحقُّقِ مِن هُويَّة هؤلاء الأشخاص. ولكِن مِن خلال ظروفٍ مُدهشة، تَمكَّنوا مِن إحضاره. وقد حَضرَ جَدُّهُ حفل تخريجه مِن المدرسة الثانويَّة، أو على أقلِّ تقديرٍ أنَّ جَدَّهُ بالتَّبنِّي قد حَضر؛ بالرَّغم مِن أنَّه قاتلُ جَدِّهِ الحقيقيّ.
هذه قصَّة عن محبَّة الملكوت. أليست كذلك؟ وقد ابتدأت منذ أكثر مِن خمسين سنة في تلك العائلة وعائلات أخرى تأثَّرت بتلك المَذبحة. وواحدة مِن العلامات المُمَيِّزة، أو الصِّفَة الرئيسيَّة المُمَيِّزَة للمسيحيِّين هي مَحبَّتُهم. فالصِّفة المُميِّزَة لِمَن هُم في مَلكوتِ الله هي أنَّهم يُحبُّون محبَّة غير طبيعيَّة، ويُحبُّون محبَّة خارقة للعادة، ويُحبُّون محبَّة خارقة للطَّبيعة. وهذا كُلُّهُ يَتلخَّص في جُملة واحدة بسيطة وهي أنَّهم يُحبُّون أعداءَهم. فَهُم يُحبُّون أعداءَهم.
والحقيقة هي أنَّ هذه هي الطريقة الَّتي فَرَزَ مِن خلالها يسوعُ التَّلاميذَ الحقيقيِّين عن البقيَّة: مِن خلال مَحبَّة الملكوت؛ أي نوع المحبَّة التي تُحبُّ الأعداء. افتحوا كِتابَكم المقدَّسَ على الأصحاح السَّادس من إنجيل لوقا. فنحن نَسمع يسوعَ يتحدَّث هنا في هذه العظة الَّتي قَدَّمها على الجبل. وهو يتحدَّث في الأعداد 27-38 عن محبَّة الملكوت هذه. فالعظة هي حقًّا عن التَّلمذة؛ أي عَمَّن هو التِّلميذُ الحقيقيُّ؛ وعَمَّن يوجدون حَقًّا في ملكوت الله ومَن لا يوجدون. والصِّفة المُمَيِّزة للتِّلميذ الحقيقيّ هي محبَّته لأعدائه. وهكذا يَبتدئ ذلك في العدد 27: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". وهو يُكَرِّر ذلك في العدد 35: "بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". لِذا فإنَّ هذا المقطع (مِن العدد 27 الى العدد 38) هو عن محبَّة الأعداء كصفة مُمَيِّزة لكونك مسيحيًّا.
والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في العدد 35: "إن أحببتُم أعداءَكُم، تكونونَ بَنِي العَليِّ". بعبارة أخرى، ستُبرهنونَ على أنَّكم أبناءَ العَليّ. فسوف تُبرهنون على أنَّكم أولادُ العَليِّ إن أحببتُم أعداءَكم.
ويُدَوِّنُ مَتَّى نفس هذه العظة. وفي إنجيل مَتَّى 5: 43، قال يسوع: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". وفي العدد 45: "لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات". بعبارة أخرى، سوف يصيرُ ظاهرًا أنَّكم أولاد الله عندما تُحبُّون بالطريقة الَّتي يُحبُّ بها اللهُ. واللهُ يُحبُّ أعداءَهُ.
ويُتابع يسوعُ قائلاً: "فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِين". فاللهُ بطبيعته مَحبَّة إذ نقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى 4: 8: "الله مَحبَّة". واللهُ يُحبُّ أعداءَهُ. وما أعنيه هو أنَّ هذا ينبغي أن يكون واضحًا حيث إنَّنا جميعًا كُنَّا في وقتٍ من الأوقات أعداء الله. فقد كُنَّا جميعًا خُطاةً لم نُولد ثانيةً وأعداءَ لله. واللهُ يُحبُّ عالَمًا مِن الأعداء.
"لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ" (كما تقول الآية يوحنَّا 3: 16). وقد تَحدَّث الرَّسول بولس عن محبَّة الله للبشر في رسالته إلى تيطُس والأصحاح الثَّالث. فاللهُ يُحبُّ الأعداء. وإن كُنَّا نُحِبُّ أعداءَنا فإنَّ نُبرهنُ على أنَّنا أولاد الله.
وفي رسالة أفسُس 4: 32، يَكتُب بولس: "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيح. فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا". فعندما تُحبُّ أعداءكَ فإنَّك تَتمثَّلُ بالله. وعندما تُحبُّ أعداءكَ وتَبذل حياتك لأجلهم فإنَّك تَتمثَّل بالمسيح.
لذا فإنَّ هذه الصِّفة في تعليم يسوع هي الصِّفة المُمَيِّزَة لشعب الملكوت. فهكذا نُظهِر التَّغيير، والتَّجديد، والولادة الجديدة، والخلاص – مِن خلال المحبَّة غير العاديَّة والخارقة للطَّبيعة.
فاللهُ، كما نَعلمُ، يُحبُّ العالَم. واللهُ يُحبُّ البشريَّة. وحتَّى إنَّنا نقرأ في إنجيل مَرقس 10: 21 إنَّه عندما نَظر يسوعُ إلى الشَّابِّ الغَنيِّ الَّذي رَفضهُ: "فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ". فقد أحبَّ مُتمرِّدًا. وقد أحبَّ شخصًا بارًّا في عيني نفسه، وشخصًا ماديًّا غير تائب؛ أي مُتمرِّدًا غير مؤمن. فاللهُ يُحبُّ محبَّةً عامَّةً لا تفرقة فيها وغير مشروطة. وهذه محبَّة مُتعاطفة تَجعل الله يَبكي كما يُخبرنا الأصحاح الثَّالث عشر مِن سِفْر إرْميا، وتَجعل يسوعَ يبكي إذ نقرأ في إنجيل لوقا 19: 41: "نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ [أي: أورُشليم] وَبَكَى عَلَيْهَا". فهي محبَّة مُتعاطفة. فالله يَرى الحُزن والأسى النَّابعين مِن حالة ذلك الخاطئ ومصيرِه فيَنفطرُ قلبُه.
وهي محبَّة تنطوي على الإنذار. فهي المحبَّة الَّتي جَعلت يسوع يقول: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُون". إنَّها محبَّة الخير. وتتحدَّث الآية رومية 2: 4 عن لُطفِ اللهِ وإمهالِه، وطُول أناتِه الَّذي يَملِكُ كلَّ الحقِّ في أن يَدين الخُطاة حالاً، ولكنَّه لا يفعل ذلك. وبولس يقول: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ؟" ثُمَّ إنَّه يَمضي ويتحدَّث عن لُطف الله الَّذي يقودك إلى التَّوبة.
إنَّها محبَّة مُتعاطفة. وهي محبَّة إنذار. وهي محبَّة لُطف. وهي محبَّة تَنطوي على دَعوة: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ". "فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ، وَكُلُّ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ فَادْعُوهُ إِلَى الْعُرْس" (كما جاء في إنجيل مَتَّى 22). ادعوهُم جميعًا إلى الدَّاخل. إنَّها مَحبَّة تَنطوي على دَعوة.
فاللهُ يُحبُّ أعداءهُ محبَّة متعاطفة. وَهُوَ يُحبُّهم بلطف. وَهُوَ يُحبُّهم مَحبَّة تَنطوي على إنذار. وَهُوَ يُحبُّهم مَحبَّة تَنطوي على دَعوة. فإن كُنَّا أولاد الله، يجب علينا أن نُحبَّ بذات الطَّريقة الَّتي يُحبُّ هو بها. وإن كُنَّا نَملِك حياة الله في نفوسنا، وإن كُنَّا شُركاء الطبيعة الإلهيَّة، يجب أن تَفوق محبَّتُنا محبَّة البشر. والعُنصر الحاسِم في ذلك هو أن نُحبَّ أعداءَنا. فهذه هي الطَّريقة الوحيدة لتعريف تلك المحبَّة. فالأمرُ ليسَ مُعقَّدًا. فالمحبَّة الخارقة للطبيعة تفوق المحبة الطبيعية لأنَّها تُحبُّ الأعداء.
وقد رأينا سابقًا في العددَيْن 27 و 28 الوصايا أو الأفعال النَّابعة مِن تلك المحبة: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ". والخُلاصة هي أنَّ كُلَّ هؤلاءِ أعداء. فأعداؤك هم الَّذينَ يُبغضونك، ويَلعنونك، ويُسيئون إليك. ويجب عليك أن تُحبَّهم، وأن تُحسن إليهم، وأن تُباركهم، وأن تُصلِّي لأجلهم. فالمحبَّة تُشير إلى موقفك تُجاهَهم. والإحسان يُشير إلى أفعالك مِن نحوهم. والمُباركة تُشير إلى كلامِك المُوجَّه إليهم إذ إنَّك تُبارك حياتهم. والصَّلاة تُشير إلى تَضرُّعك إلى الله مِن أجلهم. وهذه أفعال نقوم بها تُجاه أعدائنا وتُظهِر أنَّنا نَنتمي إلى الله.
لذا فإنَّنا (بحسب العدد 27) السَّامعون. بعبارة أخرى، نحن مَن يَستطيعُ أن يَفهم، ويَستطيعُ أن يَستوعبَ ذلك. فنحن نَملِك القدرة على السَّمع لأنَّ آذانَنا فُتِحَت مِن خلال قوَّة الله المُغيِّرَة. لِذا فإنَّ محبَّة الملكوت تُنشئ أعمالاً مُعيَّنة. فهي تُحبُّ، وتُحسِن، وتُبارك، وتُصلِّي مِن أجل الأعداء الَّذينَ يُبغِضونَنا ويَلعنونَنا ويُسيئون إلينا. ولكنَّها ليست الطريقة الَّتي يُحِبُّ بها العالَم.
وهناك لا أفعال محبَّة فحسب، بل هناك ردود فِعل أيضًا. وقد رأينا رُدود الأفعال تلك في العددين 29 و 39، وهي أربعة أيضًا: "مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ".
فأوَّلاً، هناك الأفعال الَّتي تُنشئها المحبَّة، ثُمَّ هناك ردود الفعل الَّتي تَنشأ عن المحبَّة عندما يُبادر الشَّرُّ إلى القيام بشيءٍ مَا. وردود الفعل هذه سامية أيضًا. فهذا لا يَسري على ردود فعل النَّاس في العالَم. فَهُم لا يَملكون القدرة على أن يُحبُّوا هكذا. فَهُم يَرَون ذلك ضُعفًا. لذا فقد رأينا أفعالَ المحبَّة وردودَ فِعل المحبَّة.
ثُمَّ نأتي في هذا الصَّباح إلى النقطة الثالثة في رسالة يسوع الصغيرة عن محبَّة الملكوت: مبدأ محبَّة الملكوت. فهذا هو المعيار أو المبدأ الأخلاقيُّ الأساسيُّ إذ نقرأ في العدد 31 ما يُعرَف بالقاعدة الذَّهبيَّة: "وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا". كَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا.
وبصراحة، هذا يُلخِّص كُلَّ فكرة أن تُحبُّوا أعداءَكم. لا تُعاملوهم كما يُعاملوكم. فالعالَم يَفعل ذلك. فعالَم الخُطاة يُعامل النَّاس بالطَّريقة الَّتي يُعاملوهم بها. ولكن يجب عليكم أن تُعاملوا النَّاسَ بالطَّريقة الَّتي تُريدون منهم أن يُعاملوكم بها. ولنفترِض أنَّهم لا يعاملوكم بتلك الطَّريقة، بل إنَّهم يكرهونكم، ويلعنونكم، ويُسيئون مُعاملتكم، ويَضربونكم على الخَدّ، ويأخذون أشياءكم إذ يَسرقونها أو يَقترضونها. فَهُم أعداءٌ لكم. وَهُم يُظهرون ذلك مِن خلال الطريقة الَّتي يعاملوكم بها؛ أيَّ أنَّهم يعاملونكم بكلِّ ازدراءٍ وإساءة.
فماذا تفعلون؟ إذا كنت شخصًا عاديًّا، ستَرُدُّ إليهم الإساءة بإساءة: النَّقمة، والأخذ بالثَّأر، والعَداوة، والحقد. ويسوعُ يقول إنَّ تلك ليست الطريقة الصحيحة للقيام بذلك. عاملوهم بالطريقة الَّتي تَتمنَّون أن يُعاملوكم بها بالرَّغم مِن أنَّهم لا يعاملوكم بتلك الطريقة. فهذا هو المعنى المقصود. عاملوهم بالطريقة الَّتي ترغبون في أن يُعاملوكم بها.
والآن، إنَّ هذه القاعدة الذهبيَّة مسيحيَّة بامتياز. وأنا أَعلم أنَّكم تسمعون مَن يقول إنَّ هذا قانون موجود في جميع الأديان. ولكن اسمحوا لي أن أُزيل أيَّ لُبْسٍ هُنا بالنِّسبة إليكم. في كلِّ مَرَّة تجدون فيها شيئًا يُشبه القاعدة الذهبيَّة في أيَّة ديانة أو نظامٍ فلسفيٍّ ستجدونه مذكورًا بصيغة النَّفي. وما أعنيه بذلك هو أنَّها تَرِد بصيغة معكوسة أو بالصِّيغة التَّالية: "لا تُعامل الآخرين بالطَّريقة إلى لا تريد منهم أن يُعاملوك بها". فهي تأتي بصيغة النَّفي. فهي معكوسة أو أدنى مُستوى.
واسمحوا لي أن أذكر لكم أمثلةً. فقد قال الحَبْر اليهوديُّ المعروف "هِلّيل" (Hillel): "ما تُبغضه لنفسك لا تفعله بغيرك". ما تَكرهه لنفسك لا تفعله بشخصٍ آخر. ويقول سِفْر طُوبِيَّا (وهو واحد مِن الأسفار المَنحولة): "كُلُّ ما تَكرَهُ أن يَفعَلَهُ غَيرُكَ بكَ فايَّاكَ أن تَفعَلَهُ أنتَ بغيرك". وشُيوخُ الإسكندريَّة اليهود الَّذين تَرجموا النُّسخة السَّبعينيَّة يُقدِّمون النَّصيحة التَّالية: "كما تَتَمَنَّى أَلاَّ يُصيبَكَ شَرٌّ، بل أن تَنال نَصيبًا مِن كلِّ الأشياء الصَّالحة، يجب عليك أن تَنْهَجَ نفسَ النَّهجِ مع رعاياكَ ومَن يُسيئونَ إليك". لا تَفعل شَرًّا بهم كيلا يَفعلوا شَرًّا بك. لا تُؤذهم كيلا يُؤذوك. فهذه هي الفكرة.
وحتَّى إنَّ كونفوشيوس عَلَّم نفس هذا المبدأ بصيغة النَّفي. فقد عَلَّمَ كونفوشيوس: "ما لا تَرغب في أن يُفعَله النَّاسُ بك، لا تَفعله بهم". وقد كَتَبَ المَلِكُ اليونانيّ نيكوكليس (Nicocles): "لا تفعل بالآخرين الأشياء الَّتي تُغضبك عندما تَختبرها على أيدي الآخرين". وقد قال الفيلسوف اليونانيُّ "إبكتيتوس" (Epictetus): "ما تُحِبُّ أن تَتفاداه لا تَفعله بالآخرين". وقد قال الرِّواقيِّين: "ما لا تُحبُّ أن يَفعَلَهُ الآخرونَ بك لا تفعله بأيِّ شخصٍ آخر".
وهكذا هي الحال في كلِّ الدِّراسات الَّتي قُمت بها. ففي كلِّ حالة، نجد أنَّ التَّركيزَ يَنْصَبُّ على صيغة النَّفي: "لا تفعل بالآخرين ما لا تُحبُّ أن يَفعلوه بك" لأنَّ هناك مبدأً كَونيًّا في الحياة وهو أنَّ ما تفعله بالنَّاس سيَفعلونه بك بالمُقابل. هل فَهمتم ذلك؟ فهكذا يَعمل العالَم. وهكذا هي حال الحياة البشريَّة. فكلُّ ما تفعله بالنَّاس سيفعلونه بك. لذا، لا تفعل بالآخرين ما لا تَرغب في أن يَفعلوه بك.
وهذه فكرة رائعة. وأنا لا أعترض عليها بالرَّغم مِن أنَّها أدنى بكثير مِن مِعيار الله. ولكنَّ هذه الجُمَل تَنظر إلى أقصى ما يُمكن للخاطئ أن يَفعله لأنَّ الخاطئ مُنشغلٌ بحماية نفسه وحُبِّهِ لذاته. فأنا لا أريد أن أُلحِقَ الأذى بِفُلان لأنَّه قد يُلحِقُ الأذى بي. وهذه ليست قاعدة ذهبيَّة، بل نَفْعِيَّة وحِماية للذَّات. أمَّا المحبَّة المسيحيَّة فهي القاعدة الإيجابيَّة الَّتي تقول: "أنتَ قد تؤذيني، ولكنِّي لن أَرُدَّ أَذاكَ بأذى، بل سأُحبُّك بالطَّريقة الَّتي أتمنَّى أن تُحِبَّني بها". وهذا شيء فريد.
وكما تَرون، فإنَّ الأنانيَّة تَدفع المرء إلى التَّصرُّف بطريقة يَمنع فيها الأذى عن نفسه. والأنانيَّة تَدفع المرءَ إلى التَّصرُّف بطريقة تَضمن مَصلحَتَه. ولكنَّ هذه ليست محبَّة الملكوت. فصِيغة النَّفي الَّتي يَستخدمُها العالَم في قَول هذا المبدأ هو أعلى أخلاقٍ بشريَّة. ولكن إن أَلحقتَ الأذى بي سأُلحِقُ الأذى بك. وهذه هي فضيلة الانتقام المَحمودَة. ولكنَّ ما يقولُه رَبُّنا هنا هو: "عندما يُسيئون إليكَ، وعندما يُبغضونكَ، وعندما يُعاملونك بازدراء، وعندما يَضربونك، وعندما يأخذون ما هو لك، لا تُعاملهم كما عاملوكَ، بل عاملهم كما تَتمنَّى أن يُعاملوك". وهل تَعلمون شيئًا؟ إن فَعلتَ ذلك باستمرار، سيَفعلون ذلك في النِّهاية. وسوف أُريكم ذلك مِن النَّصّ.
فهذا هو المَبدأ الَّذي تَنبَثِقُ منه الوَصيَّة. لا تُعاملهم بذات الطَّريقة الَّتي يُعاملوك بها. لا تُعاملهم مِن مُنطلق خوفك كي تَحُولَ دون أن يؤذوك، بل عاملهم بدافع المحبَّة وبالطَّريقة الَّتي تُحبُّ أن يُعاملوك بها. فمَهما أساؤوا إليكَ، لا تَنتقم، ولا تَرُدَّ الإساءة بالمِثل دفاعًا عن حقوقك الشخصيَّة لأنَّه ينبغي لك أن تُظهِر محبَّةً فائقة. فهكذا يُحبُّ اللهُ. فاللهُ يُحبُّ أعداءَه. وهو لا يَلجأ إلاَّ في النِّهاية إلى إنزال نَقمته الإلهيَّة العادلة. ولكنَّه في تلك الأثناء يُحبُّ بعاطفة، وبإنذار، وبلُطف، وبصلاح، وبدعوة.
والآن لنتعمَّق أكثر قليلاً. فقد رأينا الأفعال، وردود الفِعل، والمبدأ. ولننظر رابعًا إلى جوهر محبَّة الملكوت هذه. وسوف نَرى تعريف ذلك هنا مِن خلال المُفارقة. فنحن نقرأ في الأعداد 32-34: "وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا. وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُقْرِضُونَ الْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ الْمِثْلَ".
والآن، هناك شيئان رئيسيَّان أريد منكم أن تُلاحظوهما: أوَّلاً، الكلمة: "خاطئ". فالكلمة "خاطئ" هي لفظة اصطلاحيَّة لغير المؤمن. فهي لفظة اصطلاحيَّة للشَّخص الموجود خارج الملكوت – "هامارتولوس" (hamartolos). وهي كلمة تُشير إلى الأشرار. وهي قد تُشير إلى الأشرار عامَّةً. فعندما يقول بولس: "أنا أوَّلُ الخُطاة" فإنَّه يَستخدم هذه الكلمة للإشارة إلى كلِّ الخُطاة. وهي قد تُستخدَم أيضًا للإشارة إلى الأشرار بصورة خاصَّة ومُستَفحِلَة. ولكنَّها تُستخدم في كلٍّ من العهدين القديم والجديد للإشارة إلى الأشخاص الَّذينَ هُم خارج الملكوت، أو غير المُخلَّصين، أو الَّذينَ لم يَختبروا التَّجديد، أو الأشخاص الَّذينَ لا يَنتمون إلى الله.
والآن، إنَّ الخُطاة يَعرفون نوعًا مُحدَّدًا من المحبَّة. وهو مَذكور هنا. فالخطاة (بحسب العدد 32) يُحبُّون الَّذينَ يُحبُّونهم. والخُطاة (بحسب العدد 33) يُحسِنون إلى الَّذينَ يُحسِنون إليهم. والخُطاة (بحسب العدد 34) يُقرِضون الخُطاة لكي يَستَرِدُّوا مِنهم المِثْل – وهناك تَرجمات تقول: "المبلغ نفسَه"؛ وهذه إضافة غير لازمة لا أدري لماذا أضافوها. ولكنَّهم يُقرِضونَ لكي يَحصلوا على المِثل. فالخُطاة لديهم نَوع مُحدَّد مِن المحبَّة المُتبادَلة. فَهُم يُحبُّون الأشخاص الَّذينَ يُحبُّونهم. وَهُم يُحسِنون إلى الأشخاص الَّذينَ يُحسنون إليهم. وَهُم يُقرِضون الأشخاص الَّذينَ يُمكن أن يُقرِضوهُم. فَهُم لا يَفعلون ما هو أكثر مِن ذلك. وَهُم لا يُعطون أكثر مِمَّا يأخذون تمامًا.
ولكنَّ نوع المحبَّة الَّذي نتحدَّث عنه مُختلف تمامًا عن ذلك. والحقيقة هي أنَّ العبارة "وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ..." (في العدد 32) "... الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟" فهذه هي الطَّريقةُ التي يُحِبُّ بها الْخُطَاةُ. "وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟" والكلمة "فَضْل" هي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "كاريس" (charis) ومَعناها: "نَعْمَة". فأيُّ فَضْلٍ لكم؟ أو: ما النِّعمةُ الَّتي تُظهرونها عندما تُحبُّون مِثلما يُحبُّ الخُطاة؟ وكيف يَدُلُّ ذلك على أنَّكم فَعلتُم أيَّ فَضْل؟ وكيف سيُقنِع ذلك أيَّ شخصٍ بأنَّكم أولادُ الله، وبأنَّكم أبناء الملكوت، وبأنَّكم وُلدتم ثانيةً وتَغيَّرتم وصِرتم خَليقة جديدة؟ فهذا لن يُقنِع أيَّ شخصٍ بذلك. فهذه هي الطَّريقة الَّتي يُحبُّ بها الخُطاة.
فإن أحببتُم كما يُحبُّ الخطاة فإنَّها ليست شهادة للإنجيل. ونحن نَتحدَّث هنا [بالمُناسبة] عن المحبَّة الكِرازِيَّة، وعن إظهار المحبَّة للنَّاس بطريقة تَضَع أساسًا يَجعل شهادة الإنجيل قابلة للتَّصديق. فأنتَ تقول إنَّك تَغيَّرت، وأنا أرى ذلك لأنَّني لا أستطيع أن أُحِبَّ كما تُحبَّ أنت. فأنا لا أرى ذلك. فهي ليست محبَّة عاديَّة. كَلاَّ. بل هي محبَّة خارقة للطَّبيعة: "لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا" (رومية 5: 5). وَ "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (إنجيل يوحنَّا 13: 34-35). فإن كنتم تُحبُّون كما يُحبُّ الخُطاة فإنَّ هذا لا يعني أيَّ شيءٍ ولا يَدُلُّ على أيِّ شيء.
وهو يَستخدم ثلاثة إيضاحات: "إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ" فما الشَّيء المُمَيَّز في ذلك؟ فَهُوَ يقول في الأصحاح الخامس مِن إنجيل مَتَّى: "فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟" فحتَّى إنَّ العَشَّارينَ يَفعلون ذلك. وقد كان العشَّارون أَحَطَّ النَّاسِ [كما هو جَلِيٌّ] في لائحةِ الأشخاصِ المُحتَقَرين. فقد كانوا في الحَضيض، وكانوا حُثالة المجتمع. وكانوا أسوأ النَّاس أخلاقًا في إسرائيل لأنَّهم اشترَوْا حُقوقَ جَبْي الضَّرائب مِن الرُّومان وكانوا يَجبون مزيدًا مِن الضَّرائب مِن اليهود نيابةً عن أُمَّة وثنيَّة، وكافِرَة، ومُضطَهِدة، ومُحتلَّة، وغازِيَة. لذا فقد كان العَشَّارُ شخصًا مُحتَقرًا وخائنًا. وحتَّى إنَّهم كانوا يَعمَلون بحسب هذا المبدأ. فقد كانوا يُحبُّون مَن يُحبُّهم. فأيُّ نعمة في ذلك؟ وأيُّ فَضْلٍ في ذلك؟ فالخُطاة يَفعلون ذلكَ، والعَشَّارون.
"وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ" (وَهُوَ المَثلُ الإيضاحِيُّ الثَّاني)، فإنَّ هذه علاقة قائمة على المَصْلَحة الشخصيَّة. وكلُّ شخصٍ يَفعل ذلك. فالصَّلاحُ الَّذي تَصنَعُهُ مَرهونٌ بالصَّلاح الَّذي يَصنعه الشخص الآخر. وعندما يَصنع الشَّخص الآخر شَرًّا فإنَّك لستَ مُضطرًّا إلى فِعْلِ الخير له، بل يمكنك أن تَرُدَّ شَرَّهُ بشَرّ، وأن تَنتقم لنفسك، وأن تَصُبَّ جَامَ غَضبك عليه. "فَأيُّ فَضْلٍ لَكُم؟" لا شيء. لا شيء البتَّة. فالخُطاة يَفعلون ذلك.
"وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟" وما مَعنى ذلك؟ كما قلتُ سابقًا، لا أدري لماذا توجد تَرجمات تقول: "لكي يَستردُّوا منهم المبلغ نفسه". فهو لا يتحدَّث عن إقراضِ شخصٍ لن يَرُدَّ لك الدَّين يومًا، بل هو يتحدَّث عن إقراضِ شخصٍ بِقَصْدِ إلزامِه بأن يُقرضَكَ إن احتجتَ يومًا إلى قَرض. بعبارة أخرى، فإنَّ الخاطئ يُقرِض الآخرين لكي يُطَوِّقَ أعناقَهُم: "سيكون مِن دواعي سُروري بِكُلِّ تأكيد أن أُقرِضَكَ. ولكن تَذَكَّر وحسب أنَّني أَقرضتُكَ عندما كنتَ في حاجة. وقد يأتي وقتٌ أحتاجُ فيه إليك".
لِذا، حتَّى عندما تُقرِض الآخرين فإنَّكَ لا تَفعل ذلك مِن مُنطلقِ عِلمِكَ بأنَّ المُقترِضَ سيَرُدُّ ما اقترضَهُ منك. فهذا أمرُ مُسَلَّمٌ به. فيجب على كلِّ شخصٍ أن يَرُدَّ دُيونَهُ. وحتَّى إنَّ الأصحاح 13 مِن رسالة رومية يقول: "لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَدٍ بِشَيْءٍ". أي: ادفَع ما تَدين به. ولكنَّ الفكرة هنا هي أن تُقرِضَ الآخرين بقصدِ أن تكون صاحبَ فَضْلٍ عليهم. فأنت تُحبُّ لأنكَ تُحَبُّ. وأنتَ تُحسِنُ للآخرينَ لأنَّهم يُحسِنون إليك. وأنتَ تُقرِضُ الآخرينَ لأنَّك تريد أن تُلزِمَهُم بأن يُقرضوكَ حين تحتاج إلى المال. فكلُّ شيءٍ تَفعله هو لمصلحتك الذاتيَّة وخَيرِكَ أنت. ولكنَّ هذه ليست محبَّة الملكوت. وإن كنتَ تُحبُّ هكذا [كما يقولُ يسوعُ] فأيُّ فَضْلٍ لكَ؟ وما الشَّهادة الَّتي تُقدِّمُها عن عمل الله في حياتك؟
وهذا يَقودنا [خامسًا] إلى فوائدِ محبَّة الملكوت. والآن تَذكَّروا أنَّنا نتحدَّث هنا عن المحبَّة الكِرازِيَّة. لذا فإنَّ الفوائد كِرازيَّة. والعدد 35 يُكرِّر مَرَّةً أخرى الوصيَّة التَّالية: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا". وهي نفس الأشياء الثَّلاثة الَّتي يَذكرها في الأعداد 32 و 33 و 34. فهو يَذكرها مَرَّةً أخرى. حسنًا! كما رأيتم، يجب عليكم أن تُحبُّوا أعداءكم، وأن تُحسِنوا، وأن تُقرِضوا "وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئًا" بالمُقابِل.
فلا يجوزُ أن تَنتظرَ محبَّةً بالمُقابل مِن عَدوِّك، ولا يجوزُ أن تنتظر إحسانًا مِن عَدوِّك، ولا يجوز أن تَنتظر مِن عَدوِّك أن يُقرضك أيضًا. فلا يجوز أن تنتظر أيَّ شيء بالمُقابل، بل يجب عليكَ أن تُعامل أعداءكَ ببساطة بذاتِ الطريقة الَّتي تُحبُّ أن يُعاملوك بها دون أن تتوقَّع أيَّ شيء ودون أن تحصل على أيِّ شيء.
وهذا غير طبيعيّ. وهذا غير عاديّ. وهذا غير بشريّ. ولكن إن فعلتم ذلك (كما يقول العدد 35) "يَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيمًا". وما هو هذا الأجر؟ هل هو مُكافأتك الأبديَّة؟ لا. فقد ذَكَرَ المُكافأة الأبديَّة في العدد 23. فالمكافأة الَّتي سنحصل عليها في السَّماء بسبب الاضطهاد الَّذي تَعرَّضنا له ستكون مكافأة سماويَّة. ولكنَّ هذا الأجر سيُعطي لنا في عالم البشر. فأنتَ تُحبُّ الخطاة بطريقة لم يُحبُّهم أحد بها. وأنت تُحبُّ أشخاصًا لا يُحبُّونك. وأنت تُحبُّ أشخاصًا لا يُحسنون إليك. وأنت تُحبُّ أشخاصًا لا يُقرِضوك. وأنتَ لا تَطلب محبَّة بالمُقابل، ولا إحسانًا بالمُقابل، ولا قَرضًا بالمُقابل. فهي محبَّة غير مشروطة، ومحبَّة مَجَّانيَّة وفائقة. فأنت تُحبُّهم وحسب بالطريقة الَّتي ينبغي أن يُحبُّوك بها؛ مع أنَّهم لا يَفعلون ذلك. وأنت تُريهم محبَّة لا يمكنهم أن يختبروها، ولا تنتمي إلى عالمِهم. وسوف يكون أجرُك عظيمًا.
وماذا سيكون أجرُك؟ تابعوا قراءة ما جاء في العدد 35: "وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ". ما المقصود بذلك؟ سوف يَستنتج النَّاس أنَّك واحد مِن أولاد الله. فسوف يَظهر ذلك جَليًّا أمام أعينهم. فهو لا يتحدَّث عن مكافأة الله لك، بل يتحدَّث عَمَّا سيَفتكر به النَّاسُ. فسوف يقولون: "إنَّه شَديدُ الشَّبَه بالله". لماذا؟ "لأنَّه يَترفَّقُ بالجاحِدينَ والأشرار".
فلُطفُ اللهِ، ونعمةُ اللهِ، وغُفرانُ اللهِ، ورحمةُ اللهِ وعطفُه ظاهرٌ في كلِّ صفحات العهد القديم. وإن عشتَ هكذا، سيَعلم اليهود الَّذينَ يَعرفون العهد القديم أنَّك تُظهِرُ لُطفًا شبيهًا بلُطف الله. فاللهُ لَطيفٌ. فهو لطيفٌ حتَّى في تعامُله مع الجاحدين والأشرار. وكما قلتُ سابقًا، هذه هي الفئة الوحيدة مِن البشر الأحياء. فنحن جميعًا نَنْدَرِجُ تحت فئة الجاحِدين (كما جاء في رسالة رومية 1: 24). ونحن جميعًا نَندرجُ تحت فئة الأشرار (كما جاء في رسالة رومية 3: 10 وما يَليه). فنحن جميعًا أشرار. ونحن جميعًا غير شكورين. ونحن الأشخاص الوحيدون الَّذينَ يمكنه أن يُحبَّنا. واللهُ يُحبُّنا ويُعاملنا بلُطف. إنَّها، مَرَّةً أخرى، مَحبَّة مُتعاطفة. وهي محبَّة إنذار. وهي محبَّة دَعوة. وهي مَحبَّة إحسان. وعندما تفعل ذلك سيَعلمُ النَّاسُ مَن تُشبِه. فنحن نقرأ في رسالة أفسُس 5: 1: "فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا".
لذا فإنَّ هذه هي الطَّريقة الَّتي نُظهر فيها بُنوَّتَنا. ومع أنَّه لا يتحدَّث هنا عن البَركة الإلهيَّة والأبديَّة، فإنَّ ذلك صحيح لأنَّه يجب عليك أن تعيشَ هكذا إظهارًا لطاعتك. وعندما تعيشُ هكذا، ستُكافأ في الأبديَّة. ولكنَّ هذه ليست النُّقطة المقصودة هنا. وسوف تَرون ذلك بعد قليل.
كذلك، في العدد 36، يُضيف يسوعُ: "فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ". فما تحاول أن تفعله [بتعبير بولس] هو أن تُزَيِّنَ تعليمَ الله. وما تُحاول أن تفعله هو أن تُظهِر بُنوَّتَك، وأن تُظهر أنَّ حياة الله موجودة فيك، وأنَّ الطَّبيعة الإلهيَّة تسكنُ فيك، وأنَّ رُوح الله يَسكن فيك، وأنَّك تمتلك قدرة خارقة للطَّبيعة على أن تُحِبَّ. والنَّاس سيقولون: "إنَّهُ ابنُ العَلِيِّ".
والكلمة "العَلِيّ" [بالمُناسبة] هي كلمة تحدَّثنا عنها وقلنا إنَّها لقب مِن ألقاب الله. وهي المُرادف في العهد الجديد للكلمة العِبريَّة "إيل إليون"، الله العَلِيّ. وقد استُخدمت مَرَّات كثيرة جدًّا. فأوَّلاً، في سِفْر التَّكوين والأصحاح 14، تُستخدم هذه الكلمة أربع مرَّات. ثُمَّ إنَّ الكلمة "العَلِيّ" تُستخدم في كلِّ العهد القديم للإشارة إلى أنَّ الله هو صاحبُ السِّيادة. فالكلمة "العَليّ" تعني: "أنتَ هو الحاكِمُ المُطلَق. وأنت هو السيِّدُ المُطلَق". والكلمة اليونانيَّة "هوبسيستوس" (hupsistos) هي: "السيِّد المُطلَق، والأعلى والأسمى". لذا فإنَّها لا يمكن أن تُشير إلاَّ إلى الله نفسه. وبالمناسبة فإنَّ المسيح يُدعى "ابنَ العَليِّ" في إنجيل لوقا 1: 32 و 1: 76. وقد تحدَّثنا في مَعرِضِ دراستنا لهاتين الآيتين عن تلك اللَّفظة بمزيدٍ من التَّفصيل.
لِذا، كما أنَّ المسيحَ أَظهرَ أنَّه ابنُ اللهِ مِن خلال محبَّته لأعدائه، يمكنك أنت أيضًا أن تُظهر أنَّك ابنُ اللهِ أو أنَّكَ ولدٌ مِن أولاد الله. وهذا لا يعني أنَّك الابنُ المُتجسِّد على غِرار المسيح، بل أنَّكَ واحدٌ من أولاد الله الَّذينَ يُحبُّون كما يُحِبُّ اللهُ.
فاللهُ مُنْعِمٌ، واللهُ رحيمٌ. فهو "مُنْعِمٌ" في العدد 35 وَ "رَحيمٌ" في العدد 36. والأولى فيها إقْدام. فالكلمة "مُنْعِمٌ" فيها إقْدام. والكلمة "رَحيمٌ" فيها إِحْجام. فالكلمة "مُنْعِمٌ تعني: "أنا أُسْبِغُ عليكَ شيئًا لا تَستحقُّه". والكلمة "رَحيمٌ" تعني: "أنا أَرُدُّ عنكَ عِقابًا تَستحقُّه". فمحبَّةُ اللهِ الفاعلة مُنْعِمَة. فهو يُشرِق شَمْسَهُ على الأبرارِ والظَّالمين. وَهُوَ يُمطِر عليهم. وهذه نِعمة. فهو مُنعِمٌ عليهم بعَطفِه، وصَلاحِه، وصَبرِه، وطُول أناتِه، ودَعواتِه. وهناك لُطْفٌ يَنطوي على إِحْجام. فهو مُحْجِمٌ عندما يَختصُّ الأمرُ برحمته. فهو يَمنع الدَّينونة. وَهُوَ يَمنع العِقاب. وَهُوَ يَمنع اللَّعنة.
وكما قُلنا سابقًا، فإنَّ الكارثةَ الَّتي أَدَّت إلى موت نحو ستَّة آلاف شخص في يومٍ واحد تُظهِرُ في الأصل لُطفَ الله. فجميع الخطاة يستحقُّون الموت. ولكنَّ بعضًا منهم يموتون، والبقيَّة يعيشون. والسُّؤالُ الحقيقيُّ هو ليس لماذا مات هؤلاءِ النَّاس، بل لماذا يعيشُ أيُّ إنسان؟ والسُّؤالُ الحقيقيُّ هو ليس لماذا تحدث أمور سَيِّئة للأشخاص الصَّالحين، بل إنَّ السُّؤالَ الحقيقيَّ هو: لماذا تحدث أمور جيِّدة للأشرار؟ لأنَّه لا يوجد أشخاص صالحون.
والسَّببُ في أنَّ الأشياء الصَّالحة تستمرُّ في الحدوث للأشخاص السيِّئين هو أنَّ الله مُنعِمٌ ورحيم. فهو يُعطي ويَمنَع. فهو يُعطي نعمةً وبَركةَ، ويَمنع الدَّينونة بسبب قلبه الحنون. ويمكنكم أن تروا ذلك حتَّى في العهد القديم، في سِفْر الخروج والأصحاح 34 إذ إنَّه يقول إنَّ الله "رَحيمٌ... حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ". فهو رَؤوفٌ ومُنعِمٌ. ويتحدَّثُ النبيُّ يوئيل عن ذلك. وقد رأى النبيُّ يونان لُطفَ الله ورحمتَه مِن نحو نينوى فاغتاظَ بسبب ذلك. فاللهُ يُشفِق على الخُطاة. وَهُوَ يَحزن عليهم. فهو مُنعِمٌ ورحيمٌ مِن نحوهم.
لذا، عندما تكون لطيفًا بأن تُحسِن إلى أعدائك، وعندما تكون رحيمًا بأن تُحجِم عن إظهار نَقمَتِك، فإنَّك تَتمثَّلُ بالله. لذا فإنَّكم تُظهرون أنَّكم بَنو العَليِّ. وأنتُم تُبرهنونَ بوضوح على أنَّ الله هو أبوكم. لذا، إلى أن يأتي اليوم الأخير الَّذي سيَدينُ اللهُ فيه جميع البشر، فإنَّ اللهَ نفسَهُ مُنعِمٌ. واللهُ نَفسُهُ رَحيم. فهذه هي طبيعتُه. وإن كنتَ تَحمل طبيعتَه واسمَه، يجب أن تَكون مِثلة أيضًا.
والآن، يَختِمُ يسوعُ كلامَهُ في العددين 37 و 38 بأربع وصايا أخيرة تؤدِّي إلى الهَدف مِن محبَّة الملكوت... إلى الهَدف مِن محبَّة الملكوت. صحيحٌ أنَّه لن يَخلص أيُّ شخصٍ مِن خلال حصوله على المحبَّة، ولكنكم سَتَبْنونَ قاعدةً مُلائمةً لإنشاء علاقةٍ تؤدِّي إلى جَعْلِ الإنجيل قابلاً للتَّصديق. لاحظوا كيف يحدث ذلك:
فهناك أربع وصايا تصيرُ هي الهدف: "لاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا". والهدف هنا هو ألاَّ تُدانوا. "لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ. أَعْطُوا تُعْطَوْا". وسوف نتوقَّف عند تلك النُّقطة.
إنَّها أربعة أشياء بسيطة: "لا تَدينوا"، وَ "لا تَقْضُوا". وهاتانِ تَردان بصيغة النَّفي. ثُمَّ نقرأُ بصيغة الإثبات: "اغفِروا" وَ "أعطوا". لِمَن؟ لأعدائكم... لأعدائكم، لأعداء الإنجيل، لأعداء الصَّليب، لأعداء المسيح. لا تَدينوهُم. وقد تقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! هل تعني أنَّه لا يجوز لنا أن نُقَيِّمَ أحدًا؟" بَلى، يجب عليكم أن تُقيِّموا الآخرين. وهكذا مُوضَّح حتَّى في هذا المقطع (في الأعداد 42-45). وسوف نَرى ذلك. فيمكننا أن نُقيِّم حالتَهم الرُّوحيَّة. وهذا لا يَمنَع مِن وجود قانونٍ، وحكومةٍ، ونظامٍ قَضائيٍّ، ومَحاكِم. وَهُوَ لا يَمنع مِن تَمييز حالة الآخرين، وتَبكيتهم، وتقييم حالتهم، ومواجهتهم بخطاياهُم. فهو لا يَمنع مِن حدوث ذلك. ولكنَّ ما يَنْهى عنه هو أن نَتصرَّف بطريقة خشنة، وقاسية، ونَاقدة، وعديمة التَّعاطُف، وعِدائيَّة تُجاهَ أعدائِنا.
وقد قرأنا تَلميحًا إلى ذلك في العدد 28 الَّذي يقول: "بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ". هذه هي الفكرة. لا تَكُنْ دَيَّانًا لهم. لا تُعلِن الدَّينونة عليهم. بارك حياتَهم، ولا تُصدِر الأحكامَ عليهم. أَحببهم برحمة. أَحببهم بلُطف.
وما هي المكافأة على ذلك؟ "فلا تُدانوا" مِنْ قِبَلِهم - لأنَّ الخطاة يُعاملوكم كما تُعاملوهم. فإن لم تَحكم عليهم، ولم تُعاملهم بخشونة أو برودة أو إدانة، سيَرَون ذلك ويُعاملوك بتلك الطَّريقة لأنَّ هذا هو ما يَفعله الخُطاة. فَهُم يُحبُّون مَن يُحبُّونهم لأنَّ هؤلاءِ يُحبُّونهم. وَهُم يُحسِنون إلى مَن يُحسِنون إليهم، وَهُم يُقرِضونَ مَن يُقرضونهم. فهكذا هي الحالُ في العالَم.
لِذا، إن لم تَلجأ (عندما يَضطهدونَكَ، ويُسيئونَ مُعاملتَكَ، ويُبغضونَكَ، ويَلعنونَكَ) إن لم تَلجأ إلى إدانتهم، بل أحببتهم بلُطف، ورحمة، وشَفقة، وصَلاح، ودَعوة بالطَّريقة الَّتي يُحبُّ فيها اللهُ الخُطاةَ، فإنَّ ما سيحدث هو أنَّهم لن يَدينوك. فسوف يَتساهلونَ معك. فلا يجوزُ أن تفعل شيئًا يُغلقُ البابَ أمام الكِرازة.
ثُمَّ إنَّه يَخطو خُطوةً أخرى فيَذكُرُ مُرادفًا، ورُبَّما يَذكُرُ أقصى ما يُمكن أن يحدث: "لا تَقْضوا على أحد". وهذه إشارة إلى الحُكْمِ النِّهائيِّ. فلا يَحِقُّ لك أن تُعلن الحُكمَ عليهم، وأن تُعلن الدَّينونة عليهم. لا تُمارِس دَوْرَ الدَّيَّان، ولا تُمارِس دَوْرَ الجَلاَّد. وهذا قد يحدث. فهو قد يحدث بكلِّ تأكيد في مُجتمعنا حيث إنَّ المؤمنين يَشعرون أنَّ بَلَدهم يَهوي إلى الحضيض أخلاقيًّا. وفجأةً نَبتدئُ في تعريف الأشخاص الَّذينَ يقودون هذه المسيرة بأنَّهم الأعداءُ ونَصُبُّ ونُعلنُ اللَّعنةَ على رؤوسهم.
إنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ خُطاةٌ يَفعلون ما يفعلونه لأنَّ هذا هو كلُّ ما يُتقنونَه. لِذا فإنَّ الرِّسالة إلى تيطُس تُذكِّرُنا بشيءٍ مُهمٍّ جدًّا: "لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلاً أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا". والسَّببُ الوحيدُ في ذلك هو لُطفُ اللهِ مُخلِّصِنا إذ إنَّهُ أَظْهَرَ إحسانَهُ للبشرِ فَخَلَّصَنا.
فَهُم يَتصرَّفون وحسب كما يتصرَّفُ غير المُخَلَّصين. ولا حاجة إلى أن تكون دَيَّانًا أو جَلاَّدًا لهم، بل يجب أن تُحبَّهم. فَهُم يحتاجون إلى عطفك ورحمتك بِغَضِّ النَّظر عن عَداوتهم. فعندما لا تكونُ دَيَّانًا لهم ولا تَحكُم عليهم، لن يَدينوكَ أو يَحكموا عليك. فهو يقول: "هذا مبدأ المُعاملة بالمِثل. فهكذا يَتصرَّف النَّاس. وفي النِّهاية، أنت تُلَطِّف مِن عداوتهم".
ثُمَّ في الجانبِ الإيجابيِّ (في العدد 37) فإنَّه يقول: "اغفِروا لَهُم. سامحوهم". وهذا شيءٌ إلهيٌّ. أليس كذلك؟ فأكثر حالة تَتَمَثَّلُ فيها بالله هي عندما تَغفِر لأحد الأشخاص. فهذا هو ما يفعله هو. فهو يَغفر لهم. وهو لا يَحمل ضَغينةً، ولا مَرارةً. وإن كنتَ رحيمًا على غِرار الله، وإذا كنتَ لطيفًا على غِرار الله، ومُتعاطفًا، ورقيقَ القلب، وغفورًا، سوف تُبَيِّن أنَّكَ تَتمثَّلُ بالله، وأنَّك ولدٌ مِن أولاد الله، وأنَّك مُختلِف. وَهُم لا يَفهمون ذلك! فأنت لا تَدينُهم! ولا تَحكُم عليهم! بل تَغفر لهم!
أي كما فَعَلَ يسوع: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُون". وكما فَعَلَ استفانوس: "لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّة". وكما فعل "ستيفن سينت" (Stephen Saint) الَّذي أحضرَ قاتلَ أبيه إلى عائلته لِيَحِلَّ مَحلَّ أبيه ويكون جَدًّا لأولاده. فهذه هي محبَّة الملكوت.
وهو يقول في العدد 38: "أعطوا". وهل تَعلمون ما الَّذي سيحدث؟ عندما تُعطي وتُعطي وتُعطي وتُعطي، سوف تُعْطَوْا. سوف تُعْطَوْا لأنَّ النَّاسَ يتصرَّفون هكذا. فعندما تُظهِرُ النِّعمةَ، وتُظهِرُ الرَّحمةَ، وتُظهِرُ اللُّطفَ للخُطاة، مِن المؤكَّد أنَّ الله سيُباركك. ولكنَّهُ لا يتحدَّث عن ذلك. انظروا إلى ما يقول: "كَيْلاً جَيِّدًا". "تُعْطَوْا كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ".
والكلمة "يُعْطُونَ" تُبَيِّنُ المبدأَ التَّفسيريَّ لهذا المقطع كُلِّه... "يُعْطُونَ". فَهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ تَفعل هذا بهم. فسوف يُعاملونك بالمِثل. فإن لم تُدنهم لن يَدينوك. وإن لم تَحكُم عليهم لن يَحكموا عليك. وإن غَفرتَ لهم سيَغفرون لك. وإن أعطيتهم سيُعطونك. فهكذا يَعمل العالَم. وهذه هي الطَّريقة البشريَّة المألوفة في المحبَّة. ولكن بالنِّسبة إلينا فإنَّ الأمر يبتدئ بإظهار الحُبِّ للأشخاص الَّذينَ يُبغضوننا قبل أن يَنتقلوا إلى هذا.
فإن كنتَ رحيمًا، ولطيفًا، ولا تَنتقدهم، ولا تَدينهم، ولا تَحكم عليهم، وإن كنتَ سَخيًّا وتُعطي الخُطاةَ، ولا تَشعر بالضَّغينة مِن نحوهم، سوف يُعاملوك كما تُعاملهم لأنَّ الأمور تَجري هكذا. والشَّيءُ الَّذي سيُلاقون صعوبةً في فَهمِه هو: "كيف يُعاملني فُلان بهذه الطَّريقة مع أنِّي عاملتُهُ بطريقة مُريعة؟" فسوف يَرَوْنَ أعمالَكم الحسنةَ ويُمَجِّدون مَن؟ أباكُم الَّذي في السَّماوات (كما جاء في إنجيل مَتَّى 5: 16).
وسوف يكون العطاءُ سَخيًّا. انظروا إلى العدد 38. "كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ". وهذه صورة حَيَّة جدًّا. وقد كَتَبَ "جيريماياس" (Jeremias) عن تاريخ أورُشليم وخَصَّصَ فِقْرةً صغيرة لشرحِ ذلك: "كانت عمليَّة وزن الحبوب تَتِمُّ بطريقة مُعيَّنة في إسرائيل. فقد كان البائع يُقَرْفِص ويضع رِجليه حول سَلٍّ ضخم.
"أوَّلاً، كان يَملأ ثلاثة أرباع السَّلّ، ثُمَّ كان يَهُزُّ السَّلَّ هَزَّاتٍ دائريَّة كي يَجعل الحبوب تَرْتَصُّ وتَرْتَصُّ وتَرْتَصُّ وتَرْتَصُّ". وأنتم تَعلمونَ أهميَّة ذلك. فهذا يُشبه ما يحدث عندما تَشتري عُلبةَ حَلوى وتُحضرها إلى البيت وتَفتحها فتجد أنَّ الحلوى تَشغل مساحة صغيرة في قَعر العُلبة، وأنَّ الجزءَ المُتبقِّي مِن العُلبة فارغ. لِذا فقد كانوا يَهُزُّون الكيلَ للحَيلولة دون حدوث ذلك.
"وبعد الانتهاء مِن عمليَّة الهَزِّ الدَّائريَّة بالسَّلِّ الَّذي تُملأُ ثلاثةُ أرباعِه بالحبوب، كان يُلَبَّدُ ويُلِبَّدُ فتتحرَّك الحبوب الصَّغيرة وتملأ جميع الفراغات، وتَرتصُّ أكثر فأكثر. ثُمَّ كان البائع يَملأ الجزء المُتبقِّي حتَّى الحافة. وحالما يمتلئ السَّلُّ إلى أقصاه، كان يُهَزُّه مَرَّةً أخرى، ومَرَّة أخرى. ثُمَّ كان يُلَبِّدُ الذُّرة بقوَّة بكلتا يديه إذ يستمرُّ في تلبيدها، وتلبيدها، وتَلبيدها. وأخيرًا، كان يَصنع مِن الذُّرة شكلاً مَخروطيًّا رأسُهُ في الوسط... [كما يكتب جيريماياس] "... ويَستمرُّ في إضافة الذُّرة بحذر وفي تَلبيدها. وبين الحين والآخر، كان يَصنعُ فُتحةً في الذُّرة ويُضيف المزيد، والمَزيد، والمَزيد، والمَزيد إلى أن تتوقَّف حُبوب الذُّرة عن النُّزول إلى أسفل. هذا هو الكَيْل الجيِّد".
ويقولُ يسوعُ: "إن أحببتم النَّاس هكذا، سيُحبُّوكم بالمُقابل هكذا". والحقيقة هي أنَّه يمكنكم أن تَجعلوا الخُطاةَ يُحبُّونكم. والمؤمنون بحاجة إلى جُرعة جيِّدة مِن هذه المحبَّة. أليس كذلك؟ فنحن نعيش في زمنٍ اعتادَ فيه المؤمنون على جَلْبِ عَداوةِ النَّاسِ على أنفسهم في الحقلِ التَّبشيريّ. أَلا تُحبُّون أن يَفعل الخُطاة ذلك؟ إذًا، أحبُّوهم. أحبُّوا مُضطهديكم. أحبُّوا الخطاة فيُحبُّوكم بالطَّريقة الَّتي تُحبُّوهم فيها. فهكذا يُحِبُّ الخطاة. فَهُم يُحبُّون مَن يُحبُّونهم. وَهُم يُحسِنون إلى مَن يُحسنون إليهم. وَهُم يُقرضونَ مَن يُقرضونهم. فهكذا يَتصرَّفون. والمشكلة هي أنَّ هذا هو كلّ ما يمكنهم فِعلُه. أمَّا أنتم فيمكنكم أن تُحبُّوا أعداءكم وتَنتفعوا.
وما هو الهدف؟ الهدف هو أن تَمنعوا الخطاةَ مِن إدانتكم، ومِن الحُكم عليكم، وأن تَجعلوهم يَغفرون لكم إساءاتِكم إليهم، وأن يكونوا أسخياء معكم. فإن حدث ذلك، سوف يكون ذلك بُرهانًا على أنَّهم قَبلوكم فتَحظون بفرصة إعلانِ ماذا لهم؟ الإنجيل.
لِذا، استغلُّوا مَحدوديَّات الخطاة. فَهُم لا يستطيعون أن يُحبُّوا أعداءهم، ولكنَّكم تستطيعون. فَهُم يُحبُّون الأشخاص الَّذينَ يُحبُّونهم، ويُعطون مَن يُعطيهم، ويُحسنون إلى مَن يُحسن إليهم. فإن فعلتَ ذلك عندما يُعادونكَ سَتَشهَد أنَّك لستَ مِثلهم، بل إنَّك مِثل الله الَّذي يُحبُّ أعداءَه محبَّة مُفعمة بالتَّعاطف، واللُّطف، والرَّحمة، والدَّعوة. وحينئذٍ سيصيرُ ذلك هو الأساس الَّذي تَنطلق منه في شهادتك. وهذا هو ما يُمَيِّز التِّلميذ الحقيقيّ.
نَشكُرك يا أبانا على السِّمَة العمليَّة لهذه الكلمة لنا. ونشكرك لأنَّك وَهبتنا القدرة على أن نُحبَّ أعداءَنا، وعلى أن نُبرهِن على مُواطَنتِنا حَتَّى ندعوهم بعد ذلك لا فقط إلى القيام بأفضل وأسمى ما لديهم، بل أيضًا إلى تَمكينهم مِن رؤية الفرق الَّذي يمكنك أن تَصنعه في حياتهم. أعطنا ذلك المِلْء مِن محبَّة الملكوت لكي يَرى النَّاسُ تلك المحبَّة ويَعلموا أنَّها لا تأتي سِوى مِن عندك، وأنَّها الدَّليلُ على ذلك التَّغيير الَّذي حدثَ في قلوبنا مِن خلال المسيح. نسألُكَ هذا لأجلِ مَجدِكَ أنت. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
