لنَفتح كُتُبَنا المقدَّسة على الأصحاح السَّادس من إنجيل لوقا. ونَصِلُ إلى الآيات الأخيرة مِن هذا الأصحاح، أو في الحقيقة: إلى خِتام عظة رَبِّنا. وواحدٌ مِن الأخطار في تفسير الكتاب المقدَّس، وهو خَطر يُمارَسُ بقدرٍ مِن العُمق، هو أنَّني أقضي شُهورًا في شَرح عظة وَعظَها يسوعُ في مناسبة واحدة. وأحيانًا لا نأخذُ مِن هذا التَّفسير (بسبب دراستنا الدَّقيقة والمُتمعِّنة والعميقة للنَّصِّ) لا نأخذُ سِوى الخُلاصة. وأودُّ أن أقول للأشخاص الَّذينَ لم يكونوا مَعنا في الأسابيع السَّابقة إنَّ هناك أمورًا كثيرة لم يَسمعوها في الأسابيع الَّتي دَرسنا فيها الآيات الَّتي سَبَقت الآية 46.
لقد كان يسوعُ كارِزًا بصورة رئيسيَّة. صحيحٌ أنَّه صَنع مُعجزاتٍ؛ أي مُعجزات جسديَّة. وصحيحٌ أنَّه أخرجَ شياطين؛ أي أنَّه صَنع مُعجزات روحيَّة. وصحيحٌ أنَّه عاش حياةً نموذجيَّة وأظهرَ نِعمةً ولُطفًا بطريقة لم يُظهرها إنسانٌ آخر. ولكن بمعزِلٍ عن هذه قدرته المُعجزيَّة، وبمعزِلٍ عن كونه قُدوة، فإنَّه بصورة رئيسيَّة كَارِز. لِذا، لا يُمكنكم أن تَقتربوا مِن إدراكِ عواطفِ يسوعَ وقلبِ اللهِ بأيَّة طريقة أخرى أكثر مِن الاستماع إلى عِظاته.
وقد قَدَّمَ عظةً تُعرَف لدينا باسم العِظة على الجبل. وهذه العظة مُدَوَّنة بصورة مُوسَّعة في إنجيل مَتَّى والأصحاحات 5 و6 و 7. ولكنَّ لوقا يُقدِّم لنا أيضًا مُقتطفات مِن تلك العظة. ومِن المُرجَّح أنَّ مَتَّى ولوقا يَكتُبان عن نفس العظة. ومِن المُحتمل أيضًا أنَّها كانت عظةً مِثل جميع العظات الَّتي تُقدِّمُ الحقَّ، والمُكرَّرة في مناسبات عديدة. فهناك إنجيل واحد فقط. وهناك رسالة واحدة فقط هي الحقُّ. لِذا، في كلِّ مَرَّة وَعَظَ فيها يسوعُ فإنَّهُ وَعَظَ نفس الإنجيل. ولا نُخطئُ إن افترضنا أنَّه استخدمَ نفس التَّشبيهات ونفسَ الأمثالِ ونفس الأمثلة الإيضاحيَّة عندما كان يَنتقل مِن مكانٍ إلى آخر.
لِذا فإنَّ ما دَوَّنَهُ لوقا رُبَّما يكونُ قد حدثَ في نفس اليوم، ونفس المكان على سَفح الجليل حيث قُدِّمَت العظة على الجبل (كما تُسَمَّى الأصحاحات 5-7 مِن إنجيل مَتَّى). وهناك بضعة اختلافات أَشرتُ إليها لتعرفوها. ويمكن تَعليلُ ذلك بحقيقة أنَّه عندما قَدَّمَ يسوعُ هذه العظة فإنَّه قال أكثر بكثير مِمَّا دَوَّنه لوقا، وأكثر بكثير مِمَّا دَوَّنه مَتَّى؛ لا سيَّما أنَّه يمكننا أن نقرأَ أيًّا مِن هاتين العِظتين في دقائق قليلة. فلا شَكَّ في أنَّه تَحدَّثَ وقتًا طويلاً، وأنَّه أعادَ ذِكْرَ وصياغة جُمَل كثيرة. وهذا قد يُعَلِّل عددًا مِن هذه الاختلافات. أو ربَّما كانت العِظة المُدوَّنة في إنجيل لوقا قد قُدِّمَت في مُناسبة أخرى ولكنَّها بُنِيَتْ حول نفس الحقِّ الَّذي كانت هناك حاجة مُلِحَّة إلى تَكراره؛ لا سيَّما أنَّه لم تكن هناك خِدمة تسجيلات صَوتيَّة للعِظات في تلك الأيَّام.
لِذا فإنَّنا نأتي في الحقيقة إلى خِتامِ هذه العظة. وأودُّ أن أُذكِّرَكم (إن كنتم تُبالون بالتَّفاصيل الحقيقيَّة للعظة) بأنَّني عندما ابتدأتُ في تفسيرِ إنجيل مَتَّى قبل سنوات، صَرفتُ نحو سنة في تفسير العظة على الجبل. وأنا أَصرِفُ نحو شهر في تفسيرها هذه المَرَّة. فلا حاجة إلى تَكرار كلِّ تلك المادَّة المُفصَّلة المُستخلَصة مِن تَدوين مَتَّى للعظة لأنَّنا فعلنا ذلك. ويمكنكم أن تقرأوا الشُّروح على ذلك الجزء مِن إنجيل مَتَّى. ويمكنكم أن تستمعوا إلى العِظات المُسجَّلة إن أردتم التعمُّق في تلك السِّلسلة.
وهذا الجُزءُ هو، في نَظري، أغنى جزءٍ في الإنجيل؛ أي مَتَّى والأصحاحات 5-7. وأمَّا النُّسخة المُقتضبَة الَّتي يُقدِّمها لوقا فإنَّها تُركِّز على القضايا العمليَّة في العظة. وما سنفعله هو أنَّنا سنكتفي بالتحدُّث عن تلك الأمور دون أن نتوسَّع كما فعلنا عندما درسنا إنجيل مَتَّى.
لِذا، دعونا نَقرأ خِتام العظة، وهي كلمات مألوفة إذ نقرأ ابتداءً مِن العدد 46: "وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، وَأَنْتُمْ لاَ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟ كُلُّ مَنْ يَأتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ بِهِ أُرِيكُمْ مَنْ يُشْبِهُ. يُشْبِهُ إِنْسَانًا بَنَى بَيْتًا، وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ. فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ صَدَمَ النَّهْرُ ذلِكَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْرِ. وَأَمَّا الَّذِي يَسْمَعُ وَلاَ يَعْمَلُ، فَيُشْبِهُ إِنْسَانًا بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الأَرْضِ مِنْ دُونِ أَسَاسٍ، فَصَدَمَهُ النَّهْرُ فَسَقَطَ حَالاً، وَكَانَ خَرَابُ ذلِكَ الْبَيْتِ عَظِيمًا!".
وبالمناسبة، إنَّ هذه الخاتمة شبيهة جدًّا جدًّا بالطَّريقة الَّتي خَتَمَ بها يسوعُ العظة في إنجيل مَتَّى. وهذا يَدعونا إلى الاعتقاد بأنَّها نفس العظة أو أنَّها نفس العظة ولكنَّها قُدِّمَت في مناسبة أخرى. ويسوعُ يَختِمُ عظته بتشبيه، أو بمثلٍ إيضاحيّ، أو بصورة حيَّة جدًّا عن نوعين من الحياة: الأولى تَنجو مِن الدَّينونة، والثَّانية لا تَنجو منها. لذا فإنَّه قرار ينبغي أن يَتَّخذه المرء في خِتامِ عظته. فأيُّ حياةٍ مِن هاتين الحياتين تَرغب في أن تعيش؟ هل تريد أن تَنجو مِن الدَّينونة أَم لا؟
وهناك قرارات كثيرة يُقدِمُ عليها النَّاس ويَعتقدون أنَّها مهمة جدًّا بالنِّسبة إليهم. فهناك قرارات بخصوص الصحَّة البَدنيَّة، وقرارات بخصوص الحِمية الغِذائيَّة، وبخصوص الرِّعاية الطبيَّة، ونَمط الحياة، وقرارات بخصوص الوظيفة، وقرارات بخصوص مُشتريات مُعيَّنة مُكلفة لأنَّها تبقى على بطاقتك الائتمانيَّة وقتًا طويلاً وتدفعها على دُفعات، أو أيًّا كانت طريقة الدَّفع. لذا، يجب عليك أن تُفكِّر مَليًّا قبل أن تُقرِّر إن كنتَ ستَلتزِم بشيءٍ ما على المَدى الطَّويل.
وهناك قرارات تَربويَّة ينبغي أخذها. وهناك قرارات تختصُّ بالعلاقات ينبغي أخذها، ولا سيَّما فيما يختصُّ بالشَّخص الَّذي سيكون شريك حياتك، وبالشَّخص الَّذي ستقترن به، أو تعمل معه، إلخ، إلخ.
ولا شَكَّ في أنَّ أهمَّ قرارٍ تَتَّخذه في حياتك هو القرار الَّذي يترك أكبر أَثَر وأطولَ تأثير. وهذا يَجعل مِن السَّهل جدًّا أن نقول إنَّ أهمَّ قرارٍ تَتَّخذه هو قرارٌ دينيٌّ أو قَرارٌ رُوحيٌّ. فأهمُّ قرارٍ تَتَّخذه في حياتك هو ذلك القرار الَّذي سَيُقَرِّر مَصيرَكَ الأبديَّ. أو إن أردنا أن نُعبِّر عن ذلك بنفس المُفردات الَّتي يَستخدمها يسوعُ هنا، فإنَّ أهمَّ قرارٍ ستتَّخذه في حياتك هو ذاك الَّذي سيُقرِّر ما إذا كنتَ ستنجو مِن الدَّينونة. فهو قرار بخصوص السَّماء أو جَهنَّم بصورة رئيسيَّة.
وأنا أُقِرُّ أحيانًا، وهو أمرٌ نادر الحدوث، أنَّ هناك أشخاصًا يَختارون جَهنَّم. فَهُم يَختارون جَهنَّم. ومِن الأمثلة على ذلك تلك الرِّسالة الغريبة الَّتي تَسلَّمتُها قبل بضعة أسابيع وذَكرتُها لكم؛ وهي الرِّسالة الَّتي قال فيها ذلك الشَّخص إنَّه مُتشوِّقٌ جدًّا للذَّهاب إلى جَهنَّم. فقد كان مُتشوِّقًا للذَّهاب إلى هناك لأنَّ كلَّ شخصٍ يَهُمُّه أمرُه موجودٌ هناك، ولأنَّه لن يكون مُضطرًّا لرؤية أشخاصٍ مِثلي مَرَّةً أخرى... أو رؤية أيِّ مؤمنين آخرين. فقد كان مُتشوِّقًا لجهنَّم كما قال. وقد كان، كما تَذكرونَ، رَجُلاً أضافَ في الرِّسالة الَّتي كَتبها لي إنَّني عَمَّدتُهُ هنا في سنة 1978. لذا فقد ذاقَ الطَّعمَ الَّذي يَتذوَّقُه مَن يَذهبونَ إلى السَّماءِ؛ ولكنَّه اختارَ جَهنَّم. وهذا هو الجُنونُ بعينِه. وهو أمرٌ غير مألوف البتَّة.
فالدِّينُ يَزدهر في العالم لأنَّ النَّاس يرغبون في الذهاب إلى السَّماء أيًّا كان تعريفُها؛ أي سواء كانت السَّعادة القُصوى الَّتي يَنشدها البوذيُّ الغارِق في التَّأمُّلات، أو كانت أرض الصَّيد السَّعيدة، أو كانت هيكل الآلهة اليونانيَّة على الضِّفَّة الأخرى مِن النَّهر الفِضِّيِّ، أو كانت أيَّ شيءٍ آخر، أو كانت المُرورُ عَبْرَ النُّورِ الخافتِ الهادئِ في نهاية نَفَق أتباع العصر الجديد، أو أيًّا كانت، فإنَّ الدِّين يَجِدُ أتباعًا له بسبب حديثِهِ عن السَّماء.
فهو يَزدهر بسبب قولِهِ إنَّ هناك شيئًا ينتظرك في الحياة الآخرة، وإنَّ هذا الشَّيء أفضل، وبلا ألم كما هُوَ مَرْجُوٌّ، ومُشبِع، وبِمَعزِلٍ عن كلِّ المشاكل والمِحَن والتَّجارب وخيبات الأمل وآلام هذه الحياة. فكلُّ الدِّيانات تَعِد بسماءٍ مِن نوعٍ ما. فهذا هو ما يُرَوِّجون له. فَهُم يُرَوِّجون للسَّماء. هذا هو كلُّ ما في الأمر. فَهُم يُرَوِّجونَ لنوعٍ مِن النَّعيم، ونوعٍ مِن السَّعادة، ونوعٍ مِن الشِّبَع، ونوعٍ مِن الحياة المُجزية المُختلفة جدًّا. وقد يَستغرقكم الأمر وقتًا للوصول إلى هناك.
عندما كنتُ ألتقي قادة كنيسة المورمون قبل مُدَّة، أرادوا... لقد كانوا لُطفاء جدًّا معي وأرادوا منِّي أن أذهب (كما قلتُ لكم) لأعظ في جامعة "بريغام يونغ" (Brigham Young) وما إلى ذلك، وكانوا يَستخدمون كُتُبي هناك ككُتب دراسيَّة؛ وهو أمرٌ يَصعُب تصديقُه. ولكنِّي قلتُ لهم: انظروا!" لقد قلتُ لهم: "كيف يمكنني الذَّهاب إلى السَّماء؟ يجب أن تُخبروني كيف سأذهب إلى السَّماء. فأنتم تستمرُّون في القول إنَّكم تعبدون نفس الإله، وإنَّكم تُوقِّرون المسيح". فقد كانوا يحاولون العثور على جميع جوانب الوفاق. لذا فقد قلتُ: "كيف أذهب إلى السَّماء؟"
وقد رَدُّوا بطريقة لطيفة في اعتقادي، مِن جانبهم، فقالوا: "الحقيقة هي أنَّك ستكونُ في سماءٍ أعلى بكثير مِن أيِّ سَماءٍ تَخطُر ببال أغلبيَّة المورمون". فقلتُ: "حقًّا؟" لأنَّ المورمونيَّة تُعلِّم عن وجود سماوات مِن جميع الأنواع". وقد قالوا: "سوف تكون في سماءٍ أعلى بكثير مِن أيِّ سَماءٍ تَخطُر ببال أغلبيَّة المورمون".
قلتُ: "وكيف أَصِلُ إلى السَّماء العُليا؟" فراحوا يَشرحون لي طريقةً تَقودُني بكلِّ تأكيد إلى جَهنَّم، لا السَّماء. وقد كانوا يَظُنُّون أنَّها تقودُ إلى السَّماء، ولكنَّها لا تقود إلى هناك. وقد كانت لديهم طريقة مُعقَّدة جدًّا لجعلك تَرتقي إلى مستوى السَّماء. وهذا هو كلُّ ما تتحدَّث عنه تلك الدِّيانة.
فجميعُ الدِّيانات تَعِدُ بالسَّماء. وهذا هو مَصدَرُ جاذبيَّتها. ويوجد اليوم أناس كثيرون في نِطاق الإطار العامِّ أوِ الإطار الواسع للمسيحيَّة الإنجيليَّة يَظُنُّون أنَّ إخلاص أيِّ إنسان في الدِّين يَضمَن له السَّماء. وهذه شُموليَّة إنجيليَّة جديدة. فقد قال لي رَجُلٌ ذاتَ يوم: "للعِلْمِ فقط، نحنُ نُحِبُّ أن نَتعاون مع المجموعات المسيحيَّة الأخرى مثل الكاثوليك والمورمون".
فهناك شُموليَّة تَزعُمُ أنَّ أيَّ شخص مُخلِص في تَديُّنِه سيذهب إلى السَّماء. وقد ذهبتُ إلى مُؤتمرٍ إرساليٍّ قبل فترة ليست طويلة، خلال الشَّهرين الماضيين، حول الكرازة إلى العالم كُلِّه بالإنجيل. وكان هناك عددٌ مِن الأشخاص الَّذينَ يَعملون في تلك الهيئة. وقد وَجَّهوا إليَّ لا أدري كم مَرَّة... ثلاث أو أربع أو خمس مَرَّات... رُبَّما أربع مَرَّات... نفسَ السُّؤال: هل الأشخاص الَّذينَ لم يَسمعوا يومًا بالإنجيل سيَهلكونَ حقًّا؟
وهذا سؤالٌ غريب تَطرحُهُ إن كنتَ تعمل في هيئة إرساليَّة! هذا سؤال غريب جدًّا. وقد تَظُنُّ أنَّكَ قد أجبتَ يومًا ما عن ذلك السُّؤال. أليس كذلك؟ ولكنَّ ما تُدركه هو أنَّه توجد مَنهجيَّة مِن دون لاهوت. فَهُم بارعون جدًّا في الأساليب، ولكنَّهم لا يَملِكون أَدنى فكرة عن اللاَّهوت. وعندما قلتُ: "إن لم يكن المرءُ يَعرف الرَّبَّ يسوعَ المسيح فإنَّه سيذهب إلى جَهنَّم"، كان ذلك يَفوقُ قُدرتَهم على التَّقبُّل.
فهناك هذه الشُّموليَّة الجديدة الَّتي تقول إنَّ أيَّ شخصٍ مُخلِص في أيَّة ديانة سيذهب إلى السَّماء. وهذا شيءٌ يُنادي به أشخاصٌ يَحملون شهادات الدُّكتوراه مِن كُليَّات لاهوت، أو أشخاصٌ يَحملون ألقابًا دينيَّة. فَهُم يَجعلونَ كلَّ طريقٍ رَحْبًا. وبصراحة، يمكن لجميع هؤلاء الَّذينَ يَحملون شهادات دُكتوراه، أو القادة الدِّينيِّين واللاَّهوتيِّين أن يَتعلَّموا شيئًا مُهمًّا جدًّا من العبيد الأمريكان غير المُتعلِّمين الَّذينَ كانوا يَعرفونَ الحقَّ وكَتبوا ترنيمةً صغيرةً تقول: "ليسَ كُلُّ مَن يتحدَّث عن السَّماء سيذهب إليها". وقد كان هذا صحيحًا. وهو ما يزال صحيحًا. فقد كانوا يَعرفون اللاَّهوت معرفةً أفضل مِن جَهابذة اليوم الَّذينَ يريدون أن يَضُمُّوا الجميع.
يقولُ "بيتر كريفت" (Peter Kreeft) في كتابه: "الجهاد المَسكونيّ" (Ecumenical Jihad) إنَّ البوذيِّين، والكونفوشيِّين، والبروتستنت، والكاثوليك، والمُسلمين سيذهبون جميعًا إلى السَّماء. وفيما يَلي اقتباسٌ له: "رُبَّما سيكونُ أكثر العابدين المُتحمِّسين للمسيح هُم المُسلمون الأتقياء" [نهاية الاقتباس]. وهو يُطلِق على القُرآنِ سِمَةً سَماويَّةً قائلاً إنَّه كلمة الله. وهو يقول: "الله هو اسمٌ آخر وحسب ليهوه".
ولكن هل الأمر هكذا؟ هل كلُّ شخص مُخلِص في أيِّ دين... ولا سيَّما في الدِّيانات التَّوحيديَّة... هل سنذهب جميعًا إلى المكانِ نفسه؟ وإن كان هذا صحيحًا، مِن المؤكَّد أنَّ اليهودَ، أيِ اليهودَ الأتقياء، أو اليهودَ قَويمي المُعتَقَد، سيذهبون بكلِّ تأكيد إلى السَّماء لأنَّهم على أقلِّ تقدير يَعرفون نصف الحقيقة. أمَّا المُسلمون فلا يَعرفون أيَّ شيءٍ صحيح لأنَّهم لا يؤمنون بأنَّ العهدَ القديم أو العهد الجديد هو الإعلان الوحيد مِن الله.
لِذا يمكننا أن نَستنتِج أنَّه إن كانت هناك شُموليَّة في الإنجيل، وإن لم يكن الضَّالُّون ضَالِّين حقًّا، وإن لم يكن الأشخاصُ الَّذينَ لم يَسمعوا يومًا بالإنجيل ضَالِّين حقًّا، وإن لم يكن الأشخاصُ الَّذينَ لم يَرَوْا يومًا لا فقط عهدًا جديدًا، بل لم يروا يومًا عهدًا قديمًا ضالِّين، وإن كان المُسلمون سيذهبون إلى السَّماء، وإن كان البوذيُّون سيذهبون إلى السَّماء، وإن كان بقيَّةُ أتباعُ الدِّياناتِ الأخرى في طريقهم إلى السَّماء، وإن كان الأمر كذلك، مِن المؤكَّد بصورة مُطلَقة أنَّ الشَّعب اليهوديَّ سيذهب إلى السَّماء لأنَّه لا يمكنك أن تَقترب مِن المسيحيَّة أكثر مِن ذلك. فإن كان بمقدوركَ وأنت بعيدٌ أن تذهب إلى هناك، مِن المؤكَّد أنَّ قُربَكَ سيُتيحُ لك أن تذهب إلى هناك. أليس كذلك؟
وما مَدى قُرْب اليهوديَّة؟ نحن نؤمن بإله إبراهيم وإسحاق ويَعقوب. فهذا إيمانٌ مُشترك. هذا صحيح. ونحن نؤمن بطبيعة الله المُقدَّسة؛ أي أنَّه قُدُّوس، قُدُّوس، قُدُّوس. ونحن نؤمن بقُدرته على كلِّ شيء، وبحضورِه في كلِّ مكان، وبِعلمِه بكلِّ شيء، وبعدم تَغيُّرِه، وبصفاتِ اللهِ العظيمة، وبصفاتِ اللهِ الَّتي لا تتغيَّر. ونحن نؤمن بأنَّ الله هو الخالِق، والحافِظ، والدَّيان صاحب السِّيادة. فيمكنني أن ألتقي حَبْرًا مِن أَحْبار اليهود وأن أجلس معه وأن نَتَّفق على كلِّ ذلك.
فنحن نؤمن بأنَّ إله العهد القديم هو الخالِق والحافِظ، وبأنَّه الَّذي يَعتني بشعبهِ، بعبارة أخرى، ويُعزِّيهم، وبأنَّه مُجْري التَّاريخ، إلخ، إلخ. فنحن نؤمن بذلك. ونحن نؤمن بإله العهد القديم، ونؤمن بوجود الخطيَّة، ونؤمن بوجود البِرّ، ونؤمن بإطاعة شريعة الله، ونؤمن بأنَّه يوجد إله واحد، وبأنَّ عبادة الأصنام هي تَجديفٌ وانتهاكٌ للوصيَّة الأولى والعُظمى، وبأنَّه يجب علينا أن نعبد فقط ذلك الإله الواحد. فنحن مُتَّفقون على ذلك. فنحن مُتَّفقون على أنَّ الله ينبغي أن يُعبَد، وعلى أنَّ الله وحدَهُ ينبغي أن يُعبَد، وعلى أنَّ أيَّ شخصٍ يريد أن يعبد الله ينبغي له أن يَرفع أيادي مُقدَّسة بقلبٍ طاهر. فنحن نؤمن بذلك. ونحن نؤمن بفضائل مثل المحبَّة والتَّواضُع والصِّدق واللُّطف والغُفران.
ومِن المُدهش أيضًا أنَّه إن التقيتَ مجموعةً مِن اليهود ستجدُ أنَّ أبطالَكُم هُم أنفسُهم لأنَّ أسماءَ أبطالِ الإيمان مُدوَّنة في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 11. فَهُم جميعًا أبطالُ العهد القديم. لذا فإنَّ أبطالَنا هُم أنفسُهم. لِذا، عندما يَقتبسونَ مِن سِفْر إرْميا، أو عندما يَقتبسونَ مِن سِفْر إشعياء (كما فَعَلَ اثنانِ مِن الأحبار عندما تَكلَّما)، أو عندما يتحدَّثون عن داوُد، أو عندما يتحدَّثون عن مُوسَى أو إبراهيم فإنَّهم أبطالي أنا أيضًا.
ثُمَّ إنَّنا نشتركُ أيضًا في نفسِ أبِ الإيمان بمعنى أنَّ إبراهيمَ هو أبو إسرائيل وأنَّ إبراهيمَ هو أبو الإيمان لِمَن يؤمنون (كما يقولُ بولس في رسالته إلى أهل غلاطيَّة). فهكذا هو الأمر. فهناك أشياء كثيرة تُوحِّدنا. ولكن ما يُفرِّقنا لا حَصْرَ له... لا حَصْرَ له. وإيضاحُ ذلك موجودٌ هُنا في النَّصِّ الَّذي أمامَنا.
فيسوعُ يَعِظُ شعبًا يهوديًّا. افهموا هذا الآن. فهو يَعِظُ يهودًا مُدَقِّقين، وقَويمينَ، وأتقياء، ووَرِعين، وغَيورين، وشَغوفين يؤمنون بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ويؤمنون بالنَّاموسِ والأنبياءِ والكُتُب (أي الكِتابات المُقدَّسة الَّتي تُؤلِّف الأقسام الثَّلاثة للعهد القديم). وَهُم يؤمنون بكلمة الله كما أُعلِنَت في العهد القديم. وَهُم يُؤمنون بوعود الله. وَهُم يُؤمنون باللهِ الواحد الحقيقيِّ، وبأنَّ الربَّ واحد... وبأنَّ الربَّ واحد. أليس كذلك؟ فَهُم يُصَلُّون صلاة "اسمَع يا إسرائيل". فهذا هو ما يؤمنون به. فَهُم مُوَحِّدون.
وَهُم جَادُّون بشأن شريعة الله. وَهُم مُدقِّقون بخصوص تفاصيل شريعة الله. وَهُم يرغبون في حِفظ شريعة الله. وَهُم يَرغبون في عبادة الله، وفي إكرام الله. وَهُم لديهم الهيكل الَّذي يذهبون إليه لعبادة الله. وَهُم يَتبعون التَّفاصيل الدَّقيقة للطُّقوس، والذَّبائح، وكلِّ الأعياد والاحتفالات والأَهِلَّة والسُّبوت، وكلِّ تلك الأشياء. فَهُم يَفعلون ذلك بحذافيره. ويُمكنكم القول إنَّهم أكثرُ المُتديِّنينَ استقامةً في العقيدة.
فهذا هو نوع اليهوديَّة الَّتي كانت موجودة في زمن يسوع. وكانت هناك بضع حالاتٍ شاذَّة، وكان هناك مُتحرِّرون بين اليهود يمكننا القول إنَّهم لم يكونوا أُصوليِّين كلاسيكيِّين أو قَويمي المُعتَقَد. وهؤلاءِ هُمُ الصَدُّوقيُّون. فقد كانوا المُتحرِّرين الدِّينيُّين. وكان هناك أشخاصٌ ذَوو تَوجُّهات سياسيَّة يُدعونَ الغَيورين. وكان هؤلاءِ يَهتمُّون بالقضايا السِّياسيَّة. وكان هناك الأسينيُّون الَّذينَ كانوا نُسَّاكًا، ويُعارضونَ المؤسَّسة الدِّينيَّة، ويَنعزلون عن المجتمع ويعيشون في كُهوف في مَنطقة البحر المَيِّت.
ولكنَّ وُجهة النَّظر السَّائدة والغالِبَة والمُهيمنة في اليهوديَّة كانت هي وُجهة النَّظر الَّتي يَتبنَّاها الكَتبة والفَرِّيسيِّين. وكان تكريسُهم واضحًا جدًّا جدًّا للعهد القديم. لذا يمكنكم أن تَرَوْا أنَّ هؤلاءِ كانوا أقربَ ما يُمكن إلى الحقيقة.
ويمكنكم أن تَخْطوا خطوةً أخرى. فقد كانوا مُعجبينَ حَقًّا بيسوع... مُعجبينَ حَقًّا بيسوع. والحقيقة هي أنَّ المجموعة الَّتي كان يُخاطبها هنا تُسمَّى "التَّلاميذ" في العدد 20 إن رجعتم إلى بداية ما دَوَّنَهُ لوقا مِن العظة. فَهُم يُدعونَ "التَّلاميذ". وهي كلمة تَعني "المُتعلِّمون" أو "الطَّلبة". فقد كَرَّسوا أنفسهم ليصيروا تلاميذَ يسوع. وقد كانت الأمور تَجري هكذا في الأزمنة القديمة. فلم يكن ينبغي لك بالضَّرورة أن تجلس في صَفّ. فإن أردتَ أن تتعلَّم، يمكنك أن تَختارَ مُعلِّمكَ وأن تَتبعَ مُعلِّمَكَ إلى كلِّ مكانٍ. وكان المُعلِّمون يتنقَّلون في بيئة يُراقبون فيها الحياةَ مع أتباعهم، أو تلاميذهم، أو طَلبتهم – "ماثيتيس" (mathetes).
لِذا فقد كان هؤلاء النَّاسُ، الآلافُ منهم، يَتبعونَ يسوعَ. ولا شَكَّ في أنَّه كان أشهرَ مُعلِّمٍ في الوجود لأنَّه لم يتمكَّن أحدٌ يومًا مِن القيام بما فعله مِن جهة المُعجزات الجسديَّة أو المُعجزات الروحيَّة أو طَرد الشَّياطين. ولم يُعَلِّم أحدٌ كما عَلَّمَ هو. ولم يَنطق أحدٌ بكلماتٍ عميقة كتلك الَّتي نَطَقَ بها هو. ولم يتكلَّم أحدٌ كما تَكلَّم هو. لذا فقد جَمَعَ أكبرَ حَشْدٍ حولَه.
لِذا فقد كان هؤلاءِ هُم أتباع يسوع. فقد كانوا يَمشون معه يومًا تلو الآخر. وقد وَصَلَ إلى هذه النُّقطة. وكانوا آنذاكَ يَعيشونَ بحسب النِّظامِ اليهوديِّ. وكانوا آنذاكَ مُكَرَّسينَ تَكريسًا جَذَبَهُم إلى يسوعَ بصفته ناطقًا بلسانِ الله. لذا فقد كانوا يُبالون بما يريد الله أن يقول. وربَّما كانوا مُقتنعين بأنَّ يسوعَ هو المَسيَّا. فقد كانَ بعضٌ منهم مُقتنعًا، وبعضٌ منهم غير مُقتنِع، وبعضٌ منهم في مرحلةٍ انتقاليَّة.
وَهُم يَتوزَّعونَ على جميع المستويات. فَهُم حَشْدٌ مُختلَط مِن الأشخاص الَّذينَ يُبالونَ [بدرجاتٍ مُتفاوتةٍ] بيسوع. فقد كان يوجد تَلاميذ حَقيقيُّون وتلاميذ زائفون. وكانت توجد فئات كثيرة في الوسط مِن جهة الاقترابِ أكثر مِن يسوع أو رُبَّما مِن جهة الابتعادِ أكثر عن يسوع بسبب خيبة أَملهم مِمَّا قاله يسوع (كما حدثَ غالبًا).
ولكنَّ هذه هي المجموعة الَّتي كان يُخاطبُها. فقد كانوا أشخاصًا مُتديِّنين جدًّا. وكانوا قريبين مِن الحقِّ بأكبر قدرٍ مُمكن لأنَّهم كانوا يُؤمنون بكلِّ العهد القديم، وكانوا يَعبدون إلهَ العهد القديم، ويَترقَّبون تحقيق وعود الله في العهد القديم المُختصَّة بمجيءِ المَسيَّا، ويَترقَّبون الخلاص الَّذي سيأتي معه. لذا فقد كانوا أقربَ ما يُمكن. وقد تَبِعوا يسوع.
ولم يحدث قَطّ أن قال لهم يسوعُ: "أنتُم يا رِفاق على ما يُرام. أنتُم قريبون بما يكفي. فالاقترابُ حَسَنٌ". فهو لم يَقُل لهم ذلك يومًا. فالاقترابُ مِن العثورِ على عَريس لا يَعني أنَّكِ قد تَزوَّجتِ! فالاقترابُ ليس كافيًا. وكم كانوا قَريبين؟ نقرأ في العدد 46: "لِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ؟" هذا جَيِّد؟ فهل مِن اللاَّئق أن نَدعو يسوعَ رَبًّا؟ أجل. فَمِنَ اللاَّئق أن نَدعو يسوعَ رَبًّا. "لِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ؟" يمكنكم أن تقولوا: "لأنَّنا... لأنَّنا نُوَقِّرُكَ كثيرًا جدًّا. فأنت تَملِكُ قُدرةً إلهيَّة. وأنت تَنطِق بالحقِّ الإلهيِّ. وقد جئتَ بكلِّ تأكيدٍ مِن عند الله. لذا يمكننا أن نَدعوكَ ’يا رَبّ، يا رَبّ‘".
وما مَعنى "كوريوس" (kurios)؟ إنَّها تعني: "مُعلِّم" أو "سَيِّد". وهي تُستخدَم أيضًا في التَّرجمة اليونانيَّة للعهد القديم (المعروفة بالتَّرجمة السَّبعينيَّة) لترجمة الكلمة "يَهوه". والخُلاصة هي أنَّ دعوتَهُ "يا رَبّ، يا رَبّ" وتَكرار ذلك لا يعني فقط: "يا مُعلِّم"، بل "يا مُعلِّم المُعلِّمين" أو "يا سَيِّد السَّادة" أو "أيُّها المُعلِّمُ الكبير". وليس هذا فقط، بل أيضًا: "النَّاطِق بلسانِ يَهوه".
وكان هذا يَعني أنَّهم كانوا قريبين. فإن كنتَ في اليهوديَّة ولستَ في البوذيَّة أو الهندوسيَّة أو الإسلام أو أيِّ ديانة أخرى، إذا كنتَ في اليهوديَّة فإنَّك قريب. وليس هذا فحسب، بل إنَّك تَتبع المَسيَّا وتَتعلَّم من المسيَّا الَّذي هو ابنُ الله، والربُّ يسوعُ المسيح، وتُقِرُّ جازمًا أنَّه مُعلِّم المُعلِّمين النَّاطِق بلسانِ الله. وهذا حَسَنٌ، بل حَسَنٌ جدًّا.
ولكنَّ يسوعَ يقول: "بالرَّغم مِن هذا كُلِّه فإنَّه ليس كافيًا". إنَّ الإعجابَ بيسوعَ يُخيفُني، ويَجعلني مُتوتِّرًا جدًّا عندما يُعجَبُ النَّاسُ بحقيقة أنَّني أُنادي بالمسيح. فأنا أُفضِّل أن يَمتعِضوا مِن ذلك لأنَّ ذلكَ يُوتِّر أعصابي. فعندما يقولونَ لي: "نحن سُعداء جدًّا باستضافتِك لأنَّكُ تُحبُّ المسيحَ [كما تَعلمون]. تعالَ وانضمَّ إلينا"، فإنَّ هذا يُثيرُ أعصابي جدًّا لأنَّك إن استطعتَ أن تُقنِع نفسك بأنَّ يسوع مُجرَّد مُعلِّم يَستحقُّ الإعجابَ سيكونُ ذلك خطأً جسيمًا في التَّقدير. فيسوعُ لن يَقبلَ ذلك، بل إنَّه يقول: "إنَّ المُشكلةَ تَكمُن في أنَّكَ تَدعونِي ’ يا رَبّ‘ ولكنَّكَ لا تَفعلُ ما أقول. وهذه هي المُشكلة. فأنا لا أبحث عن فُضولِك، ولا أبحثُ عن إعجابِك، ولا أبحثُ عن استِحسانِك، بل أنا أقولُ لك مَعنى أن تكونَ تابعًا حقيقيًّا".
وقد ابتدأوا [إن كُنتم تَذكرون] في الأعداد 20-26 حيثُ يقول: "التَّابعونَ الحقيقيُّون هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَتوبون. فَهُم ينظرون إلى حياتهم نظرةً عميقة، ويُؤكِّدون إفلاسَهم الروحيَّ الحقيقيَّ. فَهُم المساكين؛ أي الفُقراء روحيًّا. وَهُم الجِياع. وَهُم الباكون. وَهُم المَطرودون".
ثُمَّ إنَّهُ استَدارَ وقال: "كذلك، تلاميذي الحقيقيُّونَ لا يُبغضون خطيَّتهم وحسب، بل إنَّهم يُحبُّون أعداءَهم". وقد كان هذا هو الجُزء الثَّاني المُتضمَّن في الأعداد مِن 27 إلى 38 حيثُ تأمَّلنا في الدَّليلِ الدَّامِغ على التَّغيير الَّذي يَطرأُ على حياة التِّلميذِ الحقيقيِّ ويجعله يُحبُّ أعداءَهُ. لذا فقد قال يسوع: "تلاميذي الحقيقيُّون يُبغضون الخطيَّة في أنفسهم، ويُحبُّون حتَّى الأشخاص الَّذينَ يَضطهدونَهم".
فهناك كَراهِيَة في التِّلميذ الحقيقيِّ لا يُمكن تفسيرُها بشريًّا لأنَّ الإنسان بطبيعته السَّاقطة يُبالغُ في تقدير صلاحه الذاتيِّ. أليس كذلك؟ ولكنَّ عمل الله في القلب، أي عمل التَّبكيت، هو الوحيد الَّذي يستطيع أن يأتي بالمرء إلى التَّقييم السَّليم لإفلاسِه الرُّوحيِّ. لذا فإنَّ التَّلاميذ الحقيقيِّين اختبروا ذلك العمل الإلهيَّ الَّذي حدث في قلوبهم. فالمُنسحقون والباكون لا يَحتقرُهم الربُّ، بل يَقبلُهم.
ثانيًا، ليسَ مِن المألوفِ أن تُحبَّ أعداءَك. فليسَ مِن العاديِّ أن تكون لطيفًا مع الأشخاص الَّذينَ يَكرهونك ويَطهدونك ويُؤذوك. فليسَ مِن الطَّبيعيِّ أن تفعل ذلك. وهذا دليل آخر على عمل الله. فمِن الجانب السَّلبيِّ فإنَّ الله يَعمل على مساعدتك على رؤية مِقدار خطيئتك. ثُمَّ مِن الجانب الإيجابيِّ فإنَّه يَعمل على إعطائك صَلاحًا يُمكِّنُك حَرفيًّا مِن إظهار الغُفران تُجاه الأشخاص الَّذين يُؤذونك. وهذا هو عمل الله في قلب التِّلميذ الحقيقيّ.
ثُمَّ إنَّنا رأينا في تأمُّلِنا الأخير في الأسبوع الماضي (في الأعداد 39-45) أنَّ التِّلميذَ الحقيقيَّ قد اختبرَ عملَ الله في قلبه حتَّى إنَّه يُبغِض الخطيَّة، واختبرَ عملَ الله في قلبه حتَّى إنَّه يُحبُّ أعداءَهُ، واختبرَ عملَ الله في قلبه حتَّى إنَّه يَتبع يسوعَ فقط. فهو لا يَتبع مُرشِدينَ عُميانًا، ولا يَتبع مُعلِّمين بشريِّين، ولا يَتبع مُرائين لا يستطيعون أن يُخرجوا أيَّ شيءٍ مِن عينه لأنَّه يوجد شيء أكبر في أعينهم. فهو لا يَتبع أشجارًا غير مُثمرة، أو أشجارًا ثَمَرُها شِرِّير.
فيسوعُ يقولُ إنَّ هذا هو كلُّ ما يَتَّصِف به المُتديِّنون الزَّائفون. فَهُم قادة عُميان يَقودونَ عُميانًا. وَهُم أرضيُّون. وَهُم لا يستطيعون أن يأخذوك إلى أبعد مِمَّا يستطيعون هُم أنفسُهم أن يَذهبوا. لذا فإنَّ محدوديَّاتهم تصيرُ محدوديَّاتك. فَهُم لا يستطيعون أن يساعدوك بإخراج القَذى الَّذي في عينك أو باستئصالِ الشَّيءِ المُدمِّر مِن حياتك لأنَّه توجد خشبة كبيرة جدًّا في أعينهم. وكلُّ ما يُنتجونه هو ثَمر رَديء، وشَرّ، وإثم. لذا فإنَّ كلَّ شَيء يُشيرُ إلى ضرورة أن تكونَ مُفْرَزًا ليسوع.
فإن أردتَ أن تَدخُلَ ملكوت الله، وإن أردتَ أن تَدخُل ملكوت السَّماوات، وإن أردتَ أن تَنالَ الخلاص، وإن أردتَ أن تذهب إلى السَّماء، يجب أن يَعملَ اللهُ فيكَ عَمَل التَّوبة، وأن يُنشئَ فيكَ محبَّةً غير عاديَّة، وأن يَفرِزَكَ لكي تَتبع المُعلِّمَ الحقيقيَّ الَّذي هو يسوعَ المسيح.
ثُمَّ إنَّه يأتي إلى خِتامِ العظة فيقول: "أنتُم تستمرُّون في القولِ لي: ’يا رَبّ، يا رَبّ‘، ولكنَّ المشكلة تَكمُن في أنَّكم لا تَفعلون ما أقول". فمُجاملتي ليس الشَّيء الَّذي أبحث عنه. "لِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، وَأَنْتُمْ لاَ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟" مِنَ الجيِّد أن تَدعوني رَبًّا. وإن لم تدعوني رَبًّا، لا يمكنكم أن تَخلصوا كما جاءَ في رسالة رومية 10: 9-10. "لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ". فهذا حَسَن.
ونقرأ في رسالة كورنثوس الأولى 12: 3: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُس". فالرُّوح القُدُس يعمل عملاً في قلبك، ويأتي بك إلى الموضع الَّذي تَدعو فيه يسوعَ رَبًّا فَتعترِف به رَبًّا وتَخلُص. وهذا حَسنٌ جدًّا. ولكن لا تفعل ذلك؛ أي لا تَعترف به ربًّا بفمك دون أن تتبعه. فهذا غير مقبول.
والآن استمعوا إلى ما أقوله هنا. كم ينبغي أن تكون قريبًا لكي تخلص؟ هناك أشخاص يقولون اليوم: "إن كنتَ مُخلِصًا في أيَّة ديانة، ستذهب إلى السَّماء. وإن كنتَ وثنيًّا ضالاًّ في مكانٍ ما في مكانٍ ناءٍ في العالَم ولم تَسمع يومًا أيَّ شيء عن الكتاب المقدَّس أو يسوع، وكنتَ شخصًا صالحًا وتحاول أن تعيش وفقًا لقيمٍ مُعيَّنة، سوف تذهب إلى السَّماء. وإن كنتَ تَتبعُ ديانةً توحيديَّةً مُنظَّمةً مثل الإسلام أو أيَّة ديانة أخرى، وكانت نواياكَ حسنة، ستذهب إلى السَّماء. وإن كنتَ كاثوليكيًّا رومانيًّا، حتَّى لو كنتَ مُشوَّشًا بخصوص هُويَّة الفادي الحقيقيِّ، أي ما إذا كان مَريم أو يسوع، ستذهب إلى السَّماء.
"ومِن المؤكَّد أنَّك لا تستطيع أن تقترب أكثر مِن أن تكون يهوديًّا، أي يهوديًّا مُستقيمَ العقيدة يُؤمن بكلِّ العهد القديم ويُراعي اتِّباعَه. فإن كنتَ قريبًا إلى هذا الحدِّ مِن المؤكَّد أنَّك ستذهب إلى السَّماء. وإن كنتَ تعتقد أنَّ يسوعَ مُعلِّمٌ صالح، لا بُدَّ أنَّك ستذهب إلى السَّماء لأنَّ هؤلاءِ النَّاسَ الَّذينَ لم يسمعوا به يومًا سيذهبون إلى السَّماء".
ولكنَّ هذا التَّفكير بمُجمله هو تفكير يَرفضُه يسوع لأنَّه يقول هنا في الحقيقة: "يمكنكم أن تؤمنوا بكلِّ العهد القديم، ويمكنكم أن تَدعوني رَبًّا وأن تذهبوا إلى جَهنَّم". وفي العبارات الَّتي كَتَبها مَتَّى عن ذلك ابتداءً مِن إنجيل مَتَّى 7: 21 إذ إنَّ مَتَّى يُدوِّنُ أنَّ يسوعَ قال: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! ... فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: ... اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْم!".
استمعوا إلى هذا يا أحبَّائي: إنَّ الأمر لا يَقتصر فقط على أنَّ الأشخاص الَّذينَ لا يعرفون المسيح لن يَخلصوا، بل إنَّ الأشخاص الَّذينَ يَعترفون بالمسيح ليسوا مُخلَّصين في حالات كثيرة. فالقُربُ لا يُحسَب. ويسوعُ يقول: "انظروا! لو كان الأمر يَقتصر على القول ’يا رَبّ، يا رَبّ‘، وليس على فِعل ما أقول، لن تكون لذلك أهميَّة، ولن يكون ذلك كافيًا". والحقيقة هي أنَّ ذلك ضَرْبٌ مِن التَّجديف. وهو ليس مِن نوع الشَّتائم الَّتي نَسمعها في الشَّارع، بل هو تَجديفٌ على أقدسِ شيء. فأنت تُجَدِّف على اسم الله. وأنتَ تَنطِق باسمه باطِلاً. فلا يوجد تجديفٌ أشنَعُ مِن أن تقول "يا رَبّ، يا رَبّ" بفمك دون أن تفعل ما يقول. فهذه قُبلة يَهوذا. أليس كذلك؟ إنَّها قُبلة يهوذا.
وهذا هو ما يقوله يسوعُ هنا. "أنا أقول لكم أيُّها النَّاس [بحسب كلامه]: يجب عليكم أن تَتركوا اليهوديَّة وأن تَأتوا إليَّ". ونقرأ في إنجيل يوحنَّا 1: 12: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ". وهذا يعني أنَّ اسمَهُ يعني كلَّ صِفاتِه، وكلَّ ما فَعلَه. فإن أردتَ أن تكون ولدًا مِن أولاد الله، يجب عليك أن تؤمن بيسوعَ المسيح. ويجب عليك أن تَقبل يسوعَ المسيح. ونحن نَعلم ذلك. فهذا هو الإنجيل.
في إنجيل يوحنَّا 6: 40 (وهذه آيات مُهمَّة جدًّا في بيئة اليوم، وفي أيِّ وقت، ولكن في وقتنا الحاضر تحديدًا) يقول يسوع في إنجيل يوحنَّا 6: 40: "لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ". فينبغي لك أن تَرى الابنَ، وأن تَعرف مَن هو، وأن تؤمن به لكي تكون لك حَياة أبديَّة. فمِن دون المسيح لا يوجد خلاص.
وفي سِفْر أعمال الرُّسُل 4: 12، يتحدَّث عن يسوعَ المسيح الَّذي أقامَهُ اللهُ مِن الأموات فيقول: "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ". وقد تحدَّثنا عن ذلك في سِلسلة مؤلَّفة مِن جُزءين قَدَّمتُها قبل بضعة أشهر بعنوان: "مِن دون الإنجيل، ليس هناك خَلاص". ولكن لا يوجد طريق آخر للخلاص.
والنَّاسُ يَسألونَ دائمًا... وَهُوَ سؤالٌ يَتبعُ الأوَّل: "حسنًا... ولكن كيفَ سيَسمعون الإنجيل؟" وجوابي على ذلك بسيط جدًّا: إن أرادَ اللهُ أن يَخلصوا، سيَحرص على توصيل الإنجيل لهم. أليس كذلك؟ هل هذه مُشكلة عويصة بالنِّسبة إليه؟
والأصحاحُ العاشرُ مِن رسالة رومية يَقولُ ذلك (كما أشرتُ سابقًا) بأوضح صورة مُمكنة. رومية 10: "إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ". هذا هو كلُّ ما في الأمر. آمن بالمسيح الَّذي هو الرَّبّ الَّذي قام مِن الأموات "لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَص". فلا يوجد ما هو أوضَح مِن ذلك.
ونقرأ في رسالة كورِنثوس الأولى 16: 22: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ [مَلعونًا] - أَنَاثِيمَا". ونقرأ في رسالة تسالونيكي الثانية والأصحاح الأوَّل أنَّ الله سيأتي في نارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لا يُطيعونَ الإنجيل. فإنجيلُ يسوعَ المسيح وَصيَّة. فالنَّاسُ تَلَقَّوْا أمرًا، والخُطاةُ تَلَقَّوْا أمرًا، وجميعُنا تَلَّقينا أمرًا بأن نؤمن... بأن نؤمن بيسوعَ رَبًّا ومُخلِّصًا.
وها هو الرَّبُّ يُخاطبُ أكثر أشخاصٍ مُتديِّنين؛ أي أشخاصًا يَنتمون إلى الدِّيانة القويمة وهي اليهوديَّة. فهذا هو أقرب شيءٍ مُمكن إذ إنَّه يتحدَّث إلى أشخاصٍ مُنهمكين ومَشغولين بديانتهم، وحتَّى إنَّهم مُعجبون بيسوع، ومَفتونون بيسوع، ويقولون حقًّا أعظمَ كلامٍ يُمكن أن يُقال عن يسوع.
"يا مُعلِّم، يا مُعلِّم، يا سَيِّد، يا مُعَلِّم، أيُّها النَّاطِقُ بلسانِ الله". بعبارة أخرى، فإنَّهم يقولونَ أعظمَ كلامٍ مُمكن. فَهُم يتكلَّمون بأقصى تهذيبٍ ولُطفٍ وإعجابٍ يُمكنهم التَّعبير عنه.
ولكنَّه يقول إنَّ هذا كلَّهُ لا يعني أيَّ شيء إن لم تفعلوا ما أقول. وما أقولُه هو إنَّه ينبغي لكم أن تُقِرُّوا بخطيئتكم، وأن تُدركوا أنَّكم فُقراء، وأَسرى، وعُمي، ومَطرودين، وبأنَّكم المساكين، والجياع، والمُتضوِّرونَ حقًّا روحيًّا، وبأنَّكم الحَزانى على حياتكم إذ ينبغي أن تَحزنوا حُزنًا لا يَنتهي بسبب بُعدِكُم عن الله.
فأنا أقول لكم إنَّه يجب عليكَ أن تنظرَ إلى نفسك وتَرى نفسكَ خاطئًا. ثُمَّ يجب عليك أن تنظر إليَّ وتَرى أنِّي رَبُّكَ، وأن تَصرخ إلى الله طالبًا الرَّحمة. فحتَّى قبل الصَّلْب، كانوا بحاجة إلى الإقرار بخطاياهم، والتَّضرُّع لأجل الحصول على النِّعمة والرَّحمة من الله بسبب حياتهم الخاطئة عوضًا عن أن يَتَّكلوا على بِرِّهم الذاتيِّ؛ وَهُوَ بكلُّ تأكيد ما كان النِّظامُ يَفعله، وما زال يَفعله حتَّى الآن.
وبعضٌ مِن هؤلاء سيقولون لاحقًا، أي في اليوم الأخير (كما يقول يسوع)، أو في يوم الدَّينونة: "يا رَبُّ، لقد تَنبَّأنا باسمك، وطَردنا الشَّياطين باسمك، وصَنعنا قُوَّات كثيرة باسمك". والآية مَتَّى 7: 22 تتحدَّث عن ذلك. فقد فعلنا ذاك باسمك، ثلاثَ مَرَّات: باسمك... باسمك... باسمك. فنحنُ لم نَكتفي بأن ندعوكَ "يا رَبّ، يا مُعلِّم"، بل كَرَّسنا أنفسنا لك. فقد كُنَّا نَظُنُّ أنَّنا نَخدم باسمك. ولكنَّ يسوعَ يقول: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْم... إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ".
كَمْ هو مِقدارُ القُرب الكافي؟ إنَّ القُرْبَ لا يُحسب البتَّة. واليهوديَّة لا تُحسَب. فاليهوديَّة الَّتي تُقِرُّ بأنَّ يسوعَ هو فقط النَّاطقُ الرَّسميُّ بلسانِ الله لا تُحسَب. وهناك يهوديَّة اجتهدت وحاولت حقًّا أن تَعمل باسم يسوع إذ إنَّ هناك أشخاصًا مِن اليهود كانوا يحاولون أن يُخرجوا الشَّياطين باسم يسوع. ولَعلَّكم تَذكرون أنَّ التَّلاميذَ أخبروه بذلك. ولكنَّ القُرْبَ لا يُحسَب. فيجب عليك أن تفعل ما يقول. وما قالَهُ، بكلِّ تأكيد هو: اعترِف بخطيَّتك، واصرخ إلى الله طالبًا النِّعمة والرَّحمة والغُفران.
لقد كَرَزَ يسوعُ وجاءَ كارِزًا بالتَّوبة. أليس كذلك؟ بعبارة أخرى، كان النِّظامُ يقول: "أنتُم أبرار. وأنتُم صالِحون بالقَدر الكافي. إن اتَّبعتم هذه القواعد سيَقبلكم اللهُ". ولكنَّ رسالة يسوع كانت تقول: "أنتم لستم صَالحين بالقدر الكافي. أنتُم مَلعونون. وأنتُم مَحكومٌ عليكم بالدَّينونة. وأنتُم بلا رجاء. وأنتُم خُطاة. أَقِرُّوا بذلك. واصرخوا إلى الله طلبًا للرَّحمة... وهي رَحمة سيُعطيكم اللهُ إيَّاها لأجلي. اعترفوا بي رَبًّا لكم". هذا هو ما كان يُوصيهم بأن يَفعلوه.
لقد كان شيئًا ضروريًّا حَقًّا... انتبهوا إلى ما سأقول... أن يتركوا حَرفيًّا اليهوديَّة... أن يَتركوها. هذا هو ما يَطلبُه. فلن يُجديكُم نَفْعًا أن تُظهروا إعجابكم بي. ولن يُجديكُم نَفْعًا أن تقولوا لي "يا رَبّ". ولن يُجديكُم نَفْعًا أن تقولوا إنَّكم تَخدمون باسمي إن لم تفعلوا ما أقول. إنَّه نَمَط الطَّاعة الَّذي يَبتدئ بالإيمان وإطاعة الإنجيل.
فالإنجيل هو أمر بالإيمان لكي تَخلَص، ثُمَّ أن تستمرَّ في الطَّاعة. يوحنَّا 8: 31: "إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي" – "ماثيتيس أليثوس" (methetes alethos): تلاميذي الحقيقيِّين. فإن استمرَّيتُم في إطاعة ما أقول، فبالحقيقة تكونون تلاميذي. وهذا يَتكرَّر في كلِّ العهد الجديد. فالابنُ الحقيقيُّ لله هو الشَّخص الَّذي يُطيعه. اقرأوا ذلك في يوحنَّا 15. واقرأوا ذلك في رسالة يوحنَّا الأولى: "مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا". لا تقل لي إنَّك مؤمن ولكنَّك لا تُطيع كلمة الله. فإن كنتَ مؤمنًا فإنَّ كلمة الله وروح الله يَسكنان فيك. فلا يجوزُ لك أن تَستمرَّ في عمل الخطيَّة باستمرار.
وكما تَرَون فإنَّه يقول: "أنتُم تدعونني ’يا رَبّ‘ ولكنَّكم لا تفعلون مشيئة أبي". وما هي مشيئة أبي؟ "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا". أو كما قال يوحنَّا المعمدان، نَبِيُّ الله: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَم". يجب عليكم أن تروني مُخلِّصًا لكم مِن خطاياكُم، ورَبًّا وإلهًا لكم.
فهناكَ أشخاص يَذكرونَ اللهَ بشفاههم مِن دون أن يكون موجودًا في قلوبهم. وهذا نوعٌ مِن التَّجديف. وقد عَبَّرَ يعقوب عن ذلك بالكلمات التالية: "لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ". مِن جهة أخرى، قال: " كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَة". والأمر هو هكذا دائمًا. انظروا إلى العدد 47 إذ يُسْهِبُ يسوعُ قائلاً: "كُلُّ مَنْ يَأتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ بِهِ...". فأنتَ تأتي إلى المسيح، وتَسمع الإنجيل، وتَعمل به.
وما مَعنى ذلك؟ أنتَ تُطيع وتَفعل ما يُوصيك به الإنجيل. وأنتَ تُؤمِن، وتَقبَل، وتَتوب، وتَعترف. وكلُّ هذه الوصايا موجودة في الإنجيل: تُبْ عن الخطيَّة، واعترف بخطيئتك، وآمن بالربِّ يسوع، واقبل الربَّ يسوع. فهذا هو المطلوب. فهذا وحدُهُ يُخَلِّص. هذا وحدُهُ يُخلِّص. ولا أحد يُقَصِّر في ذلك يذهب إلى السَّماء. فلا أهميَّة للدِّيانة الَّتي يَتَّبعونها، حتَّى لو كانت اليهوديَّة، وحتَّى لو كانت المسيحيَّة، وحتَّى لو كان شخصًا في هذه الكنيسة.
ثُمَّ إنَّه يُقَدِّمُ مَثلاً إيضاحيًّا لا يُنسَى: "كُلُّ مَنْ يَأتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ بِهِ [وهذه هي الطَّاعة] أُرِيكُمْ مَنْ يُشْبِهُ. يُشْبِهُ إِنْسَانًا بَنَى بَيْتًا، وَحَفَرَ وَعَمَّقَ...". وهذه إشارة إلى التَّوبة إذ إنَّني أتعمَّقُ في حقيقة حياتي، وأتعمَّقُ أيضًا في الحقِّ الإلهيِّ. "...وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْر". والكلمة "صَخْر" هي لفظة مُستخدمة في العهد القديم للإشارة إلى الله. أليس كذلك؟ والكلمة "أساس" هي لفظة مُستخدمة في العهد الجديد للإشارة إلى المسيح؛ وهي مُستخدمة مَرَّات عديدة؛ ولا سيَّما في رسالة كورِنثوس الأولى 3: 11.
إذًا، أنتَ تَحفر، وتَتعمَّق في الوقائع الروحيَّة، وتَحفر عميقًا، وتضع الأساسَ على طَبقة صَخريَّة. "فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ..." كما كان يحدث في أحيان كثيرة وما زال يحدث بين الحين والآخر في إسرائيل، كما يحدث أيضًا في كاليفورنيا. فالمُناخُ جافٌّ جدًّا، ويُشبه كثيرًا مُناخنا هنا. وعندما تَسقط أمطار غزيرة، تَفيضُ الأنهُرُ وتبتدئُ بِجَرْفِ البيوت. فهذه هي الصُّورة الحقيقيَّة هنا. وفي هذه الصُّورة، كانوا يَعرفون تمامًا ما هي هذه الصُّورة. فهناك شخص يَبني بيتًا له، ويَضع أساسًا عميقًا فيأتي السَّيلُ عندما تَهطل الأمطار وتفيضُ المياه فوق ضِفاف الأنهُر الجافَّة، فيَصْدُمُ السَّيلُ الجَارِفُ البيتَ. واللُّغة هنا تصويريَّة وحيَّة جدًّا. فقد "صَدَمَ النَّهْرُ ذلِكَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْر". والعبارة "مُوسَّسًا على الصَّخر" تُلخِّص ببساطة كلَّ ما تَمَّ فِعلُه: الحفر عميقًا، ووضع الأساس على الصَّخر. فالأمرُ كُلُّه يتوقَّف على الأساس.
والبيتُ هو حياتُك الدِّينيَّة. والبيتُ هو حياتُك الكَنسيَّة. والبيتُ هو يَهوديَّتُك. والبيتُ هو نشاطُكَ الدِّينيّ، وطقوسُك، وهَلُمَّ جَرَّا. والسَّيلُ هو الدَّينونة الإلهيَّة. والعاصفة ستأتي مِن عند الله. فهي غضبُ الله. ولكنَّها لا تستطيعُ أن تُزعزعَ هذا البيت لأنَّه مَبنيٌّ على أساسٍ لا يَتزعزع. والأساسُ في العهد القديم هو الصَّخر الَّذي هو الله. والأساسُ في العهد الجديد هو المسيح.
ولكن يمكننا التَّوسُّع في ذلك. فَفي إنجيل مَتَّى والأصحاح 7 يقولُ يسوع: "فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا... فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا"؛ إشارةً إلى "هذه الكلماتِ الَّتي أقولُها". وَهُوَ يقول الشَّيءَ نفسَه هنا في العدد 47: "يَسمَع كَلامي". لِذا فإنَّ ما تقرأونه هنا هو رسالة مِن المسيح؛ أي عن الله بصفته الصَّخرة، وعن المسيح بصفته الأساس، وعن الإنجيل. لذا فإنَّ أيَّ شخصٍ يَبني حياتَه على الإنجيل، وعلى حجر زاوية الإنجيل إذ نَقرأ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 16: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ". فهذا هو الأساسُ الصَّخريُّ وحجر الزَّاوية.
فعندما تَحفُرُ عميقًا وتَبني حياتَك على الله في المسيح والإنجيل، لن تتمكَّن أعاصيرُ الدَّينونة مِن هَدْمِ بيتك. وهذا يُشيرُ لا إلى الشَّخص المُعجَب بيسوع، بل إلى الشَّخص الَّذي يَقبلُه رَبًّا ومُخلِّصًا.
مِن جانبٍ آخر، يقولُ العدد 49 إنَّهُ يوجد أمامُكَ بَديل: "وَأَمَّا الَّذِي يَسْمَعُ وَلاَ يَعْمَلُ، فَيُشْبِهُ إِنْسَانًا بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الأَرْضِ مِنْ دُونِ أَسَاسٍ..." [وفي إنجيل مَتَّى: "على الرَّمل"]، "... فَصَدَمَهُ النَّهْرُ فَسَقَطَ حَالاً، وَكَانَ خَرَابُ ذلِكَ الْبَيْتِ عَظِيمًا!"
وهذانِ بَيْتانِ دِينيَّان [بالمُناسبة] بُنِيَا كما هو واضح بالطَّريقة نفسها، على الأقلِّ ظاهريًّا. فقد بُنِيَا في نفس المَنطقة لأنَّ نفسَ العاصفة ضَربت البَيْتَيْن. لذا فإنَّ واحدًا منهما هو الحقُّ، والآخرُ هو اليهوديَّة. فَهُما مُتجاوران. ويسوعُ آتٍ. فهو آتٍ بالحقِّ... حَقِّ العهد الجديد. وهذا يَحدثُ في نِطاق اليهوديَّة. فهو لا يتحدَّث عن ديانة في الجانب الآخر مِن الأرض، بل يتحدَّث عن اليهوديَّة؛ أي عن الدِّيانة الَّتي كانت موجودة في ذلك الوقت، وعن أتباعِها. وهو يُصوِّرُها كبيتٍ مِن دون أساس.
وعندما تأتي عاصفةُ الدَّينونة، سيكونُ هذان البيتانِ مُتجاوران. وقد يَبدو ظاهريًّا في نَظَرِ شخصٍ عابِرٍ أنَّ كلَّ شيء على ما يُرام، وجميل، وأنَّ صَرْحًا دينيًّا قد بُنِيَ. ولكن عندما تأتي الدَّينونة فإنَّ البيت الَّذي لا أساس له سيُجرَف. ولا يمكننا دائمًا أن نَعرف ذلك. فنحن ننظر إلى حياة شخصٍ ما حتَّى في الكنيسة ولا نَعرف إن كان المسيح ساكِنًا فيه أَم لا. وقد لا نَعرف إن كان الأساسُ موجودًا أَم لا. ونحن لا نَعرف إن كانوا قد حَفروا عميقًا مِن خلال التَّوبة، أو ما إذا كانوا قد حَفروا عَميقًا مِن خلال فَهم حالتهم الحقيقيَّة قُدَّامَ الله، وما إذا كانوا قد تَضرَّعوا لأجل الرَّحمة، أو ما إذا كانوا قد قَبِلوا المُخلِّص. فنحن لا نَعلم ما إذا كان ذلك قد حَدث أَم لم يحدث، أو ما إذا كانوا يَتصرَّفونَ كَما اتَّفَقَ وحسب.
لقد تَسَلَّمتُ رسالةً قبل أسبوعين مِن رَجُل قال إنَّه بعد أن قَضى اثنتين وعشرين سنة في كنيسة "النعمة" (Grace Chuch) في الخدمة: "خَلَصْتُ". لقد تَمكَّنَ مِن خِداعي. لقد خَدعني حقًّا. فمِنَ السَّهل خِداعي. فلا يمكنني أن أرى الأساسَ كما أنَّني لا أستطيعُ أن أرى أساسَ بيتي. ولكن حيث يوجد أساس، سيَصمُد عندما تأتي الدَّينونة.
وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ الشَّيءَ الجَوهريَّ هنا هو ليس الإعجاب بالمسيح، بل إطاعة المسيح. فقد تَرتقي إلى أعلى مُستوى، وقد تكونُ يهوديًّا مُستقيمَ العقيدة، وقد تَصعَد إلى أعلى السُّلَّم وتكونُ مُعجبًا حتَّى بيسوع، أو قد تُصَدِّقُ أنَّه نَبيّ، أو قد تُصَدِّقُ أنَّه يتكلَّمُ بلسانِ الله، أو قد تُصدِّقُ أنَّه مُعلِّم عظيم، أو قد تكونُ قريبًا جدًّا، أو قد تُقرِّرُ أن تَنسِبَ نفسكَ إليه بطريقةٍ ما، أو قد تَصيرُ أستاذًا مُتحرِّرًا في كُليَّة لاهوت مُتحرِّرة، أو قد تتحدَّثُ عن يسوعَ طوالَ الوقت.
وقد تصيرُ راعيًا مُتحرِّرًا في كنيسة مُتحرِّرة. وقد تَنتمي إلى بِدعة تَتحدَّث عن يسوع. وقد تَنتمي إلى حركة إنجيليَّة تتحدَّث عن يسوعَ وتَقترنُ سَطحيًّا به. ولكنَّ الأساسَ ليس موجودًا. وقد تَقترب جدًّا أو حَتَّى تَنسب نفسك إلى يسوع، أو تَخدِم باسمه؛ ولكنَّ حياتَكَ بأسرِها ستكونُ خَرابًا عَظيمًا. وما يتحدَّث عنهُ هنا بكلِّ تأكيد هو العقابُ الأبديُّ... العِقابُ الأبديُّ.
ولكي نُلخِّصَ ما قُلناه، مِن المُهمِّ جدًّا أن تَحفر عميقًا. ومِن المُهمِّ جدًّا أن تَفْهَمَ بِصدقٍ وعُمْقٍ حالتَك، وأن تَفهمَ بعُمق الإنجيل. فالمسيحيَّة صارت سَطحيَّة جدًّا... وضَحْلَة جدًّا، وبلا أساسٍ، وبلا عُمْقٍ، وبلا عمليَّةِ حَفْر، وبلا انكسارِ قلب، وبلا حُزْن، وبلا إدراكٍ حقيقيٍّ للبؤس، وتَفتَقِرُ إلى العُمق.
والسَّطحيَّة تُنشئُ مؤمنًا سَطحيًّا. ولكنَّنا هنا أمام شخصٍ يَبحثُ عن حقِّ الإنجيل، ويَقبَل تعليمَ المسيح، ويَحفر عميقًا. فهو ليسَ في عَجَلَة مِن أمرِه، ولا يَهتدي سريعًا، ولا يَعترف اعترافًا سَطحيًّا مُتأخِّرًا، بل هو إنَّهُ يَحسِبُ بدقَّة الكُلفَة، ويَحفر عميقًا على أساس توبته. فهو شخصٌ يَعرف أنَّ الأساس هو كلُّ شيء. فلا يَهُمُّ حَقًّا كيفَ يبدو البيت. فالزَّخرفة لن تُقَرِّرَ ما إذا كان البيتُ سيَصمُد.
لذا فإنَّكَ أمامَ خِيار؛ وهو أهمٌّ خِيارٍ في حياتك. والخِيار هو بين ديانة تقودُكَ إلى الهلاك، وبين المسيح. حسنًا؟ فهذا هو كلُّ ما في الأمر. وأيُّ شيءٍ خِلاف المسيح هو ديانة تقودُ إلى الهَلاك. فهو شيء يَمْضي بالنَّاس إلى جَهنَّم - أيًّا كانت الوعود أو المَزاعِم بخصوص السَّماء. والحقيقة هي أنَّ ليسَ كلُّ مَن يتحدَّثون عن السَّماء سيذهبون إليها إلاَّ مِن خلال الطَّاعة الحقيقيَّة للإنجيل. فما لم تَتُب، وتَعترف، وتُؤمن، وتَقبل المسيحَ بصفته الأساسَ، لن تَنجو مِن الدَّينونة الإلهيَّة.
وقد تحدَّث يسوعُ عن جَهنَّم أكثر مِمَّا تحدَّث عن السَّماء لكي يُحذِّر البشر مِن حقيقتها. وهذا هو بالضَّبط ما قَصدَهُ حين قال: "وَكَانَ خَرَابُ ذلِكَ الْبَيْتِ عَظِيمًا". وليتَ اللهَ يُساعدكم بنعمته على اتِّخاذ القرار الصَّحيح. فأن تَختارَ أن تَذهب إلى جَهنَّمَ شيء، ولكنَّه شيءٌ آخر أن تَختارَ أن تَذهبَ إلى السَّماء وتَنتهي في جَهنَّم لأنَّكَ اخترتَ ضَلالةً. فلا يوجد خلاص بأحدٍ غير المَسيح.
يا أبانا، نحنَ نَتذكَّر التَّرنيمة القديمة الَّتي تقولُ إنَّ "بيتي مَبنيٌّ لا على شيء سوى على دَمِ يسوعَ وبِرِّه. على المسيحِ الصَّخرة أقف. وكلُّ أرضٍ أخرى هي رِمالٌ مُتحرِّكة". نَشكرُك على نِعمتك العاملة فينا. ونَشكرك لأنَّك فَتحتَ قلوبَنا للمسيح فأقبلنا إليه، وسَمِعنا، وعَمِلنا.
ونَشكرك، يا إلهَنا، لأنَّك وَهَبْتَنا القدرة على أن نُؤمِن، وأَقمتَ نفوسَنا المَيِّتة، ولأنَّنا رأينا المسيحَ في كلِّ مجده، وحتَّى إنَّنا في خِضَمِّ ضَعفِنا وجَهلِنا رأينا المُخلِّص، وأدركنا حاجتنا، وقَبلناه. يا أبانا، ليتنا نَتذكَّر دائمًا أنَّه لا يوجد خلاص في أيِّ مكانٍ آخر. ومِن المُدهش جدًّا، يا رَبّ، أن أقولَ ذلك. فكما قُلتُ على التِّلفازِ ذاتَ ليلة بأنَّكَ إن لم تؤمن بيسوعَ المسيح لن يكون هناك طريق آخر للخلاص. وقد صُعِقَ النَّاسُ جدًّا بسبب ذلك؛ ولكنَّ هذا هو ما قُلتَهُ.
فقد تأتي إلى اليهوديَّة بأتقى أشكالِها. وقد تُقِرُّ بأنَّ يسوعَ هو المُعلِّم الأعظم الَّذي يَتكلَّم بلسان الله. وقد تفعل أمورًا باسمه وتذهب إلى جَهنَّم. وإن كان حدوث ذلك مُمكنًا وأنتَ بهذا القُرب، مِن المؤكَّد أنَّه الأمر الَّذي يَحدث عادةً كُلَّما زاد بُعدُكَ عن المسيح. ساعِدنا على أن نَعلم أنَّ هذا هو السَّببَ في أنَّك قلتَ لنا أن نَذهب إلى كُلِّ العالَم، وأن نَكرِز بالإنجيل إلى كلِّ الخليقة، وأن نُعَلِّمهم أن يَحفظوا [كما قال يسوع]: "جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ". أنتَ تُريدُ الطَّاعة. ونحن نُريد أن نُفَعِّلَ تلك الطَّاعة بقوَّة رُوحِك.
وصَلاتُنا، يا ربُّ، اليومَ هي أن تُنهِضَ قُلوبَنا كما ابتدأتْ جَوْقَةُ التَّرنيمِ الخِدمةَ بتذكيرنا بالحاجة إلى صَحوة. لِذا، ليتَ الرُّوحَ القُدُسَ يُنْهِض قلوبَنا ويُرينا حالَتنا، ويَجعلنا نُدركُ أنَّ يسوعَ المسيحَ وحدَهُ هو المُخلِّص. وليتَنا نأتي ونَسمع ونَعمل طاعةً للإنجيل. لأجل هذا نُصلِّي لِما يَؤولُ إلى تَمجيدِك. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
